حسام محمود الفنيش

من الفاتورة اليومية تقاس السياسة

في الفلسفة السياسية الواقعية لا تقاس قوة الدولة بعدد مؤسساتها ولا بفخامة مقارها بل بقدرتها على تحويل السلطة إلى رخاء ملموس.

السياسة في جوهرها إدارة للموارد قبل أن تكون إدارة للخلاف.

وفي تجربة ليبيا المعاصرة يتقدم السؤال الاقتصادي ليصبح معيار الحكم الحقيقي :

ماذا قدمت المؤسسات لحياة الناس اليومية؟

وكيف انعكس وجودها على كلفة المعيشة وقيمة الدخل واستقرار السوق؟

فلسفة “الاقتصاد أولا” لا تعني تقديس المال بل تعني احترام الواقع. فالاقتصاد هو الامتحان العملي لكل نظرية سياسية.

يمكن لأي سلطة أن تعلن برامج تنموية كبرى لكن السوق وحده يكشف فعاليتها. يمكن كتابة أفضل النصوص الدستورية لكن سعر الخبز وسعر الدواء وسعر الصرف هي النصوص التي يقرأها المواطن كل يوم.

لذلك قيل: “الشرعية تُكتب بالحبر في الدساتير لكنها تُوقَّع بالخبز في حياة الناس.”

في الاقتصاد السياسي هناك قاعدة صامتة: عندما تعمل الدورة الاقتصادية بعدالة معقولة تهدأ الصراعات؛ وعندما تختل تتضخم كل التناقضات.

غلاء المعيشة ليس رقما في تقرير بل ضغط نفسي واجتماعي يعيد تشكيل المزاج العام. هنا يصبح السؤال الفلسفي مباشرا:

ما قيمة المشاريع الخدمية والطرق والحدائق العامة والملاعب إذا كانت غير مترجمة إلى استقرار معيشي؟

وما معنى وجودها ووفرة الموارد إذا كانت كلفة الحياة ترتفع أسرع من قدرة المواطن؟

المعضلة الليبية لا تبدو في نقص الثروة بل في فجوة الإدارة والثقة. الاقتصاد الريعي يمنح دخلا سريعا لكنه لا يصنع تنمية تلقائية. التنمية تحتاج مؤسسات منضبطة وشفافية وربطا واضحا بين الإيراد والإنفاق.

من دون ذلك تتحول الثروة إلى مجال تنازع بدل أن تكون قاعدة بناء. “المشكلة ليست في قلة الموارد بل في كثرة الأيادي غير الخاضعة للمساءلة.”

تطرح الحالة الراهنة أسئلة لا يمكن الهروب منها:

ــ هل تقاس نجاحات المؤسسات بعدد القرارات أم بنتائجها على الأسعار؟

ــ أين تتسرب القيمة بين باب الإيراد وباب الخدمة؟

ــ لماذا يشعر المواطن أن دخله ينكمش رغم ضخامة الأرقام المعلنة؟

ــ كيف يمكن لاقتصاد غني أن ينتج شعورا عاما بالضيق؟

ــ متى يصبح ملف مكافحة الفساد ملفا اقتصاديا يوميا لا مجرد شعار موسمي؟

الفساد في الفلسفة الاقتصادية ليس فقط جريمة قانونية بل ضريبة خفية يدفعها الجميع.

كل إجراء غير شفاف يرفع الكلفة على المواطن دون أن يراه.

كل صفقة غامضة تترجم لاحقا في فاتورة أعلى أو خدمة أقل.

لذلك يقال: “الفساد لا يسرق الخزينة فقط بل يسرق ثقة الناس في معنى الدولة.وعندما تتآكل الثقة ترتفع كلفة أي إصلاح لأن الشك يصبح هو العملة السائدة.

تقديم الاقتصاد كأولوية في ليبيا لا يعني تأجيل السياسة بل إعادة تعريفها. السياسة الرشيدة هي التي تبدأ من سؤال:

  • كيف نخفّض العبء المعيشي؟
  • كيف نوسع الإنتاج؟
  • كيف نضبط الإنفاق؟
  • كيف نحمي قيمة العملة؟
  • وكيف نجعل المال العام مرئيا للمواطن؟

فالدولة الحديثة لا تدار بالشعارات الكبرى وحدها بل بالمؤشرات الصغرى المتراكمة.

. “ليس أقوى نظام من يربح الجدل بل من يخفض القلق.”

بين هذه الحكمة تقف الحالة الليبية اليوم أمام مفترق فلسفي عملي:

إما أن يصبح الاقتصاد مشروع الدولة الأول أو تبقى الدولة مهددة بالانهيار نتيجة حدوث انفجار اجتماعي واسع أو مشروع نقاش مفتوح بلا نتيجة .

__________

صفحات التواصل الاجتماعي

مقالات مشابهة