ملخص تنفيذي
«إذا أراد وكيل النيابة احتجازك بينما الردع لا تريد ذلك، فلن يتم احتجازك. وإذا أرادت الردع احتجازك، فسيتم احتجازك. لا توجد سلطة فوق الردع.» م. أ. س ، ضحية احتجاز تعسفي من قبل قوة الردع.
يبرهن هذا التقرير على تغلغل الجماعات المسلحة وتدخلها في منظومة العدالة في ليبيا، في وقتٍ أفرز فيه التشظي السياسي نظمًا قانونية متعددة قوضت استقلال القضاء. فباتت الجهات القضائية الفاعلة تعمل في بيئة تفتقر للأمن، وتتسم بالفوضى المؤسسية والتدخل السياسي.
يضع التقرير تصورًا مفاهيميًا لهيمنة الجماعات المسلحة والتشظي السياسي وتفكك الوحدة الإقليمية بوصفها ديناميكيات متضافرة يعزز بعضها بعضًا. إذ تسبب غياب الوحدة الإقليمية في تعدد مراكز السلطة التي تعتمد على جماعات مسلحة لإنفاذ قراراتها.
وفي المقابل، عزز تمكين هذه المجموعات المسلحة وإفلاتها من العقاب من الانقسامات الإقليمية والسياسية، مما يحول دون بزوغ أسس قانونية ومؤسسية ورقابية موحدة. ومن ثم، فالتشظي وسطوة هذه الجماعات المسلحة ليست مجرد مشكلات مترابطة، وإنما يضمن كل منهما بقاء الأخر، في دورة متجددة وممتدة.
وفي خضم هذه المعضلة، يرزح القضاء تحت وطأة التبعية. فبينما يٌفترض أن تتولى المحاكم والنيابات رسميًا مهمة إنفاذ القانون، إلا أنها تفتقر للسيطرة الفعلية على المقومات اللازمة لإتمام هذه المهمة، والتي تنطوي على؛ تأمين المنشآت، احتجاز المشتبه فيهم، تنفيذ الأوامر القضائية، وحماية الكوادر العاملة في المنظومة القضائية. بل باتت السلطة القضائية رهينة لتوازنات القوى المحلية، وحدود السيطرة الجغرافية، وموافقة المجموعات المسلحة. ولا تقتصر مظاهر هذه التبعية على التدخل المباشر فحسب، بل تمتد لتشمل اختلالات مؤسسية؛ كاضطراب الاختصاص القضائي والعصف بالمعايير القانونية.
وفي هذا السياق، يوضح التقرير كيف يتم تجاهل السلطة القانونية تحت وطأة القوة القسرية للجماعات المسلحة من جهة، وحالة الانقسام السياسي من جهة أخرى، مما يعيد صياغة مسار العدالة بدءً من القبض وصولاً إلى تنفيذ الأحكام. وذلك بالاستناد إلى مقابلات مع فاعلين في الجهات القضائية وضحايا، وتحليل الأحكام والقرارات التنفيذية وغيرها من الوثائق.
الجماعات المسلحة في ليبيا
منذ أكثر من عقد، انقسمت ليبيا بين مركزين متنافسين للسلطة. ففي الشرق، يبسط خليفة حفتر، الضابط السابق في جيش القذافي، هيمنة عسكرية واقتصادية. بعدما شكّل نظامًا قسريًا مركزيًا في أنحاء برقة (الشرق) وفزان (الجنوب).
أما في الغرب، فقد حظيت حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة ويرأسها حاليًا عبد الحميد الدبيبة، بشرعية سياسية دون احتكارها لأدوات العنف، مما أدى إلى استمرار حالة الانقسام، واشتباكات مسلحة من حين لآخر، وبقاء المؤسسات الموازية. ولم يحقق أي طرف سيطرة كاملة على الأرض أو اعترافًا دوليًا شاملًا.
أما المشهد الأمني في ليبيا فيتسم بوجود عشرات المجموعات المسلحة ذات الأصول والوظائف والوضعيات القانونية المتنوعة. تشّكل بعضها خلال انتفاضة 2011 ضد نظام القذافي كتشكيلات ثورية أو دفاع محلي، بينما تشكلت وتعززت مجموعات أخرى خلال المرحلة الانتقالية اللاحقة استجابًة للانفلات الأمني المستمر والانقسام السياسي.
