Author - manara

الدفع الأمريكي الجديد للسلام في ليبيا يدور حول النفط

دان فورد و جورجيا ويب

يسعى مبعوث ترامب، مساد بولس، إلى تحقيق حلٍّ على غرار حل سليمانلا يقدم سوى مكاسب ضئيلة لمواطني البلاد.

كرّس مساد بولس — مبعوث ترامب إلى أفريقيا والشرق الأوسط، وهو أيضًا والد زوجة ابنة ترامب، تيفاني — جزءًا كبيرًا من عمله الدبلوماسي في الأشهر الأخيرة لليبيا، حيث جاب البلاد ذهابًا وإيابًا للقاء أعضاء الحكومتين المتنافستين في ليبيا في محاولة للتوصل إلى ترتيب لتقاسم السلطة بينهما.

علنًا، قدّم فريق ترامب هذا الجهد الدبلوماسي باعتباره محاولة نبيلة لإحلال السلام المستدام والديمقراطية في البلاد من خلال تشكيل حكومة موحدة يمكنها وضع حد لـ 15 عامًا من عنف الجماعات المسلحة والانقسامات السياسية الحزبية.

لكن يبدو أن المصالح الحقيقية لإدارة ترامب في ليبيا لا تتعلق بالسلام من أجل الاستقرار الإقليمي بقدر ما تتعلق بتأمين ترتيب مقابل فيه تحصل الشركات الأمريكية على وصول تفضيلي إلى ثروة البلاد النفطية الهائلة.

قالت كلوديا غازيني، المحللة البارزة لشؤون ليبيا في مجموعة الأزمات الدولية، لموقع “ريسبونزيبل ستيتكرافت” إن “النفط كان دائمًا مصلحة رئيسية في توجيه السياسة الأمريكية في ليبيا” في ظل كل من إدارة ترامب وإدارة بايدن.

لكن اهتمام ترامب بليبيا يتجاوز النفط، وفقًا لغازيني: “هناك أيضًا طموح أكثر إلحاحًا [لترامب] لتأمين صفقة وأن يُنظر إليه على أنه منتصر — بعد أن أحضر السلام إلى صراع آخر”.

في الواقع، يتباهى ترامب بقائمة طويلة من الحروب التي يدعي أنه أنهىها، على الرغم من أن عددًا منها قد استؤنف بعد اتفاق سلام أولي. من بين هذه الصراعات: جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، ومصر وإثيوبيا، وصربيا وكوسوفو، وإسرائيل وحماس.

إن ثروة ليبيا النفطية استثنائية بالفعل. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في القارة، وهي حقيقة حفزت العديد من شركات الطاقة الأمريكية على السعي للحصول على وصول — بما في ذلك شيفرون، وكونوكو فيليبس، وهاليبرتون، وكلها زادت من استثماراتها النفطية في ليبيا خلال العام الماضي.

في غضون ذلك، رفعت إكسون موبيل تعليق عملياتها الذي دام عقدًا من الزمان هناك في أغسطس الماضي، عندما وقّعت مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط الليبية المملوكة للدولة لإجراء دراسات لتحديد موارد الهيدروكربونات البحرية.

إن منح الشركات الأمريكية وصولًا تفضيليًا إلى السوق يمكن أن يقلل من تكاليف تشغيلها في ليبيا، مما يجعلها أكثر قدرة على المنافسة في سوق نفط متقلب.

في الواقع، أصبح الوصول إلى نفط جديد نقطة تركيز مهمة لإدارة ترامب حيث أصبحت مخاطر الاعتماد العالمي المفرط على نقاط اختناق نقل النفط واضحة خلال الحرب التي بدأها مع إيران.

نتيجة لهذا الصراع، انخفض حركة النفط عبر مضيق هرمز المحاصر إلى مجرد قطرة. والآن أصبح النقل عبر طرق البحر الأحمر موضع تساؤل أيضًا. على الرغم من أن الولايات المتحدة تنتج الكثير من نفطها الخام، فإن أسعار النفط تستجيب لظروف السوق العالمية، لذا فإن الحرب الحالية في الخليج كان لها تأثير كبير على أسعار النفط في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة.

لذلك، في نظر الحكومة الأمريكية، فإن تنويع صناعة النفط العالمية بعيدًا عن نقاط الاختناق هذه يمكن أن يقلل من تكلفة الاختناقات العالمية المستقبلية الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط. يساعد الوصول إلى النفط الليبي في هذا المسعى.

يأتي العمل الدبلوماسي لبولس بعد قرابة خمسة عشر عامًا من عدم الاستقرار في ليبيا. بعد الغزو الجوي الذي قادته الولايات المتحدة وحلف الناتو للبلاد في عام 2011، والذي أطاح بالزعيم الليبي الطويل الأمد معمر القذافي وأدى إلى مقتله، ظلت ليبيا في فراغ سلطوي دون حكومة مركزية. تنقسم البلاد بين فصيلين رئيسيين: حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة، التي يديرها عائلة الدبيبة ومقرها مدينة طرابلس الشمالية، وقوات ليبيا العربية المسلحة التابعة لعائلة حفتر، التي تسيطر على شرق البلاد وتدير عملياتها من بنغازي.

تحدد الجريمة والفساد الحياة اليومية في ليبيا، حيث سمحت حكومتها الكليبتوقراطية لمن هم في القمة بالإثراء بينما يعاني معظم الليبيين في محاولة لفك قيود الفقر الثقيلة عن أنفسهم.

على الرغم من أن تفاصيل المفاوضات لم تُنشر بعد، تشير التقارير إلى أن فريق ترامب يسعى لتأمين صفقة يتقاسم فيها كل طرف الوظائف الحكومية — مع تولي عائلة الدبيبة الرئاسة وعائلة حفتر تولي رئاسة الوزراء — مما يضمن استمرار قبضة كل طرف على السلطة إلى أجل غير مسمى. هذا يثير التساؤل حول مدى تحسن حياة الليبيين العاديين بشكل جوهري إذا كان اتفاق تقاسم السلطة المتفق عليه يدعم ببساطة قادة فاسدين.

خطة ترامب — السلام مقابل الوصول التفضيلي إلى الموارد — هي امتداد لنفس النهج المستخدم في أماكن أخرى من القارة.

في أوائل العام الماضي، أعطى بولس أولوية لإبرام صفقة لإنهاء الحرب بالوكالة المستمرة منذ عقود بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا — وهي حرب تغذيها جماعات مسلحة تتنافس للسيطرة على الأراضي في شرق البلاد. في يونيو من العام الماضي، وقّع البلدان اتفاقًا لإنهاء الأعمال العدائية، وفي ديسمبر تم توقيع اتفاق يمنح الشركات الأمريكية وصولًا تفضيليًا إلى الثروة المعدنية الهائلة في الكونغو. لكن على الرغم من صفقة ترامب، استؤنف النزاع، ولا يزال العدوان المسلح يهدد الاستقرار الإقليمي.

بعد أيام من اتفاق السلام في الكونغو في يونيو 2025، بدأ بولس في تطبيق نفس نهج الموارد مقابل السلام في ليبيا.

في بيان، قال مسؤول من وزارة الخارجية الأمريكية: “تؤيد الولايات المتحدة الجهود الليبية لتوحيد بلادهم، وتحقيق سلام دائم، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية… الجهود الأمريكية الداعمة لليبيا كانت حذرة وتدريجية، مما أسفر عن تقدم كبير منذ يوليو 2025”.

