دريس رجّيشي

يقول محللون إن نجل القذافي كان يتمتع بثقل رمزي كبير، وإن اغتياله قد يغيّر المشهدين الأمني والسياسي المضطربين أصلًا في ليبيا.

***

أثارت الشائعات التي أحاطت بمقتل سيف القذافي حالة من الاضطراب الفوري على وسائل التواصل الاجتماعي الليبية مساء الثلاثاءوبعد ساعات قليلة، في وقت مبكر من الصباح، أكد النائب العام الليبي أن سيف القذافي والوريث المُعيَّن قد «قُتل بالرصاص».

وفي الوقت نفسه تقريبًا، بدأت أولى صور جثة سيف بالانتشار على الإنترنت، حيث بدا جسده بلا حراك في صندوق خلفي لشاحنة صغيرة، يُقال إنها في منطقة صحراوية.

وبحسب مستشاريه السياسيين، تعرّض سيف لهجوم من وحدة كوماندوز مكوّنة من أربعة أشخاص «اقتحمت منزله، وعطّلت كاميرات المراقبة، وقتلته خلال مواجهة مباشرة». في هذه المرحلة، لا تزال التداعيات السياسية لمقتل سيف صعبة التقييم.

وقال جلال حرشاوي، الباحث المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، لموقع ميدل إيست آي، إن «أهميته كانت رمزية وسردية إلى حد كبير»، مضيفًا أن سيف استفاد من موقعه «كشخصية سياسية بين عامي 2005 و2010».

وُلد سيف القذافي عام 1972، وكان الابن الثاني للقذافي والوحيد الذي لعب دورًا سياسيًا بارزًا خلال فترة الجماهيرية — «دولة الجماهير» كما كانت تُعرف ليبيا حتى إسقاط النظام عام 2011.

وبحصوله على دكتوراه من كلية لندن للاقتصاد، قدّم سيف نفسه كمصلح. وفي أواخر التسعينيات، طوّرت مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية شكلًا نشطًا من الدبلوماسية الموازية، ساعد في تخفيف عزلة والده في الغرب.

وخلال انتفاضة 2011 التي أدت إلى حرب أهلية، صدر بحق سيف مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تشمل القتل والاضطهاد بحق متظاهرين ومعارضين.

وبعد وقت قصير من مقتل والده في أكتوبر 2011، اعتقلته مجموعات مسلحة قوية من منطقة الزنتان واحتُجز في جبال شمال غرب البلاد، على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب طرابلس.

ورغم أن مراقبين أشاروا مرارًا إلى اختفائه أو غموض مكان وجوده، فإنه قُتل في هذه المنطقة نفسها في 3 فبراير، ما يوحي بأنه ربما لم يغادرها فعليًا.

وأعلن مكتب النائب العام فتح تحقيق في القضية، فيما قالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إنها «تدين بشدة هذا القتل المستهدف».

ومع ذلك، كان وجود سيف بحد ذاته يُعدّ منذ زمن إحراجًا سياسيًا لمعظم الفصائل المسلحة الليبيةويتناسب مقتله مع نمط أوسع من الاغتيالات السياسية في غرب ليبيا خلال الأشهر الأخيرة، والتي مرّ معظمها من دون عقاب.

تأثير رمزي لكن محدود

على وسائل التواصل الاجتماعي، شاركت شرائح من الجمهور الليبي منشورات وقصصًا تنعى وفاة نجل القذافي.

وقال صحفي ليبي بارز لموقع ميدل إيست آي — طالبًا عدم الكشف عن هويته — إن «سيف القذافي كان شخصية عامة مؤثرة ويتمتع بدرجة معينة من الشعبية». وأضاف: «لكن من الصعب قياس مدى ذلك فعليًا، إذ لم تُجرِ أي مراكز بحث استطلاعات لتقييم نفوذه الحقيقي».

وأشار الصحفي إلى أن «غيابه الطويل عن الإعلام وغياب التواصل السياسي يوحيان بأن كثيرًا من أنصاره دعموه أساسًا لأنه ابن القذافي»، مؤكدًا أنه كان يرمز لشعور «بالأمن والاستقرار فقدوه بعد 2011». كما يُقال إن ظروف احتجازه لدى ميليشيات الزنتان بعد الثورة التي أدت إلى مقتل معمر القذافي خلّفت لديه صدمة نفسية شديدة.

وقال حرشاوي إن «مشكلات صحته النفسية منعته من حشد جماهير كبيرة والحفاظ على حضور إعلامي فعّال»، مضيفًا أن «القيود على حركته شكّلت أيضًا عائقًا كبيرًا».

ورغم هذه القيود، أعلن سيف نيته الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة أصلًا عام 2021 — لكنها لم تُجرَ في النهاية. ويُقال إن مستوى الدعم الشعبي المرتفع لترشحه كان من بين العوامل التي أدت إلى إلغاء الاستحقاق.