وبمرور الوقت، بسطت هذه المجموعات المسلحة سلطة الأمر الواقع، سواء كجهات فاعلة مندمجة رسميًا أو بشكل غير رسمي في مؤسسات الدولة. وارتبط العديد منها رسميًا بوزارات الدفاع أو الداخلية أو العدل، أو اندمجت فيها، وكُلفت بوظائف إنفاذ القانون الأساسية؛ بما في ذلك الاعتقال والاحتجاز وإدارة المنشآت وحماية المحاكم ونقل السجناء.
هذا التهجين اتضح بشكل خاص في مجال مراقبة الهجرة. إذ أضحى لجماعات مسلحة مثل قوة الردع الخاصة في طرابلس، وجهاز دعم الاستقرار، ومجموعات تابعة للجيش الوطني الليبي في شرق ليبيا، أدوارًا مركزية في اعتقال المهاجرين، وإدارة مرافق الاحتجاز، وتنفيذ عمليات الاعتراض أو النقل، بالتعاون مع سلطات الدولة والشركاء الدوليين. هذه الأدوار، التي غالبًا ما توضع في إطار تدابير أمنية أو إدارة للحدود، عززت القوة القسرية للجماعات المسلحة، لا سيما أنها تحدث في ظل رقابة قضائية محدودة.
إن التعاون والتداخل المعقد بين الجماعات المسلحة وأجهزة الدولة يجعل من الصعب فصل تدخلات القطاع الأمني عن السلطة القضائية، كما يقوض الجهود الرامية لاستعادة السيطرة الفعلية للقضاء على منظومة العدالة بأكملها.
تدخل الجماعات المسلحة في النظام القضائي
يواجه الفاعلين في النظام القضائي الليبي تهديدات، وعمليات اختطاف، واعتداءات جسدية، وهجمات قاتلة. وحتى في الحالات التي تظل فيها الدوافع غير مثبتة، تترك هذه الحوادث أثرًا ترهيبيًّا عميقًا. وبحسب وكلاء نيابة وقضاة، في الشرق والغرب، تؤثر المخاطر التي قد يتعرضون لها على استقلال الأحكام والممارسات القضائية.
لذا يفكرون مليًّا قبل إصدار أوامر الإفراج، أو قبول القضايا الحساسة أو متابعتها، أو تحدي الجهات الفاعلة النافذة. فعلى سبيل المثال، انحرفت الشرطة القضائية، التي يُفترض أن تضمن سلامة الموظفين أو المحتجزين، عن مهمتها الأساسية وعملت كجماعة مسلحة شبه مستقلة.
تتحكم الجماعات المسلحة فعليًا في مسار العملية القضائية. فغالبًا ما يُحتجز المواطنون والمقيمون والمهاجرون دون اتباع الإجراءات القانونية، ويتم استجوابهم في مرافق تابعة للجماعات المسلحة أو مقار الأجهزة الأمنية، ولا يحالون للسلطة القضائية إلا عندما يكون ذلك ملائمًا سياسيًا.
وفي بعض الحالات الموثقة، استندت أحكام المحاكم إلى مقاطع مسجلة لاستجوابات واعترافات أعدتها هذه الجماعات، رغم وضوح انتزاعها بالإكراه وخارج نطاق الرقابة القضائية. كما تتقوّض الإجراءات القانونية الواجبة بدرجة أكبر جراء الهجمات المسلحة على دور المحاكم، والتدخل في سير الجلسات، والتطبيق التعسفي للقرارات القضائية.
على الجانب الأخر، دأبت قيادات الجماعات المسلحة والشخصيات ذات النفوذ السياسي على التهرّب بشكل روتيني من مذكرات الاعتقال وتجاهل الأوامر القضائية، أو استصدار قرارات الإفراج عبر قنوات غير رسمية.
فبينما لا يزال بعض المعتقلين محتجزين رغم صدور أحكام قضائية تقضي بإخلاء سبيلهم؛ يفلت آخرون من الاحتجاز تمامًا عبر ترتيبات تفاوضية أو بفضل الحماية التي توفرها لهم المجموعات المسلحة.
ولعل القضايا البارزة، بما في ذلك تلك المتعلقة بجرائم الحرب المزعومة أو الإخفاء القسري أو الفساد، تسلط الضوء بشكل أكبر على مدى استناد النتائج القانونية إلى ما يملكه الشخص من نفوذ عسكري أو سياسي أو مادي.
