Author - manara
مجدي الشارف الشبعاني
الاستقرار لا يُستورد.. والسيادة لا تُستعار.
هذه الحقيقة تبدو بديهية، لكنها تعود اليوم لتفرض نفسها بقوة مع دخول “قانون استقرار ليبيا” الأمريكي إلى واجهة المشهد.
فالقانون –مهما جُمّلت ديباجته بشعارات الدعم والمساعدة –هو في جوهره إطار نفوذ يعكس رؤية واشنطن لمستقبل ليبيا أكثر مما يعكس حاجات الليبيين أنفسهم. وليس الخطر في النصوص ذاتها، بل في فراغ السيادة الذي يسمح لأي تشريع خارجي بأن يتحول إلى مرجعية غير معلنة تُعاد عبرها صياغة التوازنات السياسية والاقتصادية داخل البلاد.
وعندما تتشظّى المؤسسات، وتتنافس الحكومات، وتبهت القدرة الوطنية على اتخاذ القرار، يندفع الخارج لملء الفجوة. هنا فقط، يصبح القانون الأجنبي أكثر تأثيرا من القوانين الوطنية، وتتحول السيادة إلى مساحة مفتوحة للتأويل والتدخل.
من هذا المنطلق تنطلق هذه المقالة لتفكيك القانون الأمريكي وقراءة مقاصده وتحليل أثره على السيادة الليبية، ثم مقارنته بالتجارب التي اعتمدتها واشنطن في العراق وأفغانستان وهايتي، وصولا إلى آليات عملية تمنع تحوّله إلى منصة وصاية جديدة على الدولة الليبية.
يُقدَّم “قانون استقرار ليبيا” كتشريع داخلي أمريكي، لكنه صُمّم بحيث يُنتج آثارا عابرة للحدود. وقد تضمّن ثلاث طبقات رئيسية:
الطبقة الأولى وهي صياغة سياسة أمريكية واضحة تجاه ليبيا، تُلزِم الإدارات المتعاقبة بدعم العملية السياسية الأممية والانتخابات وحماية المؤسسات الاقتصادية، وعلى رأسها النفط والمصرف المركزي، مع رفض التدخل الأجنبي. هذه الصياغة ليست مجرد إعلان نوايا، بل إطار موجّه للسياسة الخارجية الأمريكية يتحوّل لاحقا إلى أدوات تنفيذية عبر العقوبات والتمويل والحظر الدبلوماسي.
الطبقة الثانية تتمثل في إدراج ليبيا ضمن منظومة مراقبة دولية دائمة؛ إذ يفرض القانون إعداد تقارير مفصلة حول التحركات التركية والروسية، ونشاط المرتزقة، والتعاملات المالية للمؤسسات الليبية، وسجل حقوق الإنسان، والإنفاق العام. وبذلك تصبح ليبيا ملفا استراتيجيا داخل الكونغرس، تماما كما حدث مع العراق في أواخر التسعينيات.
الطبقة الثالثة تظهر في منظومة العقوبات الواسعة التي يمنح القانون من خلالها للرئيس الأمريكي سلطة إدراج أفراد وكيانات تصفها واشنطن بأنها “معرقلة للاستقرار“، وتشمل قادة مليشيات ومسؤولين حكوميين ورجال أعمال وأطرافا أجنبية. كما تتيح العقوبات تجميد الأصول وحظر السفر وتعطيل التحويلات المالية، وهي أدوات تُحدث تأثيرا مباشرا في البنية الاقتصادية والسياسية للدولة.
هذه البنية التشريعية تُلقي بظلالها على السيادة الليبية في ثلاثة مسارات رئيسة:
أولا، المسار السياسي، لم يعد تحديد “المعرقلين” شأنا داخليا أو أمميا، بل قرارا أمريكيا يخضع لتقدير سياسي، مما يخلق اختلالا في ميزان القوى الداخلية وقابلية لاستخدام العقوبات لترجيح طرف على آخر، مع نشوء اعتماد غير مباشر على “الرضا الأمريكي” كمحدد لشرعية بعض الفاعلين.
ثانيا، المسار الاقتصادي، يمنح القانون واشنطن سلطة مراقبة حركة الأموال وعقود النفط وإدارة الأصول السيادية، تحت ذريعة منع الاستغلال غير المشروع للموارد. وهكذا يصبح الاقتصاد الليبي ميدانا حساسا يمكن الضغط عليه بسهولة في لحظات التوتر السياسي.
