سالم العوكلي
أي عملية اغتيال مرفوضة ومدانة، واستخدام العنف في السياسة قاتل لمبدأ السياسة التي تستعيض في مفهومها المهني عن العنف بإدارة الصراع بشكل سلمي لا يخلو وفق طبيعة السياسة من المكر والدهاء والخبث غالبا.
لذلك، فاغتيال وريث النظام السابق في ليبيا بهذه الطريقة، مثله مثل كل من اُغتيلوا خلال العقود التي تلت الانقلاب، لا يمكن أن يُوضع إلا في إطار الجريمة.
سيف القذافي جزء حيوي من النظام السابق، خصوصا في عقديه الأخيرين. أما بروزه كوريث محتمل، فسببه الرئيس هو تكتيكات الاستبداد العربي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو الحدث الذي أثار الفزع لهذه الأنظمة عندما تحولت أمريكا إلى ثور هائج أو نمر جريح يتسكع في المنطقة، وعينه الحمراء على ديكتاتوريات الشرق الأوسط التي ترعرع في ظلها التطرف والإرهاب.
وبرز اسم سيف، كما ورثة عدة في ممالك الاستبداد العربي، كظاهرة من شأنها أن تلطف من هذه النظم العنيفة مع شعوبها، وتسعى إلى حمايتها من الغضب الأمريكي، وما قد يتبعه من عقاب جماعي.
وقد كانت له مهمة مؤقتة، لكنها لم تنجح في أن تَحُول دون عقاب هذا النظام شعبيا ودوليا، ونعرف أن كل محاولات تجميل النظم الشمولية قد فشلت عبر التاريخ الذي يخبرنا أنه لا حل مع الفاشيات سوى إسقاطها، واجتثاث ثقافتها تماما، والثورة الليبية كأي ثورة عبر التاريخ كان لا بد أن تكون لها تداعيات قاسية ما زلنا نعانيها.
لكن أن تعاني مضاعفات ديكتاتورية سقطت أفضل من أن تعاني آلام ديكتاتورية قائمة تزداد قمعا وشراسة كلما استمرت في الزمن، وفي هذه الحالة لا يمكن لفاشية أن تصلح من حالها أو تدعي أي برنامج للإصلاح إلا في سياق محاولة تموضع جديد، يستجيب لضغوط القوى الخارجية وليس المحلية، وهي محاولة يائسة لا يمكن الخلاص منها إلا بإسقاط النظام، وإسقاط كل محاولات تجميله أو القفز به إلى الأمام.
وإذا كان القذافي الأب قد تاجر بالدين في أثناء حقبة حكمه، التي لا تتمتع بأي شرعية سوى ما سماه «الشرعية الثورية»، فإن سيف لم يكن متاجرا بالدين بقدر ما كان فلاحاً ناشئاً في حقله.
وغدا يقابل العالم الخارجي بوجه علماني، يتحدث عن أحدث القيم السياسية والحقوقية كلزوم لإكسسوار مرحلة أصابها الفرع مما أصاب أعتى رموز الاستبداد في المنطقة، وأقواها «صدام حسين».
ويقابل الداخل بوجه إسلاموي جعله يتقرب بشدة من جماعات الإسلام السياسي داخل ليبيا وخارجها، ويتحالف معها كعدة للتوريث بدل جماعات والده من اللجان الثورية العقائدية، التي بدأت معه تفقد نفوذها، وإن لم تفقد تماماً ولاء الأب لها كأداة خارج القانون والمؤسسة لترويض أي نزوع للمعارضة أو التمرد؟
ومع الوقت كان سيف يُحسب لدى الرأي العام الليبي على جماعة الإخوان الليبية، التي أصبح لها دور مهم في مشروعه المسمى «ليبيا الغد»، وفي محاوراته للجماعات الإرهابية المنشقة عنها فيما سُمي «برامج المراجعة»، التي أخرج الكثير منها من السجون بوصفه الزعيم الديني القادر على تنفيذ مشروعهم بشكل سلمي، لإدارة ليبيا ما بعد الأب.
