كريمة ناجي
عمل مستشار الرئيس الأميركي على توحيد السلطة السياسية والموازنة العامة بين الغرب والشرق.
ظهرت نتائج تحرك الدبلوماسية الأميركية اليوم، إثر إعلان محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى توحيد الإنفاق العام بين الشرق والغرب الليبيين للمرة الأولى منذ عام 2013.
تتحرك عقارب الأحداث في ليبيا نحو توحيد الانقسامات التي عصفت بهذا البلد منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، وبخاصة بعد تسلم كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس الملف وتحركه على الأرض، بعد وصوله البلاد للمرة الأولى خلال يوليو (تموز) 2025 لبحث عقبات التسوية.
بدت زيارة بولس إلى ليبيا آنذاك محاولة لاسترجاع زخم واشنطن الذي تراجع خلال الأعوام الماضية بسبب غياب الدبلوماسية الأميركية عن ليبيا على الأرض، مقابل تمدد نفوذ القوة الروسية.
وحرص كبير مستشاري ترمب في تعامله مع الملف الليبي على التركيز في الملفات الثلاثة بنسق متوازٍ، وذلك بالتنسيق مع البعثة الأممية للدعم في ليبيا خلال المشاورات السياسية والعمل جنباً إلى جنب مع القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، لتتمكن ليبيا بذلك من الذهاب نحو استضافة تمرين “فلينتلوك” الذي سيجمع بين القوات المسلحة بالشرق والغرب الليبي وستحتضنه سرت (وسط ليبيا) منتصف أبريل (نيسان) الجاري، في إطار فك الانقسام الأمني بين المعسكرين الشرقي والغربي للذهاب إلى مرحلة لاحقة نحو توحيد المؤسسة العسكرية.
نتائج تحرك الدبلوماسية الأميركية ظهرت اليوم السبت، إثر إعلان محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى توحيد الإنفاق العام بين الشرق والغرب الليبيين للمرة الأولى منذ عام 2013، قائلاً “أثمن الدور الإيجابي للولايات المتحدة في دعم جهود الوساطة التي ساعدت للوصول إلى هذا الاتفاق“، وفق ما جاء في بيان مصرف ليبيا المركزي.
رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة من جهته رحب بالوصول إلى اتفاق الإنفاق المالي الموحد للمرة الأولى منذ 13 عاماً، مؤكداً “أهمية دعم وزارة الخزانة الأميركية ودور بولس في التوصل إلى هذه الخطوة“.
اختلاف الأشقاء
وعمل بولس من خلال مبادرته الأخيرة على توحيد السلطة السياسية والموازنة العامة، والتي تناقش فيها خلال الأيام القليلة الماضية مع أطراف الصراع بالغرب والشرق الليبيين.
وأكد نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن صدام حفتر أنه تناول مع مستشار الرئيس الأميركي التقدم المحرز في مسار توحيد موازنة الدولة الليبية، موضحاً أنه جرى التطرق إلى التحضيرات الخاصة بالمحور الذي ستستضيفه ليبيا من خلال تمرين “فلينتلوك 2026″ التابع للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا، ضمن جهود مشتركة لتعزيز التكامل العسكري والأمني على المستوى الوطني، وبما يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي.
وعن مبادرة بولس الهادفة إلى توحيد كل من السلطة التنفيذية وموازنة الدولة الليبية، أعلن رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة العربية الليبية الفريق أول ركن خالد حفتر رفضها مطالباً بحلول حقيقية وواقعية، بعيداً من المبادرات والمقترحات الخارجة عن إطار الشرعية، والتي من شأنها أن تزيد من تعقيد المشهد وتفاقم الأوضاع المعيشية. وأوضح أنه “يعارض أي ترتيبات سياسية مدعومة بأجندات خارجية في شأنها تكريس الفساد وإطالة أمد الأزمة“.
معسكر الشرق
اختلافات داخل المعسكر الشرقي تطفو على السطح للمرة الأولى، فهل تشق مبادرة كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية والشرق الأوسط مسعد بولس وحدة صف ابني المشير خلفية حفتر؟
يقول المتخصص في الشؤون الأمنية والسياسية الليبية سعد الدينالي إن المعروف هو وحدة الرأي داخل المعسكر الشرقي، ولكن الإقبال على مبادرة بولس أوضح أن هناك اختلافات في المعسكر الشرقي، بمعني أن هناك من يرغب في هذه المبادرة ويؤيدها وله حججه وهناك من يرفضها وله أسبابه، مشدداً على أن الاختلاف بين صدام وخالد حول مبادرة بولس لا تعني إطلاقاً وجود انشقاقات في المعسكر الشرقي، بل هي مجرد تباينات في وجهات النظر حول المبادرة الأميركية، واصفاً الظاهرة بـ“الصحية“.
وأكد أن التجاذبات حول مبادرة بولس لا تنحصر فقط داخل المعسكر الشرقي بل امتدت ألسنتها نحو المنطقة الغربية، بعدما عبر مجلس حكماء وأعيان مصراتة، عبر بيان له، رفضه لأي مسار أو تسوية سياسية تُفرض من الخارج، أو تُستغل لإعادة إنتاج الانقسام السياسي والمؤسساتي في البلاد.
من جانبها، قالت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا إن “دعم المجتمع الدولي ينبغي أن يظل منسجماً مع الأطر الأممية، من دون أن يتحول إلى مبادرات منفصلة تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد خارج سياقه التشاركي الواسع“.