وقال حرشاوي إن «عددًا كبيرًا من الناخبين الليبيين، بمن فيهم شباب لا يتذكرون فترة ما قبل 2011، يحملون استياءً عميقًا تجاه نخب ما بعد الثورة»، في إشارة إلى انقسام البلاد إلى إدارتين متنافستين منذ ذلك الحين.

وفي خطاباته، استثمر سيف هذا الاستياء وندّد بانتظام بكلٍّ من معسكر رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة الذي يقود الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس، وعائلة حفتر التي تسيطر على شرق وجنوب ليبيا انطلاقًا من بنغازيغير أن استراتيجيته بالتموضع خارج المعسكرين أبعدته في النهاية عن مراكز القوة في كلٍّ من طرابلس وبرقة.

وقدّرت عدة مصادر دبلوماسية تواصل معها الموقع أن نفوذه الفعلي في الشؤون السياسية الراهنة كان شبه معدومومع ذلك، فإن احتفاظه بفريق سياسي ومستشارين يؤكد أنه لم يتخلَّ تمامًا عن طموحه للعب دور في المشهد السياسي الليبي.

أعداء كثر ولا خليفة واضح

في الوقت الراهن، تبقى المسألة الأكثر حساسية هي تحديد الجهة المسؤولة عن العمليةوقال الصحفي الليبي: «أنا شبه متأكد من أن القضية ستُغلق ويجري نسيانها تدريجيًا». وأضاف: «هذا يعمّق غضب الرأي العام من ثقافة الإفلات من العقاب التي أصبحت القاعدة في القضايا الكبرى المتعلقة بالأمن والقتل».

وبعد وقت قصير من الحادثة، أشارت مزاعم متداولة على وسائل التواصل إلى محمود حمزة، قائد اللواء 444 وأحد أبرز حلفاء معسكر الدبيبةوقد برزت هذه القوة المسلحة كواحدة من أقوى الفصائل في غرب ليبيا بعد سلسلة هجمات وتحييد ميليشيات منافسة، لا سيما جهاز دعم الاستقرار وقوة الردع، خلال ربيع وصيف 2025.

ومساء الثلاثاء، أصدرت اللواء 444 بيانًا سريعًا ينفي أي تورط، مؤكدًا أنه «لا يملك قوات أو انتشارًا ميدانيًا داخل مدينة الزنتان أو نطاقها الجغرافي». كما نقلت منصات أخرى مزاعم غير مؤكدة تفيد بأن العملية ربما أُمرت من صدام حفتر، نجل القائد الشرقي خليفة حفتر، الذي تعاظم نفوذه في جنوب غرب ليبيا خلال السنوات الأخيرة.

وفي نوفمبر 2021، وأثناء طعن سيف في قرار منعه من الترشح في سبها الخاضعة لسيطرة قوات حفتر، قام مسلحون بتعطيل جلسة الاستماعويرى محللون أن سيف كان يشكّل تهديدًا للطرفين بطرحه خيارًا ثالثًا في لحظة كانا يسعيان فيها إلى تقاسم ليبيا بينهماوعند تواصل الموقع مع وزارتي خارجية الحكومتين المتنافستين في بنغازي وطرابلس، امتنعتا عن التعليق.

وتشير أصوات — خاصة في أوساط أنصار القذافي — إلى احتمال تورط جهات خارجية، بل ربط بعضهم الاغتيال بمحاكمة الاستئناف للرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي في قضية تمويل حملته عام 2007 من ليبيالكن حتى الآن لا يوجد دليل على تورط أطراف خارجية.

وأوضح حرشاوي أن «كثيرين يتخيلون مؤامرات دولية أو عمليات كوماندوز من خارج الزنتان»، إلا أن الأدلة المتاحة تشير بدلًا من ذلك إلى أن القتل قد يكون نتيجة «حادث محلي بحت داخل الزنتان». فالمدينة التي احتُجز فيها سيف عُرفت منذ زمن بانقسامات داخلية عميقة بين فصائل موالية إما لطرابلس أو لبنغازي.

وأضاف حرشاوي أن «إقامته في المدينة وتنقله داخلها وخارجها تحت حماية كتيبة صغيرة خاصة به خلق توترات متزايدة على مرّ السنوات». في النهاية، يُزيل مقتل سيف شخصية محورية من السردية المؤيدة للقذافي، والتي استُخدمت من قبل بعض الفصائل المسلحة ومجموعات صغيرة غير مصطفّة لمحاولة التموضع خارج معسكري الدبيبة وحفتر.

وأضاف حرشاوي: «سيصبح الآن من الأصعب على العديد من الفاعلين الأمنيين الذين اعتمدوا على تعاطف متبقٍ مع حقبة القذافي الحفاظ على هذه السردية». أما بقية أبناء معمر القذافي فإما متوفون أو غادروا ليبيا، ولم يلعب أيٌّ منهم دورًا في الحياة السياسية خلال السنوات الأخيرة.

وحتى الآن، لم يصدر أي رد علني منهم على مقتل شقيقهم. وبذلك تُترك الجهات المؤيدة للقذافي والفاعلون غير المنحازين، في الوقت الحالي، بلا شخصية رمزية جامعة.

___________

مقالات مشابهة