Author - manara
ميليسا باوسون
على متن سفينة إنقاذ في البحر المتوسط، يروي أحد الناجين قصة احتجازه في ليبيا، وهو احتجاز ساهم الاتحاد الأوروبي في تمويله.
فاجأَنا القاربُ في ذلك الصباح. رصده أحد أفراد الطاقم أثناء المراقبة من سطحنا العلوي، وسرعان ما تحوّل ما كان نقطة صغيرة في الأفق إلى قارب خشبي واضح المعالم، مكتظٍّ بالناس، جميعهم يلوّحون ويصرخون. لم يكن أحد يرتدي سترة نجاة.
تحرّك طاقم سفينتنا، «هيومانيتي 1»، بسرعة. انضممتُ إليهم في أحد قوارب النجاة، وراقبتُ الأشخاص الذين يتم إنقاذهم وهم يتسلّقون واحدًا تلو الآخر – بعضهم يضحك ويبتسم، وآخرون بدوا في حالة صدمة.
بدا الأمر وكأنه ضربة حظ أنهم عُثر عليهم بواسطة سفينة إنقاذ ألمانية في اتساع وسط البحر المتوسط، أحد أخطر طرق العبور البحرية في العالم. كان يمكن بسهولة أن يغرقوا، أو أن تلتقطهم خفر السواحل الليبي ويُعادوا إلى أحد مراكز الاحتجاز الوحشية في البلاد. هذه حقيقة يعرفها أحد الناجين، عمر، معرفةً وثيقة.
كان هذا الإنقاذ، في أواخر نوفمبر، المحاولة السابعة للشاب المصري البالغ من العمر 18 عامًا لعبور البحر المتوسط في عام 2025.
في أربعٍ من تلك المحاولات، أوقف خفر السواحل الليبي قارب عمر، بينما في محاولة أخرى، في أبريل، اعترضه خفر السواحل التونسي الذي «باع» من كانوا على متنه للسلطات الليبية. في كل مرة، انتهى المطاف بعمر محتجزًا في مراكز احتجاز ليبية مختلفة، حيث تعرّض للضرب الشديد، والتجويع، والحرمان من النوم، والاكتظاظ، والابتزاز مقابل فدية.
في هذه المحاولة الأخيرة، يعتقد عمر أنه لم يصل إلى هذا الحد إلا لأن المهرّب الذي تعامل معه دفع رشوة لخفر السواحل الليبي للسماح لهم بالمرور. وخلال 11 شهرًا من محاولاته الفاشلة لمغادرة ليبيا إلى أوروبا، قال إنه واجه شبكة مترابطة من المهرّبين والشرطة والميليشيات وخفر السواحل، جميعهم مرتبطون بالرشاوى والفساد – بينما كان الاتحاد الأوروبي يغضّ الطرف، بل ويموّل عناصر حرس الحدود الليبيين.
على مدى العقد الماضي، دفع الاتحاد الأوروبي للسلطات الليبية مئات الملايين من اليوروهات لمنع المهاجرين من دخول أوروبا عبر قوارب صغيرة تنطلق من شمال أفريقيا. وقد قادت إيطاليا – الوجهة المستهدفة لمعظم من يخوضون هذه الرحلة – مبادرة وفّرت تمويلًا وموارد إضافية، بما في ذلك ما لا يقل عن 14 زورق دورية.
جاء هذا التمويل بعد أن أنهت إيطاليا عملية البحث والإنقاذ الحكومية في البحر المتوسط عام 2014، بعد عام واحد فقط، بحجة ارتفاع التكاليف ونقص دعم الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك الحين، لقي أكثر من 22,775 شخصًا حتفهم أو فُقدوا على هذا الطريق.
وسّعت سفن الإنقاذ المدني، مثل «هيومانيتي 1»، دورياتها في المياه في محاولة لمنع فقدان الأرواح، لكنها تواجه بشكل متزايد حملات تضييق من ليبيا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى.
في أغسطس، فتح مسؤولون ليبيون كانوا على متن أحد القوارب المتبرع بها من إيطاليا النار على سفينة إنقاذ في المياه الدولية. ودعت منظمات حقوقية الاتحاد الأوروبي إلى تعليق تمويل خفر السواحل الليبي بعد الهجوم، معتبرةً أنه جزء من نمط أوسع من الاعتداءات على أشخاص في محنة في البحر وعلى طواقم الإنقاذ.
لكن بدلًا من ذلك، ضاعفت إيطاليا والاتحاد الأوروبي دعمهما لتكتيكات ليبيا في إدارة الهجرة. هذا الأسبوع، وبعد وصولنا إلى إيطاليا حاملين عمر وبقية الناجين، احتجزت السلطات الإيطالية سفينة «هيومانيتي 1» لعدم تواصلها مع خفر السواحل الليبي. وقالت المنظمة المشغّلة للسفينة، «إس أو إس هيومانيتي»، إنها علّقت التواصل بسبب سجل الوكالة الليبية الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان في البحر.
وقال مارك تيلي، باحث مستقل في شؤون الهجرة يركّز على شمال أفريقيا ووسط المتوسط، لموقع «أوبن ديموكراسي»، إن الاتحاد الأوروبي يتطلع إلى توسيع دعمه لإدارة الهجرة في ليبيا، وإن المملكة المتحدة تأمل بالانضمام إلى ذلك.
وأضاف تيلي: «تعقد المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي الآن اجتماعات ثنائية مع [القائد الليبي] خليفة حفتر في شرق ليبيا. وكان هذا أول تمرين على إضفاء الشرعية على شرق ليبيا [الذي لا تُعترف حكومته] والاعتراف به كشريك محتمل في معركتهم ضد الهجرة».
محتجز مقابل فدية خمس مرات
خلال الأيام الستة التي قضيناها معًا على متن «هيومانيتي 1»، كنت كثيرًا ما أرى عمر يستمع إلى الموسيقى ويضحك مع مراهقين مصريين وصوماليين آخرين، كان أصغرهم يبلغ 15 عامًا فقط.
كان يمكن أن يكونوا مراهقين في أي مكان في العالم، لولا أنهم وجدوا أنفسهم على متن سفينة إنقاذ في وسط البحر المتوسط، بعد أن فرّوا من مكان سيّئ السمعة بالتعذيب والعمل القسري والقتل الجماعي.
عندما اقتربتُ من عمر على سطح السفينة وطلبتُ إجراء مقابلة معه، أخبرته أنني أحتاج إلى موافقته المستنيرة لنشر قصته. بدأ يضحك وقال: «لسنا معتادين على أن يُحترمنا أحد هكذا، نحن معتادون على أن نُضرب في ليبيا».
في مارس 2023، كان عمر في استراحة الغداء في موقع بناء بالقاهرة عندما سمع أن ابن عمه البالغ من العمر 15 عامًا قد غرق قبالة الساحل التونسي.
كان عمر، الذي كان يبلغ 16 عامًا آنذاك، قد تحدث آخر مرة مع ابن عمه في الليلة السابقة ليتمنى له رحلة آمنة. وكان المراهقان يعيشان في فقر في العاصمة المصرية، وقال عمر إنهما خططا للسفر معًا إلى ليبيا ثم العثور على قارب لعبور البحر المتوسط إلى إيطاليا بحثًا عن حياة أفضل.
لكن في النهاية، رُفض صعود عمر إلى الطائرة المتجهة من مصر إلى ليبيا. وسافر ابن عمه وحده. وقال عمر: «كنت سأموت معه».
بعد أقل من عامين، قرر عمر المحاولة مجددًا. وقال: «غادرت مصر لأجد حياة أفضل. لم أكن خائفًا مما حدث لابن عمي».
وجد مهرّبًا ساعده على السفر برًا إلى ليبيا في يناير من هذا العام، حيث كان يخطط في البداية للبقاء والعمل. جرى استقطابه عبر فيسبوك للعمل في محل حلويات مقابل 14 ألف دينار ليبي شهريًا (1,900 جنيه إسترليني)، لكنه عندما وصل أُبلغ بأنه سيتقاضى ما يعادل 275 جنيهًا إسترلينيًا فقط شهريًا.
