كريمة ناجي
لا تمثل المنطقة مجرد مساحات زراعية محتملة فقط بل موقعاً استراتيجياً حيوياً
***
دعم الأمن الغذائي قد يكون فرصة إستراتيجية لليبيا، لكنه يحتاج إلى رؤية وطنية حقيقية ورقابة صارمة وتنويع في الشركاء الدوليين، حتى لا يتحول التعاون التنموي إلى أداة نفوذ سياسي وجيوسياسي يخدم مصالح الآخرين على حساب الدولة الليبية.
تسعى الدول القوية عبر التاريخ إلى تطويع الأمن الغذائي كوسيلة جيوسياسية لتحقيق بنك من الأهداف الإستراتيجية، خدمة لطموحاتها الخارجية في الدول غير المستقرة ويحصل ذلك عادة عبر التحكم في سلاسل الإمداد الغذائي، فالولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال كانت وظفت الأمن الغذائي كواحد من أدواتها الدبلوماسية الناعمة خدمة لمصالحها، إذ استخدمت في مصر عام 1978 ملف الحبوب لدعم اتفاق السلام مع إسرائيل وضمان وجودها في الدول غير المستقرة.
وانفتحت واشنطن أخيراً على دعم الأمن الغذائي في الجنوب الليبي عبر إحداثها توسيعاً في قدرات الري بمدينة سبها جنوب ليبيا الذي يشترك في الحدود الترابية مع تشاد والسودان، والنيجر التي كانت تضم قواعد عسكرية للولايات المتحدة الأميركية تستخدمها لمراقبة الوضع الأمني في دول الساحل والصحراء الأفريقية.
تنافس جيوسياسي
وقالت السفارة الأميركية في ليبيا إن الشراكة الليبية – الأميركية في مجال الزراعة ستعزز إنتاج ليبيا الزراعي من محاصيل عدة، على غرار القمح والبطاطا والبصل والشعير وغيرها من المواد الغذائية، وذلك تلبية لحاجات السكان المتزايدة بالشراكة مع مؤسسة أميركية رائدة عالمياً في تكنولوجيا الري، وفق السفارة الأميركية في ليبيا.
ولروسيا أيضاً امتداد عسكري في المنطقة الجنوبية الليبية يؤمنه الفيلق الأفريقي الروسي، وتسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى تقليصه والحد منه عبر مختلف أدواتها الدبلوماسية، على غرار سلاح دعم الأمن الغذائي لتعزيز شعبيتها وتثبيت قدمها أمام الأطراف الدولية المنافسة لها، مثل روسيا، في تلك البقعة الجغرافية، وهو ما دفع “اندبندنت عربية” إلى التساؤل عن مدى استغلال الأمن الغذائي الليبي لتحقيق أهداف عسكرية وجيوسياسية أميركية.
وبعد انهيار نظام القذافي في عام 2011 سبقت فرنسا الولايات المتحدة الأميركية في دعم الإنتاج الزراعي في الجنوب الليبي عبر تعاون مع “برنامج الأغذية العالمي” التابع للأمم المتحدة في ليبيا عام 2021 بمساهمة مقدارها 370 ألف يورو (50.34 ألف دينار ليبي) في إطار دعم 3500 متضرر من أزمة منطقة فزان جنوب ليبيا.
واستخدمت المساهمة الفرنسية لمعالجة الصعوبات التي تواجه النظام الغذائي بسبب التغيرات المناخية التي تضرر منها صغار الفلاحين، وفي عام 2024 قاد السفير الفرنسي السابق لدى ليبيا مصطفى مهراج التحركات الفرنسية لإحياء التعاون الليبي – الفرنسي في المجال الزراعي، فجرى الاتفاق وقتها على “تفعيل المشاريع الزراعية والأمن الغذائي والصحة الحيوانية والبيطرية“، بخاصة أن ليبيا تستورد أكثر من 60 في المئة من حاجاتها الغذائية.
إنتاج الهيمنة
وفي ما يخص تحرك الولايات المتحدة نحو دعم الإنتاج الزراعي في جنوب ليبيا، يرى المتخصص في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية يوسف بن عثمان الصغير أن مقاربة الدور الأميركي حيال ملف الأمن الغذائي في ليبيا لا ينبغي أن تنخدع بالخطاب الإنساني المعلن، بل يجب تفكيكها ضمن منطق الهيمنة الذي يحكم السلوك الخارجي للولايات المتحدة الأميركية.
ويقول في حديث خاص إن واشنطن لم تعد تكتفي بتوظيف القوة الصلبة بل طورت منظومة متكاملة من أدوات النفوذ الناعم، وفي مقدمها المساعدات التنموية التي تستخدم كوسيلة لإعادة هندسة المجالين الاقتصادي والسياسي للدول الهشة.
ويوضح الصغير أن دعم الأمن الغذائي في السياق الليبي ليس بريئاً ولا محايداً، بل يعاد توظيفه كأداة اختراق بنيوي يُمكن من التحكم بمفاصل حيوية تتعلق بالإنتاج وسلاسل الإمداد والقرار الاقتصادي، مؤكداً أن هذا النمط من التدخل ينتج تبعية مركبة تتجسد في تبعية تقنية عبر نقل المعرفة المشروط، وتبعية مالية بواسطة التمويل الموجه، وتبعية سياسية عبر خلق نخب محلية مرتبطة بمصالح الخارج.
