Author - manara

توحيد الإنفاق في ليبيا بين حكومتي الغرب والشرق.. إجراء شكلي أم حقيقي؟

علي عبداتي

في خطوة طال انتظارها في ليبيا، أُعلِن عن اتفاقٍ يقضي بتوحيد الإنفاق العام، دون أن يحدَّ ذلك من تساؤلات المراقبين بشأن إمكانية تنفيذه وتجاوز العقبات القائمة في الساحة السياسية، في ظل استمرار الانقسام المؤسساتي في البلاد.

جاء الإعلان على لسان محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، الذي أشرف في 11 أبريل/نيسان 2026 على حفل توقيع “اتفاق الإنفاق العام الموحد” كملحق لـ “الاتفاق التنموي الموحد”، بحضور ممثلين عن مجلسي النواب والأعلى للدولة.

ويتضمن الاتفاق اعتماد الجداول العامة لإنفاق الدولة الليبية، بما يشمل الأبواب الأول والثاني والرابع؛ الأمر الذي يجعله أول توافقٍ على إنفاقٍ موحدٍ على مستوى التراب الليبي كاملًا منذ أكثر من 13 عامًا.

وقال عيسى، في كلمة مقتضبة خلال مراسم التوقيع، إن هذا الاتفاق “ليس مجرد وثيقة مالية، بل يكتب فصلًا جديدًا من فصول العمل الجاد والتعاون الصادق”. واستطرد قائلًا: “إنه تجسيد حقيقي للإرادة الوطنية الجامعة، وإعلان واضح بأن ليبيا قادرة على تجاوز خلافاتها عندما تجتمع على رؤية موحدة لمستقبلها”.

وأضاف عيسى: “اتفقنا اليوم على أن نقطع معًا طريق التشتت والازدواج، ونؤسس لمرحلة من الوضوح والانضباط المالي عبر إنجاز هذا المسار التاريخي الذي يُوحِّد الإنفاق العام في بلادنا”.

يُذكر أن مجلسي النواب والدولة قد وقعا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 “الاتفاق التنموي الموحّد” برعاية أميركية؛ بهدف وقف سياسة الصرف المالي غير المنضبط على مشاريع البناء والتنمية.

الحكومة الشرعية

في تعليقه على الاتفاق، أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، أن التوصل إلى اتفاق يوحّد تنظيم الإنفاق المالي في كامل البلاد، هو خطوة تستهدف معالجة اختلالات تراكمت خلال السنوات الماضية.

وأوضح الدبيبة في تصريح صحفي بالمناسبة، أن الاتفاق يهدف إلى وضع إطار موحد لإدارة الإنفاق العام، بما يضمن توجيه الموارد بشكل أكثر كفاءة.

وشدد على أن المواطن الليبي سيكون المستفيد الأول من هذا التوافق، من خلال تحسين مستوى المعيشة واستقرار الأسعار وتعزيز قيمة الدينار.

وأكد أن نجاح هذه الخطوة مرهون بالتزام جميع الأطراف بتنفيذ بنود الاتفاق بشكل جاد، بما يترجم إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، لافتا إلى أن تحقيق التنمية الشاملة يظل حقاً لكل الليبيين في الشرق والغرب والجنوب، دون تحميل المواطن أعباء إضافية.

وأشار الدبيبة إلى أن الاتفاق يمثل بداية إيجابية نحو إصلاح المسار المالي، مقدرا أنه يحمل مؤشرات على إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي أوسع خلال المرحلة المقبلة.

وفي سياق متصل، ثمّن الدبيبة الدعم الفني المقدم من وزارة الخزانة الأميركية، مشيدا بدور المستشار مسعد بولس في دعم جهود الوساطة السياسية التي أسهمت في الوصول إلى هذا التوافق.

حكومة الشرق

وفي الشرق، أكد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان أسامة حماد، أن التوصل إلى اتفاق الإنفاق الموحد العام للدولة يمثل تحولا مهما على طريق توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

ووفق ما نقل موقع “المشهد الليبي” في 11 أبريل 2026، أوضح حماد أن هذا الإنجاز يعكس قدرة الليبيين على تجاوز التحديات، ليسهم في تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، ودعم استقرار سعر الصرف، والمحافظة على قدرات الدولة.

وأشار إلى أن توحيد الإنفاق العام والميزانية يمثل حجر الأساس لإطلاق برامج تنموية متوازنة في أنحاء البلاد كافة، بما يضمن عدالة توزيع الموارد بين جميع المناطق.

كما جدد رئيس حكومة الشرق التزامه الكامل بالتنسيق المستمر مع مصرف ليبيا المركزي والمؤسسات كافة ذات العلاقة، لضمان حسن تنفيذ الإجراءات المالية وتحويلها إلى نتائج ملموسة.

قراءة سياسية

يرى المحلل والكاتب السياسي الليبي إبراهيم الأصيفر أن الاتفاق على توحيد الميزانية العامة في ليبيا بين الحكومتين المتنافستين يمثل خطوة مهمة من حيث المبدأ، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي المعقد الذي تعيشه البلاد منذ أكثر من عقد.

وأوضح الأصيفر لـ “الاستقلال” أنه منذ الانقسام المؤسسي الذي أعقب أحداث عام 2014، أصبحت الدولة الليبية تعمل بآليتين ماليتين وسياسيتين متوازيتين، وهو وضع غير طبيعي لأي دولة تسعى إلى الاستقرار أو إلى إدارة مواردها بطريقة رشيدة.

لذلك، يردف المتحدث ذاته، “فإن مجرد الوصول إلى تفاهم حول ميزانية موحدة يمكن عده مؤشرا على إدراك متزايد لدى مختلف الأطراف بأن استمرار الانقسام المالي لم يعد قابلا للاستمرار، خصوصا في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي شبه الكامل على عائدات النفط التي تشكل المصدر الرئيس لتمويل الدولة”.

من وجهة نظري، يقول الأصيفر، “تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تتعامل مع أحد أخطر مظاهر الأزمة الليبية، وهو الانقسام في إدارة المال العام”.

وذكر المحلل السياسي أن الإنفاق الحكومي خلال سنوات الانقسام اتسم بدرجة عالية من الفوضى وغياب التنسيق، حيث اعتمدت كل حكومة على آليات إنفاق خاصة بها، الأمر الذي أدى إلى تضخم كبير في بنود المرتبات والدعم، وخلق التزامات مالية طويلة الأجل على الدولة.

وعليه، يرى الأصيفر أن “وجود ميزانية موحدة قد يفتح المجال نظريا لقدر أكبر من الانضباط المالي وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصا إذا تم ذلك تحت إشراف مؤسسات سيادية تمتلك قدرا من الشرعية الفنية مثل مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، اللتين بقيتا من بين المؤسسات القليلة التي حافظت نسبيا على طابعها الوطني رغم الانقسام السياسي”.

بدوره، رأى الأستاذ الجامعي عاطف الحاسية، أن ما جرى أخيرا بشأن ترتيبات الإنفاق العام في ليبيا لا يمكن توصيفه بعدّه ميزانية مكتملة للدولة لعام 2026، بل هو في جوهره “بداية اتفاق سياسي جديد”.

وأشار الحاسية وفق ما نقل موقع “الساعة24” في 14 أبريل 2026، إلى أن هذه الترتيبات تحمل في طياتها أبعادا سياسية وجيوسياسية واضحة، تتجاوز الإطار الاقتصادي البحت.

ولفت إلى أن أي درجة من الاستقرار السياسي داخل مختلف المناطق الليبية ستنعكس بشكل مباشر على كيفية توجيه الإنفاق العام وتحديد أولوياته بما يخدم احتياجات المواطنين.

وأضاف أن الملف الليبي لا ينفصل عن السياقات الإقليمية والدولية، خاصة ما يتعلق باستقرار إنتاج النفط، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد العالمي، مقدرا أن ليبيا أصبحت جزءا من معادلة أوسع ترتبط بأمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية.

وشدد الأستاذ الجامعي أن الخلاف القائم بين الغرب والشرق الليبي لا يقتصر على مسألة توزيع الأموال، بل يتجاوز ذلك إلى قدرة كل طرف على تنفيذ المشاريع وتحقيق نتائج ملموسة، مقدرا أن معيار النجاح الحقيقي سيكون مرتبطا بكفاءة التنفيذ وجودة المخرجات.

ونبه إلى وجود تحفظات تتعلق بآليات الرقابة والضبط المالي، مؤكدا أن نجاح هذه الترتيبات سيظل مرهونا بمدى تحقق الإنجاز الفعلي على الأرض، وليس بمجرد التوافقات النظرية.

ويرى الحاسية أن النقاشات الجارية حول توزيع الإنفاق، رغم تعقيدها، تمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ مفهوم التنمية، مع ضرورة تعزيز الشفافية والرقابة لضمان تحقيق نتائج ملموسة.

ورأى الحاسية أن غياب الشفافية في تفاصيل الاتفاق يمثل أحد أبرز التحديات، مشيرا إلى أن الثقة في البيانات الرسمية ما تزال محدودة لدى شريحة واسعة من الليبيين، بما في ذلك بعض التقديرات الصادرة عن المصرف المركزي.

ولفت إلى أن الاقتصاد الليبي بحاجة إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو مشاريع مستدامة، خاصة في مجالات البنية التحتية ورأس المال البشري، بدلا من التركيز على الإنفاق الاستهلاكي.

تفاعلات متعددة

على المستوى الرسمي أيضا، أكد رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حرص المجلس على دعم كافة مبادرات لم الشمل وتحقيق الاستقرار.

وشدد تكالة، وفق ما نقلت “وكالة الأنباء الليبية” في 14 أبريل 2026، أهمية التشاور المستمر بين الأجسام السياسية لتوحيد المواقف تجاه القضايا المصيرية والوصول بالدولة إلى مرحلة الاستقرار الدائم.

جاء ذلك خلال استقباله بمقر مجلس الدولة في العاصمة طرابلس رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، واللذين استعرضا مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.

كذلك عبرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن ترحيبها بتوقيع الملحق رقم (1) لاتفاق برنامج التنمية الموحّد في طرابلس.

ورأت البعثة الأممية في منشور في 12 أبريل 2026، بأن هذا الاتفاق يمثل تقدما مهما نحو معالجة الحاجة الملحّة لتعزيز الانضباط في إدارة الإنفاق العام، وتعزيز قدر أكبر من الاتساق المالي والمساءلة على مستوى البلاد، شريطة وجود التزام مماثل وقوي لضمان التنفيذ الفعّال.

وذكرت البعثة أن الاتفاق يتيح كذلك فرصة لتحسين الحوكمة في قطاع المحروقات، بما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتعزيز ثقة المستثمرين.

ودعت البعثة جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق على ضمان تنفيذه، وإتاحة رقابة صارمة على الإنفاق العام في جميع أنحاء ليبيا بما يتماشى مع المعايير الدولية والتشريعات الليبية ذات الصلة.

كما دعت السلطات إلى توحيد وتعزيز مؤسسات الرقابة المستقلة والفعّالة لضمان أن يحقق إطار الإنفاق الموحّد فوائد ملموسة لجميع الليبيين.

قراءة اقتصادية

من الناحية الاقتصادية، أكدت كبيرة محللي مجموعة الأزمات الدولية بشأن ليبيا كلوديا غازين، أن “الاتفاق على الميزانية الموحدة في ليبيا يمثل خطوة سياسية مهمة، لكن نجاحه الحقيقي سيعتمد على قدرة السلطات في وقف قنوات الإنفاق والتمويل الموازية التي صاحبت النظام المالي خلال السنوات الماضية”.

وذكرت غازين وفق ما نقل موقع “أخبار ليبيا” في 14 أبريل 2026، أن الاختبار الحقيقي سيكون في معرفة ما إذا كانت جميع مصادر المدفوعات الموازية وغير الرسمية، المستمرة منذ سنوات، ستتوقف فعلا.

واسترسلت: “حتى الآن لا توجد سوى إعلانات، وتقييم الأثر الفعلي للاتفاق سيتطلب انتظار الأشهر المقبلة”، مشيرة إلى أن “من بين أبرز المؤشرات التي ستُظهر مدى نجاح الاتفاق احتمال تراجع تهريب الوقود، الذي يعد أحد أهم القنوات غير الرسمية لتوزيع الموارد في البلاد”.