سبق لعبد الناصر أن تحالف مع هذه الجماعات المتعاطف معها قبل انقلابه، وأخرجها من السجن، لتحاول اغتياله في المنشية، وسبق لأنور السادات أن أخرجهم من السجون، وأدمجهم من جديد في الشأن المصري من أجل ضرب اليسار عبرهم، ثم اغتالوه.
ولم يختلف الحال مع سيف الإسلام، ولن يختلف مع أي أحد آخر يراهن على التحالف مع جماعات تتربص بالسلطة المطلقة، وتعتبر كل هذه التحالفات الانتهازية نوعاً من التقية في انتظار لحظة الانقضاض.
الجميع يدين ما تعرض له ابن النظام السابق ووريثه المحتمل، لكن فلنرجع قليلاً، ونفتش عمن وطّنَ ثقافة الإقصاء بالعنف، ومبدأ الإغتيال الذي سُمي فيما بعد «تصفية»، ثم سُمي «تجييف»، لندرك أن النظام السابق الذي سيف جزء أصيل منه هو من جعل التصفية والاغتيالات طريقته في التعامل مع كل الخصوم أو الناقدين له أو المختلفين معه، وهي تصفيات لاحقت حتى بعض الشخصيات المعارضة في الخارج.
أما في الداخل فقد أخذ العنف منحى آخر علنياً، بل واستعراضياً، حيث يُبَث مباشرة في القناة الليبية، وبشكل لم تشهد له ذاكرة التصفيات مثيلاً، فعُلِّق المعارضون ــ وبعضهم بريء تماما حتى من «تهمة المعارضة» ــ في المشانق بالميادين والجامعات وملاعب كرة القدم.
شُنقوا بطرق بدائية ومُثِّل بجثثهم، وكل هذا كان منقولا عبر التلفزيون الليبي وفي شهر رمضان، غير مَن احتُفِظ بجثثهم في البرادات من المعارضين السلميين سنوات طويلة، وحالات الإخفاء القسري التي طالت حتى ضيوفاً رسميين جاءوا إلى ليبيا.
للأسف استمر هذا الإرث الذي كرسه النظام السابق، بل درَّسه لأجيال تالية عبر دورات عقائدية، وأحاطه بهتافات دموية تدعو بقوافيها الرنانة إلى التصفية والاغتيال المقدس، وكان النزيف على أشده.
ألوف من النخب الليبية تمت تصفيتهم خلال أشد الحقب التي مرت بها ليبيا فاشيةً، ولم تقل جرائمها عما ارتكبته الفاشية الموسيلينية خلال ثلاثة عقود. ولا فرق في هذه الحالة بين فاشية غازية أو فاشية محلية، لأنها تشترك في احتلال المجال العام، ومصادرة الوطن عبر العنف كوسيلة وحيدة للتمكين في غياب الشرعية الدستورية.
تحمست شرائح ليبية عديدة لوعود الابن الوريث الذي أصبح ينتقد الماضي بشدة، والبعض آمن، والبعض شكك، والبعض ظل في حياد منتظراً النتائج، وكان الامتحان حين خرج قطاع واسع من الشعب في فبراير ملتحماً بالربيع العربي، وعارضاً مطالبه للتغيير (السلمي في بدايته) عبر نخبه، من القضاة والمحامين والمثقفين، الذين كانوا في خضم حوار مع سيف نفسه من أجل تحقيق مطالب الشارع الليبي أو أغلبه، حيث رأوا في لحظة ما أن مطالبهم لا تتعارض مع ما كان يعلنه سيف بخطابه السنوي في أغسطس، وفي عديد تصريحاته، وانتظر الجميع في ذلك الوقت العصيب خطاب سيف لعله ينقذ هذه البلد من مغامرة قد تخسف بها، وتلك النخب كانت مازالت تراهن على شعارات الإصلاح التي رفعها سيف في مواجهة مشروع والده.
