مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

مناخ الخوف الناجم عن سطوة الجماعات المسلحة

منذ سقوط القذافي، يعمل النظام القضائي الليبي في بيئة من انعدام الأمن المزمن والترهيب. ويتعرض القضاة ووكلاء النيابة والمحامون وموظفو المحاكم بصورة منهجية للقتل، والإخفاء القسري، ومحاولات الاغتيال، والاعتقالات التعسفية، فضلاً عن الاقتحامات المسلحة للمحاكم في مختلف أنحاء البلاد، مما أثر سلبًا على النظام القضائي في شرق ليبيا وغربها وجنوبها على حد سواء.

هذه الهجمات مستمرة منذ أكثر من عقد، وتورطت فيها مجموعات واسعة من الجناة، بما في ذلك المجموعات المسلحة المتحالفة مع السلطات السياسية، والشبكات الإجرامية، والجماعات المتطرفة، والأفراد الذين يعملون تحت حماية — أو تسامح — التشكيلات المسلحة.

منذ عام 2012، قُتل ما لا يقل عن 6 من العاملين في السلك القضائي، واختُطف 4 أو احتُجزوا تعسفيًّا، ونجا 4 آخرون من محاولات اغتيال أو هجمات مسلحة. هذه الأرقام، التي تستند إلى وثائق وبيانات مفتوحة المصدر وليست على سبيل الحصر، تسلط الضوء على منهجية العنف بحق الجهات القضائية واتساع نطاقه في جميع أنحاء البلاد.18

 وفي جميع الحالات الموثقة تقريبًا، توقفت التحقيقات أو لم تبدأ، مما يعزز الشعور السائد بضمان الإفلات من العقاب.

إن غياب آليات الحماية الفعالة والمحاسبة الموثوقة أسفر عن تحويل المؤسسة القضائية إلى أحد أكثر المؤسسات هشاشة في ليبيا بعد عام 2011.

يمتد الأثر التراكمي لهذا العنف إلى ما هو أبعد من الضحايا الأفراد، إذ أعاد صياغة سبل ممارسة العدالة. فأضحى القضاة ووكلاء النيابة أسرى الرقابة الذاتية، يؤجلون الأحكام الحساسة، وينسحبون من القضايا التي تتورط فيها جماعات مسلحة أو شخصيات ذات صلات سياسية.

 وقد يٌخفي بعضهم هويته المهنية في الأماكن العامة؛ بينما يستقيل آخرون، أو يطلبون نقلهم لأماكن أخرى كمحاولة للنجاة. على سبيل المثال، في أواخر عام 2018، غادرت القاضية الليبية وفاء المدهون بنغازي إلى غرب ليبيا بعد تلقيها سلسلة من مكالمات التهديد عبر الهاتف، عقب مشاركتها في جلسة استماع بمحكمة شرق بنغازي الابتدائية.

ووفقًا لشهادتها لصحيفة العربي الجديد، اقتحم مسلحون قاعة المحكمة قبل وقت قصير من بدء الجلسة، وأطلقوا سراح محتجزين تعتقد أنهم مرتبطون بأصحاب هذه التهديدات، وهددوها أنها ستدفع الثمن إذا استمرت في نظر قضاياهم.

ونتيجة هذه التهديدات المباشرة والتواطؤ الواضح بين المجموعات المسلحة وأمن المحكمة، توارت المدهون عن الأنظار أولاً، ثم استقالت وانتقلت إلى الغرب، واصفة رحيلها بأنه السبيل الوحيد لإنقاذ حياتها.

وفقًا لمحامية أجرى معها مركز القاهرة مقابلة في بنغازي، غالبًا ما يتنحى القضاة عن القضايا الحساسة أو المحفوفة بالمخاطر، لا سيما تلك المتعلقة بالنزاعات على الأراضي، أو الفساد، أو الجهات الفاعلة القوية محليًا. قائلة«أحيانًا لا يتعلق الأمر بالقانون.. بل بقضية نزاع على أرض أو أشخاص لا يمكن المساس بهم

 وأضافت أنه في قضية تعود لعام 2016 انسحب ثلاثة قضاة مختلفين بالتتابع في مراحل مختلفة من المحاكمة، رغم بدء المرافعات وتحديد موعد للنطق بالحكم. ونادرًا ما يتم الإفصاح صراحة عن هذه التهديدات أو التدخل كمبرر للانسحاب،

ومع ذلك يقر المطلعون على مجريات الأمور بأن الخوف من الانتقام أو تجنب التورط مع مصالح المجموعات المسلحة غالبًا ما يٌملي على القضاة مثل هذه القرارات. وفي هذه الحالات، لا يخدم التنحي الحياد القضائي وإنما يكون بدافع الحفاظ على السلامة الشخصية.