وفي المسار الأمني، فإن الحديث عن “إصلاح القطاع الأمني” و“دمج الجماعات المسلحة” و“بناء قوات موحدة“، يحمل نبرة توحي بأن الإصلاح الأمني مشروع خارجي أكثر منه مشروعا وطنيا، وهو ما أثبتته التجارب السابقة في دول أخرى.
ولكي تتضح خطورة هذا القانون، يكفي النظر إلى النماذج التي تعاملت معها واشنطن سابقا.
ففي العراق بدأ الأمر بقانون ظاهره الإصلاح وانتهى إلى هندسة سياسية كاملة للدولة بعد التدخل العسكري.
وفي أفغانستان بُنيت مؤسسات على قاعدة الدعم الخارجي، لكنها انهارت سريعا بمجرد الانسحاب الأمريكي.
وفي هايتي تحولت العقوبات الفردية إلى وسيلة لإدارة النخب بدل معالجة جذور الأزمة.
والنتيجة المشتركة بين هذه النماذج أن الدولة تصبح “بيئة مُدارة” لا “فاعلا سياديا” عندما تتحول التشريعات الخارجية إلى إطار مرجعي فوق وطني. هذه المخاطر تجعل من الضروري التفكير في كيفية منع تحوّل “قانون استقرار ليبيا” إلى أداة وصاية جديدة.
وتنبع القدرة على ذلك من صلابة البنية الوطنية، فواقع الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار وتذبذب الخطاب السيادي يمنح أي تشريع خارجي قابلية أكبر للتأثير. ولهذا، فإن المواجهة الفعالة لا تكون بالاعتراض الخطابي، بل بإعادة بناء مظلة سيادية موحّدة تعيد تنظيم العلاقة بين الداخل والخارج.
تبدأ هذه المظلة بتوحيد الموقف السيادي، عبر بلورة خطاب وطني واحد يعلن بوضوح أن القانون الأمريكي تشريع داخلي لا يُلزم ليبيا ولا يُعتمد عليه كمرجع لتحديد الشرعية السياسية، فالتباين في المواقف يسهّل على الخارج قراءة المشهد من زاوية مصالحه.
ويتطلب الأمر أيضا تحصين المؤسسات الاقتصادية عبر رفع مستوى الشفافية في بيع النفط وإدارة العائدات والإنفاق العام والعقود الدولية، لأن تقليص الثغرات يُضعف قدرة الخارج على استخدام “الاستقرار الاقتصادي” كأداة ضغط.
ويحتاج المشهد كذلك إلى تدويل مضاد، يسمح لليبيا بالتحرك دبلوماسيا عبر الاتحاد الأفريقي ودول المتوسط والشركاء الدوليين الرافضين للهيمنة الأحادية، حتى لا تبقى الساحة مفتوحة أمام النفوذ الأمريكي وحده.
كما يتعين إعادة هيكلة ملف حقوق الإنسان داخليا، حتى لا يتحول إلى مدخل جاهز للعقوبات، وذلك من خلال دعم القضاء والرقابة ومعالجة الانتهاكات ضمن إطار وطني.
ومع ذلك، يمكن لليبيا –بصورة أكثر جرأة– أن تستخدم القانون ذاته كسلاح دفاعي، عبر تقديم ملفات موثقة حول وجود المرتزقة والقواعد الأجنبية وخرق حظر السلاح، بما يعيد توجيه العقوبات نحو الأطراف المنتهكة لسيادة ليبيا بدل أن تكون سيفا مسلطا على الداخل.
وفي ظل تشظّي القرار الوطني، يبرز خيار إضافي يتمثل في تفعيل أو تأسيس هيئة عليا للرئاسات تضم رئيس المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية ورئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الأعلى للدولة، ليُناط بها الإشراف على الملفات السيادية الحساسة، ومنها التعامل مع التشريعات الدولية.
وجود مثل هذه الهيئة يمنح ليبيا صوتا واحدا في مواجهة الخارج، ويقلل من فرص استغلال الانقسام المؤسسي، ويعيد ضبط التوازن السيادي بحيث لا يتحول أي قانون خارجي –بما فيه القانون الأمريكي– إلى إطار بديل يملأ فراغ القرار الوطني.