لكن الابن (الأمل الأخير) رسب في الامتحان، وظهر وجهه الحقيقي في خطابه الشهير الذي توعد فيه الليبيين بكل ضروب الانتقام، والخراب القادم إذا ما فكروا في التغيير أو الإصرار على مطالبهم، ولحظتها أدرك الشارع الليبي أن كل أدبيات الإصلاح وهْمٌ، وأن الابن لا يختلف عن أبيه، وأن الثورة ضرورة بغض النظر عن كل مخاطرها.
التاريخ يخبرنا أنه لم يشهد أبدا إصلاحا يأتي من داخل نظم الاستبداد أو سلالتها، وأن لا أمل إلا بإسقاط تلك النظم واجتثاثها كما لخص الأمر هتاف الربيع العربي الشهير.
تابعت ردات فعل غاضبة حيال اغتيال سيف، وأشاركهم هذا الغضب حيال هذه التصفية الغادرة، وحيال كل ما حدث في العقود الخمسة الأخيرة من تصفيات غادرة للخصوم السياسيين.
لكن ما يزعج حقاً هو اعتبار سيف رمزا وطنيا أو أملا لليبيا، وحقيقة مؤهله الوحيد الذي جعله يوما ما شخصية بارزة كون والده معمر القذافي، وبموت الأب ما عاد يملك أي مؤهل، وأن ما يقود مؤيديه أسباب سيكولوجية أكثر منها سياسية، حيث إن الخاسرين من ثورة فبراير لا أمل لهم إلا في استرجاع ولي العهد، ونظامه الوراثي الجماهيري من جديد، من أجل استعادة نفوذهم ومصالحهم عند البعض، ومن أجل الانتقام عند بعض آخر.
وببطاقة هويته فقط، التي تحمل اسم الأب معمر القذافي، حكم سيف ليبيا في العقد والنصف الأخيرين من عمر النظام، وكان يملك صلاحيات مطلقة، ويدير شؤون البلد عبر التلفون، ودون أن يتقلد منصبا يجعله يتحمل المسؤولية، وكان اسمه في كتيب العائلة فقط هو الشرعية الوحيدة التي جعلته حاكماً متنفذاً.
وخلال هذه الفترة، كانت ليبيا تمشي صوب الهاوية، ولا إنجاز فيها سوى متابعة الليبيين الصراع العبثي بين الأب وابنه، وبين مريدي الأب ومؤيدي الابن، نتفرج على هذه اللعبة التي استنزفت وقتنا وأعصابنا وثرواتنا.
ما يجب أن يعرفه بقايا مؤيدي النظام السابق، الذي سيف جزء أصيل منه وحاول أن يبث الدماء الجديدة في شيخوخته، أن كل ما حدث في ليبيا خلال السنوات اللاحقة لنهاية النظام هو من تداعيات هذا النظام نفسه، الذي تسلم ليبيا في الـ69 على طبق من ذهب، وتركها على صفيح ساخن، مجرد خرابة دون بنى تحتية ودون تعليم أو خدمات صحية، ودون دستور أو قانون أو مؤسسات، بل ترك ألغامه الجاهزة للانفجار تحت كل حجر فيها.
وما يجب أن يعرفوه أن سيف هو مجرد ابن حاكم سابق، ووريث نظام ديكتاتوري أطيح به عبر ثورة شعبية، نظام لا تحمل له الذاكرة الوطنية ذكريات طيبة، وقد يحدث نوع من الاستدعاء الفلكلوري لنظم ملكية غابرة عبر ورثتها من أجل تكريس هوية أو حفاظ على وحدة الأمة.
لكن إعادة التدوير هذه لم تحدث أبدا في التاريخ عبر نظم جمهورية أو ما يُسمى «جماهيرية» قامت أساساً ضد فلسفة التوريث، ثم تحولت إلى نظم شمولية كان لا بد للحتمية التاريخية أن تُسقطها، وغير قابلة بنيوياً ولا منطقيا ولا أخلاقيا لإعادة تدويرها.
___________
