أسامة علي

يبدو صدام حفتر نجل اللواء المتقاعد خليفة حفتر ونائبه، في الأيام الأخيرة، وكأنه يباشر مهام رئاسية، إذ توحي تحركاته بحسابات تتجاوز مناسباتها المباشرة. فليل أول من أمس الثلاثاء نشر مكتبه الإعلامي توجيهه رئيس حكومة مجلس النواب في بنغازي، أسامة حماد، وأعضاء حكومته برفع درجات الاستعداد والجاهزية القصوى، وتشكيل غرفة طوارئ لمواجهة التقلبات الجوية المتوقعة شرقي البلاد.
ويوم الاثنين الماضي، كان هو من استقبل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال زيارته بنغازي، وبحث معه ملفات سياسية، وليس نظيره في حكومة بنغازي عبد الهادي الحويج.
صحيح أن هذه التحركات قد تبدو عادية في سياق الحضور الرسمي الذي يحظى به صدام حفتر في عدد من العواصم، لكنها قد تحمل دلالات أخرى في ظل الترتيبات السياسية الجارية أخيراً في ليبيا، وفي ظل ما سربته تقارير، طيلة الأشهر الماضية، من مضمون الصفقة التي يديرها كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.
وتقوم الصفقة على صيغة لبناء سلطة مشتركة بين قوى الأمر الواقع في طرابلس وبنغازي، تقضي بأن يكون رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة المشتركة، وتولي صدام رئاسة المجلس الرئاسي.
اللافت أن تحركات صدام حفتر الأخيرة، جاءت ضمن تطورات تسعى فيها أبوظبي وأنقرة إلى ترتيب لقاء مباشر بينه والدبيبة في تركيا، لبحث توحيد مؤسسات الدولة، وهو لقاء لا يقوم على أي إطار سوى اتفاق 4+4 (بين معسكرَي غربي ليبيا وشرقها)، الذي ينص على توحيد المؤسسات، بما فيها السلطة التنفيذية، لقيادة البلاد نحو الانتخابات خلال 24 شهراً.
وبالتزامن، دعت وزارتا الخارجية البريطانية والألمانية لجنة 4+4 إلى عقد اجتماعاتها المقبلة في عاصمتيهما خلال الأسابيع المقبلة، لمواصلة بحث توحيد المؤسسات، بعدما ناقشت في اجتماعها الأخير المؤسسة القضائية. وكلا التحركين يشير إلى اتساع الدعم الإقليمي والدولي للاتفاق، والانتقال به نحو التنفيذ. فهل أراد صدام حفتر أن يقول، من خلال تحركاته الأخيرة، شيئاً لم يُعلن بعد؟
حتى الآن لا تبدو الصفقة الأميركية، التي من الواضح أن البعثة الأممية أطرتها في لجنة 4+4، محسومة.
فحماسة صدام حفتر للاتفاق، منذ انطلاق المسار في يوليو/تموز من العام الماضي، والتي زادت بعد انخراطه في حراك داخل مجلس النواب أفضى إلى إزاحة عقيلة صالح، المعرقل لشرعنة الاتفاق، من رئاسة المجلس لمصلحة شخصية أقرب إلى معسكر حفتر، وهو الصالحين عبد النبي، قوبلت بتحفظ من جانب الدبيبة الذي كان يبطئ المسار، على الرغم من انخراطه الواضح في التفاوض مع قيادة حفتر منذ البداية.
وكان إعلان تفكيك خلية تخريبية في طرابلس، مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، أحدث أوراق حكومة الدبيبة للإبطاء، إذ قالت إن الخلية، المرتبطة بشخصيات مقربة من صدام حفتر وسبق أن نفذت هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت نفطية، كانت عند ضبطها داخل طرابلس، تستعد لاستهداف شخصيات عسكرية وسياسية.
هذا الإعلان، على خطورته، لم تتقدم فيه التحقيقات خطوة ولم يكشف عن تفاصيل جديدة منذ إعلانه، وبالتالي من الواضح أنه ورقة لانتزاع تنازلات قبل التنفيذ.
صحيح أن كل هذه القراءة تبرز سؤالاً مفاده: هل حصل الدبيبة على ما يريده، حتى بدا صدام حفتر كأنه يستبق تولي موقعه المحتمل؟
لكن السؤال الأهم يتخطى نتائج الصفقة إلى عمق الأزمة الليبية، فالسؤال الصحيح هو كيف يمكن اختزال أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة في تفاهمات بين قوى الأمر الواقع؟
كما يتجه سؤال آخر إلى البعثة التي رعت الاتفاق حول الضمانات التي ستلزم الطرفين بمغادرة السلطة بعد 24 شهراً، رغم كل هذا العسر واستخدام كل ما يمكن من أوراق للوصول إليها!
_________________