وقال: «تعرّضت للتهديد عندما طالبت بحقوقي. تم الاحتيال عليّ في راتبي. لم أستطع العودة إلى الوطن. شعرتُ بأن عليّ الاستمرار».
قال عمر إنه في كل مرة حاول فيها العبور وتم اعتراضه وسجنه، كان يُجبر على الاتصال بأفراد من عائلته في ليبيا أو في مصر للتوسّل إليهم لدفع فدية لإطلاق سراحه، وكانت الفدية التي تطالب بها السلطات الليبية تتراوح بين 2,000 دينار ليبي (274 جنيهًا إسترلينيًا) و16,000 دينار (2,195 جنيهًا).
أطول فترة احتُجز فيها عمر كانت 37 يومًا في مركز احتجاز بئر الغنم سيّئ السمعة. وفي النهاية، سافر والده إلى ليبيا لدفع الفدية، ما ضمن الإفراج عنه. وفي مناسبات أخرى، لجأ إلى أبناء عمومته المقيمين في ليبيا لمساعدته في جمع المال للخروج.
وقال عن فترة احتجازه في بئر الغنم: «كنا 200 شخص محشورين في زنزانة واحدة. لم يكن هناك مجال حتى للجلوس. كانت الحشرات في كل مكان، وكان الحراس يدخلون في أي وقت من اليوم ليضربونا بالأحزمة أو يرشّوا علينا الماء».
ووصف كيف كان الناس في الزنزانة ينهارون فوق بعضهم البعض بسبب الضعف الشديد الناتج عن الإرهاق والجوع.
وقال عمر: «كان الأمر هكذا في كل مرة أكون فيها في السجن. لكن بئر الغنم كان الأسوأ. رأيت الكثير من التعذيب هناك. بعض الناس كانوا محتجزين لأكثر من عام لأنهم لم يستطيعوا دفع الفدية».
بئر الغنم مركز احتجاز غير رسمي جنوب غرب طرابلس، وقال تيلي إنه يخضع «لرقابة أقل حتى من غيره من المواقع» ويُعرف بظروفه «المروّعة». وأضاف: «لا يوجد وصول أو إشراف أو تسجيل للأشخاص الذين يُنقلون إليه، لذا هم أكثر عرضة للاختفاء والابتزاز».
كما أشار تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن أوضاع حقوق الإنسان إلى هذا الموقع بسبب احتجازه التعسفي لأطفال مهاجرين.
وأفادت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة عام 2023 بوجود «أدلة ساحقة» على أن المهاجرين «يتعرّضون للتعذيب بشكل منهجي» في مراكز الاحتجاز الليبية، حيث «تُرتكب أعمال قتل واختفاء قسري وتعذيب واسترقاق وعنف جنسي واغتصاب وغيرها من الأفعال اللاإنسانية على صلة باحتجازهم التعسفي».
وقال صلاح الدين جمعة، أحد مؤسسي مجموعة «لاجئون في ليبيا» الحقوقية، الذي لديه تجربة مباشرة مع مصير المحتجزين الذين لا تستطيع عائلاتهم دفع الفدية: «احتُجزتُ في مركز احتجاز ليبي لمدة عام ونصف. أُجبرت على العمل الشاق لأنني لم أستطع دفع الفدية».
وأضاف جمعة، الذي شارك في تأسيس «لاجئون في ليبيا» قبل وصوله إلى فرنسا قبل 18 شهرًا، أن الخط الساخن للمجموعة يتلقى ما بين 50 و80 رسالة يوميًا من لاجئين ومهاجرين عالقين يطلبون المساعدة للهروب من المراكز. وقال: «[الضباط الليبيون] يجبرونهم على دفع فدية، وإذا لم يستطيعوا الدفع، يجبرونهم على العمل. وإذا كنّ نساءً، يتعرضن للاعتداء الجنسي».
وقال جمعة إنه لا يمكن للمجموعة فعل الكثير لمساعدتهم سوى الضغط على ممثلي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا. وأضاف: «لكن هناك الكثير من القصص عن إهمال اللاجئين والمهاجرين من قبل المفوضية في ليبيا».
«العرقلة المتعمدة» من إيطاليا
يمكن قطع الرحلة إلى إيطاليا من المياه الدولية شمال الساحل الليبي، حيث التقطنا قارب عمر، في 13 ساعة، لكن الأمر استغرق ستة أيام قبل أن تصل «هيومانيتي 1» أخيرًا إلى ميناء أورتونا في وسط شرق إيطاليا في 1 ديسمبر.
خلال الرحلة الطويلة، سأل العديد من الناجين على متن السفينة عن سبب عدم وصولنا بعد إلى إيطاليا. وفي لحظة ما، كنا قريبين جدًا من الشاطئ لدرجة أننا استطعنا رؤية تفاصيل المباني ومزارع الرياح – ومع ذلك كنا لا نزال على بُعد أكثر من 24 ساعة من الوصول.
منذ اعتماد إيطاليا «مرسوم بيانتيودوسي» في يناير 2023، تُجبر سفن الإنقاذ التي تطلب ميناءً آمنًا لإنزال الأشخاص الذين تم إنقاذهم بانتظام على الإبحار إلى موانئ بعيدة، أحيانًا على بعد أكثر من 600 ميل، أو المخاطرة باحتجاز سفنها لعدم الامتثال. وتقول منظمات الإنقاذ إن هذه السياسة «عرقلة متعمدة» تهدف إلى الحد من قدرتها على إنقاذ أشخاص في محنة في البحر.
عندما نزل عمر وبقية الناجين أخيرًا في أورتونا، استقبلهم الصليب الأحمر والشرطة الإيطالية. شكّلت هذه اللحظة بداية فصل جديد وصعب في حياتهم – بداية إجراءات اللجوء في إيطاليا. وقد يواجه القادمون من دول تعتبرها وزارة الخارجية الإيطالية «آمنة» (ومنها مصر) احتجازًا سريع المسار وأمرًا بالترحيل.
وقالت ستيفانيا، ممثلة الحماية على متن «هيومانيتي 1»، إن عبور البحر الخطير «ليس التحدي الوحيد» الذي سيواجهه الأشخاص الذين تم إنقاذهم.
وأضافت: «بموجب القانون الإيطالي، هناك فئات محمية، على سبيل المثال، إذا كنتَ ضحية تعذيب أو اتجار بالبشر. [وإلا] فقد يتم احتجازهم في مراكز احتجاز إدارية [في إيطاليا]. لا أريد المبالغة، لكنها قد تشبه ما عاشوه في ليبيا».
رشوة في يد، وراتب أوروبي في اليد الأخرى
بالنسبة لعمر، بدأ الوصول إلى إيطاليا أيضًا العدّ التنازلي للتواصل مع المهرّب الليبي الذي ينتظر الدفع.
وقال عمر قبل رسو السفينة: «يجب دفع المال عند الوصول. بمجرد أن أنزل إلى اليابسة ويكون لديّ اتصال، عليّ أن أرسل للمهرّب رسالة على فيسبوك لأخبره أنني وصلت. ثم سيتواصل مع والدي لترتيب الدفع».
كان عمر مدينًا للمهرّب بمبلغ 360 ألف جنيه مصري (5,650 جنيهًا إسترلينيًا) مقابل العبور، يُدفع كاملًا فقط إذا وصل إلى أوروبا حيًا. وقال المراهق: «قال لي المهرّب إنه إذا لم يُدفع المبلغ، سيقتل أيًّا من أبناء عمومتي أو إخوتي في ليبيا. وقال إن لديه اتصالات في مصر ويمكنه إيذاء أحد أفراد عائلتي هناك أيضًا. هو يعرف من هم أقاربي، راقبني. ما يهمه هو الدفع».
ولدى عمر أسباب وجيهة للاعتقاد بأن هذه ليست تهديدات فارغة. وقال: «كان المهرّب دائمًا يحمل سلاحه [أثناء انتظارنا للعبور]. في إحدى المرات، التقطت هاتفي لإرسال رسالة صوتية على واتساب، فوجه سلاحه نحوي وقال: إذا فعلت ذلك مرة أخرى، سأطلق النار عليك وأدفنك هنا».