بالإضافة إلى ذلك، أصبح إغلاق المحاكم وتعليق الجلسات وسحب الشكاوى بالإكراه، سمات متكررة في المشهد القضائي في ليبيا، مما يسمح فعليًّا للجهات الفاعلة المسلحة بإرساء حدود العمل القانوني. كما أدى مناخ الخوف هذا إلى تقويض الاستقلال المؤسسي.

فقد أثبتت الجماعات المسلحة بشكل متكرر قدرتها على التدخل المباشر في العمليات القضائية — وذلك عبر اختطاف القضاة، أو محاصرة المحاكم، أو تحرير المحتجزين قسرًا، أو منع الجلسات تحت تهديد السلاح. هذه الأفعال تحمل رسالة واضحة بأن السلطة القضائية خاضعة للقوة المسلحة القسرية. والنتيجة هي العصف بسيادة القانون، وتسيير عمل الهياكل القانونية الرسمية القائمة تحت إكراه دائم.

وبدوره، يصبح ضعف السلطة القضائية وعجزها عن تأكيد وظيفتها كضامن للحقوق والحريات محركًا لمزيد من العنف. وغالبًا ما تتصاعد النزاعات المتعلقة بالاعتقالات أو الاحتجاز أو القرارات القضائية إلى مواجهات مسلحة بين الجماعات المتنافسة. وفي ظل غياب حكم قضائي موثوق، تُحل المظالم بالقوة والانتقام أو بالتفاوض على وقف إطلاق النار. هذه الديناميكية تكرس دورات العنف بدافع الثأر وتترك المدنيين والمؤسسات العامة والبنية التحتية عرضة لعدم الاستقرار المتكرر.

على سبيل المثال، أدى اعتقال جهاز الردع (قوة الردع الخاصة) لمحمود حمزة؛ آمر اللواء 444، في مطار معيتيقة في أغسطس 2023 إلى اشتباكات عنيفة بين المجموعتين قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح حمزة لاحقًا.

 وفي 28 يوليو 2025، أسفرت اشتباكات في ورشفانة، جنوب غرب طرابلس، عن مقتل رمزي اللفع؛ آمر السريّة الثالثة التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، بعد أن تصاعد نزاع عائلي بين عشيرته وبين مجموعة مسلحة منافسة، ووصل لانتقام مسلح، لم يوقفه إلا تدخل أمني رسمي.

توضح دورة العنف المتكررة هذه مدى الانهيار الأوسع للمساءلة القضائية؛ فعندما تتولى المجموعات المسلحة اعتقال واحتجاز وإطلاق سراح الأفراد دون إجراءات قانونية، يصبح كل فعل من أفعال العدالة شرارة محتملة لصراع متجدد. وتصبح العدالة مرهونةً بالحماية المسلحة أو الانتماء السياسي أو الصمت.

التدخل في مراحل التحقيق والادعاء وما قبل المحاكمة

تبدأ أولى نقاط التداخل بين المجموعات المسلحة وعمل القضاء قبل بدء المحاكمة. إذ تستحوذ المجموعات المسلحة على التحقيقات وجمع الأدلة والاحتجاز في مرحلة ما قبل المحاكمة. إنها تصوغ مسار العدالة من البداية.

ويُعد هذا الاستحواذ المبكر حاسمًا لأنه يحيد دور الادعاء العام قبل أن يتمكن من اتخاذ أي إجراء. فبموجب القانون الليبي، يُعد أعضاء النيابة العامة حراس العدالة الجنائية: فهم من يصدرون قرارات الاعتقال، ويباشرون التحقيقات ويشرفون عليها، ويراقبون قانونية الاحتجاز.