في الخلاصة، لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كان القانون الأمريكي جيدا أم سيئا، بل في ما إذا كانت ليبيا تمتلك مؤسسات قادرة وسيادة فاعلة تمكّنها من التعامل معه دون الانجراف إلى دائرة النفوذ.
فالتشريعات الخارجية، مهما بلغت قوتها، لا تُصبح خطيرة إلا عندما تكون الدولة في حالة هشاشة.
أما إذا استعاد الداخل قدرته على صنع القرار وتحديد الأولويات، فلن يتجاوز القانون الأمريكي حدود تأثيره الطبيعي كتشريع لدولة أخرى.
السيادة تُبنى.. ولا تُستورد. والاستقرار لا يأتي إلا من داخل ليبيا، لا من نصوص تُكتب في واشنطن، مهما كانت قوة اللغة أو جاذبية الوعود.
_____________

جوستينا جودزوسكا
ينبغي على الشركات الدولية معالجة الفساد قبل المشاركة في قطاعٍ مُعرّضٍ للخطر بشدة.
تتسابق شركات النفط العالمية للعودة إلى قطاع النفط الليبي. تُطلق ليبيا حاليًا أول جولة مناقصة لها لاستكشاف وتطوير النفط منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، ويبدو أن هناك العديد من المُشاركين من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك شركات أمريكية.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا تطورًا واعدًا للشعب الليبي. فالبلاد بحاجة ماسة إلى إعادة الإعمار والاستقرار السياسي والاستثمار. لكن من غير المُرجّح أن تُوفّر صفقات النفط الجديدة هذه الفوائد.
تُعاني ليبيا من نظامٍ مُتجذّر من الفساد الجائر، والذي استولت من خلاله نخبة فاسدة على ثروات البلاد النفطية. والنتيجة هي ارتفاع أسعار الوقود لليبيين العاديين وتركهم يُعانون.
لتجنب إدامة هذه الشبكة الفاسدة، ينبغي على صانعي السياسات والمسؤولين التنفيذيين في بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة توخي الحذر. في حين أن الفرص التجارية الجديدة قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل لليبيا، إلا أنها لن تقدم سوى فوائد قليلة على المدى الطويل طالما استمر القادة في طرابلس وبنغازي في ملء جيوبهم مع استبعاد الشعب الليبي من الثروة الطبيعية الهائلة للبلاد.
ولا يمكن إلا لدولة ليبية فعالة وشفافة وخاضعة للمساءلة أن تكون الشريك الذي تحتاجه الشركات الدولية.
كشف تحقيق جديد كبير عن توسع هائل في تهريب البنزين والديزل من عام 2022 إلى عام 2024 من خلال برنامج دعم الوقود الليبي. ووفقًا لبحثنا، فقد كلف هذا الدولة الليبية ما يقرب من 20 مليار دولار في ثلاث سنوات. في عام 2021، بدأت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية في مبادلة النفط الخام الليبي مباشرة بالوقود المكرر من الخارج.
في السابق، كانت عائدات جميع مبيعات النفط الخام تذهب إلى البنك المركزي الليبي، والذي بدوره سيوفر الأموال للمؤسسة الوطنية للنفط لشراء الوقود بما يتماشى مع مخصصات الميزانية. ولكن على عكس المخصصات من البنك المركزي، لم يتم تسجيل المقايضات في الميزانية العمومية العامة. هذا يعني أن المؤسسة الوطنية للنفط تمكنت من زيادة وارداتها من الوقود دون أي زيادة في الإنفاق الحكومي المعلن.
وكانت النتيجة أنه في غضون ثلاث سنوات فقط، تضاعفت واردات ليبيا من الوقود بأكثر من الضعف، لتصل إلى حوالي 41 مليون لتر يوميًا بحلول أواخر عام 2024.
لماذا ارتفعت الواردات بشكل كبير؟
تشير السلطات الليبية إلى أن هذه الزيادات كانت ضرورية بسبب التحولات في سلسلة توريد الغاز والحاجة المتزايدة إلى الوقود لتشغيل شبكة الكهرباء الليبية. لكن الكميات المستوردة فاقت بكثير ما يمكن للاقتصاد الليبي الشرعي أن يستهلكه بشكل معقول. والحقيقة هي أن أكثر من نصف هذا الوقود يتم تهريبه إلى خارج البلاد، بحراً أو براً.
