المنهجية

يستند هذا التقرير إلى مجموعة من المقابلات التي أجريت بين أبريل وديسمبر 2025، فضلاً عن العديد من التحليلات القانونية والسياسية، والوثائق مفتوحة المصدر.

وذلك بهدف تقييم تأثير الجماعات المسلحة، والانقسام السياسي، والتدخل المؤسسي على مسار نظام العدالة في ليبيا؛ بدءً من القبض والتحقيق، وصولًا إلى المحاكمة وتنفيذ الأحكام.

وفي هذا الإطار، أجرى مركز القاهرة 10 مقابلات معمقة مع أصحاب المصلحة في السلك القضائي وفاعلين منخرطين بشكل وثيق في منظومة العدالة أو مراقبين لها، بمن في ذلك:

  • قضاة، وقضاة سابقون، ووكلاء نيابة؛
  • محامون يزاولون عملهم أمام المحاكم الجنائية أو العسكرية؛
  • خبراء قانونيون وأساتذة جامعات؛
  • صحفيون، وباحثون، ونشطاء مجتمع مدني معنيون بالعدالة والمحاسبة؛
  • ضحايا، لديهم تجربة مباشرة في مرافق الاحتجاز التي تديرها الجماعات المسلحة أو الإجراءات القضائية التي تتولاها.

أجريت المقابلات عن بُعد باللغة العربية أو الإنجليزية. وأُحيط كافة المشاركين علمًا بالغرض من البحث وشاركوا طواعية. وأوليت عناية خاصة لتجنب تعريضهم لمخاطر انتقام المجموعات المسلحة، أو العواقب السلبية على وظائفهم، أو الضغوط السياسية. وطلب معظم المشاركين عدم الكشف عن هويتهم لأسباب أمنية. لذا حُذفت كافة المعلومات التي قد تدل على هوياتهم، إلا ّإذا تم التصريح من قِبَلهم بغير ذلك بشكل واضح.

كما أستند التقرير في معلوماته إلى:

  • التشريعات الليبية وغيرها من الوثائق الرسمية، مثل القرارات الصادرة عن السلطات في الشرق والغرب؛
  • الأحكام والقرارات الصادرة عن القضاء في شرق ليبيا وغربها، بما في ذلك المنازعات الانتخابية والأحكام الجنائية؛
  • تقارير منظمات المجتمع المدني الليبية، ومجموعات ونقابات المحامين؛
  • تقارير المنظمات الدولية؛ هيومن رايتس ووتش، والعفو الدولية، واللجنة الدولية للحقوقيين، والمفكرة القانونية؛
  • تقارير الأمم المتحدة والبيانات العامة الصادرة عن هيئاتها؛
  • قواعد البيانات المتاحة حول الهجمات والاشتباكات والحوادث الأمنية التي تمس المؤسسات القضائية.

كما اعتمد التقرير في بيانات الجماعات المسلحة ووقائع الاعتداء على الكوادر القضائية، على مصادر متعددة مع التحقق منها كلما أمكن ذلك.

ونظرًا لبيئة ليبيا المتشرذمة وغير المستقرة أمنيًّا، تعذر على مركز القاهرة إجراء عملية تحقق ميدانية. لذا لا يمكن الفصل بشكل قاطع في بعض الأحداث المذكورة، لا سيما عمليات الاختطاف أو التعذيب، أو الدوافع الكامنة وراء الهجمات على الجهات القضائية الفاعلة؛ وخاصة في ظل غياب تحقيقات شفافة من جانب السلطات الليبية.

وفي هذه الحالات، يميز التقرير بوضوح بين الحقائق الموثقة، وشهادات المشاركين في المقابلات، وبين تحليلات مركز القاهرة. علمًا بأن المؤسسات القضائية في ليبيا لا تنشر الأحكام أو مذكرات الاعتقال أو القرارات التأديبية بانتظام. ونتيجة لذلك، استندت العديد من النتائج والتحليلات إلى المقابلات والتقارير الثانوية المؤكدة كبديل عن السجلات الرسمية الكاملة. وفي الحالات التي تباينت فيها الروايات، أثبت المركز هذا التفاوت في التقرير، وتجنب تقديم استنتاجات غير مؤكدة.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة، إلى أن مركز القاهرة قد بعث رسالة إلى السلطات الليبية في 9 فبراير 2026 لاطلاعها على نتائج هذا التقرير وطلب التعليق على ما ورد فيه من وقائع. لكنه لم يتلق أي رد حتى توقيت النشر.

