صلاح الهوني
الشركات الأجنبية ليست مجرد شركاء بل لاعبون يستغلون الفراغ السياسي لتعزيز نفوذهم مما يجعل ليبيا تبدو كساحة للمنافسات الدولية بدلاً من دولة ذات سيادة.
***
في ليبيا، قطاع الطاقة لم يعد مجرد ملف اقتصادي، بل ساحة تتكشف فيها موازين النفوذ السياسي.
تصريح محمد عون، وزير النفط السابق في حكومة عبد الحميد الدبيبة، أعاد تسليط الضوء على هذا التداخل، متهماً الحكومة بالارتهان لشركات النفط الأجنبية عبر صفقات مشبوهة وتجاهل مصالح الدولة.
ما يثير القلق ليس الاتهام في حد ذاته، بل ما يكشفه عن هشاشة البنية المؤسسية في بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، لكنه يفتقر إلى منظومة قادرة على إدارة هذه الثروة بفعالية.
النفط، الذي يفترض أن يكون رافعة للاستقرار والتنمية، يظل في الواقع رهينة لتوازنات سياسية متقلبة، ما يجعل كل عقد أو صفقة انعكاساً لصراع أوسع حول السيادة والقرار الوطني.
الاتهامات تزامنت مع إعلان صفقة طويلة الأمد مع شركتي “توتال إنرجيز” الفرنسية و”كونوكو فيليبس” الأميركية، بقيمة تتجاوز 20 مليار دولار، لتطوير حقول الواحة على مدى 25 عاماً.
الاتفاق، الذي وقّعه الدبيبة خلال قمة الطاقة والاقتصاد في طرابلس، يستهدف رفع الإنتاج بنحو 850 ألف برميل يومياً، بتمويل خارج الموازنة العامة، مع توقعات بإيرادات صافية تفوق 376 مليار دولار.
غير أن هذه الأرقام الطموحة لا تخفي الأسئلة الجوهرية:
هل تمثل الصفقة خطوة نحو استقرار اقتصادي طويل الأمد، أم أنها تعكس استمرار اعتماد ليبيا على نفوذ خارجي يرسخ هشاشة اقتصادها المنقسم؟
المفارقة الليبية تتجلى بوضوح هنا؛ النفط الذي يُفترض أن يكون أساساً للازدهار، يظل في كثير من الأحيان عاملاً يعمّق الانقسامات ويغذي الصراع.
يعتمد الاقتصاد الليبي بشكل شبه كامل على عائدات النفط، التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة. في بلد ينتج حالياً نحو 1.2 مليون برميل يومياً، يُنظر إلى هذه الثروة كمفتاح لإعادة الإعمار بعد سنوات من الفوضى التي أعقبت سقوط القذافي في 2011.
لكن هذا الاعتماد يشبه الرقص على حبل مشدود: النفط يوفر السيولة لدفع الرواتب والإعانات، لكنه يجعل الدولة عرضة لتقلبات أسعار السوق العالمية.
وفي ظل غياب تنويع اقتصادي حقيقي – حيث يظل القطاعان الزراعي والسياحي مهمشين – يصبح النفط كعب أخيل الليبي.
تخيل لو أن ليبيا، التي تمتلك احتياطيات تتجاوز 48 مليار برميل، استثمرت في صناعات بديلة؛ لكن الواقع أنها تفضل الاعتماد على “الذهب الأسود”، كما لو كانت تتوقع أن يستمر تدفقه إلى الأبد.
المفارقة هنا واضحة: النفط مصدر قوة، لكنه أيضاً مصدر هشاشة. في أوقات الازدهار، يغذي الاقتصاد؛ أما في الأزمات، مثل تلك التي شهدتها ليبيا خلال الحروب الأهلية، فإنه يصبح هدفاً للميليشيات والقوى الخارجية.
الصفقة الجديدة مع “توتال” و”كونوكو” تبدو، على السطح، كفرصة لزيادة الإنتاج وتحقيق إيرادات هائلة. لكنها تذكرنا كيف أن هذا الاعتماد يجعل ليبيا رهينة للضغوط الخارجية، حيث تفرض الشركات الكبرى شروطاً طويلة الأمد مقابل الاستثمار.
وكما قال عون ذات مرة، رفضاً لتعديل اتفاقيات مشابهة: “أرفض العبث… حفاظاً على مصالح ليبيا”.
هل هذه الصفقة ستكون مختلفة، أم مجرد حلقة أخرى في سلسلة التبعية؟
يتهم عون الشركات الكبرى مثل “توتال” و”كونوكو” بالتماطل في تطوير المشاريع، مستغلة حاجة الحكومة الليبية إلى الدعم الدولي.
وفي الواقع، تاريخ عقود النفط في ليبيا مليء بأمثلة على ذلك:
منذ عهد القذافي، كانت هذه العقود أداة نفوذ خارجي، حيث تمنح الشركات الأجنبية حصصاً كبيرة مقابل الاستثمار المحدود.
