زيد سليم

الإعمار والطاقة
يفتح الاقتصاد بابا آخر لفهم التحول التركي. فمدن الشرق الليبي، وفي مقدمتها بنغازي والبيضاء ودرنة وطبرق، تحتاج إلى مشاريع واسعة في الطرق والمطارات والمستشفيات والبنية التحتية بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام. وفي هذا المجال تمتلك الشركات التركية خبرة طويلة في السوق الليبية، تعود إلى عقود القذافي وتمتد إلى مشاريع متعثرة بعد 2011، ما يجعل عودتها إلى الشرق جزءا من ذاكرة اقتصادية قديمة لا مغامرة طارئة.
قاد صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي المرتبط ببلقاسم حفتر هذا المسار عبر توقيع عقود مع شركات تركية لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، شملت بنى تحتية ومرافق عامة ومستشفيات. كما وقع الصندوق عقودا مع شركة تركية لتطوير أنظمة الملاحة والاتصالات في 7 مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. وتمنح هذه المشاريع تركيا حضورا يوميا داخل مناطق كانت محسوبة لسنوات على خصومها المباشرين، وتخلق شبكة مصالح تربط المقاولين والمسؤولين المحليين والمؤسسات الاقتصادية بأنقرة.
يحمل ملف الطاقة وزنا إضافيا في هذه المقاربة. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن وزير النفط والغاز الليبي خليفة عبد الصادق، خلال مؤتمر طرابلس للطاقة، أن تركيا مؤهلة للعب دور مهم في مناقصات النفط والغاز الأولى منذ 17 عاما، مشيرا إلى تعاون مع شركة البترول التركية لتنفيذ مذكرة تفاهم وقعت في يونيو/حزيران 2025 بشأن المسوحات السيزمية والحفر في مناطق واعدة. وفي فبراير/شباط 2026، كشف وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن بلاده حصلت على حقوق استكشاف في حقلي نفط وغاز ليبيين بنسبة 40%، بالشراكة مع شركة ريبسول الإسبانية، ضمن استراتيجية تركية للتوسع الخارجي في قطاع الطاقة.
بهذا المعنى، لا تنفصل المصالح الاقتصادية عن الحسابات السياسية. فتركيا تعرض على الشرق الليبي حزمة تتجاوز الاتفاق البحري، تشمل شركات البناء وخطوط الطيران والحضور القنصلي والتعاون الأمني وفرص التدريب والتسليح والطاقة. أما معسكر حفتر، فيرى في هذه الحزمة فرصة لجذب استثمارات، وتنويع علاقاته، وتقديم نفسه كسلطة قادرة على إدارة مشاريع كبيرة، لا كقوة عسكرية فقط.
لكن هذا الباب يحمل مخاطر واضحة. فاقتصاد الإعمار في الشرق الليبي يتحرك داخل بيئة محدودة الشفافية، تتداخل فيها شبكات السلطة العائلية والعسكرية مع المال العام، وتضعف فيها الرقابة المؤسسية الموحدة. وإذا ارتبطت المشاريع التركية بمراكز نفوذ عائلية أكثر من ارتباطها بمؤسسات ليبية جامعة، فقد تتحول لاحقا إلى عبء سياسي على صورة تركيا لدى قطاعات ليبية واسعة.
الجيش والسياسة
تدرك تركيا أن ليبيا لا تدار بالدبلوماسية وحدها. فمنذ تدخلها العسكري عام 2020 إلى جانب حكومة الوفاق، بنت أنقرة حضورها عبر التدريب والتسليح والاستشارات والوجود العسكري القانوني المرتبط باتفاقات 2019. واليوم تستخدم الأدوات نفسها للانتقال من دعم طرف واحد إلى محاولة التأثير في بنية عسكرية ليبية أوسع.
حافظت أنقرة على قاعدة تموضعها في الغرب. ففي يوليو/تموز 2025، وقعت وزارة الدفاع التركية مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس اتفاقية تعاون عسكري تشمل التدريب وتبادل الخبرات والدعم اللوجستي بهدف تطوير قدرات الجيش. وفي يناير/كانون الأول 2025، وافق البرلمان التركي على تمديد تفويض وجود القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين ابتداء من يناير/كانون الثاني 2026. وتؤكد هذه الخطوة أن أنقرة لا تستبدل طرابلس ببنغازي، وإنما توسع هامشها الليبي مع تثبيت نقطة ارتكازها القديمة.