وأوضح الدينالي أن ما ظهر من انقسام حول مبادرة بولس يشير إلى احتمال ذهاب ليبيا نحو خلافات عميقة في المعسكرين في حال مضت هذه المبادرة، مؤكداً أن ما أثير بعد اقتراب المبادرة الأميركية من التنفيذ يوضح جداً أن هناك نوعاً من اختلاف الرؤى بسبب التخوف من عدم وجود ضمانات ما بعد هذه المبادرة وكيف سيكون شكل المعسكرين الشرقي والغربي وطريقة التأسيس للدولة الليبية مستقبلاً، ودور جميع أطراف الصراع بعد تنفيذ المبادرة الأميركية.
تنافس غير معلن
تثير التحركات الدبلوماسية الأخيرة المرتبطة بمستشار ترمب تساؤلات جدية حول طبيعة التوازنات داخل معسكر المشير خليفة حفتر، وما إذا كانت هذه المبادرة كشفت عن تباينات حقيقية بين أبنائه، وتحديداً بين الأخوين صدام وخالد حفتر، وهذا ما عبر عنه المتخصص في العلاقات الدولية خالد الحجازي.
وقال الحجازي إنه خلال وقت أبدى فيه نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن صدام حفتر مرونة واضحة واستعداداً للتعاون مع المبادرات الأميركية، ظهر شقيقه رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الفريق أول ركن خالد حفتر بموقف أكثر تحفظاً، رافضاً أي ترتيبات سياسية تُفرض بأجندات خارجية، وبخاصة تلك التي قد تؤدي إلى تقاسم السلطة مع أطراف أخرى في المشهد الليبي.
وأكد المتخصص في العلاقات الدولية أن هذا التباين في المواقف بين الأخوين يفتح الباب أمام عدة قراءات، أولها أن ما يحدث لا يعكس بالضرورة انقساماً حاداً، بل قد يكون توزيعاً مدروساً للأدوار داخل المعسكر نفسه، إذ يلعب صدام دور الواجهة السياسية المرنة القادرة على التعامل مع المجتمع الدولي، بينما يحافظ خالد على الخطاب العسكري الصلب الذي يرفض التدخلات الخارجية، وهو خطاب يحظى بقبول داخل القاعدة العسكرية والقبلية.
ولم يستبعد المحلل السياسي فرضية وجود تنافس غير معلن على النفوذ داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالمشير حفتر، وبخاصة مع تزايد الحديث عن ترتيبات مستقبلية لقيادة المعسكر خلال المرحلة المقبلة، وفي هذا السياق قد تفسر أي مبادرة دولية على أنها تخدم مصلحة طرف على حساب آخر، مما يعزز الحساسية بين مراكز القوة الداخلية.
وأشار إلى أن هذه المواقف تحمل رسائل مزدوجة، فهي موجهة للخارج لطمأنة الأطراف الدولية بأن هناك استعداداً للتعاون، وموجهة للداخل لتأكيد رفض التفريط في السيادة أو القبول بحلول مفروضة، موضحاً أن مبادرة بولس لم تحدث انقساماً داخل معسكر حفتر بقدر ما كشفت عن تباين قائم بالفعل في الرؤى والأساليب.
وحول ما إذا كان سيظل هذا التباين ضمن حدود التكتيك السياسي، أم أنه قد يتطور إلى صراع حقيقي على النفوذ خلال الفترة المقبلة، قال الحجازي إن الأمر سيبقى منحصراً داخل الحدود السياسية.
تعزيز للمبادرة
المحلل السياسي عبدالله الغرياني بدوره قال إنه بحكم قربه من القيادة العامة للقوات المسلحة “لا يوجد صراع أو احتمال انشقاق بين صدام وخالد بمفهومه المعروف“، مؤكداً وجود اختلافات في وجهات النظر بينهما، واصفاً الأمر بـ“الطبيعي“.
وقال إن هناك نوعاً من القبول داخل معسكر حفتر لمبادرة بولس، منوهاً بأن صدام حفتر هو نائب القائد العام للقوات المسلحة ومن الطبيعي أن يتحرك ويتعامل مع جميع المسارات الوطنية والدولية، والمسار الأميركي يعد أقربها وأوقعها للتنفيذ لتركيزه على عدة نقاط مهمة أبرزها توحيد ومعالجة الإنفاق المنفلت وتوحيد الموازنة التي ظهرت نتائجها اليوم للعلن، من خلال إعلان توحيد الإنفاق العام بين الشرق والغرب للمرة الأولى منذ 13عاماً.
وعلاقة بالنقطة الثانية، أكد الغرياني أنها تتمحور حول عمل بولس بصورة متواصلة مع القيادة العسكرية الأميركية في شمال أفريقيا (أفريكوم)، مما يعني أن هناك تقارباً أمنياً بعيداً من موضوع اللجنة العسكرية المشتركة المعروفة بـ(5+5) أي “خمسة ضباط من الشرق وخمسة ضباط من الغرب” كواقع يأتي من خلال المناورات المشتركة في إطار مجابهة الإرهاب والأخطار.
وتابع أن النقطة الثالثة التي شجعت صدام حفتر على القبول بمبادرة بولس هي توحيد السلطة السياسية، مما يدل على أن المسار الأميركي فيه نوع من الواقعية، فهو لا يطرح سلطة جديدة بل يركز على توحيد السلطة من خلال سعي بولس لتصويب المسار السياسي في ليبيا.
وأكد المحلل السياسي المقرب من القوات المسلحة الليبية التي يقودها حفتر أن ما حصل من خلاف بين صدام وخالد حول مبادرة بولس لا يتعدى كونه تبادلاً للأدوار وتنوعاً للمواقف فقط لتعزيز هذه المبادرة، قائلاً إنه حتى لو سلمنا أنه خلاف بين ابني المشير خليفة حفتر، فالصدام بين الأطراف المحلية لن يغير شيئاً، لأنه عندما تخرج مبادرة بولس في الصياغة النهائية ستكون موافقة الأطراف الدولية هي الأهم.
_________
![]()