أسفر هذا الواقع بشكل كبير عن إضعاف القضاء الليبي وأسهم في تجزئته. وبسبب الانقسام السياسي والجغرافي، تم الزج بالمؤسسات القضائية في الصراعات بين هياكل السلطة المتنافسة.
فباتت المحاكم في كل منطقة مجبرة على اتباع خطوط السيطرة التي تفرضها الجماعات المسلحة المسيطرة على الأرض، والتي تعمل كقوة ضاربة خلف السلطات السياسية المتناحرة. ونتيجة لذلك، بات القانون والاختصاص القضائي والحوكمة القضائية في ليبيا تعكس، على نحو متزايد، الجغرافيا والقوة المسلحة بدلًا من أن تعبر عن نظام قانوني وطني موحد.
هذا التشظي يتجلى بوضوح أيضًا في النزاع الدستوري القائم في ليبيا. فبدلًا من اعتراف كافة الأطراف بسلطة دستورية موحدة، أدت كل محاولات تسوية هذه المسألة إلى مقاومة سياسية ومزيد من الانقسام.
وبمرور الوقت، لم تعد الأسئلة الدستورية تُعالج عبر المحاكم، وإنما باتت جزءً من صراع سياسي أوسع. ومنذ 2022، أضحى هناك هيئتين متنافستين تدعي كل منهما الحق في إصدار الأحكام الدستورية النهائية.
وبحلول عام 2025، تفاقم النزاع بينهما بصورة أكبر، بعدما أصدرت كل هيئة قرارات تطعن في سلطة الأخرى وتُعيد صياغة ميزان القوى القضائية – مما عمق حالة انعدام اليقين القانوني بدلًا من معالجتها.
التطورات الوطنية والدولية الراهنة
يأتي هذا التقرير في وقت انتقل فيه القضاء الليبي من كونه ضحية للصراع ليصبح ساحة مركزية للصراعات المستمرة بين القوى المتنافسة حول؛ شرعية استخدام القوة، والمساءلة القضائية، وسلطة الدولة.
فقد أدى اغتيال عبد الغني الككلي (غنيوة)، رئيس جهاز دعم الاستقرار، في 12 مايو 2025، داخل مقر جماعة اللواء 444 المسلحة، إلى اندلاع اشتباكات مسلحة في مختلف أنحاء طرابلس. وكشف هذا الحادث عن مدى استمرار تركز القوة القسرية في ليبيا في أيدي مجموعات مسلحة مندمجة داخل هياكل الدولة الصورية.
والأهم أن تداعيات عملية القتل هذه وضعت القضاء نفسه في قلب الاستجابة السياسية؛ وهو ما يعد انعكاسًا صارخًا لكيفية اصطدام واقع سطوة الجماعات المسلحة بالعملية القضائية.
وفي الأيام التي تلت الواقعة، أكد النائب العام ورئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة علنًا الدور الدستوري للقضاء وضرورة استعادة سلطة الدولة على «الجماعات غير النظامية».
غير أن هذا الخطاب لا ينسجم مع ممارسات الحوكمة التي لا تزال تعتمد على مجموعات مسلحة مختارة لتوفير الأمن وإنفاذ القانون.
ويحذر مركز القاهرة من أن محاولات تفكيك الجماعات المسلحة أو مواجهتها خارج إطار قانوني واضح تخاطر بإعادة إنتاج أنماط المحاسبة الانتقائية ذاتها، وعنف الانتقام، والإفلات من العقاب؛ وهي العوامل التي طالما أفرغت نظام العدالة في ليبيا من مضمونه.
هذه التوترات المحلية تتفاقم أيضًا بفعل البيئة الدولية المحيطة بليبيا، والتي تطالب بالمحاسبة من جهة، بينما تعزز الديناميكيات التي تقوض السلطة القضائية من جهة أخرى.
فمن ناحية، ازدادت الضغوط القضائية الدولية بشكل ملحوظ. إذ أعادت المحكمة الجنائية الدولية تفعيل ملف ليبيا عبر مذكرات اعتقال مرتبطة بجرائم ارتُكبت في مرافق احتجاز تديرها جماعات مسلحة، بما في ذلك قضية «خالد محمد علي الهيشري»، أحد كبار المسئولين عن سجن معيتيقة، حيث تعرض المحتجزون لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (بما في ذلك التعذيب، والمعاملة القاسية، والعنف الجنسي، والقتل).