ووصف عمر كيف بدا أن معظم المهرّبين الذين تعامل معهم خلال وجوده في ليبيا مرتبطون بالشرطة الداخلية الليبية. وقال: «لديهم سيارات شرطة، ويرتدون زي الشرطة ويحملون السلاح. هؤلاء الشرطيون يدفعون المال لخفر السواحل لتمرير القوارب».
يصعب التحقق من هذا الادعاء، لكنه على الأرجح يحمل قدرًا من الحقيقة، بحسب جمعة. وقال الناشط: «الغالبية العظمى من المهرّبين في ليبيا لديهم نوع من الارتباط بالشرطة أو خفر السواحل. يعرفون متى تكون زوارق خفر السواحل في البحر، فيعرفون أيّ الأيام يرسلون القوارب. وبعضهم أعضاء في خفر السواحل أنفسهم».
وقال تيلي لـ«أوبن ديموكراسي» إن الشرطة الداخلية الليبية قد لا تكون مهرّبة «بالمعنى التقليدي»، لكنها يمكن أن تُعتبر «مُيسِّرة» تغضّ الطرف عن التهريب، غالبًا مقابل حافز مالي.
ووجدت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة لعام 2023 «أسبابًا معقولة» للاعتقاد بأن مسؤولين رفيعي المستوى في خفر السواحل الليبي، وجهاز دعم الاستقرار، وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا «تواطؤوا مع متاجرين ومهرّبين». وذكر التقرير أن الاتجار والتهريب يولدان «إيرادات كبيرة» للأفراد والجماعات ومؤسسات الدولة.
وقال عمر: «خفر السواحل الليبي هم حرس حدود لإيطاليا، وليسوا لليبيا. يتقاضون رشاوى من المهرّبين، ويتقاضون رواتبهم من أوروبا».
وقال منير ساتوري، عضو البرلمان الأوروبي الفرنسي ورئيس اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي، إن استمرار دعم الاتحاد الأوروبي لخفر السواحل الليبي «لا يضمن إلا ارتكاب فظائع باسمنا وبأموال دافعي الضرائب الأوروبيين». ووصف خفر السواحل بأنه «ميليشيا مسلحة خارجة عن السيطرة تنتهك القانون الدولي وتدوس حقوق الإنسان».
وأضاف ساتوري: «لمعالجة انتهاكات الميليشيات وشبكات التهريب معًا، يجب على الاتحاد الأوروبي تنسيق عمليات بحث وإنقاذ حقيقية وفتح مسارات آمنة لمن يطلبون اللجوء في أوروبا».
وقال: «في 13 أكتوبر، تعرض قارب يقل 140 شخصًا لهجوم، ما ترك رجلًا بين الحياة والموت برصاصة مستقرة في جمجمته. وفي الأسبوع الماضي فقط، استُهدفت سفينة الإنقاذ لويز ميشيل. هذا غير مقبول. يجب أن تنتهي هذه الإفلات من العقاب وصمت أوروبا».
تمت مراسلة المفوضية الأوروبية (الهجرة والشؤون الداخلية) للتعليق.
كما تمت مراسلة وزارة الداخلية الإيطالية للتعليق.
وعندما سألتُ عمر إن كان لديه ما يود أن يعرفه الناس عن الرحلة، قال إن رسالته الوحيدة هي للآخرين الذين يفكرون في خوض العبور: «لا تسافروا إلى أوروبا عبر ليبيا. ابحثوا عن طريق آخر».
***
ميليسا باوسون هي محررة «ما وراء الاتجار والعبودية»، وتعمل أيضًا صحفية مستقلة تغطي قضايا الهجرة وحقوق الإنسان وأزمة المناخ.
_______________

سلط تحقيق لجريدة «فاينانشال تايمز» البريطانية والبث الألماني «باييريشير روندفونك» الضوء على أنشطة يان مارساليك المجرم المالي الأكثر طلبًا في أوروبا، والجاسوس الروسي الأكثر ملاحقة والكيفية التي وصلت بها عملياته إلى ليبيا ليشكل ما أصبح مع الوقت «إمبراطورية سرية».
وحسب التحقيق، فقد قادت صفقة سرية أجريت العام الماضي في لندن لبيع ثلاثة مصانع أسمنت ليبية وانتقالها في نهاية المطاف إلى يد رجل أعمال له صلات بقائد «القيادة العامة» المشير خليفة حفتر إلى كشف النقاب عن مستثمر قديم في تلك المصانع وهو النمساوي يان مارساليك.
من هو يان مارساليك؟
وتقول «فاينانشال تايمز» إن مارساليك كان لسنوات محط إعجاب عالم الأعمال الأوروبي، وهو مدير تنفيذي شاب ديناميكي ساعد في قيادة شركة التكنولوجيا المالية الألمانية «وايركارد» إلى آفاق أعلى إلى أن انكشف احتيال الشركة.
كما كان أيضًا متورطًا في عالم التجسس الروسي، مدفوعًا بشغف بالمخاطر والسلطة وكذلك بنظرة للحياة تعامل فيها كل شيء تقريبًا على أنه لعبة.
وخلال السنوات الخمس منذ انهيار «وايركارد»، ظل سؤالان رئيسيان حول دور النمساوي لغزًا: أين انتهى المطاف بالأموال التي سرقها، وهل ربما جرى استخدامها لتعزيز مصالح روسيا؟
أين اختفت أموال مارساليك؟
ويكشف التحقيق جزءًا صغيرًا ولكن ذي أهمية جيوسياسية من ملايين مارساليك المفقودة، ويتتبع المعركة الخفية للسيطرة على أصوله في ليبيا من قبل شركائه التجاريين السابقين، والتي كُبحت حتى الآن برغبتهم في إبقاء علاقاتهم بمارساليك سرية قدر الإمكان.
في المقال المنشور العام 2020 والذي كشف للمرة الأولى أن مارساليك على الأرجح جاسوس روسي، أزاحت «فاينانشال تايمز» الستار عن مصالحه في ليبيا، إذ تباهى بـ«شركاته» هناك، بما في ذلك الشركة الليبية للأسمنت، ومع ذلك، أنكر ملاك الشركة – مجموعة ليبيا القابضة التي تتخذ من لندن مقرًا – أي علاقة لهم به على الإطلاق.
ويستند تحقيق الجريدة البريطانية إلى مئات الصفحات من الوثائق المسربة، وملفات المحكمة، ومقابلات مع موظفين حاليين وسابقين ومستثمرين ومستشارين، بالإضافة إلى رسائل مارساليك الإلكترونية الخاصة التي جرى الحصول عليها بعد انهيار «وايركارد»، للكشف عن صورة مفصلة لتدخله لسنوات مع مجموعة ليبيا القابضة.
إمبراطورية مارساليك في ليبيا
استثمارات مارساليك في ليبيا، إذا كان لا يزال بإمكانه الوصول إليها، تبلغ قيمتها الآن عشرات الملايين من الدولارات. ولم تكن الشركة الليبية للأسمنت سوى واحد منها فقط، حسب التحقيق.
على الرغم من أن المبالغ صغيرة مقارنة باحتيال ملياري يورو الذي ساعد مارساليك في التخطيط له في «وايركارد»، فإن مشاريع ليبيا تسلط الضوء على كيفية عمله كعميل نفوذ، مستخدمًا الوصول إلى أموال غير مشروعة وعلاقات مع رجال أعمال متعطشين للمخاطر ليمزج بين مصالحه المالية الخاصة ومصالح الروس.
كما تشير سلسلة الوثائق إلى اهتمامات مارساليك السياسية في ليبيا – وكيف سعى لبناء روابط مع الفصائل والقادة العسكريين الأقوياء، لعرض فائدته لجهات الاتصال به في الاستخبارات الروسية وتسخير جشع الناس لتعزيز أجندة جيوسياسية سرية.
ولا تزال هناك تساؤلات حول ما إذا كان مارساليك، الموجود الآن في موسكو تحت حماية الدولة الروسية، لا يزال يمارس أي تأثير على ممتلكاته، وإلى أي درجة تدرك السلطات البريطانية شبكته المالية في لندن.
كيف بنى مارساليك إمبراطوريته في ليبيا؟
بدأت المصالح المالية لمارساليك في ليبيا قبل عقد من الزمن من خلال رجل سيصبح أحد أقرب أصدقائه. جو باومان، رجل أعمال أميركي المولد كان مقيمًا في لندن ولكنه قضى سنوات في موسكو، كان يستكشف فرصًا في الدولة الواقعة شمال أفريقيا بما في ذلك مشروع مدفوعات وعلم أن مارساليك يمكن أن يساعد.
تواصل رئيس مجلس إدارة مجموعة ليبيا القابضة أحمد بن حليم، مع باومان في العام 2015 بعرض استثماري. كانت ثلاثة مصانع أسمنت ليبية معروضة للبيع بأسعار مخفضة بعد إفلاس مالكها النمساوي السابق.
وبن حليم، هو ابن رئيس وزراء ليبي في الخمسينيات في عهد الملك إدريس، اضطر إلى المنفي مع عائلته بعد تولي معمر القذافي السلطة العام 1969. نشأ في لندن حيث سعى لبناء مسيرة مهنية في التمويل وأسس مدير الثروات الخاصة «ذا كابيتال بارتنرشيب». وبعد سقوط القذافي في العام 2011، أسس مجموعة ليبيا القابضة (LHG) للاستثمار في بلده الأم.
صفقة مصانع الأسمنت ودور مارساليك
بدا باومان، الذي كان يعمل بالفعل في ليبيا، مناسبًا لمصانع الأسمنت. كانت الحالة التجارية واضحة: إعادة إعمار البلاد سيتطلب كميات هائلة من الأسمنت ويمكن للمصانع أن تحتكر هذه المادة في شرق البلاد.
وجرى استكشاف مستثمرين آخرين وانضم مارساليك – على الرغم أن اسمه لن يظهر أبدًا في الوثائق الرسمية للشركة. بدلاً من ذلك، جاء استثماره في الشركة الليبية للأسمنت عبر كيان قبرصي، «يوروأتلانتيك»، وفقًا لأربعة أشخاص شاركوا في الصفقة. رسميًا، كان المستفيد النهائي لأسهم الشركة الليبية للإسمنت هو مؤسس «يوروأتلانتيك»، وهو رجل أعمال مقيم في دبي. وكان مارساليك شريكه الصامت.
يصر بن حليم ومجموعة ليبيا القابضة على أنهما لم يكونا على علم على الإطلاق بتورط النمساوي. ومع ذلك، فإن علاقة وثيقة بين مارساليك وإدارة الشركة الليبية للإسمنت – وهي مجموعة صغيرة من الأفراد كانوا يقدمون التقارير لبن حليم ومجموعة ليبيا القابضة – واضحة من خلال المراسلات الإلكترونية التي راجعتها «فاينانشال تايمز».
تشمل المواضيع التي جرت مناقشتها محاولة الشركة الليبية للإسمنت لفتح حساب في بنك «وايركارد»، وتوظيف جماعة المرتزقة الروسية «RSB» لتطهير مصانع الأسمنت من الذخائر غير المنفجرة. كان مارساليك جزءًا لا يتجزأ من كلا المشروعين – على الأقل، كمستشار موثوق للشركة الليبية للأسمنت.
علاوة على ذلك، سرعان ما أصبح مشاركًا في مشروع أكبر تدعمه مجموعة ليبيا القابضة: دعم فرصة في العام 2016 للحصول على أصول مربحة في ليبيا من خلال شركة تسمى «لوراسكو»، التي تشغل منصات حفر جرى تأجيرها لشركات النفط وتقدر قيمتها الآن بأكثر من 80 مليون دولار. كان مارساليك المستثمر الرئيسي في «لوراسكو» وضخ ملايين في العمل بأموال مسربة من «وايركارد»، وفق التحقيق.
في نوفمبر 2016، قُدم «المشروع فينيكس» لمجلس إدارة الشركة الألمانية. جرت الموافقة على تمويل بقيمة 10 ملايين دولار – والتي أقرضت عبر كيان في سنغافورة، «Senjo»، ثم إلى حساب دبي لمحام سويسري قام بدوره بوضع الأموال في شركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة المسجلة في جزيرة مان.
ستستثمر شركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة 10 ملايين دولار في «لوراسكو»، بينما ستستثمر مجموعة ليبيا القابضة 4 ملايين دولار وتدير الشركة.
في البداية، أعلنت إدارة «لوراسكو» المعينة من قبل مجموعة ليبيا القابضة أن المالك المستفيد النهائي لشركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة هو المحامي السويسري. ومع ذلك، في مراجعتها العام 2020، قامت «لوراسكو» بتحديث ملف العميل للإشارة إلى أن شركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة كانت في الواقع خاضعة لسيطرة صندوق ائتماني خارجي – مؤسسة «Labels»، وتسمية المستفيد النهائي الحقيقي للصندوق باسم جيمس هنري أو سوليفان، الذي كان في ذلك الوقت يمكن التعرف عليه علنًا كرجل أعمال مقيم في سنغافورة له صلات قوية «بوايركارد».
لكن المستفيد النهائي الحقيقي لشركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة كان وما يزال هو مارساليك، وفقًا لشخصين قاما ببناء الهيكل. أعلن طرف ثالث أنه «متأكد بنسبة 100%» أن مارساليك كان المستفيد بناءً على ما أخبرهم به بنفسه.
ذكرت مجموعة ليبيا القابضة وبن حليم أنهما، كما هو الحال مع الشركة الليبية للأسمنت، لم يكونا على علم بالمشاركة المالية لمارساليك حتى أبلغهما باومان بذلك في العام 2022. في تلك المرحلة، قالا إنهما تصرفا بسرعة لتجميد أسهم شركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة وفقًا للقانون.
وأضافا: «في أي وقت خلال عمليات العناية الواجبة التي أجرتها شركات مجموعة ليبيا القابضة، لم يجر اكتشاف أو الاشتباه في أن مارساليك هو المستفيد النهائي الحقيقي لأي طرف مستثمر».
«علاقة مالية وثيقة» بين بن حليم ومارساليك
رغم هذا الادعاء، تكشف الوثائق عن علاقة مالية وثيقة بين بن حليم ومارساليك في ذلك الوقت. في ديسمبر 2016، تكفل مارساليك بقرض جسر تمويلي بقيمة أربعة ملايين دولار من شركة عائلة بن حليم للاستثمار المسجلة في جزر فيرجن البريطانية لتمويل استحواذ شركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة على أسهم «لوراسكو»، حيث تأخر وصول 10 ملايين دولار الموعودة من المحامي السويسري – وفي النهاية من «وايركارد».
وفقًا لبن حليم ومجموعة ليبيا القابضة، وافق مارساليك على تحمل هذه المسؤولية البالغة 4 ملايين دولار كـ«معروف»، وأضافا أن هذا لم يجعلهما يعتقدان أنه قد يكون أيضًا مالك شركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة.
لم يكن ضمان قرض الجسر العلاقة المالية المباشرة الوحيدة بين بن حليم ومارساليك. في العام 2018، دعا مارساليك بن حليم وداعمين آخرين لمشاريع ليبيا للاستثمار في عملة رقمية مشفرة جديدة – تون كوين – كانت تُطلقها منصة التراسل المملوكة للروس «تيليغرام»، التي التقى مؤسسها بافل دوروف مع مارساليك ودعاه للمشاركة.
جرى إنشاء شركة ذات غرض خاص لتجميع أموالهم والاستثمار، لكن بنك «كريدي سويس»، الذي كان ينظم بيع العملة، حظر المعاملة. اتضح أن البنك كان سعيدًا بأخذ الأموال من مارساليك، الذي لم ينكشف بعد دوره في أكبر احتيال شركات في التاريخ الأوروبي الحديث، لكنه كان حذرًا من أصدقائه الليبيين.