ونبهت غازين إلى أن النظام الليبي اتسم لفترة طويلة بتعدد التدفقات المالية خارج الميزانية، بما في ذلك تهريب الوقود، والديون المصرفية، والعمليات غير الشفافة في قطاع الطاقة.

وخلصت إلى أن “الحكم على نجاح الاتفاق سيظل مرهونا بمدى قدرة المؤسسات الليبية على ترجمة الاتفاق إلى رقابة فعلية على الإنفاق، وتقليص التشوهات التي غذّت المنظومة الاقتصادية والسياسية في البلاد”.

رغم الأبعاد الإيجابية لهذا الاتفاق، يرى المحلل السياسي إبراهيم الأصيفر، أن الاتفاق على ميزانية موحدة لا يمكن عده بحد ذاته مؤشرا حاسما على بداية حل حقيقي للانقسام المؤسسي في ليبيا.

وأبرز الأصيفر لـ “الاستقلال” أن المشكلة الليبية في جوهرها ليست مشكلة مالية بقدر ما هي أزمة شرعية سياسية وتنافس على السلطة.

ولذلك، يردف المحلل السياسي، فإن أي تفاهم مالي بين الأطراف المتصارعة قد يبقى هشا إذا لم يكن جزءا من مسار سياسي أوسع يعالج مسألة الشرعية ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس واضح.

وأشار إلى أن “التجربة الليبية خلال السنوات الماضية مليئة بالاتفاقات التي بدت في لحظة معينة وكأنها تمثل اختراقا مهما، لكنها سرعان ما تعثرت عندما اصطدمت بحسابات القوة والنفوذ على الأرض”.

وأردف، كما أن هناك عاملا آخر أراه بالغ الأهمية يتعلق بما يمكن تسميته باقتصاد الانقسام. فقد تشكلت خلال سنوات الصراع شبكات مصالح واسعة داخل مؤسسات الدولة وخارجها استفادت من حالة الفوضى المالية وغياب الرقابة.

ويرى الأصيفر أن “هذه الشبكات قد لا تنظر إلى توحيد الميزانية بصفته خطوة إصلاحية بقدر ما تراه تهديدا مباشرا لمصالحها. ولهذا السبب، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الاتفاق على أرقام الميزانية أو بنودها، بل في القدرة على فرض قواعد واضحة وشفافة لتنفيذها ومنع تحويلها إلى مجرد أداة جديدة لتقاسم الموارد بين مراكز النفوذ المختلفة”.

انطلاقا من ذلك، يقول الكاتب الليبي، “أرى أن هذه الخطوة يمكن تفسيرها بطريقتين. فمن ناحية، قد تكون بداية مسار تدريجي نحو إعادة توحيد المؤسسات، خصوصا إذا نجحت المؤسسات المالية في فرض نوع من الانضباط على الإنفاق وربط الميزانية بآليات رقابة فعالة”.

واسترسل، ومن ناحية أخرى، “قد تكون مجرد تسوية مالية مؤقتة بين النخب السياسية لضمان استمرار تدفق الموارد دون معالجة الجذور العميقة للأزمة. وفي هذه الحالة قد يتحول توحيد الميزانية إلى شكل من أشكال إدارة الانقسام بدلاً من إنهائه”.

وتابع: “وبشكل عام، أميل إلى الاعتقاد بأن الاتفاق على ميزانية موحدة يمثل خطوة إيجابية لكنها محدودة الأثر إذا بقيت معزولة عن مسار سياسي حقيقي يعيد بناء الشرعية والمؤسسات في ليبيا”.

ونبه الأصيفر إلى أن “الدول لا تستقر فقط عبر توحيد ميزانياتها، بل عبر وجود سلطة سياسية واضحة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه في جميع أنحاء البلاد”.

وخلص إلى أنه إذا لم يتم ربط هذه الخطوة بإصلاحات مؤسسية أعمق، وبمسار سياسي يقود في النهاية إلى سلطة تنفيذية موحدة تحظى بشرعية وطنية، فمن المرجح أن تبقى الميزانية الموحدة مجرد إجراء تقني في دولة ما تزال تعاني من انقسام سياسي عميق.

_____________________

القضاء الليبي على حافة الانقسام: هل تسبق الإرادةُ الانهيار؟

مجدي الشارف الشبعاني

لم تعد أزمة القضاء في ليبيا مسألة قانونية قابلة للنقاش، بل تحوّلت إلى خطر وجودي يهدد بقاء الدولة نفسها. فعندما يختل ميزان العدالة، لا يتوقف الأمر عند حدود المحاكم، بل يمتد ليصيب فكرة الدولة في جوهرها، ويقوّض الثقة في كل مؤسساتها. اليوم، لم يعد السؤال: ما الذي يحدث داخل القضاء؟ بل: هل لا يزال لدينا قضاء واحد أصلا؟

حين تدخلت السياسة في صميم العدالة

بدأت الأزمة عندما تم كسر أحد أهم أعمدة استقلال القضاء: تحييده عن الإرادة السياسية. فقد تدخلت السلطة التشريعية بشكل مباشر في تشكيل قمة الهرم القضائي عبر تعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء، في سابقة تمثل خروجا واضحا عن فلسفة قانون نظام القضاء.

لم يكن ذلك مجرد إجراء إداري، بل لحظة مفصلية؛ انتقل فيها القضاء من كونه سلطة مستقلة إلى كيان قابل لإعادة التشكيل وفق التوازنات السياسية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الشروخ تتسع داخل المؤسسة القضائية.

 حكم دستوري.. فتح باب الأزمة بدل إغلاقه

جاء حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بعدم دستورية التعديلات التي أدخلتها السلطات التشريعية على قانون نظام القضاء، ليعيد -من حيث المبدأ- الاعتبار للشرعية القانونية.

لكن المفارقة أن الحكم، بدل أن يُنهي الأزمة، فتح بابا أوسع لها. فالسؤال لم يعد متعلقا بصحة الحكم، بل بكيفية تنفيذه: هل تُلغى كل الأجسام التي تأسست على النصوص غير الدستورية فورا؟ أم تُدار المرحلة بترتيبات انتقالية تحفظ استقرار المرفق القضائي؟

وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: التطبيق الحرفي للحكم قد يؤدي إلى فراغ مؤسسي، بينما تجاهله يقوض سيادة القانون. كما أُثير جدل واسع حول كون المحكمة -في نظر البعض- بدت وكأنها “تحكم لنفسها”، وهو جدل رمزي، لكنه ترك أثرا حقيقيا على ثقة الشارع في القضاء.

من أزمة قانونية إلى خطر وطني

بعيدا عن الجدل النظري، فإن الواقع اليوم يكشف صورة أكثر خطورة:

وهنا لم نعد أمام أزمة داخل مؤسسة، بل أمام تهديد مباشر لوحدة الدولة. فإذا فقد القضاء وحدته، فمن يحسم النزاع؟ وإذا اهتزت شرعية القاضي، فكيف تُنفذ الأحكام؟ وإذا تعددت المرجعيات، فمن يمثل العدالة؟ الإجابة الصادمة: لا أحد.

– مجلس أعلى للقضاء منقسم بين الشرق والغرب.

– صعوبة انعقاد المجلس بنصاب كامل.

– تعدد في مراكز القرار القضائي.

– تصاعد الشكوك حول شرعية بعض المجالس والهيئات والمحاكم.

هل يمكن إنقاذ القضاء.. من داخل القضاء؟

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن توسيع التدخل السياسي لن يحل الأزمة، بل سيعمّقها، والحل -إن وُجد- لا بد أن ينبع من داخل المنظومة القضائية نفسها.

وهنا يبرز مبدأ الأقدمية، ليس كقاعدة إجرائية، بل كآلية إنقاذ. فإعادة تفعيل دور الجمعيات العمومية بالمحاكم، وتمكين الأقدم من تولي المواقع محل النزاع، يمكن أن يعيد الحد الأدنى من الشرعية، ويوقف حالة الانقسام.

كما أن وجود النائب العام كنائب لرئيس المجلس الأعلى للقضاء -وهو منصب غير محل نزاع- يوفر مدخلا عمليا لدعوة المجلس إلى الانعقاد، واستعادة تماسكه المؤسسي. إنها ليست حلولا مثالية.. لكنها حلول تمنع الانهيار.

مبادرة أكاديمية.. أم فرصة إنقاذ حقيقية؟

في هذا السياق، برزت مبادرة علمية أطلقتها مدرسة العلوم القانونية بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، بمشاركة نخبة من أساتذة القانون وعمداء الكليات. هذه المبادرة لا تقدم وعودا سياسية، ولا تطرح حلولا فوقية، بل تقوم على فكرة بسيطة وخطيرة في آن واحد: إعادة بناء القضاء من داخل قواعده القانونية نفسها.

وتسعى المبادرة إلى:

قيمتها الحقيقية أنها لا تفرض نفسها كحل نهائي، بل كمسار واقعي يمكن البناء عليه. والسؤال ليس: هل هي كاملة؟ بل: هل لدينا بديل أفضل؟

– إعادة تشكيل مؤقت للمجلس الأعلى للقضاء على أساس الأقدمية.

– إدارة المرحلة الانتقالية دون صدام مؤسسي.

– إعداد قانون موحد لنظام القضاء.

– تعزيز استقلال المحكمة العليا والنيابة العامة.

اللحظة التي لا تحتمل التأجيل

ليبيا اليوم لا تواجه فقط أزمة سياسية، بل تقف على حافة انهيار قضائي قد يجرّ وراءه كل شيء. فالقضاء ليس مجرد سلطة، بل هو آخر ما تبقى من فكرة الدولة. وإذا سقط، لن يكون هناك ما يمكن إصلاحه بعد ذلك.

إن إنقاذ القضاء لم يعد خيارا.. بل أصبح واجبا عاجلا. والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن، بلا مجاملة: هل تتحرك الإرادة لإنقاذ القضاء.. أم ننتظر حتى يفقد القضاء قدرته على إنقاذ الدولة؟

____________________





دعوة لانتشال ليبيا وتشكيل مراكز سياسية (1)

عبد العظيم العبيدي 

في مقابلة تلفزيونية على قناة الحدث الليبية، وضمن برنامج «هنا الحدث» في 13 أبريل 2026، تحدث الدكتور علي سعيد البرغثي عن التحديات الكبيرة التي ستواجه ليبيا والليبيين بالنظر إلى مشاهد ثلاثة متصلة مع بعضها – حسب وصفه – ولها تداعيات خطيرة على الحالة الليبية: المشهد الدولي والمشهد الإقليمي والمشهد المحلي.

أخطر هذه المشاهد هو المتعلق بالمشهد الدولي، الأمر الذي حتم على الدكتور علي سعيد، كمتخصص في العلاقات الدولية وتسوية المنازعات، أن يُفصل طبيعة النظام الدولي الحالي، والنظام الدولي القادم الذي سيشهده العالم خلال السنوات العشرين القادمة، وعدد كذلك القواطر التي ستقود هذا النظام الدولي الجديد، ودعا الليبيين إلى ضرورة فهمه واستيعابه، ليتمكنوا من التعامل معه، والاقتراب من بعض تداعياته:

القاطرة الأولى: إن النظام الدولي الحالي تحوّل من «الشرعية القانونية» إلى «الشرعية الاستراتيجية»، وما يُحرك الدول، خاصة الدول العظمى أو الدول القوية في إقليمها، هو ما يُعرف بـ«شرعيتها الاستراتيجية».

القاطرة الثانية: إن النظام الدولي القادم سيشهد العالم فيه، خاصة المناطق الرخوة، إعادة «ترسيم النفوذ» في مواجهة «ترسيم الحدود»، وحالة الصراع التي اتصفت بها العلاقات الدولية تاريخيا، القائمة على الصراع الحدودي، ستنتقل إلى الصراع على النفوذ.
وعند حديثه عن الأزمة الليبية، يطرح الدكتور علي سعيد السؤال التالي: هل هناك نوافذ من الممكن أن تجعل هذا البلد واقعا تحت طائلة ما يعرف بـ«ترسيم النفوذ»؟ ‏

القاطرة الثالثة: إن النظام الدولي الحالي سيشهد الانتقال من «السيادة المطلقة»، التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، إلى «السيادة النسبية»، للأسباب الثلاثة التالية:
أسباب اقتصادية، وأسباب جيوسياسية، وأسباب تتعلق بالأمن والسلم الدولي، الأمر الذي يدفع دول العالم إلى التفكير بشكل مختلف، وبطرق مختلفة، ليست واردة في إطار منظمة الأمم المتحدة.

