عبد العظيم العبيدي 

في مقابلة تلفزيونية على قناة الحدث الليبية، وضمن برنامج «هنا الحدث» في 13 أبريل 2026، تحدث الدكتور علي سعيد البرغثي عن التحديات الكبيرة التي ستواجه ليبيا والليبيين بالنظر إلى مشاهد ثلاثة متصلة مع بعضها – حسب وصفه – ولها تداعيات خطيرة على الحالة الليبية: المشهد الدولي والمشهد الإقليمي والمشهد المحلي.

أخطر هذه المشاهد هو المتعلق بالمشهد الدولي، الأمر الذي حتم على الدكتور علي سعيد، كمتخصص في العلاقات الدولية وتسوية المنازعات، أن يُفصل طبيعة النظام الدولي الحالي، والنظام الدولي القادم الذي سيشهده العالم خلال السنوات العشرين القادمة، وعدد كذلك القواطر التي ستقود هذا النظام الدولي الجديد، ودعا الليبيين إلى ضرورة فهمه واستيعابه، ليتمكنوا من التعامل معه، والاقتراب من بعض تداعياته:

القاطرة الأولى: إن النظام الدولي الحالي تحوّل من «الشرعية القانونية» إلى «الشرعية الاستراتيجية»، وما يُحرك الدول، خاصة الدول العظمى أو الدول القوية في إقليمها، هو ما يُعرف بـ«شرعيتها الاستراتيجية».

القاطرة الثانية: إن النظام الدولي القادم سيشهد العالم فيه، خاصة المناطق الرخوة، إعادة «ترسيم النفوذ» في مواجهة «ترسيم الحدود»، وحالة الصراع التي اتصفت بها العلاقات الدولية تاريخيا، القائمة على الصراع الحدودي، ستنتقل إلى الصراع على النفوذ.
وعند حديثه عن الأزمة الليبية، يطرح الدكتور علي سعيد السؤال التالي: هل هناك نوافذ من الممكن أن تجعل هذا البلد واقعا تحت طائلة ما يعرف بـ«ترسيم النفوذ»؟ ‏

القاطرة الثالثة: إن النظام الدولي الحالي سيشهد الانتقال من «السيادة المطلقة»، التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، إلى «السيادة النسبية»، للأسباب الثلاثة التالية:
أسباب اقتصادية، وأسباب جيوسياسية، وأسباب تتعلق بالأمن والسلم الدولي، الأمر الذي يدفع دول العالم إلى التفكير بشكل مختلف، وبطرق مختلفة، ليست واردة في إطار منظمة الأمم المتحدة.

إن استيعاب وفهم القواطر الثلاث سالفة الذكر يُسهل على النخب الليبية الإجابة عن السؤال التالي: ما هي التداعيات التي سيشكلها هذا النظام الدولي؟

‏وحصر الدكتور علي سعيد البرغثي التداعيات في أربعة تداعيات، وصفها بأنها «خطيرة» على جميع دول العالم، ولا يقتصر الأمر على الدولة الليبية فقط، وأن الدول الناجية من هذه التداعيات المحتملة هي تلك الدول التي امتلكت المناعة التي ستُمكنها من تفويت فرص انهيارها.

أول هذه التداعيات: «عودة لاستخدام القوة» بدلا من الامتناع عن استخدام القوة. إذن، وحسب تعبير الدكتور علي سعيد، فإن استخدام القوة وارد في أي لحظة في ظل النظام الدولي الجديد، ومن أي دولة تجاه أي ‏دولة أخرى، خاصة أن الحاصل الآن في العالم أن أصبح موضوع القانون الدولي في حد ذاته خارج موضوع اللعبة الدولية والعلاقات الدولية.‏

ثاني هذه التداعيات: «تجفيف منظمة الأمم المتحدة»، حيث تكهن الدكتور علي سعيد البرغثي بأنه مع نهاية السنوات المقبلة ستكون منظمة الأمم المتحدة غير ذات معنى، وأنها في السنوات الأخيرة واجهت مشاكل مالية ومحاولات لتجفيفها ‏مالياً، وستُجفف سياسياً أيضاً. والملاحظ اليوم أن جميع الحلول التي تتجه نحو الأزمات هي خارج إطار هذه المنظمة الدولية، ‏الأمر الذي دفع الدكتور علي سعيد إلى أن يصف المرحلة الدولية الراهنة بأنها «مرحلة مخاض دولية»، ستشهد منظمة الأمم المتحدة خلالها أياما صعبة.

ثالث هذه التداعيات: «خطر الطاقة»، فالدول التي لديها الطاقة، وتمتلك الموارد الطاقية، قد تكون هذه الطاقة وبالا عليها ومصدرا للخطر، على اعتبار أن الفكرة في ‏النظام الدولي القادم «الغاشم»، حسب وصف الدكتور علي سعيد، أنه ليست هناك حدود بأن تنتزع دولة مصادر طاقية من أجل مصلحتها الاقتصادية بشكل ‏مباشر، وأن هذا المنطق هو ما دفع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للتصريح والتهديد بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند، ودفعه في السابق للاستيلاء على موارد فنزويلا، وسيذهب إلى غيرها. ‏إذن، من مظاهر النظام الدولي الجديد هو انتزاع مصادر الطاقة بالقوة.