اليوم، مع صفقة الـ20 مليار، تمتلك كل من “توتال” و”كونوكو” حصة 20.4% في شركة الواحة، وستطور أربع حقول جديدة مع برنامج استكشاف لـ19 منطقة.
لكن، كما يشير الخبراء، هذه الشركات تستفيد من الهشاشة الداخلية لتفرض شروطاً تفضيلية، مثل التمديدات الطويلة والحصانة من التقلبات السياسية.
هناك لمسة طرافة في الأمر:
بينما يحتفل الدبيبة بالصفقة كـ”إنجاز نوعي”، يبدو الأمر كما لو كان ليبيا تبيع “تذاكر لوتو” رابحة للشركات الأجنبية، التي تضمن أرباحاً هائلة مقابل مخاطر محدودة.
عون، الذي أوقف سابقاً لأسباب يُشك في أنها سياسية، يرى في ذلك “هدراً لمليارات الدينارات عبر صفقات مغشوشة”. وفي سياق تاريخي، تذكرنا هذه الصفقة بتلك التي رفضها عون مع “إيني” الإيطالية، معتبراً أنها “غير قانونية”.
الشركات الأجنبية، إذن، ليست مجرد شركاء؛ بل هي لاعبون يستغلون الفراغ السياسي لتعزيز نفوذهم، مما يجعل ليبيا تبدو كساحة للمنافسات الدولية بدلاً من دولة ذات سيادة.
الانقسام المؤسسي في ليبيا – بين حكومة الدبيبة في طرابلس والحكومة الشرقية المدعومة من خليفة حفتر – يضعف قدرة الدولة على التفاوض بندية. النفط لم يكن يوماً مجرد مورد اقتصادي؛ بل هو ورقة سياسية في صراع الميليشيات والقوى الخارجية. الهشاشة الأمنية، مع إغلاقات متكررة للحقول، تكلف البلاد ملايين الدولارات يومياً.
الصفقة الجديدة قد تبدو كعامل استقرار، إذ تمنح الشركات الأجنبية مصلحة في الحفاظ على السلام، لكنها قد تغذي الصراع إذا شعرت الأطراف المعارضة بأنها محرومة من العائدات.
التساؤل هنا:
هل ستُستخدم إيرادات الصفقة بحكمة لتعزيز الوحدة الوطنية، أم ستتحول إلى وقود للصراع القائم؟
تاريخ ليبيا يشير إلى الخيار الثاني، حيث أدت عقود مشابهة إلى تصفية حسابات داخلية، كما حدث مع إيقاف عون، الذي يُعتبر “جزءاً من تصفية الحسابات” ضد معارضي الدبيبة.
في هذا السياق، تبدو الصفقة كرهان محفوف بالمخاطر، حيث يمكن أن تعزز نفوذ الدبيبة مؤقتاً، لكنها قد تثير احتجاجات إذا اعتبرت “خضوعاً للأجنبي”.
لكسر هذه الدائرة الجهنمية، تحتاج ليبيا إلى بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة النفط بشفافية.
الدعوة إلى تنويع الاقتصاد أصبحت ضرورة، ربما من خلال استثمار العائدات في الطاقة المتجددة أو السياحة. أي صفقة طويلة الأمد يجب أن تُدار بمنطق المصلحة الوطنية، لا الحاجة الآنية. وكما يقول المثل، “لا تبنِ قصراً على رمال متحركة”؛ فالاستقرار يبدأ بتوحيد المؤسسات، لا بصفقات خارجية.
تمثل الصفقة الأخيرة اختباراً عملياً لقدرة ليبيا على استعادة سيادتها على مواردها النفطية. نجاحها في جذب استثمارات فعلية من دون تقديم تنازلات جوهرية قد يفتح الباب أمام خطوة إيجابية، لكن التجارب السابقة توحي بأن النتيجة قد تكون مجرد تكرار لوهم الإصلاح.
جوهر القضية يعيدنا إلى السؤال الذي يلازم ليبيا منذ عقود: هل يشكل النفط رافعة للتنمية أم مصدراً للانقسام؟
ففي حين يُقدَّم الاتفاق رسمياً باعتباره إنجازاً اقتصادياً، يراه كثيرون تكريساً لهيمنة خارجية على قطاع حيوي.
هذه المفارقة تفرض الحاجة إلى نقاش وطني صريح حول كيفية إدارة الثروة النفطية، بحيث تتحول إلى أداة للاستقرار السياسي والاجتماعي بدلاً من أن تبقى وقوداً للصراع.
وفي المحصلة، يظل النفط بالنسبة لليبيا خياراً مزدوج الاحتمالات: إما أن يكون نعمة تؤسس لبناء دولة مستقرة، أو أن يتحول إلى نقمة تفاقم أزمتها المزمنة.
_______________