إن استيعاب وفهم القواطر الثلاث سالفة الذكر يُسهل على النخب الليبية الإجابة عن السؤال التالي: ما هي التداعيات التي سيشكلها هذا النظام الدولي؟

‏وحصر الدكتور علي سعيد البرغثي التداعيات في أربعة تداعيات، وصفها بأنها «خطيرة» على جميع دول العالم، ولا يقتصر الأمر على الدولة الليبية فقط، وأن الدول الناجية من هذه التداعيات المحتملة هي تلك الدول التي امتلكت المناعة التي ستُمكنها من تفويت فرص انهيارها.

أول هذه التداعيات: «عودة لاستخدام القوة» بدلا من الامتناع عن استخدام القوة. إذن، وحسب تعبير الدكتور علي سعيد، فإن استخدام القوة وارد في أي لحظة في ظل النظام الدولي الجديد، ومن أي دولة تجاه أي ‏دولة أخرى، خاصة أن الحاصل الآن في العالم أن أصبح موضوع القانون الدولي في حد ذاته خارج موضوع اللعبة الدولية والعلاقات الدولية.‏

ثاني هذه التداعيات: «تجفيف منظمة الأمم المتحدة»، حيث تكهن الدكتور علي سعيد البرغثي بأنه مع نهاية السنوات المقبلة ستكون منظمة الأمم المتحدة غير ذات معنى، وأنها في السنوات الأخيرة واجهت مشاكل مالية ومحاولات لتجفيفها ‏مالياً، وستُجفف سياسياً أيضاً. والملاحظ اليوم أن جميع الحلول التي تتجه نحو الأزمات هي خارج إطار هذه المنظمة الدولية، ‏الأمر الذي دفع الدكتور علي سعيد إلى أن يصف المرحلة الدولية الراهنة بأنها «مرحلة مخاض دولية»، ستشهد منظمة الأمم المتحدة خلالها أياما صعبة.

ثالث هذه التداعيات: «خطر الطاقة»، فالدول التي لديها الطاقة، وتمتلك الموارد الطاقية، قد تكون هذه الطاقة وبالا عليها ومصدرا للخطر، على اعتبار أن الفكرة في ‏النظام الدولي القادم «الغاشم»، حسب وصف الدكتور علي سعيد، أنه ليست هناك حدود بأن تنتزع دولة مصادر طاقية من أجل مصلحتها الاقتصادية بشكل ‏مباشر، وأن هذا المنطق هو ما دفع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للتصريح والتهديد بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند، ودفعه في السابق للاستيلاء على موارد فنزويلا، وسيذهب إلى غيرها. ‏إذن، من مظاهر النظام الدولي الجديد هو انتزاع مصادر الطاقة بالقوة.

ويسأل الدكتور علي سعيد بعد كل هذه الصور الإجمالية عن قواطر النظام الدولي الجديد وتداعياته المحتملة السؤال التالي: ما الأثر الذي سوف يكون على ليبيا، التي تعيش في حالة أزمة، وما هي الآثار التي يشكلها هذا ‏النظام الدولي عليها؟ ‏
ويقول إن الإجابة عن هذا السؤال يحتم عليه أن يُجيب أولاً عن السؤال التالي: ما هو المشهد الراهن لهذه الأزمة التي تعيشها ليبيا؟ فهذا سيمكننا من أن نكتشف الثقوب التي من الممكن أن تدخل منها تداعيات النظام الدولي سالفة الذكر، ‏وكذلك معرفة الثقوب التي يجب أن تغلق مبكراً قبل أن تدخل من خلالها تداعيات هذا النظام الدولي؟

في هذا السياق، عدّد الدكتور علي سعيد ثلاثة مشاهد تعيشها الأزمة الليبية، تستدعي جميعها حالة من «الهشاشة»، التي تمثل الثقب الأكبر لتداعيات النظام الدولي، لتجد طريقها للدولة الليبية:

أول هذه المشاهد: «انغلاق المشهد السياسي الليبي»، الذي يصفه الدكتور علي سعيد بأنه مشهد خطير للغاية، لا سيما وأن كل الأطراف المحلية والدولية تنظر إلى أمرين في توصيفها المشهد السياسي الليبي، الأول: الحفاظ على الوضع الراهن، والثاني: ناتج الحل من منظمة الأمم المتحدة عبر بعثتها الأممية.

ويؤكد الدكتور علي سعيد في هذه النقطة الأمر التالي: إن الذي يقول إن من الممكن الحفاظ على الوضع الراهن فهو «واهم»، حسب وصفه، وإن الذي ينتظر الحل من المجتمع الدولي فهو «غاشم»‏.
ويوضح الدكتور علي سعيد أن الأمر هنا لا يتعلق بـ«الحلول الجزئية» التي تأتي من بعض الدول التي تؤثر على المشهد الليبي، ولكن من المجتمع الدولي ككل، الذي سوف لن ينتج حلاً للأزمة الليبية على الإطلاق، حسب وصفه.

ثاني هذه المشاهد: «مشهد عسكري أمني» غير مستكمل، الذي يصفه الدكتور علي سعيد بـ«الحزام الآمن» الذي تشهده أجزاء من أقليم ليبيا دون أجزاء أخرى، مشددا على ضرورة استكماله، ليتمكن الليبيون من صد تداعيات النظام الدولي القادم.

ثالث هذه المشاهد: «مشهد تدخل خارجي متزايد» في ظل مرحلة الهشاشة التي تعيشها ليبيا، حيث حذر الدكتور علي سعيد من توسع دائرة التأثير من الخارج على الأزمة الليبية، حيث إن أي ناتج وارد من الخارج سيكون ناتجا خطيرا كنتيجة لحالة الهشاشة التي نعيشها.

ويضع الدكتور علي سعيد المعادلة التالية:
نظام دولي «غاشم» وتداعياته المحتملة + حالة من الهشاشة الليبية + مشهد سياسي ليبي منغلق + حزام آمن غير مستكمل + مشهد تدخل خارجي متزايد = ما الذي يجب على النخب والأطراف الليبية أن تعمله؟

ويقول الدكتور علي سعيد إن حل هذه المعادلة يحتم علينا تفسير التحركات السياسية القائمة اليوم التي تدفع نحو تسوية الأزمة، والتي تعددت بتعدد جهاتها، المتمثلة في المبادرة الأمريكية وخريطة الطريق الأممية، بالإضافة إلى حلول ومبادرات أخرى، منها ما كانت في السابق وفشلت، ومنها ما تنسج هنا وهناك، وشكلت في النهاية منظراً شبيها بـ«بانوراما الحلول»، التي في مجملها متصلة بمصفوفات مصالح يجب على الليبيين والنخب الليبية إدراكها:

الأول: إن ليبيا كانت قبل توقيع اتفاق الموازنة الموحد (الذي وحد الإنفاق التنموي والعمل الاقتصادي) تعيش انقساماً ناعماً، وبعد هذا الاتفاق انتقل هذا الانقسام الناعم إلى انقسام واقعي. وعلل الدكتور علي سعيد الأمر قائلا: «الاتفاق الذي وُقع قد أُقر من الجناحين (يقصد الطرف في الشرق والطرف في الغرب)، وهو ما يعني تثبيتا للوضع السياسي، والأكثر من ذلك للوضع الاقتصادي أيضا، والمفقود في هذا المشهد هو الانتقال ‏إلى ما يُعرف بحالة (الاستدامة السياسية)، وهو ما يمثل الانتقال إلى الزاوية الأخرى المفقودة التي يجب أن تتشكل، المتمثلة في الزاوية السياسية».

بعبارة أخرى، من أجل استعادة التحكم في الدفة فيما يتعلق بالحالة الليبية الراهنة، بعد ما شهدته من التطورات الأخيرة في المشهد الاقتصادي والأمني والعسكري، يتطلب من الليبيين العمل على تأسيس مركز سياسي أو مراكز سياسية حسب الحاجة التي تُمليها الجغرافيا والإيديولوجية والتقسيم الاقتصادي والمالي، بالإضافة إلى السلطات الواقعية.

‏ووصف الدكتور علي سعيد هذه الأركان الثلاثة بزوايا المثلث (الهرم)، حيث الزاوية الأولى هى زاوية الأمن والاستقرار، والزاوية الثانية هي زاوية الاقتصاد، وما فيها من إ‏عمار وتنمية، والزاوية الثالثة هي زاوية ما يُعرف ببرنامج «الاستدامة السياسية».

____________________

ليبيا بين التعاون والوهم

كيرستن كنيب

لأول مرة، يشارك ممثلون من كلا طرفي الانقسام السياسي في ليبيا في مناورة “فلينتلوك” العسكرية متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة. فهل يمثل هذا بارقة أمل مشروطة لإعادة التوحيد؟

يتدرب جنود من نحو 30 دولة على مكافحة الإرهاب، وممارسة التعاون الدولي، والسعي لتعزيز الاستقرار الهش في المنطقة، ضمن مناورة “فلينتلوك” العسكرية المشتركة بقيادة الولايات المتحدة. تجري التدريبات في ليبيا وساحل العاج حتى نهاية أبريل/نيسان.

وبالنسبة لليبيا، المنقسمة بين إدارتي شرق وغرب بعد سنوات من الحرب الأهلية، فإن مشاركة ممثلين من كلا الشطرين في التمرين لأول مرة تحمل دلالة بالغة الأهمية.

تقارب مرئي

قالت هاجر علي، عالمة السياسة في معهد “غيغا” الألماني للأبحاث (مقرّه هامبورغ)، لموقع دويتشه فيله: “على العموم، تمثل هذه خطوة سياسية لافتة حقاً”. وأضافت أن “فلينتلوك” جزء من تنسيقية تدريبات عسكرية راسخة بقيادة أمريكية، لكن الموقع والمشاركين يحدثان فرقاً هذه المرة.

وأشارت إلى أن “إجراء التمرين في ليبيا لأول مرة ومشاركة كلا المعسكرين المتنافسين يشكلان سمة خاصة”، مذكرة بأنه يندرج بوضوح ضمن الجهود طويلة الأجل لتوحيد القوات المسلحة المجزأة منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.

ويوافقه الرأي مايكل باور، رئيس مكتب مؤسسة كونراد أديناور في تونس، قائلاً: “المصافحة العلنية بين المعسكرين المتنافسين تمثل علامة نادرة ومرئية على التقارب”. وأضاف لموقع DW أن هذا يثبت إمكانية التعاون، على الأقل على المستوى العملياتي، وإن كان لا يزال تحت وساطة خارجية، خاصة من الولايات المتحدة.

دولة مختلة وظيفياً

هذا التقارب الحذر تحت الضغط الأمريكي يشمل دولة لا تزال بالكاد تعمل كدولة. فوفقاً لمؤشر “برتلسمان” للتحول 2026 الصادر حديثاً: “تفتقر البلاد إلى هيكل حكومي موحد وفعال، مع فصل واضح بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية”.

بمعنى آخر، تتوزع السلطة السياسية والاقتصادية بين حكومات متنافسة وجماعات مسلحة وفاعلين إقليميين آخرين، مما ينتج بيئة سياسية مجزأة تعيق إرساء حكم ديمقراطي فعال.

منذ عام 2014، ليبيا منقسمة بين حكومتين متنافستين: في الغرب، حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة ومقرها طرابلس؛ وفي الشرق، حكومة الاستقرار الوطني في طبروق، المدعومة من الجنرال خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي.

على هذه الخلفية، يبقى أي شكل من أشكال التعاون لافتاً، والتمرين العسكري ليس المثال الوحيد. فمؤخراً، ولأول مرة منذ سنوات، تم اعتماد ميزانية وطنية موحدة. يرى خبير شمال أفريقيا باور في ذلك “علامة ملموسة على التقارب المؤسسي”، لكنه يحذر من التوقعات غير الواقعية.

