Author - manara

يرتبط الانخراط الاقتصادي التركي ارتباطًا وثيقًا بحضورها السياسي والعسكري.
تدخل العلاقات التركية الليبية مرحلة جديدة، حيث تبرز الطاقة كمحور رئيسي، وذلك عقب إعلان وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، عن تخصيص عام 2026 “عامًا للطاقة” في إطار التعاون التركي مع طرابلس.
ويُشير هذا الإعلان إلى عزم تركيا على ترسيخ وجودها الاقتصادي والاستراتيجي في ليبيا، استنادًا إلى الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته سابقًا للسلطات المسيطرة على غرب ليبيا.
جاء هذا الإعلان خلال الدورة الثانية والعشرين للجنة الاقتصادية التركية الليبية المشتركة، بالتزامن مع قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد، وهو حدث يحمل دلالات سياسية واقتصادية بالغة الأهمية.
والجدير بالذكر أن هذا الاجتماع مثّل استئناف عمل اللجنة بعد توقف دام 17 عامًا، مما يُشير إلى مرحلة مُنظّمة ومُتجددة من التنسيق بين البلدين.
وصف بيرقدار إعادة تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة بأنها لحظة تاريخية. بينما أكد الوزير أن التعاون يتجاوز قطاع الطاقة ليشمل قطاعات أخرى كالنقل والرعاية الصحية والتعليم والتجارة، شدد على أن الطاقة، من وجهة نظر تركيا، لا تزال البوابة الرئيسية لترسيخ النفوذ الاقتصادي وبناء شراكات طويلة الأمد في بلد يمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في أفريقيا.
وأشار الوزير إلى أن حجم التبادل التجاري الثنائي بلغ نحو 4.4 مليار دولار أمريكي في عام 2025، مع طموحات لتجاوز 5 مليارات دولار أمريكي في عام 2026.
وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يعتمد بشكل مباشر على توسيع التعاون في قطاع النفط والغاز، مما يعكس النهج الاستراتيجي التركي لتحويل قطاع الطاقة إلى أداة اقتصادية وسياسية فعّالة.
وتشير التصريحات الرسمية إلى أن تركيا تسلك مسارات متعددة لتعزيز هذا التعاون، بما في ذلك إعادة النظر في حقول النفط التي كانت تديرها سابقًا شركة البترول التركية، والتفاوض على اتفاقيات جديدة لاستكشاف وتطوير حقول إضافية.
كما تسعى أنقرة إلى إقامة شراكات مع شركات النفط والغاز الدولية العاملة في ليبيا، لتضع نفسها في قلب شبكة الطاقة في البلاد، وتعزز نفوذها في أسواق الطاقة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.
يلاحظ المراقبون أن الانخراط الاقتصادي التركي وثيق الصلة بتواجده السياسي والعسكري. ويُنظر إلى توسع أنقرة في ليبيا على نطاق واسع باعتباره امتدادًا لدعمها الحاسم لحكومة طرابلس خلال السنوات الأخيرة، وهي استراتيجية مكّنتها من تحويل نفوذها السياسي إلى مكاسب اقتصادية استراتيجية، لا سيما في قطاع الطاقة.
وعلى الصعيد العملي، ترأس بيرقدار الدورة الثانية والعشرين للجنة الاقتصادية المشتركة، والتي اختُتمت بتوقيع مذكرة تفاهم مع وزير النقل الليبي محمد الشهوبي، ما وضع إطارًا للتعاون والتنفيذ المستقبليين.
كما انطلقت قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد بالتزامن مع اجتماع اللجنة، وشهدت مشاركة وزارية ودولية واسعة. ويعكس هذا الانخراط رفيع المستوى الاهتمام الإقليمي والدولي المتزايد بليبيا كمركز محتمل للطاقة.
وفي هذا السياق، تبدو تركيا عازمة على ترسيخ مكانتها كلاعب رئيسي، واضعةً قطاع الطاقة في صدارة استراتيجيتها لتعميق العلاقات مع طرابلس وتوسيع نفوذها في ليبيا خلال السنوات القادمة.
___________
داود علي

من المقاطعة إلى التواصل
بعد سنوات من الفتور والاصطفافات الصلبة، عاد اسم العاصمة الليبية طرابلس إلى الواجهة في الحسابات المصرية، لا بوصفها مجرد ساحة نفوذ متنازع عليها، بل كعنوان محتمل لإعادة ترتيب التوازنات في غرب ليبيا، وربما في الإقليم ككل. للمزيد
جمال جوهر
البعثة الأممية تكشف عن وساطة لحل نزاع راهن حول القضاء الدستوري
تدور ليبيا في دوامة من اللجان المختلفة التي تهدف لرأب صدع الخلافات المتجذّرة في البلد المتشظي سياسياً منذ إسقاط نظام القذافي.
وتتنوع هذه اللجان، ما بين واحدة تعمل على «المصالحة الوطنية» والعدالة الانتقالية، وثانية لرتق القوانين اللازمة للمسار الديمقراطي، وثالثة بإشراف أممي لـ«الحوار المهيكل» (…) وبات الأمر «اعتيادياً» لدى كثيرين، ما دفع أكرم النجار، رئيس تحرير منصة «علاش»، إلى القول تندراً إن «الليبي يعرف معنى جملة تم تشكيل لجنة أكثر من معرفته بملامح وجهه»، وبالتالي ينظر إلى هذه اللجان بأنها «حلقة مفرغة عمقها الانقسام السياسي».
وتنبثق في ليبيا، لجان فرعية من اللجنة العامة، بغرض سبر أغوار «قضايا عدة»، أو كشف ملابسات «الجرائم»، لكن ومع تعدد هذه اللجان، لا يزال كثير من الملفات مفتوحاً، بل إن حوادث كثيرة يطويها الزمن لعدم الوصول إلى الجناة أو جبر ضرر عائلات الضحايا.