كان صدام حفتر، الابن الطموح لخليفة حفتر – الذي يحكم معظم شرق ليبيا كقائد لقوات والده – هو القوة الرئيسية وراء هذا التصعيد. وقد استخدم صدام دوره كوريث واضح في قوات حفتر لتعزيز السيطرة على كل من عمليات التهريب البحري والبري إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
نتيجةً لذلك، كان له دورٌ أساسيٌّ في رفع التهريب إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. يُعدّ ميناء بنغازي القديم القناةَ الرئيسيةَ لإعادة التصدير في ليبيا، باستخدام أوراقٍ مزورةٍ وسفنٍ “مُظلمة” لنقل ملايين اللترات في كل رحلة. ويعمل علي المشاي الضابط في قوات حفتر، التابع لصدام، كحارس البوابة الرئيسي.
بينما لا تزال ليبيا منقسمةً سياسيًا، يحصل الجميع على حصةٍ من الأرباح غير المشروعة. ربما تكون عائلة حفتر هي من دبرت الطفرة الأخيرة، لكنهم كانوا يعملون بالتعاون الضمني مع شخصياتٍ مرتبطةٍ بحكومة عبد الحميد دبيبة التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها.
تمتد المسؤولية أيضًا إلى شمال غرب ليبيا، حيث ينقل أمراء الحرب المحليون مثل محمد كشلاف من الزاوية وعمر بوغدادة من مصراتة (المتحالف مع رئيس الوزراء دبيبة) الوقود بحرًا وبرًا. وتتجه كمياتٌ كبيرةٌ جنوبًا، حيث تسيطر قوات حفتر.
يشارك أيضًا العديد من الداعمين الدوليين للحرب الأهلية الليبية. تم تدبير هذه السرقة التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات بمساعدة خفية من روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة.
ونتيجة لذلك، يضطر المواطنون الليبيون في كثير من الأحيان إلى دفع 40 ضعف السعر الرسمي المدعوم للوقود، بينما يبيع العديد من قادتهم الوقود بشكل غير مشروع لشبكات أجنبية في ليبيا والدول المجاورة.
على سبيل المثال، يحوّل تحالف حفتر الديزل والبنزين ووقود الطائرات المدعوم إلى أفراد عسكريين روس متمركزين في عدة قواعد جوية في ليبيا، والذين بدورهم ينقلون الوقود إلى قوات روسية أخرى في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
كما كان تحالف حفتر موردًا استراتيجيًا للوقود لقوات الدعم السريع طوال الحرب الأهلية الدائرة في السودان، مما مكّن الجماعة شبه العسكرية من ارتكاب فظائع في دارفور. ولم يغير سقوط الفاشر في أواخر أكتوبر ولا المجازر المروعة التي طالت المدنيين التي تلتها هذا الترتيب حيث تواصل عائلة حفتر تزويد قوات الدعم السريع بالوقود.
بحلول عام 2024، سُرق ما يقرب من 7 مليارات دولار من الوقود المدعوم – أي حوالي 15% من إجمالي الإنفاق العام – سنويًا. وهذه مليارات الدولارات من الثروة العامة التي من المفترض أن تُموّل المستشفيات والمدارس وغيرها من البنى التحتية الأساسية.
وقد حرم هذا المخطط البنك المركزي من العملة الصعبة اللازمة للواردات الأساسية مثل الغذاء والدواء، مما أدى إلى تضخم أسعار المستهلك وانخفاض قيمة الدينار الليبي. وفي تطور مثير للسخرية، غالبًا ما يُجبر مواطنو إحدى أغنى دول العالم بالنفط على الانتظار في طوابير طويلة في محطات البنزين ودفع أسعار السوق السوداء المتضخمة مقابل الوقود.
وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أنها أنهت عمليات مقايضة النفط الخام بالوقود. ومع ذلك، لا تزال أحجام واردات الوقود مرتفعة بشكل غير مبرر، ولا يزال التهريب على نطاق واسع مستمرًا.