في الوقت نفسه، فتحت تركيا قنوات عسكرية مع الشرق. زار وفد عسكري من معسكر حفتر معرض الصناعات الدفاعية في إسطنبول، والتقى مسؤولين في قطاع الدفاع التركي، وتحدثت تقارير عن ترتيبات محتملة تشمل تدريب 1500 عنصر من قوات حفتر وتوفير معدات متطورة. كما أشارت تقارير أخرى إلى تسليم طائرات مسيرة تركية لقوات الشرق في صيف 2025، ضمن تحرك دبلوماسي أوسع يستهدف كسب تأييد أو حياد بنغازي في ملف الاتفاق البحري.
بلغ هذا المسار ذروته الرمزية في مناورات EFES 2026 على ساحل إيجة. شاركت قوات ليبية من الشرق والغرب في التدريبات تحت علم واحد، بواقع 331 جنديا من الشرق و171 من الغرب، ضمن مشاركة ليبية بلغت 502 عنصر. قدمت وزارة الدفاع التركية المناورات بوصفها تعبيرا عن رؤية “ليبيا واحدة وجيش واحد”، وهي صيغة تمنح أنقرة غطاء سياسيا للتعامل العسكري مع الطرفين من دون الظهور كقوة تدعم انقساما جديدا.
تكتسب هذه المحطة أهمية خاصة لأن فكرة جمع الشرق والغرب عسكريا بدأت تظهر أيضا في تدريبات أخرى مثل “فلينتلوك” بقيادة القيادة الأميركية في أفريقيا داخل ليبيا. لكن تركيا تمتلك ميزة مختلفة، فهي قوة لها وجود فعلي في ليبيا، وخبرة تدريب وتسليح، وعلاقات عملياتية مع الغرب، وبدأت في الوقت نفسه بناء قنوات مع الشرق. وإذا تطور هذا المسار، فقد تصبح أنقرة طرفا مؤثرا في أي ترتيبات مستقبلية لتوحيد المؤسسة العسكرية أو ضبط توازناتها.
يبقى الشق العسكري أكثر الملفات حساسية. فالطائرات المسيرة التركية ساهمت سابقا في وقف تقدم حفتر نحو طرابلس، وأي تعاون دفاعي مع معسكره سيحمل دلالة رمزية كبيرة لدى القوى الغربية الليبية. لذلك تحتاج أنقرة إلى توازن دقيق بين تطمين طرابلس، وإقناع بنغازي بجدية الانفتاح، وطمأنة مصر تجاه حدودها الغربية، وتقديم نفسها للغرب بوصفها قادرة على تقليص النفوذ الروسي والمساهمة في الاستقرار، لا تعميق الانقسام.
حسابات حفتر
من زاوية بنغازي، يحمل الانفتاح على تركيا قدرا كبيرا من البراغماتية. فخليفة حفتر، الذي تجاوز الثمانين، يدير مرحلة حساسة من ترتيب النفوذ داخل معسكره. صعود أبنائه صدام وخالد وبلقاسم إلى مواقع عسكرية واقتصادية يعكس اتجاها نحو توريث النفوذ داخل بنية شديدة القوة في الشرق الليبي، تجمع بين السلاح والمال والإدارة المحلية والعلاقات الخارجية.
يمثل صدام حفتر عنصرا مركزيا في هذا التحول. فهو أحد أبرز وجوه الجيل الصاعد داخل معسكر الشرق، وتحركاته الخارجية ولقاءاته في تركيا تعكس محاولة لتسويق قيادة جديدة قادرة على مخاطبة العواصم المؤثرة والتفاوض باسم القوة القائمة في بنغازي. بالنسبة إلى أنقرة، يتيح التعامل معه قناة مباشرة مع مركز قرار صاعد، وفرصة لاختبار حدود التعاون الدفاعي، ومدخلا مبكرا إلى ترتيبات ما بعد حفتر الأب.