وتحتل لجنة «المصالحة الوطنية» مكانة كبيرة في أولويات السلطة التنفيذية، فمنذ أن حلّ رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي في السلطة فبراير (شباط) 2021 وهذا الملف مفتوح، لكنه حتى الآن يراوح مكانه في ظل حالة من التشظي بين الأفرقاء.
وسبق أن افتتح المنفي، في 18 سبتمبر (أيلول) 2025 الاجتماع الـ7 للجنة التحضيرية لمشروع المصالحة، بحضور بعثة من الاتحاد الأفريقي وسفراء دول اللجنة رفيعة المستوى المعنية بليبيا، وممثلين عن البعثة الأممية، وقال إن «نجاح المصالحة يتطلب إرادة صادقة، وتنازلات شجاعة»… ومنذ ذاك التوقيت، لا جديد في هذا الملف.
ولكثرة اللجان التي «تتوالد» في ليبيا، وتُكلّف بالبحث في قضايا كثيرة حقوقية، وسياسية (…) يرى النجار في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «الليبي يعيش بين اللجان، ويموت بين اللجان. وبين حياته ومماته لن يسمع نتائج أي لجنة من هذه اللجان المُشكَّلة لدرجة أن هناك لجاناً تُشكَّل في ليبيا لإيجاد تقارب بين لجنتين».
وفي 14 يوليو (تموز) 2025، عقدت لجنة «تقصّي الحقائق» المُشكّلة بقرار من رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح اجتماعاً في مدينة بنغازي، لاستعراض أبرز ملامح حالة حقوق الإنسان في ليبيا «خلال السنوات الماضية» بما في ذلك التحديات المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني، والوضع المؤسسي المرتبط بأداء السلطات المختلفة في هذا المجال.
غير أنه أمام حالة «الإسراف في تشكيل اللجان، دون الوصول إلى نتائج»، يرى ضو المنصوري، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «الإفلاس السياسي هو الإطار المسيطر على إدارة الدولة في ليبيا، وتستخدم اللجان في تناول الأزمات بين الأطراف المتنازعة لتحقيق مكاسب».
وسبق للأفرقاء في ليبيا – وفق اتفاق رعته الأمم المتحدة – أن أعلنوا عن تشكيل اللجنة العسكرية المشتركة «5 + 5»، كما أن مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» شكلا لجنة «6 + 6» المعنية بمناقشة قانوني الانتخابات الرئاسية والنيابية.
وفيما كان الليبيون يترقبون حلحلة لأزمتهم، أعلنت البعثة الأممية في الرابع من فبراير 2025، عن تشكيل «لجنة استشارية» لتقديم مقترحات لحل القضايا الخلافية العالقة من أجل تمكين إجراء الانتخابات، وقبل أن يلملم العام أوراقه، شكلت البعثة لجنة من 124 شخصية لإدارة «الحوار المهيكل».
وهذا الحوار منصة وطنية جامعة، تتيح لشرائح واسعة من الليبيين الإسهام في صياغة برنامج العمل الوطني، ورسم ملامح المرحلة المقبلة.
وأمام دخول الأفرقاء في شرق ليبيا وغربها في أزمة جديدة تتعلق بالقضاء الدستوري، أبدت البعثة الأممية ترحيبها مساء الأحد «بجميع جهود الوساطة التي يبذلها عدد من الأطراف الليبية لحل النزاع القائم حول القضاء الدستوري، بما في ذلك تشكيل لجنة وساطة تضم نخبة من الخبراء القانونيين الليبيين البارزين».
وقالت البعثة إن «هذه اللجنة تسعى إلى تقديم خيارات تضمن استمرارية الرقابة الدستورية، وتصون الدور المحوري للقضاء بوصفه ركيزة أساسية للدولة الليبية». وتتألف اللجنة من القاضي المتقاعد حسين البوعيشي، والدكتور الكوني عبودة، والقاضي المتقاعد المبروك الفاخري، والمحامي عصام الماوي، وجميعهم يتمتعون بخبرة عقود طويلة في خدمة النظامين القضائي والقانوني الليبي.
وأضافت البعثة: «بناءً على طلب عدد من المؤسسات الوطنية الليبية، وإيماناً منها بضرورة الحفاظ على وحدة واستقلال ونزاهة النظام القضائي الليبي، تلتزم بدعم اللجنة في عملها وجهودها الرامية إلى حل هذا النزاع».
وانتهت البعثة بالتأكيد «على أهمية هذه المبادرة في المساعدة على صون وحدة القضاء واستقلاله وضمان اتساق الممارسات والأحكام القضائية في جميع أنحاء ليبيا، وهو أمر بالغ الأهمية لجميع جوانب حياة المواطنين الليبيين»، داعية «الأطراف المعنية كافة إلى التعاون البنّاء مع لجنة الوساطة لضمان نجاح جهودها».
غير أن المحكمة الدستورية العليا أبدت «رفضها القاطع» لتدخل البعثة الأممية في الشأن القضائي الدستوري، عبر تشكيل «جهود الوساطة» الذي وصفته بـ«التدخل غير المقبول في القضاء»، مطالبة بسحب العبارات التي تمس القضاء الليبي من إحاطة سابقة للبعثة أمام مجلس الأمن. ورفضت المحكمة، حديث البعثة بشأن وجود «نزاع قائم» حول القضاء الدستوري في ليبيا.
رئيس تحرير منصة «علاش»، لخّص الأمر برمته بالقول: «عندما يسمع المواطن في ليبيا جملة (تم تشكيل لجنة) يعلم حينها أن الأمر انتهى وأصبح من الماضي» .
____________