كحل بديل، قرر بن حليم وآخرون السماح لمارساليك باستثمار أموالهم باسمه، متجاوزين فحوصات مكافحة غسل الأموال في «كريدي سويس». ومع ذلك، منعت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) إصدار «تيليغرام» للعملات وقام مارساليك برد أموال شركائه الليبيين.
في ردود على أسئلة من «فاينانشال تايمز وباييريشير روندفونك»، أكد بن حليم ومجموعة ليبيا القابضة مرارًا أن جميع العلاقات مع مارساليك جرت ترتيبها عبر باومان، والذي قالا إنه أخفى الطبيعة الحقيقية لتورط مارساليك ومصالحه في ليبيا.
اعترف باومان بأنه كان جهة الاتصال الرئيسية بين مجموعة ليبيا القابضة ومارساليك لكنه أصر على أن بن حليم وآخرين في الشركة كانوا على علم كامل باستثمارات النمساوي.
وقال لـ«فاينانشال تايمز»: «لم يكن لدي أي سبب لأكون مخادعًا بشأن مشاركة مارساليك السابقة. لقد كان مستثمرًا رائعًا وصديقًا جيدًا. ما كنا نفعله في ذلك الوقت كان مشروعًا تمامًا وعلى الرغم من أنه قد يكون واضحًا فيما بعد، لم تكن لدينا أي فكرة عن حياته الأخرى… بالنسبة لنا جميعًا، كان مجرد رجل أعمال أوروبي ناجح للغاية ومتميز».
وأضاف: «لقد كان المستثمر الرئيسي في لوراسكو منذ اليوم الأول وكان معروفًا لنا جميعًا داخليًا (في مجموعة ليبيا القابضة) – وهناك أدلة كبيرة تدعم ذلك. لم تكن الشركة لتُنشأ بدونه. كان هذا حقًا أحد أسباب انفصالي عن مجموعة ليبيا القابضة. لقد كانوا يحاولون دفن الحقيقة».
يختلف أشخاص آخرون كانوا جزءًا من شبكة مجموعة ليبيا القابضة – مارساليك أيضًا مع فكرة أن بن حليم لم يكن متحمسًا لمشاركة النمساوي. تظهر المراسلات التي راجعتها «فاينانشال تايمز» أن بن حليم كان مشاركًا في مناقشات مكثفة ومتكررة حول مشاريع تضمنت مارساليك على مدى عدة سنوات.
تُظهر صورة في العام 2018 حصلت عليها «فاينانشال تايمز» مارساليك في بنغازي، يتناول الشاي مع بن حليم وباومان وونيس بوخمادة، قائد القوات الخاصة السابق بقوات «القيادة العامة»، الذي كان يُبجل على نطاق واسع في ليبيا باسم «النمر الأسود» لنجاحه في محاربة «داعش».
يتذكر الأشخاص الحاضرون في الرحلة حتى أن مارساليك سأل بن حليم عما إذا كان مهتمًا بالترشح لمنصب سياسي، بهدف أن يصبح في النهاية رئيس وزراء البلاد. أكد بن حليم تفاصيل الاجتماع لكنه قال إنه رفض فورًا اقتراح مارساليك، ما قاده للاعتقاد أن مارساليك هو شخص خيالي خطير.
يختلف آخرون مع ذلك، ويقولون إن بن حليم كان على علم بصلات مارساليك في روسيا وتفاعل معه، وإن كان بشكل غير منتظم وغير مباشر، كوسيط لمصالح روسية. بينما لم يرغب بن حليم في دخول السياسة، دارت مناقشات أخرى حول مرشحين محتملين آخرين قد يتعاطفون مع مصالح مجموعة ليبيا القابضة ومارساليك.
عندما فر مارساليك في العام 2020، تغير كل شيء – ليس أقلها بالنسبة له. واجه مفارقة واحدة خاصة: بعد أن خبأ ملايين الدولارات وراء هياكل معقدة وأسماء واجهة حول العالم، أصبح الآن، عالقًا في روسيا، عرضة لفقدان السيطرة على أصوله المخفية.
رحلة البحث عن أموال مارساليك
كتب مارساليك في رسالة على «تيليغرام» في ديسمبر 2020 إلى أورلين روسيف، أحد الجواسيس البلغاريين المدانين العام الماضي في بريطانيا: «الحمقى يحاولون سرقة أموالي… لأنهم يعتقدون أنني أختبئ في كهف في أفغانستان».
وفي حين أنه لم يشر إلى من كان يقصد، كانت مصالحه المالية المخفية في ليبيا تتآكل، إذ بدأت «لوراسكو» وهي إحدى الشركات التابعة لـ«لليبيا القابضة» في العامين 2020 و2021 سلسلة من عمليات جمع رأس المال التي خففت بشكل كبير من حصة مارساليك في الشركة.
وأصبحت الأمور أكثر تعقيدًا في العام 2023 عندما بدأ باومان في الاستحواذ – عبر شركة «Damviol» التي تسيطر عليها زوجته – على حصص كانت ذات يوم مملوكة لمارساليك، حيث استحوذ على جزء من حصة «يوروأتلانتيك» في الشركة الليبية للأسمنت وحاول الاستحواذ على كامل حصة شركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة في «لوراسكو».
قال باومان لـ«فاينانشال تايمز» إن هذه حالة لجمع أصول كانت تباع بأسعار رخيصة ولن يجرى استردادها أبدًا.
إلا أن مجموعة ليبيا القابضة ادعت أن هذا مثير للشك ورفضت الاعتراف بنقل أسهم شركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة إلى «Damviol». وتقول إنها ملزمة قانونيًا بإبقاء عائدات الجريمة مجمدة. كما تقول إن لديها تساؤلات حول دافع باومان كصديق سابق لمارساليك وحتى عن مصدر أمواله.
أخبر باومان «فاينانشال تايمز» أنه لم يتحدث مع مارساليك منذ خمس سنوات، وأن فكرة أنه يمكن أن يكون أحمق لدرجة التصرف كواجهة له، نظرًا لعلاقتهما المعروفة، هي فكرة سخيفة.
نزاع قضائي بين «ليبيا القابضة» وباومان
وتصاعد نزاع باومان مع مجموعة ليبيا القابضة، إذ رفعت شركة «Damviol» في أكتوبر قضية مدنية في لندن تدعي وجود مؤامرة للاحتيال عليها، وتتهم المجموعة الليبية بمحاولة استخدام علاقة باومان السابقة مع مارساليك كذريعة لتجميد الشركة من حصصه الأقلية المستحقة.
في المقابل، رفعت مجموعة ليبيا القابضة، التي تنفي الادعاءات، ردها القانوني هذا الأسبوع، قائلة إنه لا يوجد «عداء» مع باومان، وأشارت إلى أنها حظرت نقل الأسهم المملوكة لشركة الطاقة الأفريقية الناشئة المحدودة على أسس قانونية وائتمانية بحتة.
كما هو الحال مع كل قصة عن مارساليك، لم تكن عملية الإبلاغ عن أصوله الليبية الموروثة مباشرة.
كيف بدأ التحقيق في نشاطات مارساليك بليبيا؟
وبدأ التحقيق في أواخر يونيو، عندما اتصل مصدر مجهول بـ«فاينانشال تايمز» و«باييريشير روندفونك» عارضًا ملف من الوثائق الداخلية لمجموعة ليبيا القابضة والشركة الليبية للأسمنت ووثائق أخرى.
وقدمت الوثائق عددًا من الادعاءات حول رئيس مجلس إدارة ليبيا القابضة أحمد بن حليم والشركة الليبية للأسمنت ومارساليك، إذ تظهر أن مجموعة ليبيا القابضة باعت مصانع الأسمنت العام الماضي لشركة «المورد واحة للتجارة العامة» في دبي، المملوكة لرجل الأعمال الليبي–الإماراتي أحمد جادالله، الذي يُنشر على نطاق واسع أنه مقرب من عائلة حفتر.
وينقل التحقيق عن ناطق باسم جادالله قوله إنه ليس لديه ترتيبات مالية مع آل حفتر، وهو رجل أعمال «محايد»، لكنه أكد تفاصيل عملية البيع المعقدة الموضحة في الوثائق، بما في ذلك دفعة 15.5 مليون دولار لبن حليم وكيانات يسيطر عليها.