وتشير وثائق المحكمة الجنائية الدولية إلى أن السلطات الألمانية اعتقلت الهيشري في 16 يوليو 2025 بناءً على مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة في وقت سابق من الشهر نفسه؛ في إشارة جيدة لتنامي جهود المحاسبة عبر آليات دولية، في قضايا مرتبطة بمرافق الاحتجاز التابعة للجماعات المسلحة.
بينما على الجانب الأخر، أدت سياسات التعاون الدولي، لا سيما المتعلقة بمراقبة الهجرة، في كثير من الأحيان إلى تمكين جماعات مسلحة وجهات فاعلة أمنية تعمل خارج نطاق الرقابة القضائية الفعلية.
فقد عززت ترتيبات التعاون الأوروبي مع السلطات الليبية في غرب ليبيا وشرقها على حد سواء من قوة المجموعات المسلحة المتورطة في الاعتقال والاحتجاز ومراقبة الحدود دون توفير ضمانات خضوعها للمؤسسات القضائية.
ولعل قضية القائد السابق للشرطة القضائية «أسامة المصري نجيم» تعكس هذا التضارب؛ إذ أُطلِق سراحه في إيطاليا رغم كونه مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية وأُعيد إلى ليبيا بدلًا من نقله إلى لاهاي، على نحو يقوض بشكل مباشر آليات العدالة الدولية ومصداقية القضاء الليبي معًا.
هذه الديناميكيات مجتمعة تعزز الحجة المركزية لهذا التقرير؛ فبينما يعد القضاء ركيزة أساسية لاستقرار ليبيا وترسيخ سيادة القانون، يبقى مقيدًا بنيويًا بممارسات القطاع الأمني والسياسات الدولية التي لا تزال تُرجح القوة القسرية للجماعات المسلحة على حساب مسار العدالة؛ بدءً من القبض والاحتجاز وصولًا إلى جمع الأدلة والمحاكمة وتنفيذ الأحكام.
التوصيات الرئيسية
لمعالجة العوامل الهيكلية التي تعزز التدخل في سلطة القضاء، والموثقة في هذا التقرير، لا بد من إجراءات حاسمة.
أولاً، ينبغي على السلطات الليبية وأصحاب المصلحة الدوليين التعامل والاعتماد فقط على القوى الأمنية التي تلتزم بالقوانين وتخضع للمدنيين المنتخبين بشكل شرعي؛ والكف عن اللجوء إلى جهات فاعلة مسلحة مختارة كجهات إنفاذ مؤقتة لسلطة الدولة.
وبغض النظر عن انتمائها الحالي أو اصطفافها السياسي المتصور، يجب التعامل مع جميع المجموعات المسلحة على قدم المساواة ككيانات تتطلب إعادة هيكلة من خلال نزع السلاح والتسريح والتدقيق، على أن يتبع ذلك تشكيل بنية أمنية موحدة تُدار مركزيًّا وتخضع لتفويضات قانونية واضحة ورقابة قضائية.
ثانيًا، يجب على السلطات حماية مسار العدالة فورًا عبر إعادة هيكلة الشرطة القضائية وتزويدها بالموارد الكافية، وضمان أن تقع عمليات الاعتقال والاحتجاز وتأمين المحاكم ونقل السجناء حصريًا تحت مسئولية مؤسسات خاضعة للمساءلة ومحمية من تدخل الجماعات المسلحة.
ثالثًا، يجب على النائب العام إعطاء الأولوية للتحقيقات في الاعتداءات بحق الكوادر القضائية والتدخل في الإجراءات القضائية، وأن يستبعد بشكل منهجي الأدلة المُنتزعة بالإكراه والتعذيب أو خارج نطاق إشراف النيابة العامة.
وأخيرًا، يجب على الجهات الفاعلة الدولية — لا سيما الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والدول التي تقدم دعمًا أمنيًا أو متعلقًا بالهجرة — ربط كافة أوجه التعاون بخطوات يمكن التحقق منها للحد من تورط الجماعات المسلحة في إنفاذ القانون والاحتجاز، وضمان ألا يؤدي أي دعم إلى تعزيز قوة الجهات المسلحة الفاعلة المتورطة في انتهاكات بحق القضاء.
___________
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان