ماسيميليانو بوكوليني

تعيد إيطاليا بناء حضورٍ هيكلي في ليبيا من خلال الجمع بين انخراطٍ أمني موازٍ مع طرابلس وبنغازي، ودفعٍ متجدد في قطاع الطاقة.

وتربط هذه الاستراتيجية بين ضبط الهجرة والاستثمار البحري، راهنةً على تعافي ليبيا مع التعامل في الوقت نفسه مع استمرار انقسامها السياسي.

لماذا يهمّ الأمر؟

تتحرك روما لإعادة ترسيخ حضورٍ بنيوي في ليبيا، عبر وصل ملفات الهجرة والتعاون الأمني بدفعةٍ جديدة في حوض سرت. وتمزج الاستراتيجية بين انخراطٍ متوازٍ مع مركزي القوة في الغرب والشرق، إلى جانب منح رخصة بحرية كبرى لشركتي إيني وقطر للطاقة.

دبلوماسية أمنية على جانبي ليبيا

زار وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي طرابلس وبنغازي خلال أيام قليلة — في سادس مهمة له إلى العاصمة الليبية منذ توليه المنصب — واختتم الزيارة بلقاء خليفة حفتر.

الصورة الأوسع: تقوم روما بترسيم استراتيجية «الانخراط المتوازي» مع بنيتي السلطة المزدوجتين في ليبيا:

  • حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

  • الكتلة الشرقية المتحالفة مع خليفة حفتر وشبكته العائلية والبرلمان القائم في طبرق.

وجاءت الخطوة بعد مرحلة متعثرة في العلاقات مع شرق ليبيا. ففي يوليو 2025، مُنع وفد أوروبي — ضم بيانتيدوزي — من دخول بنغازي لدى وصوله، في خطوة فُهمت على نطاق واسع كرسالة سياسية من حفتر لإبراز أوراق الضغط لديه.

والعودة الآن في مهمة ثنائية، تتضمن مكونات استخباراتية رفيعة، تعني عملياً الاعتراف بحفتر كمحاور رئيسي في ملفي الهجرة والأمن، من دون الإقرار رسمياً بوجود حكومة موازية في الشرق.

حسابات روما: لا يمكن إدارة ملف الهجرة عبر طرابلس وحدها إذا كانت القوات المرتبطة بحفتر تسيطر فعلياً على ميليشيات رئيسية ونقاط عبور محورية.
وبالنسبة لإيطاليا، ينبغي أن تغطي القنوات التشغيلية كامل القوس الليبي، خصوصاً المناطق المتقاطعة مع مسار وسط المتوسط والحدود الجنوبية مع مصر والسودان وتشاد.

انخفاض الوافدين… لكن ليبيا تبقى محورية

تأتي الزيارة بينما تستعد إيطاليا لتطبيق قواعد «الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء» الذي يدخل حيز التنفيذ في يونيو.

الأرقام:

  • 1,813 وافداً إلى إيطاليا بين 1 يناير و9 فبراير 2026.

  • انخفاض بنسبة 56.38% مقارنةً بـ4,156 خلال الفترة نفسها من 2025.

  • 1,386 مهاجراً — أي أكثر من ثلاثة أرباع — انطلقوا من ليبيا.

  • تراجع المغادرين من ليبيا بنسبة 64.1% على أساس سنوي.

ورغم الانخفاض، تبقى ليبيا العمود الفقري لمسار وسط المتوسط. صحيح أن الطرق البديلة عبر تونس والجزائر تنمو نسبياً، لكنها ما تزال هامشية من حيث الأعداد المطلقة.

قراءة واقعية:

على الرغم من تحول الاهتمام السياسي في السنوات الأخيرة نحو تونس، تُظهر بيانات منظمات غير حكومية ومؤسسات أوروبية أن ليبيا استعادت تدريجياً موقعها كنقطة الانطلاق الرئيسية نحو إيطاليا. وهذا ما يفسر استعجال روما لتغطية طرابلس وبنغازي معاً بآليات تعاون عملياتي وتبادل معلومات استخباراتية.

ما وراء شعار «الحصار البحري»

ابتعد بيانتيدوزي عن خطاب الحملات الانتخابية بشأن «الحصار البحري»، واصفاً إياه بأنه تبسيط إعلامي.

المطروح فعلياً:

  • قيود دخول مؤقتة محتملة داخل المياه الإقليمية الإيطالية (12 ميلاً) في حالات أمنية استثنائية.

  • إسناد جزء من إجراءات اللجوء إلى «دول ثالثة آمنة» وفق أحكام الميثاق الأوروبي.

  • تعزيز التعاون مع السلطات الليبية بشأن العودة الطوعية وضبط الحدود البرية والبحرية.

الرمزية مهمة — إظهار أن المسار «تحت السيطرة» — لكن وزارة الداخلية تقر بأن الظروف الحالية لا تبرر إجراءات استثنائية، في ظل الاستقرار النسبي خلال 2025 والانخفاض مطلع 2026.

الجانب المثير للجدل

وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، جرى اعتراض 537 شخصاً وإعادتهم إلى ليبيا بين أوائل ومنتصف يناير 2026، ما يعيد المخاوف المزمنة بشأن ظروف لا تتوافق مع معايير الحماية الأوروبية.