وترى هاجر علي أيضاً أن هذه مجرد خطوة ممكنة في مسار أطول. وقالت: “الميزانية الموحدة قد تساعد في إعادة توازن هياكل السلطة الاقتصادية، خاصة تجاه فاعلين مؤثرين مثل الجنرال خليفة حفتر الذي يحكم شرق البلاد وشبكته المتغلغلة بعمق في البنى الاقتصادية الليبية”. وأضافت أنه على الأقل، تمثل محاولة لتركيز النفوذ السياسي والاقتصادي بشكل أقوى.

عوامل أخرى مؤثرة

يؤكد المحللان أن الدوافع الكامنة وراء التمرين العسكري بقيادة أمريكية تمتد إلى ما هو أبعد من ليبيا، لتركّز على مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل بأكملها، والانتشار المتزايد للأسلحة هناك (نتيجة للحرب في السودان مثلاً)، وجهود دحر النفوذ الروسي. وتشير هاجر علي بشكل خاص إلى الوجود الروسي في شرق ليبيا، قائلة: “الولايات المتحدة تحديداً تسعى بوضوح لمواجهة هذا بقوة”.

وبسبب موقعها الجغرافي في شمال أفريقيا ومواردها النفطية، أصبحت ليبيا مسرحاً للتنافس الاستراتيجي الدولي بشكل متزايد. وقد ذكر معهد الشرق الأوسط (مقره واشنطن) مؤخراً: “إنتاج ليبيا من النفط، المستقر حالياً بترتيبات غير رسمية لكنه هيكلياً هش، بات أكثر أهمية من المعتاد”.

قد يشكل هذا فرصة لليبيا، لكن الديناميكيات السياسية الداخلية تظل غير قابلة للتوقع، كما أن الأسئلة الجوهرية حول توزيع السلطة والموارد لا تزال محل نزاع بين مراكز القوى المتنافسة. ويقول تحليل المعهد: “من غير المرجح أن يُحسم موضوع الخلافة في ليبيا عبر آليات قانونية رسمية فقط”. ومن غير المرجح أن تحدث علامات التعاون المعزولة فرقاً كبيراً في معالجة هذه المشكلة البنيوية.

توترات اقتصادية

قدّر صندوق النقد الدولي في دراسة حديثة: “المسار المالي الحالي لليبيا غير مستدام. العجز المالي الكبير المتواصل يزيد الضغوط على سعر الصرف والاحتياطيات الدولية والتضخم”. ويشكل ارتفاع الإنفاق العام والتضخم وضغوط العملة ضغطاً على السكان ويفاقم التوترات الاجتماعية. وقد طالما اعتبرت الإصلاحات ضرورة ملحة، لكنها تظل صعبة التنفيذ سياسياً.

وبالرغم من مؤشرات التعاون الأخيرة، يرى المحلل مايكل باوير فرصة ضئيلة في المستقبل القريب لإحراز تقدم جوهري بين الأطراف المتصارعة وقادتها. وقال لموقع DW: “الانقسام يمنحهم إمكانية الوصول إلى الموارد ويضمن نفوذهم”. وأضاف خبير شؤون ليبيا: “محاولات التعاون المحدودة حتى الآن لم تكن أكثر من تعاون يراه الطرفان مفيداً لهما”.

بالنسبة لليبيين، هذا يعني أن التعاون في التدريبات العسكرية والميزانية الوطنية قد يكون خطوة أولى. لكن ما دام الفاعلون السياسيون الرئيسيون يواصلون جني الأرباح من انقسام ليبيا والحفاظ على هياكل قوتهم، فمن المرجح أن تبقى ليبيا القوية والموحدة مجرد وهم.

***

كيرستن كنيب – محرر سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط

________________

ليبيا توحّد ميزانيتها: هل يبدأ الاستقرار من بوابة المال؟

نورة مجدوب

رحَّبت عشرُ دولٍ، في بيانٍ مشتركٍ نشرته الخارجية الأمريكية، بتوقيع حكومتي الشرق والغرب في ليبيا ميزانية موحَّدة للبلاد تنهي 13 عاما من الانقسام المالي والإنفاق المزدوج.

وكان محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى قد أعلن في 11 أبريل/نيسان توحيد الإنفاق العام بين شرق البلاد وغربها، من خلال إقرار ميزانية موحدة وقَّع عليها كل من عيسى العريبي ممثل مجلس النواب الذي مقره في بنغازي، وعبد الجليل الشاوش ممثل المجلس الأعلى للدولة في طرابلس.

وتنقسم السلطة في ليبيا بين حكومتين: حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا برئاسة عبد الحميد الدبيبة ومقرها العاصمة طرابلس التي تدير منها غرب البلاد، وحكومة شرق ليبيا التي تدير شرق البلاد ومعظم مدن الجنوب برئاسة أسامة حماد والتي عينها مجلس النواب مطلع 2022، ومقرها بنغازي.

الدول الموقعة على البيان هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ومصر وتركيا والسعودية والإمارات وقطر.

ووصفت حكومات الدول العشر توقيع ميزانية موحدة لليبيا لهذا العام بأنه “خطوة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القيادات الليبية في الشرق والغرب”.

وذكرت الدول العشر الموقعة على البيان أن “التنفيذ الكامل للميزانية الموحدة سيسهم في تعزيز الاستقرار المالي في ليبيا، والدفاع عن قيمة الدينار والقوة الشرائية للشعب الليبي، وتمكين تنفيذ مشاريع التنمية والاستثمارات الدولية في مختلف أنحاء البلاد، إضافة إلى تعزيز المؤسسات التكنوقراطية الحيوية في البلاد، بما في ذلك مصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، وديوان المحاسبة الليبي”.

تفاصيل الخطة المشتركة

تبلغ قيمة الميزانية الموحدة نحو 30 مليار دولار مقسمة إلى بنود، يقول محللون مختصون في الشأن الليبي إن هناك إجماعا عليها.

وقد استحوذ البند الخاص بالرواتب على النصيب الأكبر من الميزانية بقيمة 73.16 مليار دينار، إذ تمثل الرواتب نحو 36.7 في المئة من إجمالي الإنفاق العام. بينما قدرت “النفقات التشغيلية” بنحو 10 مليارات دينار، إضافة إلى 13.6 مليار دينار نفقات تشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط. وخصصت الميزانية المتفق عليها 40 مليار دينار لبند التنمية قُسّمت بين حكومتي الشرق والغرب. فيما خُصّص ما تبقى لباب “الدعم”.

وسعت واشنطن إلى تثبيت هذا الاتفاق، إذ زار كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، ليبيا في وقت سابق داعيا لدعم جهود بعثة الأمم المتحدة للدفع نحو عملية سياسية يقودها الليبيون لتوحيد المؤسسات.

وقال بولس: “نشجع جميع أصحاب المصلحة الليبيين على الانخراط بشكل بنّاء مع بعثة الأمم المتحدة واتخاذ خطوات ذات مغزى نحو توحيد المؤسسات، وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ذات مصداقية تتيح للشعب الليبي اختيار قادته”.

وجدد بولس هذا الدعم الأمريكي في أحدث لقاء جمعه بالدبيبة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا. وفي تدوينة في حسابه على منصة إكس كتب بولس: “ناقشنا سبل البناء على هذه الخطوات في مجالي التكامل الاقتصادي والعسكري، وكيف يمكن للولايات المتحدة دعم التقدم نحو توحيد المؤسسات الليبية كافة وإجراء انتخابات وطنية”.

وتعود بداية هذه الخطة المشتركة إلى شهر آب/ أغسطس الماضي، حين قدمت رئيسة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، إحاطة لمجلس الأمن الدولي أعلنت خلالها خريطة طريق جديدة ترتكز على ثلاث نقاط أهمها توحيد المؤسسات من خلال حكومة جديدة موحدة بهدف إجراء انتخابات ليبية.

يأتي ذلك ضمن جهود تبذلها البعثة الأممية بهدف إيصال ليبيا إلى انتخابات تحل أزمة صراع دام أكثر من عقد بين حكومتي الشرق والغرب.

وفي تدوينة نشرها يوم الاتفاق على صفحته على فيسبوك، وصف رئيس حكومة الوحدة، المعترف بها دوليا، عبد الحميد الدبيبة الاتفاق بأنه “خطوة تحمل بوادر خير”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “الاختبار الحقيقي يكمن في الالتزام الجاد من جميع الأطراف، حتى يتحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية”.

أما الحكومة في الشرق برئاسة أسامة حماد، فقد وصفت الاتفاق بأنه “خطوة تمثل تحولا مهما على طريق توحيد المؤسسات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد”، وجدّدت التزامها الكامل بالتنسيق المستمر مع المصرف والمؤسسات الشريكة لضمان حسن تنفيذ هذه الإجراءات المالية.

وفي تصريح لبي بي سي نيوز عربي من شرق ليبيا، قال الصحفي الاقتصادي، عبد الله الزايدي، إن هذا الاتفاق “يفتح آفاقاً تتجاوز مجرد صرف الرواتب أو تغطية النفقات. فنحن نتحدث عن خريطة للاستقرار من خلال توسيع الاستثمار وتحفيزه، إذ تمثل الميزانية الموحدة الضوء الأخضر الذي ينتظره المستثمر المحلي والمستثمر الأجنبي حتى يجد ضمانة للعمل”.

وينظر الزايدي بتفاؤل إلى الاتفاق الذي قال إنه “سيدفع إلى استقرار العملة وتحسين القوة الشرائية ويفتح طريقاً للتنمية الشاملة التي تليق بموارد ليبيا”.

ميزانية واحدة أم إعادة توزيع للنفوذ باسم المال؟

يجمع اتفاق الميزانية الموحدة بين طرفين يخوضان صراعاً منذ 13 عاماً، ويرى خبراء في الشأن الليبي أن عثرات كبيرة تواجه تنفيذ بنود الاتفاق بسبب استمرار ما يصفونه بـ”قنوات الإنفاق الموازي غير الخاضع للرقابة” خاصة المتعلقة بمجال الطاقة، وغياب الرقابة وآليات التحقق من الإنفاق مما يجعل هذا الاتفاق عرضة للانتهاكات.

قال الكاتب السياسي الليبي، عز الدين عقيل، لبي بي سي، إن “هناك أطرافاً تبيع النفط بطريقة موازية عبر التهريب رغم قرار مجلس الأمن ببيع النفط الليبي فقط عن طريق المؤسسة الوطنية للنفط، كما أن هناك بنوكاً دولية تورطت في إتمام العمليات المالية من دون مراقبة. سيعمل هؤلاء على خلق خروقات في هذه الميزانية لعلهم يستفيدون منها، وذلك لأن البيئة الحالية تناسب النفوذ الأجنبي المخالف للقانون والمرتبط بأعمال الفساد.”

وحسب الخبراء فإن وجود حكومتين ومراكز قرار متعددة هو ما أدى إلى خلق مسارات صرف متوازية أربكت الاقتصاد الليبي الذي يعتمد أساسا على النفط لتمويل غالبية احتياجاته المالية. وتمثل حصة النفط والغاز 94 في المئة من إجمالي صادرات ليبيا لعام 2024.

وقال الكاتب السياسي صلاح البكوش إن:”الحديث عن ميزانية موحدة ليس مجرد نقاش محاسبي، بل سؤال حول السلطة: من يقرر؟ ومن يصرف؟ ومن يراقب؟ إذا كانت الميزانية أداة تنمية، فلماذا تتحول كل مرة إلى ساحة صراع؟ وإذا كان الهدف هو توحيد الإنفاق، فلماذا لا نوحد المؤسسات بدلاً من توزيع المال على عدة نسخ من مؤسسة واحدة؟”، ويرى البكوش أن الاتفاق هو في الواقع “إعادة توزيع للنفوذ تحت عنوان مالي”.

وأضاف البكوش:”إذا لم تتحول الميزانية الموحدة إلى أداة دولة، فستبقى أداة صراع. وإذا بقي القرار المالي موزعاً بين أطراف متنافسة، فلن نتحدث عن إصلاح، بل عن إدارة أزمة طويلة بأسماء مختلفة”.

وبشأن الاتفاق يقول عز الدين عقيل إنه “ليس توحيد ميزانية، بل وهم يبيعونه لليبيين، فوحدة الميزانية تكون لحكومة واحدة أما ما حدث فهو تقسيم ميزانية الدولة بين حكومتين”. وشبه عقيل اتفاق الميزانية الموحدة بما حدث سابقا بين بغداد وأربيل متوقعا حدوث مشاكل كثيرة في المستقبل.

ويضيف عقيل مشيراً إلى أن “الصراع بين الحكومتين ليس فقط بشأن تقاسم هذه الأموال، بل بينهما عشرات المشاكل الأمنية والسياسية والثقافية، فأي أزمة غير مالية قد تقع بين الطرفين ستنعكس على موقف كل منهما من الحصة المالية للآخر، وسنرى أن البلاد بسبب هذه الخروقات التي ستنشأ عن هذا التقسيم قد تصل حتى إلى عودة الحرب الأهلية”.

ويرى شقٌّ واسعٌ من الليبيين أن توقيع ميزانيةٍ مشتركةٍ خطوةٌ مهمةٌ لتوحيد المؤسسات المالية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي بعد قطيعةٍ زادت على عقدٍ من الزمن، فيما يرى آخرون أنها محفوفةٌ بجملةٍ من التحديات السياسية والإدارية والاقتصادية، وأنها محاصصةٌ في ظل ميزانيةٍ مقسَّمةٍ بين طرفي الصراع.

_____________________

واشنطن تتحرك في ليبيا.. معركة نفوذ مفتوحة مع روسيا

تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها في ليبيا عبر دعم خطوات تقارب بين الشرق والغرب الليبيين، في مسعى يهدف إلى تقليص الحضور الروسي داخل البلاد وإعادة فتح المجال أمام استقرار سياسي وعسكري قد ينعكس على قطاع الطاقة والاقتصاد الليبي.

نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعده بينوا فوكون، قال فيه إن الولايات المتحدة تحاول دعم نبذ الخلاف بين الغرب والشرق الليبي في محاولة منها لتعزيز تأثيرها بالمنطقة وتقويض التأثير الروسي وزيادة إنتاج البترول.

وقالت الصحيفة إن الطائرة ذات المحركين هبطت على مدرج طائرات صحراوي في سرت بالقرب من ساحل ليبيا على البحر الأبيض المتوسط، ونزل منها زائر كان وصوله أمرا لا يتصور قبل عقد من الزمن.

في ذلك الوقت، كان مطار القرضابية – سرت الدولي خاضعا لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. ولاحقا، سيطرت عليه مجموعة المرتزقة الروسية فاغنر.

وبعد وقت قصير من نزول الجنرال جون برينان من الطائرة يوم الثلاثاء، استقبله حشد مؤلف من فصيلين ليبيين متنافسين، كان الضابط الأمريكي قد أقنعهما بإجراء أول مناورات عسكرية مشتركة بينهما.

ويقول مسؤولون غربيون إنه إذا سارت الأمور وفقا للخطة، فسيكون ذلك بمثابة الخطوة التالية في إبعاد روسيا عن أكبر قاعدة انطلاق لها في أفريقيا، ووضع إحدى أغنى دول المنطقة بالطاقة والمعادن في مسار أكثر ميلا  نحو الغرب.

ونقلت الصحيفة عن الجنرال برينان، نائب قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا قوله: “إن حجم الإمكانات الاستثمارية يشكل حافزا لإعادة التوحيد”. مشيرة إلى أن استقرار ليبيا قد يفتح المجال أمام الاستفادة من مواردها لصالح مختلف الصناعات، لا سيما في مجالي التكنولوجيا المتقدمة والدفاع.

وتعلق أن هذا طموح كبير، فقد عاشت ليبيا من دوامة العنف منذ سقوط زعيمها السابق، معمر القذافي، ومقتله المروع عام 2011. وتشهد صراعا مستمرا منذ سنوات بين جيشين، أحدهما يدعم الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس، والآخر فصيل منافس بقيادة الجنرال خليفة حفتر، الذي سعى طويلا إلى ترسيخ سلطته من معقله في بنغازي شرق البلاد

وقد استغلت روسيا هذا الفراغ بدعمها لحفتر، حيث أرسلت مرتزقة فاغنر لدعم قواته واستخدمت أراضيه كنقطة وصول لوجستية إلى ست دول في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث استولت على احتياطيات قيّمة من الذهب والماس والأخشاب.

وتحاول خطة السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة استخدام حافز إعفاءات الأمم المتحدة من الحظر الدولي على الأسلحة المفروض على الجيشين إذا تمكنا من التعاون وإنشاء قيادة عسكرية مشتركة.

ومع ذلك لا يزال الطريق طويلا، فبينما كان برينان وفريقه يغادرون المطار في موكب من سيارات تويوتا الرياضية متعددة الاستخدامات، كانت آثار الحرب المدمرة حاضرة وتشوه المشهد الرملي المليء بالأحراش وقطعان الأغنام.

وقالت الصحيفة إن بناء الثقة لا يزال عملية مستمرة، إلا أن مبادرات مثل المناورات العسكرية التي جرت هذا الأسبوع تشير إلى أن البلاد ربما بدأت أخيرا في تجاوز هذه المرحلة.

وعلق جيف بورتر، رئيس شركة “نورث أفريكا ريسك كونسلتينغ” للاستشارات، ومقرها نيويورك: “ليبيا تصبح أكثر تماسكا تدريجيا، وباتت الجهات الغربية التقليدية أكثر استعدادا للتفاعل مع غرب ليبيا وشرقها، بشكل سيؤدي إلى تهميش روسيا”.

وقد بدأ هذا التحول خلال الحرب الروسية في أوكرانيا، فقد خشي حفتر من أن يحاول مرتزقة موسكو القيام بانقلاب ضد فصيله المتمرد، كما فعلوا في روسيا نفسها، وفقا لما قاله مسؤولون ليبيون وأوروبيون سابقا.

ورأى برينان أن هناك فرصة سانحة لجمع حفتر مع عبد السلام زوبي، نائب وزير الدفاع في حكومة طرابلس، لإيجاد سبيل للمضي قدما.

وقال مسؤول دفاعي أمريكي بارز إن المسؤولين تصالحا في نهاية المطاف، حتى أنهما تناولا الغداء معا في بعض الأحيان، على الرغم من انتمائهما إلى معسكرين مختلفين.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التقارب بدأ يظهر على أرض الواقع. فقد تمركز قادة من الرتب المتوسطة من كلا الفصيلين في مركز مشترك قرب سرت، مما عزز قدرة ليبيا على مواجهة الجماعات الجهادية التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد.

وأشار تقرير للأمم المتحدة صدر في شباط / فبراير إلى أن ليبيا فككت مؤخرا أربع خلايا تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية كانت تنشر دعاية على الإنترنت وتتاجر بالبشر إلى أوروبا. وفي يوم الثلاثاء، عزز الجانبان علاقتهما بتشكيل لجنة مشتركة جديدة تضم ستة قادة للإشراف على قوة مشتركة.

وتعد هذه التدريبات خطوة أخرى نحو المصالحة بين الخصمين السابقين. وشاركت القوات الأمريكية الخاصة، التي ارتدت شارات أمريكية وليبية، في عملية إنقاذ وهمية للرهائن شارك فيها 50 مقاتلا ليبيا. كما أشركت الولايات المتحدة شركاء آخرين في هذه العملية، حيث قدم الجيش الألماني الرعاية الطبية وقدمت القوات التركية الدعم باستخدام الطائرات المسيرة وحضر ممثلون من إيطاليا والمملكة المتحدة ومصر وفرنسا، بالإضافة إلى بعض الممثلين من تشاد، جارة ليبيا الجنوبية ومعقل النشاط المسلح.

ومن المتوقع أن تفتح هذه المناورات الباب أمام ليبيا للحصول على المزيد من التدريب والمعدات من الولايات المتحدة وحلفائها، مما يسمح لها بالتوقف عن الاعتماد على روسيا وبيلاروسيا في توفير المعدات والمرتزقة.

وقال مارتن رينولدز، سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا، الذي حضر المناورات: “نرغب في رؤية حكومة، لا ترى ضرورة لإشراك قوى أجنبية”، وبخاصة روسيا.

والأهم من ذلك، أن ليبيا الموحدة قد تشعر بالجرأة على قطع الجسر الجوي الذي تستخدمه روسيا لنقل الأفراد والأسلحة إلى حلفائها الأفارقة، على حد قول مسؤولين غربيين، تماما كما تم تهميش موسكو في سوريا بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد.

وهناك البعد الإقتصادي من اتفاق سلام دائم حيث سيكون العائد كبيرا على ليبيا والولايات المتحدة معا.

وتمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، لكن سنوات القتال وعدم الاستقرار أثرت على قدراتها الإنتاجية وبشكل مزمن. وتبدي شركات النفط الأمريكية الكبرى اهتماما بالبلاد الآن لأول مرة منذ سنوات. وفي شباط/فبراير وقعت شركة شيفرون أول صفقة لها في ليبيا بعد فوزها بترخيص للتنقيب في حقل بحري.

وفي الوقت نفسه، وافقت شركة إكسون موبيل العام الماضي على العودة إلى البلاد، بعد أن أوقفت عملياتها في عام 2013. ويشهد إنتاج النفط ارتفاعاً ملحوظا، حيث بلغ 1.43 مليون برميل يوميا في وقت سابق من هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من عقد، وذلك نتيجةً لتباطؤ الشحنات إلى السوق العالمية بسبب الاضطرابات في الخليج العربي.

وهناك عامل إضافي محفز أيضا، فمن شأن بيئة أكثر استقرارا أن تسهل تطوير موارد ليبيا الهائلة من المعادن النادرة الحيوية الأخرى، والتي تشمل اليورانيوم وربما الليثيوم والكوبالت، حيث يعد الوصول إلى هذه الموارد أمرا مهما لإدارة دونالد ترامب.

________________

تحت غطاء المناورات: الولايات المتحدة تحاول ترسيخ وجودها في ليبيا

تسعى واشنطن إلى تعزيز موقعها في شمال إفريقيا وإضعاف النفوذ الروسي.

قد تصبح ليبيا نقطة مواجهة جديدة بين روسيا والولايات المتحدة. هذا الأسبوع، ولأول مرة، تستضيف الجمهورية مناورات “فلينتلوك 2026” تحت رعاية القيادة الإفريقية للقوات المسلحة الأمريكية، بمشاركة أكثر من 30 دولة.

رسمياً، يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن. لكن في الواقع، تحاول واشنطن ترسيخ وجودها في إحدى الدول الرئيسية بشمال إفريقيا. وما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من تعزيز نفوذها وطرد روسيا من المنطقة، يناقشه مقال “إزفيستيا”.

تحت غطاء المناورات

“فلينتلوك” هي مناورات سنوية تجريها الولايات المتحدة في إفريقيا منذ عام 2005. وعادة ما تُكرس لمكافحة الإرهاب وحماية الحدود والتنسيق بين جيوش الدول المختلفة. هذا العام، يشارك في المناورات أكثر من 30 دولة من إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط. تكمن خصوصية “فلينتلوك” الحالية في أن جزءاً من المناورات يُقام لأول مرة في ليبيا.

منذ عام 2014، انقسمت البلاد فعلياً إلى شطرين. ففي الشرق، في طبرق وبنغازي، ترسخت قوات القائد العسكري خليفة حفتر. وفي الغرب، في طرابلس، توجد حكومة معترف بها من الأمم المتحدة، بقيادة عبد الحميد الدبيبة منذ عام 2021.

تم اختيار مدينة سرت، التي تُعتبر الحدود الشرطية بين مركزي القوة الليبيين، مكاناً للمناورات. وهنا قرر الأمريكيون الجمع بين ممثلين من كلا المعسكرين.

قال جون برينان، نائب قائد القيادة الإفريقية الأمريكية العام الماضي: “هذه المناورات ليست مجرد تدريبات عسكرية. إنها تجاوز للخلافات، وبناء القدرات، ودعم حق ليبيا السيادي في تحديد مستقبلها. من خلال العمل جنباً إلى جنب مع الليبيين من الغرب والشرق، فإننا نساهم بشكل مباشر في جهود ليبيا لتوحيد مؤسساتها العسكرية”.

وهكذا، تحاول واشنطن تقديم المناورات كمحاولة لتعزيز توحيد البلاد. ومع ذلك، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو إضعاف موقف روسيا في البلاد.