ويردف أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية أنه في الحال الليبية، حيث هشاشة الدولة، يتحول الدعم الأميركي إلى آلية لإعادة تشكيل موازين القوة الداخلية بما يخدم رؤية جيوسياسية أوسع تتجاوز بكثير مسألة الغذاء.
فالمناطق المستهدفة في الجنوب الليبي ليست مجرد فضاءات تنموية، بل تمثل عمقاً إستراتيجياً مرتبطاً بالأمن الإقليمي وحركة الموارد وضبط الحدود، مما يجعل التدخل الأميركي أقرب إلى عملية تموضع إستراتيجي منه إلى مبادرة إنسانية.
ويواصل الصغير محذراً من أن هذا النمط من السياسات يكون في كثير من الأحيان خارج أي التزام حقيقي بالقانون الدولي أو احترام للسيادة الوطنية، إذ تعاد صياغة قواعد التعامل وفق منطق القوة لا الشرعية.
فالولايات المتحدة في ممارستها الواقعية تتحرك وفق الحد الأدنى الذي يضمن شرعية الحضور، لكنها تسعى إلى تحصيل أقصى قدر من المكاسب الإستراتيجية بعيدة المدى، مضيفاً أن ما يُقدم تحت عنوان “دعم الأمن الغذائي في ليبيا” ليس سوى واجهة لسياسة أكثر تعقيداً وعمقاً، قوامها إعادة إنتاج الهيمنة بوسائل أقل صداماً وأكثر اختراقاً، لكنها لا تقل تأثيراً عن أدوات السيطرة التقليدية.
إجراءات استباقية
المنطقة الجنوبية منطقة محاذية لصراع سياسي وديموغرافي واقتصادي وقبلي وبخاصة في تشاد والنيجر والسودان، وهذا ما يراه الصحافي محمد الصريط الذي يقول إن مثل هذه المناطق تحوي تيارات أيديولوجية متطرفة، وهذا كله مهم في سياسات الولايات المتحدة الأميركية في التصدي لها، باعتبارها تتغذى على النزاعات في دول العالم الثالث.
ويذهب الصريط إلى أنه من المهم أن تحدث مشاريع تنموية في هذه المناطق الحدودية التي تصدر المهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا عبر دول العبور بما فيها تونس والجزائر، ولكن بالدرجة الأولى ليبيا بحكم الخلخلة الأمنية والسياسية التي تعانيها، وبالتالي فتأمين ليبيا إلى حد ما يعد عاملاً مساعداً لأوروبا، الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية.
مؤكداً أن “دعم الأمن الغذائي في الجنوب الليبي جزء من أولويات الولايات المتحدة التي تسعى إلى خلق تنمية واستقرار في مناطق العبور والنزاعات المسلحة التي يمر منها المهاجرون غير النظاميين مثل الجنوب الليبي“، باعتبارها مناطق صحراوية نائية ذات كثافة سكانية متفرقة من “التبو” وغيرها من القبائل الليبية.
وحول مسألة تولي السفارة الأميركية في ليبيا دعم الأمن الغذائي في الجنوب الليبي، يقول الصريط إنه يندرج في إطار إستراتيجية وخطط كبير مستشاري دونالد ترمب لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس الذي أبدى اهتمامه بالدول التي حدثت فيها نزاعات بما فيها ليبيا، منوهاً بأن جزءاً كبيراً من هذه الاهتمامات تنموي بالأساس.
ويقول الصريط إن الولايات المتحدة بدأت تعمل بمنطق “الوقاية خير من قنطار العلاج“، فعندما تقوم بإجراءات استباقية في مناطق مثل ليبيا التي تعد جزءاً من بقعة الانفلات الأمني الذي تشهده أفريقيا، ولا سيما تشاد والسودان والنيجر التي تعتبر مناطق خارج السيطرة الأمنية، فإن التعامل معها بطرق تسهم في ضبط الانفلات هو هدف الاستخبارات الأميركية التي يمكن أن تسيطر على منابع الخلل الأمني، إذ ترى أنه من خلال تأمين الاكتفاء الذاتي الغذائي يمكن أن تعيش هذه المناطق الحدودية حالاً من الاستقرار المنشود.
وحول إمكان ضمان ولاء القبائل الليبية في تلك المناطق للولايات المتحدة، يوضح الصحافي الصريط أن هذا الأمر غير وارد لأن هذه القبائل متأثرة بالخطابات القومية ويصعب ضمان ولائها، والولايات المتحدة أساساً ليس لديها عمق في ليبيا التي تعد منطقة نفوذ لدول الاتحاد الأوروبي، موضحاً أن أميركا موجودة هناك من الناحية الأمنية من طريق القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، لكن التغلغل الاجتماعي عبر الدعم الغذائي أمر مستبعد، وفق قوله.