كان من علامات هذا التقدم ما حدث في أبريل، عندما نجحت الولايات المتحدة، إلى جانب عدة دول أخرى، في التفاوض على ميزانية موحدة بين الحكومتين المتنافستين في ليبيا — وهو حل وسط روجت له الولايات المتحدة باعتباره أول ميزانية شاملة للبلاد منذ أكثر من عقد. لكن، في مثال على التحديات التي تعترض مفاوضات السلام، لم يتم تنفيذ الميزانية حتى الآن.

وفقًا لغازيني، فإن الافتراض ذاته بأن هذه الميزانية كانت شاملة، كما تدعي الولايات المتحدة، موضع شك. قالت: “مع انعدام الشفافية وهذه الصفقات السرية خلف الأبواب المغلقة، ليس من المستغرب أن لا يتم التنفيذ. علينا أن نتساءل منذ البداية عن مدى وجود صفقة حقيقية فعلية في المقام الأول”.

تعتقد غازيني أن الميزانية المتفق عليها ركزت على الأرجح حصريًا على التنمية الوطنية، بينما لم تنجح عناصر ميزانية أخرى في المفاوضات، وتوقفت بسبب الخلاف حول قضايا مثل مكان مقر السلطة التنفيذية للحكومة الجديدة وكيفية قيادة الجيش في المستقبل.

سوف يواجه تحقيق السلام الموحد في ليبيا عددًا كبيرًا من التحديات. من بين نقاط الخلاف التي سيتعين على بولس محاولة حلها مستقبل الجيش في البلاد.

تقول غازيني إن جزءًا من صعوبة إيجاد اتفاق على هذه الجبهة يعود إلى حقيقة أن “أحد ركائز الفكر العسكري لحفتر على مر هذه السنوات هو أن القيادة العسكرية لا ينبغي أن تُخفف ولا تُقسم بين شخصيات متعددة”، مما يجعل من الصعب تصور كيف يمكن تحقيق ترتيب مستدام لتقاسم السلطة.

ولكن حتى إذا تم إيجاد أرضية مشتركة، فإن السؤال الكبير الذي يواجه عملية الوساطة الأمريكية هو ما إذا كان الشعب الليبي سيستفيد فعلاً من صفقة تبدو أنها تعطي الأولوية لاستمرار حكم المسؤولين الحكوميين الفاسدين مقابل وصول أمريكي إلى النفط، بدلاً من إعادة تفكير جذرية في العلاقة بين الحكومة وشعبها. في هذه النقطة، تبدو غازيني متشككة.

قالت: “بالنسبة لي، يبدو أن هذا النهج سيخدم بالتأكيد مصالح من هم في السلطة، من خلال السماح لهم بتمديد فترة بقائهم في الحكم … ومواصلة ممارستهم في الوصول إلى الأموال العامة إن لم يكن اختلاسها. لكن من الصعب رؤية كيف ستحسّن هذه الترتيبات حياة الليبيين العاديين”.

***

دان م. فورد هو باحث مبتدئ في برنامج الجنوب العالمي بمعهد كوينسي. سبق له أن عمل كمساعد بحث واتصالات في منتدى الأمن المشترك بين الوكالات في واشنطن العاصمة.

جورجيا لين ويب هي متدربة في برنامج الجنوب العالمي بمعهد كوينسي. وهي في عامها الأخير من درجة البكالوريوس في جامعة لويس في روما، إيطاليا، وتدرس السياسة والفلسفة والاقتصاد.

_________________

ليبيا: أزمة كهرباء أم أزمة شرعية؟

محمد الصالحين الهوني

العصيان المدني يعكس انهيار الثقة بين المجتمع والدولة ويؤكد أن الليبيين يطالبون بشرعية قائمة على الإنجاز والمحاسبة لا على التفاهمات المؤقتة.

لم يعد ما يجري في ليبيا مجرد احتجاجات غاضبة على انقطاع التيار الكهربائي، تتكرر مع كل صيف ترتفع فيه درجات الحرارة وتنخفض فيه قدرة الشبكة الكهربائية على تلبية الطلب المتزايد.

ما تشهده عدّة مدن ليبية، من دعوات إلى العصيان المدني وإغلاق للمؤسسات العامة وتعطيل للحياة الاقتصادية، يشي بأن البلاد تجاوزت مرحلة الاحتجاج على خدمة متعثرة إلى مرحلة التشكيك في شرعية منظومة سياسية كاملة عجزت، على امتداد أكثر من عقد، عن تحويل الثروة النفطية إلى استقرار، والسلطة إلى مسؤولية، والدولة إلى مؤسسة قادرة على خدمة مواطنيها.

لقد كانت الكهرباء الشرارة، لكنها لم تكن النار كلها. فالليبي الذي خرج إلى الشارع لم يخرج لأنه قضى ليلة بلا إنارة فقط، بل لأنه أمضى سنوات طويلة يسمع الوعود نفسها، ويرى الحكومات تتبدل، والمجالس تتنازع، والاتفاقات السياسية تُوقّع ثم تُنسى، بينما بقيت حياته اليومية رهينة الأعطال والانقطاعات والأزمات المتكررة.

ولهذا فإن الاحتجاجات الأخيرة تحمل رسالة أبعد من ملف الكهرباء، مفادها أن المشكلة لم تعد في إدارة قطاع بعينه، بل في إدارة الدولة نفسها.

الكهرباء في أي بلد قد تتعرض لأزمات تقنية أو ظروف طارئة، لكن استمرار الأزمة في ليبيا رغم الإمكانات المالية الضخمة يجعلها مرآة تعكس اختلالًا أعمق في منظومة الحكم. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، وأنفقت خلال السنوات الماضية مليارات الدنانير على قطاع الكهرباء، ومع ذلك ما زال المواطن يعيش تحت رحمة برنامج طرح الأحمال، وكأن الأزمة قدر لا يمكن تجاوزه.

وهنا يصبح التساؤل مشروعًا:

  • كيف يمكن لدولة تملك هذه الموارد أن تعجز عن توفير خدمة أساسية لمواطنيها؟
  • وهل تكمن المشكلة في نقص الإمكانات، أم في غياب الإدارة الرشيدة، وضعف الرقابة، وتداخل المصالح، واستمرار الفساد دون مساءلة؟

إن الكهرباء لم تعد قضية فنية يناقشها المهندسون وحدهم، بل أصبحت مؤشرًا سياسيًا يقيس مدى قدرة السلطة على أداء أبسط وظائفها.

ومن هنا يمكن فهم التحول اللافت في طبيعة الاحتجاجات. ففي السابق كانت المطالب تقتصر على إصلاح محطة، أو توفير الوقود، أو تغيير مسؤول محلي. أما اليوم، فإن الشعارات باتت تطالب برحيل الحكومات ومحاسبة المسؤولين وإعادة النظر في كامل المنظومة السياسية. لقد انتقل الغضب من مستوى الخدمات إلى مستوى الشرعية.

ويكتسب الحديث عن العصيان المدني دلالة خاصة في هذا السياق. فهذا الشكل من الاحتجاج لا يهدف فقط إلى التعبير عن الرفض، بل يسعى إلى سحب الاعتراف العملي بقدرة السلطة على إدارة الشأن العام.