ووفقاً للصحيفة، فإن المشاركة في “فلينتلوك” ستسمح للقوات الليبية بالحصول على معدات وتدريبات أمريكية، مما يقلل من اعتمادها على الاتحاد الروسي. ونقلت الصحيفة عن جيف بورتر، رئيس شركة “نورث إفريكا ريسك كونسلتينغ” في نيويورك قوله: “أصبحت ليبيا تدريجياً دولة أكثر انتظاماً. اللاعبون الغربيون التقليديون مستعدون للتفاعل مع كل من غرب وشرق ليبيا، وبالتالي تجد روسيا نفسها على الهامش”.

لم تؤكد وزارة الدفاع الروسية رسمياً وجود عسكريين روس في ليبيا، لكن بعض وسائل الإعلام أفادت بنقل عسكريين ومعدات روسية إلى المنطقة. فبعد تغير السلطة في سوريا، انسحب جزء من القوات الروسية أولاً إلى قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، ثم يُزعم أنه تم نقلهم إلى شرق ليبيا.

لقمة شهية

لا تزال ليبيا واحدة من أكثر الدول جذباً للاعبين الخارجيين في إفريقيا. فهي تمتلك أكبر احتياطي مؤكد من النفط في القارة، حوالي 48.4 مليار برميل. وتقدر احتياطيات الغاز الطبيعي بنحو 2 تريليون متر مكعب. ويشكل استخراج وتصدير الهيدروكربونات أساس الاقتصاد الليبي.

كما تحتفظ روسيا بمصالح اقتصادية في البلاد. ففي أكتوبر 2021، أعلنت شركة “تاتنفت” استئناف أعمال التنقيب في ليبيا، وقالت السلطات في طرابلس إنها مهتمة بعودة كاملة للشركة. وفي العام نفسه، بدأت “غازبروم” إنتاج النفط مرة أخرى كجزء من مشروع في حوض سرت. كما التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحفتر في الكرملين عام 2025.

قال أندريه ياشلافسكي، باحث رئيسي في معهد بريماكوف التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، في مقابلة مع “إزفيستيا”: “لا يزال هناك اهتمام كبير بهذا البلد. لا أستطيع القول إن هذا الاهتمام قد تحقق بالكامل: فإمكانات التعاون الروسي الليبي كبيرة جداً ولديها الكثير لتتطور. لكن هذا يعقده حقيقة أن ليبيا، بعد أحداث 2011، أصبحت مجزأة فعلياً”.

ومع ذلك، فإن الاهتمام الأمريكي بليبيا لا يرجع فقط إلى مواردها الطبيعية. فالبلاد لديها منفذ إلى البحر الأبيض المتوسط، ويمر عبر أراضيها أحد الطرق الرئيسية للهجرة غير الشرعية من إفريقيا إلى الاتحاد الأوروبي. لذلك، فإن الموقع الجغرافي للجمهورية له أهمية استراتيجية كبرى.

بعد تغير السلطة في سوريا، ازدادت أهمية ليبيا بالنسبة لموسكو أيضاً. يتعاون الكرملين مع بعض دول المنطقة. أفادت وزارة الدفاع الروسية بعمل مدربين في جمهورية إفريقيا الوسطى، وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في عام 2021 إن السلطات المالية لجأت إلى “شركة عسكرية خاصة من روسيا” لمكافحة الإرهاب. وفي هذا الصدد، يمكن أن تصبح طرابلس حلقة وصل لموسكو مع دول الساحل.

وأكد الخبير: “على الرغم من كل دراما ما يحدث، لا تزال ليبيا لقمة شهية للغاية من الناحيتين الجيوسياسية والجيواقتصادية. فإلى جانب الهيدروكربونات، ليبيا غنية بموارد الأرض النادرة. النفوذ في ليبيا يعني النفوذ في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والبحر الأبيض المتوسط”.

الدوافع الحقيقية

تقوم واشنطن بمحاولات منهجية لبناء علاقات مع شرق ليبيا في السنوات الأخيرة، بشكل أساسي من خلال صيغة “5+5”. ومهمتها هي تعزيز المصالحة وتوحيد البلاد. لكن من الناحية العملية، لا تزال معظم تصريحات “5+5” تصريحية.

ويبدو أن التوحيد الحقيقي لجيش حفتر مع قوات الأمن في غرب ليبيا لا يزال غير مرجح، كما صرح أنطون مرداسوف، خبير المجلس الروسي للشؤون الدولية، لـ”إزفيستيا”.

في الوقت نفسه، يحافظ أبناء خليفة حفتر، وخاصة بالقاسم، على اتصالات وثيقة مع الولايات المتحدة على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية. ونتيجة لذلك، تظهر شائعات بين الحين والآخر بأن ممثلين مختلفين لعائلة حفتر موجهون نحو لاعبين خارجيين مختلفين، وأن هذا قد يؤدي مستقبلاً إلى صراعات داخلية في شرق ليبيا.

وأوضح الخبير: “لكن هذا التوازن مقصود على الأرجح، ويسمح للشرق بعدم حصر نفسه في الحلفاء التقليديين: روسيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر. وفي الوقت نفسه، تطوير العلاقات مع تركيا، وكذلك مع الدول الأوروبية والآسيوية”.

في الوقت نفسه، لا يزال الوجود الروسي المحتمل في شرق ليبيا جزءاً مهماً من ميزان القوى الحالي. ووفقاً لمصدر، فإن شبكة المنشآت العسكرية الروسية يمكن أن تكون بمثابة ضمان إضافي للاستقرار لبنغازي. لذلك، فمن المرجح أن اتصالات عائلة حفتر مع الأمريكيين لا تتعلق بالرغبة في تغيير الوضع الراهن بشكل جذري، بل بمحاولة للحصول على المزيد من الفوائد الاقتصادية والتسهيلات الأخرى من شركاء مختلفين.

في الوقت نفسه، يشير ياشلافسكي إلى أنه من غير المرجح أن تكون لدى الولايات المتحدة مشاعر إيجابية تجاه ليبيا ورغبة في رؤيتها قوية ومزدهرة. ويقول: “بالنسبة لهم، هذا ‘قفص’ آخر على رقعة الشطرنج الجيوسياسية الكبرى – فرصة لترسيخ وجودهم في شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، في ‘المنطقة الناعمة’ لجنوب أوروبا فعلياً، وفي نفس الوقت محاولة لطرد روسيا من هناك”.

في الوقت نفسه، ووفقاً للخبير، فإن دور روسيا في ليبيا غالباً ما يكون مبالغاً فيه في وسائل الإعلام الغربية. فحتى بعد الأحداث في سوريا، لم تصبح البلاد أولوية لموسكو. ومع ذلك، تحاول الولايات المتحدة، على حد قوله، استغلال الوضع.

واختتم الخبير قائلاً: “لكن لا تنسوا أنه في مرحلة ما، حاول معمر القذافي إقامة علاقات مع الغرب. تخلى القذافي بشكل استفزازي عن برامج تتعلق بأسلحة الدمار الشامل وتقرب من الولايات المتحدة وأوروبا. لكن هذا لم ينتهِ بتطبيع العلاقات، بل بأحداث عام 2011: أولاً الانتفاضة في إطار ‘الربيع العربي’، ثم التدخل العسكري المباشر لدول الناتو. ونتيجة لذلك، قُتل القذافي نفسه، وتوقفت ليبيا فعلياً عن الوجود كدولة موحدة. لقد مرت خمسة عشر عاماً، لكن البلاد لا تزال مجزأة”.

______________________

واشنطن تُعيد هندسة حلفائها في ليبيا… توحيد المؤسّسات أم إعادة تموضع أمني؟

أحمد مصطفى

مناورات سرت تعكس تحركاً أميركياً لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في ليبيا وسط توازنات معقدة وانقسامات قائمة.

يُشكّل تمرين عسكري جمع للمرة الأولى متقاتلين من شرق ليبيا وغربها تتويجاً لتحركات الولايات المتحدة لإعادة صياغة علاقاتها السياسية والأمنية مع هذا البلد، بعد سنوات من الانقسام والصراع المسلح.


فالتمرين الذي أشرفت عليه قيادة القوات الأميركية في أفريقيا “أفريكوم”، تزامن مع ذكرى عملية “إلدورادو كانيون” التي نفذتها واشنطن عام 1986 في ليبيا، في خطوة حملت رسائل رمزية تتجاوز البعد العسكري إلى السياسي.

واختارت الولايات المتحدة مدينة سرت الساحلية مسرحاً لهذه المناورات، وهي مدينة تمثل منذ عام 2019 خط تماس رئيسياً بين الشرق والغرب. وشهدت المناورات أول مصافحة علنية بين صدام حفتر، نجل قائد “الجيش الوطني”، ووكيل وزارة الدفاع في الغرب الليبي عبد السلام الزوبي، إذ استقلا سيارة واحدة لتفقد القوات المشاركة، في مشهد عكس محاولة كسر الحواجز بين الطرفين.

مشهد عسكري… ورسائل سياسية

عكست تركيبة الحضور في المناورات دلالات سياسية لافتة، إذ مثّل الزوبي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، فيما غاب رئيس أركان قوات الغرب المكلف صلاح النمروش، التابع للمجلس الرئاسي

وفي الشرق، سُجّل غياب خليفة حفتر ونجله خالد، رغم موقعهما المركزي في بنية “الجيش الوطني”، ما فتح باب التساؤلات حيال طبيعة التوازنات التي تسعى واشنطن إلى إعادة رسمها داخل المشهد الليبي.

وتزامن ذلك مع تداول مبادرة سياسية يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، تهدف إلى إعادة هيكلة رأس السلطة وتوحيد المؤسسات التنفيذية، في محاولة لربط المسار العسكري بالمسار السياسي.

أولويات أمنية… في مواجهة النفوذ الروسي

حملت المناورات أيضاً رسائل تتعلق بأولويات الإدارة الأميركية، إذ ركزت التدريبات، التي استُخدمت فيها أسلحة أميركية، على مكافحة الإرهاب، واقتحام المواقع المحصّنة، وتحرير الرهائن، في مناطق قريبة من معسكرات تُعد استراتيجية لموسكو.

في المقابل، غاب السلاح الثقيل عن التمرين، وهو العنصر الذي يشكّل إحدى ركائز النفوذ الروسي في ليبيا منذ عهد معمر القذافي، ما يعكس توجّهاً أميركياً لإعادة صياغة التوازن العسكري بعيداً عن هذا النمط من التسليح.

ورأت السفارة الأميركية في ليبيا أن تمرين “فلينتلوك”، الذي يستمر أسبوعين ويجمع قوات من أفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة، يسلّط الضوء على قدرة المؤسسات العسكرية الليبية على العمل المشترك، ويُعد خطوة نحو بناء مؤسسات أمنية أكثر تماسكاً وتعزيز التنسيق الإقليمي.

تفاؤل حذر… وانقسام داخلي

رغم أن اجتماع الخصوم في سرت، إلى جانب اتفاق توحيد الموازنة برعاية أميركية، رفع منسوب التفاؤل بإمكان التوصّل إلى حلّ سياسي، فإن أصواتاً معارضة داخل معسكر الغرب الليبي أعادت التذكير بعمق الانقسامات والتحديات التي تواجه هذه المسارات.

في هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية أحمد العبود، في تعليق لـ”النهار”، أن المناورات تحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري، إذ تعكس محاولة لتثبيت الأمن في منطقة تمتد من السودان إلى عمق أفريقيا، مشيراً إلى أن توحيد المؤسسة العسكرية يشكّل قاعدة لأيّ عملية سياسية مستقبلية.

في المقابل، يحذر المحلل السياسي محمد محفوظ، في تعليق لـ”النهار”، من رفع سقف التوقعات، معتبراً أن توحيد المؤسسة العسكرية ليس مسألة فنية، بل يرتبط بجوهر الأزمة السياسية، ولا يمكن تحقيقه من دون معالجة شاملة لشرعية المؤسسات والانقسام القائم.

إعادة هندسة أم إعادة تموضع؟

ويذهب مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية شريف بوفردة إلى أن التحرك الأميركي “لا يستهدف بالدرجة الأولى توحيد المؤسسة العسكرية، بل إعادة هندسة القوى الأمنية عبر تشكيل قوة مشتركة بإشراف أفريكوم، تتولى مهام حماية الحدود ومكافحة الهجرة والجريمة العابرة”.