من الواضح أن شركات النفط العالمية وصانعي السياسات الغربيين يأملون في إبرام صفقات مربحة في قطاع النفط الليبي. إنهم محقّون في فهم الأساسيات: فالجيولوجيا الليبية، البرية والبحرية على حد سواء، لا تزال غنية بالاحتياطيات غير المستغلة، والمؤسسة الوطنية للنفط، إلى حد كبير، تضم كادرًا من المتخصصين المهرة في مجال الهيدروكربونات.
لكن سيكون من الحكمة أن تفكر الشركات الأجنبية في مدى استدامة مشاريعها الجديدة. فمع إفراغ الدولة الليبية من المصالح الخاصة، يرتفع خطر الاضطرابات الاجتماعية وتجدد الصراع. وأي جولة جديدة من الحرب، وخاصة تلك التي تعيد ترتيب القيادة السياسية للبلاد، يمكن أن تُعرّض أي صفقات جديدة للخطر بسرعة.
إذن، ما الذي يمكن للولايات المتحدة والدول ذات التفكير المماثل أن تفعله حيال هذا الأمر؟ الكثير جدًا.
يرتبط قطاع النفط الليبي بالدولار الأمريكي. وهذا يوفر وسيلة لممارسة الضغط المباشر وإملاء الشروط التي يمكن للشركات الدولية بموجبها إعادة دخول السوق الليبية.
يتفاوض القادة الليبيون حاليًا مع إكسون موبيل وشيفرون، على سبيل المثال. وبدلاً من الاعتماد على الصفقات غير الرسمية لتسهيل إعادة دخول هذه الشركات، يجب على إدارة ترمب أن تتطلع إلى دعم المؤسسة الوطنية للنفط الليبية كمؤسسة تكنوقراطية قادرة على الحفاظ على عقود موثوقة ودائمة.
ولكي تسعى الشركات الأمريكية إلى استثمارات طويلة الأجل، فإنها تحتاج إلى درجة أفضل من الأمن الدائم مما يمكن أن يوفره اللصوص. ولتحقيق هذه الغاية، يُعتقد أن كبير المستشارين الأمريكيين مسعد بولس يسعى إلى وضع ميزانية ثابتة للمؤسسة الوطنية للنفط الليبية للمساعدة في الحد من إمكانية النفقات غير المسجلة.
ومع ذلك، ستصبح هذه الجهود عقيمة تمامًا إذا سُمح باستمرار قضية تهريب الوقود المتفشي.فيجب على صانعي السياسات في الولايات المتحدة والدول الأخرى ذات التفكير المماثل إرسال رسالة حازمة مفادها أن المؤسسة الوطنية للنفط يجب أن تظل مستقلة.
إن التحقيق مع اللاعبين الرئيسيين ومعاقبتهم مثل علي المشاي على نهبهم للأموال العامة الليبية من شأنه أن يساعد في تحقيق ذلك. ولم تُستخدم العقوبات ضد أكثر الجهات الفاعلة فسادًا في ليبيا وممكنيهم؛ وتغيير ذلك من شأنه أن يقطع شوطًا طويلاً نحو الردع.
وبالمثل، يمكن للولايات المتحدة إصدار استشارة تجارية تحذر الشركات الأمريكية من الشبكات غير المشروعة للتجار والوسطاء والوسطاء وشركات النقل التي تستغل برنامج دعم الوقود الليبي.
كجزء من سياستها تجاه ليبيا، صرحت إدارة ترمب أنها تسعى إلى متابعة التجارة على المساعدات. كما شددت الرسائل العامة على أهمية إعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية، وعلى الدور الحاسم الذي تلعبه المؤسسة الوطنية للنفط على وجه الخصوص.
ومع استمرار إبرام الصفقات الاقتصادية، لا يمكن إغفال هذين الشرطين الأخيرين. وسيكون من الخطأ أن يفترض صانعو السياسات في واشنطن والعواصم الأجنبية الأخرى أن الفساد أمر لا مفر منه في ليبيا، وبالتالي يجب إبرام الصفقات مع أفراد مثل حفتر أو الدبيبة بدلاً من المؤسسة الوطنية للنفط.
ما لم تتعامل الولايات المتحدة وحلفاؤها مع المؤسسات الليبية المختصة بدلاً من العائلات الحاكمة، فسيستمر الفساد.
أولًا وقبل كل شيء، سيضر هذا بالشعب الليبي. ولكن مع تزايد احتمالية العنف والاضطراب السياسي، سيضر ذلك بالمستثمرين الدوليين أيضًا.
إذا أرادت واشنطن نجاح الشركات الأمريكية في ليبيا على المدى الطويل، فعليها المساعدة في كبح جماح الفاسدين الليبيين. وعمليات تهريب الوقود الضخمة التي يقومون بها هي نقطة البداية.
***
جوستينا جودزوسكا، المديرة التنفيذية لـ “ذا سنتري“
_____________
المصدر: مجلة فورين بوليسي الأمريكية
مصطفى الفيتوري
وضعت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، التي تتعرض للانتقادات بسبب خللها الداخلي، خارطة طريق سياسية جديدة تعد بالتقدم ولكنها على الأرجح ستؤدي إلى الشلل.
في الأسبوع الماضي، بدأت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في طلب ترشيحات لحوار منظم يضم 120 شخصاً، وهو عنصر أساسي في خارطة طريقها التي تستمر 18 شهراً نحو إجراء انتخابات وطنية في البلد الذي مزقته الحرب.
ومن المتوقع عقد اجتماع أول قريباً، مما يشير إلى نية البعثة المضي قدماً في العملية السياسية. ومع ذلك، وثقت مراجعة داخلية نُشرت في أكتوبر 2024 فشلاً منهجياً في الحوكمة والإدارة – بما في ذلك غياب مفهوم العمليات، وعدم تنفيذ التوصيات السابقة، ونقاط ضعف في التمويل والمشتريات والتوظيف.
وبينما قبلت البعثة رسمياً التوصيات، لا يوجد دليل علني على تنفيذها بالكامل، مما يثير شكوكاً حول قدرتها على إنجاز عملية انتخابية معقدة تعتمد على الثقة.
وتتمتع بعثة الأمم المتحدة، التي أُنشئت في أعقاب الحرب الأهلية الليبية، بسجل من التخبط الاستراتيجي والخلل الداخلي الذي يقول النقاد إنه يجعلها غير مستعدة لقيادة عملية تستغرق 18 شهراً وتتطلب الثقة والانضباط من الفصائل الليبية المتناحرة.
وقد عززت نقاط الضعف المؤسسية هذه الانتقادات الليبية الواسعة النطاق بأن البعثة تطيل أمد الأزمة التي كان من المفترض أن تحلها.
هشاشة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا
تستند خارطة طريق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى ثلاث ركائز: اعتماد إطار انتخابي سليم فنياً وقابل للتطبيق سياسياً، وتوحيد مؤسسات وحكومة ليبيا، وعقد حوار منظم لإشراك الليبيين في قضايا الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة.
ومع ذلك، فإن مصداقيتها تقوضها نقاط الضعف الرمزية والمؤسسية. ولا يزال المبعوث الخاص السابق عبد الله باثيلي، الذي استقال في أبريل 2024، يدرج نفسه كرئيس لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على منصة X، مما يسلط الضوء على الفجوة بين الرواية العامة للأمم المتحدة وواقع البعثة الداخلي.
ويعكس هذا الانفصال نتائج مراجعة عام 2024، مما يثير شكوكاً حول قدرة البعثة على تنفيذ عملية انتخابية معقدة تعتمد على الثقة.
وقد كشفت المراجعة عن عيوب منهجية، مما يثير الشكوك حول قدرة البعثة على تنفيذ خارطة الطريق. يشير التقرير إلى فراغ استراتيجي، مع عدم وجود مفهوم عمليات نهائي لأكثر من عامين، مما يترك توجيهات الولاية والأولويات غير محددة.
وتسلط المراجعة الضوء على أزمة مساءلة، حيث تم تجاهل التوصيات الاستراتيجية السابقة إلى حد كبير، وعدم وجود آليات لمراقبة التقدم أو فرض إجراءات تصحيحية. ولا تزال المخاطر التشغيلية قائمة، بما في ذلك أوجه القصور في التمويل والمشتريات والتوظيف، مع وجود شواغر حرجة تُعرّض الأنشطة الأساسية للخطر.
وبينما قبلت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا رسميًا جميع التوصيات، لم يتم تنفيذ سوى “التوصية 3″ المتعلقة بمراقبة وملء الشواغر في ذلك الوقت، بينما كانت معظم التوصيات الأخرى في مراحلها الأولية، مما يدل على أن مجرد الاعتراف لم يترجم إلى إصلاح وظيفي.
وتتفاقم نقاط الضعف الداخلية للبعثة بسبب المناورات السياسية التي تهدف إلى تأخير العملية.
وقد تحدث قائد الجيش الوطني الليبي، الجنرال خليفة حفتر، وهو لاعب رئيسي، عن مبادرات بديلة قائمة على أساس قبلي، بينما زاد العديد من البرلمانيين – ومعظمهم من مؤيديه – من انتقاداتهم لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، مما أدى إلى إقامة المزيد من العقبات.
ويسمح هذا الغموض للفصائل المتناحرة باستغلال أوجه القصور المؤسسية، مما يثير شكوكًا جدية حول قدرة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على قيادة ليبيا نحو انتخابات ذات مصداقية في ظل هيكلها الحالي.
في إحاطتها المقدمة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 14 أكتوبر 2025، وجهت هانا س. تيتيه، المبعوثة الخاصة إلى ليبيا، تحذيرًا صريحًا.
إذا لم يتم استكمال الخطوات المؤسسية لخارطة الطريق، مثل إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار القانوني الانتخابي والدستوري، خلال الشهر المقبل، “يجب على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا – وستفعل – اتباع نهج آخر وطلب دعم هذا المجلس للمساعدة في ضمان تقدم خارطة الطريق“.
ويؤكد هذا الإلحاح المتزايد كيف تنظر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نفسها إلى المراحل الأولى من الخطة على أنها معرضة لخطر جسيم.
ومع ذلك، يأتي هذا الإصرار على السرعة في الوقت الذي لا تزال فيه البعثة تحت وطأة نتائج مراجعتها لعام 2024 بشأن الشلل الاستراتيجي والحوكمة (عدم وجود مفهوم عمليات معتمد، والعديد من التوصيات غير المنفذة) – وهو تناقض صارخ يثير التساؤل: كيف يمكن لبعثة تعترف بأنها قد “تتبع نهجًا آخر” أن تصر مع ذلك بشكل موثوق على توجيه عملية انتخابية معقدة تعتمد على الثقة في بلد مجزأ مثل ليبيا؟
كما تواجه خارطة الطريق عقبات سياسية حادة في غرب ليبيا. إن أي محاولة لتشكيل حكومة جديدة – وهو شرط أساسي للحوار المنظم – تستبعد رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة من غير المرجح أن تحظى بقبول أنصاره المسلحين، وخاصة في مسقط رأسه مصراتة.
ومع تراجع شعبيته إلى أدنى مستوياتها، وتآكل شرعيته، واعتبار حكومته فاسدة على نطاق واسع، ومواجهته رفضًا من معظم الفاعلين السياسيين، فإن إجباره على التنحي أمرٌ صعب.
في هذا السياق، ينظر العديد من المراقبين إلى الحكومة الموحدة الجديدة المقترحة – وهي ركيزة أساسية في خطة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا – على أنها قد تكون سبباً محتملاً للصراع، حيث يُخشى أن يؤدي الحوار المنظم إلى تأجيج التوترات بدلاً من تخفيفها.
وبينما قد تتمكن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من تجاوز هذه التحديات، فإن القيام بذلك سيتطلب دعماً قوياً وواضحاً لا لبس فيه من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو أمر غير مضمون في هذه المرحلة.
وعلى الرغم من أن الحوار المنظم لم يبدأ بعد، إلا أن إصرار بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على المضي قدماً في خطواتها التحضيرية – من خلال طلب الترشيحات وتحديد الجداول الزمنية – قد أثار بالفعل انتقادات من المراقبين الليبيين.
ويتساءل الكثيرون عما إذا كانت البعثة قادرة على الوفاء بتعهدها بضمان تمثيل متوازن عبر الخطوط السياسية والاجتماعية والأمنية. وحتى الآن، لا تزال العملية غامضة، وستعتمد مصداقيتها وشرعيتها على من سيتم اختيارهم للمشاركة في نهاية المطاف.
ويستمر الشك في أن الحوار، وهو المرحلة الأخيرة من خارطة الطريق، قد يعيد إنتاج هياكل السلطة القائمة بدلاً من إصلاحها، لا سيما إذا شعر أصحاب المصلحة الرئيسيون من الشرق أو الجهات الأمنية المؤثرة بالإقصاء.