إنه إعلان عن أن العلاقة بين الدولة والمجتمع دخلت مرحلة جديدة، حيث لم يعد الشارع يكتفي برفع المطالب، بل يحاول فرض معادلة سياسية مختلفة.

التحول لا يقتصر على منطقة دون أخرى. فالمزاج الشعبي في الشرق والغرب والجنوب بات يتقاطع حول شعور متزايد بأن الأزمة الليبية لم تعد مرتبطة بأسماء الحكومات بقدر ما ترتبط بطبيعة النظام السياسي الانتقالي الذي طال أمده، وتحول من مرحلة مؤقتة إلى واقع دائم تستفيد منه شبكات المصالح أكثر مما يستفيد منه المواطن.

الليبيون لم يعودوا يطالبون فقط بتغيير المسؤول، بل بتغيير قواعد إدارة الدولة نفسها، وبناء سلطة تستمد شرعيتها من الإنجاز والمحاسبة، لا من التفاهمات السياسية المؤقتة أو موازين القوى العسكرية.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن أزمة الثقة التي تراكمت خلال السنوات الماضية. فقد أدت قضايا الفساد، وتأجيل الانتخابات، واستمرار الانقسام المؤسسي، وتراجع الخدمات، إلى تعميق الفجوة بين المواطن والدولة.

ومع كل وعد لم يتحقق، وكل موعد انتخابي أُجّل، وكل أزمة خدمية تكررت، تراجعت الثقة أكثر، حتى أصبحت السلطة بالنسبة إلى كثير من الليبيين جزءًا من المشكلة، لا أداة لحلها.

والأخطر من ذلك أن غياب المساءلة رسخ لدى الرأي العام شعورًا بأن الفشل لا يترتب عليه ثمن سياسي. فمن أخفق في إدارة ملف يعود إلى إدارة ملف آخر، ومن لم ينجز وعوده يقدم وعودًا جديدة.

ومن هنا فإن العصيان المدني لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد احتجاج على أزمة آنية، بل باعتباره تعبيرًا عن انهيار تدريجي لعقد الثقة بين المجتمع والسلطة.

لكن في المقابل، ينبغي الحذر من أن يتحول الغضب الشعبي إلى فوضى جديدة تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من حلها. فليبيا لا تحتاج إلى انهيار إضافي في مؤسساتها، بقدر ما تحتاج إلى إعادة بناء هذه المؤسسات على أسس مختلفة، تقوم على الشفافية والمحاسبة وتداول السلطة واحترام القانون.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد استبدال حكومة بأخرى، ولا نقل الأزمة من مدينة إلى أخرى، بل إطلاق مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن؛ مشروع يجعل السلطة خاضعة للرقابة، والمال العام محميًا، والخدمات حقًا للمواطن لا منّة من المسؤول، والانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية لا حدثًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.

كما أن الحديث عن سلطة سياسية موحدة يجب ألا يتحول إلى شعار مجرد. فالتوحيد، في حد ذاته، ليس قيمة إذا كان سيجمع تحت سقف واحد الممارسات القديمة نفسها.

السلطة الموحدة التي تحتاجها ليبيا هي سلطة محددة الصلاحيات، واضحة المهام، خاضعة للمساءلة، ومؤقتة بما يكفي لتهيئة الطريق نحو انتخابات حرة تعيد القرار إلى الشعب.

لقد أثبتت التجربة أن الانقسام لا يصنع دولة، لكن التجربة أثبتت أيضًا أن الوحدة الشكلية، إذا قامت على تقاسم النفوذ بدلًا من بناء المؤسسات، لن تنتج إلا نسخة جديدة من الأزمة.

لهذا فإن السؤال الذي تطرحه الاحتجاجات اليوم ليس: من يدير قطاع الكهرباء؟ بل: من يدير ليبيا، وبأي شرعية، ولأي غاية؟ وهو سؤال لا تستطيع أي حكومة تجاوزه بالبيانات أو الوعود، لأن الشارع بات يبحث عن أفعال لا عن خطابات.

إن ليبيا اليوم لا تحتاج فقط إلى كهرباء مستقرة، بل إلى شرعية مستقرة أيضًا. ولا تحتاج فقط إلى حكومة موحدة، بل إلى دولة قادرة على محاسبة حكامها قبل أن يحاسبهم الشارع.

فالدول لا تستمد قوتها من عدد مؤسساتها، بل من ثقة مواطنيها فيها. وحين تصبح هذه الثقة مهددة، فإن أزمة الكهرباء تتحول إلى أزمة وجود سياسي، ويصبح إصلاح الشبكة الكهربائية أقل صعوبة من إصلاح شبكة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

_______________

إعادة ضبط ليبيا: لماذا تتجه الولايات المتحدة وتركيا نحو التعاون


محمد راغب أوغلو

على الرغم من اختلاف أولويات الولايات المتحدة وتركيا في ليبيا، إلا أن القوتين الفاعلتين تجدان أرضية مشتركة من أجل بلد أكثر استقراراً.

عندما وصلت موجة الانتفاضات العربية التي اجتاحت تونس ومصر وسوريا أخيراً إلى ليبيا، انتهى حكم القذافي الذي دام أربعة عقود. وقد أوفى التدخل الذي قاده حلف الناتو عام 2011 بهذا الوعد، فأطاح بالنظام، لكنه لم يُخلِّف في مكانه ما يشبه دولة قائمة بوظائفها.

وما تلا ذلك كان فراغاً حدَّد ملامح ليبيا منذ ذلك الحين. فلمدة 15 عاماً، ظلَّ البلد منقسماً بين حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس، بقيادة عبد الحميد الدبيبة، وبين الجيش الوطني الليبي بقيادة عائلة حفتر في الشرق.

عندما تدخَّلت تركيا عسكرياً في الأزمة الليبية، توقف هجوم خليفة حفتر على طرابلس، وأرسى هذا التدخل توازناً عسكرياً هشاً منذ ذلك الحين. غير أن الصورة تبدَّلت هذا العام بشكل ملحوظ. ففي أبريل/نيسان، وقَّع الأطراف المتصارعة مشتركاً أول ميزانية موحَّدة لليبيا منذ 13 عاماً.

ثم، في 18 يونيو/حزيران، برز اتفاق ثلاثي لتقاسم السلطة، تمت الوساطة فيه ليس عبر مسار الأمم المتحدة، بل مباشرة من واشنطن. وتُثير هذه التطورات ثلاثة أسئلة مترابطة:

ما الذي يحرِّك التحول في السياسة الأميركية تجاه ليبيا؟

وإلى أي مدى يعود ذلك إلى تداعيات الحرب مع إيران؟

وأين تقف تركيا فعلياً في هذه الصورة المتطوِّرة؟

حسابات واشنطن النفطية

يقع النفط في صميم السياسة الأميركية تجاه ليبيا، وإن كان لا يفسرها بالكامل. فالخطة التي يُنفِّذها مسعود بولس، كبير المستشارين لشؤون العرب والشرق الأوسط، وبالتزامن مستشار كبير لشؤون أفريقيا، تهدف إلى جمع الفصائل المتناحرة في البلاد تحت مظلة حكم واحدة، وذلك لسبب مباشر: فالحكومة المعترف بها دولياً موجودة في طرابلس، بينما تبقى حقول النفط ومحطات التصدير الأكثر أهمية تحت سيطرة حفتر.

وبدون اتفاق بين الطرفين، لا يمكن تحقيق استثمارات واسعة النطاق ولا استقرار دائم على نحو واقعي.

وما يُبنى إذن هو أقلَّ ما يكون مشروعاً ديمقراطياً على النمط الذي تستحضره واشنطن عادةً، وأكثر ما يكون صيغة لتقاسم السلطة بين عائلتَي الدبيبة وحفتر. علناً، يُقدَّم المشروع على أنه جامع؛ لكن عملياً، كانت الأولوية هي إقناع العائلتين بتقاسم السلطة التنفيذية رسمياً.

وهذا ما يفسر لماذا، حتى مع طرح جدول زمني للانتخابات في فبراير/شباط 2027، فإن جوهر الاتفاق يقوم على أمر أضيق: مجلس رئاسي جديد تحت قيادة صدام حفتر، يقترن بحكومة بقيادة الدبيبة، مع تقسيم القيادة العسكرية على أسس عائلية وجغرافية بدلاً من دمجها في مؤسسات موحَّدة.

سعت واشنطن لتحقيق هذا الهدف عبر ثلاثة مسارات بالتزامن. دبلوماسياً، بلغت عملية بدأت بلقاء سري في روما سبتمبر/أيلول الماضي ذروتها في اتفاق يونيو/حزيران. اقتصادياً، وقَّعت شركات الطاقة الأميركية والأوروبية عقود استكشاف وتطوير بمليارات الدولارات، وأبرزها اتفاق “واحة” البالغ 20 مليار دولار ولمدة 25 عاماً مع شركتي “توتال إنرجي” و”كونوكو فيليبس”.

عسكرياً، جمعت مناورات “فلينتلوك 2026” في سرت قوات من الشرق والغرب تحت قيادة موحَّدة للمرة الأولى، كإشارة رمزية إلى حد كبير.

غير أن الزخم السياسي وحده لم يجعل ليبيا جاذبة للاستثمار. فمؤسسة النفط الوطنية لا تزال دون ميزانية معتمدة، وتعرَّض الدينار لتخفيضات متكررة، وتهريب الوقود استنزف مليارات الدولارات في عام واحد، وتواصل البنية التحتية تدهورها.

نية واشنطن واضحة، لكن الأرض التي تبني عليها لا تزال غير مستقرة، وهذا بالضبط ما يخاطر بتجميد الاتفاق عند مستوى صفقة نخبوية بدلاً من أن ينضج إلى إصلاح مؤسسي حقيقي.

وقد كان المنتقدون الليبيون صريحين في هذا الشأن: إذ يرون أن المبادرة بُنيت حول شخصيات لا مؤسسات، وأن لا جماعات النساء ولا المجتمع المدني كان ممثَّلاً على طاولة روما.

عدم استقرار سوق النفط

لا يمكن فصل توقيت تجدُّد الاهتمام الأميركي بليبيا عن الحرب مع إيران. فقد أشعل الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أزمة خطيرة حول مضيق هرمز، ذلك الممر الذي تمرُّ منه خمس الإمدادات النفطية العالمية.

وارتفعت الأسعار فوق 115 دولاراً للبرميل، واضطرت واشنطن إلى الإفراج عن نحو 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، ضمن تخفيض منسَّق مع أعضاء وكالة الطاقة الدولية، مما دفع الاحتياطيات إلى أدنى مستوياتها منذ أوائل الثمانينيات.

على هذه الخلفية، أصبحت ليبيا جاذبة على وجه التحديد لأنها تقدِّم بديلاً لا يعتمد على هرمز: قربها من أوروبا، وخامها الخفيف الحلو الذي يناسب مصافي التكرير الأوروبية بشكل خاص.

وكما لاحظ المحللون مراراً، فإن معوق البلاد هو الحوكمة لا الجيولوجيا. فمع الاستقرار السياسي، يمكن أن يرتفع الإنتاج إلى ما يزيد كثيراً عن مليوني برميل يومياً، مما يوفِّر وسادة ضد المزيد من الاضطرابات في الخليج.

وتعمل حرب إيران، بهذا المعنى، كمسرِّع ومبرر علني لاهتمام سابق للصراع، مع أنه لا ينبغي المبالغة في حدوده. فالإنتاج الليبي لا يمكنه وحده إعادة تشكيل العرض العالمي بشكل حاسم؛ بل أثره الحقيقي يتم عبر توقعات السوق والثقة وليس عبر الحجم الخام.

رؤية تركيا الإقليمية

ترتكز مصلحة تركيا في ليبيا على منطق مختلف جوهرياً عن منطق واشنطن. فبالنسبة لأنقرة، لم تكن الأولوية النفط أبداً، بل استقرار ليبيا، والحفاظ على سلامتها الإقليمية، وتحقيق المطالب الشعبية، وفي مقدمتها الانتخابات الحرة والتمثيل الشرعي. وهذا التمايز يتضح أكثر عند مقارنته بمسار العقد الماضي في ملف ليبيا.

في عام 2019، بينما كان حفتر يحاصر طرابلس ويهدد باجتياح الحكومة المعترف بها دولياً، وقَّعت تركيا اتفاقية تعاون عسكري ومذكرة ترسيم حدود بحرية مع حكومة الوحدة الوطنية، ثم تدخَّلت لإيقاف تقدمه في 2020.

وهذا التدخُّل لم يقتصر على إنقاذ طرابلس، بل أربك أيضاً النظام الجيوسياسي الذي كانت اليونان وفرنسا وغيرهما تحيكه في شرق المتوسط، حيث أن الاتفاق البحري التركي الليبي أبطل فعلياً أساسه القانوني والعملي.

وفي الفترة نفسها تقريباً، دعمت تركيا المطالب الثورية للشعب السوري، ومن خلال عملياتها العبر حدودية، فكَّكت محاولات حزب العمال الكردستاني لترسيخ هيكل شبه دولة في شمال سوريا، والتي بلغت ذروتها بسقوط نظام الأسد. كما أثَّرت أنقرة على الميزان الإقليمي في القوقاز من خلال دعمها لأذربيجان، ولعبت دوراً فاعلاً في كسر الحصار المفروض على قطر.

وبشكل إجمالي، حوَّلت هذه التحركات ملف ليبيا من مسرح كانت تركيا تعمل فيه في مواجهة ظروف غير مواتية، إلى مسرح أصبحت فيه الفاعل الحاسم على الأرض.

والنتيجة بالنسبة لواشنطن واضحة: لا يمكن تحقيق تسوية دائمة في ليبيا دون الأخذ في الاعتبار التوازن العسكري والسياسي الذي بنته تركيا فعلياً. ويبدو أن هذا الإدراك هو ما يدعم التحول الذي يتبلور في مسار بولس، والذي ليس محاولة لتهميش أنقرة، بل جهداً للعمل إلى جانبها.

اللقاء الأخير بين رئيس المخابرات التركي إبراهيم كالين واللواء صدام حفتر في بنغازي، ومشاركة وزير الخارجية هاكان فيدان في اجتماع القاهرة إلى جانب بولس، وزيارة البحرية التركية إلى بنغازي، وأول مناورات مشتركة تضم قوات من شطري ليبيا، كلها تشير إلى نتيجة واحدة: هذه ليست مؤشرات على تنافس، بل على فاعلين يعملون بشكل متزايد وفق النص نفسه.

التعاون الأميركي التركي في ليبيا

ما يستحق تأكيداً خاصاً هو أن واشنطن وأنقرة لا تديران مشروعين متعارضين في ليبيا. بل يبدو أن الولايات المتحدة توصلت، بعد أكثر من عقد من السياسات الهادفة إلى احتواء النفوذ التركي في المنطقة، إلى أن الاستراتيجية لم تُسفر عن النتائج التي كانت توعد بها، وأن ملف ليبيا لا يمكن ببساطة إدارته دون أنقرة. وهذا الإدراك يشير إلى أن التقارب الذي بدأ بشأن سوريا يجد تعبيراً موازياً له في ليبيا.

أولوية تركيا تبقى الاستقرار والسلامة الإقليمية وليس الهيدروكربونات؛ بينما تبقى أولوية واشنطن أمن الطاقة وشروط الاستثمار. لكن هذه لم تعد تعمل كأهداف متعارضة؛ بل أصبحت متكاملة. فليبيا المستقرة تخدم العاصمتين معاً، ويبدو أن واشنطن قبلت بأن تركيا هي الفاعل الأكثر تأهيلاً على الأرض للمساعدة في تحقيق ذلك.

المقارنة مع سوريا مفيدة. ففي كلتا الحالتين، تجد واشنطن نفسها مضطرَّة للتكيف مع تركيا القادرة على تشكيل النتائج بشكل مستقل، والتي فاجأت مراراً محاولات احتوائها. وما إذا كان هذا يترجم إلى شراكة ملموسة في ليبيا سيتوقف على كيفية سير مفاوضات حفتر والدبيبة، وما إذا كانت تركيا قادرة على أداء دورها في هذه العملية دون المساس بالأولويات التي حددت سياستها الليبية منذ البداية: الاستقرار، والوحدة، وتحقيق المطالب الشعبية المشروعة.

أما الآن، فإن ما يمكن ملاحظته هو تحوُّل من المواجهة إلى تفاهم عملي بين فاعلين يسعيان لأولويات مختلفة لكنهما يتقاربان، في الوقت الحالي، نحو الهدف نفسه: ليبيا مستقرة. ويبقى هذا المثال هو الاختبار الأوضح لما يمكن لهذا النموذج الناشئ من التعاون أن يقدِّمه فعلياً.

***

محمد راغب أوغلو – محاضر في جامعة ماردين آرتوقلو، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ومدير الدراسات التركية في مركز مخا.

_________________

في الدور العكسي للمجلس الرئاسي الليبي

خيري عمر

أثارت قرارات رئيس المجلس الرئاسي في ليبيا، محمّد المنفي، في 28 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) بإجراء تغييرات في جهاز المخابرات العامّة، نقاشاً لم يقتصر على النزاع بين مؤسّسات الدولة حول الصلاحيات القانونية، بل امتدّ إلى موقع الجهاز الأمني من الصراع السياسي. فلم تقتصر تداعيات انفراد محمّد المنفي على النزاع القانوني، بقدر ما أثارت الجدل حول انعكاسه على تماسك المؤسّسات الليبية، ومساهمة المجلس الرئاسي في توحيد السياسة الليبية.

فمن الوجهة القانونية، استند المنفي في تغيير قيادة المخابرات إلى صلاحيته في الانفراد بالتوقيع على وثائق المجلس الرئاسي. وعلى هذه المرجعية، أصدر ثلاثة قرارات: 8 و9 و15 بإقالة مدير المخابرات حسين العايب وتعيين عبد المجيد مليقطة بديلاً منه، وتعيين عبد الشفيع بوزلاعة نائباً للرئيس، على الترتيب. وفي استخدامه هذه الصلاحية، تجنّب المنفي القيود الواردة على العزل والتعيين في قيادة المخابرات والجيش، إذ ربطتها المادة الثانية من خريطة الطريق بتحقّق شروط ورد بعضها في “الاتفاق السياسي”، أهمها إجماع المجلس، ورقابة مجلس النواب، وموافقة رئيس حكومة الوحدة الوطنية. ولذلك، واجهت القرارات العقبة الأساسية في اعتراض عضو المجلس موسى الكوني على إخلال المنفي بشرط أن يكون التوقيع على القرارات انعكاساً لمحضر الاجتماع.

صراع الصلاحيات داخل المجلس الرئاسي

على خلفية هذه الثغرة القانونية، انحصر النزاع داخل المجلس بين روايتَين؛ ففيما رأى المنفي أن الغياب لا يعطّل تحقّق الإجماع، انشغل الكوني، في بيان 28 يونيو، بإثبات حضوره الجلسة من دون التوصّل إلى قرار بتسمية شخص لرئاسة جهاز المخابرات. وفي هذا السياق، تبدو حجّة المنفي بسيطة للغاية، فهي تخالف القواعد المتعارف عليها في تعريف الإجماع التي تتلاقى كلّها في شرط صحّة الانعقاد بكامل الأعضاء، ولذلك لم تصمد أمام إثبات الكوني الإخلال بالقانون أمام الرأي العام.

وبغضّ النظر عن ضعف رواية محمّد المنفي، يمكن قراءة محاولة الانفراد بتغيير قادة الجيش والمخابرات في سياق سعي الفواعل الليبية إلى توسيع النفوذ وإثبات الجدارة بممارسة الصلاحيات. فعلى مستوى رئيس المجلس الرئاسي، بدت توجّهات واضحة في تثبيت رئاسته للمجلس الأعلى للقوّات المسلّحة، واستكمال هيئاته العسكرية، وتمييز اختصاصاته عن حكومة الوحدة الوطنية. وهنا، يمكن الإشارة إلى سعي “الرئاسي” إلى تحسين مكانته عبر سياستَين، تتمثّل الأولى في السيطرة على جهاز المخابرات للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من القوة في غرب ليبيا، ولذلك يمكن تصوير قرارات المنفي صراعاً داخل حكومة الوحدة الوطنية، ومحاولة استباقية لأيّ مبادرة لإعادة تقسيم السلطة على حساب المجلس الرئاسي. أمّا الثانية، فتتمثّل في محاولة تخفيف هيمنة حكومة الوحدة الوطنية، وهي توجّهات زادت وضوحاً بعد أزمة المصرف المركزي عام 2024، إذ شهدت المرحلة اللاحقة تباعداً في المواقف السياسية، ظهرت ملامحه في حدة التنافس على تجنيد المجموعات المسلّحة وترسيمها هيئات عسكرية، لتكون أساس الاشتباكات في بعض المدن الغربية.

وإلى جانب القيود القانونية، لم تكن البيئة السياسية مواتيةً لاستقبال قرارات محمّد المنفي. فقد توزّعت المواقف ما بين التجاهل والاعتراض العلني. وبينما سكتت “القيادة العامة” وحكومة الوحدة عن التعليق الصريح، ارتكزت انتقادات المؤسّسات الرسمية الأخرى على أهمية حياد المؤسّسات الأمنية وانتفاء الصلاحية القانونية. فمن جهته، ركّز بيان منسوب إلى جهاز المخابرات، في 29 يونيو 2026، على الحفاظ على طابعه البيروقراطي وتجنيبه تداعيات الصراع السياسي. فيما رأى رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، أنّ “تغيير رؤساء الأجهزة الأمنية… مناكفات سياسية”، وهو تعبير ذو دلالة على تهافت الأساس القانوني، والرغبة في توظيف الاستقطاب لتعطيل المسار السياسي.

وفي محاولة لتجنّب الأيديولوجيا الدينية، ركّز المفتي الصادق الغرياني، في 2 يوليو/ تمّوز الجاري، على الشروط الموضوعية في إسناد الوظائف الأمنية، عندما أشار إلى أهمية التدرّج المهني أساساً للدراية بمهام حماية الدولة والحفاظ على المؤسّسية. وهنا، اعتبر أنّ استمرار تعيين المدنيين في جهاز المخابرات، منذ 2011، لا يعكس نقصاً في المهنية، بقدر ما يوفّر أسباب تفكّك النظام الأمني وسهولة الاختراق الخارجي.

في جانب من التحليل، يرجع رفض “مجموعات فبراير” إلى ميراث أحداث السنوات الأولى لسقوط معمّر القذافي، إذ بدت الخلافات واضحة في تصنيف “مليقطة” ضمن مكوّنات “الثورة المضادة”، لتأسيسه كتيبة “الصواعق”، ودخولها في معارك ضدّ المجموعات المسلّحة للسيطرة على المؤتمر الوطني العام، ليبلغ الصراع ذروته باندلاع حرب أهلية في طرابلس في مايو/ أيار 2014، ترتّب عليها انشطار المؤسّسات الليبية بين مشروع كرامة ليبيا وسلسلة محاولات لتثبيت مكانة ممثّلي فبراير من الإسلاميين، بدأت تحت شعار “فجر ليبيا”، وانتهت مجموعات تحت مظلّة حكومة الوحدة الوطنية.

وكما تتّسع المعارضة الرسمية، فإنّ “الرئاسي” لا يلقى، على المستوى المجتمعي، تأييداً يُعتدّ به مقارنةً بالجهات التنفيذية ومجلس النواب، إذ تنشغل التكوينات الاجتماعية بدعم خيارات توحيد السلطة والمؤسّسات. وفي واحدة من الحالات، زاوج انتقاد المجلس الأعلى لقبائل الصيعان، في 29 يونيو 2026، بين الخلل القانوني في التعيينات وتهميش المجموعة السكّانية، باستبعاد ممثّلها من شغل منصب سيادي.

ومع تصاعد الانتقادات، لم يستطع المنفي مجاراة القوى السياسية المنافسة أو فرض أمر واقع في مواجهتها. فمع رفض مجلس النواب واتساع الاعتراض القانوني والسياسي، فقدت التعيينات الزخم والمشروعية الداخلية والخارجية، اللازمين لإبقاء “الرئاسي” كياناً فاعلاً في السياسة الليبية.

ضعف المجلس الرئاسي ومخاطر تفكك الدولة

لا يبدو هذا الضعف حالةً عابرة، فعلى مدى السنوات الماضية ظهرت آثار الضعف النسبي في دخول المجلس في نزاع غير متكافئ مع مجلس النواب والجهات التنفيذية الأخرى، انتهى إلى تعطيل كلّ ما يصدر عنه أو منع تنفيذه، ليتراجع دوره في السياسة الليبية. فعلى الرغم من إصداره العديد من القرارات، لم يتمكّن من وضعها موضع التنفيذ. وهنا، يمكن الإشارة إلى عجزه عن انتزاع صلاحياته، وهذا ما ينطبق على قرارات هيكلية، كان أهمّها المرسوم رقم 3/2025 بشأن المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام الوطني، والقرار 11/2025 الخاصّ بتشكيل مستشارية المصالحة الوطنية المؤسّسية. وينطبق أيضاً على قرار إنشاء “الهيئة العليا للرئاسات” في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، التي نشأت مظلّةً مشتركةً ما بين مجلس الدولة والمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة. فهي لم تصمد أمام الصراع على العاصمة أو مدن المنطقة الغربية، كما ظلّت خاليةً من مشاركة مجلس النواب أو ممثّلي الحكم في بنغازي، لتبقى ناقصةَ الشروط القانونية اللازمة لاكتمال المؤسّسية.

وعلى مستوى مكانته الخارجية، شغل المجلس اهتماماً ثانوياً في سياسة الجوار الإقليمي. فبينما تجري أحداث الصراع على جهاز المخابرات، انشغلت مصر وتركيا بالتواصل، على مستويَي وزارة الخارجية والمخابرات، مع القادة العسكريين والأمنيين الليبيين في كلّ من طرابلس وبنغازي، بالإضافة إلى توسيع مظلّة التنسيق مع السعودية ومستشار الرئيس ترامب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، ما يمثّل إطاراً محتملاً للتحوّل عن السلطة الاسمية لـ”الرئاسي” نحو تقاسم السلطة الواقعية ما بين سلطة خليفة حفتر الفعلية وعائلة الدبيبة، بصورة قد تؤدّي إلى اهتزاز الاعتراف الدولي بدور المجلس الرئاسي، وخصوصاً مع انحسار نفوذه وتصاعد تأثير مبادرات البدائل من جانبَي مبادرة بولس ووصاية البعثة الأممية على تصرّفات الجهات الليبية.

من بين معايير كثيرة، تقدّم القوة التصويتية تفسيراً لمحدودية نفوذ المجلس الرئاسي. ويعكس تصويت الجولة الأولى للجنة الحوار السياسي بجنيف، في فبراير/شباط 2021، مؤشّراً حقيقيًا للإمكانات الذاتية لكلّ من أعضاء المجلس. فكما حصلوا مجتمعين على ثمانية أصوات من إجمالي 74 صوتاً، وبحسب حصّة المناطق، توزّعت على عبد اللافي ومحمّد المنفي وموسى الكوني بواقع صوت واحد، وخمسة أصوات، وصوتَين، بالترتيب، لتعكس عوز المجلس الرئاسي إلى القوّة الذاتية، وأنّه أكثر ارتباطًا بدوائر نفوذ عائلة الدبيبة، وأكثر اعتماداً على الاعتراف الدولي بصورة تفقده التأثير في المكوّنات الأخرى: القيادة العامة أو مجلس النواب. فرغم حصوله على تأييد بعض المليشيات، يعوزه الظهير الاجتماعي والولاءات في المؤسّسات العامة.

في ظل هذه البنية الضعيفة، لا تبدو مسيرة “الرئاسي” مشجّعة على التفاؤل بالتحوّل المؤسّسي، بقدر ما تساهم في ارتهان الأمن القومي للصراع السياسي، وتشتّت مفهوم حماية المصالح الخارجية وتأمين الحدود. وهو وضع مرشّح للتفاقم في ظلّ تسبّب الخلافات في حرمان ليبيا من الكتلة السياسية الحرجة، وانتشار الوعي الجزئي على المستويين المجتمعي والمؤسّسي على حساب طموحات الوحدة.

فمع استمرار الصراع على الجيش والمصرف المركزي، يمهد النزاع على جهاز المخابرات الطريق لاستكمال تمزّق الدولة، فهو يمثل الحلقة الأخيرة في الحماية ضدّ المخاطر الخارجية. فمن وجهة أساسية، يعزز النزاع الإدراك الجزئي لكلّ من مصالح الدولة ومصادر التهديد، فيتأثّر تشكيل العقيدة الأمنية بالتطلّعات السياسية لشاغلي المواقع القيادية، بشكل يخرج المؤسسة الأمنية تدريجياً عن الدور البيروقراطي، ليتحوّل دورها من عامل ترجيح لدوائر النفوذ إلى سبب للتهديد. وهنا، تشكّل محاولات فرض التعيينات الجديدة عاملاً إضافياً لدعم تقسيم الدولة، ليس لانحسار تأثيرها في بعض مناطق نفوذ المجلس الرئاسي من دون تلك الواقعة تحت نفوذ حكومة الوحدة أو تحت سيطرة خليفة حفتر فقط، ولكنّها تعمل في تمزيق المؤسّسة الأمنية وإهدار قوّة الدولة.

خاتمة

بشكل عام، لا تقتصر عوامل ضعف المجلس الرئاسي على عيوب تأسيسه، بل تشمل وقوعه المستمرّ ضمن دوائر نفوذ مجلس الوزراء، وعجزه عن تحسين بنيته المؤسّسية. ومع الأخذ في الاعتبار حالة السلطات المقسّمة، يمكن القول إنّ سياسات “الرئاسي” لم تكن في اتجاه دعم مهام “المرحلة التمهيدية” من خريطة الطريق لعام 2021، بل كانت أكثر ميلاً إلى الانخراط في التنافس أو الصراع الدائر في البلاد، بشكل أضعف الثقة فيه بوصفه جهةً محايدةً ومؤثّرةً في توجيه السياسة الليبية. فقد أمضى أكثر حياته في محاولات لانتزاع صلاحياته في إدارة الجيش، ليظلّ الحلقة الضعيفة على مستويين؛ الداخل، حيث تتّمتع القوى المنافسة بسلطة الأمر الواقع، والخارج، حيث يعجز عن توظيف الاعتراف الدولي في تعزيز مكانته بوصفه طرفاً ليبياً موثوقاً به دولياً.

_________________

خارطات الطرق السياسية في ليبيا: أي طريق نحو الأمام؟

أنس القماطي

تقدم نشرة ميدل إيست الإخبارية رؤىً معمّقة حول أبرز التطوّرات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تجمع بين الآراء الفريدة والتوقّعات الموثوقة للسيناريوهات المستقبلية. نسلّط اليوم الضوء على آخر المستجدات في المسار السياسي الليبي.

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، أظهرت ليبيا مؤشرات قد تُنبئ بإنهاء الجمود السياسي القائم منذ عام 2021. ففي 18 يونيو، اتّفق كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي على وثيقة مبادئ وخارطة طريق لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية موحّدة بحلول 17 فبراير 2027.

وقد لاقى الاقتراح ترحيباً من جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي، لكن ينبغي توخّي الحذر. فبينما قد تمثّل خارطة الطريق خطوة رمزية في الاتجاه الصحيح، لم يثبت الأطراف التزامهم بها بعد، خاصة مع بروز مبادرات مختلفة لحلّ الجمود.

والأهم من ذلك، أن القوات المسلحة العربية الليبية بقيادة خليفة حفتر، التي تسيطر فعلياً على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، لم تُصدّق على الاتفاق، بل أيّدت الخطة التي قدّمها المستشار الأمريكي الكبير للشؤون العربية والإفريقية، مسعود بولس.

تركّز هذه المبادرة – التي تمّ الكشف عنها خلال الأشهر الماضية عبر معلومات متفرّقة من السيد بولس ومسؤولين آخرين – على إضفاء شرعية فعلية على الوضع القائم، من خلال تقريب وجهات النظر بين الفاعلين المتنافسين الرئيسيين بوسائل اقتصادية تحفيزية، بهدف توحيد الحكومة والمؤسسات والميزانية الوطنية والجيش، واستكمال جهود الأمم المتحدة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

ووفقاً لمصادر مطلعة، فإنها ستبقي أيضاً على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للوزراء، وترفع نائب قائد القوات المسلحة العربية الليبية، صدام حفتر، إلى منصب الرئاسة، رغم أن ملامح الحكومة الموحّدة المتوخّاة لا تزال غير واضحة.

ومن بين الإنجازات الرئيسية غير المسبوقة منذ بداية المرحلة الانتقالية: الإعلان عن ميزانية موحّدة في أبريل من قبل مصرف ليبيا المركزي بعد ثلاثة عشر عاماً؛ والمشاركة المشتركة للقوات المسلحة العربية الليبية وحكومة الوحدة الوطنية في مناورة “فلينتلوك” التي نظّمتها القيادة الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم) في أبريل.

غير أنه نظراً لإشراك العملية بشكل مباشر لصدام حفتر (نجل خليفة) ومستشار الأمن الوطني لحكومة الوحدة الوطنية إبراهيم الدبيبة (ابن شقيق رئيس الوزراء)، فقد قوبل هذا النهج “الأعمال أولاً” بمعارضة، باعتباره يُعطي أولوية للاستقرار قصير المدى والصفقات، ويعزّز نفوذ النخب القائمة، بدلاً من دفع الإصلاحات الهيكلية والتمثيل الديمقراطي الحقيقي.

وتظل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مهمّشة بشكل متزايد، خاصة مع بقاء خارطة الطريق السياسية الصادرة عن الأمم المتحدة في أغسطس 2025 – القائمة على قوانين انتخابية سليمة ومؤسسات موحّدة وحوار هيكلي على المستوى الوطني – غير محقّقة إلى حد كبير.

في غضون ذلك، يزيد تنامي حالة انعدام الثقة العامة والمؤسسية، المرتبطة باتهامات التجاوز السياسي وتعزيز توطين المهاجرين في البلاد، من إضعاف دور الأمم المتحدة كوسيط.

وفي خضم التنافس بين المسار العملي الذي ترعاه الولايات المتحدة وخارطة الطريق الإجرائية التي تقودها الأمم المتحدة، لا تزال العملية السياسية الليبية هشّة وغير مؤكدة. كما اجتمعت مؤخراً قوى إقليمية مثل مصر والسعودية وتركيا في القاهرة لبحث الملف الليبي، ممّا يشير إلى تنسيق إقليمي متزايد حول القضية بالتزامن مع الجهود الأمريكية. ورغم أن السبيل إلى الأمام يكمن في التوافق المشترك والحوار والتمثيل، فإن التزام الأطراف بهذه المبادرات يثير الآمال – والتساؤلات في آن واحد.

الخروج من المستنقع الليبي يجب أن يأتي من داخل البلاد

“على الجانب المشرق، يعكس الإعلان عن اتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لإجراء انتخابات في مطلع العام المقبل استعداداً من الفاعلين المحليين لاتخاذ موقف استباقي في ظل وضع متطوّر بعد سنوات من الجمود، ومحاولة تحمّل مسؤولية عملية توحيد البلاد.

بالتزامن تقريباً مع الإعلان عن الاتفاق، صرّحت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، حنا تيتيه، أمام مجلس الأمن: ‘الاتجاه معروف والأدوات متوفّرة. المطلوب الآن هو الإرادة السياسية للتنفيذ’.

إن الخروج من المستنقع الليبي – الذي استغله العديد من الجهات الخارجية لمصالحها الخاصة – لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال موقف داخلي بالكامل، ليبي خالص. لكن من منظور سلبي، قد تكون هذه الخطوة غير المتوقّعة محاولة من أهم المؤسسات المحلية للاحتفاظ بالسيطرة على البلاد، وتقسيمها فيما بينها، وإدامة الديناميكيات الفاسدة القائمة على المحسوبية التي هيمنت حتى الآن.”