وبسبب تباين طبيعة التشكيلات المسلحة في ليبيا واختلاف أوضاعها القانونية بشكل ملحوظ، فضلاً عن اختلاف حجم ومستوى تنظيمها، وعددها، ومدى ارتباطها (بشكل رسمي أو غير رسمي) بوزارات الدفاع أو الداخلية أو العدل؛ أو تضمنها كوادر أمنية محترفة انشقت عن قيادة الدولة؛

تجنب هذا التقرير استخدام مصطلح (ميليشيات) لوصف هذه الكيانات المسلحة، لأنه يفتقر إلى تعريف دقيق ومتسق يمكن تطبيقه على كل الجهات المسلحة الفاعلة التي يتناولها التقرير. مفضلاً استخدام مصطلح (جماعات أو مجموعات مسلحة)، مع التنويه أن الأولى (جماعات) غالبًا ما تشير إلى مجموعات مسلحة ذات قيادة، وهيكل، وتنظيم، وسيطرة ونفوذ على مناطق/قطاعات محددة.

السياق العام

بعد مرور أكثر من عقد على سقوط نظام القذافي، لا تزال ليبيا حبيسة دوامة من العنف المتقطع، والانتقال السياسي غير المكتمل، والانقسام المؤسسي. ورغم الإصلاحات المبكرة التي استهدفت إرساء قضاء مستقل وإعادة بناء سلطة الدولة، لا يزال قطاع العدالة يعمل تحت وطأة قيود هيكلية فرضها الانقسام السياسي، والتدخل القسري، ونفوذ الجماعات المسلحة.

بعد انهيار نظام القذافي الاستبدادي عام 2011 تنامت التوقعات بأن ليبيا قادرة على إعادة بناء مؤسساتها على أسس قانونية جديدة. وسارع المجلس الوطني الانتقالي إلى اعتماد إعلان دستوري يؤكد استقلال القضاء، ويحظر المحاكم الاستثنائية، ويكفل حق التقاضي.

 وأعاد القانون رقم 4 لسنة 2011 هيكلة المجلس الأعلى للقضاء، وفصله عن هيمنة السلطة التنفيذية، وألغى الحصانة التي كان يتمتع بها سابقًا.

 كما أنهى إخضاع القضاء للسلطة السياسية والأمنية على النحو الذي كان متبعًا في الجمهورية العربية الليبية ونظام الجماهيرية،

 حيث كان القضاة وأعضاء النيابة العامة وحتى المحامون تابعين للهياكل السياسية والأمنية، مواقعهم خاضعة لتوظيف مُسيّس، وتهيمن على عملهم السلطات القسرية للجان الثورية.

وفي غضون عام من الإعلان الدستوري، تدخلت شخصيات سياسية رفيعة المستوى مباشرة في الشئون القضائية: ففي عام 2012، ظهر مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي، علنًا إلى جانب المحققين في قضية اغتيال عبد الفتاح يونس، ووجه اتهامات بحق أفراد لم يتم استدعاؤهم أو التحقيق معهم.

 كما حاولت السلطات المحلية تشكيل السلطة القضائية، إذ أوصى رئيس المجلس المحلي بمصراتة المجلس الوطني الانتقالي بتعيين قضاة ووكلاء نيابة محددين في مدينته.

 وفي الوقت نفسه، تضاعفت أعداد مراكز الاحتجاز الخارجة عن سلطة النائب العام، واحتُجز العديد من الأفراد المرتبطين بالألوية والكتائب خلال عهد القذافي دون تحقيق أو محاكمة عادلة.

 وأوضحت هذه الممارسات كيف أن التدخل السياسي، والشبكات غير الرسمية، والجهات الأمنية غير المنظمة، أعادت تأكيد نفسها بسرعة داخل مسار العدالة، رغم الإصلاحات الرسمية المعلنة.

في عام 2014 تفاقم عدم الاستقرار المؤسسي بسبب النزاع الدستوري إثر حكم الدائرة الدستورية في المحكمة العليا في طرابلس ببطلان الإطار القانوني الذي استندت إليه انتخابات مجلس النواب. فدخلت ليبيا مرحلة جديدة من التشظي، وادعت السلطات المتنافسة في الشرق والغرب حيازتها للشرعية الدستورية، مدعومة بتحالفات مسلحة متنافسة وتحالفات دولية متباينة.