ولهم الفصل في تحديد ما إذا كانت القضية ستمضي للمحاكمة. بينما يتم تهميش هذه الركيزة الجوهرية في بنية القضاء الليبي عندما تباشر المجموعات المسلحة الاعتقال والاستجواب بمنأى عن إشراف النيابة العامة، وما يتبع ذلك من سلسلة من الانتهاكات المنعزلة. إذ تتولى المجموعات المسلحة إدارة العملية بالكامل بما في ذلك تحديد الوقائع والأدلة، وفي كثير من الأحيان نتيجة القضية، قبل حتى أن تتدخل السلطات القضائية.

هذه الملاحظة أشارت لها المحكمة الجنائية الدولية في تقريرها السابع والعشرين بشأن ليبيا، مسلطة الضوء عن عجز مكتب المدعي العام: «أعربت منظمات المجتمع المدني عن مخاوف قوية بشأن قدرة السلطات والقضاء في ليبيا على المضي قدمًا في التحقيقات والملاحقات القضائية في قضايا معينة

الاستحواذ على القضايا من البداية

منذ 2011، أصبحت الاعتقالات والاحتجازات التعسفية واسعة النطاق ومنهجية. وقد وثقت العديد من المنظمات الحقوقية بشكل متكرر تورط الجماعات المسلحة، سواء المتحالفة مع الدولة أو المستقلة، في احتجاز الأفراد دون أوامر قضائية أو مراجعة قانونية جادة، وحبسهم لفترات طويلة دون توجيه تهم وبمعزل عن أي عملية قضائية فعّالة.

 وهناك آلاف من النشطاء والصحفيين والشخصيات القبلية والمهاجرين والمدنيين لا يزالوا رهن الاحتجاز بناءً على أسس قانونية غامضة أو دون أي أساس قانوني، مع إمكانية محدودة أو معدومة للاستعانة بمحامين أو التواصل مع أفراد العائلة.

وكثيرًا ما تستخدم الجماعات المسلحة الاحتجاز كأداة للسيطرة والترهيب، إذ تدير أطر أمنية موازية تحل فعليًّا محل المؤسسات الرسمية. وقد سبق ودقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ناقوس الخطر بشأن عمليات الاختطاف والإخفاء القسري التي ترتكبها الجماعات المسلحة في مدن متعددة، مشيرةً إلى احتجاز الأفراد في مواقع سرية غالبًا، وحرمانهم من الوصول لآليات العدالة الرسمية، وهو ما يمكن أن يصل حد جريمة الإخفاء القسري بموجب القانون الدولي.

وفي مقابلة مع محامية من بنغازي شرحت لمركز القاهرة كيف تعمل الجماعات المسلحة بشكل منفصل ضمن إطار قانوني موازٍ ومعزول، مع قدر ضئيل أو منعدم من المساءلة المؤسسية.

 مشيرة إلى إحدى القضايا، التي لها دلالة خاصة، بشأن امرأة مسنة اتُهمت بممارسة السحر، اعتُقلت من قِبل مجموعة مسلحة تُعرف باسم «20/20».

 ووفقًا للمحامية، تم الاعتقال لمجرد أن المرأة كانت تحمل بخورًا وزجاجة ماء، وهو ما اعتبرته مجموعة «20/20» مرادفًا لممارسة السحر. لم يكن هناك أمر اعتقال، ولا تصنيف قانوني للجريمة المزعومة، ولا إحالة لسلطة قضائية. ولم تُعرض المرأة المحتجزة منذ نوفمبر 2024، حتى تاريخ إجراء المقابلة، على النيابة العامة ولم تلتقِ بمحام.

حاولت المحامية التي أجرينا معها المقابلة التدخل لتمثيل المرأة. لكنها تلقت تحذيرًا شديد اللهجة من أن مجرد محاولة التواصل مع المجموعة المسلحة قد يعرض حياتها للخطر. ولم تكن متأكدة مما إذا كان ينبغي لها تقديم طلبها القانوني إلى مكتب النيابة العامة، أم إلى المجموعة المسلحة ذاتها.

