مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

الحبس الاحتياطي وتقويض عمل النيابة العامة

في هذه القضايا جميعًا، يتقلص دور وكلاء النيابة إلى مجرد المصادقة الرسمية على إجراءات لم ينخرطوا فيها أو يشرفوا عليها. فعندما يُنقل ملف القضية للنيابة، تكون الاعتقالات والاستجوابات والتغطية الإعلامية قد وجهت القضية بالفعل نحو مسار محدد (وفق اختيار المجموعات المسلحة).

وفي ظل غياب شرطة قضائية فعّالة وممتثلة، يتعرقل عمل النيابة ضمن نطاق رسمته الجهات الفاعلة المسلحة التي تسيطر على الحجز والأدلة والوصول للمحتجزين. وهكذا تصبح النيابة العامة جهة «رد فعل» لا جهة توجيه، لها طبيعة إدارية لا قضائية.

ولا تتوقف تدخلات المجموعات المسلحة عند الاعتقال، بل تمتد إلى مرافق الاحتجاز، حيث تملي الجماعات المسلحة مصير المشتبه بهم قبل فترة طويلة من مثولهم أمام القاضي. وفي الواقع، يُعد الحبس الاحتياطي هو القاعدة بالنسبة للمتهم العادي، وغالبًا ما يطول أمده دون تمكين المحتجز من الوصول إلى تمثيل قانوني.

لقد سبق وأدان أحد أرفع الشخصيات القضائية في ليبيا السيطرة الفعلية للجماعات المسلحة على مرافق الاحتجاز. إذ ذكر النائب العام الصديق الصور؛ أن الأجهزة المكلفة بجمع الأدلة أصبحت «غير فعالة، أو عاجزة، أو تخشى بشدة من التصرف» عندما تتعلق القضايا بأفراد نافذين أو جهات فاعلة مرتبطة بمجموعات مسلحة أو سلطات موازية.

 ويعني فقدان السيطرة المؤسسية أن وكلاء النيابة غالبًا ما يُحرمون من الوصول المباشر إلى المحتجزين، أو يضطرون إلى الاعتماد على وسطاء، أو تُقدم إليهم ملفات غير مكتملة أُعِدّت بمعزل عن أي إشراف قانوني.

ولا تقتصر المشكلة على عدد قليل من القضايا البارزة، إذ يذكر مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أنها ظاهرة واسعة النطاق«تظل معالجة الإفلات من العقاب على الجرائم الواقعة تحت نطاق نظام روما الأساسي المرتكبة بحق الليبيين وغير الليبيين في مراكز الاحتجاز في ليبيا أولوية للمكتب

في يوليو 2025، أكدت واقعة وفاة الناشط عبد المنعم المريمي أثناء احتجازه لدى جهاز الأمن الداخلي أن تدخل المجموعات المسلحة لا ينتهي بالاعتقال. فبعد اختطافه في 30 يونيو 2025 كما يُزعم في صرمان (شرق طرابلس)، ظهر مجددًا رهن الاحتجاز لدى جهاز الأمن الداخلي في طرابلس.

وبعد فترة وجيزة، أُعلنت وفاته رسميًّا إثر سقوطه داخل مبنى النيابة. وبالنظر إلى نشاطه السياسي السابق وانتقاده لحكومة الدبيبة، يُنظر إلى القضية على نطاق واسع بوصفها مثال على إسكات سياسي، أتاحه تشابك أمني قضائي معقد. ونشر النائب العام لقطات صامتة للواقعة من كاميرات المراقبة بعد فترة وجيزة.

 ويظهر الفيديو المريمي بعد إطلاق سراحه من الاستجواب في النيابة العامة بطرابلس، وهو يقفز من سلم داخل مبنى النيابة، مما أدى إلى إصابته بجروح قاتلة. ويذكر التعليق المصاحب للفيديو أنه «في 3 يوليو 2025، تم جلب عبد المنعم المريمي إلى النيابة العامة بعد استجوابه من قِبل جهاز الأمن الداخلي.

وقد أنكر التهم، وأُطلِق سراحه، ثم أصاب نفسه بجروح قاتلة إثر قفزه من سلم وتوفي في اليوم التالي. وفتحت النيابة تحقيقًا فوريًّا، وجمعت الأدلة، واستجوبت الشهود، وأمرت بإجراء فحص طبي شرعي لتحديد سبب وظروف وفاته، بما في ذلك أي إصابات سابقة أو مواد في جسمه، مع مراجعة قانونية احتجازه ومعاملتهومع ذلك، لم تتحقق أي خطوات قضائية رئيسية حتى الآن.

تعكس هذه الواقعة كيف تسيطر الجماعات المسلحة على تسليم المشتبه بهم إلى النظام القضائي، وتملي شروط تقديم الأدلة، وتهمين أحيانًا حتى على مرحلة ما بعد الاحتجاز. ويتحول دور الفاعلين القضائيين إلى مراجعين إداريين، يؤكدون ما سبق وقررته الجماعات المسلحة.

