علي العسبلي

ليبيا بلد مألوف أكثر مما نحبّ الاعتراف به، مُكرّر إلى درجة الملل.

***

كلّ شيء فيه متوقّع، لا مكان للدهشة، وكلّ خطاب فيه مرقّع يُعاد بصياغة مُختلفة فقط. بلد لا ينتج المفاجأة، بل يستهلكها متأخّراً، ثم يدّعي أنّه كان سبّاقاً إليها.

نعيش في مكان نحبّ أن نصفه بالاستثنائي، بينما هو في الحقيقة عادي، بل عادي جدّاً.

ليبيا في المخيّلة القديمة كانت شيئاً آخر. عند الإغريق والرومان، ارتبط اسمها بالأسطورة، وآلهة النار عندهم، وحدود أفريقيا المعروفة والمُكتشفة لديهم.

وفي عيون أبنائها اليوم، تحوّلت، هي ومن عليها، إلى كيان مقدّس لا يخطئ، ولا يُسأل، ولا يُنتقد. بين الأسطورة القديمة والقداسة الحديثة، ضاعت ليبيا، ليبيا التي يمكنك النظر إليها بكلّ برود ومن دون انبهار.

ليبيا ككيان سياسي حديث، عمرها قصير، أقصر من عمر دجاجة بيضاء. دولة سمّاها الاحتلال وخطّ حدودها. ومع ذلك، طُلب منا أن نتعامل معها على أنها حقيقة أزلية، وأن نكوّن حولها هالة مُزيّفة اسمها الوطنية، ندافع بها عن شكل صنعه غيرنا، وننسى بها أسئلة أكبر تخصّ بقية البشر، والإنسانية، والعدالة، والمعنى.

أقنعونا بأنّ الجديدخرج، أو قد يخرج من هنا، فقط لأنّ شخصاً ما في التاريخ الغابر قال ذلك.

نكتشف الأفكار بعد أن تُستهلك، ونرفع شعارات بعد أن تفقد بريقها وقدرتها على الإزعاج

كلّ ما نعتبره جديداً في ليبيا ليس جديداً فعلاً، بل هو مجرّد صدى متأخّر لما يحدث في أماكن أخرى. نكتشف الأفكار بعد أن تُستهلك، ونرفع شعارات بعد أن تفقد بريقها وقدرتها على الإزعاج.

الجديد عندنا، غالباً ما يكون نتيجة جهل مزدوج: جهل بما يجري في العالم حاضراً، وجهل أعمق بما جرى في الماضي. نحن لا نعرف القديم، فكيف نُنتج الجديد؟

ليبيا ليست قطعة من الجنة. ليس جمالها استثناءً، ولا قبحها مُميّزاً. من يسافر قليلاً، ويكتشف ما حوله، ويرى العالم بلا نظرة رومانسية، يدرك بسرعة أنّ أغلب الأماكن مُتشابهة.

البشر متشابهون، المدن متناسخة، الجبال والتضاريس مُتناظرة، والتاريخ يُعيد نفسه بملل قاتل. الاختلافات سطحية، تُضخّم فقط لأنّنا بحاجة إلى الشعور بأنّنا مُميّزون.

شعب ليبيا ليس الأفضل، للأسف، وهذه جملة يجب قولها مهما كانت مؤلمة.

لا نملك أفضل الأطباء، ولا أفضل الطيارين، ولا أفضل زي شعبي، ولا أفضل أيّ شيء على الإطلاق.

ليس لأنّنا أسوأ، بل لأنّ فكرة الأفضلنفسها فارغة. الطب نتاج معرفة مُشتركة، والطيران نتاج صناعة عالمية، واللباس نتاج تلاقح حضارات.

لا شيء يولد خالصاً في مكان واحد. وحتى الطيبةوالكرم، تلك الصفات التي نحبّ أن نلصقها بأنفسنا، ليست فضيلة خُصّ بها الليبيون.

كلّ البشر قادرون على الطيبة والقسوة بالقدر نفسه، وعلى البخل والكرم في آن واحد. كلّنا نملك من المكر بقدر ما نملك من البراءة، ونملك من السخاء قدر ما نملك من الشح.

نحبّ إسقاط الأقوال القديمة على حاضر مزري، لأنّ ذلك أسهل من مواجهة الحقيقة ورؤية أوهامنا تتحطّم

تُستدعى المقولة المنسوبة إلى هيرودوت أحياناً، أبي التاريخ، لتبرير وهم التفوّق.

حتى لو قال ما نُسب إليه، فهو لم يكن يتحدّث عن ليبيا اليوم. كان يتحدّث عن فراغ جغرافي غامض، عن الجزء المُكتشف من أفريقيا، لا عن دولة حديثة تبحث عن معنى. لكننا نحبّ إسقاط الأقوال القديمة على حاضر مزري، لأنّ ذلك أسهل من مواجهة الحقيقة ورؤية أوهامنا تتحطّم.

لهذا، من ليبيا لا يأتي الجديد. الجديد لا يأتي من الجغرافيا أصلاً، بل من البشر حين يكفون عن تمجيد أنفسهم، ويتخلّصون من وهم التفوّق وعقدة الاستحقاق، وحين ينظرون إلى رقعة الأرض التي يعيشون عليها بلا قداسة وبلا كراهية للآخر المُختلف.

البشر، كما طباعهم، متناسخون حدّ السأم، والجغرافيا، كما التاريخ، تُعيد وتكرّر نفسها. والوعي بهذه الحقيقة قد يكون الخطوة الأولى للخروج من أحد أخطر أنواع الوهم، ألا وهو وهم التميّز الزائف.

____________

مقالات مشابهة