فبحسب ما أشارت في المقابلة قال لها البعض«لا تخاطري بحياتك بالذهاب إلى مجموعة 20/20. هل أنتِ مجنونة؟ فيمَ تفكرين؟ حتى لو قدمتِ مليون طلب، فلن يحيلوها إلى النيابة أبدًا وتتابع المحامية«وإلى يومنا هذا، تعيش عائلة هذه السيدة في حالة من عدم اليقين، بما في ذلك ابنتها، المولودة عام 1976، والتي تعاني من إعاقة جسدية وتعتمد على رعاية والدتها*.»*

توضح هذه الحالة ما هو أكثر من مجرد احتجاز تعسفي. إذ تنتهك المجموعة المسلحة القواعد الإجرائية وتصادر صلاحيات النيابة العامة. إذ لم يتم فتح تحقيق تحت سلطة النيابة العامة، ولا يوجد أي مسار قانوني للمراجعة القضائية.

ويعكس عدم يقين المحامية بشأن مخاطبة النيابة أو المجموعة المسلحة انهيارًا أعمق. ففي الواقع، لم تعد النيابة العامة تمثل نقطة الدخول المؤسسية إلى نظام العدالة. وقد أكد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ذلك، وأشار في تقريره إلى «بعض الممارسات الإجرامية وبعض مجموعات الجناة التي تبقى بمعزل عن الملاحقة القضائية للسلطات الليبية المختصة

حالة أخرى تولت فيها المجموعات المسلحة زمام عملية جمع الأدلة والتحقيقات هي واقعة مقتل قائد جهاز دعم الاستقرار عبد الغني الككلي (غنيوة).

 الأمر الذي أدى إلى تصاعد التوترات بين جهاز دعم الاستقرار وبين مجموعات مسلحة متحالفة مع حكومة الوحدة الوطنية منها قوات اللواء 444. إذ بدأت الأخيرة في الكشف عما وصفته بأنه أدلة على جرائم جهاز دعم الاستقرار الفاسد. وفي بيان نُشر على موقع فيسبوك في 19 مايو 2025، زعم اللواء 444 أنه تعاون مع الإدارة العامة للبحث الجنائي في الكشف عن مقبرة جماعية في منطقة عين زارة.

 ولم يتضمن المنشور إي إشارة إلى دور لمكتب النيابة في الإشراف على التحقيق. بل على العكس، ذكرت المجموعة أن اعترافات محتجزين لديها قادت لاكتشاف الموقع.

وبحسب روايتهم، استُخرِجت رفات متفحمة وأدلة مادية تم ربطها بفتاة مفقودة، لكن لم تتم الإشارة إلى مذكرة تفتيش أو أمر قضائي أو إشراف من النيابة. وهكذا، أرسى استجواب أدارته جماعة مسلحة، أُجري خارج نظام العدالة الرسمي، القواعد الأساسية لتحقيقات جنائية معقدة.

الأمر الذي لا يثير مخاوف جدية بشأن مقبولية الأدلة وقانونية الاحتجاز فحسب، بل يوضح أيضًا كيف يمكن للجماعات المسلحة استباق العمليات القضائية الرسمية عبر صياغة روايات عامة، والتحكم في تدفق الأدلة، وإسناد التهمة صراحةً أو ضمنًا.

وفي مثال آخر، في ديسمبر 2025، أعلن «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» عن تفكيك ما وصفه بشبكة إجرامية تتكون بشكل أساسي من مقيمين أجانب، بزعم استغلالهم لأجواء السهرات الليلية وانخراطهم في أنشطة منظمة تهدف للربح، قيل إنها تهدد التماسك الاجتماعي وتستهدف الشباب.

 وقُدمت العملية، التي صُوّرت كاستجابة لـ «خطر حقيقي» يهدد الأمن القومي والقيم المجتمعية، كنجاح في استعادة النظام. وأكد الجهاز في بيانه أنه قرر التدخل لمواجهة هذا السلوك المزعوم وأنه نجح في «وضع حد لتصرفات هذه المجموعة». بينما لم يتضمن الإعلان أي إشارة إلى أمر قضائي أو تصريح من النيابة أو إجراءات قانونية لاحقة.

هذا الإغفال يجسد النمط الأوسع الذي تتبناه المجموعات المسلحة في تولي وظائف التحقيق والقبض وإنفاذ القانون في ظل غياب الإشراف القضائي، والعمل خارج الأطر القانونية المعمول بها.

____________

مقالات مشابهة