ويسأل الدكتور علي سعيد بعد كل هذه الصور الإجمالية عن قواطر النظام الدولي الجديد وتداعياته المحتملة السؤال التالي: ما الأثر الذي سوف يكون على ليبيا، التي تعيش في حالة أزمة، وما هي الآثار التي يشكلها هذا ‏النظام الدولي عليها؟ ‏
ويقول إن الإجابة عن هذا السؤال يحتم عليه أن يُجيب أولاً عن السؤال التالي: ما هو المشهد الراهن لهذه الأزمة التي تعيشها ليبيا؟ فهذا سيمكننا من أن نكتشف الثقوب التي من الممكن أن تدخل منها تداعيات النظام الدولي سالفة الذكر، ‏وكذلك معرفة الثقوب التي يجب أن تغلق مبكراً قبل أن تدخل من خلالها تداعيات هذا النظام الدولي؟

في هذا السياق، عدّد الدكتور علي سعيد ثلاثة مشاهد تعيشها الأزمة الليبية، تستدعي جميعها حالة من «الهشاشة»، التي تمثل الثقب الأكبر لتداعيات النظام الدولي، لتجد طريقها للدولة الليبية:

أول هذه المشاهد: «انغلاق المشهد السياسي الليبي»، الذي يصفه الدكتور علي سعيد بأنه مشهد خطير للغاية، لا سيما وأن كل الأطراف المحلية والدولية تنظر إلى أمرين في توصيفها المشهد السياسي الليبي، الأول: الحفاظ على الوضع الراهن، والثاني: ناتج الحل من منظمة الأمم المتحدة عبر بعثتها الأممية.

ويؤكد الدكتور علي سعيد في هذه النقطة الأمر التالي: إن الذي يقول إن من الممكن الحفاظ على الوضع الراهن فهو «واهم»، حسب وصفه، وإن الذي ينتظر الحل من المجتمع الدولي فهو «غاشم»‏.
ويوضح الدكتور علي سعيد أن الأمر هنا لا يتعلق بـ«الحلول الجزئية» التي تأتي من بعض الدول التي تؤثر على المشهد الليبي، ولكن من المجتمع الدولي ككل، الذي سوف لن ينتج حلاً للأزمة الليبية على الإطلاق، حسب وصفه.

ثاني هذه المشاهد: «مشهد عسكري أمني» غير مستكمل، الذي يصفه الدكتور علي سعيد بـ«الحزام الآمن» الذي تشهده أجزاء من أقليم ليبيا دون أجزاء أخرى، مشددا على ضرورة استكماله، ليتمكن الليبيون من صد تداعيات النظام الدولي القادم.

ثالث هذه المشاهد: «مشهد تدخل خارجي متزايد» في ظل مرحلة الهشاشة التي تعيشها ليبيا، حيث حذر الدكتور علي سعيد من توسع دائرة التأثير من الخارج على الأزمة الليبية، حيث إن أي ناتج وارد من الخارج سيكون ناتجا خطيرا كنتيجة لحالة الهشاشة التي نعيشها.

ويضع الدكتور علي سعيد المعادلة التالية:
نظام دولي «غاشم» وتداعياته المحتملة + حالة من الهشاشة الليبية + مشهد سياسي ليبي منغلق + حزام آمن غير مستكمل + مشهد تدخل خارجي متزايد = ما الذي يجب على النخب والأطراف الليبية أن تعمله؟

ويقول الدكتور علي سعيد إن حل هذه المعادلة يحتم علينا تفسير التحركات السياسية القائمة اليوم التي تدفع نحو تسوية الأزمة، والتي تعددت بتعدد جهاتها، المتمثلة في المبادرة الأمريكية وخريطة الطريق الأممية، بالإضافة إلى حلول ومبادرات أخرى، منها ما كانت في السابق وفشلت، ومنها ما تنسج هنا وهناك، وشكلت في النهاية منظراً شبيها بـ«بانوراما الحلول»، التي في مجملها متصلة بمصفوفات مصالح يجب على الليبيين والنخب الليبية إدراكها:

الأول: إن ليبيا كانت قبل توقيع اتفاق الموازنة الموحد (الذي وحد الإنفاق التنموي والعمل الاقتصادي) تعيش انقساماً ناعماً، وبعد هذا الاتفاق انتقل هذا الانقسام الناعم إلى انقسام واقعي. وعلل الدكتور علي سعيد الأمر قائلا: «الاتفاق الذي وُقع قد أُقر من الجناحين (يقصد الطرف في الشرق والطرف في الغرب)، وهو ما يعني تثبيتا للوضع السياسي، والأكثر من ذلك للوضع الاقتصادي أيضا، والمفقود في هذا المشهد هو الانتقال ‏إلى ما يُعرف بحالة (الاستدامة السياسية)، وهو ما يمثل الانتقال إلى الزاوية الأخرى المفقودة التي يجب أن تتشكل، المتمثلة في الزاوية السياسية».

بعبارة أخرى، من أجل استعادة التحكم في الدفة فيما يتعلق بالحالة الليبية الراهنة، بعد ما شهدته من التطورات الأخيرة في المشهد الاقتصادي والأمني والعسكري، يتطلب من الليبيين العمل على تأسيس مركز سياسي أو مراكز سياسية حسب الحاجة التي تُمليها الجغرافيا والإيديولوجية والتقسيم الاقتصادي والمالي، بالإضافة إلى السلطات الواقعية.

‏ووصف الدكتور علي سعيد هذه الأركان الثلاثة بزوايا المثلث (الهرم)، حيث الزاوية الأولى هى زاوية الأمن والاستقرار، والزاوية الثانية هي زاوية الاقتصاد، وما فيها من إ‏عمار وتنمية، والزاوية الثالثة هي زاوية ما يُعرف ببرنامج «الاستدامة السياسية».

____________________

مقالات مشابهة