Author - manara

تفاصيل صراعات داخل معسكري الشرق والغرب تعرقل تقدم مبادرة مسعد بولس بشأن ليبيا

كشفت مصادر ليبية مطلعة أن العقبة الرئيسية أمام المسار الذي يقوده مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس لم تعد تقتصر على الانقسام التقليدي بين شرق ليبيا وغربها، بل باتت تتمثل في صراعات داخل كل معسكر حول الجهة التي تملك حق التفاوض وتمثيل مراكز القوة في أي ترتيبات سياسية أو عسكرية مقبلة. 

فقد أظهرت اجتماعات مالطا الأخيرة، وما سبقها من اتصالات وتحركات، وفق مصادر “عربي بوست”، أن التفاهم بين معسكري شرق ليبيا وغربها أصبح مرتبطاً أولاً بحسم التنافس داخل كل طرف.

ففي الشرق، برزت خلافات بين أبناء خليفة حفتر حول إدارة الاتصالات السياسية والعسكرية والدولية، بينما اتبع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في الغرب سياسة مزدوجة تقوم على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة مع معسكر الشرق، بالتوازي مع تشجيع مواقف رافضة للمشروع الأمريكي داخل مصراتة، بهدف رفع سقف التفاوض وكسب الوقت.

وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تمضي في بلورة مبادرتها تدريجياً عبر حوارات مغلقة مع الشخصيات الأكثر نفوذاً، في وقت لا تزال فيه المبادرة غير مكتوبة رسمياً، فيما تتواصل النقاشات حول ملفات توحيد السلطة التنفيذية، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وتقاسم النفوذ داخل أي سلطة انتقالية جديدة، وسط تباين واضح بين المسار الأمريكي والمسار الذي ترعاه الأمم المتحدة.

حوار مستمر وخلافات حول السلطة والجيش

مثّلت اجتماعات مالطا، التي استضافتها الجزيرة في 6 يوليو/ تموز 2026 برعاية مسعد بولس، أول اختبار عملي لمحاولة تقريب وجهات النظر بين مراكز القوة في شرق ليبيا وغربها، وشارك فيها القائم بالأعمال الأمريكي لدى ليبيا جيريمي برنت، إلى جانب شخصيات سياسية وعسكرية تمثل الطرفين.

وضم الاجتماع السياسي صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات التابعة لخليفة حفتر، وإبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي في حكومة الوحدة الوطنية، إضافة إلى وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي.

وبالتوازي، عُقد اجتماع عسكري شارك فيه صدام حفتر، ووكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية عبد السلام الزوبي، إلى جانب 3 ممثلين عن القيادة العامة و3 ممثلين عن حكومة الوحدة.

وقالت مصادر مطلعة لـ”عربي بوست” إن النقاشات تناولت ملفات توحيد المؤسسة العسكرية، وشكل القيادة المستقبلية، وآلية توزيع المواقع داخل أي سلطة تنفيذية أو رئاسية جديدة، إلا أنها انتهت من دون التوصل إلى اتفاق نهائي.

وبحسب المصادر، برزت الخلافات فور الانتقال من المبادئ العامة إلى التفاصيل التنفيذية، ولا سيما ما يتعلق بصلاحيات القيادة العسكرية، وتبعية رئاسة الأركان، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية.

وأضافت المصادر أن وفد القيادة العامة تمسك بالحفاظ على الهيكل الأساسي للقوات التابعة لخليفة حفتر، مع ضمان موقع قيادي لصدام حفتر داخل المؤسسة العسكرية الموحدة أو ضمن السلطة التنفيذية التي قد تدير المرحلة المقبلة.

في المقابل، طالب ممثلو حكومة الوحدة بضمانات تحول دون تحول عملية توحيد المؤسسة العسكرية إلى وسيلة لتوسيع نفوذ القيادة العامة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية في غرب ليبيا.

وشملت نقاط الخلاف أيضاً صلاحيات القائد الأعلى، وآلية اختيار رئيس الأركان وقادة المناطق العسكرية، وطريقة اتخاذ القرارات، ومستقبل التشكيلات والأجهزة التابعة للطرفين، فضلاً عن مسألة خضوع المؤسسة العسكرية الموحدة لسلطة مدنية، وما إذا كانت ستتبع مجلساً رئاسياً أو تنفيذياً يجري تشكيله ضمن التصورات الأمريكية، أم ستحتفظ بهامش واسع من الاستقلال.

ورغم انتهاء الاجتماعات من دون اتفاق، قرر المشاركون الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة، وتأجيل استكمال المباحثات إلى جولة جديدة بعد نحو أسبوعين، في محاولة لتقليص هوة الخلافات.

وتشير المعطيات إلى أن لقاء مالطا لم يكن بداية هذا المسار، بل جاء امتداداً لقناة تفاوضية بدأت خلال عام 2025 بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، وشهدت لقاءات في روما ثم باريس بتنسيق أمريكي وفرنسي، قبل أن تتوسع في مالطا لتشمل شخصيات سياسية وعسكرية إضافية.

وترى المصادر أن اختيار صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة لقيادة هذه القناة يعكس توجهاً أمريكياً للتعامل مع الشخصيات التي تمتلك نفوذاً فعلياً داخل دوائر القرار في شرق ليبيا وغربها، بدلاً من الاكتفاء بالمؤسسات السياسية التقليدية، مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي.

صراع معسكر الشرق بين أبناء حفتر

لم تكشف اجتماعات مالطا فقط حجم التباين بين شرق ليبيا وغربها، بل أظهرت أيضاً أن معسكر القيادة العامة لا يتحرك بقرار سياسي وعسكري موحد، في ظل تنافس متزايد بين أبناء خليفة حفتر على إدارة ملفات المرحلة المقبلة.

وتقول مصادر مطلعة لـ”عربي بوست” إن بلقاسم حفتر كان مرشحاً للمشاركة في جانب من اجتماعات مالطا، قبل أن يتراجع عن الحضور إثر خلاف مع شقيقه صدام حفتر.

وبحسب المصادر، اعترض بلقاسم على محاولات صدام حصر الاتصالات الدولية والملفات السياسية في دائرته الخاصة، وتقديم نفسه بوصفه الممثل الرئيسي لمعسكر الشرق وعائلة حفتر أمام الولايات المتحدة.

ويترأس بلقاسم الجهاز التنفيذي لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يشرف على تنفيذ مشروعات واسعة في شرق البلاد ومناطق أخرى، ما منحه نفوذاً اقتصادياً وإدارياً متنامياً.

وترى المصادر أنه يعتبر ملف إعادة الإعمار جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية واقتصادية مقبلة، خاصة مع ارتباط المقترحات المطروحة بتوحيد الميزانية وفتح قطاعات الطاقة والبنية التحتية أمام الاستثمارات الأجنبية.

في المقابل، يسعى صدام إلى تثبيت موقعه باعتباره الواجهة السياسية والعسكرية الرئيسية للعائلة، والطرف المخول بالتفاوض بشأن السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسة العسكرية. وتؤكد المصادر أن أسباب غياب بلقاسم لم تُعلن رسمياً، وتبقى تفاصيل الخلاف منسوبة إلى المصادر المطلعة.

وبالتوازي مع ذلك، كان يجري الإعداد لمسار عسكري منفصل يجمع خالد حفتر، رئيس الأركان التابع للقيادة العامة، برئيس الأركان العامة المكلف في طرابلس صلاح الدين النمروش، بعد لقائهما خلال مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة في العاصمة الأنغولية لواندا، حيث ناقشا التعاون العسكري ومساعي توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وتضيف المصادر أن ترتيبات كانت قد بدأت لعقد اجتماع مباشر بينهما في مدينة سرت، بهدف استكمال هذه المناقشات والانتقال إلى بحث الخطوات التنفيذية المتعلقة بهياكل رئاسة الأركان وآليات التنسيق بين القوات في الشرق والغرب.

إلا أن مصدراً خاصاً كشف لـ”عربي بوست” أن الاجتماع أُلغي بعد تدخل من صدام حفتر، الذي طلب من الأمين العام للقيادة العامة وعضو اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” خيري التميمي عدم المضي في استضافة اللقاء.

وبحسب المصدر، أبلغ التميمي الجانب الآخر بالاعتذار عن عقد الاجتماع، مبرراً ذلك بعدم اكتمال الترتيبات، رغم أن التنسيق الأولي كان قد بدأ، وكان الطرفان قد أبديا استعدادهما للمشاركة.

ويرى المصدر أن قرار الإلغاء لم يكن مرتبطاً بالجوانب اللوجستية فقط، وإنما بتحفظ صدام على قيام قناة عسكرية مستقلة يقودها خالد حفتر مع رئاسة الأركان في طرابلس، بعيداً عن المسار السياسي والعسكري الذي يشارك فيه صدام شخصياً ضمن مبادرة بولس.

وأضاف المصدر أن نجاح هذا المسار كان سيمنح خالد موقعاً متقدماً في ملف توحيد المؤسسة العسكرية، وهو ما يفسر، بحسب روايته، اعتراض صدام على عقد الاجتماع. وتظل هذه المعلومات منسوبة إلى المصدر الخاص، في ظل عدم صدور أي إعلان رسمي يوضح أسباب إلغاء اللقاء أو ما إذا كان قد أُجل إلى موعد لاحق.

وتكشف هذه التطورات عن تنافس يتجاوز الخلافات الشخصية بين أبناء حفتر، ليصل إلى توزيع أدوار ونفوذ داخل معسكر الشرق. فصدام يقود الاتصالات السياسية والدولية، وخالد يتمسك بملف المؤسسة العسكرية، بينما يسعى بلقاسم إلى الحفاظ على نفوذه في ملفات الاقتصاد وإعادة الإعمار، وهو ما يجعل أي تفاهم مع الشرق الليبي مرتبطاً أولاً بحسم هذه التوازنات الداخلية.

الدبيبة يفاوض ويحرك رفض مصراتة

في غرب ليبيا، تكشف مصادر خاصة لـ”عربي بوست” أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة اعتمد مقاربة مزدوجة في التعامل مع المبادرة الأمريكية، تقوم على الإبقاء على قناة التفاوض التي يقودها شقيقه إبراهيم مع صدام حفتر، بالتوازي مع تحريك مواقف سياسية واجتماعية رافضة للمشروع داخل مدينة مصراتة.

وبحسب المصادر، عقد الدبيبة اجتماعاً مع شخصيات اجتماعية وسياسية من مصراتة قبل وصول مسعد بولس إلى المدينة، وطلب منها التعبير علناً عن رفض المبادرة الأمريكية، بل ودعا إلى رفع سقف الاعتراض، حتى لو وصل الأمر إلى محاولة منع بولس من دخول مصراتة.

وأضافت المصادر أن الدبيبة أبلغ الحاضرين بأنه يتعامل مع التحركات الأمريكية بمنطق المماطلة وكسب الوقت، في ظل اعتقاده أن الصيغة المتداولة قد تمنح صدام حفتر وعائلته نفوذاً واسعاً داخل السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية، ما قد يهدد موقع حكومة الوحدة والتحالفات التي تستند إليها.

ورغم ذلك، لم يغلق الدبيبة باب التفاوض، إذ واصل إبراهيم الدبيبة المشاركة في الاجتماعات التي جمعت ممثلين عن الشرق والغرب، ما يعكس، وفق المصادر، رغبة رئيس الحكومة في متابعة تفاصيل المشروع الأمريكي من الداخل، مع الاحتفاظ بأوراق ضغط محلية تمكنه من تعديل المقترحات أو تأخيرها إذا اقتضت الحاجة.

وتوضح المصادر أن الدبيبة لا يتعامل مع المبادرة الأمريكية بمنطق القبول أو الرفض النهائي، وإنما يحاول إبقاء جميع الخيارات مفتوحة؛ التفاوض لمعرفة ما تعرضه واشنطن، وفي الوقت نفسه استخدام المواقف الرافضة داخل مصراتة لتعزيز موقعه التفاوضي.

ويكتسب موقف مصراتة أهمية خاصة، باعتبارها أحد أبرز مراكز القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية في غرب ليبيا، والحاضنة الاجتماعية الرئيسية لعائلة الدبيبة.

وترى المصادر أن صدور موقف رافض من المدينة يمنح رئيس الحكومة ورقة إضافية أمام الجانب الأمريكي، مفادها أن أي ترتيبات تمنح معسكر حفتر دوراً متقدماً داخل السلطة لن تكون قابلة للتنفيذ من دون قبول القوى المؤثرة في غرب البلاد.

كما يتيح هذا الموقف للدبيبة الاستمرار في المفاوضات من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن، إذ يستطيع الاستناد إلى اعتراض القوى الاجتماعية والعسكرية في مصراتة للمطالبة بتعديل الصيغة المطروحة أو تأجيلها.

في المقابل، تشير المصادر إلى أن جانباً من الرفض داخل المدينة لا يرتبط فقط بموقف الدبيبة، بل يعكس أيضاً مخاوف حقيقية لدى بعض القوى من منح صدام حفتر موقعاً سياسياً أو عسكرياً متقدماً عبر تسوية لا تستند إلى انتخابات، وهو ما يجعل موقف مصراتة أكثر تعقيداً من اختزاله في كونه استجابة لتوجيهات رئيس الحكومة.

مفاوضات تتقدم على النصوص

في الوقت الذي تتواصل فيه اللقاءات بين ممثلي الشرق والغرب، لا تزال المبادرة التي يعمل عليها مسعد بولس في مرحلة المشاورات، من دون أن تتحول إلى وثيقة سياسية مكتوبة.

فعقب اجتماع بولس مع أعيان وحكماء وقيادات عسكرية وممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني في مصراتة، أكد بيان صادر عن المشاركين أن بولس لم يعرض مبادرة مكتوبة أو بنوداً نهائية، موضحاً أن المرحلة الحالية تقتصر على الاستماع إلى آراء الأطراف الليبية وجمع المقترحات تمهيداً لصياغة مشروع متكامل في مرحلة لاحقة.

وبحسب البيان، طالب المشاركون بتقديم مسودة مكتوبة يمكن مناقشتها، وشددوا على أن مدنية الدولة وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية يمثلان خطين أحمرين، مع رفض أي مسار يقود إلى عسكرة الدولة أو فرض حلول بقوة السلاح. ودعوا إلى إطار دستوري واضح، وضمانات دولية، وتوسيع المشاركة في أي تسوية، بدلاً من حصرها في القوى المسيطرة على المؤسسات والسلاح.

غير أن المعطيات التي حصل عليها “عربي بوست” تكشف مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي يؤكد فيه بولس أن المبادرة لم تكتمل بعد، تناقش الاجتماعات المغلقة في مالطا ملفات تفصيلية تتعلق بشكل السلطة التنفيذية، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وآليات توزيع المواقع بين الأطراف الليبية.

وترى المصادر أن ذلك يعكس منهجاً أمريكياً يقوم على بلورة المبادرة تدريجياً عبر التفاوض مع مراكز النفوذ الفعلية، بدلاً من طرح مشروع متكامل منذ البداية، ما يسمح بإدخال تعديلات على الصيغة النهائية وفق مواقف الأطراف المشاركة.

وبحسب التصورات المتداولة، تدور المناقشات حول تفاهم يشمل توحيد السلطة التنفيذية، والمؤسسات العسكرية والمالية، وضمان استمرار إنتاج النفط، وفتح المجال أمام استثمارات أمريكية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية.

كما تتضمن بعض الطروحات منح معسكر حفتر موقعاً قيادياً داخل مجلس رئاسي أو مجلس تنفيذي جديد، مقابل استمرار عبد الحميد الدبيبة، أو دائرته السياسية، في رئاسة الحكومة أو الاحتفاظ بنفوذ واسع داخل السلطة التنفيذية.

وتثير هذه المقاربة مخاوف لدى عدد من القوى الليبية، التي ترى أن المشاورات العامة التي يجريها بولس مع المدن والقوى السياسية قد تتحول إلى غطاء لتفاهمات تُحسم عملياً في الاجتماعات المغلقة بين الشخصيات والعائلات ومراكز النفوذ العسكري الأكثر تأثيراً، قبل عرضها في إطار مبادرة رسمية.

المسار الأمريكي في مواجهة المقاربة الأممية

بالتوازي مع التحركات التي يقودها مسعد بولس، يواصل المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة إحراز تقدم في عدد من الملفات السياسية، ما يعكس وجود مقاربتين مختلفتين لمعالجة الأزمة الليبية.

فقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا توصل لجنة “4+4” السياسية إلى تفاهمات بشأن القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وتضم اللجنة 4 ممثلين عن مجلس النواب و4 عن المجلس الأعلى للدولة، كما كلفت فريقاً من أعضائها بإعداد الصيغة النهائية للاتفاق تمهيداً لتوقيعه.

ويختلف هذا المسار عن عمل اللجنة العسكرية المشتركة “5+5″، التي تركز على ملفات وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية، إذ ينصب عمل لجنة “4+4” على القاعدة القانونية والسياسية اللازمة لإجراء الانتخابات.

ورغم تأكيد بولس أن تحركاته تأتي استكمالاً للمسار الأممي، فإن المعطيات تشير إلى اختلاف واضح بين المقاربتين. فالأمم المتحدة تنطلق من الانتخابات باعتبارها المدخل لإعادة إنتاج الشرعية، بينما تركز واشنطن على التوصل أولاً إلى تفاهم بين القوى الأكثر نفوذاً على الأرض، قبل الانتقال إلى أي استحقاق انتخابي.

ويرى مؤيدو المقاربة الأمريكية أن التفاهم بين مراكز القوة السياسية والعسكرية قد يوفر قدراً من الاستقرار يسمح بإجراء الانتخابات لاحقاً، فيما يحذر معارضوها من أن تتحول الترتيبات الانتقالية إلى صيغة دائمة لتقاسم السلطة بعيداً عن صناديق الاقتراع.

_______________

هل تمضي ليبيا نحو حكم العائلة؟

الحبيب الأسود

حكم العائلة قد يكون الحل الأمثل للخروج من المأزق التاريخي الليبي؛ فهو نموذج ينسجم مع الخصوصيات الحضارية والثقافية، ويتجاوز حالة السيولة والتشظي التي أصابت الدولة منذ 2011

هل يمكن أن تتحول ليبيا إلى مملكة على غرار ما كانت عليه عند تأسيس الدولة الوطنية الحديثة في العام 1951 على يد الملك إدريس السنوسي أمير برقة، الذي استجاب لنداء الاتحاد ثم الوحدة وقاد مسيرة تكريس الكيان الليبي المنبثق عن توافقات الحلفاء إثر هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية؟ قد يتوقف المشير خليفة حفتر عند سيناريو وصول إدريس السنوسي إلى قيادة الدولة الوليدة، انطلاقًا من توليه إمارة الحركة السنوسيّة في عام 1916 خلفًا لابن عمه أحمد الشريف، ونجاحه في تسجيل حضوره وتكريس دوره كزعيم روحي واجتماعي وكقائد سياسي وعسكري للمقاومة التي قادها ضد الغزاة الإيطاليين سواء من داخل برقة أو من خارجها، وصولًا إلى اعتراف روما به أميرًا من خلال اتفاقية الرجمة في الخامس والعشرين من تشرين الأول – أكتوبر 1920 ومنحه حكمًا ذاتيًا وراثيًا في برقة، مع منح السنوسيين إدارة واحات الجغبوب وأوجلة وجالو والكفرة، وذلك قبل أن يتولى موسوليني الحكم في إيطاليا ويتنكّر للمعاهدات المعقودة مع الزعماء الليبيين.

في العام 1949، اعترفت بريطانيا بإمارة برقة وبإدريس السنوسي أميرًا عليها، تقديرًا لدوره العسكري والسياسي ولوجاهته الاجتماعية وزعامته الروحية. ومن هناك بقيت البلاد تحت الإدارة العسكرية البريطانية حتى عام 1950 حينما وافقت الأمم المتحدة على استقلال الأقاليم الثلاثة في 24 كانون الأول – ديسمبر 1951، وإعلانها دولة اتحادية تحت حكم الملك إدريس السنوسي الأول.

من إدريس السنوسي إلى حفتر ظلّ حكم العائلة جزءًا من تاريخ ليبيا حيث تتقاطع الشرعية السياسية مع الزعامة الاجتماعية والخصوصيات القبلية

يعتقد منتقدو دور ومواقف القيادة العامة للجيش أنهم يسجلون هدفًا في مرمى “الرجمة” إذا تحدثوا عن إمكانية الدفع نحو العودة إلى الحكم الوراثي في ليبيا، بينما التاريخ يثبت أن ليبيا كانت دائمًا تحت حكم العائلة، بما في ذلك عائلة القذافي وخلفيتها القبلية المغرقة في بداوتها غير القابلة للانسجام مع متطلبات العصر وشروط الاندماج فيه، وعائلة الدبيبة التي وصلت إلى الحكم بالاعتماد على قوة المال وسلطة المساومة السياسية، فيما وصلت أسرة حفتر إلى بسط نفوذها على أغلب مناطق البلاد ومنابع الثروة انطلاقًا من براغماتية سياسية بُنيت عمدانها على قوة التأثير الاجتماعي وجرأة القرار العسكري الميداني الذي اتخذه الأب المؤسس في مايو 2014 عندما استجاب لطلب زعماء القبائل بإطلاق الشرارة الأولى لعملية الكرامة، التي اكتسبت فيما بعد امتيازات الثورة بما حققته من منجزات على الأرض، سواء بنجاحها في تفكيك الجماعات التكفيرية وإحباط خطط إفراغ ليبيا من سكانها والسيطرة على ثرواتها وتحويلها إلى موئل لشبكات الإرهاب العالمي في سياق إعادة تشكيل خارطة الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة، أو بإعادة تأسيس الجيش الوطني الذي يرتبط تأسيس نواته الأولى في المنفى بمصر عام 1940 باسم الملك إدريس السنوسي حتى أنه عُرف آنذاك باسم جيش التحرير السنوسي. ومنذ العام 2014 نجح المشير حفتر في جمع شتاته وترميم بنيانه وتطوير أدائه وتحويله إلى مؤسسة عسكرية يُشار إليها بالبنان إقليميًا ودوليًا.

اليوم، يعتمد المشير خليفة حفتر على أبنائه في قيادة مشروعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن ورائهم على كوادر متخصصة في مجالات عملها. وإذا كان الفريق صدام حفتر يتقدم المشهد بوضوح كنائب للقائد العام للقوات المسلحة، ومن هناك كمرشح لمنصب رئيس المجلس الرئاسي في البلاد، فإن للمسألة أبعادًا تتعلق بقراءة الوالد لشخصية ولده وقدرته القيادية ومواهبه في فهم التحولات والتعامل مع المستجدات، وفي اكتساب جملة من الصفات التي لا غنى عنها، ومنها ما يتعلق بالزعامة الاجتماعية والقيادة العسكرية والرؤية السياسية والعلاقات الذكية المتوازنة، وبالتعامل مع الطموح على أنه ضرورة، ومع الحلم على أنه واقع قيد التحقيق، ومع ما يراه الآخرون مستحيلاً على أنه أمر ممكن لا يحتاج إلا إلى النظر إليه برؤية مختلفة.

هل يعني ذلك أن هذا الواقع سيستمر؟ من يتأمل المشهد الليبي يدرك أن القيادة العامة نجحت في اكتساب شرعية التحرير والتعمير، وإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة سيادتها في مناطق نفوذها، وفي تحويل سلطتها المادية والمعنوية إلى أمر واقع تأكد بتحييد الخصوم وإزالة العوائق، وبفرض منوال للحكم وإدارة الشأن العام ينسجم مع خصوصيات البيئة الاجتماعية، ويتقدم بقوة على أي مشروع يسعى إلى منافسته في ليبيا.

يضاف إلى ذلك أن مشروع القيادة العامة يحظى بعلاقات إقليمية ودولية واسعة، وقد نجح في تأسيس توازنات محسوبة بمعايير المصلحة الوطنية تعتمد على إيجابيات رصيد الدولة منذ تأسيسها وتتلافى سلبيات تشددها الأيديولوجي، واستطاع أن ينقل الأعداء المتآمرين إلى خانة الأصدقاء الداعمين، وأن يحظى بثقة القوى الكبرى التي تتفق على احترام الخيارات التي تأسست عليها ثورة الكرامة، والاعتراف بذكاء المشير حفتر في احتواء القوى الاجتماعية الفاعلة والتباينات القبلية المتوارثة، وفي تحقيق مصالحة عملية مع نظامي الملك والعقيد، وبسلاسة الانتقال من معركة التحرير إلى معركة التعمير، ثم بتهيئة نموذج سياسي وتنموي يمكن اعتماده بنجاح ودون المساس بخصوصيات المجتمع الليبي المتنوع ضمن ثوابته والمتعدد في وحدته.

الجدل حول حكم العائلة يعكس أزمة الشرعية لكن التجارب الإقليمية تشير إلى أن الوراثة قد تُقدّم نموذجًا للاستقرار إذا انسجم مع خصوصيات المجتمع

على الضفة الأخرى، يخشى عبدالحميد الدبيبة من وصول الفريق صدام إلى منصب القائد العام للقوات المسلحة في كامل أرجاء ليبيا من وراء إمساكه بمقاليد المجلس الرئاسي. بعض المقربين منه يتحدثون عن مخاوف من تغيير كامل في المشهدين السياسي والميداني، ويحذرون من أن القيادة العامة يمكن أن تحقق بواسطة الاتفاق المنتظر ما لم تحققه بالحرب والمواجهة. وذلك انطلاقًا من جملة معطيات على الأرض، من أبرزها اقتناع الشارع الليبي في المنطقة الغربية وأغلب الأجهزة الحكومية وعدد من الميليشيات المؤثرة في طرابلس ومصراتة والزاوية بأن لا مجال لبقاء الوضع على ما هو عليه، وأن الحل يكمن في استعادة الدولة لسيادتها المنتهكة منذ العام 2011، وفي توحيد مؤسساتها وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، وتعميم مشاريع إعادة الإعمار، وتحقيق المصالحة، ثم الانطلاق في تحديد ملامح الوضع النهائي ومنها كتابة الدستور والإعلان عن طبيعة النظام السياسي، وهو النموذج الذي تعتمده القيادة العامة.

غير أن أهم ما يطرحه مناوئو الرجمة هو الحديث عن التأسيس لحكم العائلة في ليبيا من خلال شرعنة دور أسرة المشير حفتر والاعتراف بها دوليًا. بينما يغيب عن هؤلاء أن العالم بات يجمع على أن أفضل نماذج القيادة والتنمية والحوكمة في المنطقة العربية هي تلك التي تمثلها الدول المحكومة بأنظمة وراثية تتعامل مع أوطانها بمعايير اجتماعية صارمة في تجاوب وانسجام مع الخصوصيات الحضارية والثقافية لشعوبها. وسواء كان ذلك ضمن نظام الوحدة أو الاتحاد، فإن حكم العائلة قد يكون الحل الأمثل للخروج من المأزق التاريخي الذي تعاني منه ليبيا منذ سنوات.

لقد تولى إدريس السنوسي منصب أمير برقة ثم ملك ليبيا ليس فقط نزولًا عند رغبة الشعب، وإنما تلبية لمتطلبات اللحظة التاريخية والخصوصيات الثقافية ولحاجة اجتماعية ملحة لملء الفراغ الذي تركه تنازل الخلافة العثمانية رسميًا عن الإقليم لإيطاليا تنفيذًا لمعاهدة أوشي بين الطرفين. وهي تقريبًا المسوغات ذاتها التي شرعنت دور المشير حفتر وفسحت أمامه المجال لقيادة مشروع يراه واقعيًا وعقلانيًا ومجديًا في حلحلة أزمة الشرعية السياسية والصراعات الاجتماعية والتباينات القبلية والمناطقية التي اتسعت رقعتها بعد العام 2011.

__________________

خطة بولس في ليبيا.. انتقال ديمقراطي أم تكريس للاستبداد؟

السنوسي بسيكري

في مقابلة مؤخرا مع تلفزيون العربية “الحدث” أكد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية أن الخطة التي يشرف عليها لإنهاء النزاع في ليبيا هي خطة الولايات المتحدة بإشراف الرئيس ترامب، وهذا التصريح ينهي الجدل الدائر حول مساعي بولس من أنها فردية ولا تمثل البيت الأبيض، وأنها لا تعكس الإرادة الأمريكية حيال حل الأزمة الليبية.

لكنه وفي المقابلة ذاتها أشار بشكل غير مباشر إلى عدم وجود خطة متكاملة، وأن تفاصيل المبادرة يصممها الفرقاء الليبيون، وهذا يتعارض مع التسريبات التي تحدثت عن خطة أمريكية تتضمن مراحل، تبدأ بتشكيل سلطة تنفيذية ثم برلمان انتقالي والبتّ في الدستور وصولا إلى انتخاب البرلمان الدائم والانتخابات الرئاسية، يشملها إطار زمني يمتد من 2026م إلى 2032م.

 الأمريكية، وغياب أي معلومات موثقة حولها صادرة عن الجهة المعنية، يلقي بظلاله على مواقف الأطراف المعنية بها، وقدر رأينا حالة الذهول

بولس ذكر أن الخطة الأمريكية تتناغم مع خارطة الطريق التي تشرف على تنفيذها البعثة الأممية برئاسة هانا تيتيه، وأكد أن المبادرة الأمريكية قصيرة أو متوسطة المدى في مقابل تركيز البعثة على مسائل ذات مدى أبعد، وهذا ربما يعارض التسريبات التي تحدثت عن مشروع مفصل يتجاوز المدى القصير والمتوسط ويعنى بكافة الملفات الكبرى العالقة.

عدم وضوح الخطة الأمريكية، وغياب أي معلومات موثقة حولها صادرة عن الجهة المعنية، يلقي بظلاله على مواقف الأطراف المعنية بها، وقدر رأينا حالة الذهول والارتباك في المنتظم الليبي تجاهها، إذ لم يصدر عن بولس أي معلومات تكشف عن ملامح واضحة للمبادرة، واكتفى في تصريحاته بالحديث عن هدفها وهو إنهاء الإنقسام، وتوحيد المؤسسات العامة، وألقى بالكرة في ملعب الفرقاء الليبيين بالقول أنهم هم من يصمم تفاصيل الخطة.

ما هو واضح من الخطة الأمريكية التركيز على الأطراف النافذة في المشهد، وتمكينها لترتيب الأوضاع بشكل ينهي الانقسام، من خلال تقاسم للسلطة التنفيذية التي تتوزع على مجلس رئاسي وحكومة.

عدم إعلان الوسيط الأمريكي عن مضامين الخطة وإذا ما كانت تعتبر تقاسم السلطة بين النافذين في غرب البلاد وشرقها هو وسيلة إنهاء الانقسام والخطوة الأولى في المسار الانتقالي الذي يفضي إلى انتخاب سلطات تشريعية وتنفيذية دائمة، يزيد المبادرة غموضا ويجعلها في مهب الانتقاد والمعارضة، هذا من جهة.

من جهة أخرى، فإن الخطة ينبغي أن تشتمل على ضمانات لعدم انتكاسها وتوقف عجلتها، وذلك باستمرار السلطة الجديدة كسلطة أمر واقع إلى أجل غير مسمى، وهذا سيناريو مكرور، وقع مع حكومة الوفاق، وتبعتها في ذلك حكومة الوحدة، فما الضمانة أن لا يتكرر هذا الأمر؟!

تسارع خطى الخطة الذي يدلل عليه التحركات الخارجية للأطراف المعنية بتقاسم السلطة في الخارج، والزيارات التي قام بها فواعل بارزة من الفرقاء الليبيين إلى واشنطن مؤخرا، لا يوازيها حوار بناء على المستوى المحلي يمهد لقبول الخطة ويسهم في دعم نجاحها، على العكس تماما، فإن افتراق المسارين قد يكون سببا لتفجر نزاعات ليس فقط في الغرب المعروف بتعدد القوى النافذة فيه، فالشرق مرشح للخلافات بين أبناء الحاكم الفعلي هناك، خاصة اذا لم تدعم القاهرة الخطة بقوة، وهذا ما لم يتأكد بعد، ويمكن أن يكون البيان المشترك بين المجالس السيادية الثلاث، الرئاسي والنواب والأعلى للدولة، مؤشرا قوي على تنازع داخلي حول الخطة، وإشارة إلى عدم رضا مصري كامل.

المقاربة الأمريكية برغم تركيزها على القوى الحقيقة المتحكمة لإنجاحها، إلا أنها متعجلة ولا تأخذ في الاعتبار متطلبات التأسيس الراسخ للانتقال من الأزمة إلى الاستقرار، وهذا يدعم التكهن بأن البيت الأبيض يسعى إلى ترتيب الوضع في البلاد من خلال الجمع بين القوى النافذة في الغرب والشرق فحسب، ولا يخطط فعليا لتعزيز الديمقراطية كما تكرر على لسان ترامب وبعض المسؤولين الأمريكيين

القيادة العامة في الشرق رحبت، إلا أن حكومة الوحدة، كعادتها في التعاطي مع الملفات الحساسة والجدلية، التزمت الصمت، برغم وجود دلائل واضحة على اتساقها مع الخطة، وقد كان بولس صريحا في تأكيد قبول حكومة الوحدة بالمسار الذي يشرف عليه، ويبدو أنهم يرون في التزام الصمت هامشا للمناروة إلى أن تتضح الأمور أكثر وتتحد المواقف المحلية والاقليمية والدولية من الخطة بشكل نهائي.

والخلاصة هو أن المقاربة الأمريكية برغم تركيزها على القوى الحقيقة المتحكمة لإنجاحها، إلا أنها متعجلة ولا تأخذ في الاعتبار متطلبات التأسيس الراسخ للانتقال من الأزمة إلى الاستقرار،  وهذا يدعم التكهن بأن البيت الأبيض يسعى إلى ترتيب الوضع في البلاد من خلال الجمع بين القوى النافذة في الغرب والشرق فحسب، ولا يخطط فعليا لتعزيز الديمقراطية كما تكرر على لسان ترامب وبعض المسؤولين الأمريكيين، إذا لم تطرح الخطة للرأي العام بتفاصليها التي ينبغي أن تتضمن مسارا واضحا ومؤطرا زمنيا وبضمانات للالتزام به يفضي إلى الانتخابات، لذا فإن الخطة، وفق معطياتها الراهنة، قد تدفع البلاد أكثر صوب الاستبداد.

__________________

“صفقة بولس” بين البرغماتية الأميركية والحكم العائلي في ليبيا

طارق المجريسي

الاصطدام بالمشهد الليبي المعقد

طالما قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه على أنه سيد الصفقات. بل إنه وضع اسمه على كتاب كامل يقوم على هذه الفكرة نفسها “فن الصفقة”. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، أخذت غريزة عقد الصفقات هذه تعمل بطاقة لافتة في أنحاء مختلفة من العالم: من الكونغو إلى إيران، ومن لبنان إلى فنزويلا، ومن غزة إلى كشمير، والآن، على ما يبدو، إلى ليبيا. ففي 29 يونيو/حزيران، التقى وزير الخارجية في إدارة ترمب، ماركو روبيو، مع صدام حفتر، نائب قائد “القوات المسلحة العربية الليبية” والوريث المرجح لخليفة حفتر، وهي ميليشيا متمردة تسيطر على الشرق والجنوب الليبيين، الغنيين بالنفط والموقع الاستراتيجي. ويمثل هذا اللقاء الرسمي بين أرفع دبلوماسي في العالم وزعيم الميليشيا الأدنى سمعة في ليبيا تتويجاً لمسارٍ ظَل مستشار ترمب الرفيع، مسعد بولس، يعمل عليه منذ أكثر من عام.

وتنذر الصفقة الآخذة في التشكل بإعادة إنتاج أبرز سمات صفقات ترمب السابقة: كما في الكونغو، تتحول الموارد الطبيعية إلى عملة لوقف إطلاق النار. وكما في غزة، يُقرَّر مصير شعب على أيدي قوى أجنبية ذات مصالح. وكما في لبنان، يُقسَّم البلد بين حكومة معترف بها دولياً وأقوى ميليشيا فيه. وكما في إيران، تُؤجَّل المشكلات الكبرى وتُطلَق للمستقبل وتحتاج إلى قدر كبير من تعليق الشك كي تعبر خط النهاية. ومع ذلك، لا تزال الصفقة بعيدة عن الاكتمال، ولا يزال نجاحها أكثر غموضاً.

“صفقة بولس”

تبدو عناصر ما يسمى محليا “صفقة بولس” واضحة نسبياً. فالاقتراح يسعى إلى بناء سلام دائم في ليبيا عبر ترتيب لتقاسم السلطة بين عائلتين استحوذتا على النفوذ في أعقاب وقف إطلاق النار عام 2020: عائلة الدبيبة، التي يقال إنها شقت طريقها بالرشاوى عبر مسار أممي لتأمين السيطرة التنفيذية على الحكومة الانتقالية في طرابلس، وعائلة حفتر، التي حمتها وأعادت تشكيلها أطراف دولية بعد خسارتها الحرب الأهلية، بما أتاح لها بناء كيان خاص بها له حكومة موالية. رسمياً، ستتخذ الصفقة شكل حكومة وحدة جديدة تضم العائلتين أو من يمثلونهما. أما في الواقع غير المعلن، فستستخدم الأرباح المحتملة من تطوير حقول الغاز البحرية الليبية الواسعة حافزاً للحفاظ على السلام.

ولم تولد “صفقة بولس” في واشنطن، بل هي أحدث مرحلة في مسار بدأ مع اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020، قبل أن تتبناه إدارة أميركية تسعى إلى إنهاء “الحروب الأبدية” عبر الإغراءات التجارية.

جرى بناء البيئة الاقتصادية التي تجعل الصفقة ممكنة تدريجياً منذ “صفقة نفط أبوظبي” عام 2022 بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، قريب رئيس الوزراء ومستشاره الخاص. وافق حفتر على رفع الحصار النفطي مقابل إقالة رئيس المؤسسة الوطنية للنفط وحصول كيانه على حصة مضمونة من العائدات. أدى ذلك إلى فتح المؤسسة الوطنية للنفط أمام العائلتين، وتمكينهما من السيطرة على شركات تابعة لها وإعادة توجيه عائدات النفط الليبي. وكان التعبير النهائي عن هذا الترتيب إنشاء شركة “أركينو”، التي كسرت احتكار المؤسسة الوطنية للنفط لبيع النفط الليبي وسيطرت على نحو نصف الصادرات النفطية، ثم قسّمت العائدات بين العائلتين عبر رعاتهما الدوليين.

تولت تركيا، خلال السنوات الماضية، تهيئة البيئة السياسية لمكونات الصفقة بعناية، عبر نوع من “الدبلوماسية الاقتصادية”، انخرطت خلاله أنقرة مع العائلتين ومناطقهما في مشاريع في الطاقة والبناء ومجالات تجارية أخرى، و”دبلوماسية عسكرية” مارستها تركيا عبر قواعدها في غرب ليبيا وبرامج تدريب وتسليح لبعض أبرز القوات المتحالفة مع الحكومة. في الآونة الأخيرة، ظهر حفتر ضيفاً في معارض السلاح التركية، وامتدت السياسة التركية عبر برامج مشابهة إلى “القوات المسلحة العربية الليبية”، بما فيها بيع طائرات مسيّرة. وتستخدم أنقرة الآن نفوذها لتكريس وضع قائم أثبت أنه بالغ الربحية لها، وتسعى في الوقت ذاته إلى إنجاز اتفاق للحدود البحرية يشكل ركنا محوريا في استراتيجيتها المتوسطية.

وأدخلت تركيا، خلال الأعوام القليلة الماضية، تدريجياً كلاً من إيطاليا والولايات المتحدة في هذا المسار، مستفيدة من مصالحهما في ملفي الهجرة والطاقة لضمان دعمهما لترتيب تقاسم السلطة.