ولا تنتهك هذه الممارسات ضمانات المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة فحسب، بل تعيد صياغة نظام العدالة كبنية مختلطة تعلو فيه القوة على القانون، وتصبح الشرعية القانونية مجرد ممارسة شكلية لاحقة.

وبالمثل، تعكس قضية «جماعة تنوير» هذا النسق. فبين نوفمبر 2021 ومارس 2022، اعتقل جهاز الأمن الداخلي سبعة أعضاء شباب فيها واستجوابهم، وتصويرهم في مقاطع فيديو يُرجح أنهم أجبروا على تصويرها يدلون فيها بـ «اعترافات»، يصفوا فيها أنفسهم بأنهم ملحدون وعلمانيون ونسويون ومروجون لأفكار منحرفة.

ثم بُثت مقاطع الفيديو تلك عبر القنوات الرسمية لجهاز الأمن الداخلي وتم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، مع ذكر أسماء نشطاء آخرين ومنظمات أخرى.

وبناءً على ملف القضية الذي أعده جهاز الأمن الداخلي، أدانت محكمة استئناف طرابلس لاحقًا المتهمين السبعة بموجب القانون رقم 20 لسنة 2016 المعدل للمادة 291 من قانون العقوبات، معتبرة أن منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي وتصريحاتهم المسجلة تشكل جريمة استخدام المنصات الإلكترونية لـ «التعبير عن آراء تُعد مسيئة للإسلام».

واعتبرت المحكمة في قرارها، الذي راجعه مركز القاهرة، أن هذه الآراء تمثّل ازدراء للأديان وانحراف عن المفاهيم الإسلامية، وقضت بسجنهم لمدد تتراوح بين سنة وعشر سنوات في سجن معيتيقة الذي يديره جهاز الردع.

 ولم تشكك المحكمة في الظروف المرتبطة بالحصول على الاعترافات. بل تبنّت توصيف جهاز الأمن الداخلي للمتهمين باعتبارهم تهديدًا أخلاقيًّا ودينيًّا، وتعاملت مع الاستجوابات والاعترافات المصورة كدليل إدانة قاطع.

وبذلك، قدم القضاة المصادقة الرسمية على عملية تورط فيها رجال الأمن في إكراه المتهمين وتصوير إعلانهم للتوبة، ثم استخدموا هذا التصوير لضمان الحكم بالإدانة، ومن ثم تحويل استجواب تعسفي ليغدو الركيزة الأساسية لحكم نهائي.

وفي 19 أبريل 2024، توفي الناشط السياسي سراج فخر الدين دغمان في ظروف غامضة أثناء احتجازه في مرفق احتجاز غير رسمي، داخل مقر القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية في الرجمة، جنوب شرق بنغازي. إذ تم إبلاغ عائلته بوفاته في صباح ذلك اليوم، واستلموا جثمانه للدفن في وقت لاحق من اليوم نفسه.

وقبل احتجازه، شغل دغمان منصب مدير فرع بنغازي لمركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية. وكان محتجزًا تعسفيًّا منذ 1 أكتوبر 2023 في منشأة يٌقال إنها تابعة لجهاز الأمن الداخلي، بعد اعتقاله مع أربعة نشطاء آخرين هم؛ فتحي البعجة، وطارق البشاري، وناصر الدعيسي، وسالم العريبي.

ووفقًا لما ورد، لم يمثل أي من المحتجزين أمام المحكمة، ولم يُمنحوا حق الاستعانة بمحام، ولم يُسمح لهم بزيارات عائلية. وقيل إن اعتقالهم كان مرتبطًا بنقاشات جرت في سبتمبر 2023 بشأن الوضع السياسي في ليبيا والانتخابات المرتقبة. وأُطلق سراح النشطاء الأربعة في أغسطس 2025 دون محاكمة.

ثالثا: تطويع المحاكمات

بمجرد دخول قاعة المحكمة، يتحول تدخل الجماعات المسلحة من السيطرة على الأدلة إلى ممارسة ضغوط مباشرة على القضاة عبر العنف والترهيب والتلاعب بالإجراءات؛ وهو ما يؤدي إلى تغيير مسار المحاكمة ذاتها.

الإكراه المباشر داخل المحاكم

في مناخ من الرعب والعنف، بات القضاة والعاملين في السلك القضائي في ليبيا أهدافًا للمجموعات المسلحة بشكل متزايد، ليس فقط بسبب أحكام معينة أو قرارات مثيرة للجدل، بل لمجرد كونهم يمثلون المؤسسة القضائية ذاتها.

وبالإضافة إلى التهديدات المباشرة، تعيد المجموعات المسلحة صياغة الإجراءات القضائية عبر تعطيل الجلسات، أو نقلها إلى أماكن تخضع لسيطرتها، أو تقييد علانية الجلسات وقدرة الجمهور على حضورها.

