الحبيب الأسود

الحوار المهيكل ليس مجرد وثيقة جديدة بل محاولة لتصحيح مسار التجارب السابقة بوضع إطار زمني صارم وضمانات رقابية تمنع الانقسام وتفتح الطريق للانتخابات.
قفزة جديدة في الهواء جاءت هذه المرة من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عبر الإعلان عن مخرجات الحوار المهيكل الذي أدارت جلساته وأشرفت عليه في إطار خارطة طريقها لتأمين الحل السياسي.
كل المعطيات المتاحة تكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن حساب الحقل لا يتطابق مع حساب البيدر؛ فالاعتقاد بإمكانية تغيير مسارات الوضع الليبي يبقى وهمًا لدى الناشطين من خارج دائرة التأثير الفعلي في مجريات الأحداث، حيث تتقاطع مصالح الفرقاء الممسكين بخيوط اللعبة، الساعين إلى تحقيق أهدافهم الموضوعية، ومنها عرقلة أي مشروع للحل قد يهدد امتيازاتهم أو يبدد طموحاتهم في الاستمرار بالاستئثار بالسلطة.
رئيسة البعثة الأممية هانا تيتيه قالت: “على الرغم من اختلاف وجهات النظر والأولويات، أثبت الحوار المهيكل أن الحوار البنّاء عبر الانقسامات السياسية والجغرافية والجيلية والمؤسساتية لا يزال ممكنًا إلى حد كبير”، ووعدت بأن “المرحلة المقبلة من العملية السياسية في ليبيا ستظل قائمة على جهود يقودها الليبيون أنفسهم، وستُستخدم للدفع نحو تنفيذ التوصيات والإصلاحات الجوهرية التي بلورها الحوار المهيكل، سواء من قبل المؤسسات القائمة حاليًا أو في المرحلة التي تلي الانتخابات”.
عمليًا، لا شيء يدعم موقف السيدة تيتيه على أرض الواقع، بقدر ما تثبت الانقسامات داخل الحوار ذاته أن الجهود الأممية لا تزال تراوح مكانها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وأن وظيفتها لا تتجاوز إطفاء الحرائق الطارئة من دون الكشف عن أسبابها الحقيقية أو ملاحقة اللاعبين الذين يشعلونها بين براميل النفط.
من الصعب الاعتقاد أن السيدة تيتيه ومساعديها يجهلون الواقع أو يتجاهلونه؛ فليبيا اليوم منقسمة على نفسها وفق ما يخدم مصالح القوى الفاعلة على الأرض، والفرقاء يبدون مرتاحين للمشهد الحالي، خصوصًا بعد التخلص من سيف الإسلام القذافي باغتياله في الثالث من فبراير الماضي.
ما يهمهم هو تكريس سلطة التحالف القائم بين نفوذ الأسرة وقوة السلاح ومصالح اللوبيات، وقد تحقق ذلك بالفعل على الأرض ويجد طريقه نحو التثبيت بتوافق إقليمي ودولي. أما جهود الأمم المتحدة فليست لها آليات تفعيل مؤثرة على خارطة الأوضاع كما شكلتها إرادات المتصارعين ثم قررت اعتمادها في تقاسم المصالح.
إذا كان هناك ما يحتاج إلى قراءة متأنية من قبل البعثة الأممية، فهو الواقع كما فرضته التوازنات الميدانية والاجتماعية وحولته إلى معطى سياسي يصعب اختراقه أو تجاوزه، وإلى حالة مالية واقتصادية مرتبطة بخيارات الإدارتين المسيطرتين على مقاليد الشأن العام في طرابلس وبنغازي.
أما ما عدا ذلك، فهو مجرد إضاعة للوقت وتبرير لصرف المال واستنزاف للقدرات البشرية وتقليص للفرص، لاسيما وأن مخرجات الحوار المهيكل غير ملزمة، وبالتالي فهي مجرد مقترحات تُرفع إلى مجلس الأمن لتضاف إلى أرشيف الأزمة الليبية في المنتظم الأممي.
مخرجات الحوار اقترحت تشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين، على أن تناط بالرئيس مهام القيادة العليا للقوات المسلحة واعتماد الميزانية العامة وتعيين السفراء، بالإضافة إلى التكليف المباشر لوزيري الدفاع والخارجية والإشراف عليهما، بينما يشارك نائباه في إعلان حالة الطوارئ واتخاذ قرار الحرب والسلم.