أما بن حليم فقال إن هذه الدفعة كانت لتغطية النفقات التي تكبدها شخصيًا على مر السنين للحفاظ على استمرار عمل الشركة الليبية للأسمنت، وفق التحقيق.
لم تدعم الأدلة ادعاءات أخرى وخاصة الاتهامات بجرائم تتعلق ببن حليم ومجموعة ليبيا القابضة. وعندما تحدثت «فاينانشال تايمز وباييريشير روندفونك» إلى أطراف مختلفة لمحاولة التحقق من هذه الادعاءات أو دحضها، أصبح من الواضح أن حملة واسعة من الحيل القذرة كانت تُشن.
بدت رسائل البريد الإلكتروني والرسائل من أشخاص يتظاهرون بأنهم صحفيون ونشطاء محاولة لتشويه سمعة بن حليم وإلصاق التهم به، وكان من بين مستقبلي هذه الرسائل نظراؤه التجاريون وأصدقاؤه وعائلته.
في البداية، بدا أن المُسرِّب على الأرجح مرتبط بطريقة ما ببعض النزاعات الجارية في مجموعة ليبيا القابضة وذا «كابيتال بارتنرشيب». وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، بدأت جرأة وطبيعة حملة التسريب تستبعد العديد من الأطراف المتنازعة مع بن حليم ومجموعة ليبيا القابضة كمرشحين محتملين، واقترحت بدلًا من ذلك فاعلًا لديه وصول مستمر إلى ملفات واتصالات أطراف أخرى وكذلك دهاء كبير.
في حين أن «فاينانشال تايمز وباييريشير روندفونك» لم يتمكنا من التأكد من المسؤول، يعتقد طرفان على الأقل مشاركان في القضية أنهما لديهما فكرة جيدة عن من يقف وراءها. إنه، كما يفترضان، مارساليك نفسه، فهو مستاء من مجموعة ليبيا القابضة لأنه لم يعد يستطيع الوصول إلى الملايين التي استثمرها معهم، وربما يرسل تحذيرًا للناس بعدم التحدث عما يعرفونه عن أنشطته الليبية التي لم تنكشف بعد.
وتوقع مصدر أن صفقة لندن العام الماضي ربما كانت المحفز، ما دفع مارساليك لاستهداف واختراق شركائه السابقين لمعرفة ما كانوا يفعلونه – واستعادة أمواله، لكن المصدر عاد وقال إن الأمر ربما لم يكن متعلقًا بالمال أو السياسة بالنسبة لمارساليك، إذ إنه دائمًا يتعلق أكثر باللعبة.
____________
ترجمة بوابة الوسط
مجدي الشارف الشبعاني
الاستقرار لا يُستورد.. والسيادة لا تُستعار.
هذه الحقيقة تبدو بديهية، لكنها تعود اليوم لتفرض نفسها بقوة مع دخول “قانون استقرار ليبيا” الأمريكي إلى واجهة المشهد.
فالقانون –مهما جُمّلت ديباجته بشعارات الدعم والمساعدة –هو في جوهره إطار نفوذ يعكس رؤية واشنطن لمستقبل ليبيا أكثر مما يعكس حاجات الليبيين أنفسهم. وليس الخطر في النصوص ذاتها، بل في فراغ السيادة الذي يسمح لأي تشريع خارجي بأن يتحول إلى مرجعية غير معلنة تُعاد عبرها صياغة التوازنات السياسية والاقتصادية داخل البلاد.
وعندما تتشظّى المؤسسات، وتتنافس الحكومات، وتبهت القدرة الوطنية على اتخاذ القرار، يندفع الخارج لملء الفجوة. هنا فقط، يصبح القانون الأجنبي أكثر تأثيرا من القوانين الوطنية، وتتحول السيادة إلى مساحة مفتوحة للتأويل والتدخل.
من هذا المنطلق تنطلق هذه المقالة لتفكيك القانون الأمريكي وقراءة مقاصده وتحليل أثره على السيادة الليبية، ثم مقارنته بالتجارب التي اعتمدتها واشنطن في العراق وأفغانستان وهايتي، وصولا إلى آليات عملية تمنع تحوّله إلى منصة وصاية جديدة على الدولة الليبية.
يُقدَّم “قانون استقرار ليبيا” كتشريع داخلي أمريكي، لكنه صُمّم بحيث يُنتج آثارا عابرة للحدود. وقد تضمّن ثلاث طبقات رئيسية:
الطبقة الأولى وهي صياغة سياسة أمريكية واضحة تجاه ليبيا، تُلزِم الإدارات المتعاقبة بدعم العملية السياسية الأممية والانتخابات وحماية المؤسسات الاقتصادية، وعلى رأسها النفط والمصرف المركزي، مع رفض التدخل الأجنبي. هذه الصياغة ليست مجرد إعلان نوايا، بل إطار موجّه للسياسة الخارجية الأمريكية يتحوّل لاحقا إلى أدوات تنفيذية عبر العقوبات والتمويل والحظر الدبلوماسي.
الطبقة الثانية تتمثل في إدراج ليبيا ضمن منظومة مراقبة دولية دائمة؛ إذ يفرض القانون إعداد تقارير مفصلة حول التحركات التركية والروسية، ونشاط المرتزقة، والتعاملات المالية للمؤسسات الليبية، وسجل حقوق الإنسان، والإنفاق العام. وبذلك تصبح ليبيا ملفا استراتيجيا داخل الكونغرس، تماما كما حدث مع العراق في أواخر التسعينيات.
الطبقة الثالثة تظهر في منظومة العقوبات الواسعة التي يمنح القانون من خلالها للرئيس الأمريكي سلطة إدراج أفراد وكيانات تصفها واشنطن بأنها “معرقلة للاستقرار“، وتشمل قادة مليشيات ومسؤولين حكوميين ورجال أعمال وأطرافا أجنبية. كما تتيح العقوبات تجميد الأصول وحظر السفر وتعطيل التحويلات المالية، وهي أدوات تُحدث تأثيرا مباشرا في البنية الاقتصادية والسياسية للدولة.
هذه البنية التشريعية تُلقي بظلالها على السيادة الليبية في ثلاثة مسارات رئيسة:
أولا، المسار السياسي، لم يعد تحديد “المعرقلين” شأنا داخليا أو أمميا، بل قرارا أمريكيا يخضع لتقدير سياسي، مما يخلق اختلالا في ميزان القوى الداخلية وقابلية لاستخدام العقوبات لترجيح طرف على آخر، مع نشوء اعتماد غير مباشر على “الرضا الأمريكي” كمحدد لشرعية بعض الفاعلين.
ثانيا، المسار الاقتصادي، يمنح القانون واشنطن سلطة مراقبة حركة الأموال وعقود النفط وإدارة الأصول السيادية، تحت ذريعة منع الاستغلال غير المشروع للموارد. وهكذا يصبح الاقتصاد الليبي ميدانا حساسا يمكن الضغط عليه بسهولة في لحظات التوتر السياسي.
وفي المسار الأمني، فإن الحديث عن “إصلاح القطاع الأمني” و“دمج الجماعات المسلحة” و“بناء قوات موحدة“، يحمل نبرة توحي بأن الإصلاح الأمني مشروع خارجي أكثر منه مشروعا وطنيا، وهو ما أثبتته التجارب السابقة في دول أخرى.
ولكي تتضح خطورة هذا القانون، يكفي النظر إلى النماذج التي تعاملت معها واشنطن سابقا.
ففي العراق بدأ الأمر بقانون ظاهره الإصلاح وانتهى إلى هندسة سياسية كاملة للدولة بعد التدخل العسكري.
وفي أفغانستان بُنيت مؤسسات على قاعدة الدعم الخارجي، لكنها انهارت سريعا بمجرد الانسحاب الأمريكي.
وفي هايتي تحولت العقوبات الفردية إلى وسيلة لإدارة النخب بدل معالجة جذور الأزمة.
