صلاح الهوني

الاتهام بالتوطين يجعل أيّ نشاط أممي مشبوهًا بذاته، فيما يصعب على المفوضية الردّ بفعالية في بيئة مؤسسية هشّة يستطيع أيّ طرف فيها توظيف الملف لمصلحته السياسية الخاصة.
حين أحاط محتجون ليبيون، مداخل مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج بسواتر ترابية، وحين اقتحم آخرون مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في جنزور، لم يكونوا يحتجّون على منظمة دولية فحسب.
كانوا يصرخون في مواجهة شعور أعمق: أن وطنهم يُدار عن بعد، وأن قرارات تمسّ هويته الديموغرافية تُتّخذ في أروقة لا يملكون مفاتيحها. هذا الشعور، صائبًا كان أم مُضخَّمًا، يكشف عن أزمة سيادة أخطر بكثير من أي موجة هجرة.
الشرارة كانت وسم “لا للتوطين”، انتشر بسرعة قياسية على منصات التواصل في أواخر أيار/مايو، مصحوبًا بوثائق ومنشورات تتحدث عن ترتيبات دولية لاستقرار دائم للمهاجرين في ليبيا. لم تؤكد أيّ جهة رسمية ليبية هذه المعلومات، ولا أيّ جهة أممية.
غير أن الإنكار وحده لم يكن كافيًا. في غياب سيناريو وطني موثوق ومؤسسات قادرة على الردّ بمصداقية، تملأ الشائعة الفراغ. وهذا بالضبط ما حدث.
لفهم ما جرى في طرابلس، لا بدّ من استيعاب السياق الذي أنتج هذا الخوف. ليبيا دولة لا تملك قانونًا للّجوء حتى اليوم. هذا الغياب القانوني فراغ يُغري بالتأويل: حين لا تحكم الدولةُ الملفَّ، تحكمه الشائعات.
وحين تُصدر مفوضية اللاجئين بطاقات إقامة لأشخاص على الأرض الليبية دون إطار قانوني وطني واضح، يتحوّل الفعل الروتيني إلى مادة دسمة للحديث عن مؤامرة “التوطين”.
تجدر الإشارة إلى أن المخاوف من التغيير الديموغرافي القسري مشروعة في جوهرها: لأيّ شعب الحق في تقرير تركيبته السكانية وهويته الوطنية. لكن الفارق الجوهري بين القلق المشروع وخطاب الكراهية المحرِّض يكمن بالضبط في وجود مؤسسة وطنية قادرة على معالجة هذا الملف بشفافية وسيادة.
والمفارقة أن ما يُغذّي الخوف من فقدان السيادة هو في حد ذاته أثرٌ من آثار غياب السيادة.
كيف وصلت ليبيا إلى هذا المشهد؟ تحوّلت البلاد تدريجيًا، كما يصفها خبراء شؤون المنطقة، من دولة عبور إلى بوابة رئيسية للهجرة غير النظامية نحو أوروبا. الموقع الجغرافي وحده لا يُفسّر ذلك؛ الجغرافيا لم تتغيّر. ما تغيّر هو قدرة الدولة على إدارة ما تملكه من أرض وحدود.
الحدود الجنوبية الليبية، الممتدة على آلاف الكيلومترات مع تشاد ونيجر والسودان والجزائر، ظلّت لعقود من الزمن في عهد القذافي خاضعة لمنطق سلطوي مركزي، سواء أُحبّ ذلك المنطق أم لا.
أما اليوم، فهي مساحة شبه خالية من حضور الدولة، تملأها شبكات تهريب البشر والبضائع والسلاح. وحين سُئل مسؤولون عن إمكانية التحكم بهذه الحدود، كان الجواب دومًا الإشارة إلى الانقسام السياسي وغياب الموارد المشتركة.
هنا يكمن جوهر المعادلة: ليبيا اليوم تعيش ازدواجية مؤسسية حادة بين غرب تحكمه حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وشرق يخضع فعليًا لسلطة المشير حفتر، مع تشابك أمني تزيده ميليشيات متعددة المرجعيات تعقيدًا. لا توجد سياسة هجرة وطنية واحدة. لا يوجد قرار موحّد. ما يوجد هو تنافس على الملف بين قوى تجد في ورقة الهجرة عملةً جيوسياسية نافذة – في الداخل وفي التعامل مع الضغط الأوروبي على حدٍّ سواء.
ثمة وجه آخر للأزمة؛ ليبيا دولة نفطية الثروة، لكن توزيع هذه الثروة بالغ الاختلال؛ البطالة مرتفعة بين الشباب، والخدمات العامة تتآكل، ومؤسسات الدولة تُعاني هشاشة هيكلية متراكمة. في هذا السياق، يُصبح وجود ما يقارب مليون مهاجر – كثيرون منهم في وضع غير نظامي – ضغطًا إضافيًا حقيقيًا على سوق عمل هشّ وخدمات صحية وتعليمية محدودة.
