أسامة علي

تتجه الأزمة الليبية إلى مرحلة أكثر تعقيداً، في ظلّ الحراك الأميركي الرامي إلى توحيد المؤسسات المنقسمة، بالتوازي مع اتساع دائرة الخلافات بين الأطراف، بانتقالها من مستوى الانقسام بين شرقي البلاد وغربها إلى داخل كل معسكر على حدة، في تطور يضع الخطة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس أمام اختبار صعب، ويهدّد فرص نجاحها في ظل تصاعد التنافس على موقع كل طرف داخل أي تسوية مرتقبة.
ومساء أمس الاثنين، أصدر المجلس الأعلى للدولة بياناً أعلن فيه رفضه القاطع لأي تسوية سياسية تُبرم خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي، مؤكداً عدم اعتداده بأي تمثيل له في أي مفاوضات ما لم يكن ذلك بتفويض رسمي وصريح صادر عنه.
وجاء موقف المجلس متزامناً مع تزايد تداول الأوساط الليبية تفاصيل حول تحركات أميركية تقود مساراً تفاوضياً بين شخصيات محسوبة على سلطتي البلاد: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر في بنغازي، في مسعى لتوحيد مؤسّسات الدولة المنقسمة.
وتقوم الرؤية الأميركية على مسارات متوازية، تبدأ بخطوات اقتصادية لتوحيد الميزانية العامة استناداً إلى الاتفاق التنموي الموحد الموقع بين مجلسَي النواب والدولة في نوفمبر الماضي، وتتقاطع مع مسار عسكري يهدف إلى بناء قوة مشتركة بين شرق البلاد وغربها، وصولاً إلى مسار سياسي يسعى لتشكيل سلطة تنفيذية موحّدة بين الحكومتَين في طرابلس وبنغازي، في تصور ترى فيه واشنطن مدخلاً لإنهاء حالة الانقسام.
ويأتي موقف المجلس الأعلى للدولة، وفق ما كشفته مصادر ليبية مطلعة لـ“العربي الجديد“، في سياق تحرك استباقي لخطوة أميركية تستهدف تشكيل لجنة سياسية مشتركة من مجلسي النواب والدولة، تتولى تمرير مقترح إنشاء سلطة تنفيذية موحدة.
وتشير المصادر إلى أن هذه الخطوة يُفترض أن تُنفذ ضمن آليات خريطة الطريق التي ترعاها البعثة الأممية، وبالتنسيق معها، في محاولة لتجاوز حالة الجمود التي تعيق المسار السياسي.
وكانت رئيسة البعثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، قد أشارت خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن إلى توجه لتشكيل مجموعة مصغرة تتولى تنفيذ ما عجز عنه مجلسا النواب والدولة، ولا سيّما في ما يتعلق بتعديل القوانين الانتخابية واستكمال تعيين مجلس مفوضية الانتخابات، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة التالية المتمثلة في تشكيل حكومة موحدة.
وفي هذا السياق، لفتت المصادر إلى أن جلسة المجلس الأعلى للدولة التي عُقدت أمس شهدت تلميح رئيسه محمد تكالة إلى وجود رؤية أميركية وشيكة تهدف إلى إعادة تشكيل السلطة في البلاد عبر إشراك شخصيات فاعلة في معسكر حفتر، وهو ما رفضه تكالة، محذّراً من أن هذه المقاربة قد تعيد “حكم العسكر من بوابة المفاوضات السياسية“.
وفي مؤشر إضافي على التحولات داخل معسكر طرابلس، أكّدت المصادر أن المجلس الأعلى للدولة منح خلال جلسته تفويضاً كاملاً لتكالة لعقد لقاء ثلاثي مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، بهدف بلورة موقف سياسي موحد يعيد للمجالس الثلاثة دورها في مواجهة المسار الذي تدفع به واشنطن، والذي يُنظر إليه من أطراف عدة على أنه يقتصر عملياً على تفاهمات بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وصدام حفتر، ممثل قيادة والده في الشرق.
ورغم أن بيان المجلس الأعلى للدولة لم يتضمن موقفاً مباشراً من حكومة الوحدة الوطنية، التي تشارك فعلياً في المفاوضات التي يرعاها بولس منذ العام الماضي عبر مستشارها إبراهيم الدبيبة، إلى جانب صدام حفتر في اجتماعات عُقدت في روما وباريس وتونس.