موقع مراقبة
من جانبه يقول المتخصص في العلاقات الدولية خالد الحجازي إن إعلان السفارة الأميركية لدى ليبيا عن مساهمة التكنولوجيا الزراعية الأميركية في دعم الأمن الغذائي وتعزيز التنمية في منطقة سبها جنوب ليبيا من خلال مشاريع ري حديثة خطوة تنموية إيجابية، لأن ليبيا تواجه أزمة غذائية كبيرة وفق وصفه، إذ تعتمد على استيراد أكثر من 60 في المئة من حاجاتها الغذائية، وبالتالي فأي مشروع ري حديث أو تكنولوجيا زراعية متقدمة يمكن أن تعززان الأمن الغذائي.
ويستدرك الحجازي أن النجاح الحقيقي لهذه المبادرة يعتمد على إشراف الدولة الليبية الذي يبدأ بتدريب الكوادر المحلية ونقل المعرفة بصورة تضمن الاستفادة الوطنية الحقيقية، بعيداً من التبعية الطويلة الأمد لأي طرف خارجي، فدعم الأمن الغذائي وفق رأيه فرصة إستراتيجية لليبيا لكنه يحتاج إلى رؤية وطنية حقيقية ورقابة صارمة وتنويع في الشركاء الدوليين، حتى لا يتحول التعاون التنموي إلى أداة نفوذ سياسي وجيوسياسي يخدم مصالح الآخرين على حساب الدولة الليبية.
وبخصوص استخدام واشنطن دعم الأمن الغذائي كأداة إستراتيجية لتحقيق أهدافها العسكرية والسياسية في ليبيا، يقول الحجازي إنه تاريخياً اعتمدت الدول القوية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، على دعم الزراعة والاقتصاد في الدول غير المستقرة كوسيلة لإقامة تبعية اقتصادية وتقنية طويلة المدى.
ويحصل ذلك عبر نقل التكنولوجيا وتمويل البنية التحتية وتدريب الكوادر المحلية، مما يخلق شبكة اعتماد على الشركات الأميركية ويضمن ولاء جزئياً للسياسة الخارجية الأميركية، منوهاً بأن هذا الأسلوب ليس محصوراً في أميركا، فالصين وروسيا وفرنسا مارست هذه الإستراتيجية في دول أفريقية وآسيوية مشابهة.
ويؤكد الحجازي أن سبها والجنوب الليبي لا يمثلان فقط مناطق زراعية محتملة، بل موقعاً إستراتيجياً حيوياً فالجنوب الليبي يطل على دول الساحل الأفريقي ويشكل محور عبور للمهاجرين وتهريب الأسلحة، كذلك يجاور حقول النفط، ويرى أن الاستثمار هناك يرتبط مباشرة بالاستقرار الأمني والسيطرة الجيوسياسية، حتى وإن كان عبر مشاريع تنموية تبدو بريئة.
وينوه أن هذا الأمر لا يعني بالضرورة أن هناك أهدافاً عسكرية مباشرة، لكن التحليل الجيوسياسي يشير إلى احتمالات تعزيز النفوذ الأميركي في الجنوب الليبي لمراقبة التحركات في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية وتقليل مساحة التأثير لدول أخرى مثل روسيا والصين، وبمعنى آخر فإن الدعم الزراعي قد يتحول إلى “قوة ناعمة” تخدم مصالح أميركا بصورة غير مباشرة.
ولضمان عدم تحول التعاون التنموي إلى أداة نفوذ سياسي وجيوسياسي يخدم مصالح الآخرين على حساب الدولة الليبية، يوصي المتخصص بالعلاقات الدولية بالتعامل مع الدعم الأميركي للأمن الغذائي الليبي وفق جملة من الخطوات، يأتي في مقدمها الإشراف الوطني الكامل على المشاريع، لتحدد الحكومة أماكن التنفيذ وأساليب العمل وأولويات التنمية، مع التأكد من أن الملكية التقنية والمعرفة تبقى لليبيين.
وثانياً أنه من الضروري تدريب الكوادر الليبية على تشغيل وصيانة أنظمة الري الحديثة والمعدات الزراعية لضمان الاستدامة بعد انتهاء الدعم الخارجي.
وثالثاً أنه يجب ربط المشاريع بالمزارعين والمجتمعات المحلية لضمان استفادة السكان مباشرة من الإنتاج مع تطوير مزارع نموذجية تعليمية كنقطة انطلاق لتعميم التجربة في مناطق أخرى، ورابعاً أنه لا بد من تنويع الشركاء الدوليين لتجنب أية تبعية سياسية أو اقتصادية.
ويقول الحجازي إن المشاريع الزراعية يجب أن تكون جزءاً من خطة وطنية شاملة للأمن الغذائي تشمل الإنتاج والتوزيع والتصنيع الزراعي مع الحفاظ على الموارد المائية وحماية البيئة، فبهذه الطريقة يمكن لليبيا تحويل أي دعم خارجي إلى قوة تنموية حقيقية تعزز الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، بعيداً من أي نفوذ خارجي، وفق قوله.
_____________