وإلى أن يتم الإعلان عن قائمة المشاركين، ستستمر المخاوف بشأن التمثيل الشكلي ومحدودية الشمولية في إلقاء بظلالها على مبادرة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
في الوقت نفسه، تواجه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مهمة دقيقة تتمثل في الموازنة بين التوقعات المتنافسة والمتضاربة من جميع الأطراف الليبية الفاعلة وأصحاب المصلحة الدوليين.
وبينما تؤكد البعثة على الشمولية من حيث المبدأ، لا يزال العديد من الليبيين غير مقتنعين بحيادها، لا سيما بالنظر إلى تفاعلاتها المستمرة مع إدارة الدبيبة.
وتغذي التساؤلات حول التوقيت ومعايير الاختيار والتأثير المحتمل من قبل الجهات السياسية المتنفذة الشكوك في أن الحوار سيعالج بشكل فعال الانقسامات الليبية طويلة الأمد.
ويلاحظ المراقبون أن مجرد تصور التحيز – سواء كان حقيقياً أو متوهماً – يمكن أن يقوض ثقة الجمهور حتى قبل بدء العملية. وكما قال أحد المحللين: “تضاعفت المبادرات، وتضاربت المقترحات، ولم تكتمل أي عملية على الإطلاق – مما أدى فقط إلى إطالة أمد الأزمة“.
ومن الشرق، حذر بيان عام من “الإجراءات الأحادية… التي تُعد انتهاكاً لسيادة الدولة الليبية“. هذا التشكيك المتزايد يعقد قدرة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على العمل كوسيط موثوق في المراحل اللاحقة من خارطة الطريق.
حفتر والتدخل السياسي
ومما يزيد من تحديات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، اجتماع الجنرال خليفة حفتر مؤخرًا مع وفود قبلية من مناطق مختلفة من ليبيا، حيث أكد أن حل الأزمة السياسية يجب أن يأتي “من الشعب، بدعم من القبائل“، مؤكدًا أن “أي اتفاق… سيضمن الجيش الوطني الليبي تنفيذه“.
وبينما لا تُشكل هذه الاجتماعات مبادرات رسمية خارج خارطة طريق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، فإن تشجيع حفتر وتقديمه للضمانات يُعد بمثابة إشارة سياسية مضادة، تُقدم مسارًا بديلًا خارج الحوار المنظم.
وينقسم المحللون حول نواياه: فبعضهم يفسرها على أنها محاولة لتوجيه العملية لصالحه، بينما يراها آخرون استراتيجية لتأخير التنفيذ من خلال خلق حالة من عدم اليقين بين الفاعلين السياسيين والجمهور.
وبغض النظر عن الدافع، يُسلط تدخل حفتر الضوء على كيفية تأثير الأجندات المحلية المتنافسة – وخاصة من الفاعلين المؤثرين في الشرق والجنوب – على نفوذ بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وتهديد التوافق الهش الذي تسعى خارطة الطريق إلى بنائه.
مما لا شك فيه أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تجد نفسها في موقف بالغ الصعوبة. فإلى جانب نقاط ضعفها الهيكلية، تواجه مهمة دقيقة للغاية.
ويشمل ذلك التعامل مع الخصومات الراسخة، واستعادة مصداقيتها التي تتعرض لتساؤلات متزايدة، وضمان مشاركة تمثيلية حقيقية في الحوار المنظم القادم، وإدارة الأجندات المتنافسة للفاعلين المحليين والدوليين على حد سواء – مع توضيح أن توصيات الحوار ليست ملزمة للبعثة.
وعلى الرغم من أن هدف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا يزال يتمثل في توحيد ليبيا وإجراء الانتخابات، وهي رغبة طالما تمناها الليبيون، إلا أن الشكوك المحلية والانقسامات الإقليمية والتدخلات غير المتوقعة للشخصيات المؤثرة تُثير شكوكًا جدية حول ما إذا كانت خارطة الطريق قادرة على تحقيق أهدافها.
وستختبر الأشهر المقبلة ليس فقط قدرة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على الوساطة، بل أيضًا التماسك الاجتماعي والسياسي الهش في ليبيا، حيث يُهدد أي خطأ بتصعيد التوترات بدلًا من حلها.
_____________