إلّا أن البيان يعكس تحولاً واضحاً في موازين القوى داخل طرابلس، بإضافة المجلس إلى جبهة معارضة الدبيبة التي بدأ المنفي منذ أسابيع ببنائها، فلم يكتفِ الأخير بإعلان معارضة التعديل الوزاري الذي أعلنه الدبيبة لحكومته، بل عقد لقاءات عسكرية موسعة مع قادة المجموعات المسلحة الأبرز في طرابلس، والمعروفة بموقفها المعادي للدبيبة، كجهاز الردع الذي حاول الدبيبة تحجيم نفوذه، وجهاز الدعم والاستقرار الذي أطاح الدبيبة قائدَه في عملية أمنية منتصف العام الماضي، في خطوة تعكس محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل الغرب الليبي.
وفيما بدا تماهياً مع هذا التحول، نشر المنفي تدوينة عقب بيان مجلس الدولة عبر فيها عن موقف حاد تجاه المسار السياسي القائم، قائلاً إن “الوطن يقف اليوم بين مشروعَين متناقضَين: الدولة أو الصفقة“.
مضيفاً أن الخيارات تشمل: “الدولة أو الصفقة، الانتخابات أو التمديد، سيادة الموارد أو الوصاية الأجنبية، وحفظ الاستثمارات والأموال المجمدة أو ضياعها“، وختم بقوله إنّ المشهد بات محكوماً بخيار “القانون الوطني والدولي أو شريعة الغاب واستنساخ منهج غير أخلاقي“.
ويعكس التقارب بين تكالة والمنفي تحولاً لافتاً في خريطة التحالفات داخل غرب البلاد، إذ كان المجلس الأعلى للدولة يمثل طيلة الفترات الماضية الذراع السياسية الداعمة للدبيبة في مواجهة مجلس النواب ورئيسه عقيلة صالح، ما يجعل هذا الاصطفاف الجديد مؤشراً على إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل طرابلس، في سياق صراع لا يتعلق برفض التسوية الأميركية بقدر ما يرتبط بسعي كل طرف للتموضع داخلها.
وفي موازاة التحولات في طرابلس، يشهد الشرق الليبي تحولات مماثلة، تجلت بشكل علني في بيان أصدره بلقاسم حفتر، مدير جهاز التنمية وإعادة الإعمار، الأسبوع الماضي، أعلن فيه رفضه تحركات أخيه صدام حفتر المرتبطة بالمسار التفاوضي، مؤكداً أن المشاركين في اجتماع تونس، الذي انعقد الأسبوع الماضي بين ممثلين عن أخيه صدام والدبيبة لمناقشة الموازنة الموحدة، لا يمثلون شرق وجنوب البلاد، وأن مخرجاته غير ملزمة له، في موقف يعكس انتقال الخلافات إلى داخل معسكر حفتر بعد أن ظلت لفترة محصورة في نطاق غير معلن.
وتشير المصادر إلى وجود مؤشرات تجاوب من جانب عقيلة صالح لمساعي عقد اجتماع ثلاثي يضم المنفي وتكالة، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات، ولا سيّما أن المصادر نفسها أشارت إلى أن موقف خليفة حفتر نفسه لا يزال غير محسوم بوضوح، في ظل ضغوط أميركية متواصلة وخلافات متصاعدة داخل دائرته الضيقة، ما يعكس حالة توازن هش بين اعتبارات داخلية وخارجية.
وكان بولس قد أعلن، منذ بدء تحركه في الملف الليبي، أن الرؤية الأميركية تقوم على تطوير تصور لحل شامل يفضي إلى “حكم موحد يشمل الفرقاء الأساسيين“، قبل أن تنطلق لقاءات مباشرة بين ممثلين عن معسكري طرابلس والشرق في سبتمبر الماضي بروما، وسط مؤشرات أولية على قبول ضمني من مختلف الأطراف.
غير أنّ هذا المسار بدأ يواجه اعتراضات متزايدة، إذ برزت خلافات أولية بين شرق البلاد وغربها حول شكل السلطة التنفيذية العليا، قبل أن تتطور إلى انقسامات داخل كل معسكر، خصوصاً بعد ثاني الاجتماعات التي أشرف عليها بولس في يناير الماضي بباريس.
ثم تصاعدت على نحوٍ أوضح وعلني عقب اجتماع تونس الأسبوع الماضي، الذي ناقش آليات تنفيذ الاتفاق التنموي الموحد لتوحيد الميزانية، فقبيل الاجتماع الأخير أعلن بلقاسم حفتر رفضه لمخرجاته، في خطوة عمقت الانقسام داخل الشرق، قبل أن يستقبل المنفي في بنغازي لبحث ملف التنمية وإعادة الإعمار، في تحرك فُسر على أنه محاولة لبناء قناة تواصل موازية خارج الإطار الذي يجمع الدبيبة وصدام حفتر.
____________