ويرى المحلل السياسي الليبي أحمد زاهر أن الزيارة تكمل التطورات الاقتصادية والطاقوية الأخيرة. ويقول: «تمثل طرابلس الواجهة البحرية والموانئ، بينما تسيطر بنغازي فعلياً على كامل الحدود الجنوبية. وللتأثير في ملف الهجرة، يجب العمل على الجبهتين بالتوازي».

ويشير أيضاً إلى أن شركة إيني عززت سمعتها كشريك موثوق، ما حسّن الحوار مع بنغازي وسهّل تفاهمات حدّ أدنى بشأن احتواء الهجرة، لكنه يحذر من أنها «حلول مؤقتة» في غياب دولة ليبية متماسكة يحكمها دستور وسيادة قانون.

التحول نحو الطاقة: إيني وقطر للطاقة تحصلان على الامتياز البحري بالتوازي مع دبلوماسية الهجرة، تعمّق إيطاليا حضورها في قطاع الطاقة. فقد منحت المؤسسة الوطنية للنفط رخصة الامتياز البحري O1 لتحالف تقوده إيني بالشراكة مع قطر للطاقة.

تفاصيل رئيسية:

  • بلوك بحري في حوض سرت.

  • مساحة تقارب 29 ألف كيلومتر مربع.

  • أعماق مياه تصل إلى ألفي متر.

  • منطقة واعدة تضم اكتشافات غير مطورة ومناطق مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد غير مستكشفة.

  • حصة إيني 60% كمشغل، وقطر للطاقة 40%.

  • مرحلة استكشاف أولية لخمس سنوات تشمل حملات مسح ثنائي وثلاثي الأبعاد ودورة حفر واحدة على الأقل.

الاتفاق جزء من «جولة العطاءات 2025»، أول جولة استكشاف دولية منذ أكثر من 17 عاماً، وتشمل 22 رقعة (11 برية و11 بحرية) في سرت ومرزق وغدامس وصبراتة وسرت البحرية.

ولجذب المستثمرين بعد عقد من عدم الاستقرار، اعتمدت المؤسسة شروطاً مالية جديدة: اتفاقية مشاركة في الإنتاج بحصة حكومية تقارب 66% ومعدلات عائد داخلي متوقعة بين 20% و35%، أكثر تنافسية من العقود السابقة.

سياق الإنتاج:

  • متوسط إنتاج 2025: 1.374 مليون برميل يومياً — رقم قياسي في عشر سنوات.

  • 501 مليون برميل سنوياً.

  • 21.9 مليار دولار عائدات نفطية، بزيادة 15% على أساس سنوي.

  • الهدف: مليونا برميل يومياً بحلول 2030.

لماذا تدفع إيطاليا بقوة؟

تعمل إيني في ليبيا منذ 1959 وتبقى المشغل الدولي الأكبر، بإنتاج يعادل 160–170 ألف برميل نفط مكافئ يومياً في 2025. ويتدفق الغاز إلى إيطاليا عبر خط «غرين ستريم».

تعزيز الانكشاف البحري في المنبع يخدم عدة أهداف:

  • تأمين إمدادات قريبة جغرافياً.

  • تعزيز طموح إيطاليا لتكون بوابة غاز جنوبية لأوروبا.

  • موازنة أدوار فاعلين خارجيين آخرين في ليبيا، بينهم تركيا في الغرب وروسيا والإمارات في الشرق.

ويضيف انخراط قطر للطاقة ثقلاً جيوسياسياً؛ فالدوحة مزود للغاز الطبيعي المسال إلى إيطاليا والاتحاد الأوروبي، ومشاركتها تربط المصالح الخليجية بمحور الطاقة الإيطالي–الليبي وتمنح روما هامش أمان سياسي إضافي في حال الصدمات المحلية.

الأمن والطاقة… ملفان متداخلان

القصة ذاتها: إيطاليا تتعامل مع ليبيا مجدداً كفضاء استراتيجي متكاملفالتعاون الأمني في ملفات الهجرة ومكافحة التهريب وضبط الحدود هو المقابل السياسي–العسكري لتعميق الانخراط الطاقوي في ظل انتعاش الإنتاج الليبي.

المكاسب المحتملة:

  • نفوذ ملموس في المفاوضات الثنائية.

  • موقع أقوى داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

  • تنسيق مع شركاء خليجيين مستثمرين في استقرار ليبيا.

المخاطر:
لا تزال ليبيا مجزأة ومعرضة للتجاذبات الإقليمية والتدخلات الخارجية. وقد استخدم شركاء اليوم — بمن فيهم حفتر — ملف الهجرة والوصول المؤسسي سابقاً كورقة تفاوضية.

رهان إيطاليا منسجم مع الجغرافيا واحتياجات تنويع الإمدادات بعد روسيا، ومدعوم بانتعاش ملموس في الإنتاج وجولة تراخيص تنافسية. لكنه يبقى رهانا على بلد تتسم توازناته بالسيولة — حيث يتشابك الأمن والهجرة والطاقة مع السياسة بصورة لا تنفصل.

___________

مقالات مشابهة