هذه الأزمة الدستورية لا تفسر وحدها الفوضى التي أعقبت ذلك، ففي العام نفسه تصاعد عدم الاستقرار الأمني والسياسي. وشهدت ليبيا هجمات إرهابية شنّتها كيانات تابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية». وأطلق خليفة حفتر «عملية الكرامة» في 16 مايو 2014، آملًا في انتزاع السلطة من النخبة السياسية بالقوة. وقد أعادت مناورته تشكيل التوزيع الإقليمي والمؤسسي بين الشرق والغرب.

ومنذ ذلك الحين، تحدد المشهد السياسي في البلاد من خلال حكومات متنافسة، وإدارات منقسمة، وانتشار للجماعات المسلحة التي يشكل نفوذها، بشكل متزايد، المخرجات القضائية.

 حتى أن بعضها دُمج صوريًّا في الوزارات، مما وسع سيطرتها على الاعتقالات والتحقيقات ومرافق الاحتجاز. وتعدت هذه الجماعات بانتظام على الإجراءات القانونية الواجبة، وعرقلت نقل المحتجزين، وتدخلت في الجلسات، وعملت باستقلالية عن إشراف النيابة العامة.

وأدى وجودها إلى طمس الخط الفاصل بين سلطة أجهزة الدولة وسلطة الجهات غير الحكومية، مما جعل تنفيذ القرارات القضائية متوقفًا على تسامح الجماعات المسلحة بدلاً من السلطة المؤسسية.

يعكس صعود المجموعات المسلحة في ليبيا المسار المؤسسي المضطرب للبلاد منذ عام 2011. فالعديد من المجموعات التي تشكلت خلال النزاع الذي شهده ذلك العام ترسخت في مناطقها المحلية.

وبدلاً من حلّها تدريجيًّا بعد الحرب، تم استيعابها غالبًا، ورقيًّا على الأقل، ضمن هيئات الدولة الرسمية، عبر دمج صوريٍّ في الوزارات الحكومية. إلا أن هذا لم يحل القضايا الأعمق المتعلقة بالسيطرة والمحاسبة.

إذ واصلت معظم هذه المجموعات العمل باستقلالية، وأنشأت مراكز احتجاز خاصة بها، واتخذت قرارات خارج سلاسل القيادة الرسمية، مستفيدة في الوقت نفسه من شرعية الغطاء الحكومي، فضلاً عن التمويل الحكومي في كثير من الأحيان.

وقد أفرز ذلك خليطًا مربكًا؛ حيث تعمل هذه الجهات الفاعلة المسلحة كجماعات مسلحة مستقلة وجهات إنفاذ قانون بحكم الأمر الواقع في آن واحد. وقد سهّل هذا الخلط في الأدوار تجاوزها للإجراءات القانونية وتدخلها في الشئون القضائية. ونتيجة لذلك، أصبح التمييز بين قوة الدولة والقوى غير الحكومية غير واضح.

وبالنظر إلى هذا التشظي وتشتت المصالح السياسية والعسكرية والمالية، تعرض القضاء لضغوط من كافة الجوانب. ففي الشرق، أحكم آل حفتر سيطرتهم العسكرية وسعوا جاهدين لنيل الاعتراف الدولي.

أما في الغرب، فقد حظي عبد الحميد الدبيبة، رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية، بالاعتراف الدولي بينما يسعى لتحقيق الهيمنة العسكرية. وقد أثبت كلاهما عدم قدرته على تحقيق سيطرة إقليمية كاملة أو التمتع باعتراف دولي شامل.

وفي هذا السياق، تفتت الإطار المؤسسي في ليبيا على طول خطوط الانقسام الجغرافي. فبينما تطبق المحاكم في الشرق التشريعات الصادرة عن مجلس النواب، تعمل نظيرتها في الغرب بموجب قوانين اعتمدتها هيئات مرتبطة بالمؤتمر الوطني العام(السلطة التشريعية التي تتخذ من طرابلس مقراً لها ما بعد عام 2011).

_____________

مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

مقالات مشابهة