ففي مثال صارخ، اقتحمت مجموعة مسلحة محكمة في بنغازي في 13 ديسمبر 2018 أثناء ساعات العمل، وتعمدت ترهيب القضاة لإجبارهم على إطلاق سراح سجناء.

 ووفقًا لتوثيق منظمات المنصة الليبية، دخل مسلحون قاعة المحكمة وهددوا الكوادر القضائية وأجبروهم على تحرير المحتجزين، مستبدلين بذلك سلطة القضاء بالقوة الجبرية. وتوضح هذه الواقعة كيف أن الجماعات المسلحة لا تكتفي بالتأثير على البيئة المحيطة بالمحاكمة، بل تدخل إلى قاعة المحكمة لإملاء النتائج، مما يمحو الخط الفاصل بين القضاء والإكراه المسلح.

واقعة مشابهة في الشهر نفسه كانت في محكمة العزيزية، حيث اقتحمت مجموعة مسلحة تابعة للدولة مبنى المحكمة، وهددت القضاة والموظفين، وأجبرتهم على إطلاق سراح محتجزين.

 وحقيقة كون الجناة تابعين للسلطات الرسمية تؤكد أن التدخل لا يقتصر على المجموعات المارقة فحسب؛ فالجهات الفاعلة ذات الصلات الرسمية بالدولة تقوض أيضًا استقلال القضاء. كما توضح هذه الواقعة أن القضاء يواجه ضغوطًا ليس فقط من مجموعات مسلحة غير تابعة للدولة، بل أيضًا من تشكيلات مسلحة مدمجة في الهياكل التنفيذية، مما يعزز من ممارسة استصدار الأحكام القضائية بالقوة.

وفي 15 يوليو 2025، كانت دائرة الأحوال الشخصية أبو سليم التابعة لمحكمة باب بن غشّير الجزئية في طرابلس، هدفًا لهجوم مسلح عنيف. ووفقًا لتقارير إعلامية أكدتها الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية، وصلت مجموعة من المسلحين في ثلاث مركبات مدرعة وأطلقوا النار على مبنى المحكمة، مما ألحق أضرارًا بالمبنى، وتسبب في تعطيل الإجراءات القضائية، وترهيب القضاة والموظفين والزوار ويبدو أن الحادث مرتبط بحكم قضائي أغضب أحد المهاجمين، الذي ينتمي لجهاز الأمن العام.

وبحسب شهادة حصل عليها (مركز القاهرة) من أحد موظفي المحكمة المتواجد وقت الهجوم، طوقت ثلاث سيارات تقل مسلحين المبنى الواقع في منطقة مكتظة بالسكان. واقتحم فرد واحد على الأقل قاعة المحكمة، واعتدى على أحد أفراد الشرطة القضائية، وأطلق الرصاص الحي داخل المبنى. ثم اقتحم مكتب القاضي بحثًا عن رئيس المحكمة، وتعمد تخريب ممتلكات المكتب والمحكمة عندما لم يجده.

وتُظهر حالات إضافية وثقها (مركز القاهرة) كيف يتم تفريغ الضمانات الإجرائية من مضمونها حتى عند انعقاد الجلسات رسميًّا.

 ففي بنغازي، احتُجز المصور الصحفي إسماعيل زوي البوزريبة لمدة عشرين شهرًا دون إمكانية الوصول إلى محامٍ، ولم يتم إخطاره بموعد النطق بالحكم، وفي النهاية حُكم عليه بالسجن المؤبد من قِبل محكمة عسكرية في محاكمة غيابية.

ومن ثم، باتت المحاكمة مجرد ممارسة رمزية بحتة استُبعدت فيها المتطلبات الأساسية للحضور والإخطار والدفاعهذا الانقلاب على الإجراءات المعيارية وضع القضاء في موقع التبعية التنفيذية لمطالب الجماعات المسلحة.

كما قد يتخذ التدخل شكلاً أخر ينطوي على وقف النشاط القضائي بالكامل. ففي 12 ديسمبر 2016، دخلت قوات البحث الجنائي، وهي مجموعة مسلحة تابعة لوزارة الداخلية، مجمع محاكم طرابلس بالأسلحة، وتعمدت ترهيب القضاة والمحامين والمتقاضين، وأجبرت الجميع على إخلاء المبنى، وتعليق كافة الإجراءات.

هذه الوقائع تعكس كيف تعامل الأجهزة الأمنية التابعة للدولة المؤسسات القضائية كمساحات تابعة يمكن إخلاؤها أو تعليق العمل فيها أو تجاوزها حسب الرغبة. وبدلاً من حماية المحاكم، تصبح هذه القوات المرتبطة بالسلطة التنفيذية هي نفسها أدوات إكراه للقضاء، مما يؤدي إلى تعطيل العدالة بشكل كامل.

___________

مقالات مشابهة