مبدئيًا يسعى رئيس المجلس الحالي محمد المنفي إلى تتفيه أي مقترح يمكن أن يطيح به من منصبه الذي أصبح بالنسبة إليه غنيمة لا يمكن التفريط فيها. بالنسبة للمنطقة الشرقية التي يتحدر منها المنفي، فإن أبناءها لن يقعوا في الخطأ نفسه مرة أخرى، بعد أن انقلب عليهم وبات يمثل قوة منفصلة عن خارطة التوازنات التي جيء به للمساهمة في تفعيلها.
مختلف التسريبات تشير إلى أن الجانب الأميركي يسير في الاتجاه نفسه، ويقترح إسناد منصب رئيس المجلس الرئاسي إلى الفريق صدام حفتر نائب القائد العام للجيش الليبي، لكن ذلك يصطدم برفض مطلق من القوى الراديكالية في مصراتة وطرابلس التي لا تقبل بدخول صدام في صورة القائد الفاتح إلى العاصمة، ولا بما قد تمثله رمزية ذلك المشهد من تكريس واقع جديد يقلب موازين القوى الحالية ويطيح بحسابات المستفيدين من الوضع الراهن.
المخرجات دعت إلى تشكيل حكومة موحدة مؤقتة تنحصر مهامها في تهيئة البيئة الأمنية والسياسية لإجراء الانتخابات، مع التأكيد على عدم تمديد ولايتها أو توسيع صلاحياتها خارج الإطار المحدد لها.
هذه الدعوة تتكرر منذ سنوات ولا تجد آذانًا صاغية. بالنسبة للفريق الممسك بمقاليد الحكم في غرب البلاد وعلى رأسه إبراهيم الدبيبة ووالده الحاج علي وخاله عبد الحميد ومدير العمليات الخاصة وليد اللافي، فإنها مجرد نكتة لا تستحق الرد.
بالنسبة إليهم، تسليم السلطة غير وارد، وهم يملكون توافقًا على ذلك مع القوى الفاعلة في بقية مناطق البلاد، ويجيدون التفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية، ويمتلكون موهبة اللعب على التناقضات وإعطاء كل طرف ما يحتاج إليه من ضمانات لتأمين مصالحه.
أما الوضع في بنغازي فقد تشكّل وفق توازنات قبلية واجتماعية وميدانية على أساس نظام حكم الأسرة، في محاولة للعودة بالبلاد إلى إرهاصات ظهور الكيان الليبي بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، وذلك مع إعلان إدريس السنوسي إمارة برقة مستقلة بدستور مستقل في 1 مارس 1949 بدعم من المملكة المتحدة.
الثابت أن خليفة حفتر لم يعلن استقلال مناطق نفوذه التي تتجاوز 80% من مساحة البلاد، ولن يفعل ذلك، لكنه يطمح إلى ما هو أهم: بسط سيطرته على كامل الجغرافيا الليبية، سواء باتفاق سياسي شامل، أو بتنسيق مع القوى الأمنية والعسكرية في الغرب، أو بضوء أخضر إقليمي ودولي لتحقيق ذلك بقوة السلاح.
أوصت المخرجات بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ووضع آليات تضمن استقلاليتها وحمايتها من التجاذبات السياسية، إلى جانب التوافق على قاعدة دستورية واضحة تسبق الاستحقاق الانتخابي، مع طرح خيار “الاستفتاء التحكيمي” كأداة لتمكين الليبيين من حسم القضايا الدستورية العالقة.
هذه التوصيات لن تخرج بليبيا من مربع الخلافات حول المسارين الدستوري والانتخابي، وهي خلافات مرتبطة بالصراع السياسي الذي لا يمكن فصله عن الوضع الأمني والعسكري.
وإذا كانت تلك التوصيات قد كشفت عن حقيقة لا تقبل الجدل، فقد كشفت أيضًا عن عبثية القرارات الصادرة عن مجلسي النواب والدولة، اللذين سبق أن أعلنا انتخاب رئيس وأعضاء جدد للمفوضية دون تفعيل لذلك، باعتبار أن القرار الحقيقي يتجاوزهما، وهو ملك للقوى التي تفرض وصايتها من خلف الستار على القرار الليبي.
أن تكون مخرجات الحوار المهيكل قفزة جديدة في الهواء، فلأن ملامح الوضع النهائي في ليبيا بدأت تتشكل وفق رغبة من يرفع السلاح ويضع يده على الثروة، ومن قرأ تاريخ البلاد ويعمل بقوة على تجاوز نقاط ضعف النظامين الملكي و”الجماهيري”، حتى لا ينقلب عليه كما حدث للملك إدريس أو يُطاح به بتدخل خارجي كما حصل مع القذافي.
____________