تحمل هذه القناة إشكالاتها أيضا. فقد ارتبط اسم صدام حفتر بتشكيلات عسكرية متهمة بانتهاكات واسعة، كما يثير صعود أبناء حفتر مخاوف من تحويل شرق ليبيا إلى نظام عائلي مسلح. غير أن السياسة الخارجية في الساحات المنقسمة كثيرا ما تتحرك بين معيار الشرعية وموازين القوة. ومن هذا الباب تتعامل تركيا مع معسكر حفتر بوصفه واقعا لا يمكن تجاوزه في أي هندسة ليبية مقبلة.
يمنح الانفتاح على تركيا معسكر حفتر أوراقا متعددة. فهو يرسل رسالة إلى مصر والإمارات وروسيا بأنه قادر على تنويع خياراته، ويقول للعواصم الغربية إن بنغازي منفتحة على شريك من حلف الناتو، ويضغط على طرابلس عبر إظهار أن الحليف التركي التاريخي لم يعد محصورا في الغرب. كما يمنحه فرصة لتحسين موقعه في أي تسوية سياسية أو أمنية قادمة، خصوصا مع عودة الاهتمام الأميركي والأوروبي بترتيبات تقاسم السلطة وتوحيد المؤسسات.
روسيا والفراغ
يرتبط التحول التركي أيضا بتغير موقع روسيا في ليبيا. فقد ظلت موسكو لسنوات الداعم الخارجي الأبرز لمعسكر حفتر عبر مجموعة فاغنر ثم “الفيلق الأفريقي”، وعبر حضور عسكري ولوجستي جعل شرق ليبيا قاعدة مهمة لنفوذها في المتوسط والساحل الأفريقي. غير أن الحرب في أوكرانيا منذ 2022 استنزفت جزءا كبيرا من الموارد الروسية، ودفعت موسكو إلى إعادة ترتيب أولوياتها وانتشارها الخارجي.
تضيف التحولات في سوريا بعد سقوط النظام السابق هناك بعدا آخر لأهمية ليبيا في الحسابات الروسية. فموسكو باتت تنظر إلى الشرق الليبي بوصفه منصة عبور نحو أفريقيا والساحل، وورقة ضغط في المتوسط، ومجالا لتعويض ضغوط أو خسائر في ساحات أخرى. لذلك ما زال الحضور الروسي قائما ومؤثرا، حتى مع اتساع حالة عدم اليقين حول قدرته على احتكار نفوذ حفتر كما في السابق.
تفتح هذه الحالة مساحة أمام تركيا. فأنقرة لا تدخل شرق ليبيا لإزاحة روسيا مباشرة، وإنما لتقاسم المساحة معها أو موازنتها أو منعها من احتكار القرار في بنغازي. وهذا النمط مألوف في العلاقة التركية الروسية، حيث يتنافس الطرفان ويتفاهمان في الوقت ذاته، من سوريا إلى القوقاز والبحر الأسود وليبيا. وكلما امتلكت تركيا موطئ قدم داخل مناطق نفوذ روسية تقليدية، ازداد وزنها التفاوضي مع موسكو.
أما معسكر حفتر، فيستفيد من هذا التنافس لتعظيم هامش المناورة. فالعلاقة مع روسيا وفرت له دعما عسكريا مهما، لكنها لا تمنحه وحدها شرعية دولية أو مشاريع إعادة إعمار أو علاقات مريحة مع الغرب. أما تركيا فتقدم له شريكا من الناتو، وصناعة دفاعية صاعدة، واقتصادا مقاولاتيا واسع الخبرة، وعلاقة قائمة مع طرابلس يمكن توظيفها في المساومات الليبية الداخلية.
معادلة المتوسط
لا ينفصل الانفتاح التركي على بنغازي عن تحسن العلاقات بين أنقرة والقاهرة. فقد كانت مصر خلال سنوات الحرب أبرز داعم إقليمي لمعسكر حفتر، ونظرت إلى الوجود العسكري التركي في غرب ليبيا بوصفه تهديدا لأمنها القومي وحدودها الغربية. لكن مسار المصالحة التركية المصرية خفف حدة العداء، وفتح المجال أمام مقاربات أقل تصادمية في ليبيا.