والنتيجة المشتركة بين هذه النماذج أن الدولة تصبح “بيئة مُدارة” لا “فاعلا سياديا” عندما تتحول التشريعات الخارجية إلى إطار مرجعي فوق وطني. هذه المخاطر تجعل من الضروري التفكير في كيفية منع تحوّل “قانون استقرار ليبيا” إلى أداة وصاية جديدة.
وتنبع القدرة على ذلك من صلابة البنية الوطنية، فواقع الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار وتذبذب الخطاب السيادي يمنح أي تشريع خارجي قابلية أكبر للتأثير. ولهذا، فإن المواجهة الفعالة لا تكون بالاعتراض الخطابي، بل بإعادة بناء مظلة سيادية موحّدة تعيد تنظيم العلاقة بين الداخل والخارج.
تبدأ هذه المظلة بتوحيد الموقف السيادي، عبر بلورة خطاب وطني واحد يعلن بوضوح أن القانون الأمريكي تشريع داخلي لا يُلزم ليبيا ولا يُعتمد عليه كمرجع لتحديد الشرعية السياسية، فالتباين في المواقف يسهّل على الخارج قراءة المشهد من زاوية مصالحه.
ويتطلب الأمر أيضا تحصين المؤسسات الاقتصادية عبر رفع مستوى الشفافية في بيع النفط وإدارة العائدات والإنفاق العام والعقود الدولية، لأن تقليص الثغرات يُضعف قدرة الخارج على استخدام “الاستقرار الاقتصادي” كأداة ضغط.
ويحتاج المشهد كذلك إلى تدويل مضاد، يسمح لليبيا بالتحرك دبلوماسيا عبر الاتحاد الأفريقي ودول المتوسط والشركاء الدوليين الرافضين للهيمنة الأحادية، حتى لا تبقى الساحة مفتوحة أمام النفوذ الأمريكي وحده.
كما يتعين إعادة هيكلة ملف حقوق الإنسان داخليا، حتى لا يتحول إلى مدخل جاهز للعقوبات، وذلك من خلال دعم القضاء والرقابة ومعالجة الانتهاكات ضمن إطار وطني.
ومع ذلك، يمكن لليبيا –بصورة أكثر جرأة– أن تستخدم القانون ذاته كسلاح دفاعي، عبر تقديم ملفات موثقة حول وجود المرتزقة والقواعد الأجنبية وخرق حظر السلاح، بما يعيد توجيه العقوبات نحو الأطراف المنتهكة لسيادة ليبيا بدل أن تكون سيفا مسلطا على الداخل.
وفي ظل تشظّي القرار الوطني، يبرز خيار إضافي يتمثل في تفعيل أو تأسيس هيئة عليا للرئاسات تضم رئيس المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية ورئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الأعلى للدولة، ليُناط بها الإشراف على الملفات السيادية الحساسة، ومنها التعامل مع التشريعات الدولية.
وجود مثل هذه الهيئة يمنح ليبيا صوتا واحدا في مواجهة الخارج، ويقلل من فرص استغلال الانقسام المؤسسي، ويعيد ضبط التوازن السيادي بحيث لا يتحول أي قانون خارجي –بما فيه القانون الأمريكي– إلى إطار بديل يملأ فراغ القرار الوطني.
في الخلاصة، لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كان القانون الأمريكي جيدا أم سيئا، بل في ما إذا كانت ليبيا تمتلك مؤسسات قادرة وسيادة فاعلة تمكّنها من التعامل معه دون الانجراف إلى دائرة النفوذ.
فالتشريعات الخارجية، مهما بلغت قوتها، لا تُصبح خطيرة إلا عندما تكون الدولة في حالة هشاشة.
أما إذا استعاد الداخل قدرته على صنع القرار وتحديد الأولويات، فلن يتجاوز القانون الأمريكي حدود تأثيره الطبيعي كتشريع لدولة أخرى.
السيادة تُبنى.. ولا تُستورد. والاستقرار لا يأتي إلا من داخل ليبيا، لا من نصوص تُكتب في واشنطن، مهما كانت قوة اللغة أو جاذبية الوعود.
_____________

جوستينا جودزوسكا
ينبغي على الشركات الدولية معالجة الفساد قبل المشاركة في قطاعٍ مُعرّضٍ للخطر بشدة.
تتسابق شركات النفط العالمية للعودة إلى قطاع النفط الليبي. تُطلق ليبيا حاليًا أول جولة مناقصة لها لاستكشاف وتطوير النفط منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، ويبدو أن هناك العديد من المُشاركين من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك شركات أمريكية.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا تطورًا واعدًا للشعب الليبي. فالبلاد بحاجة ماسة إلى إعادة الإعمار والاستقرار السياسي والاستثمار. لكن من غير المُرجّح أن تُوفّر صفقات النفط الجديدة هذه الفوائد.
تُعاني ليبيا من نظامٍ مُتجذّر من الفساد الجائر، والذي استولت من خلاله نخبة فاسدة على ثروات البلاد النفطية. والنتيجة هي ارتفاع أسعار الوقود لليبيين العاديين وتركهم يُعانون.
لتجنب إدامة هذه الشبكة الفاسدة، ينبغي على صانعي السياسات والمسؤولين التنفيذيين في بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة توخي الحذر. في حين أن الفرص التجارية الجديدة قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل لليبيا، إلا أنها لن تقدم سوى فوائد قليلة على المدى الطويل طالما استمر القادة في طرابلس وبنغازي في ملء جيوبهم مع استبعاد الشعب الليبي من الثروة الطبيعية الهائلة للبلاد.
ولا يمكن إلا لدولة ليبية فعالة وشفافة وخاضعة للمساءلة أن تكون الشريك الذي تحتاجه الشركات الدولية.
كشف تحقيق جديد كبير عن توسع هائل في تهريب البنزين والديزل من عام 2022 إلى عام 2024 من خلال برنامج دعم الوقود الليبي. ووفقًا لبحثنا، فقد كلف هذا الدولة الليبية ما يقرب من 20 مليار دولار في ثلاث سنوات. في عام 2021، بدأت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية في مبادلة النفط الخام الليبي مباشرة بالوقود المكرر من الخارج.
في السابق، كانت عائدات جميع مبيعات النفط الخام تذهب إلى البنك المركزي الليبي، والذي بدوره سيوفر الأموال للمؤسسة الوطنية للنفط لشراء الوقود بما يتماشى مع مخصصات الميزانية. ولكن على عكس المخصصات من البنك المركزي، لم يتم تسجيل المقايضات في الميزانية العمومية العامة. هذا يعني أن المؤسسة الوطنية للنفط تمكنت من زيادة وارداتها من الوقود دون أي زيادة في الإنفاق الحكومي المعلن.
وكانت النتيجة أنه في غضون ثلاث سنوات فقط، تضاعفت واردات ليبيا من الوقود بأكثر من الضعف، لتصل إلى حوالي 41 مليون لتر يوميًا بحلول أواخر عام 2024.
لماذا ارتفعت الواردات بشكل كبير؟
تشير السلطات الليبية إلى أن هذه الزيادات كانت ضرورية بسبب التحولات في سلسلة توريد الغاز والحاجة المتزايدة إلى الوقود لتشغيل شبكة الكهرباء الليبية. لكن الكميات المستوردة فاقت بكثير ما يمكن للاقتصاد الليبي الشرعي أن يستهلكه بشكل معقول. والحقيقة هي أن أكثر من نصف هذا الوقود يتم تهريبه إلى خارج البلاد، بحراً أو براً.
كان صدام حفتر، الابن الطموح لخليفة حفتر – الذي يحكم معظم شرق ليبيا كقائد لقوات والده – هو القوة الرئيسية وراء هذا التصعيد. وقد استخدم صدام دوره كوريث واضح في قوات حفتر لتعزيز السيطرة على كل من عمليات التهريب البحري والبري إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
نتيجةً لذلك، كان له دورٌ أساسيٌّ في رفع التهريب إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. يُعدّ ميناء بنغازي القديم القناةَ الرئيسيةَ لإعادة التصدير في ليبيا، باستخدام أوراقٍ مزورةٍ وسفنٍ “مُظلمة” لنقل ملايين اللترات في كل رحلة. ويعمل علي المشاي الضابط في قوات حفتر، التابع لصدام، كحارس البوابة الرئيسي.