ويرى بوفردة، في حديثه مع “النهار”، أن هذا التوجّه يرتبط بمصالح واشنطن الاقتصادية، خصوصاً في قطاع الطاقة، إضافة إلى سعيها للحد من النفوذ الروسي والصيني في ليبيا.

بدوره، يربط رئيس الائتلاف الليبي – الأميركي فيصل الفيتوري بين المناورات والاستراتيجية الأميركية الأوسع، الممتدة من جنوب أوروبا إلى الساحل والصحراء. ويقول لـ”النهار” إن “ما يجري يتجاوز المبادرات السياسية التقليدية، ليشكّل إعادة تموضع أمني شامل في المنطقة”.

لا تبدو المناورات العسكرية في سرت مجرد خطوة تقنية لتوحيد المؤسسة العسكرية، بل تبدو جزءاً من مقاربة أميركية أوسع لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في ليبيا، في ظلّ توازنات معقدة وصراع نفوذ إقليمي ودولي، ما يجعل أي تقدم مرهوناً بقدرة هذه المسارات على تجاوز الانقسامات العميقة داخل البلاد.

___________________

الغارات الجوية والضحايا المدنيين في ليبيا منذ تدخل الناتو عام 2011 (3)

أليسا سيمز وبيتر بيرغن

2011 -2018: من الثورة إلى الحرب الأهلية

بدأ العديد من القادة بين فصائل المعارضة المختلفة في التنافس للسيطرة على اتجاه الثورة حتى قبل مقتل القذافي، لذا عندما انهار النظام أخيرًا، كانت الأجواء مهيأة لخلافات مريرة بين معسكرات المتمردين.

كانت المدفعية والأسلحة الأخرى التي قامت الدول الغربية والعربية بتزويدها لائتلاف المتمردين الذي هزم قوات القذافي أصبحت الآن بحوزة مجموعة من الفصائل المتنافسة.

الحكومة المؤقتة

مباشرة بعد انتهاء تدخل الناتو في أكتوبر 2011، عيّن المجلس الوطني الانتقالي — بقيادة رئيس الوزراء المؤقت محمود جبريل، الذي التقت به وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في باريس في وقت سابق من ذلك العام — نفسه كحكومة مؤقتة وشرع في وضع خريطة طريق للانتقال السياسي.

كان المجلس الوطني الانتقالي قد أعلن في أغسطس، عندما كان من الواضح أن النظام سيسقط، عن خطته لفترة انتقالية مدتها 18 شهرًا، والتي ستبدأ فور انتهاء النزاع. كان هناك العديد من العقبات التشريعية التي يجب تجاوزها — تعيين حكومة مؤقتة، ووضع قانون للانتخابات ولجنة للانتخابات، وإجراء انتخابات برلمانية.

ومع ذلك، كافح المجلس الوطني الانتقالي للحفاظ على ثقة الجمهور بسبب الافتقار إلى الشفافية في تعييناته وعمليات صنع القرار؛ وتضمين مجموعة من قيادة المجلس لمسؤولين سابقين في نظام القذافي؛ ومحاولة لاسترضاء أعضاء الميليشيات غير الراضين الذين يطالبون بالتمثيل في الهيئة الانتقالية، وهو ما شمل منحهم عفواً عن جرائم الحرب التي ارتكبت خلال الثورة.

كافح المجلس الوطني الانتقالي للحفاظ على ثقة الجمهور بسبب الافتقار إلى الشفافية في تعييناته وعمليات صنع القرار. أيضًا، تجاهل الثوار السابقون دعوات نزع السلاح أو الاندماج في القوات المسلحة الوطنية، ولم يكن لدى المجلس الوطني الانتقالي وسيلة لمنع رجال الميليشيات المتنافسين من النهب والقتال في مناوشات عنيفة في ساعات الليل المتأخرة.

“نحن من يملك القوة هناك — الأشخاص الذين لديهم القوة على الأرض — ولن نتخلى عن ذلك حتى نحصل على حكومة شرعية ستخرج من انتخابات حرة ونزيهة“، قال أنور فكيني، قائد ائتلاف من الميليشيات في الجبال الغربية، لصحيفة نيويورك تايمز في نوفمبر 2011، متخليًا عن تعهد سابق بنزع السلاح. سيطرت بعض الجماعات المسلحة على مبانٍ حكومية في أعقاب الثورة، مما وفر لها نفوذًا على المجلس الوطني الانتقالي في المفاوضات بشأن الوظائف الحكومية.

استولت ميليشيا من الزنتان، التي قادت المسيرة الأخيرة إلى العاصمة الليبية طرابلس والتي أطاحت بالنظام، على مطار طرابلس الدولي، وسيطرت ميليشيات أخرى على ميناء طرابلس، في بعض العلامات الأولى على الفوضى بعد القذافي.

الانتخابات البرلمانية

في 7 يوليو 2012، أجرت ليبيا أول انتخابات برلمانية لها منذ انقلاب القذافي عام 1969، لهيئة تسمى المؤتمر الوطني العام، والتي كان من المفترض أن توجه عملية صياغة دستور وطني.

صُممت هذه الهيئة التشريعية للحكم لمدة 18 شهرًا، حتى يتم تنفيذ الدستور، وبعد ذلك ستُجرى انتخابات برلمانية جديدة. فتحت 94% من مراكز الاقتراع أبوابها، على الرغم من التدخل من قبل متظاهرين مسلحين في شرق ليبيا الذين توقعوا، وخافوا، من هيمنة غرب ليبيا على الانتخابات.

تم تخصيص مقاعد المؤتمر الوطني العام لتمثيل ثلاث كتل تصويتية رئيسية بشكل نسبي: الإسلاميون، الذين ضموا جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين الذين سعوا إلى الحكم بالشريعة؛ وتحالف القوى الوطنية، حزب جبريل المعتدل، الذي فاز بأكبر عدد من المقاعد؛ والمستقلون.

في 8 أغسطس، سلم المجلس الوطني الانتقالي السلطة إلى الجمعية المنتخبة. على الرغم من نجاح إجراء الانتخابات، أثبت المؤتمر الوطني العام عدم قدرته على العمل، حيث وقع فريسة للصراعات الداخلية والضغوط من الميليشيات.

بلغ ذلك ذروته بإقرار قانون العزل السياسي في مايو 2013 — وهو تشريع شامل استبعد قطاعات عريضة من الليبيين من التوظيف الحكومي المستقبلي على أساس انتمائهم لنظام القذافي — مع استمرار قوة الميليشيات في النمو من خلال الوصول إلى أموال الدولة.

في بنغازي والشرق، تفاقم الشعور بالتهميش بسبب تصاعد العنف والتهديد المتطرف، والذي تجلى بوضوح في هجوم عام 2012 على البعثة الدبلوماسية الأمريكية في بنغازي من قبل أنصار الشريعة. ربما تكون أول حالة إصابة بين المدنيين في قاعدة بياناتنا ناتجة عن هذا الهجوم الذي وقع في عام 2012.

أفاد العديد من الليبيين على تويتر في 11 أغسطس 2013 أنهم سمعوا انفجارات ربما تكون ناجمة عن غارات جوية أمريكية انتقامًا ضد هذه الجماعة.
غرد حساب تويتر (بالعربية) بأن هناك غارة جوية استهدفت مقر أنصار الشريعة في الظاهر، وهو منطقة في سرت.

كما ذكرت التغريدة وجود “قتلى“. وردد هذا التقرير المحتمل عن الإصابات رجل ليبي يدعى حاتم بن موسى، الذي كتب (بالعربية) على حسابه على تويتر في ذلك المساء: “عاجل.. أربعة قتلى و 15 جريحًا في قصف سرت“.

أخبر الرائد كارل ويست أن القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) أجرت “تقييمات ما بعد الضربة” لجميع الإجراءات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وبعد التحقيق في ادعاءين بسقوط ضحايا مدنيين في ليبيا، وجدت أن كليهما لا يستندان إلى مصداقية.

قال ويست في بريد إلكتروني: “منذ خريف عام 2016، قامت القيادة بتقييم ادعاءين مسجلين بخصوص سقوط ضحايا مدنيين (CIVCAS) يتعلقان بعمليات في ليبيا. بعد تحقيقات شاملة، اعتُبر كلا الادعاءين غير ذي مصداقية.” لم يحدد ويست أي الادعاءين تم التحقيق فيهما. ومع ذلك، قال أيضًا: “فيما يتعلق بالحوادث المحددة التي أبرزتها وطلبت من فريقنا مراجعتها، لا يتم تقييمها على أنها ذات مصداقية مع المعلومات المتاحة حاليًا.”

كانت ضربة 11 أغسطس 2013 واحدة من الحالات التي أبرزتها مؤسستا نيو أمريكا وإير وورز وأرسلتها إلى أفريكوم للمراجعة. على الرغم من نجاح إجراء الانتخابات، أثبت المؤتمر الوطني العام عدم قدرته على العمل، حيث وقع فريسة للصراعات الداخلية والضغوط من الميليشيات. وفي الوقت نفسه، استمر المؤتمر الوطني العام في الاشتباك مع الجماعات المسلحة.

في 19 يناير 2014، أفيد أن المؤتمر الوطني العام قصف ميليشيات عند بوابة قويرى المال في المدخل الشمالي لمدينة سبها، وهي واحة تبعد حوالي 400 ميل جنوب طرابلس.

نشرت مدونة أخبار الشرق الأوسط، على حسابها على تويتر (بالعربية) عن “قصف جوي” في الموقع، وقال حساب محلي آخر تابع إن ثلاثة أطفال قتلوا نتيجة الغارة الجوية.
ربما تكون الغارة قد قتلت رمضان فرج خليفة، وأيمن مسعود علي، ومعتصم محمد، وفقًا للائتلاف (لواء) شهداء 17 فبراير، وهي ميليشيا موالية للقذافي نشرت أسماء الضحايا المزعومين على صفحتها على فيسبوك، مشيرة إلى أنهم قتلوا.

في سياق بحثنا، قمنا بتوثيق ما يصل إلى 18 غارة جوية نسبت إلى المؤتمر الوطني العام من عام 2014 إلى 2015 في تقارير إعلامية وأسفرت عن مقتل أربعة مدنيين.
كان من المقرر أن تنتهي ولاية المؤتمر الوطني العام الأصلية في 7 فبراير 2014، لكنه مدد ولايته على الرغم من عدم شعبيته الكبيرة في محاولة لوضع دستور جديد.

أثار التمديد احتجاجات، وأدى الجمود داخل الهيئة إلى دعوات لإجراء انتخابات جديدة. في خضم هذا الغضب من تمديد المؤتمر الوطني العام، أعلن اللواء خليفة حفتر من الجيش الوطني الليبي حل المؤتمر الوطني العام في فبراير 2014، مما كان نذيرًا بتهديدات ضد الهيئة المنتخبة.

في مايو 2014، وبدعم من القبائل الشرقية ووحدات عسكرية غير راضية، شن حفتر عملية الكرامة عدوانه في بنغازي ضد الجماعات الإسلامية واستعادة الأمن، وكذلك للضغط من أجل إجراء انتخابات.

كانت نتيجة تلك الانتخابات، التي أجريت في 25 يونيو، غير مواتية للأحزاب الإسلامية. استلم مجلس النواب المنتخب حديثًا والمتحالف مع حفتر السلطة، لكن بعض أعضاء المؤتمر الوطني العام القديم صمدوا بالتحالف مع فجر ليبيا، وهو ائتلاف من الميليشيات في مصراتة، إلى جانب أعضاء مجلس النواب المقاطعين من غرب ليبيا الذين كانوا يخشون على سلامتهم بسبب علاقة مجلس النواب بحفتر وانتقاله إلى مدينة طبرق الشرقية.

كانت النتيجة النهائية هي انقسام البلاد إلى حكومتين، لكل منهما برلمانها وميليشياتها وفروعها من البنك المركزي.