مصادر في وزارة الداخلية الليبية وصفت الأزمة بأنها باتت تُثير مخاوف جدّية من زعزعة التوازن الديموغرافي وإنهاك القدرة الاستيعابية للمؤسسات. هذا ليس خطابًا شعبويًا فارغًا – إنه انعكاس لواقع يشعر به المواطن يوميًا. ومع ذلك، فإن الاستجابة لهذا الواقع تبقى رهينة قدرة الدولة على ترجمة المخاوف إلى سياسات بدلًا من ترك الميدان لحملات التحريض وردود الفعل العاطفية.
لفهم موقف الأمم المتحدة، لا بدّ من فصل المؤسسة عن القصة المروجة عنها. لا يوجد أيّ دليل موثّق على أن المفوضية أو أيّ هيئة أممية تسعى فعليًا إلى “توطين” مهاجرين في ليبيا دون موافقة الدولة الليبية.
مهمة المفوضية المُعلنة هي توثيق أوضاع اللاجئين وتمكينهم من إيجاد حلول دائمة – سواء بالعودة إلى بلدانهم أو بإعادة التوطين في دول ثالثة، ليس في ليبيا. والمنظمة العربية لحقوق الإنسان طالبت من جهتها بحماية المقرات الدولية تجنّبًا للعزلة الدولية.
غير أن هذه الحقيقة تظل رهينة قدرة الدولة الليبية على إيصالها لمواطنيها بمصداقية.
وهنا يتجلى ما وصفه بعض المحللين بـ”حرب السرديات”: الاتهام بالتوطين يجعل أيّ نشاط أممي مشبوهًا بذاته، فيما يصعب على المفوضية الردّ بفعالية في بيئة مؤسسية هشّة يستطيع أيّ طرف فيها توظيف الملف لمصلحته السياسية الخاصة.
ولعل الباحث المتخصص في الشأن الليبي أنس القماطي لخّص المأزق حين لفت إلى أن أوروبا لا تستطيع تجاوز من يملك النفوذ الفعلي على مسارات الهجرة، بصرف النظر عمّن تعترف به رسميًا وهذا التناقض بين الشرعية الرسمية والنفوذ الفعلي هو جوهر الأزمة الليبية بكاملها.
ما جرى في طرابلس يومَ الرابع من حزيران/يونيو لم يكن في جوهره احتجاجًا على المهاجرين أو على الأمم المتحدة. كان تعبيرًا عن سؤال مزمن وملحّ:
- من يمتلك قرار ليبيا؟
- من يُجيب نيابةً عن دولة على تساؤل مواطنيها؟
- من يصوغ سياسة هجرة وطنية تعكس المصلحة الليبية وتحمي الكرامة الإنسانية في آنٍ واحد؟
في غياب الجواب، تتشابك الأسئلة وتتصاعد حدّتها. الانقسام السياسي يجعل أيّ سياسة هجرة وطنية أمرًا شبه مستحيل: فما توافق عليه حكومة طرابلس لا يلزم الشرق، وما يفرضه الشرق لا يُعترف به في الغرب. وفي الفراغ بين السلطتين، تعمل شبكات تهريب البشر بحرية نادرة، وتتراكم أعداد المهاجرين، ويتصاعد الغضب الشعبي الذي لا يجد قناة مؤسسية تستوعبه.
هذا هو الاختبار الحقيقي للسيادة الليبية: ليس في قدرة محتجين على إغلاق مقرّ أممي بأكوام الرمال – هذا في المتناول – بل في قدرة الليبيين على بناء مؤسسة دولة قادرة على إدارة هذا الملف بسيادة وشفافية ومسؤولية. دولة لديها قانون لجوء واضح، ورقابة فعلية على الحدود، وبروتوكول منظّم للتعامل مع وجود مليون نسمة على أراضيها لا يملك أحدهم وضعًا قانونيًا محدّدًا.
الدعوة إلى مقاربة وطنية جماعية – تخرج من مؤسسات الدولة لا من قنوات التحريض الإلكتروني – ليست ترفًا فكريًا. إنها الشرط الوحيد لتحويل الغضب المشروع إلى سياسة مجدية. ليبيا اليوم تقف عند مفترق: إما أن تبني مؤسسات تُدير هذا الملف بسيادة وكفاءة، وإما أن تترك الملف رهينة انقسام يُفيد منه الجميع إلا الليبيين أنفسهم.
حين أُغلقت أبواب مفوضية اللاجئين بالرمال في طرابلس، وجدت الكاميرات مشهدًا لافتًا. لكن المشهد الأعمق – الأكثر إلحاحًا والأقل تصويرًا – هو الفراغ الهائل خلف تلك الأبواب المُغلقة: الفراغ الذي لا يملؤه غضب شعب، ولا يسدّه ساتر من التراب.
____________