بينما لا تزال ليبيا منقسمةً سياسيًا، يحصل الجميع على حصةٍ من الأرباح غير المشروعة. ربما تكون عائلة حفتر هي من دبرت الطفرة الأخيرة، لكنهم كانوا يعملون بالتعاون الضمني مع شخصياتٍ مرتبطةٍ بحكومة عبد الحميد دبيبة التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها.
تمتد المسؤولية أيضًا إلى شمال غرب ليبيا، حيث ينقل أمراء الحرب المحليون مثل محمد كشلاف من الزاوية وعمر بوغدادة من مصراتة (المتحالف مع رئيس الوزراء دبيبة) الوقود بحرًا وبرًا. وتتجه كمياتٌ كبيرةٌ جنوبًا، حيث تسيطر قوات حفتر.
يشارك أيضًا العديد من الداعمين الدوليين للحرب الأهلية الليبية. تم تدبير هذه السرقة التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات بمساعدة خفية من روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة.
ونتيجة لذلك، يضطر المواطنون الليبيون في كثير من الأحيان إلى دفع 40 ضعف السعر الرسمي المدعوم للوقود، بينما يبيع العديد من قادتهم الوقود بشكل غير مشروع لشبكات أجنبية في ليبيا والدول المجاورة.
على سبيل المثال، يحوّل تحالف حفتر الديزل والبنزين ووقود الطائرات المدعوم إلى أفراد عسكريين روس متمركزين في عدة قواعد جوية في ليبيا، والذين بدورهم ينقلون الوقود إلى قوات روسية أخرى في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
كما كان تحالف حفتر موردًا استراتيجيًا للوقود لقوات الدعم السريع طوال الحرب الأهلية الدائرة في السودان، مما مكّن الجماعة شبه العسكرية من ارتكاب فظائع في دارفور. ولم يغير سقوط الفاشر في أواخر أكتوبر ولا المجازر المروعة التي طالت المدنيين التي تلتها هذا الترتيب حيث تواصل عائلة حفتر تزويد قوات الدعم السريع بالوقود.
بحلول عام 2024، سُرق ما يقرب من 7 مليارات دولار من الوقود المدعوم – أي حوالي 15% من إجمالي الإنفاق العام – سنويًا. وهذه مليارات الدولارات من الثروة العامة التي من المفترض أن تُموّل المستشفيات والمدارس وغيرها من البنى التحتية الأساسية.
وقد حرم هذا المخطط البنك المركزي من العملة الصعبة اللازمة للواردات الأساسية مثل الغذاء والدواء، مما أدى إلى تضخم أسعار المستهلك وانخفاض قيمة الدينار الليبي. وفي تطور مثير للسخرية، غالبًا ما يُجبر مواطنو إحدى أغنى دول العالم بالنفط على الانتظار في طوابير طويلة في محطات البنزين ودفع أسعار السوق السوداء المتضخمة مقابل الوقود.
وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أنها أنهت عمليات مقايضة النفط الخام بالوقود. ومع ذلك، لا تزال أحجام واردات الوقود مرتفعة بشكل غير مبرر، ولا يزال التهريب على نطاق واسع مستمرًا.
من الواضح أن شركات النفط العالمية وصانعي السياسات الغربيين يأملون في إبرام صفقات مربحة في قطاع النفط الليبي. إنهم محقّون في فهم الأساسيات: فالجيولوجيا الليبية، البرية والبحرية على حد سواء، لا تزال غنية بالاحتياطيات غير المستغلة، والمؤسسة الوطنية للنفط، إلى حد كبير، تضم كادرًا من المتخصصين المهرة في مجال الهيدروكربونات.
لكن سيكون من الحكمة أن تفكر الشركات الأجنبية في مدى استدامة مشاريعها الجديدة. فمع إفراغ الدولة الليبية من المصالح الخاصة، يرتفع خطر الاضطرابات الاجتماعية وتجدد الصراع. وأي جولة جديدة من الحرب، وخاصة تلك التي تعيد ترتيب القيادة السياسية للبلاد، يمكن أن تُعرّض أي صفقات جديدة للخطر بسرعة.
إذن، ما الذي يمكن للولايات المتحدة والدول ذات التفكير المماثل أن تفعله حيال هذا الأمر؟ الكثير جدًا.
يرتبط قطاع النفط الليبي بالدولار الأمريكي. وهذا يوفر وسيلة لممارسة الضغط المباشر وإملاء الشروط التي يمكن للشركات الدولية بموجبها إعادة دخول السوق الليبية.
يتفاوض القادة الليبيون حاليًا مع إكسون موبيل وشيفرون، على سبيل المثال. وبدلاً من الاعتماد على الصفقات غير الرسمية لتسهيل إعادة دخول هذه الشركات، يجب على إدارة ترمب أن تتطلع إلى دعم المؤسسة الوطنية للنفط الليبية كمؤسسة تكنوقراطية قادرة على الحفاظ على عقود موثوقة ودائمة.
ولكي تسعى الشركات الأمريكية إلى استثمارات طويلة الأجل، فإنها تحتاج إلى درجة أفضل من الأمن الدائم مما يمكن أن يوفره اللصوص. ولتحقيق هذه الغاية، يُعتقد أن كبير المستشارين الأمريكيين مسعد بولس يسعى إلى وضع ميزانية ثابتة للمؤسسة الوطنية للنفط الليبية للمساعدة في الحد من إمكانية النفقات غير المسجلة.
ومع ذلك، ستصبح هذه الجهود عقيمة تمامًا إذا سُمح باستمرار قضية تهريب الوقود المتفشي.فيجب على صانعي السياسات في الولايات المتحدة والدول الأخرى ذات التفكير المماثل إرسال رسالة حازمة مفادها أن المؤسسة الوطنية للنفط يجب أن تظل مستقلة.
إن التحقيق مع اللاعبين الرئيسيين ومعاقبتهم مثل علي المشاي على نهبهم للأموال العامة الليبية من شأنه أن يساعد في تحقيق ذلك. ولم تُستخدم العقوبات ضد أكثر الجهات الفاعلة فسادًا في ليبيا وممكنيهم؛ وتغيير ذلك من شأنه أن يقطع شوطًا طويلاً نحو الردع.
وبالمثل، يمكن للولايات المتحدة إصدار استشارة تجارية تحذر الشركات الأمريكية من الشبكات غير المشروعة للتجار والوسطاء والوسطاء وشركات النقل التي تستغل برنامج دعم الوقود الليبي.
كجزء من سياستها تجاه ليبيا، صرحت إدارة ترمب أنها تسعى إلى متابعة التجارة على المساعدات. كما شددت الرسائل العامة على أهمية إعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية، وعلى الدور الحاسم الذي تلعبه المؤسسة الوطنية للنفط على وجه الخصوص.
ومع استمرار إبرام الصفقات الاقتصادية، لا يمكن إغفال هذين الشرطين الأخيرين. وسيكون من الخطأ أن يفترض صانعو السياسات في واشنطن والعواصم الأجنبية الأخرى أن الفساد أمر لا مفر منه في ليبيا، وبالتالي يجب إبرام الصفقات مع أفراد مثل حفتر أو الدبيبة بدلاً من المؤسسة الوطنية للنفط.
ما لم تتعامل الولايات المتحدة وحلفاؤها مع المؤسسات الليبية المختصة بدلاً من العائلات الحاكمة، فسيستمر الفساد.
أولًا وقبل كل شيء، سيضر هذا بالشعب الليبي. ولكن مع تزايد احتمالية العنف والاضطراب السياسي، سيضر ذلك بالمستثمرين الدوليين أيضًا.
إذا أرادت واشنطن نجاح الشركات الأمريكية في ليبيا على المدى الطويل، فعليها المساعدة في كبح جماح الفاسدين الليبيين. وعمليات تهريب الوقود الضخمة التي يقومون بها هي نقطة البداية.
***
جوستينا جودزوسكا، المديرة التنفيذية لـ “ذا سنتري“
_____________
المصدر: مجلة فورين بوليسي الأمريكية