__________

الغارات الجوية والضحايا المدنيين في ليبيا منذ تدخل حلف الناتو في 2011 (2)

أليسا سيمز وبيتر بيرغن

نظرة عامة على الحملات الجوية في ليبيا منذ عام 2012

قام مركز “نيو أمريكا” ومنظمة “إيروارز” بتوثيق أكثر من 2000 غارة جوية ورد أنها نُفذت في ليبيا بين سبتمبر 2012 و10 يونيو 2018، مما أسفر عن سقوط ما لا يقل عن 242 ضحية مدنية وفقاً للتقدير الأدنى، وما يصل إلى 395 ضحية مدنية وفقاً للتقدير الأعلى.

في عام 2011، أثناء الانتفاضة الوطنية في ليبيا، تدخل حلف الناتو لحماية المدنيين من قوات القذافي، وهو عمل عسكري ساهم بشكل كبير في هزيمة النظام. على الرغم من أن الحملة التي أقرتها الأمم المتحدة انتهت في 31 أكتوبر 2011، إلا أن العديد من الدول والميليشيات المحلية واصلت شن غارات جوية وهجمات بطائرات مسيرة بشكل متقطع مع مساءلة ضئيلة.

قام مركز “نيو أمريكا” ومنظمة “إيروارز” بتوثيق أكثر من 2000 غارة جوية ورد أنها نُفذت في ليبيا بين سبتمبر 2012 و10 يونيو 2018، مما أسفر عن سقوط ما لا يقل عن 242 ضحية مدنية وفقاً للتقدير الأدنى، وما يصل إلى 395 ضحية مدنية وفقاً للتقدير الأعلى.

حاولت بعض المنظمات إنتاج حصيلة دقيقة لقتلى المدنيين في ليبيا وتحديد الأطراف المسؤولة. ومع ذلك، فإن نقص التغطية الإعلامية والإبلاغ الذاتي عن الغارات مكّن المسؤولين عنها من البقاء دون أن يُلاحظ أحد.

تقدم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا باستمرار أرقاماً عن الإصابات في صفوف المدنيين نتيجة الأعمال العدائية في ليبيا. ومع ذلك، ووفقاً لبياناتها الصحفية، فإن البعثة عادةً ما تكون غير قادرة على “تحديد الجهات التي تسببت في سقوط الضحايا بشكل مؤكد“، باستثناء الجيش الوطني الليبي.

كما تُبلغ هيومن رايتس ووتش عن وقوع إصابات من “طائرات غير محددة الهوية“، بسبب عدم القدرة على تحديد الدولة أو المجموعة المسلحة المسؤولة. باستثناءات قليلة، لا يعلن أي طرف عادةً مسؤوليته عن هذه الغارات الجوية أو نتائجها.

بمساعدة فريق من الباحثين الليبيين، وجد مركز “نيو أمريكا” ومنظمة “إيروارز” 2158 غارة جوية تم الإبلاغ عنها في ليبيا في الفترة من سبتمبر 2012 إلى 10 يونيو 2018.

كما هو موضح في قسم المنهجية، تم جمع هذه التقارير من مجموعة واسعة من المصادر. ونظراً لأن هذه الدراسة تسعى إلى سد الفجوات في التقارير الصادرة باللغة الإنجليزية حول الضحايا المدنيين في ليبيا، فإن الغالبية العظمى من مصادرنا هي باللغة العربية.

تتضمن بعض الغارات في قاعدة البيانات مزاعم بسقوط ضحايا مدنيين ضد الأطراف التالية: حكومة الوفاق الوطني الليبية، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة؛ والجيش الوطني الليبي، وهو قوة عسكرية منافسة بقيادة الجنرال خليفة حفتر؛ والسلاح الجوي لأول حكومة ليبية بعد القذافي، المؤتمر الوطني العام؛ بالإضافة إلى مصر والإمارات العربية المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة.

في غضون ذلك، في العاشر من مارس، التقى نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي آنذاك، في باريس مع ممثلي الجماعات المتمردة الليبية محمود جبريل وعلي العيساوي. في نفس اليوم، أصبحت فرنسا أول دولة غربية تعترف بتنظيم فصيل من الثوار الليبيين – أُطلق عليه اسم المجلس الانتقالي الوطني – باعتباره الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا.

في 15 مارس، اجتمع الرئيس باراك أوباما مع مجلس الأمن القومي الخاص به، وحذره مسؤولو الاستخبارات من أن بنغازي ستسقط بيد النظام في غضون 24 ساعة. واقتناعاً منه برأي رئيس هيئة الأركان المشتركة، الأدميرال مايكل مولين، بأن منطقة حظر الطيران لن تُحدث فرقاً يُذكر في هذه النتيجة، وجه الرئيس أوباما سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سوزان رايس إلى تقوية لغة مشروع القرار الفرنسي البريطاني المقترح بشأن ليبيا في مجلس الأمن، والذي من شأنه أن يعطي الدول الأعضاء مجالاً لقصف قوات القذافي.

أصدر مجلس الأمن الدولي في 17 مارس القرار 1973 لحماية المدنيين الليبيين ولأول مرة في التاريخ استند إلى مبدأ “مسؤولية الحماية” التابع للأمم المتحدة لإجازة عمل عسكري. قصفت الطائرات الفرنسية طوابير قوات القذافي المتقدمة نحو بنغازي في وقت متأخر من بعد ظهر يوم 19 مارس، تلتها هجمات بصواريخ كروز بريطانية وأمريكية على مواقع الدفاع الجوي وأهداف للحكومة الليبية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط.

بدافع من الرغبة في عدم “الاستحواذ” على الصراع الليبي، كانت الاستراتيجية الأمريكية هي استخدام القوة الجوية لشل دفاعات القذافي الجوية. اختارت الولايات المتحدة، التي تأدبت بفشل احتلال العراق، شن حملة جوية في ليبيا دون انخراط سياسي أو دبلوماسي كبير مع الفصائل المتمردة على الأرض. خلق هذا ثغرات في فهم الولايات المتحدة للديناميكيات الداخلية للتمرد.

كانت العلاقات بين الفصائل الفضفاضة للثوار المناهضين للنظام متوترة، حتى قبل الانتفاضة، مما وضع الأسس لصراع ما بعد الحرب على السلطة الذي كان متوقعاً. في 21 أكتوبر، قصفت طائرات فرنسية، بتوجيه من مراقبة طائرات “بريداتور” الأمريكية بدون طيار، قافلة لمركبات النظام بينما شوهد القذافي وهو يحاول الفرار من مسقط رأسه سرت. تم إخراجه من مركبته وقتله بعد ذلك بوقت قصير على يد مقاتلين ثوار على الأرض.

في 27 أكتوبر، صوتت الأمم المتحدة لإنهاء التدخل الأجنبي في ليبيا، بعد أسبوع واحد فقط من وفاة الديكتاتور، متجاهلة طلباً من الحكومة المؤقتة لتمديد وجود الناتو حتى نهاية العام. أنهى الناتو مهمته في ليبيا رسمياً في 31 أكتوبر 2011.

تماماً كما حدث بعد الإطاحة بصدام حسين في العراق، تحركت الجماعات الجهادية المسلحة لملء الفراغ الذي خلفه سقوط نظام القذافي.

وبعد مرور سبع سنوات على سقوط نظام القذافي، أصبحت ليبيا ساحة معركة دموية للفصائل المتناحرة، تدعمها في كثير من الأحيان أطراف خارجية عبر الغارات الجوية. وقد أدى هذا التدخل الخارجي المستمر إلى تفاقم الصراع وإطالة أمده، مما تسبب في معاناة إنسانية هائلة.

في يناير/كانون الثاني 2017، شنت طائرات أمريكية بدون طيار غارة استهدفت معسكراً تدريبياً لتنظيم داعش غربي مدينة سرت. أسفرت الغارة عن مقتل أكثر من 80 عنصراً من التنظيم، لكن التقارير المحلية أفادت أيضاً بسقوط ضحايا من المدنيين في المنطقة المحيطة، مما أثار جدلاً حول دقة الاستهداف ومدى الالتزام بقوانين الحرب.

تتهم منظمات حقوقية دولية جميع أطراف النزاع في ليبيا بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك شن هجمات عشوائية على مناطق مدنية مكتظة بالسكان. وتشير هذه المنظمات إلى أن استخدام الذخائر العنقودية والقنابل شديدة الانفجار في المناطق السكنية يمثل تهديداً مباشراً لحياة المدنيين ويدمر البنية التحتية الأساسية.

في المقابل، تدافع القوات المسلحة العربية الليبية (التابعة للجيش الوطني الليبي) باستمرار عن عملياتها الجوية، مؤكدة أنها تستهدف بدقة أوكار المسلحين وقواعد الجماعات الإرهابية المصنفة دولياً. وتتهم هذه القوات خصومها باستخدام الدروع البشرية والتمركز في الأحياء المدنية لحماية أنفسهم من الضربات الجوية.

من جانبها، تؤكد حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة أنها لا تشن غارات جوية إلا في إطار مكافحة الإرهاب وبالتنسيق مع القوات الصديقة، وذلك ضمن جهودها المستميتة للحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها. وتشير إلى أن أي تقصير في حماية المدنيين يعود إلى الفوضى الأمنية وانتشار الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج نطاق القانون.

القوات الأجنبية المشاركة في الغارات

الولايات المتحدة

انخرطت الولايات المتحدة في تدخل حلف الناتو عام 2011 بفعل الضغوط الدولية لحماية المدنيين في ليبيا. شارك الجيش الأمريكي في حملة جوية عدوانية ضد نظام القذافي. والولايات المتحدة هي من بين الدول التي تواصل شن غارات جوية في ليبيا ضد تنظيم داعش والقاعدة.

فرنسا

لعبت فرنسا دورًا رائدًا في تدخل حلف الناتو عام 2011 وفي نهايته المأساوية، على الرغم من أن دورها العسكري اللاحق داخل البلاد أقل وضوحًا. يمكن تفسير مبرر الحكومة لبقائها متجذرة في الشؤون الليبية اليوم من خلال علاقات ليبيا الوثيقة بالمصالح الفرنسية في منطقة الساحل، وأهميتها كممر عبور للمهاجرين وطالبي اللجوء، بالإضافة إلى اعتبارات السياسة الداخلية بعد سلسلة من الهجمات الجهادية على الأراضي الفرنسية في عام 2015.

فرنسا، التي دعمت مفاوضات الأمم المتحدة التي أسفرت عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني، أشارت إلى تحول في موقفها من ليبيا في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون. في مايو 2017، حث المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية رومان نادال، ولأول مرة، على إعطاء دور للجيش الوطني الليبي وحفتر في “هزيمة الإرهابيين” في جميع أنحاء ليبيا.

مصر

قدمت مصر، التي تحدها ليبيا، مجموعة من الدعم العسكري والسياسي للجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، بما في ذلك المستشارين والأسلحة والغارات الجوية. في ذلك، عملت مصر بشكل وثيق مع روسيا والإمارات العربية المتحدة. بينما ربما كان الدافع المصري الأصلي لدعم حفتر هو منع صعود الإسلاميين السياسيين.

يبدو أن الغارات الجوية الآن موجهة أكثر نحو تأمين حدودها مع ليبيا. تشكل الغارات الجوية المصرية دعماً للجيش الوطني الليبي انتهاكاً لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1970، وتتحدى شرعية عملية التفاوض التي تقودها الأمم المتحدة والتي أسفرت عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت مصر عن عدد من الغارات الجوية الأحادية داخل الحدود الليبية، قائلة إنها كانت تهدف إلى منع دخول المسلحين والأسلحة إلى مصر.

الإمارات العربية المتحدة

قدمت الإمارات العربية المتحدة دعماً عسكرياً للجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر. تدير الإمارات قاعدة جوية في منطقة سيطرة الجيش الوطني الليبي، وذكرت تقارير أنها شنت من خلالها طائرات مسيرة وطائرات مأهولة في مهام دعم جوي قريب لدعم عمليات الجيش الوطني الليبي في بنغازي.

نظراً لأن الإمارات تشن غارات دعماً للجيش الوطني الليبي، وهو جماعة معارضة، فإن غاراتها الجوية تشكل أيضاً انتهاكاً لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1970. ورد أن الإمارات، بالتعاون مع مصر، شنت أيضاً غارات جوية ضد قوات عملية فجر ليبيا في طرابلس في أغسطس 2014.

___________