بدأ المسار العام الماضي، عندما انتقل بولس من دبلوماسية مكوكية بين طرابلس وعاصمة حفتر في بنغازي إلى اجتماع في روما، تلاه اجتماع آخر في باريس مطلع عام 2026، حيث طرحت، بحسب ما يقال، فكرة تعيين صدام رئيسا لليبيا للمرة الأولى. وقّعت شركات طاقة أميركية، بينها “هيل إنترناشيونال” و”كونوكو فيليبس” و”إكسون موبيل”، مذكرات تفاهم أو عقوداً تشير إلى استعدادها لمنح أي اتفاق سياسي امتدادا اقتصاديا، وقطف عوائد الاستقرار التي تتوقع أن ينتجها.

أتاح الرصيد السياسي الأميركي تحقيق خطوات رسمية عجز آخرون عن إنجازها، من بينها أول اتفاق رسمي على الموازنة في ليبيا منذ سنوات، خصص رسميا أموال “التنمية” للحكومتين، ومناورة عسكرية مشتركة شاركت فيها قوات من الفصيلين المتنافسين.

وعلى الرغم من كل هذا الاستثمار السياسي واستعراض القوة الناعمة في واشنطن، لا تبدو الصفقة أقرب كثيراً إلى الاتفاق مما كانت عليه بعد اجتماع روما العام الماضي. ففي تلك المرحلة، قيل إن صفقة كانت جاهزة ، تقوم على حكومة لتقاسم السلطة وآلية لتقاسم عائدات الغاز، قبل أن ينسحب صدام في اللحظة الأخيرة مقتنعاً بأنه يستحق حصة أكبر. أما هذه المرة فجاءت العقبة من طرابلس: لم يسافر إبراهيم الدبيبة إلى واشنطن، وأبلغ القائد العسكري الذي حضر بدلاً من بولس أن دعوة صدام إلى طرابلس غير ممكنة. وبدلاً من أن تُدشِّن اجتماعات واشنطن تتويجَ صفقة جديدة، كشفت أن بولس تعرّض للتضليل طوال العام والنصف الماضيين، وهو يلاحق مسارات جانبية مثل التعاون العسكري واتفاقات الموازنة، وهي مسارات لا تمسّ الأسئلة الجوهرية لأي ترتيب حقيقي لتقاسم السلطة.

تفكيك صفقة معطوبة

تبدو الصفقة الليبية، في صيغتها الحالية، غير قابلة للحياة من أساسها. فعلى الرغم من العمل التحضيري الدقيق الذي اضطلعت به دول عدة، يسعى الطرفان الليبيان إلى الغلبة لا إلى التعايش. كما أن البيئة السياسية الأوسع في ليبيا لا تبدو مهيأة لترتيب يحصر السلطة والمكاسب الاقتصادية في أيدي دائرة ضيقة، فيما يواصل البلد تآكله. وحتى إذا استطاع بولس أن يستحضر ثقل القوة الأميركية ويدفع هذه الصفقة القسرية إلى الأمام، فالأرجح أنه سيزيد تصدع البلاد، لا أن ينتج سلاما راسخا ومربحا.

تتمثل إحدى العقبات الكبرى في طموح عائلة حفتر، التي كان هدفها الدائم حكم ليبيا كلها. فمنذ أطلق المشير خليفة حفتر حملته العسكرية الأولى عام 2014، توالت مبادرات عدة سعت إلى إدخاله في ترتيبات وطنية لتقاسم السلطة. كانت أولى هذه المبادرات مؤتمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2017، الذي أراد تأمين السلام مع رئيس الوزراء آنذاك فايز السراج، ووضع ليبيا على طريق الانتخابات. غير أن النتيجة جاءت حصارا نفطيا وحملة عسكرية للسيطرة على جنوب ليبيا.

ثم جاء مسار المؤتمر الوطني الذي رعته الأمم المتحدة عام 2019، وكان الهدف منه، مرة أخرى، البدء بتقاسم السلطة وصولا إلى الانتخابات. غير أن ذلك الجهد انهار عندما حاصر حفتر طرابلس، في الوقت الذي كان فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في العاصمة لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق. وأخيرا، جاءت مشاركة حفتر غير المباشرة في المسار الأممي بعد الحرب، وكان المقصود منها، من جديد، إنتاج حكومة وحدة وانتخابات. وانتهى الأمر بمقاطعة حفتر حكومة الدبيبة وفرض حصار نفطي جديد.

وتشير التجربة القريبة إلى أن كل تنازل يقدم إلى حفتر يتحول إلى منصة لمحاولته التالية لانتزاع مزيد من السيطرة. وإذا عيّن صدام، نجل المشير ووريثه المرجح، رئيسا لليبيا، وبالتالي قائدا أعلى للبلاد، فمن المرجح أن يستخدم المنصب نقطة انطلاق لتحرك عسكري ضد عائلة الدبيبة، لا إطارا للحكم إلى جانبها.

يساعد هذا التاريخ، وما ينذر به من مستقبل، على تفسير الجمود الأخير في واشنطن. وتقول أوساط مطلعة إن إبراهيم الدبيبة كان متحمسا للحضور، إذ رأى في الاجتماع فرصة لضمان دعم أميركي، وكان مقتنعا بأنه قادر على إدارة العلاقة مع آل حفتر. غير أن رئيس الوزراء، بحسب ما تردد، أبدى تحفظا، خشية أن تؤدي صفقة كهذه إلى تفتيت قاعدة دعمه بدل ترسيخ سلطته.

والمنطق نفسه يفسر لماذا لم يكن من الممكن دعوة صدام إلى طرابلس بأمان. فكثير من الليبيين يبغضونه. ولم تحدث أي مساءلة عن حروب عائلته المتكررة، فيما ترى جماعات مسلحة كثيرة وشخصيات نافذة في تقدمه تهديدا وجوديا. ولهذا السبب، ترافقت التحضيرات للصفقة مع احتجاجات علنية ومعارضة سياسية في مختلف المعسكرات الليبية المتنافسة.

وينعكس هذا التفكك السياسي والعسكري نفسه في شرق ليبيا. فمع أن آل حفتر يقدمون حكمهم على أنه حكم متماسك، وإن كان سلطويا، فإن الشقوق لا تزال قائمة بين أبناء حفتر، فيما تبقى “القوات المسلحة العربية الليبية” منشغلة بتمردات تشنها جماعات مسلحة تزعم السيطرة عليها، أو بفرض قبضة مشددة على أراض تدعي أنها تابعة لها.

وكما جرى التحذير في واشنطن، فإن الإعلان الرسمي عن صفقة كهذه قد يكون شرارة انفجار كبير، وليس مدخلا إلى الاستقرار. وقد يتحول إلى لحظة صدق نادرة، حين يتأكد لشعب أنهكته الانتهاكات وأفقره التدهور المتواصل، ولشبكة مسلحة ممزقة، متوجسة، ومنكفئة على مصالحها المحلية، أنه لا عملية سياسية حقيقية تجري، ولا أفق فعليا للتغيير، وأن حكما عائليا كليبتوقراطيا يعاد فرضه عليه، بعد خمسة عشر عاما من حرب خاضها لإسقاط حكم القذافي.

مكاسب لم تُحصَد بعد

قد تكون “صفقة بولس” معطوبة من أساسها، لكن ذلك لا يعني أن اتفاقا بشأن ليبيا مدعوما من الولايات المتحدة لا يستطيع أن يصبح أول نجاح في السياسة الخارجية لولاية ترمب الثانية. وربما لا يحتاج بولس إلا إلى الإصغاء لنصيحة “فن الصفقة”: أن “يعظم المكاسب الممكنة” وأن يبقى متجاوبا مع الديناميكيات المتغيرة. فإذا أعاد النظر في بنية الحوافز المرتبطة بالطاقة، وعزز مكانة المؤسسة الوطنية للنفط سلطةً مستقلة، وإذا حصّن عائداتها وخصصها للموازنات الوطنية بدل الأرباح الخاصة، فقد يستطيع إعادة توصيل الأسلاك الداخلية للسياسة الليبية كلها.

وهذه نقطة حاسمة، لأن الولايات المتحدة، في ضوء رقابة وزارة الخزانة الأميركية على مصرف ليبيا المركزي، هي الدولة الوحيدة القادرة على ذلك. وإذا اختار بولس بعد ذلك دعم المشروع الانتخابي للأمم المتحدة بدلاً من تقويضه، فقد يساعد في إنشاء حكومة وطنية شرعية تستطيع الأطراف الدولية التعامل من خلالها، بدل إسناد وضع سياسي قائم ومتفكك تحاول قوى عدة اليوم إبقاءه متماسكا بالقوة.

إن الفن في عقد أي صفقة يكمن في قدرتها على توقع الكوارث غير المتوقعة وتجنبها. ولا يزال في وسع بولس أن يغيّر المسار نحو صيغة جديدة، تجسد البرغماتية التجارية الأميركية وتفتح، في الوقت نفسه، أفقا ذا منفعة متبادلة. أما البديل، فهو الإشراف على حدث يرجح أن يشعل حربا جديدة ومعقدة، لا تملك المنطقة ولا الولايات المتحدة ترف تحملها

________________

توحيد المؤسسات أم إدارة الانقسام؟ اختبار المبادرة الأميركية في ليبيا.

أريج الحاج

أطلق مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس تصريحات متفائلة حول مبادرته الأخيرة والهادفة إلى إنهاء الانقسام السياسي الذي شاب المشهد الليبي لسنوات. جاءت بعدها زيارة صدام حفتر إلى واشنطن نهاية يونيو/حزيران 2026 ولقاؤه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والتي تزامنت مع استضافة الجانب الأميركي الأسبوع السابق اجتماعاً توحيدياً جمع رؤساء الأركان والقادة العسكريين الليبيين من الشرق والغرب بهدف بحث إمكانيات توحيد المؤسسة العسكرية. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات أعطت زخماً للمبادرة التي تأتي في لحظة تشهد فيها ليبيا حالة من الجمود السياسي الداخلي المستمر منذ تعثر انتخابات 2021، إلا أن فحص بنية المبادرة وسياقها التاريخي يشير إلى أنها، حتى في حال نجاحها شكلياً في جمع الأطراف حول طاولة واحدة أو إنتاج ترتيب انتقالي معلن، لن تحل الأزمة الليبية الحقيقية.

فالمبادرة تبني مقاربتها على الاعتراف بموازين القوى العسكرية والسياسية القائمة على الأرض بدلاً من تفكيك أسباب الانقسام البنيوي: غياب آليات إنفاذ ملزمة، واستمرار انقسام المؤسسات السيادية كالقضاء والمصرف المركزي، وانعدام إطار دستوري واضح، إضافة إلى رفض داخلي فعلي- سياسي وقانوني- من أطراف رئيسة كالمجلس الأعلى للدولة. وهذا يعني أن المبادرة، وإن نجحت في التوصل إلى تفاهم بين مراكز القوة، من المرجح أن تكرّس خارطة النفوذ القائمة بدلاً من إنهائها وهو ما فعلته مبادرات سابقة نجحت في توحيد الحكومة شكلياً دون أن تنجح في توحيد الدولة فعلياً.

فالمبادرة والتي لم تصدر بعد في وثيقة رسمية مكتوبة تشير إلى إمكانية تشكيل ترتيبات انتقالية تجمع مؤسسات الدولة المنقسمة والتي ستشمل بقاء حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وصدام حفتر لدور قيادي في هيكل رئاسي جديد. وفي الوقت ذاته تواجه عدداً من التحديات الجوهرية التي يجب وضعها في الحسبان، منها: الخلافات بين طرابلس وبنغازي حول الحكم والسلطة، وتعدد المسارات المتنافسة التي تجعل من غير الواضح أي منها سيحظى بفرص النجاح، إضافة إلى غموض العلاقة مع مسار الأمم المتحدة وحواراتها الحالية وهو ما يثير مخاوف من أن تؤدي المبادرة إلى إضعاف الجهود الأممية بدلاً من تعزيزها.

العامل الأميركي

الاهتمام الأميركي والإقليمي المتصاعد يسعى إلى تحريك الجمود الذي يطبع الملف الليبي والذي عاد إلى واجهة الاهتمام خلال الأسابيع الماضية. مثل الاجتماع الوزاري الرباعي الذي عُقد في القاهرة في 21 يونيو/حزيران 2026 بمشاركة وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وشهد على هامشه لقاء مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا والسودان والملف الإيراني. وفي ختامه تم الإجماع على أهمية دعم الجهود الرامية إلى وحدة ليبيا ودفع العملية السياسية.

تلا اجتماع القاهرة حراك استخباراتي لافت أعطى زخماً إيجابياً لجهود بولس، ففي 23 يونيو/حزيران 2026 زار رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد طرابلس وهي الزيارة الأولى له منذ توليه منصبه في أكتوبر/تشرين الأول 2024 تزامناً مع زيارة رئيس المخابرات التركية إبراهيم قالن الذي وصل طرابلس قادماً من بنغازي، إضافة لزيارة من رئيس الاستخبارات الإيطالية الجنرال جيوفاني كارافيلي للتباحث في المستجدات السياسية والأمنية، التقى قالن الدبيبة والمنفي ووكيل وزارة الدفاع الزوبي ووزير الداخلية الطرابلسي بعد لقائه صدام حفتر في بنغازي. هذا الحراك يوضح أن القوى الإقليمية ترى الملف الليبي ملفاً أمنياً بقدر ما هو سياسي وأن أي تسوية تحتاج غطاءً استخباراتياً من الفاعلين الخارجيين.

نفطٌ يصنع الصفقة

هنا التطورات التي حدثت من اجتماعات ولقاءات دبلوماسية وعسكرية واستخباراتية حول ليبيا من المهم قراءتها أيضا في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ومن أبرزها تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة مضيق هرمز وما فرضته من اعتبارات جديدة تتعلق بأمن الطاقة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا. ففي هذا السياق تسعى واشنطن إلى دور أكبر يحد من تنامي النفوذ الروسي في شرق ليبيا، والحفاظ على استقرار إنتاج النفط، ومنع تحوّله إلى أداة ضغط سياسي أو عسكري بيد أي طرف وهو ما يحدث حاليا بالفعل.

وقد بدا هذا التوجه واضحاً في حديث مسعد بولس إلى صحيفة “فايننشيال تايمز”، حيث قال: “خطتنا هي أن تكون هناك حكومة موحدة، وتوحيد كل المؤسسات”، وحثّ شركات النفط الأميركية على الاستثمار في ليبيا. وأشار بولس إلى أن شركتي “كونوكو فيليبس” و”شيفرون” وقّعتا اتفاقيات مع ليبيا عام 2026، متوقعاً أن يتضاعف الإنتاج النفطي الليبي ليصل إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد. فليبيا تجذب الاستثمار في هذا القطاع بحكم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، بنحو 48 مليار برميل (متفوقةً على نيجيريا، أكبر منتج للنفط في القارة، التي يبلغ احتياطيها نحو 38 مليار برميل)، ومع ذلك فهناك تعقيد إضافي في هذا الملف، فرغم أن النفط الليبي مملوك رسمياً للشعب الليبي وتديره المؤسسة الوطنية للنفط ومن المفترض أن تُودع عائداته في المصرف المركزي الليبي، توجد في ليبيا مؤسسات نفطية خاصة مرتبطة بالجماعات المسلحة التي تتمتع بنفوذ قوي على الأرض، وهو ما أثار مخاوف بشأن إدارة بعض الإيرادات خارج القنوات التقليدية للدولة.

وفي ظل هذه المعطيات وبسبب استمرار الانقسام المؤسسي يبقى قطاع النفط ساحة رئيسة للصراع بين الأطراف الليبية، فالأطراف الليبية لا تتنازع على ملكية النفط بقدر ما تتنافس على السيطرة على المؤسسات والمنشآت التي تدير إنتاجه وتصديره وعائداته، وهو ما جعل قطاع النفط عاملاً حاسماً في الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد منذ انقسام مؤسسات الدولة.

انقسام داخلي يعقّد المبادرة

أولاً: المؤيدون للمبادرة

تظهر في شرق ليبيا مواقف أكثر إيجابية تجاه المبادرة فقد أشارت القوات المتمركزة في شرق البلاد وهو التشكيل العسكري الذي يقوده المشير خليفة حفتر إلى استعدادها للدخول في مفاوضات بشأن المقترح الأميركي، معتبرة أنه قد يوفر مساراً نحو تسوية سياسية وإنهاء الأزمة الليبية الممتدة منذ سنوات. كما أن صدام حفتر والذي يعتبر من المستفيدين من هذه المبادرة رحب أيضاً بها ويمكن تبرير هذا من واقع الاستفادة التي سيحصل عليها إن تم تطبيقها.

كما أعلن 104 أعضاء في مجلس النواب الليبي من أصل 155 عضواً تقريباً ترحيبهم بالمبادرة الأميركية، ومع ذلك، لا تزال بعض الأصوات تشكك في فرص نجاح المصالحة، مشيرة إلى أن الخطاب السياسي السائد في الشرق ما زال يركز على الصراع مع طرابلس أكثر من التركيز على مشروع وطني جامع.

ويرد مؤيدو المبادرة على الجدل الدائر حول إشراك مؤسسات أخرى بأن المؤسسات والأجسام السياسية القائمة شاركت في العملية السياسية لأكثر من عقد دون أن تنجح في إنهاء الانقسام أو إجراء انتخابات عامة، وهو ما يجعل من الضروري اعتماد مقاربة أكثر واقعية تأخذ في الاعتبار موازين القوى الفعلية على الأرض بدلاً من تشتيت الجهود.

ثانياً: المعارضون للمبادرة

هنا تجدر الإشارة إلى أن معسكر الشرق الذي يسيطر عليه حفتر ليس موحّداً خلف المبادرة، فرئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورغم انتمائه للشرق يقف في الجبهة المقابلة مع المعسكر الغربي. وعلى الرغم من أن الدبيبة يتعامل بحذر ولم يرفض المبادرة إلا أن المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة أعلنا رفضهما للمبادرة بصيغتها المتداولة. وهنا يبرز السؤال الأهم: في ظل هذا الرفض الذي تواجهه المبادرة من داخل مجلس الدولة، كيف يمكن تمريرها أصلاً؟ فالمجلس الأعلى للدولة لم يكتفِ بالرفض السياسي للمبادرة بل أغلق الباب القانوني، إذ أعلن في بيان رفضه القاطع لأي تسوية تُبرم خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي، وأكد عدم اعترافه بأي تمثيل له في أي مفاوضات ما لم يكن بتفويض رسمي وصريح صادر عن المجلس وأن أي تصرف يخالف ذلك يُعدّ في حكم العدم قانوناً.

كما دعا المفتي العام الصادق الغرياني رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى التنسيق مع المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة لمواجهة المبادرة، وحثّ القوى العسكرية في غرب ليبيا على رفضها، والسبب في نظره هو أن أي حكومة يهيمن عليها معسكر حفتر قد تستهدف خصومه السياسيين في الغرب الليبي مستقبلاً.

هنا تتفق معه في هذا الخط قوى سياسية ومدنية ترى أن المبادرة رغم تقديمها باعتبارها وسيلة لتوحيد البلاد، قد تؤدي عملياً إلى تثبيت خارطة النفوذ القائمة بدلاً من إنهاء الانقسام. كما أنها تقوم على الاعتراف بموازين القوى العسكرية والاقتصادية الموجودة على الأرض، بما في ذلك النفوذ المرتبط بقطاع النفط في مقابل المؤسسات السياسية القائمة التي تم تهميش دورها السياسي المهم مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إضافة إلى الأحزاب والقوى المدنية التي لا تمتلك أجنحة مسلحة أو نفوذاً أمنياً مباشراً، وهو ما يرونه متعارضاً مع المسار الديمقراطي والانتخابات التي تدعو إليها الولايات المتحدة نفسها.

إرث المبادرات الفاشلة

من المهم الإشارة إلى أن هناك حالياً ثلاث مبادرات مطروحة أمام الليبيين. الأولى هي مبادرة الأمم المتحدة التي تستند إلى مخرجات الحوار الليبي، والتي أعلنت عنها رئيسة بعثة الأمم المتحدة حنا تيتيه خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن في يونيو/حزيران من العام الحالي. أما الثانية فهي مبادرة المجالس الثلاثة (مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي)، التي أطلقها كل من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، عبر خارطة طريق جديدة تنصّ على إجراء الانتخابات العامة قبيل السابع عشر من فبراير/شباط 2027. أما المبادرة الثالثة، التي لم ترَ النور بعد، فهي المبادرة الأميركية. ومن المبكر القول إن أياً من هذه المبادرات سيكون هو الأرجح، رغم وجود توجه يرى أن المبادرة الأميركية قد تحظى بفرص أكبر باعتبارها مدعومة من الولايات المتحدة. لكن يبقى السؤال الأهم وهو: هل يمكن تنفيذها فعلاً، في ظل الاعتراضات الكبيرة التي تواجهها، سواء في المنطقة الغربية أو من أطراف أخرى؟

وحول تموضع المبادرة الأميركية من المسار الأممي يصرّ مسعد بولس على أن مبادرته لا تهدف لاستبدال جهود الأمم المتحدة بل تكملها! غير أن هذا التصور يثير عدة تساؤلات: فالمبادرة الأميركية تنطلق من معادلة مختلفة جذرياً، حيث تركز على موازين القوى الفعلية على الأرض بينما يركز المسار الأممي على الشمولية والتمثيل المؤسسي الواسع. وهذا الاختلاف قد يضعف دور الأمم المتحدة بدلاً من أن يعززه، خاصة إذا بدأت الأطراف الليبية بتقييم الخيار الأميركي كبديل أكثر واقعية من الحوار الموسع… كما أن تعدد المسارات أثبت أنه يؤدي إلى تشتيت الجهود بدلاً من تركيزها.

فعلى الرغم من أن واشنطن أحرزت خلال الأشهر الماضية التوافق على أول ميزانية موحدة بين الشرق والغرب منذ أكثر من 13 عاماً في أبريل/نيسان 2026. فالمراقبون يعتبرون أن واشنطن تعتمد على نجاح الميزانية كأساس إلى تسوية سياسية بهذا التعقيد. فملف توحيد ليبيا وإجراء انتخابات أُحبط مراراً وتكراراً من قبل، فقد أعقب سقوط نظام القذافي سلسلة من المبادرات الدولية الهادفة أبرزها اتفاق الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة وأسفر عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني، ثم مؤتمرا باريس وباليرمو اللذان ركزا على دفع العملية السياسية وإجراء الانتخابات. وفي عام 2020 برز مسار برلين باعتباره الإطار الدولي الأوسع لتنسيق الجهود الدولية والإقليمية بشأن ليبيا، ثم انبثقت عنه لجنة 5+5 العسكرية التي نجحت في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. ثم ملتقى الحوار السياسي الليبي الذي أسفر عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة والذي هدف هو أيضاً إلى توحيد المؤسسات والتحضير للانتخابات ولكنها تعثرت.

المصير الذي واجه معظم هذه المبادرات هو الخلافات المستمرة حول تقاسم السلطة وتوزيع عائدات النفط، وتوحيد المؤسسة العسكرية . كل هذا حركته أزمة انعدام الثقة بين الأطراف الليبية وهو ما جعل ازدواجية السلطة التنفيذية وتنازع الشرعيات المشهد الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

وامتد هذا الانقسام تدريجياً إلى مؤسسات كانت تُعد من آخر ركائز وحدة الدولة وفي مقدمتها السلطة القضائية التي بدأت تشهد انقساماً متزايداً رغم الجهود الأممية للحفاظ على وحدتها. وهو ما حذرت منه الأمم المتحدة بسبب أنه يهدد إحدى أهم ركائز البلاد ويقوض الثقة في المؤسسات، ويعقّد أي عملية انتقال سياسي أو انتخابي لكونها الجهة المخولة بالفصل في النزاعات الدستورية والانتخابية وضمان تنفيذ الاتفاقات السياسية.

إضافة للمشهد المعقد داخلياً فهناك عنصر الدعم والاعتراف الدولي فلا يزال الاعتراف الرسمي يميل إلى حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، باعتبارها الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة. ومع ذلك فموازين القوة على الأرض فرضت واقعاً مختلفاً إذ تحافظ مصر والإمارات وروسيا على علاقات وثيقة مع معسكر حفتر في الشرق، بينما تبقى تركيا الداعم الأبرز لطرابلس. أما إيطاليا والولايات المتحدة فتتعاملان ببرغماتية مع الطرفين، مع الحفاظ على الاعتراف الرسمي بحكومة طرابلس والدفع نحو تسوية توحد المؤسسات الليبية التي تمنع عودة المواجهات العسكرية وتحافظ على استقرار إنتاج النفط.

ووفق ما سبق، قد تتحول المبادرة الأميركية إلى إطار تفاوضي جديد يضاف إلى سلسلة المبادرات التي شهدتها ليبيا خلال العقد الماضي إذا لم تُدعَم بآليات تنفيذ واضحة وضمانات دولية ملزمة. فالتحدي الرئيس لا يكمن في التوصل إلى اتفاق سياسي جديد بقدر ما يكمن في ضمان تنفيذه ومنع الأطراف المختلفة من استخدامه كمرحلة انتقالية مفتوحة تعيد إنتاج الانقسام القائم.

ما بعد القذافي… هل تكسر المبادرة الحلقة المفرغة؟

يتطلب نجاح المبادرة عدة معايير:

المعيار الأول: جدول زمني محدد للمرحلة الانتقالية يحدد بصورة واضحة صلاحيات كل طرف وحدود نفوذه ومسؤولياته، ويمنع تداخل السلطات أو تضاربها. كما يحتاج إلى آليات رقابة ومتابعة تضمن تنفيذ الالتزامات المتفق عليها وتمنع تعطيلها من قبل أي طرف سياسي أو عسكري.

والمعيار الثاني: لا يمكن لأي تسوية أن تحقق الاستقرار الدائم ما لم تركز على إعادة توحيد المؤسسات السيادية الأساسية للدولة، وفي مقدمتها السلطة القضائية التي تواجه تحدياً كبيراً، كما أن أزمة الدستور ما زالت موجودة ومن دون إطار دستوري واضح، فإن تمكين شخصيات أو أطراف ذات طابع عسكري من قيادة المرحلة سيؤدي على الأرجح إلى إطالة أمد الأزمة لسنوات إضافية، بدلاً من إنهائها.

إضافة للسلطة القضائية هناك أيضاً حاجة لتوحيد المصرف المركزي، والمؤسسات المالية والرقابية، ووزارة الخارجية، باعتبارها ركائز وحدة الدولة واستمرارية عملها. فاستمرار الانقسام داخل هذه المؤسسات يهدد أي اتفاق سياسي.

والمعيار الثالث: مدى انفتاح الترتيب على المراكز السياسية الأساسية في ليبيا بدل حصره في مراكز القوة العسكرية والاقتصادية وخطة واضحة لانتخابات وطنية تنقل الشرعية من التوافقات المؤقتة إلى المؤسسات المنتخبة وهو ما سيردّ على منطق من يرون في الاتفاق مجرد مقدمة لتقاسم مؤقت للسلطة.

في النهاية، لا يبدو أن التحدي الرئيس أمام المبادرة الأميركية هو في جمع الدبيبة وحفتر حول طاولة مفاوضات واحدة، بل في تحويل تفاهم بين مراكز القوة إلى مشروع دولة قادر على استيعاب المؤسسات السياسية الليبية وإعادة بناء الثقة التي اهتزت لسنوات بين الأطراف الليبية. وكما أظهرت هذه القراءة، فإن غياب آليات الإنفاذ، واستمرار انقسام المؤسسات السيادية، وانعدام الإطار الدستوري، إلى جانب الرفض الداخلي الفعلي الذي تواجهه المبادرة، كلها عوامل تجعل من المرجح أن تتحول- في أفضل الأحوال- إلى تفاهم آخر بين مراكز القوة يُبقي خارطة النفوذ القائمة كما هي، لا أن تكون نقطة التحول التي يحتاجها الملف الليبي. فالتجربة الليبية خلال العقد الماضي أظهرت مراراً أن الاتفاقات التي تنجح في توزيع السلطة لا تنجح بالضرورة في بناء مؤسسات مستقرة.

______________

ليبيا والسودان… محاصصة ونفط وذهب

إبراهيم حميدي

مقاربة تقوم على الصفقات بدل الاتفاقات، والنفط والثروات بدل الشراكات

ليبيا والسودان ليستا أزمتين منفصلتين. ما يجري في الأسابيع الأخيرة يوحي بأن واشنطن وغيرها بدأت تتعامل معهما باعتبارهما ملفاً متشابكا تتداخل فيه خرائط النفوذ، وشبكات الطاقة، ومناجم الذهب، والموانئ، والقواعد العسكرية، وبحث ترمب عن إنجازات سريعة.

في البلدين وصلت الحرب إلى النقطة نفسها. لا منتصر قادر على توحيد البلاد، ولا مهزوم مستعد للاستسلام. ففي ليبيا توجد سلطة أمر واقع في الشرق يقودها خليفة حفتر، وحكومة معترف بها في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة. وفي السودان، يفرض الجيش سيطرته على قلب الدولة وشرعيتها، فيما تكرس “قوات الدعم السريع” نفوذها في دارفور وأجزاء واسعة من الغرب.

كل طرف داخلي له امتدادات خارجية. لاعبون يبحثون عن تحالفات داخلية في الجغرافيا السياسية. فروسيا تحاول تعويض تراجع نفوذها في سوريا والشرق الأوسط بموطئ قدم دائم على البحر الأحمر، وعلى المتوسط في شرق ليبيا. وكذلك هناك منافسات بين قوى إقليمية وعربية وأوروبية على النفوذ، فتصبح بنغازي وطرابلس والخرطوم ودارفور وبورتسودان حلقات في شبكة نفوذ تمتد من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر والساحل الأفريقي.

أما الولايات المتحدة، فبعد سنوات من المبادرات الأممية والمحلية والرهانات على الحسم العسكري، يبدو أن إدارة ترمب الباحثة عن انتصارات سريعة والتي ترى في النفط مدخلا ومصدرا للتفاهم، انتقلت إلى مقاربة مختلفة تقوم على الاعتراف بسلطات الأمر الواقع بعيدا عن الأسئلة عن شرعيتها وانتهاكاتها، ثم محاولة تحويلها إلى محاصصة ومصالح بدلا من استمرارها كجبهات عسكرية.

فلم تعد تبحث عن انتصار كامل لطرف على آخر، بل عن استقرار يسمح بحماية المصالح الاستراتيجية. في ليبيا، تتبلور هذه المقاربة عبر الخطة التي يقودها مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والقائمة- وفق التسريبات- على إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، مقابل منح صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مع المضي في توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية، وفي مقدمتها المؤسسة الوطنية للنفط.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم الحراك المصري والتركي الأخير. فالقاهرة، التي دعمت حفتر لسنوات، بدأت تنفتح على طرابلس، بينما فتحت أنقرة قنوات مباشرة مع بنغازي بعد سنوات من دعمها الحصري للغرب الليبي على أمل شرعنة شرقية لامتيازاتها في طاقة البحر المتوسط.

وإذا كانت الطاقة مفتاح المبادرة الليبية، فإن مفتاح التسوية السودانية أكثر تعقيدا. فمنذ اندلاع الحرب، تحول الذهب إلى العمود الفقري لاقتصاد “قوات حميدتي” وإلى مصدر رئيس لتمويل عملياتها العسكرية وعلاقاتها الإقليمية. وفي المقابل، تسيطر الحكومة والجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان على مؤسسات الدولة الرسمية والموانئ والعاصمة، بدعم مصري وعربي يراهن على شرعية المؤسسة العسكرية الوطنية.

لكن هل يعني ذلك أن السودان يتجه إلى نسخة ليبية؟ ليس بالضرورة. فالفوارق بين البلدين كبيرة، كما أن الجروح الاجتماعية والسياسية في السودان أعمق بكثير. المبادرة الأميركية هنا أكثر تواضعا، مبادلات وصفقات إنسانية بين الفريقين المتخاصمين.

المؤشرات الحالية توحي بأن التفكير الدولي يسير في اتجاه واحد: تحويل سلطات الأمر الواقع من أدوات حرب إلى شركاء في نظام سياسي جديد، مهما كانت عيوبه.

إذا صحت هذه القراءة، فإننا نكون أمام تحول مهم في السياسة الأميركية. لم يعد الهدف إعادة بناء الدولة أولاً، بل إدارة الانقسام، ثم محاولة بناء الدولة فوقه. وبالتوازي مع جولة المبعوث الأميركي مسعد بولس لشمال أفريقيا لترتيبات النفط في ليبيا، كان توم باراك مبعوث ترمب لشرق المتوسط، في بغداد وأربيل ودمشق لترتيب الصفقات النفطية لشركات أميركية.

 إنها مقاربة تقوم على المحاصصة أكثر مما تقوم على الحسم، وعلى الاقتصاد أكثر مما تقوم على الأيديولوجيا، وعلى الصفقات بدل الاتفاقات، وعلى النفط والثروات بدل الشراكات، باعتبارها مفاتيح لتسويات عاجلة تمتد من المتوسط إلى البحر الأحمر.

________________

ليبيا:… مبادرة بولس تنقصها «مَطَاسَات»

جمعة بوكليب

إذا ذَكرت في حديثٍ مع أشخاص ليبيين كلمة «مَطَاسَة» فقد لا يفهمك أحدٌ منهم. ذلك أن الكلمة قديمة، وبالتالي فإن كثيرين قد لا يعرفون معناها، وربما تكون قد اكتسبت اسماً جديداً.

«مَطَاسَة» قطعةٌ معدنية صغيرة يستخدمها الخيّاطون، ذكوراً وإناثاً، في عملهم بوضعها على رأس الإصبع الوسطى أو الإبهام مثل غطاء للمساعدة على دفع الإبرة في القماش بسرعة تجنّباً لألم الوخز. من جهة أخرى، ولتقريب الصورة، المَطَاسَة تشبه الطَاسَة الصغيرة المستخدمة في شرب الشاي في ليبيا، لكنها بحجم صغير جداً يتناسب ومقاس مقدمة إصبع. قد تكون هناك علاقة بين الاسمين (طاسة ومطاسة) ناجمة عن التشابه في الشكل.

هناك من يسمي المطاسة «كشتبان»، وهي لفظة يُقال إنها فارسية، ولم أسمعها تُنطق من حولي. وبالتأكيد تتعدد الأسماء للمطاسات بتعدد المدن والبلدان واللغات، ولكن بوظيفة واحدة.

ما علاقة المطاسة بمقالة تستهدف الحديث عن مبادرة سياسية جديدة في ليبيا، أطلق عليها البعض اسم «المبادرة الأميركية»، وآخرون اسم «مبادرة المبعوث الأميركي بولس». وتابعنا في وسائل الإعلام خروج حشود كبيرة من الليبيين في مظاهرات تأييد ودعم لها. عن المبادرة، يقول صاحبها مسعد بولس، إنها تسعى إلى توحيد المؤسسات التنفيذية والتشريعية والعسكرية والقضائية في البلاد.

المبادرة المطروحة قد يُكتب لها النجاح، وقد يخونها الحظ فتلاقي المصير نفسه الذي لاقته غيرها من المبادرات السابقة. المراهنة على النجاح أو الفشل للمبادرة تتطلّب معرفة تفصيلية بطبيعة ما يدور في الكواليس من حوارات ونقاشات وحسابات، والأخيرة هي الأهم. إذ كلما كان المرء مطلعاً وعلى علاقة بمصادر داخلية موثوق بها، كان حظه في النجاح أوفر.

ويبدو مهماً جداً التذكير بأن المبادرة المذكورة أعلاه حظيت بقبول وموافقة أحد أهم وأخطر اللاعبين على الساحة وهو المشير خليفة حفتر. وفي الوقت نفسه قُوبلت برفض ومعارضة في جهات أخرى خصوصاً في غرب ليبيا. وهو أمر عادي لكل من يعرف ليبيا وارتبط بأزمتها من قريب أو من بعيد. فما ينال الموافقة شرقاً يُقابل بالرفض غرباً والعكس بالعكس. الاتفاق الوحيد المعترف به بين جميع الأطراف المتنازعة هو الحفاظ على الوضعية الراهنة، لضمان استمرار مكسب الجميع.

المبعوث الأميركي بولس يبدو نشطاً خلال الأيام الأخيرة بظهوره في مختلف القنوات الإعلامية، وهو دليل على حرصه على إقناع جميع الأطراف بمبادرته التي يؤكد أنها خلال سنوات قليلة ستقود البلاد إلى انتخابات نيابية ورئاسية. وما يؤكده في كل مقابلاته وتصريحاته هو الحرص على توحيد المؤسسات الحكومية وإعادتها إلى سابق عهدها بوصفها خطوة أولى أساسية، بحيث تكون منصة انطلاق لما بعدها من خطوات لتحقيق الغاية المرجوة. كما يؤكد أن اختيار أسماء من يتولى القيادة في التشكيلة المقترحة هو شأنٌ ليبيٌ لا دخل له به. الأمر الذي يتعارض مع ما يُسرّب من أسماء رُشحت فعلياً لتولي قيادة المرحلة الجديدة المقترحة بالمبادرة.

المشكلة التي تواجه المبعوث الأميركي حالياً هي أنه يشبه في موقعه محل خياطة بلا مطاسة أو مطاسات. أي أن الوخز الإبري المؤلم في الأصابع كفيل بإعاقة إن لم يكن بإفشال أي محاولة لأداء الوظيفة المنتواة.

المطاسة السياسية المفقودة، في رأيي، تتمثل في إقصاء فئة من اللاعبين الذين عرفتهم الساحة الليبية، وتجاهلهم المبعوث الأميركي عمداً في المشاورات، ربما بحجة أنهم لا يمتلكون وزناً سياسياً وعسكرياً مماثلاً في الحجم والقوة لمن يمسكون بمقاليد الأمور غرباً وشرقاً.

ما يميّز أفراد تلك الفئة المتجاهلة من المبعوث الأميركي أنهم، بمرور الوقت، أصبحوا رقماً غير قابل للإقصاء، كونهم قادرين على استقطاب المؤيدين أو المعارضين لأي مشروع يُطرح يهدف إلى حلّ الأزمة. وسبق لهم المشاركة في إجهاض البعض من المبادرات، أو نجاح أخرى.

المبعوث الأميركي بولس، عن حسن أو سوء نيّة، تجاهل أفراد تلك الفئة من اللاعبين الحذّاق والمهرة، ولجأ إلى القوتين الرئيسيتَين في غرب البلاد وشرقها، ممثلتَين في رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والمقربين إليه، والمشير حفتر. وهم بالتأكيد لاعبون رئيسيون في المشهد الليبي، ولهم أوزانهم سياسياً وعسكرياً، إلا أنهم لتمرير المبادرة عبر حقول الألغام المزروعة في الطريق، وهي كثيرة، بهدف الوصول بها إلى برّ السلامة والأمان؛ لا بد لهم من وجود «مَطَاسَات» عدة، تخصصت في فنّ الاستقطاب الإعلامي والشعبي.

***

جمعة بوكليب ـ كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.

_____________

الضغوط الأمريكية لتشكيل حكومة ليبية موحدة تختبر فصائل طرابلس

رشا الدرسي


يُعلن عبد الحكيم بلحاج، الشخصية البارزة في طرابلس، تأييده لمبادرة أمريكية لتوحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، مما يزيد الضغط على حكومة الوحدة الوطنية الحالية في ظل تصاعد النشاط الاستخباراتي الإقليمي.

في خضم تحركات دبلوماسية إقليمية مكثفة ومناورات استخباراتية، تمر الأزمة السياسية الليبية بمنعطف حرج. وقد حظيت مبادرة جديدة مدعومة من الولايات المتحدة تهدف إلى إنهاء الانقسام المؤسسي في البلاد وتوحيد سلطاتها التنفيذية بزخم ملحوظ في الشرق، مما يضع الكرة في ملعب الفصائل الليبية الغربية.

تركز الخطة، التي يتزعمها مساد بولوس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، على تشكيل حكومة موحدة، ودمج المؤسسات الحكومية، وتشجيع الاستثمارات النفطية الأمريكية. ورغم أن بولوس قدّم المقترح باعتباره مكمّلاً للجهود المستمرة التي تبذلها الأمم المتحدة، فإن المبادرة أثارت نقاشاً حاداً حول ما إذا كانت واشنطن قادرة على تجاوز الانقسامات التقليدية في ليبيا، أم أن هذه الخطة ستلتحق بقائمة طويلة من التسويات الفاشلة.

كسر الصمت في طرابلس

انكسر الهدوء السياسي في غرب ليبيا بشكل مفاجئ في 21 يونيو/حزيران، عندما أصدر عبد الحكيم بلحاج، الشخصية السياسية البارزة والقائد السابق للمجلس العسكري لطرابلس، بياناً أعلن فيه رسمياً تأييده للمبادرة الأمريكية.

ودعا بلحاج، الذي يتولى حالياً رئاسة حزب الوطن، حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس إلى توضيح موقفها من المقترح. ووصف الخطة الأمريكية بأنها “فرصة لتسريع الوصول إلى حلول سياسية تُنهي حالة الانقسام السياسي الراهنة”، مؤكداً أن أي تسوية في الظروف الحالية يجب أن تقوم على “الممكن والمقبول” بدلاً من “الكامل ولكن المستحيل”.

ورغم تراجع الحضور السياسي لبلحاج في السنوات الأخيرة، فإن تأييده يحمل وزناً رمزياً كبيراً في غرب ليبيا. ويأتي بيانه بعد أسابيع من إعلان قوات الشرق بقيادة القائد العسكري خليفة حفتر وأكثر من 100 عضو من مجلس النواب في الشرق (المقره في طبرق) تأييدهم للخطة الأمريكية.

وقالت عائشة الطبالقي، عضو مجلس النواب، للجزيرة إن المبادرة الأمريكية تميزت باعتمادها على تفاهم بين الفصيلين الرئيسيين اللذين يملكان النفوذ الفعلي على الأرض. وأشارت إلى أن ظهور أصوات داعمة في الغرب قد يعزز فرص قبول المبادرة على نطاق أوسع.

غير أن مدى الدعم الحقيقي للمبادرة لا يزال محل خلاف. وكشف محمد المعزاب، عضو المجلس الأعلى للدولة، أن عدة أعضاء في مجلس النواب أخبروه خصوصاً أن أسماءهم أُضيفت إلى قائمة المؤيدين دون علمهم المسبق. ورفض المعزاب تحرك بلحاج ووصفه بأنه محاولة “لتقديم نفسه كطرف يمكن أن يكون جزءاً من أي ترتيبات سياسية مستقبلية”، معتبراً أنها “قفزة في الهواء لن تؤثر بشكل كبير على ميزان القوى”.

خريطة طريق سياسية أم “صفقة” عائلية؟

واجهت الآليات التفصيلية للمقترح الأمريكي تدقيقاً مكثفاً من قبل محللين ليبيين يخشون أن تؤدي المبادرة إلى ترسيخ ترتيب لتقاسم السلطة طويل الأمد بدلاً من تمهيد الطريق للديمقراطية.

خلال حلقة حديثة من برنامج “ما وراء الخبر” على قناة الجزيرة العربية، انتقد المحلل السياسي عبد السلام الراجحي هذه الجهود، معتبراً أنها “أقرب إلى صفقة منها إلى مبادرة”. واقترح الراجحي أن بولوس، الذي يفتقر إلى خبرة دبلوماسية واسعة، يسعى لتحقيق نصر جيوسياسي سريع.

وقال الراجحي: “المشكلة التي تواجه صفقة بولوس هي أنها صُممت حول أفراد محددين”، مستشهداً بتسريبات واسعة النطاق تفيد بأن الخطة تهدف إلى تعيين صدام حفتر – نجل القائد العسكري الشرقي خليفة حفتر – رئيساً لمجلس رئاسي جديد، وإبراهيم الدبيبة – ابن شقيق رئيس حكومة الوحدة الوطنية الحالية عبد الحميد الدبيبة – رئيساً للوزراء. وأشار الراجحي إلى أن الرجلين ورد اسمهما بشكل بارز في تقرير حديث لفريق خبراء الأمم المتحدة الذي يتناول تفاصيل تهريب النفط غير المشروع والاختلاس المالي.

على النقيض، رأى سنوسي إسماعيل، المحلل السياسي المقيم في طرابلس، أنه رغم المخاوف المشروعة من انتكاسة ديكتاتورية أو حكم عائلي، فإن الجمود السياسي الحالي يستلزم المخاطرة المحسوبة.

وقال إسماعيل: “الرأي السائد هو أنه ينبغي الانخراط بإيجابية مع مبادرة بولوس”، مشدداً على ضرورة دمج الخطة الأمريكية مع خارطة طريق الأمم المتحدة القائمة. وأكد أن أي حكومة موحدة جديدة يجب أن تكون ملزمة بجداول زمنية صارمة تؤدي مباشرة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، مما يمنع السلطات الجديدة من التمسك بالسلطة إلى أجل غير مسمى.

ودافع وليام لورانس، الدبلوماسي الأمريكي السابق وأستاذ الشؤون الدولية، عن التدخل الأمريكي. وقال: “السبيل الوحيد الذي يمكن لبولوس العمل عليه كخطوة أولى هو إيجاد حلول اقتصادية وتوحيد المؤسسات الاقتصادية الليبية”. وأضاف: “أعتقد أنه يأتي بنوايا حسنة ويحاول التوصل إلى حل شامل ومستدام… ولا أرى أي خطة بديلة في الوقت الراهن”.

مناورات إقليمية

يتزامن الجدل حول المبادرة الأمريكية مع حراك إقليمي مكثف. ففي الأسبوع الماضي، اجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا مع بولوس في القاهرة لبحث الملف الليبي. وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية عن تشكيل آلية إقليمية جديدة تُعرف باسم “R-4″، تضم باكستان ومصر والسعودية وتركيا، تهدف إلى دعم الاستقرار الإقليمي.

وقد اقترن هذا الزخم الدبلوماسي بنشاطات استخباراتية ملحوظة على الأرض في ليبيا:

  • في الغرب: زار رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد طرابلس لإجراء محادثات نادرة مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.
  • في الشرق: زار رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين بنغازي للقاء صدام حفتر، حيث ناقشا جهود توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار.

وقال فيصل بوثرايقة، الباحث في الأمن القومي، للجزيرة إن هذه التحركات المتوازية تعكس جهداً دولياً لتهيئة بيئة مواتية لترتيبات سياسية جديدة.

وأضاف بوثرايقة: “تتحرك ليبيا حالياً بين احتمالين: الوصول إلى تسوية سياسية جديدة، أو إعادة ترتيب ميزان القوى بين الأطراف المختلفة”. وأشار إلى أن واشنطن تنظر إلى مبادرتها كأداة لدعم المسار الأممي، وليس كبديل عنه.

حتى الآن، لم يصدر عن حكومة الوحدة الوطنية موقف رسمي من الخطة الأمريكية. واقترح إلياس الباروني، المحلل السياسي، أن حذر الحكومة محسوب، ويهدف إلى الحفاظ على مساحة للمناورة السياسية، وتجنب الانقسامات في المعسكر الغربي، وانتظار تبلور الموقف النهائي لواشنطن.

_________________

تزاحم المبادرات السياسية في ليبيا… حل للأزمة أم تمديد لها؟

جاكلين زاهر

المعارضون للاقتراح الأميركي يرون أنه «مجرد صفقة جديدة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة.

يجد الليبيون أنفسهم أمام تعدد مبادرات متنافسة تطرحها أطراف دولية ومحلية، يروج كل منها لامتلاك مفتاح الحل، لكن مراقبين يرون أن تعددها لا يقود إلى انفراجة، بل ينذر بإطالة أمد الأزمة وتعميق الانقسام السياسي.

وبحسب هؤلاء المراقبين، فقد تحوَّلت المبادرات من أطروحات سياسية لإنقاذ البلاد إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ، وتثبيت موازين القوى بين الأطراف المتصدرة للمشهد، سواء للحفاظ على مواقعها أو لانتزاع مكاسب سياسية أكبر، «بما يجعل الوصول إلى توافق حقيقي أكثر صعوبة».

وتتصدَّر المشهد حالياً مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، التي أثارت جدلاً واسعاً، وهي تقوم على تقارب مباشر بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها. وفي المقابل، تواصل البعثة الأممية لدى ليبيا الدفع بآلية «الاجتماع المُصغَّر»، أو لجنة «4 + 4»، للتوافق حول الإطار القانوني للانتخابات، بينما أعلن رؤساء مجالس النواب عقيلة صالح، و«الرئاسي» محمد المنفي، و«الأعلى للدولة» محمد تكالة، خريطة طريق يقولون إنَّها تستهدف إنهاء المرحلة التمهيدية، وإجراء انتخابات قبل فبراير (شباط) المقبل.

إزاء هذا التزاحم في المبادرات، لم يخفِ عضو مجلس النواب الليبي محمد حنيش قلقه، وعدَّ كثرتها «خلطاً للأوراق وتعطيلاً للحل». وانتقد حنيش في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ما وصفها بـ«ضبابية المبادرات المطروحة». وقال إن «ما يرشح منها إعلامياً يقتصر غالباً على أسماء مَن سيتقاسمون السلطة؛ بينما لم تعرض تفاصيلها على المؤسسات الليبية، وفي مقدمتها البرلمان، لتقييم قدرتها على إنهاء الانقسام أو تعميقه».

وتعيش ليبيا حالة انقسام سياسي بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان بقيادة أسامة حماد، تدير الشرق وبعض مناطق الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وبخصوص لجنة «4 + 4»، يرى حنيش أنَّها «تقترب بدرجة ما من أهداف مبادرة بولس، وقد تمهِّد أيضاً لترتيبات قائمة على تقاسم السلطة بين الشرق والغرب»، مشيراً إلى أن «خريطة رؤساء المجالس الثلاثة لم تحظَ بدعم محلي ولا بدعم أممي ودولي كبير؛ مما يُشكِّك في استمراريتها».

وتضم لجنة «4 + 4» المُشكَّلة من قبل البعثة، 8 أعضاء مناصفة بين ممثلين عن شرق ليبيا وغربها.

وبحسب حنيش، فإنَّ غالبية المبادرات المطروحة حالياً «تتجاهل المسار» الذي يعدّه الحل الأمثل للأزمة، والمتمثل في الاستفتاء على مشروع الدستور المنجز منذ عام 2017، عادّاً أنه «يُمكِّن الليبيين فعلياً من اختيار مَن يحكم بالمستقبل».

بدوره، عدّ عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، أن «كثرة المبادرات المعبرة عن مصالح أطراف بعينها تجعل المشهد أكثر تعقيداً».

وأبدى السويح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استغرابه من صمت البعثة الأممية إزاء هذا التنافس، عادّاً أنَّها مطالَبة بتقييم أي «مبادرة وفق مصلحة الشعب الليبي، لا سيما بعد سنوات طويلة من تعثر جهودها».

وانضم السويح لأصوات سياسية تحذِّر من «فرض أي مبادرة تقوم على تقاسم السلطة بين القوى النافذة في الشرق والغرب»، عادّاً أنَّ ذلك قد يثير معارضةً واسعةً، وربما يقود إلى توترات أمنية.

ووفقاً للمُتدَاول حول مبادرة بولس، يحتفظ الدبيبة بموقعه رئيساً للحكومة، بينما يتولى صدام حفتر نائب القيادة العامة بـ«الجيش الوطني» رئاسة مجلس رئاسي جديد، بديلاً عن المنفي.

وتتباين المواقف بشأن هذه المبادرة الأميركية؛ إذ يرى مؤيدوها أنَّها «قد تسهم في توحيد البلاد»، مستفيدة من ثقل واشنطن، بينما يعدّها معارضوها «مجرد صفقة جديدة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة بالبلاد قد تؤجل الانتخابات بدلاً من تمهيد الطريق إليها».

وانتقد السويح «غياب الاهتمام في مختلف المبادرات المطروحة بالقضايا المعيشية، والأوضاع الاقتصادية، مثل تراجع قيمة العملة المحلية، وإهدار الثروة الوطنية، والفساد، وملفي التهريب والهجرة غير النظامية».

وعدّ أنَّ هذا التجاهل يؤكد أن «المواطن الليبي لا يزال الحلقة الأضعف، حيث توظِّف الأطراف المحلية تلك المبادرات لتعزيز مواقعها، وتتعامل معها قوى خارجية بوصفها مدخلاً لحماية مصالحها في بلد نفطي استراتيجي».

أما المحلل السياسي صلاح البكوش، فيرى أن ما يتردد بشأن مبادرة بولس يعزِّز الانطباع بأنها «صفقة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها»، على غرار تجارب سابقة وصفها بـ«الفاشلة»، مثل «اتفاقي الصخيرات عام 2015 وجنيف عام 2021».

ورغم تأكيده أنَّ البعثة الأممية تسعى رسمياً إلى مسار انتخابي، فإنَّ البكوش يرى أن «القوى الفاعلة عمدت بشكل منفرد إلى توظيف لجنة (4 + 4) بما يخدم تطبيق مبادرة بولس».

من جهته، عدّ عضو مجلس النواب الليبي، صالح إفحيمة، في إدراج له أن «أي مبادرة قد تُمثِّل خطوةً إيجابيةً إذا أسهمت في تقريب وجهات النظر، لكن نجاحها يبقى مرهوناً باحترام إرادة الليبيين، وعدم تحولها إلى بديل عن الاستحقاق الانتخابي».

________________

قطاع الغاز الطبيعي في ليبيا: بين الإمكانات الهائلة والمعوقات الهيكلية

وائل حامد أحمد

تُعد ليبيا واحدة من أهم منتجي الهيدروكربون في أفريقيا، ولها تاريخ طويل في استكشاف وتطوير النفط والغاز. ووفقاً لبيانات منظمة أوبك، بلغت احتياطيات ليبيا المؤكدة من الغاز الطبيعي 26 تريليون قدم مكعبة في عام 2025، مما يجعلها خامس أكبر دولة من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في أفريقيا، بعد نيجيريا والجزائر ومصر وموزمبيق، ولكنها تتفوق على الكاميرون وأنغولا.

الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو إمكانات ليبيا من الغاز غير التقليدي. تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية موارد البلاد من الغاز الصخري القابلة للاستخراج تقنياً بنحو 122 تريليون قدم مكعبة.

هذا الرقم أكبر بنحو خمسة أضعاف من احتياطياتها التقليدية المؤكدة. ولوضع هذا في منظور صحيح، فإن موارد الغاز الصخري القابلة للاستخراج تقنياً في ليبيا قابلة للمقارنة إلى حد كبير مع موارد الغاز المقدرة في حوض ليفانت، والتي تقدرها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بنحو 122 تريليون قدم مكعبة.

وقد أدت الاكتشافات في حوض ليفانت إلى تحويل شرق المتوسط إلى واحدة من أكثر مناطق الهيدروكربون جاذبية لشركات النفط الدولية في العالم.

على الرغم من مواردها الهائلة، تظل ليبيا واحدة من أقل مناطق الغاز استكشافاً وتطويراً في منطقة البحر المتوسط. وقد أدى عدم الاستقرار السياسي، والتحديات الأمنية، وسنوات من نقص الاستثمار بعد أحداث عام 2011 إلى تقييد أنشطة الاستكشاف والتطوير بشكل كبير، مما ترك الكثير من إمكانات الغاز في البلاد غير مستغلة.

إذا تم تطوير موارد الغاز التقليدية وغير التقليدية بنجاح، فقد تكون الآثار الاقتصادية وعلى قطاع الطاقة تحويلية. يمكن أن يساعد إنتاج الغاز الجديد في تلبية الطلب المحلي المتزايد بسرعة في ليبيا، والحد من نقص الكهرباء المزمن، وإحياء الاستثمار في المنبع، وربما إعادة البلاد كمورد أكثر أهمية للغاز إلى أوروبا. ومع ذلك، فإن تحقيق ذلك سيتطلب بيئة استثمارية مستقرة، وسياسات طاقة واضحة، وإنفاقاً رأسمالياً كبيراً، وتقنيات متقدمة، وإطاراً تنظيمياً قادراً على الموازنة بين التنمية الاقتصادية والاعتبارات البيئية والاجتماعية.

تقلبات العرض وضيق التوازن المحلي

من منظور الإنتاج، تظل ليبيا منتجاً متواضعاً نسبياً للغاز. بلغ إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي مستوى قياسياً بلغ حوالي 3400 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2019، لكن الإنتاج تذبذب منذ ذلك الحين بسبب الاضطرابات المتكررة في إنتاج النفط وعمليات المنبع. يمثل الغاز المصاحب حوالي 40% من إجمالي إنتاج الغاز، مما يربط إمدادات الغاز ارتباطاً وثيقاً بالاضطرابات في إنتاج النفط.

الأهم من ذلك، أن أقل من نصف إجمالي إنتاج الغاز في ليبيا يتم تسويقه للاستهلاك المحلي. يتم استهلاك كميات كبيرة من خلال إعادة الحقن في مكامن النفط لتعزيز استخلاص النفط، بينما يتم حرق كميات إضافية أو استخدامها في عمليات الحقول ومرافق المعالجة. ونتيجة لذلك، مثل الغاز المسوق المتاح للاستهلاك المحلي والتصدير حوالي 45% فقط من الإنتاج الإجمالي في عام 2025.

في حين أن إنتاج الغاز المسوق قد ركد إلى حد كبير خلال السنوات الخمس الماضية، استمر الطلب المحلي في الارتفاع، مدفوعاً في المقام الأول بقطاع الكهرباء. ارتفع استهلاك الغاز المحلي من حوالي 788 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2015 إلى أكثر من 1150 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2025، مما أدى إلى استيعاب حصة متزايدة باستمرار من العرض المتاح.

مع زيادة الطلب المحلي، تضاءلت الفجوة بين الإنتاج المسوق والاستهلاك المحلي بشكل كبير، مما قلل من الكميات المتاحة للتصدير. وبالتالي، انخفضت صادرات غاز “جرين ستريم” إلى إيطاليا من حوالي 700 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2015 إلى أقل من 100 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2025.

يمثل هذا الخلل المتسع بين العرض والطلب أحد أكثر التحديات خطورة التي تواجه قطاع الغاز في ليبيا. وبدون استثمار كبير في تطويرات الغاز الجديدة، ومشاريع الحد من الحرق، وتحديث البنية التحتية، قد لا يكون نمو الإنتاج المستقبلي كافياً لتلبية الطلب المحلي. قد يستلزم هذا الوضع استيراد الغاز الطبيعي المسال لسد فجوة العرض والطلب، أو ترك قطاع الكهرباء يعاني من انقطاعات مطولة في التيار.

استغلال الفاقد: استعادة غاز الحرق كمصدر للإمداد

لا يزال حرق الغاز مصدراً رئيسياً لعدم الكفاءة في قطاع الغاز الليبي. على الرغم من ارتفاع الطلب المحلي وانخفاض الصادرات، أحرقت البلاد بمعدل وسطي بلغ 614 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2024.

وإدراكاً للقيمة الاقتصادية لهذه الكميات المفقودة، أطلقت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مبادرات لاستعادة الغاز المحروق من خلال بنية تحتية جديدة للتجميع والمعالجة.

في عام 2025، نجحت المؤسسة الوطنية للنفط في تقليل حرق الغاز بنحو 100 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم من خلال سلسلة من مشاريع استعادة غاز الحرق التي تم تنفيذها بالتعاون مع شركاتها التابعة.

ساعد ذلك في خفض إجمالي الغاز المحروق إلى حوالي 514 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم. وبالنظر إلى المستقبل، تهدف المؤسسة إلى خفض الحرق بمقدار 120 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم إضافية في عام 2026 وتحقيق خفض بنسبة 60% من المستويات الحالية بحلول عام 2030، مما يوفر إمدادات غاز إضافية للاستهلاك المحلي والتصدير مع تحسين الكفاءة العامة لقطاع الهيدروكربون.

نهضة المنبع: استكشاف متجدد وزخم مؤسسي

بعد أكثر من عقد من نقص الاستثمار والاضطرابات المتقطعة، يُظهر قطاع الغاز في المنبع الليبي علامات على زخم متجدد. منذ عام 2024، كثفت المؤسسة الوطنية للنفط جهودها لجذب كبرى شركات النفط الدولية، وتسريع أنشطة الاستكشاف، وتسويق موارد الغاز غير المستغلة في البلاد.

ساعد رفع قيود الاستكشاف وإطلاق أول جولة تراخيص في ليبيا منذ ما يقرب من عقدين في استعادة اهتمام المستثمرين في واحدة من أكثر مناطق الغاز الواعدة ولكن غير المستكشفة في البحر المتوسط.

تشير النتائج المبكرة إلى انتعاش تدريجي في ثقة المستثمرين ونشاط الاستكشاف. في عام 2026، أعلنت شركة إيني عن ثلاثة اكتشافات للغاز في الكتلة D، جنوب حقل بحر السلام العملاق. وفقاً لإيني، يُقدر أن أول اكتشافين يحتويان على أكثر من 1 تريليون قدم مكعبة من الغاز القابل للاستخراج، بينما أُعلن عن اكتشاف ثالث بعد ذلك بوقت قصير، مما عزز قاعدة الموارد في حوض سرت البحري.

بالتوازي، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط مذكرة تفاهم مع شركة شيفرون تغطي فرص الاستكشاف في أحواض سرت ومرزق وغدامس، مما يسلط الضوء على تزايد الثقة بين شركات الطاقة الدولية في الإمكانات طويلة الأجل لليبيا.

على الرغم من أن هذه الاكتشافات وحدها لن تحول على الفور ميزان الغاز في ليبيا، إلا أنها تثبت أن قطاع المنبع في البلاد لا يزال واعداً للغاية وقادراً على تقديم كميات غاز تجارية. الأهم من ذلك، أنها توفر الأساس لنمو الإنتاج المستقبلي الذي يمكن أن يساعد في عكس تراجع توافر الصادرات الذي لوحظ خلال العقد الماضي.

الاستقرار المؤسسي والمشاريع العملاقة البحرية

حدثت نقطة تحول حاسمة لتسويق قاعدة الموارد الليبية في أبريل 2026، عندما وافقت الهيئات التشريعية المتناحرة في البلاد على ميزانية دولة موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي (29.95 مليار دولار). يمثل هذا الإنجاز أول إطار إنفاق وطني موحد منذ أكثر من 13 عاماً.

يخصص هذا الاختراق المالي 12 مليار دينار (1.9 مليار دولار) مباشرة للمؤسسة الوطنية للنفط، إلى جانب تخصيص رأسمالي أوسع بقيمة 40 مليار دينار مخصص للبنية التحتية للتنمية الاستراتيجية.

يوفر هذا الاستقرار المالي المعزز الأساس المالي الذي طال انتظاره لمشروع تطوير الغاز البحري الضخم “التركيبتان “. يُشغل هذا المشروع شركة ملّيتة للنفط والغاز، وهي مشروع مشترك بنسبة 50-50 بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني الإيطالية، وتبلغ قيمته 8 مليارات دولار، ويستهدف استخراج الغاز من الحقول البحرية العميقة في الكتلة D.

من المقرر أن يسلم المشروع أول غاز في عام 2027، ومن المتوقع أن يصل الإنتاج من التركيبتين إلى معدل هضبة مشترك يبلغ 750 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم. إلى جانب أهميته لقطاع المنبع، من المتوقع أن يلعب المشروع دوراً محورياً في تعزيز ميزان الغاز في البلاد من خلال توفير كميات إضافية للسوق المحلية، ودعم توليد الكهرباء، وربما زيادة توافر الصادرات عبر خط أنابيب غرين ستريم إلى أوروبا.

دور ليبيا في استراتيجية التنويع الأوروبية

تتجاوز أهمية انتعاش إنتاج الغاز الليبي سوقه المحلية. منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، اتخذ الاتحاد الأوروبي عدة إجراءات لتنويع مصادر إمدادات الغاز وتقليل الاعتماد على الواردات الروسية.

في حين لعب الغاز الطبيعي المسال دوراً حاسماً في تعويض الإمدادات الروسية المفقودة، يظل غاز خطوط الأنابيب خياراً جذاباً بسبب انخفاض تكاليف التوريد وتسليمه، وتقليل التعرض لتقلبات سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية.

تتمتع ليبيا بموقع فريد للمساهمة في استراتيجية التنويع الأوروبية من خلال خط أنابيب غرين ستريم الحالي، الذي يربط ليبيا مباشرة بإيطاليا وتبلغ طاقته 775 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم. ومع ذلك، يعمل الخط حالياً بأقل من طاقته التصميمية بسبب محدودية كميات الغاز المتاحة للتصدير.

يمكن لأي زيادة كبيرة في إنتاج الغاز الليبي أن توفر لأوروبا مصدراً إضافياً قريباً ومنخفض التكلفة نسبياً لإمدادات الغاز. بالنسبة لإيطاليا على وجه الخصوص، فإن زيادة الصادرات الليبية من شأنها أن تعزز طموحها لتصبح مركزاً للغاز في البحر المتوسط يربط منتجي شمال أفريقيا بالمستهلكين الأوروبيين.

في عام 2025، انخفضت حصة ليبيا من مزيج واردات الغاز للاتحاد الأوروبي إلى 0.3% فقط، مما يعكس الانخفاض الحاد في صادرات غرين ستريم ويؤكد مدى بقاء مستويات التصدير الحالية أقل بكثير من الكميات التاريخية.

فرصة العبور عبر الصحراء

بعيداً عن الصادرات المباشرة إلى أوروبا باستخدام قاعدة مواردها الخاصة، يمكن لليبيا أيضاً أن تلعب دوراً مهماً في مبادرات التكامل الإقليمي للغاز.

من أكثر المقترحات طموحاً هو خط أنابيب نيجيريا-النيجر-ليبيا، الذي يهدف إلى نقل احتياطيات الغاز النيجيرية عبر النيجر إلى ليبيا ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية.

على الرغم من أن المشروع ركز تقليدياً على الجزائر كبوابة للتصدير عبر خط أنابيب الغاز عبر الصحراء (TSGP)، إلا أن البنية التحتية الواسعة لخطوط الأنابيب في ليبيا، وموقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط، وقربها من الأسواق الأوروبية يمكن أن توفر طريقاً بديلاً للتصدير في المستقبل.

من شأن مشاركة ليبيا أن تعزز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة مع زيادة خيارات تنويع الإمدادات لأوروبا. ومع ذلك، لا يزال يتعين معالجة تحديات سياسية وأمنية وتمويلية وتجارية كبيرة قبل أن يتمكن مثل هذا المشروع من تجاوز مرحلة التخطيط.

الاستنتاج: مفارقة التسويق والطريق إلى الأمام

يمثل قطاع الغاز في ليبيا مفارقة مذهلة. تمتلك البلاد واحدة من أكبر قواعد موارد الغاز التقليدي في أفريقيا وإمكانات كبيرة من الغاز الصخري، ومع ذلك تظل منتجاً متواضعاً نسبياً ومصدراً صغيراً نسبياً مقارنة بإمكاناتها من الموارد.

لقد أدى ارتفاع الطلب المحلي، وقيود البنية التحتية، ومعدلات الحرق المرتفعة، وسنوات من نقص الاستثمار في قطاع المنبع إلى تقليل توافر الصادرات بشكل مطرد على الرغم من الموارد الوفيرة. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن القطاع قد يدخل مرحلة نمو جديدة. إن مبادرات الحد من الحرق الجارية، ونشاط الاستكشاف المتجدد، واكتشافات الغاز الكبرى، والاهتمام المتزايد من شركات النفط الدولية تخلق فرصاً لتوسيع العرض وتحسين ميزان الغاز في البلاد.

التحدي الرئيسي للبلاد ليس توافر الموارد، بل قدرتها على تحويل الإمكانات الجيولوجية إلى نمو إنتاجي مستدام وقابل للتسويق تجارياً. سيكون النجاح في هذا الصدد هو العامل المحدد في ما إذا كانت ليبيا ستبقى مركزة بشكل أساسي على تلبية الطلب المحلي أم ستعاود الظهور بين مصدري الغاز إلى أوروبا على المدى المتوسط.

على المدى المتوسط، من المتوقع أن يزيد إنتاج الغاز في ليبيا تدريجياً مع بدء تشغيل المشاريع الجديدة. من المتوقع أن يضيف تطوير التركيبتين وحده حوالي 750 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم من الإنتاج اعتباراً من عام 2027، بينما يمكن لمشاريع استعادة غاز الحرق الجارية أن توفر 200-300 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم إضافية بحلول عام 2030.

معاً، يمكن لهذه التطورات أن تحسن بشكل كبير ميزان الغاز في البلاد وتدعم انتعاشاً جزئياً في الصادرات عبر خط أنابيب غرين ستريم. ومع ذلك، من المرجح أن يستوعب الطلب المحلي المتزايد حصة كبيرة من الإمدادات الجديدة.

ونتيجة لذلك، من المتوقع أن تظل ليبيا مركزة في المقام الأول على تلبية الاحتياجات المحلية، على الرغم من أن كميات التصدير قد تتعافى من أقل من 100 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2025 إلى حوالي 300-500 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم بحلول نهاية العقد، شريطة الحفاظ على الاستقرار السياسي وزخم الاستثمار.

_____________

الجنوب وجع لا يسمعه أحد وأنين في صميم الوطن

مصباح السنوسي

في عمق الجغرافيا الليبية حيث تتمدد الصحراء وتختزن الأرض كنوزًا من النفط والغاز وثروات طبيعية لا تُحصى يتردد صدى أنين خافت لإقليم بأكمله إقليم بدا وكأنه يعيش على هامش وطن لا يسمعه.

كان من المفترض لهذه الثروات أن تكون قاطرة للاقتصاد الوطني لكن الجنوب لم يكن يومًا سوى رقم مهمل في سجلات الدولة وعبء ثقيل في موازين السياسة.

تاريخ من التهميش

لعقود طويلة تعايش الجنوب مع التهميش كقدر محتوم وكأن قدره أن يبقى في الظل، ومع انهيار الدولة المركزية لم يجد الجنوب طريقه نحو البناء والتعافي بل تحول إلى ساحة مفتوحة للنفوذ وميدان خلفي لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

ولقد استدرجت مكوناته الاجتماعية وقبائله إلى أتون هذه الصراعات حيث سعى كل طرف في الشمال إلى مد يده عبر حلفاء محليين في محاولة لكسب جولة مؤقتة في معركة سلطوية طويلة دفع ثمنها أبناء الجنوب من أمنهم واستقرارهم ومن أحلامهم في غد أفضل.

ستة وعشرون بلدية جنوبية في خارطة وجع مشترك

معاناة موزعة على امتداد ستة وعشرين بلدية تمثل روح الإقليم وامتداده الاجتماعي والجغرافي من سبها إلى مرزق ومن غات إلى وادي عتبة حتى القطرون. كلها بلديات تُركت تواجه مصيرها وحدها. كل بلدية منها تروي قصة من الحرمان، ومن الانقطاع، ومن الغياب المتكرر للدولة، ومن الشعور المزمن بأن فزان ليست في حسابات من يحكم.

التدخل الخارجي بوابة للفوضى

وما يزيد الطين بلة أن الجنوب لم يعد مجرد ضحية للإهمال الداخلي المزمن بل غدا هدفًا مكشوفًا لتنافس القوى الخارجية، ولم يكن هذا التدخل وليد الصدفة بل جاء نتيجة مباشرة للفراغ الذي خلفه غياب الدولة.

فقد تحول الجنوب إلى بوابة استراتيجية للتغلغل في عمق الساحل والصحراء، ومسرح جديد للصراع الجيوسياسي المحتدم، صراع لا يجد فيه صوت الناس مكانًا، وقد وجدت مراكز النفوذ الأجنبية في هذا الفراغ بيئة خصبة للتحرك، وكلما تعمقت الفوضى اتسعت فرصها للعبث بمقدرات الإقليم.

جريمة سياسية مكتملة الأركان

إن ما يحدث في الجنوب ليس مجرد إهمال إداري بل هو جريمة سياسية مكتملة الأركان. جريمة صامتة اشترك في ارتكابها كل من تجاهل وكل من تواطأ وكل من صمت عن الظلم البين وكل من اعتلى مقعد المسؤولية ولم يحمل الجنوب أمانة في عنقه.

جريمة ارتُكبت باسم السيادة بينما تُعامل فزان كأنها عبء ثقيل على الجسد الوطني، وباسم الوحدة بينما يُقصى الجنوب عمدًا من معادلات القرار، وباسم العدالة بينما تُوزع الثروة الوطنية بميزان ظالم لا يرى إلا مصالح فئة دون أخرى.

إمكانات هائلة ومستقبل واعد ينتظر

لكن الجنوب ليس أرضًا قاحلة أو ميتة بل هو خزان هائل من الإمكانات الكامنة ففيه تكمن ثروات النفط والغاز، ويتمتع بموقع استراتيجي فريد وموارد طبيعية يمكنها أن تُغير وجه ليبيا بالكامل.

لو أن إرادة سياسية حقيقية تبلورت لكان الجنوب ركيزة أساسية للاستقرار الوطني لا عبئًا عليه. كان يمكن أن يكون منطلقًا للتنمية الشاملة، ونقطة انطلاق للتكامل الإقليمي مع دول الجوار، وكان من الممكن أن يُعاد دمجه في جسد الدولة الليبية بروح جديدة من الشراكة والعدالة.

رؤية وطنية شاملة السبيل الوحيد

إن ما يحتاجه الجنوب اليوم ليس مجرد ميزانيات تُصرف أو وعود تُطلق بل رؤية وطنية شاملة وعميقة:

  • يحتاج الجنوب إلى وجود حقيقي للدولة، وجود يعيد هيبتها ويُرسخ سيادتها.
  • يحتاج إلى مشروع تنموي مستدام يعيد بناء الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
  • يحتاج إلى أمن محلي يُبنى بسواعد أبنائه وإلى مصالحة وطنية حقيقية بين كافة مكوناته الاجتماعية.
  • يحتاج إلى من يَصْدق معه القول والفعل لا من يستخدمه كورقة تفاوضية في صراعات لا تنتهي
  • يحتاج إلى من يراه قلبًا نابضًا للوطن لا مجرد طرف بعيد أو منسي.

مسؤولية وطنية جامعة

إن قضية الجنوب اليوم ليست مسؤولية أهل الجنوب وحدهم بل هي مسؤولية وطنية جامعة تقع على عاتق كل من يطمح لنهضة ليبيا واستقرارها.

فلا يمكن لدولة أن تقوم وجزء أصيل منها يُترك للفراغ والعبث، ولا يمكن أن يتحقق الأمن الشامل وهناك رقعة واسعة من البلاد تُدار من خارج الحدود، ولا يمكن أن نبني سلامًا مستدامًا وهناك شعب بأكمله يشعر بالنسيان والتهميش

إننا اليوم أمام فرصة أخيرة لإعادة النظر، ولإعادة الاعتبار، ولإعادة رسم العلاقة مع هذا الإقليم الحيوي.

فإما أن يكون الجنوب رافعة للاستقرار والازدهار، أو أن يبقى جرحًا نازفًا في جسد وطن منهك يهدد بتقويض كل محاولات البناء.

***

مصباح السنوسي ـ عضو لجنة السياسات بالحزب الديمقراطى

_______________




اعتراف حكومة الدبيبة بالجنائية الدولية يرفع حدة الانقسام الليبي

لا يكاد الجدل السياسي في ليبيا يهدأ حتى يعود مجددًا وبحدة أكبر، في ظل استمرار الانقسام السياسي داخل البلاد وما يرافقه من تباين في وجهات النظر حول عدد من الملفات، من بينها مسألة التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية.

وتجدد الجدل أخيرا عقب توجيه رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة رسالة إلى رئيس المحكمة الجنائية الدولية، أكد فيها استمرار اعتراف ليبيا باختصاص المحكمة في الجرائم الدولية، وفقًا للإعلان الصادر عام 2011 والممتد حتى نهاية عام 2027.

وخاطب الدبيبة رئيس قلم المحكمة الجنائية الدولية، أوزغانك زقالا جايلر، عبر رسالة رسمية بتاريخ 21 مايو/أيار 2026، موضحًا أن هذا الاعتراف يقتصر على الجانب الجنائي فقط، ولا يشمل الاختصاص المدني أو قضايا التعويضات.

حفتر يتصدى

وبمجرد انتشار الخبر، سارعت حكومة الشرق الليبي التابعة للجنرال المتقاعد خليفة حفتر إلى توجيه مذكرة للمحكمة الجنائية الدولية، أكدت فيها أن ليبيا ليست دولة طرفا في نظام روما الأساسي، وأن أي قبول لاختصاص المحكمة يجب أن يصدر وفق إجراءات دستورية واضحة ومن خلال المؤسسات المخولة قانونا.

وترى حكومة أسامة حماد أن قرار الدبيبة يمثل محاولة لتجاوز السلطة التشريعية المنتخبة والتفريط في اختصاصات القضاء الليبي، في وقت تؤكد فيه المؤسسات الوطنية قدرة الأجهزة القضائية الليبية على التحقيق والمحاسبة وفق القوانين النافذة.

وشددت حكومة الشرق على أن السيادة القضائية ليست ملفا إداريا يمكن التصرف فيه بقرار تنفيذي، بل هي من صميم الاختصاصات السيادية للدولة التي لا يجوز التنازل عنها أو تقاسمها إلا وفق الأطر الدستورية والتشريعية المعتمدة.

ولم يتوقف الأمر عند الموقف السياسي، بل تطور إلى مسار قضائي بعد صدور أمر ولائي من محكمة جنوب بنغازي الابتدائية يقضي بإيقاف تنفيذ إعلان حكومة الوحدة الوطنية بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

ويرى موقع “ليبيا24” الداعم لحكومة الشرق، أن موقف الأخيرة يرتكز على مبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام المحكمة الجنائية الدولية، والذي يمنح الأولوية للقضاء الوطني متى كان قادرا وراغبا في مباشرة اختصاصاته.

وأوضح الموقع في 5 يونيو/حزيران 2026، أن حكومة حماد ترى أن القضاء الليبي ما زال يمارس مهامه ويصدر أحكامه ويباشر التحقيقات في مختلف القضايا الجنائية، الأمر الذي يجعل مبررات اللجوء إلى القضاء الدولي محل جدل واسع.

ورأى أن “الحفاظ على الاختصاص القضائي الوطني يمثل جزءا أساسيا من معركة استعادة الدولة الليبية لمؤسساتها وسيادتها بعد سنوات طويلة من الانقسام والفوضى”.

وشدد المصدر ذاته على تمسك حكومة حماد ومجلس النواب بخيار حماية القرار الوطني، ورفض أي خطوات تنتقص من سيادة الدولة أو تمنح أطرافا خارجية نفوذا إضافيا على الملف الليبي.

موقف قانوني

في خضم هذا النقاش، يرى أستاذ القانون الدستوري بجامعة سرت، عمر عبدالله، أن خطوة الدبيبة تستند إلى نص الفقرة (3) من المادة (12) من نظام روما الأساسي، غير أنها لا تمثل إجراء شكليا أو محدود الأثر، بل هي تصرف قانوني بالغ الخطورة تترتب عليه آثار واسعة قد تمتد لسنوات طويلة.

وأكد عبدالله لموقع “الساعة24” المحلي في 4 يونيو، أن الدولة التي تتقدم بإعلان قبول الاختصاص بإرادتها المنفردة، دون أن تكون طرفا في النظام الأساسي، إنما تمنح المحكمة سلطة مباشرة لممارسة ولايتها بشأن الجرائم الداخلة في اختصاصها ضمن النطاق المحدد في ذلك الإعلان.

وتابع: “بعد ذلك، لن يكون لها أي دور أو تأثير في التحكم في مسار التحقيقات أو تحديد الأشخاص الذين قد تشملهم إجراءات التحقيق والمحاكمة؛ إذ تصبح هذه المسائل خاضعة للنظام الأساسي للمحكمة ولصلاحيات أجهزتها المختلفة”.

ونوه إلى أن محاولة قصر الاختصاص على جانب دون آخر، أو فرض قيود تتعارض مع طبيعة الاختصاص الذي قرره نظام روما الأساسي، تثير إشكالات قانونية؛ لأن الدولة عند قبولها اختصاص المحكمة لا تعيد صياغة النظام الأساسي، وإنما تقبل الخضوع للمنظومة القانونية التي أنشأها ذلك النظام.

وأردف، ولذلك كان ينبغي التروي والدراسة الدقيقة قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة، موضحا أن “قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليس قرارا عابرا يمكن التراجع عن آثاره بسهولة، بل هو قرار سيادي ذو تبعات قانونية وسياسية قد تتجاوز ما تتوقعه الجهة التي اتخذته”.

جرائم موثقة

الجرائم المرتكبة من عناصر وجماعات مسلحة بليبيا وثقتها العديد من المنظمات الحقوقية والقانونية، ومنها “المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا”.

وفي هذا الصدد، ذكرت المؤسسة في منشورات عبر صفحتها على فيسبوك خلال شهر يونيو 2026، أنه تم اكتشاف مقبرة جديدة في مدينة ترهونة تُجدّد المطالب بكشف مصير المفقودين، وتحقيق العدالة ولإنصاف أسر الضحايا وملاحقة المتهمين المتورطين في ارتكاب هذه الجرائم من “مليشيا الكاني” التي كانت تسيطر على المدينة والتي كانت تحضي بشرعية القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبيّة.

وأوضحت المؤسسة أن هذه المليشيا شكلت الذراع الأساسية للقيادة العامة برئاسة الجنرال التقاعد خليفة حفتر في الحرب التي شنتها قوات القيادة العامة خلال سنة 2019م على مدينة طرابلس والمنطقة الغربية.

كما سجلت المؤسسة واقعة قيام عددا من العسكريين التابعين للواء 444 التابع للمنطقة العسكرية طرابلس التابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي بالهجوم على مركز شرطة سوق الخميس إِمسيحل وإخراج موقوفين بداخل المركز على ذمة النيابة العامة بقوة السلاح والاعتداء على ضباط وضباط صف الأمن بالمركز، مساء يوم الأربعاء 3-يونيو.

وشدد المصدر ذاته على أن هذه الممارسات الخارجة عن القانون، تقوض سيادة القانون والنظام العام والاعتداء على سلطات إنفاذ القانون والضرب بعرض الحائط بأوامر النيابة العامة من قبل وحدة عسكرية تابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي في خروج صريح عن القانون والإخلال بالنظام العام.

كما وثقت المؤسسة قيام عسكريين تابعين للواء 444 بالاعتداء الجسدي على أحد المواطنين وسط مدينة ترهونة مساء يوم الخميس 28 مايو 2026.

وفي هذا الصدد، دعت المؤسسة إلى فتح تحقيق في ملابسات وظروف الواقعة وضمان ضبط ومحاسبة مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة، وإنهاء الإفلات منّ العقاب حيال هذه الممارسات غير المشروعة والخارجة عن القانون والانتهاكات الجسيمة، وتعمّد الإساءة والاعتداءات على المواطنين من قبل المنتمين إلى بعض الجهات الأمنية والوحدات العسكرية الغير منضبطة والتي تُسئ استعمال سلطاتها الممنوحة لها.

في السياق، انتقدت المؤسسة تعرض المتهم المطلوب لدي المحكمة الجنائية الدولية المتهم (سيف النصر سليمان سنيدل) للقتل خارج نطاق القانون في ظروف غامضة بمدينة بنغازي بشرق البلاد خلال الفترة الماضية.

وأضافت، حيثُ جرى اختطافه منّ قبّل مسلحين ملثمين منّ أمام منزله الكائن في مدينة بنغازي، وبعد ذلك وجدّت جُثته في مستشفى 1200 بالمدينة، وسط استمرار الصمت حيال مقتله والغموض وعدم الإفصاح عن الواقعة من قبل السلطات في شرق البلاد.

يُذكر أن المحكمة الجنائية الدولية قد أعلنت على رفع السرية في أغسطس/آب 2025 عن مذكرة التوقيف الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بحق سيف النصر سليمان سنيدل، أحد قادة “مجموعة الـ 50” التابعة للقوات الخاصة ضمن القوات المسلحة العربية الليبية، والمتهم بارتكاب جرائم حرب تشمل القتل والتعذيب والاعتداء على الكرامة الإنسانية، والتي يُزعم ارتكابها في مدينة بنغازي وضواحيها خلال عامي 2016 و2017م.

وشددت المؤسسة على أن عمليات اغتيال مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، ما هي إلا خطوة استباقية لطمس أدلة الإثبات ضد كبار المجرمين وداعميهم، وهو الأمر الذي يُخشى أن يكون جزءا من مخطط ممنهج لتصفية شهود الإثبات ضد كبار المجرمين المطلوبين للعدالة، وللعبث بالأدلة والتحقيقات الجنائيّة.

وطالبت المؤسسة مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في حوادث الاغتيالات والقتل خارج نطاق القانون التي نالت المتهمين المشتبه بهم في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والمطلوبين لدي المحكمة الجنائيّة الدولية، وهو ما يُعد محاولة لتعطيل وعرقلة سير العدالة، والبحث في خلفيات الأطراف التي تقف وراء هذه العمليات.

إشكالات سياسية

من جانب آخر، يرى الكاتب الصحفي والناشط السياسي الليبي محمد ألامين، أن رسالة الدبيبة إلى المحكمة الجنائية الدولية ليست حدثا قانونيا معزولا، ولا تفصيلا إداريا في دفتر الحكومة، بل يعكس فشلها في ضبط السلاح المنفلت، مما يدفع بها لفتح نافذة نحو الخارج واستدعاء القانون الدولي.

وذكر ألامين لـ “الاستقلال” أن خوف حكومة الدبيبة من خصومها، والاتجاه نحو الجنائية الدولية، فيه توريط لحلفائها.

ورأى أن ما يجري يؤكد أن الملفات الكبرى في ليبيا تحولت إلى أدوات ابتزاز، ومنها ملف الميليشيات، السجون، الجرائم، العاصمة، النفط، الشرعية، الجنائية الدولية وغيرها، حيث ظاهرها قانون وباطنها صراع على البقاء.

وقال ألامين: إن الجنائية لا تدخل بلدا منقسما كضيف محايد، بل تدخل ومعها العواصم والسفارات والتقارير والضغوط والمساومات وخرائط النفوذ، محذرا من كون الخطوة قد تفتح بابا واسعا للتدخل الأجنبي في ليبيا.

وأبرز ألامين أن هناك مفارقة قاتلة قائمة، قوامها أن السلطة التي تغذت على المليشيات تريد اليوم تخويفها بالقانون الدولي، والمليشيات التي حمت السلطة قد تكتشف أنها أول من سيُقدم قربانا عند تبدل الموازين.

أما المواطن، يردف الكاتب الصحفي، “فيُراد له أن يرى المشهد كأنه معركة بين العدالة والجريمة، بينما الحقيقة أعمق: إنها معركة بين دولة غائبة، وسلاح حاضر، وخارج ينتظر لحظة الدخول من الباب الذي يفتحه أهل البيت بأيديهم”.

وذكر المتحدث ذاته أن ما يجري ينقل القرار الليبي من الشارع والمؤسسات إلى غرف التفاوض الدولية، مما يحوّل العدالة إلى ورقة ضغط، والضحايا إلى لافتة، والدم إلى مادة تفاوض.

ويرى ألامين أن المتضرر من خطورة حكومة الدبيبة هو الليبي العادي، من يريد دولة لا وصاية، وقضاء لا انتقام، وعدالة لا تُستخدم موسميا، وسيادة لا تُباع عند أول ارتباك.

واسترسل: “المتضرر هو كل من يفهم أن استدعاء الخارج لحل أزمة الداخل لا ينهي الأزمة، بل يمنحها عمرا أطول ومالكا جديدا”، مشيرا إلى أن استدعاء الجنائية الدولية قد تفتحه مراسلة من ورق، لكن إغلاق خذا الباب لن يكون بسهولة.

التزام رسمي

أكدت المحكمة الجنائية الدولية في تقريرها الـ31 المقدم إلى مجلس الأمن الدولي في مايو 2026، إحراز تقدم ملموس في مسار التحقيقات الخاصة بليبيا، مشيرة إلى أن تسليم المتهم خالد محمد علي الهيشري مثّل أول عملية تسليم فعلية منذ إحالة الملف الليبي إلى المحكمة عام 2011.

وأوضح التقرير الذي جاء عقب إحاطة نائبة المدعي العام نزهة شميم خان أمام مجلس الأمن، أن الهيشري يواجه 17 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سجن معيتيقة، تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي بحق ليبيين ومهاجرين بين عامي 2014 و2020.

كما كشفت المحكمة عن استمرار ملاحقة عدد من المطلوبين، بينهم أسامة المصري نجيم، مع الإشارة إلى وجود تسعة أوامر قبض لم تُنفذ بعد.

وانتقد التقرير ضعف تعاون مكتب النائب العام في ليبيا، مؤكدا عدم تلقي المحكمة ردودا كافية بشأن ملفات ترهونة وسجن معيتيقة ومكان وجود بعض المطلوبين.

وفي المقابل، أشادت المحكمة بتعاون حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، مقدرة أن إعلان ليبيا قبول اختصاص المحكمة حتى عام 2027 منح دفعة جديدة للتحقيقات.

التقرير أشار أيضا إلى توسع التحقيقات في الجرائم المرتكبة ضد المهاجرين، بالتعاون مع دول أوروبية ووكالة يوروبول، وسط تأكيد المحكمة أن طريق الهجرة عبر المتوسط ما يزال الأكثر فتكا في العالم، مع تسجيل مئات الوفيات منذ بداية العام الجاري.

وفي ختام التقرير، أكدت المحكمة أنها تتجه نحو تسريع المحاكمات وطلب أوامر قبض جديدة، مع التركيز على الجرائم المرتبطة بالسجون والانتهاكات ضد المهاجرين والعمليات العسكرية التي شهدتها ليبيا بين 2014 و2020.

وخلال الدورة نفسها، نقل مندوب ليبيا بمجلس الأمن الطاهر السني رسالة الدبيبة إلى المحكمة الجنائية الدولية، أكد فيها التزام حكومته بتنفيذ قرار توسيع صلاحيات المحكمة وتمديد ولايتها إلى 2027.

وشدد السني أن “هذا القرار أدى إلى تعزيز حقوق الإنسان في كل أنحاء ليبيا دون استثناء، فكلّ مجرم متحصّن بات يفكّر عشرات المرات قبل تجاوز حدود إنسانية ضحاياه”.

ونبه إلى أن حكومة الوفاق تعمل حثيثا لتفكيك المجموعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، وضمان تجنّب إفلاتها من العقاب، وأنها تعمل لتعزيز أداء مؤسسات الدولة التي تحفظ كرامة المواطن وتلتزم بالقانون.

وأدان المصدر ذاته كل الجرائم من قتل وتعذيـب وإخفاء قسري التي ارتكبت السنوات الماضية، وأن الحكومة لن تألُو جهدا في محاسبة مرتكبيها لضمان مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.

__________________

من طرابلس إلى بنغازي.. كيف تعيد تركيا هندسة نفوذها في ليبيا؟ (2)

زيد سليم

الإعمار والطاقة

يفتح الاقتصاد بابا آخر لفهم التحول التركي. فمدن الشرق الليبي، وفي مقدمتها بنغازي والبيضاء ودرنة وطبرق، تحتاج إلى مشاريع واسعة في الطرق والمطارات والمستشفيات والبنية التحتية بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام. وفي هذا المجال تمتلك الشركات التركية خبرة طويلة في السوق الليبية، تعود إلى عقود القذافي وتمتد إلى مشاريع متعثرة بعد 2011، ما يجعل عودتها إلى الشرق جزءا من ذاكرة اقتصادية قديمة لا مغامرة طارئة.

قاد صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي المرتبط ببلقاسم حفتر هذا المسار عبر توقيع عقود مع شركات تركية لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، شملت بنى تحتية ومرافق عامة ومستشفيات. كما وقع الصندوق عقودا مع شركة تركية لتطوير أنظمة الملاحة والاتصالات في 7 مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. وتمنح هذه المشاريع تركيا حضورا يوميا داخل مناطق كانت محسوبة لسنوات على خصومها المباشرين، وتخلق شبكة مصالح تربط المقاولين والمسؤولين المحليين والمؤسسات الاقتصادية بأنقرة.

يحمل ملف الطاقة وزنا إضافيا في هذه المقاربة. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن وزير النفط والغاز الليبي خليفة عبد الصادق، خلال مؤتمر طرابلس للطاقة، أن تركيا مؤهلة للعب دور مهم في مناقصات النفط والغاز الأولى منذ 17 عاما، مشيرا إلى تعاون مع شركة البترول التركية لتنفيذ مذكرة تفاهم وقعت في يونيو/حزيران 2025 بشأن المسوحات السيزمية والحفر في مناطق واعدة. وفي فبراير/شباط 2026، كشف وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن بلاده حصلت على حقوق استكشاف في حقلي نفط وغاز ليبيين بنسبة 40%، بالشراكة مع شركة ريبسول الإسبانية، ضمن استراتيجية تركية للتوسع الخارجي في قطاع الطاقة.

بهذا المعنى، لا تنفصل المصالح الاقتصادية عن الحسابات السياسية. فتركيا تعرض على الشرق الليبي حزمة تتجاوز الاتفاق البحري، تشمل شركات البناء وخطوط الطيران والحضور القنصلي والتعاون الأمني وفرص التدريب والتسليح والطاقة. أما معسكر حفتر، فيرى في هذه الحزمة فرصة لجذب استثمارات، وتنويع علاقاته، وتقديم نفسه كسلطة قادرة على إدارة مشاريع كبيرة، لا كقوة عسكرية فقط.

لكن هذا الباب يحمل مخاطر واضحة. فاقتصاد الإعمار في الشرق الليبي يتحرك داخل بيئة محدودة الشفافية، تتداخل فيها شبكات السلطة العائلية والعسكرية مع المال العام، وتضعف فيها الرقابة المؤسسية الموحدة. وإذا ارتبطت المشاريع التركية بمراكز نفوذ عائلية أكثر من ارتباطها بمؤسسات ليبية جامعة، فقد تتحول لاحقا إلى عبء سياسي على صورة تركيا لدى قطاعات ليبية واسعة.

الجيش والسياسة

تدرك تركيا أن ليبيا لا تدار بالدبلوماسية وحدها. فمنذ تدخلها العسكري عام 2020 إلى جانب حكومة الوفاق، بنت أنقرة حضورها عبر التدريب والتسليح والاستشارات والوجود العسكري القانوني المرتبط باتفاقات 2019. واليوم تستخدم الأدوات نفسها للانتقال من دعم طرف واحد إلى محاولة التأثير في بنية عسكرية ليبية أوسع.

حافظت أنقرة على قاعدة تموضعها في الغرب. ففي يوليو/تموز 2025، وقعت وزارة الدفاع التركية مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس اتفاقية تعاون عسكري تشمل التدريب وتبادل الخبرات والدعم اللوجستي بهدف تطوير قدرات الجيش. وفي يناير/كانون الأول 2025، وافق البرلمان التركي على تمديد تفويض وجود القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين ابتداء من يناير/كانون الثاني 2026. وتؤكد هذه الخطوة أن أنقرة لا تستبدل طرابلس ببنغازي، وإنما توسع هامشها الليبي مع تثبيت نقطة ارتكازها القديمة.

في الوقت نفسه، فتحت تركيا قنوات عسكرية مع الشرق. زار وفد عسكري من معسكر حفتر معرض الصناعات الدفاعية في إسطنبول، والتقى مسؤولين في قطاع الدفاع التركي، وتحدثت تقارير عن ترتيبات محتملة تشمل تدريب 1500 عنصر من قوات حفتر وتوفير معدات متطورة. كما أشارت تقارير أخرى إلى تسليم طائرات مسيرة تركية لقوات الشرق في صيف 2025، ضمن تحرك دبلوماسي أوسع يستهدف كسب تأييد أو حياد بنغازي في ملف الاتفاق البحري.


بلغ هذا المسار ذروته الرمزية في مناورات EFES 2026 على ساحل إيجة. شاركت قوات ليبية من الشرق والغرب في التدريبات تحت علم واحد، بواقع 331 جنديا من الشرق و171 من الغرب، ضمن مشاركة ليبية بلغت 502 عنصر. قدمت وزارة الدفاع التركية المناورات بوصفها تعبيرا عن رؤية “ليبيا واحدة وجيش واحد”، وهي صيغة تمنح أنقرة غطاء سياسيا للتعامل العسكري مع الطرفين من دون الظهور كقوة تدعم انقساما جديدا.

تكتسب هذه المحطة أهمية خاصة لأن فكرة جمع الشرق والغرب عسكريا بدأت تظهر أيضا في تدريبات أخرى مثل “فلينتلوك” بقيادة القيادة الأميركية في أفريقيا داخل ليبيا. لكن تركيا تمتلك ميزة مختلفة، فهي قوة لها وجود فعلي في ليبيا، وخبرة تدريب وتسليح، وعلاقات عملياتية مع الغرب، وبدأت في الوقت نفسه بناء قنوات مع الشرق. وإذا تطور هذا المسار، فقد تصبح أنقرة طرفا مؤثرا في أي ترتيبات مستقبلية لتوحيد المؤسسة العسكرية أو ضبط توازناتها.

يبقى الشق العسكري أكثر الملفات حساسية. فالطائرات المسيرة التركية ساهمت سابقا في وقف تقدم حفتر نحو طرابلس، وأي تعاون دفاعي مع معسكره سيحمل دلالة رمزية كبيرة لدى القوى الغربية الليبية. لذلك تحتاج أنقرة إلى توازن دقيق بين تطمين طرابلس، وإقناع بنغازي بجدية الانفتاح، وطمأنة مصر تجاه حدودها الغربية، وتقديم نفسها للغرب بوصفها قادرة على تقليص النفوذ الروسي والمساهمة في الاستقرار، لا تعميق الانقسام.

حسابات حفتر

من زاوية بنغازي، يحمل الانفتاح على تركيا قدرا كبيرا من البراغماتية. فخليفة حفتر، الذي تجاوز الثمانين، يدير مرحلة حساسة من ترتيب النفوذ داخل معسكره. صعود أبنائه صدام وخالد وبلقاسم إلى مواقع عسكرية واقتصادية يعكس اتجاها نحو توريث النفوذ داخل بنية شديدة القوة في الشرق الليبي، تجمع بين السلاح والمال والإدارة المحلية والعلاقات الخارجية.

يمثل صدام حفتر عنصرا مركزيا في هذا التحول. فهو أحد أبرز وجوه الجيل الصاعد داخل معسكر الشرق، وتحركاته الخارجية ولقاءاته في تركيا تعكس محاولة لتسويق قيادة جديدة قادرة على مخاطبة العواصم المؤثرة والتفاوض باسم القوة القائمة في بنغازي. بالنسبة إلى أنقرة، يتيح التعامل معه قناة مباشرة مع مركز قرار صاعد، وفرصة لاختبار حدود التعاون الدفاعي، ومدخلا مبكرا إلى ترتيبات ما بعد حفتر الأب.

تحمل هذه القناة إشكالاتها أيضا. فقد ارتبط اسم صدام حفتر بتشكيلات عسكرية متهمة بانتهاكات واسعة، كما يثير صعود أبناء حفتر مخاوف من تحويل شرق ليبيا إلى نظام عائلي مسلح. غير أن السياسة الخارجية في الساحات المنقسمة كثيرا ما تتحرك بين معيار الشرعية وموازين القوة. ومن هذا الباب تتعامل تركيا مع معسكر حفتر بوصفه واقعا لا يمكن تجاوزه في أي هندسة ليبية مقبلة.

يمنح الانفتاح على تركيا معسكر حفتر أوراقا متعددة. فهو يرسل رسالة إلى مصر والإمارات وروسيا بأنه قادر على تنويع خياراته، ويقول للعواصم الغربية إن بنغازي منفتحة على شريك من حلف الناتو، ويضغط على طرابلس عبر إظهار أن الحليف التركي التاريخي لم يعد محصورا في الغرب. كما يمنحه فرصة لتحسين موقعه في أي تسوية سياسية أو أمنية قادمة، خصوصا مع عودة الاهتمام الأميركي والأوروبي بترتيبات تقاسم السلطة وتوحيد المؤسسات.

روسيا والفراغ

يرتبط التحول التركي أيضا بتغير موقع روسيا في ليبيا. فقد ظلت موسكو لسنوات الداعم الخارجي الأبرز لمعسكر حفتر عبر مجموعة فاغنر ثم “الفيلق الأفريقي”، وعبر حضور عسكري ولوجستي جعل شرق ليبيا قاعدة مهمة لنفوذها في المتوسط والساحل الأفريقي. غير أن الحرب في أوكرانيا منذ 2022 استنزفت جزءا كبيرا من الموارد الروسية، ودفعت موسكو إلى إعادة ترتيب أولوياتها وانتشارها الخارجي.

تضيف التحولات في سوريا بعد سقوط النظام السابق هناك بعدا آخر لأهمية ليبيا في الحسابات الروسية. فموسكو باتت تنظر إلى الشرق الليبي بوصفه منصة عبور نحو أفريقيا والساحل، وورقة ضغط في المتوسط، ومجالا لتعويض ضغوط أو خسائر في ساحات أخرى. لذلك ما زال الحضور الروسي قائما ومؤثرا، حتى مع اتساع حالة عدم اليقين حول قدرته على احتكار نفوذ حفتر كما في السابق.

تفتح هذه الحالة مساحة أمام تركيا. فأنقرة لا تدخل شرق ليبيا لإزاحة روسيا مباشرة، وإنما لتقاسم المساحة معها أو موازنتها أو منعها من احتكار القرار في بنغازي. وهذا النمط مألوف في العلاقة التركية الروسية، حيث يتنافس الطرفان ويتفاهمان في الوقت ذاته، من سوريا إلى القوقاز والبحر الأسود وليبيا. وكلما امتلكت تركيا موطئ قدم داخل مناطق نفوذ روسية تقليدية، ازداد وزنها التفاوضي مع موسكو.

أما معسكر حفتر، فيستفيد من هذا التنافس لتعظيم هامش المناورة. فالعلاقة مع روسيا وفرت له دعما عسكريا مهما، لكنها لا تمنحه وحدها شرعية دولية أو مشاريع إعادة إعمار أو علاقات مريحة مع الغرب. أما تركيا فتقدم له شريكا من الناتو، وصناعة دفاعية صاعدة، واقتصادا مقاولاتيا واسع الخبرة، وعلاقة قائمة مع طرابلس يمكن توظيفها في المساومات الليبية الداخلية.

معادلة المتوسط

لا ينفصل الانفتاح التركي على بنغازي عن تحسن العلاقات بين أنقرة والقاهرة. فقد كانت مصر خلال سنوات الحرب أبرز داعم إقليمي لمعسكر حفتر، ونظرت إلى الوجود العسكري التركي في غرب ليبيا بوصفه تهديدا لأمنها القومي وحدودها الغربية. لكن مسار المصالحة التركية المصرية خفف حدة العداء، وفتح المجال أمام مقاربات أقل تصادمية في ليبيا.

تدرك تركيا أن أي تقارب جدي مع حفتر يحتاج إلى حد أدنى من عدم الاعتراض المصري. وتدرك مصر أن التواصل التركي مع بنغازي قد يكون وسيلة لضبط اندفاعة أنقرة بدل تركها خارج الحسابات، بشرط ألا يتحول إلى وجود عسكري يغير ميزان القوة قرب حدودها. ومن ثم تحاول أنقرة تقديم نفسها كفاعل قابل للتفاهم، لا كقوة اقتحامية كما ظهرت خلال ذروة معركة طرابلس.

أما اليونان، فهي الطرف الأكثر قلقا من أي تغير في موقف الشرق الليبي من مذكرة 2019. إذ بنت أثينا جزءا مهما من اعتراضها على أن الاتفاق التركي الليبي لا يحظى بموافقة مجلس النواب في طبرق. وإذا بدأ هذا المجلس بمراجعة موقفه أو بفتح نقاش فني حول المذكرة، فإن الحجة السياسية اليونانية ستتراجع، حتى مع استمرار الخلاف القانوني. لذلك تحاول اليونان بدورها تنشيط قنواتها مع الشرق والغرب الليبيين، وتستخدم ملفات الهجرة وخفر السواحل والطاقة لترميم موقعها.

حدود الاندفاع

تبدو الاندفاعة التركية نحو شرق ليبيا واسعة في أدواتها، لكنها تتحرك داخل حدود معقدة. فالانقسام الليبي ما زال قائما، وأي تفاهم مع بنغازي يبقى عرضة للاهتزاز إذا تغيرت موازين القوى داخل الشرق، أو انفجر التنافس بين أبناء حفتر وحلفائه، أو تبدلت حسابات القوى الخارجية الداعمة له. كما أن حكومة طرابلس، رغم ضعفها وصراعاتها الداخلية، تظل الحكومة المعترف بها دوليا، وتستند إليها الاتفاقات التي منحت تركيا حضورها القانوني والسياسي والعسكري في ليبيا. لذلك يصعب على أنقرة توسيع علاقتها بالشرق بطريقة تضعف الأساس الذي بنت عليه نفوذها في الغرب.

تفرض البيئة الإقليمية بدورها قيودا واضحة على الحركة التركية. فمصر تنظر إلى شرق ليبيا بوصفه امتدادا مباشرا لأمنها القومي وحدودها الغربية، وستتعامل بحذر مع أي حضور تركي واسع في بنغازي إذا بدا قادرا على تغيير توازن القوة قرب مجالها الحيوي. أما اليونان، فسترى في أي تقارب بين أنقرة وطبرق تهديدا مباشرا لموقفها في شرق المتوسط، خصوصا إذا اقترب مجلس النواب الليبي من مراجعة موقفه من مذكرة 2019 البحرية.

كما يصطدم شعار “ليبيا واحدة وجيش واحد” بواقع عسكري شديد التشظي. فالمؤسسة العسكرية الليبية ليست جسما موحدا ينتظر التدريب، وإنما شبكة واسعة من القوى المحلية والجهوية والقبلية والاقتصادية، تتداخل فيها مراكز التمويل والسلاح والولاءات الخارجية. ومن ثم، فإن جمع عناصر من الشرق والغرب في مناورات داخل تركيا يفتح قناة اتصال عملياتية مهمة، لكنه لا يكفي لصناعة جيش وطني جامع. يحتاج هذا المسار إلى إرادة ليبية أوسع، وتفاهمات دولية أكثر صلابة، وبيئة سياسية تسمح بتحويل التدريب المشترك إلى بناء مؤسسي مستدام.

تتحرك أنقرة فوق هذا الحقل الحساس بمنطق الموازنة. فهي تريد طمأنة طرابلس إلى أن حضورها في الغرب قائم، وإقناع بنغازي بأن الانفتاح عليها جدي، وتهدئة مخاوف القاهرة، والحد من اعتراض أثينا، وتقديم نفسها للغرب بوصفها قوة قادرة على موازنة النفوذ الروسي والمساهمة في ضبط المشهد الليبي. غير أن تعدد الرسائل يزيد صعوبة المهمة، لأن كل خطوة تركية تجاه طرف قد تقرأها الأطراف الأخرى باعتبارها خصما من رصيدها أو تهديدا لموقعها.

_______________

(الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون)!

فضيل الأمين 

عبارة تتكرر باستمرار… «الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون» يكررها الدبلوماسيون والمبعوثون والمندوبون والسفراء وحتى الزوار في بعض الأحيان عندما يزورون ليبيا أو يجتمعون لمناقشة ملف «ليبيا» فيما بينهم.

أما الليبيين فلهم تعبير آخر بنفس المعنى هو «الحل الليبي-الليبي».

ونحن بين العبارتين نسأل: ما معنى «يجب أن يقوده الليبيون»؟ ما هو معنى القيادة؟ ومن هم الليبيون الذين سيقودون؟ وهل سيقودون الحل أم سيقودون الليبيين؟

هل طرح مبادرات من بعض الدول بمسارات معينة وأدوات معينة تتجاوز المؤسسات الليبية يتماشى مع عبارة «الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون»،

أم يتماهي بدقة أكثر مع عبارة «الحل في ليبيا يجب أن يقوده ليبيون» بدون «أل» التعريف، أي يقوده بعض الليبيين بعينهم؟

وهل ذلك هو الحل فعلاً أم هو دفع غير مباشر أو مؤجل لصراع أو صدام دموي وخطير جديد كان يمكن تجاوزه أو كان مؤجلاً فقط.

وما معنى عبارة «الحل الليبي-الليبي» ولماذا تتكرر كلمة الليبي أكثر من مرة؟ ولماذا مرتان فقط؟ هل المشكلة هي أزمة بين طرفين ليبيين؟ أم صراع بين منطقتين أو إقليمين؟ ولماذا لا نقول «الحل الليبي» فقط؟

وما معنى الحل الليبي؟ هل هو حل تقوده مؤسسات الدولة المختصة بمعالجة الأزمات والمشاكل التي تحتاج إلى حلول؟ هل كلمة الليبي-الليبي تعني الرمزية فقط أم المؤسسات الليبية؟ أم تعني غياب الأجنبي أو استبعاده كائناً من كان؟

وماذا لو فشلت المؤسسات المعنية بالحلول في الحل الليبي بالقيام بمهمتها «الليبية-الليبية»؟ ماذا لو أصبحت هذه المؤسسات أو حتى الشخصيات هي فعلياً المعرقلة لـ«الحل الليبي-الليبي»؟

هل بعض الشخصيات التي تصرخ: نريد حلاً ليبياً-ليبياً، تعني المؤسسات الليبية أم تعني ذواتها بالتحديد؟

ولماذا فشل الليبيون في الوصول إلى حل خلال كل هذه السنوات، بل أصبح بعضهم هم الأزمة أو رجال الأزمة؟

هل سنضطر إلى أن نستنجد بالأجانب أو نطلب من الأمم المتحدة أن تلعب دور الوسيط؟
وهل عندما تلعب الأمم المتحدة دور الوسيط، هي تُفعّل «حلاً يقوده الليبيون» أم حلاً يقوده الأجانب عبر الأمم المتحدة، والليبيون سيكونون ضيوفاً على الوساطة؟

وهل إذا قاده الليبيون عبر وساطة الأمم المتحدة سيقبل به الليبيون ويعتبرونه حلاً ليبياً-ليبياً بوساطة أممية، أم سيطعنون فيه إذا لم يكن 100% يتماهى مع ما يريدون ويرغبون؟

نسبة معتبرة من الليبيين فقدت الأمل في قدرة الليبيين الذاتية على صناعة حل للأزمة الليبية من قِبل المؤسسات والسلطات الليبية المنقسمة.

ولهذا نجدهم يلقون باللائمة على «المجتمع الدولي». وعبارة المجتمع الدولي الفضفاضة أصبحت شعاراً لتنصل الليبيين من مسؤوليتهم تجاه أزمتهم.

فعلياً وعملياً ليس هناك مجموعة أو تكتل اسمه «المجتمع الدولي». هناك دول جوار ودول إقليمية ودول غير إقليمية ودول كبرى ودول أصغر، ودول متداخلة في الملف الليبي منذ 2011 بغض النظر عن حجمها أو قربها.

وهناك دول دخلت المشهد الليبي في 2014، وأخرى دخلت في 2019. ولكل منها مصالحها ومقارباتها التي قد تتماهى في لحظة مع دول أخرى أو تصطدم بها.

وهناك الأمم المتحدة التي يزداد تدخلها ودورها كلما يزداد الشقاق والصراع والحروب والانقسام بين الليبيين.

الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن لها ولاية محددة على ليبيا منذ 2011، وهذه الولاية ليست انتداباً ولا ولاية بقبعات زرقاء ولا تدخلاً عسكرياً مباشراً. ولايتها سياسية دبلوماسية للتيسير والمساعدة دون الفرض والإجبار.

ولهذا رفض بعض الليبيين حكومة السراج التي جاءت بتيسير من البعثة الأممية وقرارات مجلس الأمن، واستمر الرفض إلى حين اندلاع حرب 2019، دونما أن تتدخل الأمم المتحدة لفرض تلك المخرجات أو الحكومة على من رفضها.

كما لاحظنا أيضاً تقلباً في مواقف بعض الدول التي كانت مع مخرجات الأمم المتحدة في البداية ثم انقلبت عليها، ودولاً أخرى كانت ضد المخرجات ثم دعمتها.

اندلاع الحرب على طرابلس في 2019 استدعى تدخلاً دولياً بعد فترة طويلة عبر مسار برلين ومجلس الأمن، الذي ساهم في اتفاق وقف إطلاق النار بين الأطراف، والذي لا يزال سارياً حتى اليوم.

السؤال المحوري اليوم للجميع له شطران:

الشطر الأول: هل العبارة الدبلوماسية المتكررة من الأطراف الدولية بملكية الليبيين للحل وقيادتهم له يكمن وراءها إخلاص ويقين بذلك ممن تصدر منهم، أم أنها للاستهلاك المحلي والدبلوماسي من باب «لزوم الشغل» ليس إلا؟

وإذا كانت صدقية وإخلاصاً ويقيناً، فإلى أي حد قامت تلك الأطراف الدولية بدعم هذه العبارة أو المبدأ عملياً بالعمل المباشر مع المؤسسات الليبية ذات الشأن أو اتخذت بعض الإجراءات الضاغطة أو المواقف العقابية تجاه المعرقلين والمفسدين؟

أما الشطر الثاني: فهو لمن ينادي بالحل الليبي-الليبي.

هل يقصد بذلك المؤسسات الليبية على الرغم من كل علاتها؟ أم يقصد مجموعات وأفراداً من الليبيين ليسوا ذوي قرار أو سلطة حاكمة مبنية على المرجعية الدستورية التي تمنح المسؤولية والصلاحية لهذه المؤسسات لصناعة الحل الليبي-الليبي بناءً على المرجعيات الليبية؟

وإذا كان الجواب بنعم، ولكن المؤسسات تقاعست لسبب أو لآخر، هل قام هؤلاء بالضغط والتحريض والتشاور مع بقية القوى الليبية ليس من أجل استبدال أنفسهم بدل هذه المؤسسات، ولكن من أجل دفعها إلى الالتزام بمصلحة البلاد وتنفيذ الحل الليبي-الليبي؟

للأسف لم نشاهد اعتصامات أو مظاهرات أو حملات ضغط على هذه المؤسسات، أو على الأقل على المعرقل أو المتقاعس منها، من قبل دعاة الحل الليبي-الليبي.

بل ما وجدناه هو المسارعة في تجاوزها وطرح بدائل أخرى تعتمد كلها على شرعية وصلاحية الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا. حيث يطالبون البعثة بـ«لجنة حوار» جديدة تنشئها البعثة الأممية، وآخرون يطالبون بـ«مؤتمر تأسيسي» تؤسسه البعثة الأممية.

وهذه المطالبات كلها تصب خارج الحل الليبي-الليبي. ليس ذلك فحسب، بل حينها يبدأ الصراع والتطاحن على من يكون في لجان الحوار الأممية، وفي حالة الاتجاه نحو مؤتمر تأسيسي، من سيكون عضواً في هذا المؤتمر؟

وما إن تنطلق سوق عكاظ حتى تبدأ المساومات والصراعات والرشاوي من أجل شراء الكراسي.

ومن ينجح من هؤلاء المطالبين سَيُسبّح بحمد الأمم المتحدة، ومن يفشل في الوصول يتحول إلى سيف مسلط على البعثة والفكرة والمشروع، وسيرفض كل مخرجاته ويطعن في كل المشاركين بطريقة أو بأخرى.

وعلمتنا التجربة أيضاً أن مخرجات أي حوار أممي يقوده الليبيون وتديره الأمم المتحدة ستكون نتيجتها عند التنفيذ الفشل الجزئي في أفضل الأحوال.

كما فشل حوار الصخيرات في توحيد البلاد بعد رفض أطراف لمخرجاته، ثم عادت بعد سنوات واعترفت بها.

وكما فشل حوار جنيف في تحقيق الوحدة على الرغم من تسليم الشرق الليبي للسلطة الموازية وإنهائها، ولكن السلطة في طرابلس كانت تبحث عن نموذج حكومة سلطة في طرابلس كما كان الحال من قبل ولكن بطريقة محسنة، وانقلبت على شريكها في الشرق وعلى مجلس النواب الذي منحها الثقة.

كما فشلت في تحقيق الانتخابات التي كانت الجزء الأساسي من المهمة.

ماذا يعني ذلك؟ يعني أن المشكلة ليست في المصطلح الوهمي «المجتمع الدولي»، وليست في البعثة التي لا تملك آليات الفرض والإرغام والإلزام. والمعرقلون والفاسدون والمستفيدون من الأزمة يعرفون ذلك جيداً.

ويعني ذلك أن الحل الليبي-الليبي يجب أن يُعرّف بأنه حلّ تنتجه المؤسسات الليبية، وليس الأطراف الليبية، وليس الشخصيات الليبية، وليس القوى على الأرض، وليس المعرقلين.
إنها المؤسسات الليبية، على ضعفها وارتهان بعض من فيها لمراكز قوى معينة أو للمصالح الآنية، فهي لا تزال تملك الشرعية الدستورية والملكية القانونية والاعتراف الدولي بأنها صانعة القرار إلى يُجرى انتخابات وطنية رئاسية وتشريعية.

كما أن الحل الليبي-الليبي لا يمكن أن يكون حلاً لبعض الليبيين دون غيرهم.
فالوطن يتسع للجميع، والأزمة مست الجميع، وبالتالي فإن معالجتها تقتضي مشاركة الجميع.

لا إقصاء لأحد ولا احتكار لأحد ولا وصاية لأحد على ليبيا أو على الليبيين. وكل القوى والتيارات والمناطق والمكونات السياسية والاجتماعية مدعوة للمشاركة في صناعة الحل ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية.

فالقاعدة الصحيحة ليست من يحضر ومن يُقصى، بل أن يشارك الجميع إلا من قرر بنفسه أن يقصي نفسه من الحوار والمسار الوطني

السؤال هو: هل يمكن لهذه المؤسسات أن تعمل؟

نعم، إذا قام الشعب والناشطون والمؤمنون بالحل الليبي-الليبي بدورهم. دور الضاغط.
دور المُحرِّض. دور الغاضب. دور المهدِّد سياسياً وسلمياً لهذه المؤسسات. لا بد أن تسمع هذه المؤسسات صوت الشعب. لا بد أن تخاف وأن تُذعن لإرادة الشعب.

_______________

من طرابلس إلى بنغازي.. كيف تعيد تركيا هندسة نفوذها في ليبيا؟ (1)

زيد سليم

رست الفرقاطة التركية “قنالي أدا” في ميناء بنغازي، يوم أغسطس/آب 2025، فبدت الصورة القادمة من شرق ليبيا أقرب إلى إعلان سياسي مكثف منها إلى زيارة بحرية عابرة؛ سفينة من البحرية التركية، ووفد عسكري، واستقبال يتقدمه صدام حفتر، نجل خليفة حفتر وأحد أبرز وجوه الصعود داخل معسكر الشرق، في مدينة ارتبط اسمها لسنوات بمعسكر واجه أنقرة مباشرة على أبواب طرابلس.

بعد ساعات، اكتمل معنى المشهد بلقاء رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن مع خليفة حفتر في بنغازي، في أول اتصال بهذا المستوى بين أنقرة وقيادة الشرق الليبي منذ سنوات طويلة. كانت تركيا، قبل 5 أعوام فقط، قد تدخلت عسكريا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، وساهمت طائراتها المسيرة وخبراتها العسكرية ودعمها البحري في وقف هجوم قوات حفتر على طرابلس. أما بنغازي، التي كانت يومها في قلب المعسكر المناهض لأنقرة، فقد تحولت في 2025 إلى محطة اتصال سياسي وأمني وعسكري واقتصادي متدرج.

تكثف هذه الصورة ملامح التحول التركي الجديد في ليبيا. فأنقرة التي بنت حضورها الليبي الحديث على دعم حكومة طرابلس ومذكرتي التفاهم الأمنية والبحرية الموقعتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بدأت تعيد صياغة مقاربتها على قاعدة أوسع من الرهان على الغرب الليبي وحده. انتقلت تركيا من الارتكاز على شريك واحد إلى إدارة نفوذ موزع بين طرابلس وبنغازي، ومن حماية مكاسبها عبر حكومة الغرب إلى تثبيتها داخل معادلة ليبية أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية والموارد الاقتصادية والشرعية السياسية والقدرة على التعطيل.

تحتل مذكرة التفاهم البحرية موقعا مركزيا في هذا التحول. فقد منحت تلك الوثيقة أنقرة منفذا قانونيا وسياسيا واسعا في شرق المتوسط، وكسرت محاولات عزلها عن خرائط الغاز والطاقة التي دفعت بها اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل خلال العقد الماضي. ومع استمرار الانقسام الليبي بين مؤسسات الغرب والشرق، أدركت تركيا أن حماية هذا المكسب لا تستقر عبر طرابلس وحدها، ما دامت بنغازي وطبرق تمسكان بجزء مهم من الأرض والساحل والقرار العسكري والسياسي.

وتبدو ليبيا بالنسبة إلى تركيا ساحة لإعادة هندسة النفوذ أكثر من كونها ملفا للمصالحة الثنائية مع معسكر سابق الخصومة، فأنقرة تسعى إلى تثبيت ما ربحته في طرابلس عبر فتح أبواب بنغازي، وإلى تحويل حضورها الليبي من تحالف اضطراري فرضته الحرب إلى شبكة مصالح عابرة للانقسام الليبي. وبين الضفتين، تتحرك السياسة التركية اليوم بمنطق أكثر براغماتية، يربط الأمن بالبحر، والطاقة بالشرعية، والعلاقات مع الفاعلين المحليين بحسابات المنافسة الإقليمية والدولية.

تحول محسوب

منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، بقيت ليبيا ساحة مفتوحة لتنافس داخلي وخارجي متشابك، ومع انقسام البلاد بين سلطتين في الشرق والغرب منذ 2014، وجدت تركيا موقعها الأقرب إلى طرابلس، بينما تحرك خليفة حفتر ضمن شبكة دعم إقليمية ودولية ضمت مصر والإمارات وروسيا بدرجات متفاوتة. وحين أطلقت قواته هجومها على العاصمة في أبريل/نيسان 2019، تعاملت أنقرة مع المعركة بوصفها لحظة فاصلة تهدد حليفها الليبي ومصالحها الناشئة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.

جاء التدخل التركي مطلع 2020 ليقلب ميزان المعركة، إذ قدمت أنقرة لحكومة الوفاق دعمًا عسكريًا وتدريبيًا وتقنيًا، وأسهمت الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والخبراء العسكريون في وقف تقدم قوات حفتر نحو طرابلس. انتهى الهجوم إلى خطوط تماس جديدة، ثم إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2020. ومنذ تلك اللحظة، ثبتت تركيا حضورها في الغرب الليبي عبر التدريب والاستشارات والتعاون الأمني والحضور البحري والعسكري، مستندة إلى اتفاق أمني وعسكري ومذكرة بحرية استراتيجية وقعتها مع حكومة الوفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

غير أن التوازن الذي حمى طرابلس لم يُمكّن ليبيا من الوحدة، إذ بقيت البلاد مقسومة بين حكومتين ومؤسستين عسكريتين ونفوذين خارجيين متقابلين. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القسمة إلى معادلة ضاغطة على أنقرة. فحكومة طرابلس، رغم اعتراف المجتمع الدولي بها، ظلت محكومة بتحالفات محلية متغيرة وصراعات داخلية متكررة. أما الشرق الليبي، فقد احتفظ بكتلة عسكرية وسياسية متماسكة نسبيًا، وبنفوذ واسع في بنغازي وطبرق والجنوب ومحيط الهلال النفطي، وبقدرة عملية على تعطيل أي تسوية أو اتفاق جامع.

هنا بدأت تركيا تتعامل مع الواقع الليبي ببراغماتية أوسع؛ فالشرعية تمنح طرابلس الغطاء القانوني، لكن السيطرة على الأرض والموارد ومفاصل القرار في الشرق تمنح معسكر حفتر وزنًا لا يمكن تجاوزه. ومن ثم، بدت مكاسب تركيا في الغرب الليبي ناقصة ما دام الشرق خارج حساباتها. فمجلس النواب في طبرق لم يصادق على مذكرة 2019 البحرية، وقوات حفتر تسيطر على مساحات واسعة من الجغرافيا الليبية، وأي ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية طويلة الأمد تحتاج إلى قناة مفتوحة مع بنغازي وطبرق.

من هذا المدخل يمكن فهم التحرك التركي خلال 2025 و2026، فقد انتقلت أنقرة من إدارة خصومة صلبة مع الشرق إلى احتواء هذه الخصومة وفتح مسارات اتصال متدرجة معه. أرادت تركيا الحفاظ على طرابلس داخل دائرة نفوذها، وفي الوقت نفسه منع بنغازي من التحول إلى منصة دائمة لمعاداة مصالحها في شرق المتوسط. كما سعت إلى توسيع أدواتها من الدعم العسكري المباشر إلى شبكة أوسع تشمل الأمن والدفاع والطاقة وإعادة الإعمار والملاحة والتدريب، والاتصالات السياسية.

بدأت مقدمات هذا التحول قبل 2025. ففي فبراير/شباط 2024، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده ستعيد فتح قنصليتها في بنغازي، مؤكدًا رغبة أنقرة في العمل مع شرق ليبيا وغربها من أجل الاستقرار. وفي يناير/كانون الثاني 2025، استأنفت الخطوط الجوية التركية رحلاتها إلى بنغازي للمرة الأولى منذ 10 أعوام، بواقع 3 رحلات أسبوعيًا، في خطوة حملت بعدًا اقتصاديًا ورمزيًا يتجاوز حركة الطيران ذاتها. فالرحلات المنتظمة تعني إعادة وصل المدينة بالفضاء التركي، وفتح الباب أمام رجال الأعمال والوفود الفنية وشركات الإعمار.

في موازاة ذلك، ظل ملف الطاقة حاضرًا في خلفية التحرك التركي. فقد وقعت أنقرة مع طرابلس في أكتوبر/تشرين الأول 2022 مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الهيدروكربونات، بعد مذكرة ترسيم الحدود البحرية لعام 2019. رفض البرلمان الشرقي هذه التفاهمات واعتبرها غير ملزمة، غير أن أنقرة تعاملت مع الرفض بوصفه دافعًا إضافيًا لفتح قناة مع طبرق وبنغازي، لا سببًا للاكتفاء بالغرب. فحماية الاتفاقات البحرية والطاقة تحتاج إلى تهدئة الجبهة الشرقية، أو على الأقل تقليص قدرتها على إسقاط المكاسب التركية سياسيًا وقانونيًا.

في أبريل/نيسان 2025، دخل المسار مرحلة أكثر وضوحًا مع زيارة صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائب قائد قواته، إلى أنقرة. التقى صدام وزير الدفاع التركي يشار غولر وقائد القوات البرية الجنرال سلجوق بايراقدار أوغلو، وجرى الحديث في تقارير دفاعية عن تعاون عسكري محتمل يشمل الطائرات المسيّرة والتدريب والتجهيز. وفي الفترة نفسها، زار وفد من مجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح تركيا، في مؤشر على أن التواصل لم يعد مقتصرًا على القنوات الأمنية، إنما بدأ يمتد إلى الواجهة السياسية التي تملك مفتاحًا أساسيًا في ملف المصادقة على الاتفاقات.

بالتوازي، فتحت إعادة الإعمار بابا اقتصاديا واسعا أمام الشركات التركية في الشرق. ففي أبريل/نيسان 2025، أعلن صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي، الذي يديره بيلقاسم حفتر، توقيع عقود مع شركتين تركيتين لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، تشمل تطوير البنية التحتية وإنشاء مستشفيات. ووقع الصندوق لاحقًا عقودًا مع شركة تركية أخرى لتركيب أنظمة ملاحة واتصالات في 7 مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. منحت هذه العقود تركيا منفذًا اقتصاديًا داخل مناطق كانت حتى وقت قريب محسوبة على خصومها المباشرين.

وتظهر هذه المحطات أن السياسة التركية في ليبيا دخلت طورًا أكثر تعقيدا ومرونة، فأنقرة تحتفظ بقاعدتها الأساسية في طرابلس ومصراتة، وتواصل الاستفادة من اتفاقات 2019، لكنها توسع في الوقت ذاته هامش الحركة باتجاه بنغازي وطبرق. وتدرك أن تثبيت مصالحها في البحر والطاقة والإعمار والتدريب العسكري يحتاج إلى شبكة علاقات عابرة للانقسام الليبي، لا إلى تموضع أحادي داخل غرب البلاد.

ويمثل الانفتاح على معسكر حفتر تحولًا محسوبًا في أدوات السياسة التركية لا انقلابًا على مرتكزاتها. فتركيا تسعى إلى تحويل حضورها من اصطفاف فرضته معركة طرابلس إلى نفوذ موزع على الضفتين، ومن علاقة محكومة بمنطق الحرب إلى شبكة مصالح قادرة على الصمود وسط الانقسام الليبي. وبين طرابلس وبنغازي، تعمل أنقرة على حماية ما ربحته في الغرب عبر فتح أبواب الشرق، وعلى منع خصوم الأمس من امتلاك حق النقض الكامل على مستقبل مصالحها في ليبيا وشرق المتوسط.

دوافع التحول التركي

تتحرك تركيا في شرق ليبيا اليوم من موقع الدولة التي تريد حماية مكاسبها القديمة وفتح أبواب جديدة في الوقت نفسه، فقد دخلت أنقرة المعادلة الليبية الحديثة عبر طرابلس، وبنت حضورها على اتفاقات 2019 الأمنية والبحرية، ثم اكتشفت مع امتداد الانقسام أن الغرب الليبي يمنحها الشرعية والغطاء القانوني، بينما يمتلك الشرق قدرة واسعة على التعطيل والمساومة، ومن هنا جاءت المقاربة الجديدة التي تربط البحر بالطاقة والإعمار بالأمن والتوازنات الإقليمية بحسابات خلافة النفوذ داخل معسكر حفتر.

عقدة البحر

تقع مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 في قلب هذا التحول. فقد رسمت المذكرة إطارا لترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين السواحل التركية والليبية، وفتحت الباب أمام تعاون في استكشاف الطاقة شرق المتوسط. ومن وجهة النظر التركية، منحت الوثيقة أنقرة سندا قانونيا وسياسيا في مواجهة خرائط بحرية دفعت بها اليونان وقبرص ومصر، ومنحت الجزر اليونانية أثرا واسعا يحاصر المجال البحري التركي، خصوصا في محيط كريت.

أثارت المذكرة منذ لحظتها الأولى اعتراضات حادة من أثينا والقاهرة ونيقوسيا والاتحاد الأوروبي. رأت تلك الأطراف أن الاتفاق يتجاوز حقوق الجزر والمناطق الاقتصادية الخالصة، بينما تعاملت تركيا معه بوصفه جزءا من رؤيتها الأوسع للإنصاف في ترسيم الحدود البحرية، وامتدادا لعقيدة “الوطن الأزرق” التي تسعى إلى توسيع هامش الحركة التركية في البحار المحيطة. صادق البرلمان التركي على المذكرة في ديسمبر/كانون الأول 2019، فتحولت إلى ركيزة استراتيجية في سياسة أنقرة المتوسطية.

غير أن قوة المذكرة بقيت مرتبطة بعقدة ليبية داخلية. فقد وقعتها حكومة طرابلس المعترف بها دوليا، بينما رفضها مجلس النواب في طبرق ومعسكر حفتر، واستخدم خصوم تركيا هذا الرفض للطعن في شرعيتها الليبية. ومع استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، أدركت أنقرة أن حماية مكسبها البحري تحتاج إلى تخفيف قدرة بنغازي وطبرق على تعطيله في أي تسوية سياسية أو حكومة موحدة مقبلة.

من هنا حظي قرار مجلس النواب الليبي في يونيو/حزيران 2025 تشكيل لجنة فنية لدراسة الاتفاق التركي الليبي بمتابعة دقيقة في أنقرة وأثينا والقاهرة. القرار لم يمنح المذكرة تصديقا نهائيا، لكنه نقل العلاقة من خانة الرفض المغلق إلى خانة النقاش الفني والسياسي. وبالنسبة إلى تركيا، يكفي فتح هذا الباب لتوسيع هامش المساومة مع الشرق، وتحويل الاتفاق من وثيقة مرتبطة بطرابلس وحدها إلى ورقة قابلة للتفاوض داخل المعادلة الليبية الأوسع.

تعزز هذا الاتجاه مع توقيع المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مذكرة تفاهم مع شركة البترول التركية في يونيو/حزيران 2025، لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في 4 مناطق بحرية. هنا خرج اتفاق 2019 من مستوى الخرائط والبيانات السياسية إلى مستوى المسوح البحرية والبيانات الزلزالية واحتمالات التنقيب. صار البحر مدخلا إلى مصالح اقتصادية وطاقوية ملموسة، وصار تثبيت المذكرة مرتبطا بفرص تنقيب وعقود مستقبلية في منطقة شديدة الحساسية.

هذا المسار يفسر القلق اليوناني والمصري. فأي قبول أوسع داخل ليبيا بالاتفاق مع تركيا سيضعف قدرة أثينا على عزل أنقرة في شرق المتوسط، وسيضع القاهرة أمام توازن دقيق بين شراكتها البحرية مع اليونان وتحسن علاقاتها مع تركيا وحساسيتها تجاه شرق ليبيا بوصفه مجالا مباشرا لأمنها القومي.

…

يتبع

________________

صفقة يوليو في ليبيا: الدبيبة للحكومة وصدام حفتر للرئاسي وتفاهمات بشأن المصرف المركزي

كشفت مصادر ليبية خاصة لـ”عربي بوست” أن الوفد الأمريكي الذي زار طرابلس قبل يومين أبلغ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في اجتماع مغلق، بوجود مقترح أمريكي يقضي بإعادة تكليفه برئاسة الحكومة المقبلة، مقابل تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، ضمن ترتيبات سياسية يجري العمل عليها حالياً لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا.

وتسعى الأطراف المنخرطة في مسار المقترح الأمريكي إلى الوصول إلى مرحلة الإعلان السياسي مع نهاية شهر يوليو/ تموز 2026، في إطار مساعٍ أمريكية لإنتاج سلطة تنفيذية موحدة تنهي حالة الانقسام بين حكومتي الشرق والغرب، لكنها في جوهرها تقوم على تفاهم مباشر بين مركزي النفوذ الأبرز في البلاد: عائلة الدبيبة في طرابلس، وعائلة حفتر في الشرق.

وتتقاطع هذه المعلومات مع تسريبات وتقارير سابقة تحدثت عن مبادرة منسوبة إلى مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تقوم على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا عبر صيغة تبقي عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، وتطرح صدام حفتر داخل مجلس رئاسي جديد، في موازاة دفع واشنطن نحو ترتيبات مالية وسياسية أوسع.

وبينما تقدم واشنطن هذه الترتيبات باعتبارها مدخلاً لإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، تثير التسريبات المتداولة بشأنها تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية الليبية حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو تسوية انتقالية تمهد لانتخابات شاملة، أم نحو صفقة جديدة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الممسكة بالسلطة والمال والسلاح.

اجتماع أبوظبي لـ“هيكلة” المناصب

تشير معلومات متداولة في أوساط سياسية ليبية، تقاطعت مع ما أكدته مصادر متابعة لـ”عربي بوست”، إلى أن التفاهمات الجارية بين معسكري الشرق والغرب لا تتوقف عند إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، بل تمتد إلى عدد من المؤسسات السيادية والرقابية التي تمثل مفاتيح القرار المالي والإداري في البلاد.

وبحسب هذه المعلومات، شهدت أبوظبي خلال الفترة الماضية اجتماعاً جمع إبراهيم الدبيبة، مستشار رئيس حكومة الوحدة الوطنية، وصدام حفتر، نجل قائد قوات الشرق خليفة حفتر، تركز جانب منه على إعادة هيكلة عدد من المناصب السيادية ضمن ترتيبات أوسع يجري بحثها بالتوازي مع المقترح الأمريكي المتعلق بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا.

وبحسب المعلومات التي حصل عليها “عربي بوست” من مصادر فضلت عدم ذكر اسمها لحساسية الموضوع، جرى التفاهم على إعفاء رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، واستبدال محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى بعضو مجلس إدارة المصرف رضا قرقاب، مع الإبقاء على رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه دون تغيير.

وتشير هذه التفاهمات إلى أن الترتيب الجاري لا يستهدف فقط توزيع المواقع السياسية العليا بين الدبيبة وحفتر، بل يمتد إلى مفاصل الدولة المالية والرقابية، إذ إن المصرف المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية ليست مؤسسات هامشية في المشهد الليبي، بل تمثل مفاتيح التحكم في الإنفاق العام، ومراقبة المال العام، وإدارة العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات المالية.

كما تزداد حساسية هذه الترتيبات لأن مصرف ليبيا المركزي لا يزال يقدم ناجي عيسى رسمياً بصفته المحافظ ورئيس مجلس الإدارة، فيما يظهر رضا قرقاب ضمن أعضاء مجلس إدارة المصرف، ما يجعل طرح اسمه بديلاً محتملاً يحمل أبعاداً سياسية ومؤسسية تتجاوز مجرد تغيير إداري داخل المؤسسة.

غير أن تنفيذ أي تفاهمات من هذا النوع، في حال صحتها، لن يكون قراراً إدارياً بسيطاً أو قابلاً للتمرير بمجرد اتفاق بين طرفين، إذ إن المناصب السيادية والرقابية في ليبيا تخضع لتوازنات سياسية ومؤسسية معقدة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، كما أن أي تغيير في قيادة المصرف المركزي أو ديوان المحاسبة يحتاج إلى غطاء قانوني وسياسي أوسع، حتى لا يتحول إلى أزمة مؤسسية جديدة بدل أن يكون جزءاً من تسوية شاملة.

من صفقة حكم إلى صفقة مؤسسات

هذا البعد الجديد يغير زاوية قراءة “المسار الأمريكي” بأكمله، فالأمر لم يعد مجرد مقترح لتكليف الدبيبة برئاسة الحكومة وصدام حفتر برئاسة المجلس الرئاسي، بل يبدو كأنه محاولة لإعادة تركيب هرم السلطة من الأعلى إلى الأسفل: الحكومة، المجلس الرئاسي، المصرف المركزي، ديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية.

وبهذا المعنى، فإن الترتيب المحتمل لا يستهدف فقط إنهاء الانقسام بين حكومتين، بل إعادة توزيع مفاتيح القرار السياسي والمالي والرقابي بين الطرفين، إذ يحتاج الدبيبة إلى ضمان استمراره في السلطة التنفيذية، بينما يحتاج حفتر إلى اعتراف سياسي أعلى عبر صدام، فيما تحتاج أي تسوية من هذا النوع إلى ضبط المؤسسات التي تراقب المال وتتحكم في الإنفاق.

هنا تكمن حساسية التفاهمات، فإذا دخلت المناصب السيادية والرقابية ضمن تسويات سياسية مغلقة، فإن المؤسسات التي يفترض أن تكون أدوات مساءلة وضبط قد تتحول إلى جزء من معادلة تقاسم النفوذ. وهذا يعني أن التسوية، بدل أن تبني دولة مؤسسات، قد تعيد إنتاج نظام محاصصة جديد، لكن بواجهة أكثر تنظيماً.

الميزانية كمقدمة لإنهاء الانقسام

التحرك الأمريكي في ليبيا لا يبدأ من فراغ، إذ أُعلن في أبريل/ نيسان 2026، اعتماد أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ أكثر من عقد، بقيمة 190 مليار دينار ليبي، في خطوة قُدمت على أنها مدخل لإنهاء الانقسام المالي بين الشرق والغرب. وذكرت رويترز أن هذا الاتفاق جاء بعد أشهر من التيسير الأمريكي، بينما رحب به مسعد بولس باعتباره جزءاً من مسار أوسع نحو السلام والوحدة الوطنية.

كما أعلن مصرف ليبيا المركزي، في 11 أبريل/ نيسان 2026، أن المحافظ ناجي عيسى أعلن اعتماد أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، معتبراً أن الاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يمثل خطوة محورية نحو إنهاء الانقسام المالي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

لكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن الترتيبات السياسية الجارية تبدو قاصرة، إذ تتحرك واشنطن، وفق مصادر سياسية متابعة، عبر 3 سلال مترابطة: توحيد الإنفاق العام، ثم إعادة ترتيب المؤسسات المالية والرقابية، ثم إنتاج سلطة تنفيذية جديدة قادرة على إدارة هذا التوازن.

وبهذا المعنى، فإن الحديث عن تغيير محافظ المصرف المركزي أو إعفاء رئيس ديوان المحاسبة لا يبدو تفصيلاً إدارياً، بل جزءاً من صلب الترتيب السياسي. فالسيطرة على الحكومة دون ضبط المصرف المركزي وديوان المحاسبة تبقى سيطرة ناقصة، خصوصاً في بلد تُدار فيه القوة السياسية، إلى حد كبير، عبر المال العام وشبكات الإنفاق والولاءات.

هل يجري تسويق صدام حفتر دولياً؟

في موازاة التفاهمات السياسية المتداولة، برزت تحركات خارجية لافتة لصدام حفتر، كان أبرزها زيارته إلى العاصمة الفرنسية باريس ولقاؤه الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، وفق ما أوردته وسائل إعلام ليبية ودولية، وتركزت المباحثات، بحسب ما نُشر، على العلاقات الثنائية والملفات الأمنية والعسكرية وسبل دعم مسارات الاستقرار في ليبيا.

غير أن أهمية زيارة صدام حفتر إلى باريس لا ترتبط فقط بمضمون اللقاءات، بل أيضاً بتوقيتها، فهي تأتي في وقت تتزايد فيه المعلومات حول دور محتمل لصدام حفتر داخل أي سلطة تنفيذية جديدة، ما يمنحها بعداً سياسياً يتجاوز الطابع البروتوكولي أو الدبلوماسي التقليدي.

وتقرأ مصادر متابعة هذه التحركات باعتبارها جزءاً من اختبار أوسع لمستوى القبول الدولي بشخصية صدام حفتر كفاعل سياسي محتمل داخل مؤسسات الدولة الليبية، بعد سنوات ارتبط فيها اسمه بصورة أساسية بالموقع العسكري داخل معسكر والده في شرق البلاد.

كما تشير معلومات متداولة إلى احتمال قيامه بزيارة مرتقبة إلى العاصمة السعودية الرياض، فيما يبدو أنه مسعى للحصول على غطاء إقليمي موازٍ للقبول الدولي، أو على الأقل ضمان عدم وجود اعتراض من العواصم المؤثرة على أي دور سياسي قد يلعبه مستقبلاً.

لكن هذا المسار يثير في الوقت نفسه تساؤلات داخل الأوساط الليبية بشأن طبيعة التحول الجاري. فهل يتعلق الأمر بمحاولة لإدماج الشرق الليبي بصورة أكبر في مؤسسات الدولة الموحدة، أم أنه يمثل بداية انتقال النفوذ السياسي والعسكري داخل عائلة حفتر إلى جيل جديد من القيادات؟

اعتراضات ومخاوف من تجاوز المؤسسات

رغم الزخم الذي يحيط بالتفاهمات المتداولة، فإنها تواجه اعتراضات مبكرة داخل المشهد الليبي، خصوصاً من جانب المؤسسات التي تخشى أن تجد نفسها خارج ترتيبات يجري التفاوض بشأنها بعيداً عن الأطر السياسية القائمة.

فقد أعلن المجلس الأعلى للدولة في أبريل/ نيسان 2026، رفضه أي تسوية سياسية تتم خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي، مؤكداً عدم اعتداده بأي تمثيل له في أي مفاوضات أو ترتيبات لا تستند إلى تفويض رسمي صادر عنه. وجاء هذا الموقف بالتزامن مع تداول معلومات عن مبادرة أمريكية يشرف عليها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وتستهدف إعادة ترتيب السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية ومعسكر حفتر.

وتكمن أهمية هذا الاعتراض في أن المجلس الأعلى للدولة كان شريكاً في التفاهمات التي أفضت إلى اعتماد الميزانية الموحدة، لكنه يرفض في المقابل أن تتحول التفاهمات المالية إلى مدخل لفرض تسوية سياسية مغلقة.

وهو ما يعكس انقساماً واضحاً بين من يرى في المقاربة الأمريكية فرصة لإنهاء حالة الانسداد السياسي، ومن يعتبرها تجاوزاً للمؤسسات الليبية وإعادة إنتاج للسلطة عبر تفاهمات بين مراكز النفوذ السياسية والعسكرية.

ولا تقتصر التحفظات على غرب ليبيا فقط، فقد تحدثت تقارير عن وجود تباينات داخل معسكر حفتر نفسه بشأن مبادرة بولس، خاصة أن الدفع بصدام حفتر إلى واجهة المجلس الرئاسي قد يعيد ترتيب موازين القوة داخل العائلة والمؤسسة العسكرية في الشرق الليبي.

بين خارطة الأمم المتحدة ومقاربة واشنطن

تأتي هذه التحركات القائمة على أساس المقترح الأمريكي، في وقت تواصل فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الترويج لخارطة طريق تنتهي بإجراء انتخابات وطنية خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً، بعد استكمال مجموعة من الترتيبات السياسية والمؤسسية والأمنية.

وتقوم المقاربة الأممية في ليبيا على حزمة مترابطة تشمل اعتماد إطار انتخابي قابل للتطبيق، وتوحيد المؤسسات تحت حكومة جديدة، وإطلاق حوار منظم حول قضايا الحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة، وصولاً إلى انتخابات تمنح الشرعية للسلطات الجديدة.

لكن المقترح الأمريكي بشأن ليبيا، كما تعكسه التسريبات والمعلومات المتداولة، يبدو أقرب إلى منطق مختلف يقوم على توحيد السلطة أولاً عبر تفاهم بين القوى الأكثر نفوذاً على الأرض، ثم الانتقال لاحقاً إلى بقية الاستحقاقات السياسية.

وهنا يبرز أحد أكثر الأسئلة حساسية في المشهد الليبي الحالي: هل تمثل هذه الترتيبات مرحلة انتقالية مؤقتة تمهد للانتخابات، أم أنها قد تتحول إلى بديل طويل الأمد عن المسار الانتخابي نفسه؟

فإذا جرى تمرير السلطة الجديدة قبل حسم القواعد الانتخابية والضمانات المرتبطة بها، فقد تتحول الانتخابات إلى استحقاق مؤجل مرة أخرى. أما إذا ارتبطت أي سلطة تنفيذية جديدة بجدول زمني واضح وضمانات ملزمة لإجراء الانتخابات، فقد يُنظر إليها باعتبارها مرحلة انتقالية محددة الأهداف لا صفقة سياسية دائمة.

الاختبار الحقيقي لأي تسوية

ورغم أهمية التفاهمات الدولية والإقليمية، يبقى نجاح أي ترتيب سياسي مرهوناً بقدرته على الصمود داخل ليبيا نفسها، وتحديداً في العاصمة طرابلس التي ظلت خلال السنوات الماضية العامل الحاسم في نجاح أو فشل أكثر من مبادرة سياسية.

إعادة تكليف عبد الحميد الدبيبة قد تمنح المقترح الأمريكي فرصة للمرور داخل جزء من مؤسسات الغرب الليبي، لكنها لا تضمن بالضرورة قبول جميع القوى السياسية والعسكرية الموجودة في العاصمة ومحيطها، والتي تمتلك بدورها حسابات ومصالح قد لا تتطابق مع الترتيب المطروح.

وفي المقابل، فإن وضع صدام حفتر على رأس المجلس الرئاسي قد يفتح باباً واسعاً للاعتراض داخل أوساط سياسية ومدنية تعتبر أن مثل هذا الخيار يكرس انتقال النفوذ داخل العائلة الواحدة أكثر مما يعبر عن انتقال نحو دولة مدنية تقوم على المؤسسات والانتخابات.

ولهذا، فإن نجاح الترتيب المطروح لن يتوقف فقط على موافقة الدبيبة أو حفتر، ولا على الدعم الأمريكي أو الفرنسي، بل على قدرته على تحييد القوى المسلحة المؤثرة في طرابلس، وطمأنة مجلسي النواب والدولة، والحصول على غطاء أممي وإقليمي يمنع ظهوره كصفقة مفروضة من الخارج.

ولم يتسنَّ لـ”عربي بوست” الحصول على تعليق فوري من حكومة الوحدة الوطنية أو القيادة العامة أو مصرف ليبيا المركزي أو ديوان المحاسبة بشأن هذه المعلومات حتى وقت النشر.

سلطة موحدة أم محاصصة أكثر تنظيماً؟

تتقاطع المعلومات الخاصة التي حصل عليها “عربي بوست” بشأن المقترح الأمريكي بشأن ليبيا مع سلسلة من المؤشرات السياسية المتسارعة: مبادرة مسعد بولس، اعتماد الميزانية الموحدة، زيارة صدام حفتر إلى باريس، ومعلومات متداولة عن تفاهمات تتعلق بالمناصب السيادية والرقابية.

والعنوان المعلن لكل هذه التحركات هو توحيد السلطة وإنهاء الانقسام المستمر منذ سنوات، لكن خلف هذا العنوان تبرز معركة أخرى تتعلق بإعادة توزيع مراكز النفوذ السياسي والعسكري والمالي داخل الدولة الليبية. فإذا نجح هذا الترتيب ضمن إطار زمني واضح يقود إلى الانتخابات ويضمن توحيد المؤسسات، فقد يشكل مدخلاً لإنهاء الانقسام المزمن.

أما إذا تحول إلى صفقة مغلقة بين مراكز القوة التقليدية تشمل الحكومة والمجلس الرئاسي والمؤسسات المالية والرقابية، فإن ليبيا قد لا تكون أمام نهاية للانقسام، بل أمام نسخة أكثر تنظيماً منه: سلطة موحدة في الشكل، ومحاصصة سياسية ومؤسسية في الجوهر.

_________________

حرب رسمية وشعبية ورفض واسع لتوطين المهاجرين في ليبيا

على وقع انتفاضة رسمية وشعبية ضد فكرة توطين المهاجرين غير النظاميين، تعيش ليبيا حالة من الاحتقان المتصاعد، وسط تحذيرات من انتهاكات حقوقية قد تنال هؤلاء المهاجرين.

الجدل في قضية الهجرة غير النظامية تضاعف بحدة بعد تداول وثائق ومعلومات نُسبت إلى “مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين”، قيل إنها تتعلق بإصدار بطاقات لجوء بالتزامن مع مزاعم بشأن منع إعادة مهاجرين غير نظاميين إلى بلدانهم الأصلية.

سيادة وطنية

على المستوى الرسمي، أكد المجلس الأعلى للدولة الليبي موقفه الثابت والرافض لأي مشاريع أو ترتيبات أو تفاهمات، تحت أي مسمى أو ذريعة، من شأنها أن تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى توطين المهاجرين داخل ليبيا أو إعادة توطينهم، أو فرض أي واقع ديموغرافي يمس هوية المجتمع وخصوصيته.

وأوضح عبر بيان في 3 يونيو/ حزيران 2026، أن إدارة هذا الملف ومعالجة آثاره تظل من صميم الاختصاصات السيادية للدولة، وأن أي سياسات أو إجراءات ذات صلة يجب أن تنطلق من احترام السيادة الوطنية والالتزام بالتشريعات الليبية النافذة، بما يكفل حماية الحدود وصون الأمن القومي والمحافظة على المصالح العليا للدولة.

ودعا المجلس المؤسسات الوطنية المختصة والشركاء الدوليين إلى دعم جهود الدولة الليبية في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، ومعالجة الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة، بما ينسجم مع القوانين الوطنية ويحترم إرادة الدولة الليبية وسيادتها.

وشدد على أن أمن ليبيا واستقرارها ووحدة نسيجها الاجتماعي وهويتها الوطنية ثوابت راسخة لا تقبل المساومة أو الانتقاص تحت أي ظرف أو مبرر، وأن أي مقاربة لهذا الملف يجب أن تراعي هذه الثوابت وتحفظ للدولة الليبية حقها الكامل في حماية مصالحها العليا ومستقبل أجيالها.

بدورها، أكدت الحكومة المكلفة من مجلس النواب، رفضها القاطع لأي محاولات أو برامج أو ترتيبات تستهدف توطين أو إعادة توطين المهاجرين غير النظاميين داخل الأراضي الليبية.

وأوضحت عبر بيان في 3 يونيو، أن إدارة ملف الهجرة والوجود الأجنبي داخل البلاد هي اختصاص أصيل للدولة الليبية، ويتم التعامل معه وفق القوانين والتشريعات الوطنية النافذة.

ودعت الحكومة الأجهزة الأمنية والعسكرية وجهاز مكافحة الهجرة غير النظامية إلى تكثيف حملات الضبط والحصر الميداني، ومراجعةِ أوضاع الأجانب المقيمين داخل البلاد، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، إضافة إلى ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.

على المستوى التشريعي، أكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب، فوزي النويري، رفض ليبيا لأي محاولات أو ترتيبات تستهدف توطين المهاجرين داخل أراضيها أو فرض واقع ديموغرافي جديد على الشعب.

وشدد النويري في كلمة للشعب، أن قضية الهجرة غير النظامية “تمثل تحديا يمس الأمن القومي والسيادة الوطنية”.

ونبه إلى أن ليبيا، رغم التزامها بالقيم الإنسانية والقانون الدولي، ترفض أي ترتيبات تمس سيادتها الوطنية أو تؤثر على تركيبتها السكانية.

من جانبها، أكدت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية، مطلع يونيو 2026، تمسكها بالثوابت الوطنية في التصدي للظاهرة وموقفها الرافض للتوطين.

وأعربت الخارجية في بيان عن التزامها بحماية الأمن القومي الليبي، وحقوق مواطنيها، واحترام التزاماتها الدولية، وأنها تراهن على وعي الشعب بحقه في حرية التعبير واحترام القانون.

احتجاج شعبي

على المستوى الشعبي، شهد عدد من المناطق بليبيا وقفات ومظاهرات ضد توطين المهاجرين، وضد بقاء مفوضية الهجرة في البلاد.

وفي هذا السياق، أصدر “المجلس الاجتماعي السراج” بيانا من موقع مظاهرة نظمها في 4 يونيو، أعلن فيه الإغلاق الرسمي لمقر مفوضية شؤون اللاجئين.

وأكد المجلس رفضه لاتفاقية توطين المهاجرين غير النظاميين في ليبيا، مطالبا باتخاذ إجراءات حازمة تجاه المتسللين وحماية السيادة الوطنية.

كما رفض البيان استيعاب أي عمالة أجنبية داخل ليبيا إلا عبر القنوات الرسمية المعتمدة، مستندا إلى القانون رقم 19 لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير النظامية والقانون رقم 2 لسنة 2004 المنظم لدخول وإقامة الأجانب.

كذلك اقتحم مواطنون ليبيون الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية للدعم في ليبيا بمدينة جنزور غربي البلاد، في 4 يونيو.

وخلال تصريح للصحافة، أكد رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، عبد المنعم الحر، أن حادث اقتحام مقر البعثة الأممية يمثل “تصعيدا خطيرا يتجاوز حدود التعبير السلمي عن الرأي”.

وقال الحر: إن ما وقع يمكن وصفه بـ”انتهاك الحصانات الدبلوماسية، إذ تشكل هذه الأفعال خرقا واضحا للقوانين والأعراف الدولية، لا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، واتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة”.

وشدد على أنه يقع على عاتق الدولة المضيفة التزام قانوني صارم بحماية مقرات البعثات وموظفيها، ومنع أي اقتحام أو إساءة لها.

تداعيات متعددة

ورأى الناشط السياسي، عبد الله الغرياني، أن الحراك الشعبي الرافض لتوطين المهاجرين في ليبيا، يختلف عن التحركات السابقة من حيث اتساع نطاقه وارتباطه بمخاوف متزايدة لدى المواطنين بشأن التداعيات الديموغرافية والسيادية للهجرة غير النظامية.

وشدد الغرياني وفق موقع “الساعة24” المحلي في 5 يونيو، أن القضية تجاوزت البعد الأمني وأصبحت مرتبطة بمستقبل الدولة الليبية وتركيبتها السكانية.

ويرى أن المطالب المطروحة تنطلق من ضرورة تنظيم ملف الهجرة وصون السيادة الوطنية والحفاظ على التوازن الديموغرافي بعيدا عن أي مسائل عنصرية أو تمييزية.

وأوضح الغرياني أن تنامي الرفض الشعبي للهجرة غير النظامية جاء نتيجة شعور متزايد لدى الليبيين بأن هذا الملف بات يتخذ مسارات تتجاوز الأطر المؤقتة المعروفة دوليا.

ولفت إلى أن منح بعض المهاجرين بطاقات تعريف أو وثائق انتظار من قبل جهات دولية معنية بشؤون اللاجئين أثار مخاوف واسعة بشأن إمكانية تحول الإقامة المؤقتة إلى واقع دائم ينعكس على البنية السكانية للدولة.

وأشار الغرياني إلى أن جذور الظاهرة تعود جزئيا إلى السياسات السابقة والانفتاح الليبي على العمق الإفريقي عبر مشاريع اقتصادية وسياسية واتحادية، وهو ما أسهم في ترسيخ صورة ليبيا لدى العديد من الشعوب الإفريقية بصفتها وجهة واعدة للهجرة والعمل.

ورأى أن التعامل مع ملف الهجرة، يجب أن ينطلق من تقديرات السيادة والأمن والتنظيم القانوني، لافتا إلى أن الاتهامات الموجهة للمجتمع الليبي بممارسة العنصرية تتجاهل التحديات الحقيقية المرتبطة بتدفقات المهاجرين واتساع نطاق الظاهرة خلال السنوات الأخيرة.

وأرجع الغرياني تفاقم أزمة الهجرة غير النظامية إلى غياب السيطرة الفعالة والتراخي في إدارة الملف خلال السنوات الماضية، مقدرا أن تراكم أعداد كبيرة من المهاجرين داخل المدن الليبية خلق تحديات أمنية واجتماعية وإنسانية متزايدة تتطلب معالجة عاجلة ومنظمة.

بدوره، حذر المستشار في الأمن القومي، فيصل بوالرايقة، من تداعيات التحركات الدولية المتزايدة المرتبطة بملف الهجرة في ليبيا، قائلا: إن بعض المقترحات المتداولة بشأن تخصيص مواقع أو تجمعات للمهاجرين قد تمهد لتحويل البلاد إلى مركز استقبال مؤقت يتحول بمرور الوقت لواقع دائم.

وأوضح بوالرايقة في حديث لتلفزيون “المسار” في 5 يونيو، أن عددا من الدول الغربية، من بينها إيطاليا وألمانيا وهولندا وكندا، إلى جانب جهات وشركات أخرى، تشارك في تمويل برامج ومشروعات مرتبطة بإدارة ملف الهجرة.

وأضاف أن هذه الدول تُعد من أكثر الأطراف المستفيدة من الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا عبر البحر المتوسط، الأمر الذي يدفع إلى طرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لبعض هذه البرامج وآثارها المستقبلية على ليبيا بصفتها دولة عبور رئيسة للمهاجرين.

وأشار إلى أن دولا أخرى، بينها أستراليا والنرويج والسويد، أبدت استعدادها للمساهمة في تمويل برامج مرتبطة بملف الهجرة، مقدرا أن تزايد هذا الدعم الدولي قد يؤدي تدريجيا إلى تكريس ليبيا كمحطة أو مقر مؤقت للمهاجرين، قبل أن يتحول ذلك إلى أمر واقع يصعب التعامل معه مستقبلا.

كما انتقد بوالرايقة غياب الشفافية وضعف الأداء المؤسسي في التعامل مع ملف الهجرة، مؤكدا أن المعلومة المتاحة للرأي العام الليبي ما تزال ناقصة ومحدودة مقارنة بحجم البيانات التي تمتلكها الجهات الدولية العاملة في هذا المجال.

وشدد على أن ملف الهجرة بات يشكل قضية ذات أبعاد إستراتيجية تمس مستقبل الدولة الليبية، داعيا إلى تبني مقاربة شاملة، بما يضمن حماية المصالح الوطنية وتعزيز قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة ومستندة إلى المعرفة الدقيقة بالواقع.

نماذج معاناة

ونشر حساب “اللاجئين السودانيين في شمال وشرق إفريقيا” عبر فيسبوك تعليقا في 5 يونيو 2026 على الأحداث الجارية بليبيا، مؤكدا أن المهاجرين السودانيين “وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع جديد لا يقل قسوة عن الواقع الذي فروا منه”.

وأضاف الحساب: “ففي ظل تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين واللاجئين في ليبيا، أصبح السودانيون هدفا للتمييز والتضييق والانتهاكات المختلفة”.

وسجل تكرر الشكاوى المتعلقة بالاعتقالات التعسفية والابتزاز وسوء المعاملة والاستغلال الاقتصادي، بينما يعيش آلاف اللاجئين في ظروف إنسانية هشة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

وشدد الحساب على أن “اللاجئ السوداني ليس مجرما ولا غازيا ولا عبئا يجب التخلص منه، بل هو إنسان اضطرته ظروف الحرب إلى البحث عن مأوى آمن”.

وأردف “ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتداء عليه بسبب جنسيته أو وضعه القانوني يمثل انتهاكا صريحا للمبادئ الأساسية التي قامت عليها منظومة حقوق الإنسان العالمية”.

وأكد المصدر ذاته أن “الصمت أمام الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون السودانيون لا يهدد حقوقهم وحدهم، بل يهدد مصداقية النظام الدولي بأكمله”.

في هذا السياق، قالت “منظمة رصد الجرائم في ليبيا” (رصد) إنها تتابع بقلق بالغ تصاعد الانتهاكات الجسيمة، وخطاب الكراهية، والتحريض على العنف التي تستهدف المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء والعمالة الوافدة في ليبيا، منذ بداية يونيو 2026.

وأضافت المنظمة في بيان، “بما في ذلك الاعتقالات التعسفية، واقتحام أماكن السكن والطرد منها، والاعتداءات الجسدية واللفظية، بالتزامن مع تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضدهم، في مختلف أنحاء البلاد”.

وذكرت المنظمة أنها رصدت حملات اعتقالات جماعية واسعة استهدفت مهاجرين وعمالة وافدة في شرق وغرب ليبيا، خاصة في مدن طرابلس وبنغازي وإجدابيا والبيضاء، بينهم نساء وأطفال.

واسترسلت: “كما وثّقت رصد مداهمة مساكن يقيم فيها مهاجرون وطردهم منها، إلى جانب تعرض عدد منهم لاعتداءات جسدية ولفظية، شملت نساء وأطفالا وأشخاصا يعانون من أوضاع صحية خاصة”.

وأشارت “رصد” إلى أن حملات الاعتقال تقودها أجهزة أمنية وجماعات مسلحة تابعة للسلطات في شرق وغرب ليبيا.

وطالبت السلطات في الشرق والغرب بوقف جميع الانتهاكات المرتكبة بحق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وضمان حمايتهم من الاعتداءات والطرد القسري وخطاب الكراهية، والامتناع عن أي عمليات ترحيل أو إعادة قسرية قد تعرّضهم لخطر الاضطهاد أو غيره من الانتهاكات.

مقاربة حقوقية

وقال الناشط الحقوقي الليبي المهتم بقضايا الهجرة، طارق لملوم، إنه وردت استغاثات من عدد من عائلات السودانيين التي تعرضت للطرد من مساكنها، وأن العديد من هذه العائلات اضطرت إلى الاختباء في أماكن مهجورة أو غرف مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش.

وأكد لملوم لـ”الاستقلال”، أن “هذه الأسر تعيش حالة من الخوف والقلق، ما يدفعها إلى تجنب الخروج والتنقل خشية التعرض للتوقيف أو الاستهداف، الأمر الذي انعكس سلبا على قدرتها على توفير الغذاء والمياه والاحتياجات الأساسية لأطفالها”.

وأضاف “كما تزداد المخاوف بشأن الأوضاع الإنسانية والصحية لهذه العائلات في ظل استمرار حالة المطاردة وانعدام البدائل الآمنة للسكن”.

وذكر لملوم أن “موجة العنف تطال حتى بعض المواطنين من ذوي البشرة السمراء”، مشيرا إلى مقطع فيديو منتشر لشاب ليبي يقول فيه: إنه اضطر إلى نشر صورة جواز سفره الليبي وإثبات هويته أمام الجميع، بسبب حملات أمنية وممارسات استهداف قائمة على لون البشرة والملامح.

وبشكل عام، أكد الناشط الحقوقي أن ما نشهده اليوم من مزايدات تحت شعار “رفض التوطين” يتجاهل الأسباب الحقيقية لتكدس المهاجرين في بعض المناطق.

وأشار إلى أن “الجميع يعلم من يدير شبكات التهريب، ومن يوفر الحماية، ومن يستفيد ماليا من استمرار هذه التجارة، وأن المشكلة لا تبدأ من الوكالات الدولية ولا من اللاجئين، بل من اقتصاد قائم على التهريب والاستغلال والابتزاز”.

وشدد لملوم أن من يريد مكافحة الهجرة غير النظامية فعليه أن يبدأ بمواجهة المهربين والمتاجرين بالبشر داخل مدينته، لا بإصدار بيانات شعبوية تستهدف الضحايا وتتجنب الحديث عن المتورطين الحقيقيين.

وعليه، يرى المتحدث ذاته، أن “مكافحة تهريب البشر تبدأ من كشف الشبكات التي تجني الملايين من هذه التجارة، لا من رفع الشعارات وإخفاء الحقائق”.

ولفت إلى أن ما يحدث اليوم في ليبيا هو في جوهره تصعيد ناتج عن التنافس على إدارة ملف الهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي. فبعد سنوات من احتكار حكومة طرابلس لهذا الملف، بدأت بنغازي تدخل بقوة على خط التعاون الأوروبي، بما يحمله ذلك من نفوذ سياسي ومشاريع ودعم مالي.

ورأى أن “الحملة الحالية ضد المفوضية والوكالات الدولية تبدو جزءا من صراع أوسع حول من سيكون الشريك الليبي الرئيس للاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة ومن سيحصل على النصيب الأكبر من الدعم والأموال الأوروبية”.

وقال لملوم: إن “من يعترض على وجود المهاجرين أو على سياسات الهجرة في ليبيا، فالأجدر به أن يوجه احتجاجه إلى الجهات التي تدير هذا الملف وتضع سياساته، لا إلى الجهة التي يفترض أن تقدم الحماية للفئات الأكثر ضعفا”.

_____________

«الوصوليّة» ظِلّ السُّلطة الفاسدة!

سالم الهنداوي

كثيراً ما تكثر المترادفات اللغوية حيال جملة الصفات السيئة النكراء في حياة البشر غير الأسوياء، وكثيرها نعتية، وغالبها «ماجنة» تخدش الحياء..

فبماذا إذاً نصف الشخص المرتشي والانتهازي والمنافق بغير كونه آفاقاً ومحتالاً ورخيصاً وبلا أخلاق؟..

ولا تنتهي هنا مفردات النعت إلى نابيات السب والشتم، وبما لا يسمح به النشر ومقام الطرح البَنّاء في حالة اجتماعية وغالبة ثقافية يهتز لها المجتمع، ومصدرها بالدرجة الأولى كان «أخلاقياً»..

ومن السقوط الأخلاقي يظهر الشخص «الوصولي» الذي بطبيعته يسعى إلى تحقيق مصالحه الشخصية بأي وسيلة ممكنة، ولو على حساب القيم والمبادئ والأخلاق..

وغالباً ما يُقترن مفهوم «الوصولية» بالنفاق والتملق والانتهازية، وكلها صفات نعتية سيئة تصاحب حياة الوصولي إلى مماته، وبعضها يلتصق به لقباً تحمله ذريته من بعده.

ليست «الوصولية» في هذا السياق حادثة طارئة في حياة المجتمعات، ولا انحرافاً أخلاقياً عابراً يمكن عزله في أفراد بعينهم، بل هي بنية خفية، تكاد تكون قانوناً غير مكتوب ينهض كلما اختل ميزان القيم واضطربت العلاقة بين السلطة والمعنى..

والوصولي هنا ليس مجرد شخص انتهازي، بل هو نتاج تاريخي كائن تشكل في الفراغات التي تركها العقل الجمعي حين عجز عن تحويل المبادئ إلى مؤسسات نافعة، والفضائل إلى نظام قائم على العدل.

منذ أن وُجدت «السلطة» بوصفها مركز جذب، وُجد من يتحلق حولها لا بدافع الخدمة، بل بدافع الصعود حيث يمتزج المقدس بالسياسي..

وتاريخياً كان الوصولي كاهناً أو عرافاً أو قريباً للحاكم، يقرأ الغيب كما ينبغي للسلطة أن تسمع، فلم يكن بحاجة إلى قوة السيف، بل إلى مرونة الضمير واللسان. وهنا وُلدت الوصولية بوصفها فناً مبكراً في تأويل الرغبة العليا، لا في قول الحقيقة المثلى.

في الإمبراطوريات القديمة، خصوصاً الرومانية والفارسية، تبلورت الوصولية كوظيفة غير معلنة، فالبلاط لم يكن فضاءً للكفاءة بل حلبة للنجاة، ومن لا يتقن الإيماء قبل الأمر، والابتسامة قبل القرار، يُقصى أو يُمحى من الوجود.

والوصولي في هذا السياق لم يكن شريراً بالضرورة، بل كان واقعياً حد القسوة، يدرك أن التاريخ لا يكافئ النبلاء دائماً، بل من يحسنون الوقوف في المكان المناسب لحظة الانهيار.. ومع العصور الوسيطة لبست الوصولية لباساً أكثر تعقيداً.

وفي ظل هيمنة الدين لم تعد الطريق إلى السلطة تمر فقط عبر الحاكم، بل عبر السماء نفسها، فصار الوصولي فقيهاً بلا تقوى وناسكاً بلا زهد.. وهنا حدث التحول الأخطر، فلم تعد الوصولية سلوكاً سياسياً فقط، بل أصبحت خيانة للمعنى، إذ حين تُستعمل القيم العليا كوسيلة لغاية تفقد قدرتها على النقد، وتتحول إلى مجرد وجوه مزيفة في مجتمع يعيش على الخديعة.

في عصر النهضة وبداية الدولة الحديثة لم تختفِ الوصولية، لكنها صارت مع الزمن أكثر وعياً بذاتها.. فميكيافيللي في كتابه «الأمير» لم يخلق الوصولي بل كشفه، ولم يدعُ إلى الانتهازية بقدر ما أزاح الستار عن منطق السلطة العاري..

ومنذ تلك اللحظة دخلت الوصولية مرحلة التبرير الفلسفي، فلم تعد رذيلة ساقطة بل ضرورة ملحة، ولم تعد انحرافاً أخلاقياً بل حنكة وشطارة.. وهنا انفتح الباب أمام أخطر أشكالها، وهي أن «الوصولي» الذي يؤمن أن الأخلاق ترف لا يليق بعالم الصراع المادي.

مع نشوء «الدولة البيروقراطية» الحديثة وانتشار الأحزاب والمؤسسات، ظن الإنسان أن الوصولية ستتراجع أمام سيادة القانون، لكنها لم تفعل، بل تحولت إلى خطر ساكن، حيث صار الوصولي ابن النظام لا نقيضه، يتقن لغة اللوائح ويجيد اللعب على حواف القوانين، وأصبح مع الممارسة يعرف كيف يصعد من داخل النص لا من خارجه.

وفي هذا السياق لم يعد الوصولي صاخباً في علاقاته أو فظاً في تعاملاته، بل مهذباً وأنيقاً، يحمل الشهادات المزورة ويتحدث باسم القيم التي لا يمارسها.

في المجتمعات الثورية تبلغ الوصولية ذروتها التراجيدية، فالثورة كونها لحظة أخلاقية كبرى تفتح أبوابها لمن يملك الشجاعة، ولمن يملك القدرة على الادعاء، فكثيراً ما يُقصى أصحاب التضحيات الوطنية ويصعد أولئك الذين أتقنوا لغة اللحظة بعد فواتها..

وهنا تحديداً يتحول الوصولي إلى وارث غير شرعي للتاريخ، يعيد كتابة السردية بما يخدم موقعه ويدعم مصلحته في السلطة.

في السياق العربي المعاصر لا يمكن فهم الوصولية دون فهم هشاشة الدولة وغياب العقد الاجتماعي وانكسار الثقة بين المواطن والمعنى العام، فالوصولي هنا ليس استثناءً بل قاعدة صامتة يتلون مع الأنظمة، يتنقل بين الشعارات ويعيش على فائض الخوف والالتباس، وهو بالتالي ابن الهزائم المؤجلة وحارس الرداءة المستقرة في زمن التفاهة.

فلسفياً يمكن القول إن «الوصولية» بشائعتها الراهنة هي الوجه العملي للعدمية حين يفقد الإنسان إيمانه بجدوى القيم، لكنه لا يملك شجاعة إعلان ذلك، فيتحول إلى وصولي انتهازي، لا يثور على الأخلاق بل يستخدمها لمصلحته، ولا ينكر المبادئ بل يعمل على تفريغها من محتواها، وهنا تكمن خطورة الوصولية، فهي لا تهدم المعنى علناً بل تتركه قائماً كواجهة فيما هو خاوٍ من الداخل.

إن تاريخ «الوصولية» هو في جوهره تاريخ فشل المجتمعات في حماية العلاقة بين الاستحقاق والمكانة، بين الفعل والاعتراف، فكلما اتسعت هذه الفجوة في العلاقة تكاثر الوصوليون مع الزمن وتطورت أدوات استغلالهم..

لذلك لا تُهزم الوصولية بالمواعظ ولا بالتشهير، بل ببناء مؤسسات عادلة ومعايير إدارية واضحة وثقافة لا تكافئ الذكاء الماكر على حساب النزاهة الصامتة.. وفي ذلك يمكننا القول إن الوصولي لا يصنع التاريخ لكنه يلوث صفحاته، ولا يؤسس لمستقبل مرجو بل يهدم الحاضر بالنفاق..

وحيثما كثر الوصوليون وتضخمت بهم السلطة فاعلم أن الحقيقة دائماً غائبة عن واقعها المؤلم، وأن لا مستقبل مشروعا للأجيال تحميه قيم الأخلاق والمبادئ..

ففي الحالة الليبية مثلاً سقط مشروع الدولة بعد سقوط النظام عام 2011 لأن مفهوم الكينونة في أساسه كان متشظياً، ولذلك انحرف أخلاقياً بفعل سطوة الوصولية الغالبة في ثقافة المجتمع، فبسبب الأطماع سقط نظام سبتمبر وبذات الأطماع تغوّلت سُلطة فبراير..

إنها قسمة الفساد العادلة بين نظامين تأسسا على مفهوم الغنيمة، نتاج مرحلة ما بعد الطفرة النفطية التي قوضت فكرة الإنتاج بالاستهلاك، ولذلك كانت ليبيا الدولة الريعية بامتياز، منهوبة الثروة في الحاضر وبلا مشروع تنمية، وبالتالي خاسرة للمستقبل.

____________

موقع ليبيا الجغرافي… عبء استراتيجي

كريمة ناجي 

 خبراء يقولون إن “الانقسامات حولت البلاد إلى خط الدفاع الأول عن حدود أوروبا الجنوبية“

موقع ليبيا الجغرافي منحها أهمية جيوسياسية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته جعلها ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، لذلك لم تعد الأزمة الليبية شأناً داخلياً فقط، بل أصبحت مرتبطة بحسابات الطاقة والهجرة والأمن وموازين القوى في البحر المتوسط وأفريقيا.

1800 كيلومتر هو إجمالي طول الساحل الليبي الذي يطل على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، ميزة جغرافية كانت كافية لاختيار المهاجرين غير النظاميين ليبيا كدولة عبور نحو القارة الأوروبية، خصوصاً أن الحدود الجنوبية الليبية تشترك مع دول تعاني صعوبات اقتصادية وأزمات سياسية وأمنية على غرار تشاد السودان والنيجر.

وبينما تعول دول الاتحاد الأوروبي على ليبيا المنقسمة على نفسها منذ عام 2011 لمساعدتها على تقليص تنامي ظاهرة الهجرة غير النظامية تجاه حدودها الجنوبية، وجدت ليبيا نفسها وحيدة في مواجهة تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية فرضتها عليها الجغرافيا، لا سيما مع ارتفاع الخطاب المحلي الرافض للتوطين داخل الأراضي الليبية.

وغزى وسم “لا للتوطين” مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا التي شهدت تظاهرات رافضة لوجود الأجانب بصفة غير قانونية على ترابها، بخاصة أن وزير الداخلية بحكومة “الوحدة الوطنية” عماد الطرابلسي، سبق وأكد أن عدد المهاجرين غير النظاميين في ليبيا يقدر بنحو 3 ملايين مهاجر.

شبح التوطين

وتؤكد الأطراف الدولية المتداخلة في ملف الهجرة غير النظامية عدم وجود أي مشاريع لتوطين المهاجرين غير النظاميين في ليبيا، إذ نوه سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا نيكولا أورلاندو في ديسمبر (كانون الأول) 2025 خلال مؤتمر حول الهجرة غير النظامية نظمته وزارة الداخلية الليبية في طرابلس، أن “الاتحاد الأوروبي لا يستهدف توطين المهاجرين في ليبيا”، موضحاً أن التعاون الأوروبي مع ليبيا يستهدف إدارة الهجرة وحماية الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر ودعم برامج العودة الطوعية للمهاجرين. وفي الثاني من الشهر الحالي، نفى أورلاندو ما جرى تداوله بخصوص دعم أوروبي لإنشاء مراكز توطين للمهاجرين واللاجئين داخل ليبيا، مشدداً على أن ملف الهجرة يخضع للسيادة الليبية فقط.

وفي السياق ذاته، نوهت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا في الثالث من الشهر الجاري، أنه لا يوجد أي برنامج “توطين” داخل ليبيا، فالمفوضية لا تتولى إدارة استقرار المهاجرين داخل البلاد، بل يتمثل دورها فقط في “التسجيل والحماية الإنسانية” والإجلاء الإنساني إلى دول ثالثة أو العودة الطوعية إلى بلدان الأصل.

وعلى رغم كل هذه التطمينات الدولية، برزت مخاوف محلية من تنفيذ مشروع للتوطين داخل الأراضي الليبية، فهل تدفع ليبيا ثمن موقعها الجغرافي؟

أعباء متشابكة

وفي الصدد، يقول الباحث في نظم المعلومات الجغرافية حازم الرايس، إن ليبيا تحولت عملياً إلى خط دفاع أول عن الحدود الجنوبية لأوروبا نتيجة تداخل عاملين رئيسين، الجغرافيا والتحولات السياسية، موضحاً أن “عامل الجغرافيا وضعها بين مناطق الدفع في أفريقيا ومناطق الجذب في أوروبا، باعتبار أن البلد يحتل موقعاً جغرافياً استراتيجياً بين الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط والصحراء الكبرى ومنطقة الساحل الأفريقي، مما جعله نقطة عبور رئيسة في مسارات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا”.

أما من الناحية السياسية، فيرى الرايس أن تراجع قدرة الدولة الليبية على ضبط الحدود بعد عام 2011 أدى إلى تنامي نشاط شبكات تهريب البشر، وتحولت الأراضي الليبية إلى محطة رئيسة للهجرة غير النظامية.

ويضيف أنه في المقابل، يتعامل الاتحاد الأوروبي مع الهجرة غير النظامية باعتبارها قضية أمن حدودي بالدرجة الأولى، حيث يسعى إلى نقل خطوط المواجهة جنوباً عبر تعزيز التعاون مع ليبيا في مجالات مراقبة الحدود وخفر السواحل ومكافحة التهريب.

ويستدرك المتخصص في نظم المعلومات الجغرافية، في تصريح خاص أن المشكلة لا يمكن اختزالها في البعد الأمني فقط، لأن ليبيا ليست مصدر أزمة الهجرة، بل دولة عبور تتحمل أعباء أمنية واقتصادية متشابكة بسبب موقعها الجغرافي. ونوه أن تحميلها وحدها مسؤولية إدارة هذا الملف يمثل مقاربة غير واقعية، ما لم يقترن ذلك بدعم حقيقي للاستقرار الليبي ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة في دول المصدر الأفريقي.

منطقة احتواء

وفي ما يخص كيفية تحول ليبيا إلى خط الدفاع الأول عن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، يذهب عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني، إلى أن ليبيا لم تتحول طوعاً إلى خط الدفاع الأول عن حدود أوروبا الجنوبية، بل وجدت نفسها تؤدي هذا الدور بحكم موقعها الجغرافي وحالة الانقسام السياسي والأمني التي تعيشها منذ أعوام.

ويتابع أنه مع تصاعد موجات الهجرة غير النظامية القادمة من جنوب الصحراء الأفريقية، أصبحت السواحل الليبية أقرب نقطة عبور نحو القارة الأوروبية بالنسبة للمهاجرين غير النظاميين، الأمر الذي دفع الدول الأوروبية إلى نقل جزء كبير من مسؤولية إدارة ملف الهجرة إلى الأراضي الليبية.

وينتقد المتخصص بالعلوم السياسية، السياسات الأوروبية باعتبارها لم تركز على معالجة الأسباب الحقيقية للهجرة مثل الفقر والنزاعات المسلحة والتغيرات المناخية في دول المصدر، بقدر ما ركزت على منع وصول المهاجرين إلى الشواطئ الأوروبية، مما حول ليبيا إلى منطقة احتواء وحاجز أمني متقدم لحماية الأمن الأوروبي أكثر من كونها شريكاً متكافئاً في إدارة هذه الأزمة.

ويقول الباروني، إن هذا الواقع فرض على ليبيا أعباء أمنية واقتصادية واجتماعية متزايدة، لا سيما في ظل ضعف الإمكانات الوطنية واتساع الحدود البرية والبحرية وصعوبة السيطرة عليها بالكامل.

وينتقد التناقض الواضح، فبينما تطالب أوروبا ليبيا بتشديد الرقابة على الحدود، فإنها لا تقدم دائماً الدعم الكافي لبناء مؤسسات أمنية مستقرة وقادرة على إدارة هذا الملف، وفق رؤية وطنية شاملة، منوهاً أن ليبيا أصبحت عملياً جزءاً من منظومة الأمن الحدودي الأوروبي من دون أن تحصل على المكاسب السياسية والاقتصادية التي تتناسب مع حجم التحديات التي تتحملها.

الفراغ المؤسساتي

ويرى الباروني أن “ليبيا تدفع بالفعل جزءاً كبيراً من ثمن موقعها الجغرافي الاستراتيجي”، موضحاً أن المشكلة ليست في الموقع بل في غياب الدولة القوية القادرة على تحويل هذا الموقع إلى مصدر قوة ونفوذ، باعتبار أن ليبيا تقع عند نقطة التقاء ثلاث دوائر استراتيجية: البحر الأبيض المتوسط والدول العربية وعمق أفريقيا.

ويواصل حديثه قائلاً إن هذا الموقع يمنحها أهمية جيوسياسية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته يجعلها ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، لذلك لم تعد الأزمة الليبية شأناً داخلياً فقط، بل أصبحت مرتبطة بحسابات الطاقة والهجرة والأمن وموازين القوى في البحر المتوسط وأفريقيا.

وفي السياق ذاته يشدد الباروني على أن الدول التي تمتلك مواقع استراتيجية مشابهة تحقق مكاسب سياسية واقتصادية ضخمة بمجرد امتلاكها مؤسسات قوية ورؤية وطنية واضحة، أما في الحالة الليبية فيقول إن الانقسام السياسي وضعف المؤسسات أديا إلى تحويل الموقع الجغرافي من فرصة استراتيجية إلى نقطة استقطاب وتنافس خارجي، وبالتالي فإن ليبيا لا تدفع ثمن الجغرافيا بقدر ما تدفع ثمن الفراغ السياسي والمؤسساتي الذي سمح للقوى الإقليمية والدولية بالتعامل معها باعتبارها ساحة نفوذ وممراً للمصالح المتعارضة، وفق ما جاء على لسانه.

ويختم بقوله إن قضية الهجرة غير النظامية تكشف بوضوح كيف أصبحت ليبيا تؤدي وظيفة أمنية تتجاوز حدودها الوطنية، بينما يكشف الجدل حول الموقع الجغرافي أن المشكلة الحقيقية ليست في الجغرافيا نفسها، بل في غياب الاستقرار السياسي والمؤسسات القادرة على توظيف هذه الجغرافيا لمصلحة الدولة.

ويذهب إلى أن ليبيا تمتلك كل مقومات التحول إلى جسر للتعاون بين أوروبا وأفريقيا، لكنها لا تزال تُستنزف كمنطقة عازلة للصراعات والأزمات بسبب استمرار الانقسامات والتدخلات الخارجية، مؤكداً أن هذا هو التحدي الاستراتيجي الأكبر الذي يواجه الدولة الليبية في المرحلة الراهنة.

________________

مرحلة انتقالية جديدة من دون مسار واضح نحو الانتخابات

عبدالله الكبير

مع كل التقدير للجهود المبذولة من كل الشخصيات الوطنية المشاركة في الحوار المهيكل، وتثمين هذه الجهود الممتدة على مدى 6 أشهر عبر مسارات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة، حتى تم التوافق على التوصيات والمقترحات النهائية، لتصبح لدينا مرجعية ليبية خالصة يمكن لصناع القرار الاستنارة بها والاستناد عليها، وتطويرها إن لزم الأمر لتكون رافعة حقيقية لتفكيك الأزمة.

فالفصل بين المسارات الأربعة كان مقدمة مهمة ليبحث كل مسار على حدة، ويشخّص الخبراء مواطن الخلل في مسيرة التحول الليبية في أهم الملفات، ثم أقتراح الحلول المناسبة للتنفيذ لتجاوز كل معوقات الإنجاز والتحول.

ورغم إعلان البعثة، وتصريحات المبعوثة الأممية السيدة حنه تيته بأن توصيات ومقترحات الحوار المهيكل غير ملزمة، ولن تفرض على السلطات الحاكمة، غير أن هذه التصريحات لا تعني نفي أي اعتبار لهذا الجهد، أو اعتباره عمل هامشي لن يحدث أي تأثير، ولن تكون مجرد ورقة ضغط على الأطراف الفاعلة لتسرع في تنفيذ بقية الاستحقاقات المطلوبة.

هذه الجهود هي جزء أساسي من المبادرة الأممية، ويمكن أن تحصل توصيات الحوار المهيكل على الدعم من مجلس الأمن، لتكون منهج عمل لأي ملتقى حوار سياسي أو هيئة تأسيسية، لوضع قواعد للإنطلاق نحو التنفيذ في كل المسارات.

غير أن اللافت في مخرجات المسار الأول الخاص بالحوكمة، وهو الملف الأكثر أهمية وعليه تبنى بقية المسارات، اقتراحه مرحلة انتقالية جديدة يعاد فيها تشكيل السلطة التنفيذية بنفس تركيبتها الحالية التي انشأها ملتقي جنيف، مع صلاحيات أوسع لرئيس المجلس الرئاسي، بمنحه سلطة إقرار الميزانية، وحق تكليف شخصيتان لوزارتي الدفاع والداخلية، بالتشاور مع رئيس الحكومة، واستمرار مجلسي النواب والدولة ومن يتبعهما لمدة 18 عشر شهرا أو 24 شهرا على أقصى تقدير !

وكأنني أرى مبادرة مسعد بولس مبعوث الرئيس الأمريكي تعود تحت عباءة الحوار المهيكل، لأن مبادرته في جانبها السياسي تقترح إعادة تشكيل المجلس الرئاسي ومنحه رئاسته لابن حفتر، واستمرار الدبيبة رئيسا للحكومة، أي تمديد المرحلة الانتقالية، ولم يأت على ذكر الانتخابات أو السبيل إليها في تصريحاته عن مبادرته، وقد رُفضت المبادرة على كل حال من أغلب المؤسسات السياسية والمدنية.

بالتوازي تستمر البعثة الأممية في رعاية الحوار الرُّباعي المُصغّر مؤملة حدوث اختراق في ملفي مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، والقاعدة الدستورية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، في إصرار غريب من البعثة على عدم النظر في مقترحات اللجنة القانونية الأخرى، مع أنها قابلة للتنفيذ أكثر من مقترح الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة.

لا تبدو ملامح المسار الأممي واضحة تماما، ولكن هذا لا يعني أنها لم تحرز أي تقدم على طريق الحل السياسي، فنجاح الحوار المهيكل وتوصياته المهمة في ملفات الأمن والاقتصاد والمصالحة لا ينبغي تجاهله.

ولكن مقترح إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في الملف السياسي يتعذر قبوله من القوى الفاعلة، ومن قطاعات واسعة من الشعب، لأنه ينقل البلاد إلى مرحلة انتقالية جديدة، من دون أفق واضح نحو الانتخابات، بل هو انتقال يبدو أقرب إلى تثبيت الأمر الواقع وفرض استقرار توافقي هشّ، لتهيئة البلاد لاستثمارات شركات النفط الأمريكية التي يسعى إليها المبعوث الأمريكي بولس.

الإصرار على تكرار حلول التجارب السابقة لن ينهي الأزمة، بل يعيد إنتاجها عبر نفس القوى المسيطرة على المشهد، بينما يستمر تجاهل الشعب ومطالبه، و يستمر تجاهل مشروع الدستور.

لقد قام اتفاق الصخيرات على تأسيس سلطة مؤقتة لمدة عام أو عامين ثم تجرى الانتخابات، واستمرت السلطة المنبثقة عنه خمس سنوات انتهت بحرب عنيفة في طرابلس.

وبعد عدوان حفتر على طرابلس وهزيمته وتقويض مشروعه في السيطرة على البلاد بقوة السلاح، رفضت السلطات القائمة حسم الصراع عبر الانتخابات أو الاستفتاء على مسودة الدستور، وأصرّت على الذهاب إلى مرحلة انتقالية جديدة تمهد للانتخابات.

 ما تزال السلطة الناتجة عن اتفاق تونس جنيف مستمرة حتى اليوم ولم تقع الانتخابات، فما الذي سيجعل التجربة المكررة مختلفة هذه المرة؟

وما هي الضمانات التي يمكن أن تقدمها الأمم المتحدة أو أي دولة وسيطة في إجراء الانتخابات عقب هذه المرحلة الانتقالية الجديدة؟

اعتبار مفتاح حل الأزمة الليبية هو تغيير السلطة التنفيذية توجه أثبت فشله، لأنه ينتج سلطة مؤقتة جديدة تتقاسمها السلطات التشريعية القائمة والفواعل العسكرية صاحبة النفوذ والتأثير، ليبدو أن هناك تغييرا قد وقع، ولكن آليات اقتسام المناصب والموارد تستمر دونما تغيير.

لذلك تبقى الأزمة في حركة دائرية تعود فيها بعد بضع سنوات إلى نفس نقطة انطلاقها الأولى، وكسر هذه الدائرة يستلزم إعادة بناء المشهد السياسي بهيئة تأسيسية جديدة منتخبة أو العودة للمسار الدستوري كما اعتمد في الإعلان الدستوري بالاستفتاء على مسودة الدستور.

________________

كيف أصبح المهاجر عدو ليبيا المُفضّل؟

علي العسبلي


خلال الأسابيع الأخيرة شهدت ليبيا تصاعداً غير مسبوق في حملات التحريض ضدّ المهاجرين واللاجئين. لم تعد المسألة تقتصر على منشورات غاضبة هنا أو مقاطع فيديو عنصرية هناك، بل تحوّلت إلى موجة واسعة شاركت فيها شخصيات عامة وصنّاع محتوى ووسائل إعلام وجهات رسمية، ترافقها دعوات إلى طرد المهاجرين وإغلاق المنظّمات الإنسانية، ووقف عمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وسط خطاب مُتزايد عن “التوطين” و”التغيير الديمغرافي”.

في خضم هذه الحملة، صار من السهل أن يعتقد المرء أنّ المهاجرين هم المشكلة الأكبر التي تواجه ليبيا اليوم، وأنّ العامل السوداني أو التشادي الذي يبحث عن فرصة عمل أصبح خطراً يفوق الفساد المُستشري، والانقسام السياسي، والمليشيات المُتناحرة، والانهيار المُزمن للخدمات العامة والفشل الكامل لمؤسّسات الدولة.

ربّما لهذا السبب لا يُثير قلقي حجم الكراهية الموجّهة ضدّ المهاجرين بقدر ما يثير قلقي الاتجاه الذي تسلكه هذه الكراهية. فحين يبدأ مجتمع غاضب ومُحبط بتوجيه غضبه نحو الفئة الأضعف فيه، يصبح من الضروري أن نسأل: كيف أصبح المهاجر عدو ليبيا المُفضّل؟

تحوّل المهاجر في الخطاب العام الليبي بصورته النمطية إلى شماعة جاهزة لكلّ مشكلة تقريباً

خلال السنوات الماضية تحوّل المهاجر في الخطاب العام الليبي بصورته النمطية إلى شماعة جاهزة لكلّ مشكلة تقريباً. المخدرات تُلصق بالمهاجرين، والجريمة تُلصق بالمهاجرين، والأمراض والبطالة وحتى تدهور الأوضاع الأمنية تُلصق بالمهاجرين. وكأنّ المليشيات المُتناحرة والفساد الذي التهم الدولة والانقسام السياسي والاقتصاد الريعي وانتشار السلاح والتصحّر المؤسساتي، كلّها تفاصيل هامشية أمام عامل جاء يبحث عن لقمة عيش.

ما يحصل ليس مصادفة. فعندما تفشل السلطات في تقديم حلول حقيقية للناس، وعندما تريد التهرّب من مسؤولياتها، تُسارع دائماً إلى اختراع عدو أضعف يمكن تحميله المسؤولية. إنّها لعبة مكشوفة تمارسها السلطات المُتنافسة في شرق البلاد وغربها، وغالباً ما تشارك في إنتاج سردية شيطنة المهاجرين والاستفادة منها.

فكلّما ارتفعت الأسعار، أو تردّت الأوضاع المعيشية أو تعرقلت الخدمات، أو تفاقمت الأزمات السياسية، عاد ملف الهجرة فجأة إلى الواجهة من حيث لا ندري. تتحوّل الكاميرات نحو المهاجرين وتبدأ الحملات الأمنية والاستعراضات الإعلامية، وتُختزل مشكلات ليبيا في وجود عمال أفارقة في الشوارع.

لكن نجاح هذه الدعاية لا يعتمد على السلطة وحدها. فلكي تتحوّل الأكاذيب إلى قناعات شعبية، لا بُدّ من وجود بيئة اجتماعية حاضنة ومستعدّة لتلقيها وإعادة إنتاجها وترويجها.

في بلد منكوب مثل ليبيا، اعتاد الناس فيه رؤية التعذيب والاختفاء القسري والحروب والانتهاكات بشكل يومي، ومن دون محاسبة، ليس مستغرباً أن يصبح العنف ضدّ المهاجرين أمراً عادياً أيضاً. فعندما يجري تطبيع العنف ضدّ فئة معينة، يصبح من السهل توسيع الدائرة لتشمل فئات أخرى، حتى يتحوّل ذلك إلى ثقافة سائدة تجعل من إذلال الإنسان أمراً مقبولاً ما دام أنّه أضعف منك.

ربّما لهذا السبب تحديداً، يبدو المجتمع الذي يكرّر باستمرار أنّه مجتمع محافظ وكريم ومُتديّن ومضياف، غير حريص كثيراً على تطبيق هذه القيم عندما يتعلّق الأمر بالمهاجرين. نحن نحبّ الحديث عن إكرام الضيف، لكنّنا ننسى أنّ كثيراً من هؤلاء لم يأتوا للسياحة أصلاً. فقد وصل أغلبهم بعد أن دفعتهم الحروب أو الفقر أو القمع إلى الرحيل.

ننسى أنّ كثيراً من هؤلاء لم يأتوا للسياحة أصلاً. فقد وصل أغلبهم بعد أن دفعتهم الحروب أو الفقر أو القمع إلى الرحيل

قبل أن تشتم مُهاجراً أو تطالبه بالرحيل، فكّر للحظة في طول الطريق الذي أوصله إلى هنا. فكّر في الصحراء القاحلة التي عبرها. في المهرّبين وتجّار البشر المُجرمين الذين استغلوه، والذين يجدر بك لومهم. في مراكز الاحتجاز المروّعة التي قد يكون سُجن فيها. في التعذيب أو الابتزاز أو الاستغلال الذي ربّما تعرّض له. كثير من هؤلاء عاشوا من الأهوال ما يكفي لعدّة أعمار فوق أعمارهم.

أقول هذا أيضاً انطلاقاً من تجربة شخصية، كوني أعيش مُهاجراً منذ أكثر من عقد من الزمن. أعرف جيداً معنى أن تضطر إلى حزم حقائبك والرحيل، وأن تعيش بعيداً عن مسقط رأسك. أعرف معنى أن تكون غريباً وسط وجوه لا تعرفها، وثقافة لم تنشأ فيها، وربّما لغة لم تعتد عليها. أحياناً تكفي ابتسامة من شخص عابر لتجعل يومك أفضل، وأحياناً تكفي نظرة أو كلمة لتُذكّرك بأنّك في مكان ليس مكانك.

لهذا أجد قدراً كبيراً من السخرية في رؤية بعض الليبيين المُهاجرين في أوروبا وبريطانيا وهم ينشرون يومياً منشورات تطالب بطرد المهاجرين من ليبيا، وفي الوقت ذاته يشتكون من سياسات الهجرة المُتشدّدة في البلدان التي يعيشون فيها، ثم يطالبون بتطبيق ما هو أكثر قسوة على أشخاص يعيشون الظروف نفسها التي مرّوا بها.

النقاش الحقيقي لا يتعلّق بالمهاجرين أصلاً، بل بثقافة تبحث دائماً عن ضحية جديدة تحملها أوزار فشلها وأزماتها وعقدها واضطراباتها

السخرية تصبح أكبر عندما نستمع إلى من يردّدون، عن غير وعي، الحديث عن التوطين ويحوّلون هذه الفزاعة إلى تفسير جاهز لكلّ شيء. فجأة أصبح الجميع خبراء في الديمغرافيا، يتحدّثون عن مؤامرات عالمية لتغيير هُويّة ليبيا واستبدال سكّانها، رغم أنّ معظم من يردّدون هذه المصطلحات لا يعرفون حتى معناها.

الواقع أنّ ليبيا اليوم ليست وجهة يحلم الناس بالاستقرار فيها، فهي بلد يعيش أزمة مُزمنة مُستمرّة منذ أكثر من عقد، ولا تلوح في الأفق نهاية قريبة لها. ومع ذلك يجري تصويرها وكأنّها الهدف النهائي لمؤامرة ديمغرافية كونية.

أمّا الحديث عن “حماية العادات والتقاليد” فيبدو غريباً بدوره، لأنّ العادات والتقاليد ليست قطعاً أثرية محفوظة داخل متحف، فكلّ ثقافة في العالم هي نتاج تفاعل مستمر بين البشر والهجرات والتجارة والحروب والأفكار. وهذا ماحدث دائماً وسيستمر في الحدوث مهما قاومناه.

في جوهر الأمر، تكشف موجة الكراهية المُستمرّة والمُتصاعدة ضدّ المهاجرين في ليبيا عن أزمة أعمق من ملف الهجرة نفسه. إنّها ليست أزمة حدود أو قوانين أو تشريعات فحسب، بل أزمة هوية وثقة بالنفس. فالمجتمع الواثق بنفسه لا يخاف من وجود المُختلف، ولا يرى في كلّ غريب مشروع تهديد. أمّا المجتمعات المُضطربة في حاضرها والقلقة بشأن مستقبلها فتميل إلى البحث عن أعداء في كلّ اتجاه.

نحن أفارقة. أصلنا من أفريقيا ونعيش في أفريقيا. ونتعامل أحياناً مع الأفارقة القادمين إلينا وكأنّهم غرباء عن القارة نفسها. وهذه المفارقة تكشف عن أزمة الهوية الليبية أكثر مما تكشف أيّ شيء آخر.

وربما في نهاية المطاف ما يُثير استغرابنا ليس ما يقوله الكبار، بل ما يتعلّمه الأطفال وهم يشاهدون كلّ ذلك. فالطفل لا يولد وهو يكره شخصاً بسبب لونه أو جنسيته أو عرقه، بل يتعلّم ذلك من محيطه. وحين يصبح رجم إنسان بالحجارة مشهداً مضحكاً أمام الكاميرا، فالمشكلة لم تعد في الجاني أو الضحية، بل في مجتمع بدأ يفقد قدرته على رؤية إنسانية الآخرين.

لهذا لا يتعلّق النقاش الحقيقي بالمهاجرين أصلاً، بل بثقافة تبحث دائماً عن ضحية جديدة تحمّلها أوزار فشلها وأزماتها وعقدها واضطراباتها.

_______________

تعافي قطاع الطاقة في ليبيا يحتاج إلى خبرات بقدر ما يحتاج إلى استثمار

ما قد يعنيه عودة عماد بن رجب لقطاع الطاقة الليبي

على مدى العقد الماضي، عمل قطاع الطاقة الليبي في ظل ظروف كانت كفيلة باختبار حتى أقوى المؤسسات. ورغم عدم اليقين السياسي وفترات الاضطراب، استمرت الصناعة في توليد الإيرادات التي يعتمد عليها اقتصاد البلاد.

عندما ينظر المستثمرون إلى ليبيا، غالباً ما يركزون على المزايا الطبيعية الاستثنائية التي تمتلكها البلاد. تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، وموارد غازية كبيرة، وموقعاً استراتيجياً على البحر المتوسط يجعلها على مسافة قريبة من الأسواق الأوروبية.

ومع ذلك، ورغم هذه المزايا، لا يزال التعافي الاقتصادي للبلاد غير مكتمل.

لا يكمن التحدي في نقص الموارد. فليبيا لا تعاني من شح في النفط. بل يكمن التحدي في تحويل هذه الموارد إلى نمو مستدام، وجذب الاستثمار، وبناء القدرات المؤسسية اللازمة لتعظيم القيمة على المدى الطويل.

تتطلب هذه العملية أكثر من مجرد رأس المال. إنها تتطلب أشخاصاً ذوي خبرة.

خلال العقد الماضي، أثبت جيل من المتخصصين في الطاقة قدرتهم على إدارة أحد أكثر القطاعات أهمية استراتيجية في أفريقيا في ظروف صعبة بشكل استثنائي. وبينما تسعى ليبيا إلى زيادة الإنتاج، وتحديث البنية التحتية، وجذب شركاء دوليين، تصبح هذه الخبرة ذات قيمة متزايدة.

تدخل البلاد هذه الفترة وفي جعبتها فرص كبيرة. فالطلب العالمي المتزايد على الطاقة، والبحث الأوروبي المستمر عن مصادر إمداد متنوعة، وقرب ليبيا من الأسواق الرئيسية، كلها عوامل تهيئ ظروفاً يمكن أن تدعم نمواً كبيراً إذا ما توافرت السياسات والقيادة المناسبة.

وفي الوقت نفسه، تواجه ليبيا تحديات مألوفة. فالبنية التحتية تحتاج إلى استثمارات. ويجب توسيع الطاقة الإنتاجية وتحديثها. ويحتاج المستثمرون الدوليون إلى ضمانات بأن المشاريع يمكن أن تمضي قدماً بشكل يمكن التنبؤ به وبكفاءة. وسيعتمد التغلب على هذه التحديات ليس فقط على التمويل، بل أيضاً على توفر المهنيين ذوي الخبرة القادرين على الإبحار في قطاع شديد التعقيد.

لذلك، جذبت التطورات الأخيرة التي تخص عماد بن رجب، الرئيس التنفيذي السابق لمؤسسة النفط الوطنية، انتباهاً يتجاوز الأوساط القانونية. فقد أيدت المحكمة العليا الليبية مؤخراً تبرئة عماد بن رجب بشكل كامل، بعد قضية طويلة أبعدت فعلياً أحد أبرز شخصيات قطاع الطاقة في البلاد.

إن أهمية هذا الأمر تتجاوز الحكم الفردي بحد ذاته.

فقد وجدت مراجعة المحكمة، وفقاً لما هو مُعلن، أن الأدلة الفنية الرئيسية التي استندت إليها الاتهامات الأصلية كانت معيبة. ووفقاً للنتائج التي قُدمت أثناء الإجراءات، فإن التحليل المخبري الذي شكل أساس الادعاءات قد أُجري في منشأة لم تكن حاصلة على الاعتماد المناسب للاختبارات المطلوبة. كما خلص المحققون إلى أن مشاكل جودة الوقود كانت مرتبطة بأوجه قصور في الصيانة وظروف التخزين، وليس بسوء تصرف متعمد.

علاوة على ذلك، لم تجد التقييمات الفنية أي دليل على وجود خسائر فادحة كما كان يُزعم سابقاً. ويُقال إن شحنة الوقود التي كانت محور القضية عولجت من خلال إجراءات مزج قياسية، ولم تسفر عن ضرر مالي جسيم كما ادُعي في البداية. قادت هذه النتائج المحاكم إلى استنتاج مختلف بشكل ملحوظ عن ذلك الذي تم التوصل إليه خلال المراحل السابقة من القضية.

بالنسبة للكثيرين داخل قطاع الطاقة الليبي، فإن هذه النتيجة مهمة لأنها تفتح إمكانية أن يساهم المهنيون ذوو الخبرة مرة أخرى في صناعة لا تزال محورية للمستقبل الاقتصادي للبلاد.

هذا الأمر لا يهم ليبيا فحسب، بل أفريقيا على نطاق أوسع.

ففي جميع أنحاء القارة، تواجه الاقتصادات الغنية بالموارد تحدياً مشتركاً. فالموارد الطبيعية وحدها لا تولد الازدهار. فالنمو يعتمد على المؤسسات، والبنية التحتية، والاستثمارات، والأشخاص القادرين على إدارتها بفعالية.

يُظهر قطاع الطاقة الليبي هذه الحقيقة بوضوح. فالبلاد تمتلك الاحتياطيات بالفعل. ما تحتاجه هو مزيج من الخبرات والاستثمارات والاستقرار اللازم لإطلاق قيمتها الكاملة.

لذا، ينبغي النظر إلى عودة الشخصيات ذات الخبرة إلى الحياة العامة والمهنية من خلال عدسة اقتصادية وليست سياسية. فالقطاعات الناجحة في الطاقة تُبنى على مدى عقود. لا يمكن استبدال المعرفة المؤسسية (التراكمية) بين عشية وضحاها، خاصة في الصناعات المعقدة تقنياً مثل النفط والغاز.

طوال مسيرته المهنية، بنى عماد بن رجب سمعة كشخصية مطلعة وقادرة داخل قطاع الطاقة الليبي. وقد أشار مراقبو الصناعة مراراً إلى فهمه للتحديات التشغيلية والتجارية والاستراتيجية التي تواجه البلاد في وقت كان فيه الحفاظ على الإنتاج والصادرات يتطلب غالباً الإبحار في ظروف صعبة للغاية.

يعتقد الكثيرون داخل القطاع أن متخصصين مثل عماد بن رجب لعبوا دوراً مهماً في مساعدة مؤسسة النفط الوطنية على تجاوز فترات عدم اليقين، مع الحفاظ على الاستمرارية التشغيلية وحماية أحد أهم مصادر الدخل القومي لليبيا.

هذه الخبرة لا تزال ذات صلة اليوم.

المستثمرون الذين يقيمون آفاق ليبيا المستقبلية سيركزون بطبيعة الحال على أهداف الإنتاج، ومشاريع البنية التحتية، والطاقة التصديرية. ومع ذلك، فإن رأس المال البشري لا يقل أهمية. إن القدرة على الاحتفاظ بالمهنيين ذوي الخبرة والاستفادة من خبراتهم قد تثبت قيمتها بقدر جولة الاستثمار التالية.

كما جددت تبرئة عماد بن رجب الأخيرة النقاش حول أهمية الخبرة والمعرفة المؤسسية داخل قطاع الطاقة الليبي. وبينما تسعى ليبيا إلى تعزيز الإنتاج وجذب المزيد من الاستثمارات، فإن القدرة على الاستفادة من المهنيين المتمرسين ذوي الفهم العميق للصناعة قد تصبح ميزة مهمة.

لا يزال تعافي ليبيا عملاً قيد التقدم. فلا تزال التحديات قائمة، ولا تزال الإصلاحات مطلوبة، ولم يختفِ عدم اليقين السياسي.

ومع ذلك، لا تزال الأساسيات طويلة الأجل للبلاد من بين الأقوى في القارة. فاحتياطياتها الهائلة من الطاقة، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وقربها من الأسواق الأوروبية توفر مزايا لا يستطيع سوى القليل من الدول مجاراتها. إذا تمكنت ليبيا من الجمع بين هذه المزايا وبين مؤسسات فعالة، وقيادة متمرسة، واستثمارات مستدامة، فلديه القدرة على أن تصبح واحدة من قصص النجاح الاقتصادي الأكثر أهمية في أفريقيا.

لذلك، يجب أن يركز الحديث حول مستقبل ليبيا ليس فقط على براميل النفط أو مستويات الاستثمار الأجنبي. بل يجب أن يركز أيضاً على الأشخاص والخبرات اللازمة لتحويل تلك المزايا إلى ازدهار دائم.

بالنسبة لليبيا، فإن طريق التعافي الاقتصادي لن يتشكل فقط بما يقع تحت سطح الأرض، بل بالمهنيين القادرين على تحويل هذه الموارد إلى نمو وفرص وتنمية وطنية طويلة الأجل.

_______________


الحوار المهيكل … قفزة جديدة في الهواء

الحبيب الأسود

الحوار المهيكل ليس مجرد وثيقة جديدة بل محاولة لتصحيح مسار التجارب السابقة بوضع إطار زمني صارم وضمانات رقابية تمنع الانقسام وتفتح الطريق للانتخابات.

قفزة جديدة في الهواء جاءت هذه المرة من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عبر الإعلان عن مخرجات الحوار المهيكل الذي أدارت جلساته وأشرفت عليه في إطار خارطة طريقها لتأمين الحل السياسي.

كل المعطيات المتاحة تكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن حساب الحقل لا يتطابق مع حساب البيدر؛ فالاعتقاد بإمكانية تغيير مسارات الوضع الليبي يبقى وهمًا لدى الناشطين من خارج دائرة التأثير الفعلي في مجريات الأحداث، حيث تتقاطع مصالح الفرقاء الممسكين بخيوط اللعبة، الساعين إلى تحقيق أهدافهم الموضوعية، ومنها عرقلة أي مشروع للحل قد يهدد امتيازاتهم أو يبدد طموحاتهم في الاستمرار بالاستئثار بالسلطة.

رئيسة البعثة الأممية هانا تيتيه قالت: “على الرغم من اختلاف وجهات النظر والأولويات، أثبت الحوار المهيكل أن الحوار البنّاء عبر الانقسامات السياسية والجغرافية والجيلية والمؤسساتية لا يزال ممكنًا إلى حد كبير”، ووعدت بأن “المرحلة المقبلة من العملية السياسية في ليبيا ستظل قائمة على جهود يقودها الليبيون أنفسهم، وستُستخدم للدفع نحو تنفيذ التوصيات والإصلاحات الجوهرية التي بلورها الحوار المهيكل، سواء من قبل المؤسسات القائمة حاليًا أو في المرحلة التي تلي الانتخابات”.

عمليًا، لا شيء يدعم موقف السيدة تيتيه على أرض الواقع، بقدر ما تثبت الانقسامات داخل الحوار ذاته أن الجهود الأممية لا تزال تراوح مكانها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وأن وظيفتها لا تتجاوز إطفاء الحرائق الطارئة من دون الكشف عن أسبابها الحقيقية أو ملاحقة اللاعبين الذين يشعلونها بين براميل النفط.

من الصعب الاعتقاد أن السيدة تيتيه ومساعديها يجهلون الواقع أو يتجاهلونه؛ فليبيا اليوم منقسمة على نفسها وفق ما يخدم مصالح القوى الفاعلة على الأرض، والفرقاء يبدون مرتاحين للمشهد الحالي، خصوصًا بعد التخلص من سيف الإسلام القذافي باغتياله في الثالث من فبراير الماضي.

ما يهمهم هو تكريس سلطة التحالف القائم بين نفوذ الأسرة وقوة السلاح ومصالح اللوبيات، وقد تحقق ذلك بالفعل على الأرض ويجد طريقه نحو التثبيت بتوافق إقليمي ودولي. أما جهود الأمم المتحدة فليست لها آليات تفعيل مؤثرة على خارطة الأوضاع كما شكلتها إرادات المتصارعين ثم قررت اعتمادها في تقاسم المصالح.

إذا كان هناك ما يحتاج إلى قراءة متأنية من قبل البعثة الأممية، فهو الواقع كما فرضته التوازنات الميدانية والاجتماعية وحولته إلى معطى سياسي يصعب اختراقه أو تجاوزه، وإلى حالة مالية واقتصادية مرتبطة بخيارات الإدارتين المسيطرتين على مقاليد الشأن العام في طرابلس وبنغازي.

أما ما عدا ذلك، فهو مجرد إضاعة للوقت وتبرير لصرف المال واستنزاف للقدرات البشرية وتقليص للفرص، لاسيما وأن مخرجات الحوار المهيكل غير ملزمة، وبالتالي فهي مجرد مقترحات تُرفع إلى مجلس الأمن لتضاف إلى أرشيف الأزمة الليبية في المنتظم الأممي.

مخرجات الحوار اقترحت تشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين، على أن تناط بالرئيس مهام القيادة العليا للقوات المسلحة واعتماد الميزانية العامة وتعيين السفراء، بالإضافة إلى التكليف المباشر لوزيري الدفاع والخارجية والإشراف عليهما، بينما يشارك نائباه في إعلان حالة الطوارئ واتخاذ قرار الحرب والسلم.

مبدئيًا يسعى رئيس المجلس الحالي محمد المنفي إلى تتفيه أي مقترح يمكن أن يطيح به من منصبه الذي أصبح بالنسبة إليه غنيمة لا يمكن التفريط فيها. بالنسبة للمنطقة الشرقية التي يتحدر منها المنفي، فإن أبناءها لن يقعوا في الخطأ نفسه مرة أخرى، بعد أن انقلب عليهم وبات يمثل قوة منفصلة عن خارطة التوازنات التي جيء به للمساهمة في تفعيلها.

مختلف التسريبات تشير إلى أن الجانب الأميركي يسير في الاتجاه نفسه، ويقترح إسناد منصب رئيس المجلس الرئاسي إلى الفريق صدام حفتر نائب القائد العام للجيش الليبي، لكن ذلك يصطدم برفض مطلق من القوى الراديكالية في مصراتة وطرابلس التي لا تقبل بدخول صدام في صورة القائد الفاتح إلى العاصمة، ولا بما قد تمثله رمزية ذلك المشهد من تكريس واقع جديد يقلب موازين القوى الحالية ويطيح بحسابات المستفيدين من الوضع الراهن.

المخرجات دعت إلى تشكيل حكومة موحدة مؤقتة تنحصر مهامها في تهيئة البيئة الأمنية والسياسية لإجراء الانتخابات، مع التأكيد على عدم تمديد ولايتها أو توسيع صلاحياتها خارج الإطار المحدد لها.

هذه الدعوة تتكرر منذ سنوات ولا تجد آذانًا صاغية. بالنسبة للفريق الممسك بمقاليد الحكم في غرب البلاد وعلى رأسه إبراهيم الدبيبة ووالده الحاج علي وخاله عبد الحميد ومدير العمليات الخاصة وليد اللافي، فإنها مجرد نكتة لا تستحق الرد.

بالنسبة إليهم، تسليم السلطة غير وارد، وهم يملكون توافقًا على ذلك مع القوى الفاعلة في بقية مناطق البلاد، ويجيدون التفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية، ويمتلكون موهبة اللعب على التناقضات وإعطاء كل طرف ما يحتاج إليه من ضمانات لتأمين مصالحه.

أما الوضع في بنغازي فقد تشكّل وفق توازنات قبلية واجتماعية وميدانية على أساس نظام حكم الأسرة، في محاولة للعودة بالبلاد إلى إرهاصات ظهور الكيان الليبي بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، وذلك مع إعلان إدريس السنوسي إمارة برقة مستقلة بدستور مستقل في 1 مارس 1949 بدعم من المملكة المتحدة.

الثابت أن خليفة حفتر لم يعلن استقلال مناطق نفوذه التي تتجاوز 80% من مساحة البلاد، ولن يفعل ذلك، لكنه يطمح إلى ما هو أهم: بسط سيطرته على كامل الجغرافيا الليبية، سواء باتفاق سياسي شامل، أو بتنسيق مع القوى الأمنية والعسكرية في الغرب، أو بضوء أخضر إقليمي ودولي لتحقيق ذلك بقوة السلاح.

أوصت المخرجات بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ووضع آليات تضمن استقلاليتها وحمايتها من التجاذبات السياسية، إلى جانب التوافق على قاعدة دستورية واضحة تسبق الاستحقاق الانتخابي، مع طرح خيار “الاستفتاء التحكيمي” كأداة لتمكين الليبيين من حسم القضايا الدستورية العالقة.

هذه التوصيات لن تخرج بليبيا من مربع الخلافات حول المسارين الدستوري والانتخابي، وهي خلافات مرتبطة بالصراع السياسي الذي لا يمكن فصله عن الوضع الأمني والعسكري.

وإذا كانت تلك التوصيات قد كشفت عن حقيقة لا تقبل الجدل، فقد كشفت أيضًا عن عبثية القرارات الصادرة عن مجلسي النواب والدولة، اللذين سبق أن أعلنا انتخاب رئيس وأعضاء جدد للمفوضية دون تفعيل لذلك، باعتبار أن القرار الحقيقي يتجاوزهما، وهو ملك للقوى التي تفرض وصايتها من خلف الستار على القرار الليبي.

أن تكون مخرجات الحوار المهيكل قفزة جديدة في الهواء، فلأن ملامح الوضع النهائي في ليبيا بدأت تتشكل وفق رغبة من يرفع السلاح ويضع يده على الثروة، ومن قرأ تاريخ البلاد ويعمل بقوة على تجاوز نقاط ضعف النظامين الملكي و”الجماهيري”، حتى لا ينقلب عليه كما حدث للملك إدريس أو يُطاح به بتدخل خارجي كما حصل مع القذافي.

____________

شبكة المدفوعات الإلكترونية في ليبيا: الهشاشة البنيوية وحدود الإشراف

أسعد عون الله

لم يكن العطل الذي ضرب شبكة المدفوعات المحلية في ليبيا عشية عيد الأضحى 2026 مجرد خلل تقني عادي. بل كان اختبار إجهاد حقيقياً لنظام دفع أصبح محورياً في الحياة اليومية في ليبيا، وقد فشل في لحظة لم يكن ينبغي أن تفاجئ أحداً.

حجم ما كان على المحك

لفهم ما حدث، يجب أولاً استيعاب مدى تغلغل المدفوعات الإلكترونية في الاقتصاد الليبي. وفقاً للأرقام التي نشرتها وكالة الأنباء الليبية في فبراير 2026، بلغ عدد البطاقات المصرفية المُفعَّلة حوالي 5.5 مليون بطاقة، بينما وصل عدد المشتركين في تطبيقات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول إلى 4.29 مليون مستخدم، نفذوا مجتمعين أكثر من 200 مليون معاملة بقيمة إجمالية بلغت 313.6 مليار دينار.

كما بلغ عدد أجهزة نقاط البيع 165,313 جهازاً على مستوى البلاد، عالجت 288.6 مليون معاملة بقيمة 37.8 مليار دينار.

هذه ليست إحصائيات مشروع تجريبي أو مبادرة ناشئة. إنها تصف بنية تحتية اقتصادية أساسية يعتمد عليها ملايين الليبيين يومياً. وعندما تتعطل هذه البنية التحتية، فإن العواقب ليست تقنية فحسب، بل تترجم فوراً إلى خسائر في المبيعات، وطوابير مزدحمة، ونزاعات بين التجار والعملاء، وتآكل في الثقة العامة يصعب إصلاحه أكثر بكثير من أي خادم.

الاثنين 25 مايو: نقطة الانهيار

صادف 25 مايو 2026 ذروة موسم التسوق قبل العيد، وهو أكثر فترة نشاط استهلاكي ازدحاماً في التقويم الليبي. تعرضت أجهزة نقاط البيع في جميع أنحاء البلاد لضغط استثنائي. لم تتحمل البنية التحتية.

أين يقع الخلل حقاً

وجدت البنوك التجارية نفسها في مرمى الشكاوى، لأن المواطنين والتجار لديهم حساباتهم لديها. لكن الفشل التشغيلي نشأ في مكان آخر: مع شركة معاملات، مشغل الموزع الوطني وشبكة المدفوعات المحلية المعروفة باسم “نمو”.

ينص موقع خدمة (ليبيا دفع) صراحة على أن الخدمة مملوكة لمصرف ليبيا المركزي وتُشغَّل من قبل شركة معاملات ضمن إطار الموزع الوطني. وتؤكد شروط الخدمة أن النظام يشكل جزءاً من شبكة المدفوعات الوطنية “نمو”، تحت إدارة الشركة نفسها. لذلك، فإن أي قراءة للأحداث تضع المسؤولية الأساسية على عاتق البنوك التجارية هي قراءة ناقصة، وتُحرف الضغط بشكل مريح بعيداً عن الكيان الذي يسيطر على العقدة المركزية للنظام بأكمله.

الأكثر إثارة للقلق من العطل نفسه كانت الحالات التي تم فيها خصم رصيد العميل دون وصول المبلغ المقابل إلى التاجر. تحمل هذه الفئة من الأعطال ثقلاً يتجاوز مجرد خلل تقني. إنها انهيار في التسوية، واعتداء مباشر على الثقة الأساسية التي تعتمد عليها المدفوعات الإلكترونية. يرى العميل الأموال تغادر حسابه، ويرى التاجر عدم وصول شيء، ويغرق البنك في شكاوى يفتقر إلى السلطة المنفردة لحلها.

أرقام مبهرة، لا ضمان للجاهزية

في أكتوبر 2025، عقد محافظ مصرف ليبيا المركزي اجتماعاً مع مجلس إدارة شركة معاملات لمعالجة عطل سابق أثر على الموزع الوطني وخدمات نقاط البيع. وأعلن المصرف المركزي آنذاك أن الموزع الوطني هو “نظام سيادي والعمود الفقري لخدمات المدفوعات الإلكترونية”، وأن أي انقطاع “غير مقبول لأي فترة زمنية”، مع الاتفاق على تدابير لمنع التكرار ورفع جاهزية مراكز البيانات. بعد أقل من سبعة أشهر، تكرر العطل، في ذروة موسمية كانت متوقعة تماماً.

عند هذه النقطة، يتحول السؤال من الجانب التقني إلى الجانب التنظيمي: هل كانت التزامات شركة معاملات قابلة للقياس والتحقق؟ هل راقب المصرف المركزي تنفيذها؟ هل تم إجراء اختبارات تحمل على الشبكة قبل موسم العيد؟ وهناك معايير أداء واضحة، أو عقوبات ذات معنى، في حال الفشل؟

نجح المصرف المركزي في دفع الأرقام الرئيسية للتحول الرقمي في ليبيا إلى الأمام. لكن هذا العطل يكشف عن فجوة عميقة ومتسعة: نمو سريع في الاستخدام تقابله هشاشة مزمنة في الموثوقية التشغيلية، ونموذج إشرافي لم يواكب هذا التطور.

إن توسيع الشبكة لتشمل 165,000 جهاز وملايين المستخدمين يحمل قيمة حقيقية ضئيلة إذا كانت البنية التحتية التي تحمل هذا التوسع لا تستطيع الصمود في الأيام التي تكون هناك بأمس الحاجة إليها.

ما هو مطلوب فعلاً

لا يمكن أن يبدأ الرد على هذا الفشل باعتذار في بيان صحفي وينتهي باجتماع آخر. المطلوب هو إجراءات هيكلية على عدة مستويات:

  • الشفافية الفورية: يجب على المصرف المركزي وشركة معاملات نشر رواية رسمية واضحة تحدد سبب العطل ومدته وعدد المعاملات المتأثرة، والأهم، عدد المعاملات التي تم خصمها دون تسوية فورية، بالإضافة إلى جدول زمني لحلها. الحد الأدنى من الثقة العامة يبدأ بمعرفة المواطنين والتجار بما حدث فعلاً.
  • إطار تنظيمي ملزم: اتفاقية مستوى خدمة واضحة بين المصرف المركزي وشركة معاملات، تتضمن مؤشرات أداء محددة، ونسب تشغيل، وأوقات استجابة للأعطال، وأطر زمنية لعكس المعاملات الفاشلة، مع فرض عقوبات مالية حقيقية مقابل عدم الامتثال. يجب إجراء اختبارات تحمل إلزامية قبل رمضان، ومواسم العيد، وفترات صرف الرواتب. لا ينبغي اختبار تحمل الشبكة أمام الجمهور، في وسط السوق.
  • تقليل نقاط الفشل الفردية: لا يعني الملكية السيادية للموزع الوطني احتكار العمليات أو غياب البدائل. يمكن للنظام أن يظل تحت إشراف المصرف المركزي بينما يتم تطوير التوجيه الاحتياطي للحركة، ومراكز بيانات مستقلة، ومقدمي خدمات تقنيين داعمين، لتوزيع الحمل وتقليل المخاطر الوجودية للاعتماد الكلي على مشغل واحد.

الخلاصة

هذا العطل لم يكشف ضعف شركة معاملات وحدها. بل كشف حقيقة أن نموذج الإشراف في ليبيا لم يواكب سرعة توسعها. في بضع سنوات قصيرة، بنت ليبيا شبكة مدفوعات إلكترونية بأرقام مثيرة للإعجاب حقاً.

لكن قوة الشبكة لا تُقاس بحجم المعاملات في الأوقات العادية. بل تُقاس بقدرتها على إتمام معاملة في اليوم الذي يحتاج فيه مواطن أو تاجر إليها بشدة.

كان ذلك اليوم هو 25 مايو 2026. وفشلت الشبكة.

__________

ساتر التراب الليبي وفزّاعة التوطين

صلاح الهوني

الاتهام بالتوطين يجعل أيّ نشاط أممي مشبوهًا بذاته، فيما يصعب على المفوضية الردّ بفعالية في بيئة مؤسسية هشّة يستطيع أيّ طرف فيها توظيف الملف لمصلحته السياسية الخاصة.

حين أحاط محتجون ليبيون، مداخل مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج بسواتر ترابية، وحين اقتحم آخرون مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في جنزور، لم يكونوا يحتجّون على منظمة دولية فحسب.

كانوا يصرخون في مواجهة شعور أعمق: أن وطنهم يُدار عن بعد، وأن قرارات تمسّ هويته الديموغرافية تُتّخذ في أروقة لا يملكون مفاتيحها. هذا الشعور، صائبًا كان أم مُضخَّمًا، يكشف عن أزمة سيادة أخطر بكثير من أي موجة هجرة.

الشرارة كانت وسم “لا للتوطين”، انتشر بسرعة قياسية على منصات التواصل في أواخر أيار/مايو، مصحوبًا بوثائق ومنشورات تتحدث عن ترتيبات دولية لاستقرار دائم للمهاجرين في ليبيا. لم تؤكد أيّ جهة رسمية ليبية هذه المعلومات، ولا أيّ جهة أممية.

غير أن الإنكار وحده لم يكن كافيًا. في غياب سيناريو وطني موثوق ومؤسسات قادرة على الردّ بمصداقية، تملأ الشائعة الفراغ. وهذا بالضبط ما حدث.

لفهم ما جرى في طرابلس، لا بدّ من استيعاب السياق الذي أنتج هذا الخوف. ليبيا دولة لا تملك قانونًا للّجوء حتى اليوم. هذا الغياب القانوني فراغ يُغري بالتأويل: حين لا تحكم الدولةُ الملفَّ، تحكمه الشائعات.

وحين تُصدر مفوضية اللاجئين بطاقات إقامة لأشخاص على الأرض الليبية دون إطار قانوني وطني واضح، يتحوّل الفعل الروتيني إلى مادة دسمة للحديث عن مؤامرة “التوطين”.

تجدر الإشارة إلى أن المخاوف من التغيير الديموغرافي القسري مشروعة في جوهرها: لأيّ شعب الحق في تقرير تركيبته السكانية وهويته الوطنية. لكن الفارق الجوهري بين القلق المشروع وخطاب الكراهية المحرِّض يكمن بالضبط في وجود مؤسسة وطنية قادرة على معالجة هذا الملف بشفافية وسيادة.

والمفارقة أن ما يُغذّي الخوف من فقدان السيادة هو في حد ذاته أثرٌ من آثار غياب السيادة.

كيف وصلت ليبيا إلى هذا المشهد؟ تحوّلت البلاد تدريجيًا، كما يصفها خبراء شؤون المنطقة، من دولة عبور إلى بوابة رئيسية للهجرة غير النظامية نحو أوروبا. الموقع الجغرافي وحده لا يُفسّر ذلك؛ الجغرافيا لم تتغيّر. ما تغيّر هو قدرة الدولة على إدارة ما تملكه من أرض وحدود.

الحدود الجنوبية الليبية، الممتدة على آلاف الكيلومترات مع تشاد ونيجر والسودان والجزائر، ظلّت لعقود من الزمن في عهد القذافي خاضعة لمنطق سلطوي مركزي، سواء أُحبّ ذلك المنطق أم لا.

أما اليوم، فهي مساحة شبه خالية من حضور الدولة، تملأها شبكات تهريب البشر والبضائع والسلاح. وحين سُئل مسؤولون عن إمكانية التحكم بهذه الحدود، كان الجواب دومًا الإشارة إلى الانقسام السياسي وغياب الموارد المشتركة.

هنا يكمن جوهر المعادلة: ليبيا اليوم تعيش ازدواجية مؤسسية حادة بين غرب تحكمه حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وشرق يخضع فعليًا لسلطة المشير حفتر، مع تشابك أمني تزيده ميليشيات متعددة المرجعيات تعقيدًا. لا توجد سياسة هجرة وطنية واحدة. لا يوجد قرار موحّد. ما يوجد هو تنافس على الملف بين قوى تجد في ورقة الهجرة عملةً جيوسياسية نافذة – في الداخل وفي التعامل مع الضغط الأوروبي على حدٍّ سواء.

ثمة وجه آخر للأزمة؛ ليبيا دولة نفطية الثروة، لكن توزيع هذه الثروة بالغ الاختلال؛ البطالة مرتفعة بين الشباب، والخدمات العامة تتآكل، ومؤسسات الدولة تُعاني هشاشة هيكلية متراكمة. في هذا السياق، يُصبح وجود ما يقارب مليون مهاجر – كثيرون منهم في وضع غير نظامي – ضغطًا إضافيًا حقيقيًا على سوق عمل هشّ وخدمات صحية وتعليمية محدودة.

مصادر في وزارة الداخلية الليبية وصفت الأزمة بأنها باتت تُثير مخاوف جدّية من زعزعة التوازن الديموغرافي وإنهاك القدرة الاستيعابية للمؤسسات. هذا ليس خطابًا شعبويًا فارغًا – إنه انعكاس لواقع يشعر به المواطن يوميًا. ومع ذلك، فإن الاستجابة لهذا الواقع تبقى رهينة قدرة الدولة على ترجمة المخاوف إلى سياسات بدلًا من ترك الميدان لحملات التحريض وردود الفعل العاطفية.

لفهم موقف الأمم المتحدة، لا بدّ من فصل المؤسسة عن القصة المروجة عنها. لا يوجد أيّ دليل موثّق على أن المفوضية أو أيّ هيئة أممية تسعى فعليًا إلى “توطين” مهاجرين في ليبيا دون موافقة الدولة الليبية.

مهمة المفوضية المُعلنة هي توثيق أوضاع اللاجئين وتمكينهم من إيجاد حلول دائمة – سواء بالعودة إلى بلدانهم أو بإعادة التوطين في دول ثالثة، ليس في ليبيا. والمنظمة العربية لحقوق الإنسان طالبت من جهتها بحماية المقرات الدولية تجنّبًا للعزلة الدولية.

غير أن هذه الحقيقة تظل رهينة قدرة الدولة الليبية على إيصالها لمواطنيها بمصداقية.

وهنا يتجلى ما وصفه بعض المحللين بـ”حرب السرديات”: الاتهام بالتوطين يجعل أيّ نشاط أممي مشبوهًا بذاته، فيما يصعب على المفوضية الردّ بفعالية في بيئة مؤسسية هشّة يستطيع أيّ طرف فيها توظيف الملف لمصلحته السياسية الخاصة.

ولعل الباحث المتخصص في الشأن الليبي أنس القماطي لخّص المأزق حين لفت إلى أن أوروبا لا تستطيع تجاوز من يملك النفوذ الفعلي على مسارات الهجرة، بصرف النظر عمّن تعترف به رسميًا وهذا التناقض بين الشرعية الرسمية والنفوذ الفعلي هو جوهر الأزمة الليبية بكاملها.

ما جرى في طرابلس يومَ الرابع من حزيران/يونيو لم يكن في جوهره احتجاجًا على المهاجرين أو على الأمم المتحدة. كان تعبيرًا عن سؤال مزمن وملحّ:

  • من يمتلك قرار ليبيا؟
  • من يُجيب نيابةً عن دولة على تساؤل مواطنيها؟
  • من يصوغ سياسة هجرة وطنية تعكس المصلحة الليبية وتحمي الكرامة الإنسانية في آنٍ واحد؟

في غياب الجواب، تتشابك الأسئلة وتتصاعد حدّتها. الانقسام السياسي يجعل أيّ سياسة هجرة وطنية أمرًا شبه مستحيل: فما توافق عليه حكومة طرابلس لا يلزم الشرق، وما يفرضه الشرق لا يُعترف به في الغرب. وفي الفراغ بين السلطتين، تعمل شبكات تهريب البشر بحرية نادرة، وتتراكم أعداد المهاجرين، ويتصاعد الغضب الشعبي الذي لا يجد قناة مؤسسية تستوعبه.

هذا هو الاختبار الحقيقي للسيادة الليبية: ليس في قدرة محتجين على إغلاق مقرّ أممي بأكوام الرمال – هذا في المتناول – بل في قدرة الليبيين على بناء مؤسسة دولة قادرة على إدارة هذا الملف بسيادة وشفافية ومسؤولية. دولة لديها قانون لجوء واضح، ورقابة فعلية على الحدود، وبروتوكول منظّم للتعامل مع وجود مليون نسمة على أراضيها لا يملك أحدهم وضعًا قانونيًا محدّدًا.

الدعوة إلى مقاربة وطنية جماعية – تخرج من مؤسسات الدولة لا من قنوات التحريض الإلكتروني – ليست ترفًا فكريًا. إنها الشرط الوحيد لتحويل الغضب المشروع إلى سياسة مجدية. ليبيا اليوم تقف عند مفترق: إما أن تبني مؤسسات تُدير هذا الملف بسيادة وكفاءة، وإما أن تترك الملف رهينة انقسام يُفيد منه الجميع إلا الليبيين أنفسهم.

حين أُغلقت أبواب مفوضية اللاجئين بالرمال في طرابلس، وجدت الكاميرات مشهدًا لافتًا. لكن المشهد الأعمق – الأكثر إلحاحًا والأقل تصويرًا – هو الفراغ الهائل خلف تلك الأبواب المُغلقة: الفراغ الذي لا يملؤه غضب شعب، ولا يسدّه ساتر من التراب.

____________

رفض التوطين يُوحّد الشارع الليبي

متظاهرون ليبيون يغلقون مقرا أمميا في طرابلس بسواتر ترابية، احتجاجا على ما وصفوها ‘محاولات توطين’ مهاجرين غير نظاميين.

 أغلق متظاهرون ليبيون اليوم الخميس مقرا أمميا في العاصمة طرابلس بسواتر ترابية وطالبوا بإغلاقه نهائيا، احتجاجا على ما وصفوها “محاولات توطين” مهاجرين غير نظاميين في بلادهم، وهو ما نفته جهات رسمية في البلاد.

ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها “لا للتوطين” و”ليبيا لليبيين” و”أنا ليبي وضد التوطين” و”الأرض ليست للبيع”. ولا ينفصل هذا التحرك عن المخاوف المتزايدة من تداعيات الهجرة على التركيبة السكانية والأوضاع الأمنية، خاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي وضعف الرقابة على الحدود الجنوبية الشاسعة، ما جعل ليبيا خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم نقاط العبور نحو أوروبا عبر البحر المتوسط.

ويعكس هذا التطور حجم الحساسية التي يثيرها ملف الهجرة داخل ليبيا، خصوصا مع تزايد أعداد الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء ومن مناطق نزاع مختلفة، في وقت تعاني فيه الدولة من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرات الأمنية.

وقالت عضو تنسيقية حراك “لا للتوطين” سالمة الشعاب، في بيان وُزع خلال الفعالية “اليوم نعلن إقفال المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في كامل التراب الليبي”.

والاثنين، أكدت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية تمسكها بالثوابت الوطنية في التصدي للظاهرة وموقفها الرافض للتوطين، وشددت على “ضرورة تحري الدقة فيما تنشره بعض الصفحات على مواقع التواصل وعدم الانجرار وراء أي دعوات تحريضية أو شائعات”.

والثلاثاء، أعربت الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها “إزاء عودة انتشار معلومات خاطئة ومضللة وخطاب تحريضي على منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك محتوى يستهدف أفرادا أو فئات محددة”، في إشارة إلى المهاجرين.

وقالت إن “مثل هذه السرديات تنطوي على خطر تأجيج التوتر وانعدام الثقة والتمييز والعنف، بما يؤثر على كرامة الناس وأمنهم وحياتهم اليومية في مختلف أنحاء ليبيا”.

وأكدت الأمم المتحدة التزامها “بمواصلة العمل مع السلطات الوطنية والمحلية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمجتمعات المحلية لتعزيز الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة”.

وشددت على أنه “في وقت تواصل فيه ليبيا مواجهة تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، تقع على عاتق جميع الأطراف مسؤولية مشتركة في الامتناع عن الخطاب الذي قد يحرض على الكراهية أو التمييز أو العنف”.

وفي 2 أبريل/نيسان 2025 أعلن جهاز الأمن الداخلي بحكومة الوحدة الوطنية إغلاق مقار 10 منظمات إنسانية دولية وتعليق نشاطها، بدعوى “تورطها في مشروعات معادية لليبيا، منها توطين المهاجرين غير النظاميين، مستغلة حالة عدم الاستقرار في البلاد”.

وفي 2 ديسمبر/كانون الأول 2025، قدر وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية عماد الطرابلسي وجود نحو 3 ملايين مهاجر غير نظامي داخل البلاد، قدموا إليها بغرض الهجرة عبر البحر المتوسط نحو أوروبا.

وتنشط تجارة الهجرة غير النظامية في مناطق شمال غربي ليبيا المطلة على البحر المتوسط، لا سيما في مدن القره بوللي وصبراتة وزوارة، من قبل جماعات تستغل حالة الانقسام السياسي والفوضى الأمنية في البلاد.

***********

بعثة الأمم المتحدة في ليبيا: لا صحة لمزاعم توطين المهاجرين

نفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الخميس، صحة المزاعم المتداولة بشأن وجود برامج لتوطين المهاجرين داخل البلاد، مؤكدة أن جميع الادعاءات بهذا الشأن “عارية تماماً عن الصحة”.

وقالت البعثة، في بيان، إنها تابعت المظاهرات التي نُظمت أمام مقرها ومقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في طرابلس، مشددة على حق الليبيين في الحصول على معلومات دقيقة والتعبير عن آرائهم بصورة سلمية وفقاً للقوانين الوطنية والمواثيق الدولية.

“تصاعد التوترات“

كما أعربت عن قلقها إزاء ما وصفته بانتشار “المعلومات المضللة وخطاب الكراهية” المرتبط بعمل الأمم المتحدة في ليبيا، معتبرة أن ذلك ساهم في تصاعد التوترات والتحريض ضد موظفي المنظمة من الليبيين والدوليين، حسب وكالة الأنباء الألمانية.

كذلك أكدت الأمم المتحدة أن وكالاتها العاملة في ليبيا، بما في ذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لا تنفذ أي برامج تهدف إلى توطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية، لافتة إلى أن “عمل المفوضية يتركز، بالتنسيق مع السلطات الليبية والمجتمع الدولي، على إيجاد حلول للأشخاص الفارين من الحروب والنزاعات، من بينها الإجلاء إلى دول ثالثة أو تسهيل العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية عندما تسمح الظروف بذلك”.

وأدانت البعثة بشدة أي دعوات للعنف أو التهديدات الموجهة ضد موظفي الأمم المتحدة ومقارها وممتلكاتها، داعية جميع الأطراف إلى احترام حرمة منشآت المنظمة الدولية والعاملين فيها وفقاً لأحكام القانون الدولي.

فيما ثمّنت “جهود السلطات المختصة في طرابلس للحفاظ على النظام العام وضمان سلامة المتظاهرين، إلى جانب توفير الحماية لموظفي الأمم المتحدة ومرافقها”.

جماهير غاضبة

يأتي بيان البعثة الأممية في ظل تصاعد الجدل داخل ليبيا بشأن ملف الهجرة غير النظامية، وتزايد المطالبات الشعبية والرسمية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمعالجة الظاهرة.

وكانت جماهير غاضبة في العاصمة الليبية طرابلس قد تجمهرت ظهر الخميس أمام مقر منظمة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وطالبت بإقفالها على خلفية أخبار عن بطاقات توطين توزعها المنظمة على اللاجئين والمهاجرين غير القانونين في ليبيا، ما اعتبره البعض محاولة لتوطين الأعداد الغفيرة من الهجرة في ليبيا وإيقاف مدها إلى أوروبا.

كما اقتحم متظاهرون آخرون مقر البعثة الأممية في منطقة جنزور غرب طرابلس، قبل أن تتدخل قوات الأمن وتحاول منعهم من اقتحام المبنى الذي كان بداخله موظفو البعثة دوليون ومواطنون ليبيون.

___________

ليبيا بين ذاكرة الضحايا ومسار العدالة الدولية

كريم سلامة 

تشكل جلسات الاستماع والتحركات القضائية الدولية الجارية بشأن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في ليبيا واحدة من أكثر المحطات حساسية وأهمية في مسار العدالة والمساءلة منذ العام 2011.

فبعيداً عن البعد الإجرائي البحت للمحاكمات، تبرز هذه الإجراءات بوصفها لحظة تاريخية ينتقل فيها الألم الليبي من نطاق التوثيق الحقوقي المغلق إلى فضاء العدالة الدولية العلني في لاهاي؛ حيث تتحول الشهادات والروايات التي ظلت لسنوات حبيسة ملفات المنظمات وتقارير التوثيق إلى وقائع تخضع للفحص القضائي والمساءلة القانونية أمام المجتمع الدولي.

وعلى امتداد أكثر من عقد، عاش الضحايا والناجون وأسر المفقودين واقعاً معقداً اتسم بضعف مؤسسات العدالة الوطنية، واستمرار الانقسام السياسي والأمني، وتغلغل الجماعات المسلحة داخل المنظومة الأمنية، إلى جانب غياب المساءلة الفعلية عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة داخل أماكن الاحتجاز ومراكز السيطرة التابعة لتشكيلات مسلحة وأجهزة أمنية نافذة.

وفي ظل هذا الواقع، بقيت ملفات الانتهاكات الكبرى عالقة بين التوثيق الحقوقي والعجز القضائي، إلى أن أعادت التطورات القضائية الدولية الأخيرة فتح النقاش حول الانتقال من مرحلة تسجيل الانتهاكات إلى مرحلة مساءلة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي.

ولا تقتصر أهمية هذه التحركات على تحديد المسؤولية الجنائية الفردية للمتهمين؛ بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تثبيت مبدأ قانوني وأخلاقي أساسي، مفاده أن الجرائم الجسيمة ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وعلى رأسها القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي، لا يمكن أن تبقى خارج دائرة المحاسبة مهما طال الزمن أو تعقدت الظروف السياسية والأمنية.

من التوثيق إلى المساءلة: قضية الهيشري (البوتي) كمنعطف تاريخي

في البيئات التي تشهد نزاعات مسلحة أو انهياراً مؤسسياً، يبدأ مسار العدالة غالباً بمرحلة التوثيق الحقوقي، حيث تعمل المنظمات والباحثون والضحايا على جمع الإفادات وحفظ الأدلة والشهادات المتعلقة بالانتهاكات. غير أن الفجوة بين التوثيق وتحقيق العدالة الفعلية تبقى واسعة، خصوصاً عندما تغيب الإرادة السياسية أو تضعف المؤسسات القضائية المحلية عن ملاحقة المتورطين ذوي النفوذ.

وفي الحالة الليبية، مثَّلت هذه الفجوة أحد أبرز مظاهر الأزمة الممتدة منذ 2011. فرغم تراكم التقارير الحقوقية المحلية والدولية حول الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز، ظلت هذه الملفات لسنوات طويلة دون مسار قضائي فعلي.

في هذا السياق، يُعد اعتقال القيادي البارز في جهاز «الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة»، خالد محمد علي الهيشري، المعروف باسم «البوتي»، ثم تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، تطوراً مفصلياً في مسار العدالة الدولية المتعلقة بليبيا. إذ يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الملفات التي انتقلت من فضاء التقارير الحقوقية إلى أروقة القضاء الدولي في لاهاي، ضمن سياق تحقيقات المحكمة بشأن الانتهاكات المرتكبة في ليبيا منذ 2011.

ويكتسب هذا التطور دلالة رمزية وقانونية خاصة؛ إذ يواجه الهيشري اتهامات تتعلق بالإشراف والمسؤولية المباشرة والمشتركة عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب يُزعم أنها ارتُكبت داخل سجن معتيقة خلال الفترة الممتدة من 2014 إلى 2020، في إطار منظومة احتجاز ارتبطت بجهاز الردع الذي تولى إدارة مرافق أمنية وسجوناً في طرابلس.

وعندما تُعرض هذه الروايات أمام المحكمة الجنائية الدولية، فإنها لا تبقى مجرد شهادات فردية، بل تتحول إلى مادة قضائية خاضعة للفحص والتدقيق ضمن معايير الإثبات الجنائي الدولي.

الدقة الحقوقية وأهمية المصطلحات المحلية

من أبرز الجوانب اللافتة في التحقيقات والجلسات الجارية حجم الدقة التي يتعامل بها الادعاء الدولي مع الوقائع المرتبطة ببيئة الاحتجاز داخل معيتيقة. فبدلاً من السرد العام، يجري التركيز على تفاصيل لغوية ومكانية وأدوات وأساليب شكلت جزءاً من الحياة اليومية للمحتجزين، وتُعد عنصراً محورياً في إثبات الطابع الممنهج للانتهاكات.

وقد برز ذلك في التعامل مع مصطلحات محلية ليبية وردت في شهادات الضحايا والناجين، مع الحفاظ على معناها وسياقها:

– البطانية: لم تعد مجرد غطاء للنوم داخل الزنازين، بل وردت في شهادات متعددة كوسيلة استُخدمت في لف ونقل جثث المحتجزين الذين قضوا تحت التعذيب أو نتيجة الإهمال الطبي.

– البالة: أداة بناء تحولت في الإفادات إلى وسيلة للضرب والتنكيل وإحداث إصابات خطيرة بحق المعتقلين.

– الحي الإسلامي و البلانكو: مصطلحات ارتبطت، بحسب شهادات متطابقة، بأساليب تعذيب داخل السجن شملت التعليق لفترات طويلة والصعق الكهربائي والمعاملة القاسية.

إن إدراج هذه التفاصيل في فضاء المحكمة الدولية لا يحمل فقط قيمة توثيقية، بل يكشف كيف جرى تحويل أدوات الحياة اليومية إلى وسائل ممنهجة للتعذيب والإذلال وكسر الكرامة الإنسانية.

الإفلات من العقاب في الوعي الليبي

في الوعي الاجتماعي الليبي، كثيراً ما يُستخدم المثل الشعبي: «اللي ضربته أمه باتت فيه»، في إشارة إلى حالة التعايش مع العنف أو اعتياده حتى يصبح جزءاً من الواقع اليومي غير المستنكر. ويعكس هذا التعبير، بصورة رمزية، تراكم ثقافة الإفلات من العقاب التي ترسخت عبر عقود، سواء خلال الحقبة السابقة لـ2011 أو خلال سنوات الانقسام والصراع اللاحقة.

ومع استمرار الانتهاكات دون مساءلة فعالة، ترسخ شعور عام بأن القوة المسلحة تتقدم على القانون، وأن الضحايا غالباً ما يُتركون دون إنصاف. من هنا، تكتسب المحاكمات الدولية الحالية أهميتها باعتبارها محاولة لكسر هذه القناعة التاريخية بأن الجرائم يمكن أن تمر دون حساب.

التأصيل القانوني للتعذيب والمنظومة الممنهجة

يعد حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية من القواعد الآمرة في القانون الدولي، التي لا يجوز انتهاكها أو تبريرها تحت أي ظرف، سواء في زمن السلم أو النزاعات المسلحة.

ووفقاً لاتفاقية مناهضة التعذيب للعام 1984، يتحقق وصف التعذيب عندما يُرتكب بموافقة أو سكوت جهة رسمية أو أشخاص يتصرفون بصفة رسمية. وفي القضية المرتبطة بالهيشري، لا تنظر المحكمة إلى وقائع فردية معزولة، بل إلى نمط واسع وممنهج من الانتهاكات داخل بيئة احتجاز خاضعة لهيكل أمني منظم، ما يفتح الباب أمام تطبيق مبدأ مسؤولية القائد وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل الجدل المستمر حول التزامات الدول بالتعاون مع المحكمة، خاصة فيما يتعلق بتسليم المطلوبين وعدم توفير ملاذ آمن للمشتبه بارتكابهم جرائم دولية.

العدالة وحقوق الدفاع

رغم جسامة الانتهاكات المزعومة، تقوم العدالة الدولية على ضمان محاكمة عادلة تستند إلى قرينة البراءة وفحص الأدلة واحترام حقوق الدفاع، وليس على الإدانة المسبقة أو الانتقام.

ولهذا يضمن نظام روما الأساسي للمتهم حقوقاً كاملة تشمل الاطلاع على الأدلة، واستجواب الشهود، وتقديم الدفوع القانونية بحرية. ورغم أن هذه الإجراءات قد تبدو بطيئة أو مؤلمة لبعض الضحايا، فإنها تمثل الضمانة الأساسية لصدور أحكام ذات شرعية قانونية وأخلاقية، قادرة على الصمود أمام الطعن أو التسييس.

حدود العدالة الجنائية وأفق العدالة الانتقالية

لا يمكن النظر إلى المحاكمات الدولية باعتبارها حلاً كاملاً للأزمة الليبية، أو بديلاً عن بناء مؤسسات قضائية وطنية مستقلة وموحدة. فالعدالة الجنائية الدولية تبقى محدودة النطاق، إذ تركز على ملاحقة المسؤولين الأعلى في هرم الجرائم.

لكن أهميتها الأعمق تكمن في بعدها الرمزي، وفي حفظ الذاكرة الجماعية من الإنكار. فاستماع المحكمة إلى الشهادات بلغتها المحلية يكسر جدار الصمت الذي فرضته سنوات السلاح والانقسام، ويمنح الضحايا اعترافاً قانونياً بأن ما تعرضوا له لم يكن أحداثاً عابرة بل جرائم جسيمة.

ومع ذلك، تظل العدالة القضائية خطوة أولى، ينبغي أن تتبعها عملية عدالة انتقالية شاملة تقوم على الإصلاح المؤسسي، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، وتفكيك منظومات الإفلات من العقاب.

الخاتمة

تمثل جلسات الاستماع والتحركات القضائية الجارية بشأن ملف معتيقة وقضية الهيشري (البوتي) لحظة فارقة في التاريخ الليبي المعاصر، لأنها لا تفتح فقط باب المساءلة بعد سنوات طويلة من الجمود، بل تعيد الاعتبار لأصوات الضحايا التي ظلت محاصرة بالخوف والصمت.

وفي بلد أنهكته سنوات الانقسام وضعف المؤسسات وتغول السلاح، يظل انتقال الذاكرة الليبية من التوثيق الحقوقي إلى السجل القضائي الدولي خطوة أساسية نحو كسر حلقة الإفلات من العقاب، وترسيخ مبدأ أن العدالة، مهما تأخرت، تظل ممكنة وملزمة.

__________

شبكات تهريب النفط الليبي .. نزيف اقتصادي وخسائر تلاحق الدولة

علاء فاروق

تعاني ليبيا من أزمات اقتصادية متتالية نتيجة لحالة الانقسام السياسي والحكومي وانتشار الفساد المالي والإداري، ما تسبب في حالة نزيف اقتصادي متتالي ومتكرر.

وتشكل جريمة تهريب النفط عبر شبكات ترتبط بؤسسات شبه رسمية وشخصيات نافذة في الدولة أكبر الأزمات التي تسبب حالة الضعف الاقتصادي وتفريغ خزينة الدولة الليبية التي تعتمد على النفط كعائد وحيد للدخل القومي.

“نزيف مالي لإيرادات سيادية”

يشكل ملف المحروقات في ليبيا بشكل عام أصبح أقرب إلى ثقب أسود يلتهم مقدرات الاقتصاد الوطني، حيث تبلغ فاتورة استهلاك الوقود مبالغ كبيرة، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، وصلت فاتورة الاستهلاك في شهر مايو الماضي حوالي 1.1 مليار دولارا، أي ما يعادل 12 مليار دولارا سنوياً، وهو نزيف مالي ضخم يستنزف الإيرادات النفطية السيادية للدولة. 

وتناولت عدة تقارير استقصائية ملف تهريب النفط والغاز في ليبيا، خًلُص أغلبها إلى وجود عمليات تهريب واسعة عبر شبكات نفوذ معقدة ومنظمة موزعة على الجغرافيا الليبية شرقا وغربا يساعدها أطرافا دولية وإقليمية تستغل حالة الانقسام والفوضى في ليبيا.

“تثبيت الشرعية والنفوذ“

وتحاول كل جهة استغلال العائد من عمليات تهريب النفط في تقوية وتثبيت شرعيتها وفرض وجودها عسكريا (مثال قوات حفتر في شرق البلاد) وكذلك فرض وجودها سياسيا ومناطقيا (حكومة الدبيبة ومن يساندها من مجموعات مسلحة غربا)، وكل ذلك تسبب في حالة نزيف اقتصادي وتراجع في إيرادات المصدر الوحيد للدخل القومي ما جعل المصرف المركزي يعاني من أزمة سيولة وعملة صعبة.

وذكرت تقارير متطابقة أن “القيادة العامة برئاسة المشير الليبي، خليفة حفتر تشكل الجانب الأكثر تنظيما ومأسسة لأنشطة التهريب في شرق البلاد وجنوبها، نظرا لسيطرة نجله نائب القائد العام الفريق، صدام حفتر  سيطرة عسكرية تامة ومباشرة على المنافذ والموانئ شرقا وجنوبا وأشهرها ميناء بنغازي القديم.

وذكر تقرير الخبراء للفريق التابع للأمم المتحدة حول ليبيا الأخير والذي نشر في إبريل الماضي أن “عمليات تهريب النفط في ليبيا وصلت إلى مستويات “غير مسبوقة” خلال العامين الماضيين، وأن شبكات مالية وشركات تُستخدم واجهة لتحويل عائدات غير مشروعة، وأن شبكات تهريب الوقود تعمل عبر موانئ ليبية وبمشاركة جهات نافذة”.

“الوجهة ومسارات التهريب وشبكات النفوذ”

كما ذكر فريق الخبراء المعني بليبيا أن “شبكة التهريب استطاعت تطوير قدراتها التشغيلية بشكل كبير، معتمدةً على بنية لوجستية تشمل مواني رئيسة وسفنًا متعددة لتسهيل التهريب، وأن عمليات التهريب لم تعد نشاطًا محدودًا، بل تحولت إلى منظومة عابرة للحدود، تمتد إلى 5 دول عربية وأوروبية، عبر استعمال أساليب متقدمة تشمل التمويه البحري وتزوير الوثائق وتغيير مسارات الشحن بشكل متكرر.

وكشفت التقارير الأممية أن “عمليات تهريب الوقود من ليبيا تتمّ عبر مواني ليبية رئيسية، أهمها: ميناء بنغازي وميناء رأس لانوف (الواقعة تحت سيطرة قوات المشير حفتر)، وأن عمليات التهريب يتم التمويه للتهرب من المراقبة والرصد عبر النقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر بهدف إخفاء مسار الشحنات، كون هذه الآلية تتيح تغيير وجهة شحنة الوقود دون تسجيل رسمي.

“تهرب عبر وثائق مزورة“

وتعليقا على هذه التقارير ذكرت منصة “الطاقة”، منصة متخصصة في النفط والغاز مقرها واشنطن، أن “عمليات التهريب تشمل تخزين الوقود داخل مواقع محددة في ليبيا، وكذلك بعض الموانئ القريبة ومنها ميناء مدينة بورسعيد المصرية، قبل إعادة تحميله، مع استعمال وثائق مزورة وشهادات منشأ غير دقيقة، بهدف تمرير الشحنات عبر المواني الدولية على أنها منتجات قانونية أو موجهة لأغراض مختلفة.

وذكرت المنصة المتخصصة أن البيانات الحديثة تشير إلى أن حجم الديزل المهرب من ميناء بنغازي بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026 بلغ نحو 578 ألف طن متري، ضمن إجمالي تدفقات تجاوزت 688 مليون لتر، وهو ما يعكس تصاعدًا لافتًا في عمليات تهريب الوقود من ليبيا.

كما رُصدت عمليات إضافية تضمنت ما لا يقل عن 50 شحنة من المنتجات المكررة غير القانونية، بما يعادل قرابة 636 ألف طن متري أو نحو 992 مليون لتر، نُقِلَت عبر مسارات بحرية معقدة، مع اعتماد مكثّف على تقنيات التمويه وإعادة الشحن في عرض البحر.

وفيما يتعلق بالبنية اللوجستية، وثّق التقرير استعمال ما لا يقل عن 99 حاوية و22 خزانًا عائمًا و24 ناقلة بحرية، إلى جانب 30 رحلة موثقة لنقل أكثر من 80 مليون كيلوغرام من الديزل، مع تخزين كميات في مواقع مثل بوسدرة قبل إعادة تصديرها.

وتعتمد شبكة التهريب على شركات واجهة ووسطاء دوليين لتنسيق عمليات النقل والتوزيع، ما يمنحها غطاءً قانونيًا ظاهريًا، رغم أن الأنشطة الفعلية تندرج ضمن الاقتصاد غير المشروع المرتبط بتهريب الموارد، وفق ما حللته منصة “الطاقة” بواشنطن.

“رد رسمي متحفظ“

وفي تعليقها على تقرير فريق الخبراء الأممي بخصوص أزمة تهريب النفط ذكرت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا “مؤسسة رسمية سيادية” أن “بعض المعلومات الواردة في التقرير لا تستند إلى مراجعة فنية مكتملة من مصادرها الرسمية، مؤكدة وجود قصور في عرض البيانات والأرقام المرتبطة بقطاع النفط والمنتجات المكررة.

لكن المتابع للشأن الليبي خاصة الاقتصادي منه يعلم جيدا أنه “منذ وصول حكومة الدبيبة إلى الحكم وعقد صفقات واتفاقات مع القيادة العامة برئاسة حفتر وعائلته شرقا ومؤسسة النفط تقع ضمن هذه التحالفات والصفقات، وأن المؤسسة خضعت إلى عملية إعادة هيكلة تهدف إلى إضعاف آليات الرقابة والتوازن الداخلي، وشمل ذلك إنشاء مكتب استراتيجي مستقل خارج المقر الرئيسي في “قصر النبأ الملكي” للموافقة على العقود والخدمات مع الشركات الخاصة دون المرور بالقنوات القانونية التقليدية.

وتعد شركة “أركنو”، وهي شركة بريطانية خاصة تدار عبر وكلاء لصدام حفتر وكذلك إبراهيم الدبيبة مستشار رئيس الحكومة الليبية، عبدالحميد الدبيبة وبموافقة الأخير أيضا، هي الواجهة التي يستغلها الطرفان في إنشاء مسار مواز لاقتصاد موازي في البلاد.

وأشارت تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة إلى أن “صدام حفتر يمارس سيطرة غير مباشرة على هذه الشركة عبر وكيله رفعت العبار (نائب وزير النفط السابق) وبلقاسم شنقير (عضو مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط السابق والمهندس التقني لتأسيس الشركة)، بإنشاء مسار موازي للتصدير والبيع.

حيث تعاقدت بشكل غير قانوني مع شركة الخليج العربي للنفط (أجوكو) التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط لرفع الإنتاج مقابل مدفوعات مباشرة عينية من النفط الخام.

وقامت بتصدير 7.6 مليون برميل نفط بقيمة 600 مليون دولار، ونجحت الشركة في تحويل أكثر من 3 مليارات دولار من عائدات النفط الليبي إلى حسابات مصرفية خارجية بين أكتوبر 2024 وفبراير 2026، وذلك بالتعاون مع شركات تجارية دولية مثل “بي جي إن إنرجي” الإماراتية، مما أدى إلى حرمان مصرف ليبيا المركزي من هذه العائدات الحيوية.

“مسار عوائد تهريب النفط“

وبحسب التقارير الأممية والمحلية فإن “العوائد المالية لتهريب الوقود تستخدم في تمويل صفقات الأسلحة والمعدات العسكرية ودفع مستحقات الشركاء الخارجيين، ناهيك عن تقوية اقتصاد مواز خارج رقابة وتصرف مصرف ليبيا المركزي ليكون بمثابة داعم لتثبيت شرعية وقوة وسيطرة كل طرف.

وفي محاولة لفهم تداعيات جريمة تهريب النفط والوقود من ليبيا.. التقت “عربي21” مع الخبير الاقتصادي الليبي، علي الصلح للوقوف على آثار هذه الأزمة، والذي أوضح أنه “يقف خلف شبكات تهريب الوقود منظومة جريمة منظمة وعابرة للحدود تتشارك فيها أطراف داخلية وخارجية مستغلةً غياب الرقابة التامة وثغرات منظومة التوزيع التقليدية؛ وتبرز في مقدمة هذه الشبكات واجهات تجارية ومحطات وقود قائمة ويتم تأجيرها للغير كغطاء قانوني لتسلم المخصصات المدعومة من شركة “البريقة” (شركة رسمية مقرها طرابلس) ثم تحويلها مباشرة إلى السوق السوداء ومنافذ التهريب بدلا من بيعها للمواطنين.

وأكد الخبير الليبي أن “هذه المجموعات المحلية ترتبط بشبكات تهريب دولية تتولى تنسيق عمليات الشحن والتفريغ غير القانونية عبر الموانئ البحرية والبرية لتصريف الوقود الليبي الرخيص في الأسواق الإقليمية والدولية”، وفق معلوماته.

وأضاف لـ”عربي21″: “كما يُعد الانقسام السياسي والمؤسسي البيئة المثالية التي تقتات عليها الأطراف المتنازعة والمجموعات المسلحة؛ إذ توفر لها عمليات تهريب الوقود والاستحواذ على عوائده مصدراً تمويلياً ضخماً ومستقلاً يضمن استدامة نفوذها وتمويل عملياتها وشراء الولاءات.

وتابع: “وتستفيد هذه الأطراف بشكل مباشر عبر فرض نفوذها على مسارات النقل العشوائي وموانئ التفريغ مستغلةً حالة الضعف الحاد في التمويل والحوكمة التي تواجهها المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة، لتمرير كميات وقود غير مبررة وإعادة تدويرها ماليا لتغذية نفوذها السياسي والعسكري على حساب قوت الشعب الليبي”، وفق تقديراته الاقتصادية.

_________________

العودة لقانون العدالة الانتقالية

عبدالله الكبير

صورتان متناقضتان للعدالة شاهدهما المواطن الليبي في شهر مايو 2026. ظهر في الأولي خالد الهيشري جلاد سجن معيتيقة أمام قضاة المحكمة الجنائية الدولية، تتلى عليه قائمة الاتهامات المثبتة والموثقة بالأدلة والشهادات المتطابقة للضحايا، مع ذكر أسماء أخري متورطة معه في هذه الجرائم وغيرها.

وفي الأخرى محكمة استئناف طرابلس تصدر حكمها في قضية قمع ثورة فبراير ببراءة عبدالله السنوسي ومعه عشرون متهما من قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، من تهمة ارتكاب جرائم مصنفة دوليا كجرائم ضد الإنسانية.

الأحكام الصادرة عن المحكمة السابقة في مايو 2015 تراوحت بين الإعدام والسجن المؤبد أو أقل، وبعد كل هذه السنوات، والتأجيل المتكرر من المحكمة، صدرت أحكام البراءة الصادمة للضحايا وذويهم، و قطاعات واسعة من الشعب، كانت شاهدا على الانتهاكات المروعة التي اقترفها نظام القذافي وجلاوزته، ضد المتظاهرين السلميين في عدة مدن ليبية عام 2011.

لا أحد ينكر أن المحاكم المحلية تعمل في زمن بالغ الصعوبة، بسبب الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية وضعف مؤسسات الدولة، والأدهى والأكثر مرارة من ذلك هو المرجعية القانونية  التي تستند لها المحكمة، والتي تعود إلى زمن النظام السابق حيث تصدر التشريعات لحماية النظام وتحصينه من أي تبعات، وإنزال أقصى العقوبات بكل من يناهضه، أو يرفض أو يتلكأ في تنفيذ أوامر رأس النظام أو أحد قيادات أجهزته القمعية. 

 على الفور انتشرت على وسائل التواصل مقاطع فيديو قديمة لعبد الله السنوسي وهو يدعو لسحق المتظاهرين، وشهادات بعض المسؤولين عن سلوكه وتوجيهاته في مواجهة المظاهرات، مشفوعة بتساؤلات مشروعة عن العدالة ودورها في إقامة المجتمعات الإنسانية.

 من النتائج المترتبة على هذا الحكم، هو تزايد قناعة المحكمة الجنائية الدولية، والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، في عدم قدرة القضاء المحلي على استيفاء شروط تحقيق العدالة بسبب الظروف الأمنية، وعدم مواكبة المدونة القانونية لأحكام القانون الدولي الخاص بجرائم الحرب ولجرائم ضد الإنسانية، مع الإشارة هنا إلى ورود هذه التصنيفات في التقارير الحقوقية، الصادرة عن منظمة هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية، عن عدد كبير من الجرائم والانتهاكات التي اقترفتها كتائب القذافي الأمنية والتشكيلات المسلحة بعد ثورة فبراير.

وهذا قد يدفع أسر الضحايا وذويهم وكافة المتضررين إلى اللجوء إلى القضاء الدولي، بحثا عن الإنصاف وتحقيق العدالة، بجمع الأدلة والشهادات وفتح قنوات اتصال مع الجنائية الدولية، وسوف يتعزز هذا الدافع مع تمكن المحكمة من إلقاء القبض على خالد الهيشري ومحاكمته.

 بالضرورة ستعود بنا الذاكرة إلى السنوات الأولى للثورة، وفشل المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب من بعده، في إصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية،  فهذا القانون أهمل ولم يتم التوافق عليه بين القوى السياسية الصاعدة، رغم أهميته في تصفية التركة الثقيلة للنظام السابق، عبر المكاشفة والاعتراف وإعلان الندم، من كل الذين استجابوا لأوامر القتل والتعذيب خشية من اتهامهم بالخيانة العظمى،  وتعريض حياتهم للخطر، لتعلو لغة الصفح والتسامح على لغة الانتقام، ويتم جبر الضرر الذي وقع على الضحايا.

إذا قدر لهذه المرحلة أن تنتهي بالانتخابات فإن العمل على إصدار هذا القانون ينبغي أن يكون من الأولويات، إذ لا يمكن المضي قدما قبل تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية،  ولن يملك أحد التفويض الصحيح لفتح هذا المسار مجددا سوى هيئة منتخبة، تملك الشرعية الكاملة لتحقيق هدف عزيز ظل عرضة للتجاذبات والحسابات السياسية الضيقة.

__________________ 

عبر إدارة الخصوم .. كيف غيرت تركيا إستراتيجيتها في ليبيا؟

نون إنسايت

لم تعد تركيا تتحرك في ليبيا بنفس الطريقة التي عملت بها عام 2019، فقد دعمت أنقرة وقتها حكومة طرابلس عسكريًا في مواجهة قوات اللواء الانقلابي المتقاعد خليفة حفتر، وأسهم تدخلها في منع سقوط العاصمة.

أما في 2026، فتظهر أداة أكثر مرونة: تدريب عسكري يفتح قنوات مع قوات من الشرق والغرب معًا، في محاولة من تركيا لتوسيع شبكة علاقاتها باتجاه بنغازي ومحيط حفتر، من دون التخلي عن حضورها في طرابلس.

هذا التقرير يرصد كيف تحوّل التدريب العسكري إلى أداة تركية للتواصل مع معسكري ليبيا المتنافسين، ولماذا توسّع أنقرة شبكتها شرقًا، وما إذا كان بمقدورها جمع الخصوم دون أن تدفع ثمنًا في توازناتها الإقليمية.

كيف تدخل تركيا إلى المعسكرين الليبيين؟

برزت مناورة EFES-2026 في مدينة أزمير التركية خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار، كأحدث تطور على عمل أنقرة مع معسكري الشرق والغرب في ليبيا.

شارك في المناورات 331 عنصرًا من قوات شرق ليبيا و171 عنصرًا من قوات الغرب، إلى جانب زورق هجومي ليبي، ضمن تدريبات شملت الإنزال البرمائي، والغطس القتالي، ونزع الألغام، والبحث والإنقاذ.

وجرت المشاركة تحت علم ليبي واحد في صورة أرادت أنقرة تقديمها بوصفها دعمًا لفكرة “ليبيا واحدة وجيش واحد”. لكن الأهم من الصورة هو معناها السياسي، فالمناورة لم توحّد المؤسسة العسكرية الليبية، ولم تُنهِ الانقسام بين الشرق والغرب.

ووفرت المناورة عمليًا قناة اتصال آمنة بين ضباط وجنود من معسكرين متنافسين، ومجالًا لاختبار قدرتهم على العمل جنبًا إلى جنب في بيئة تدريبية لا تتحول إلى مواجهة حقيقية.

ولم تأتِ التدريب التركي في فراغ، فقبلها بأسابيع، استضافت سرت جزءًا من تدريب فلينتلوك الذي تديره القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، بمشاركة دولية واسعة وتنسيق ليبي عبر ترتيبات اللجنة العسكرية المشتركة.

لكن الفارق أن فلينتلوك وضع التدريب الليبي في سياق دولي تقوده واشنطن، بينما منحت أنقرة منصة خاصة لتقديم نفسها طرفًا قادرًا على التعامل مع قوات من الشرق والغرب في الوقت نفسه.

ويستند هذا المسار إلى خبرة تركية أطول في ليبيا، فمنذ توقيع اتفاق التعاون الأمني والعسكري مع حكومة الوفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بنت تركيا برنامج تدريب واسعًا للقوات المرتبطة بالغرب الليبي داخل ليبيا وفي تركيا.

وبحلول 2021، كانت دفعات من الجنود الليبيين قد أنهت تدريبات بإشراف تركي، بينما واصل آخرون برامج تدريبية في مجالات قتالية وفنية، إلى جانب طلاب عسكريين في المؤسسات التركية.

وفي 2026، قدمت أنقرة أرقامًا أكبر عن حجم التدريب الذي وفرته لليبيين، بما يشير إلى أنه لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أداة نفوذ مستمرة.

فهو يمنح تركيا قناة للتعامل مع الضباط والجنود، ويسمح لها بتقديم التدريب والتأهيل الفني ورفع مستوى التنسيق، من دون حصر حضورها في الدعم العسكري المباشر أو الاصطفاف الحاد مع طرف ضد آخر.

لماذا توسّع أنقرة شبكة علاقاتها في ليبيا؟

حين تدخلت تركيا في حرب 2019، فعلت ذلك بوصفها حليفًا واضحًا لحكومة الوفاق آنذاك في مواجهة قوات حفتر. ومكّن هذا التدخل حكومة طرابلس من الصمود، ومنح أنقرة موطئ قدم عسكريًا وسياسيًا في الغرب الليبي.

وفي المقابل، حصلت تركيا على اتفاق أمني وعسكري، وآخر لترسيم الحدود البحرية عزز موقعها في شرق المتوسط، ثم دخلت لاحقًا في تفاهمات مرتبطة بالطاقة والاستثمار.

لكن الاعتماد الكامل على طرابلس بقي محفوفًا بالمخاطر، فالغرب الليبي نفسه يعاني تنافسًا بين القوى المسلحة، وتعثرًا سياسيًا، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض قرار موحد.

كما أن أي تسوية ليبية مقبلة لا يمكن أن تتجاهل البرلمان في طبرق، والقيادة العسكرية في الشرق، وشبكات النفوذ المحيطة بحفتر. ولهذا بدأت أنقرة سياسة انفتاح محسوبة، فهي لا تغادر طرابلس، لكنها لا تريد أن تبقى رهينة لها وحدها.

ومن هنا، فتحت قنوات مع بنغازي والشرق الليبي، مستفيدة من التهدئة الإقليمية مع مصر والإمارات، ومن الحاجة الليبية إلى الإعمار والعقود والشركات بعد سنوات الحرب.

وفتحت كارثة فيضانات درنة في سبتمبر/أيلول 2023، بابًا إضافيًا أمام الشركات التركية للعودة إلى الشرق تحت عنوان الإغاثة وإعادة الإعمار.

ثم تطورت الإشارات السياسية والعسكرية لاحقًا، مع زيارات واتصالات شملت صدام نجل خليفة حفتر ومسؤولين أتراكًا، وحديثًا عن تدريب وصيانة معدات وإزالة ألغام وتشغيل منظومات عسكرية.

صدام حفتر، قائد القوات البرية لجيش الشرق برفقة وزير الدفاع التركي يشار غولر في أنقرة، 4 أبريل/نيسان 2025

كما عكست زيارة سفينة عسكرية تركية إلى ميناء بنغازي لاحقًا انتقال التواصل من مستوى سياسي محدود إلى مجال عسكري وبحري أكثر رمزية.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن تركيا انقلبت على طرابلس، فما زال وجودها العسكري والفني في الغرب قائمًا، وما زالت الاتفاقات البحرية والأمنية مع سلطات طرابلس تمثل أصلًا استراتيجيًا مهمًا لأنقرة.

إذن، فالفكرة ليست استبدال طرابلس ببنغازي، بل بناء شبكة أوسع تضمن أن مصالح تركيا لن تسقط إذا تغيّر ميزان القوى أو فُرضت تسوية جديدة تشمل الشرق والغرب معًا.

هل تجمع تركيا الخصوم دون خسارة أحدهم؟

لا تخلو سياسة التوازن هذه من مخاطر، ففي طرابلس، قد تنظر بعض القوى السياسية والعسكرية بريبة إلى أي تقارب تركي مع حفتر أو محيطه.

فتركيا بالنسبة إلى كثيرين هناك ليست طرفًا خارجيًا عاديًا، بل الحليف الذي ساعد على وقف هجوم الشرق على العاصمة. لذلك، قد يُقرأ انفتاحها على بنغازي كتهديد لمكاسب حلفائها السابقين، أو كمدخل لمنح قوات الشرق تدريبًا وخبرات كانت حكرًا على الغرب.

في المقابل، لا يعني انفتاح حفتر أو محيطه على تركيا أن الشرق الليبي يغيّر تحالفاته جذريًا، فقد يستخدم ذلك تكتيكيًا للحصول على تدريب أو معدات أو اعتراف سياسي أوسع، دون التخلي عن علاقاته التقليدية مع مصر والإمارات وروسيا. لذلك يبقى الانفتاح التركي على الشرق محكومًا بحسابات متبادلة، لا ضمانات سياسية كاملة.

يزيد الأمر تعقيدًا أن تركيا لا تتحرك وحدها في ليبيا:

  • الولايات المتحدة دفعت في 2026 نحو خطوات لدعم التفاهم على ميزانية موحدة، ورعاية تدريبات مثل فلينتلوك عبر أفريكوم.
  • إيطاليا تسعى إلى استقرار الساحل وضمان مصالح الطاقة والهجرة.
  • أما مصر والإمارات فتبقيان لاعبين أساسيين في معادلة الشرق.
  • روسيا تعيد تموضعها بعد نهاية مرحلة مرتزقة فاغنر عبر شبكات عسكرية وأمنية لا تزال مؤثرة في الجفرة والهلال النفطي.
  • فرنسا واليونان تظلان على خلاف مع أنقرة بشأن الاتفاقات البحرية في شرق المتوسط.

وفوق هذه التوازنات الخارجية، يبقى الواقع الليبي نفسه متشظيًا، فالتدريب المشترك والميزانية الموحدة لا يخفيان أن ليبيا لا تزال بلا جيش موحد.

فهناك تشكيلات مسلحة متعددة، وشبكات ولاء وتمويل منفصلة، ومراكز قيادة متنافسة، ولا يوجد حتى الآن إطار واضح لتقاسم القيادة والسيطرة بين رئاسات الأركان في الشرق والغرب، أو لدمج السلاح والتمويل تحت سلطة واحدة.

كما أن خطاب التوحيد يجري بالتوازي مع استمرار سباق التسليح، فالتقارير عن حصول قوات حفتر على مسيّرات ومعدات رغم حظر السلاح تُظهر أن التدريب لا يلغي منطق القوة، بل قد يجري إلى جانبه. لذلك تبقى التمرينات قناة تواصل أكثر منه بداية مؤكدة لدمج المؤسسة العسكرية.

من هنا، لا يتوقف نجاح تركيا على قدرتها على جمع ضباط من الشرق والغرب في مناورة واحدة، بل على قدرتها على إدارة حساسيات الطرفين من دون الاصطدام باللاعبين الخارجيين الذين يملكون أوراقًا عسكرية واقتصادية داخل ليبيا.

______________