تدرك تركيا أن أي تقارب جدي مع حفتر يحتاج إلى حد أدنى من عدم الاعتراض المصري. وتدرك مصر أن التواصل التركي مع بنغازي قد يكون وسيلة لضبط اندفاعة أنقرة بدل تركها خارج الحسابات، بشرط ألا يتحول إلى وجود عسكري يغير ميزان القوة قرب حدودها. ومن ثم تحاول أنقرة تقديم نفسها كفاعل قابل للتفاهم، لا كقوة اقتحامية كما ظهرت خلال ذروة معركة طرابلس.
أما اليونان، فهي الطرف الأكثر قلقا من أي تغير في موقف الشرق الليبي من مذكرة 2019. إذ بنت أثينا جزءا مهما من اعتراضها على أن الاتفاق التركي الليبي لا يحظى بموافقة مجلس النواب في طبرق. وإذا بدأ هذا المجلس بمراجعة موقفه أو بفتح نقاش فني حول المذكرة، فإن الحجة السياسية اليونانية ستتراجع، حتى مع استمرار الخلاف القانوني. لذلك تحاول اليونان بدورها تنشيط قنواتها مع الشرق والغرب الليبيين، وتستخدم ملفات الهجرة وخفر السواحل والطاقة لترميم موقعها.
حدود الاندفاع
تبدو الاندفاعة التركية نحو شرق ليبيا واسعة في أدواتها، لكنها تتحرك داخل حدود معقدة. فالانقسام الليبي ما زال قائما، وأي تفاهم مع بنغازي يبقى عرضة للاهتزاز إذا تغيرت موازين القوى داخل الشرق، أو انفجر التنافس بين أبناء حفتر وحلفائه، أو تبدلت حسابات القوى الخارجية الداعمة له. كما أن حكومة طرابلس، رغم ضعفها وصراعاتها الداخلية، تظل الحكومة المعترف بها دوليا، وتستند إليها الاتفاقات التي منحت تركيا حضورها القانوني والسياسي والعسكري في ليبيا. لذلك يصعب على أنقرة توسيع علاقتها بالشرق بطريقة تضعف الأساس الذي بنت عليه نفوذها في الغرب.
تفرض البيئة الإقليمية بدورها قيودا واضحة على الحركة التركية. فمصر تنظر إلى شرق ليبيا بوصفه امتدادا مباشرا لأمنها القومي وحدودها الغربية، وستتعامل بحذر مع أي حضور تركي واسع في بنغازي إذا بدا قادرا على تغيير توازن القوة قرب مجالها الحيوي. أما اليونان، فسترى في أي تقارب بين أنقرة وطبرق تهديدا مباشرا لموقفها في شرق المتوسط، خصوصا إذا اقترب مجلس النواب الليبي من مراجعة موقفه من مذكرة 2019 البحرية.
كما يصطدم شعار “ليبيا واحدة وجيش واحد” بواقع عسكري شديد التشظي. فالمؤسسة العسكرية الليبية ليست جسما موحدا ينتظر التدريب، وإنما شبكة واسعة من القوى المحلية والجهوية والقبلية والاقتصادية، تتداخل فيها مراكز التمويل والسلاح والولاءات الخارجية. ومن ثم، فإن جمع عناصر من الشرق والغرب في مناورات داخل تركيا يفتح قناة اتصال عملياتية مهمة، لكنه لا يكفي لصناعة جيش وطني جامع. يحتاج هذا المسار إلى إرادة ليبية أوسع، وتفاهمات دولية أكثر صلابة، وبيئة سياسية تسمح بتحويل التدريب المشترك إلى بناء مؤسسي مستدام.
تتحرك أنقرة فوق هذا الحقل الحساس بمنطق الموازنة. فهي تريد طمأنة طرابلس إلى أن حضورها في الغرب قائم، وإقناع بنغازي بأن الانفتاح عليها جدي، وتهدئة مخاوف القاهرة، والحد من اعتراض أثينا، وتقديم نفسها للغرب بوصفها قوة قادرة على موازنة النفوذ الروسي والمساهمة في ضبط المشهد الليبي. غير أن تعدد الرسائل يزيد صعوبة المهمة، لأن كل خطوة تركية تجاه طرف قد تقرأها الأطراف الأخرى باعتبارها خصما من رصيدها أو تهديدا لموقعها.
_______________