خطة بولس لن تحلّ أيّاً من مشاكل ليبيا حتى لو نجحت

“إن الوساطة الأمريكية الجارية تتخلّى عن عقد من العمليات التي قادتها الأمم المتحدة والقائمة على المؤسسات والأطر القانونية والمشاركة الشاملة – وهي عمليات فشلت إلى حد كبير ولا تقدّم حالياً أي حلّ. وبدلاً من ذلك، يقترح مسعود بولس صفقة تقاسم سلطة بين عائلتين حاكمتين: الحفتر والدبيبة.

وهذا لن يحلّ أيّاً من مشاكل ليبيا حتى لو نجح: فإذا كانت المشكلة الأكثر حدة هي النهب غير المقيد للثروة الوطنية بينما ليبيا منقسمة، فإن نهب أموال الدولة سيصل إلى مستويات قياسية إذا عزّزت العائلتان نفوذهما بشكل أكبر.

والأهم من ذلك، أن مثل هذه الصفقة ستمهد لوضع ينتظر فيه كل طرف اللحظة المناسبة للانقلاب على الآخر واحتكار السلطة. أما احتمال الفشل فليس أفضل: فصدام حفتر، الذي يأمل أن يجعله بولس رئيساً، سيبحث عن طرق أخرى لتحقيق حلمه إذا فشلت الخطة.”

قطاع الطاقة الليبي لم يكن بهذا الوعد منذ عقود

“يبدو أن قطاع الطاقة في ليبيا في وضع أفضل مما كان عليه منذ عقود. فقد سلّط إغلاق مضيق هرمز الضوء على مزايا منتج متوسطي قريب من الأسواق الأوروبية ومحصّن من الاضطرابات التي تطرأ على طرق التصدير في الخليج.

ومن شأن إقرار ميزانية الدولة الموحّدة أن يخفّف بعض الخلافات التمويلية التي عطّلت القطاع بشكل دوري، في حين تشير نجاحات التنقيب الأخيرة وتجدد اهتمام شركات النفط الدولية إلى تنامي الثقة في إمكانياته في مجال الاستكشاف.

ورغم أن ليبيا تستهدف أن تمثّل الطاقات المتجددة 22% من مزيج الطاقة بحلول 2035، فإن الاستراتيجية تركّز على دعم تطوير النفط والغاز، مع تصميم مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتغذية حقول النفط وتحرير الهيدروكربونات للتصدير.

كما أن الربط الكهربائي المقترح مع إيطاليا واليونان ومالطا قد يعزّز دور ليبيا في سوق الطاقة الأوروبية.”

لم تعد القوى الإقليمية تتنافس على ليبيا – بل تتنسق بشأنها

“تخبرنا محادثات القاهرة أن القوى الإقليمية لم تعد تتنافس على ليبيا، بل تتنسق بشأنها. فتركيا ومصر والسعودية تتقارب ليس حول رؤية للبلاد، بل حول مصلحة مشتركة في تقليل تعرّضها، وتسويق الاستقرار، وإدارة مسألة الخلافة التي أثارها تقدّم عمر خليفة حفتر.

والنتيجة المرجّحة، بوساطة بولس، هي رفع صدام حفتر إلى منصب الرئيس مع الإبقاء على الدبيبة رئيساً للوزراء، مع اعتبار الميزانية الموحّدة والمناورات المشتركة بمثابة السقالة السياسية المزعومة، لكنها ليست سوى واجهة.

هذا ليس انتقالاً سياسياً. إنه تسوية نخبوية منسّقة خارجياً تعزّز السلطة السلالية على الجانبين وتؤجّل الموافقة السياسية الليبية إلى أجل غير مسمّى. النمط مألوف، لكن التغليف جديد.”

***
أنس القماطي، المؤسس والمدير العام، معهد الصادق

____________

المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)

شركاء الأزمات: عندما تصبح الفوضى مصلحة مشتركة

صلاح الهوني

مفهوم “الشرعية المؤقتة” أحد أهم منتجات الأزمة الليبية فبدل أن تكون المؤسسات جسرًا نحو الدولة تحولت في كثير من الأحيان إلى غاية بحد ذاتها.

ليست كل الحروب تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، وليست كل الأزمات تستمر لأنها استعصت على الحل. فبعض الأزمات، بعد سنوات من اندلاعها، تكف عن أن تكون مجرد صراع بين طرفين، وتتحول إلى نظام قائم بذاته، له اقتصاد، وله مؤسسات، وله مستفيدون، بل وله شركاء لا يربطهم مشروع سياسي واحد، لكنهم يجتمعون على حقيقة واحدة: أن السلام سيضر بمصالحهم أكثر مما تنفعهم الحرب.

لهذا ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية في ليبيا هو: من بدأ الأزمة؟ بل: من يستفيد من استمرارها؟

إنها زاوية مختلفة لفهم السياسة، لأن كثيرًا من التحليلات التقليدية تنظر إلى الأزمات باعتبارها نتيجة خلافات سياسية أو صراعات أيديولوجية أو تنافس جيوسياسي، بينما تتجاهل أن هذه الأزمات، مع مرور الزمن، تنتج طبقة كاملة من المستفيدين الذين تتحول حياتهم ونفوذهم وثرواتهم إلى رهينة لاستمرار الفوضى.

يمكن تسمية هؤلاء بـ”شركاء الأزمات”.

إذا كانت الأزمات في الأدبيات السياسية تُعرَّف عادة بأنها لحظات استثنائية تعطل عمل الدولة وتدفعها إلى البحث عن حلول عاجلة، فإن التجربة الليبية تكشف مسارًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا. فمنذ عام 2011 لم تعد الأزمة مجرد مرحلة انتقالية تنتظر نهايتها، بل تحولت تدريجيًا إلى نظام سياسي واقتصادي واجتماعي قائم بذاته، تتكيف معه المؤسسات، وتعيد القوى المحلية والإقليمية والدولية ترتيب مصالحها على أساس استمراره لا إنهائه. ومن هنا تبرز الفكرة الأكثر خطورة: لم تعد ليبيا تعاني من أزمة فقط، بل من شبكة واسعة من “شركاء الأزمة” الذين تختلف أجنداتهم، لكنهم يتفقون عمليًا على أن استمرار الوضع الراهن أكثر فائدة لهم من الوصول إلى تسوية نهائية.

هذا لا يعني بالضرورة وجود مؤامرة واحدة أو غرفة عمليات تدير المشهد، بل يعني أن الأزمة نفسها أصبحت تنتج مصالح متشابكة تجعل إنهاءها مكلفًا بالنسبة لكثير من اللاعبين. فكلما طال أمد الانقسام، ظهرت مراكز قوة جديدة، وتشكلت شبكات اقتصادية موازية، ورسخت نخب سياسية وأمنية وجودها باعتبارها المستفيد الأول من غياب الدولة الموحدة.

لقد شهدت ليبيا خلال أكثر من عقد محاولات متكررة لتوحيد المؤسسات وإطلاق مسارات سياسية، من اتفاق الصخيرات إلى ملتقى الحوار السياسي، ومن مؤتمر برلين إلى المبادرات الأممية المتعاقبة، إلا أن معظم هذه المبادرات اصطدم بالحقيقة نفسها: هناك أطراف ترى في الحل نهاية لمكاسب راكمتها خلال سنوات الفوضى. ولهذا كثيرًا ما كانت الاتفاقات تُوقَّع في العلن، بينما يجري تعطيل تنفيذها على الأرض بالخفاء.

في قلب هذه المعادلة يقف الانقسام السياسي باعتباره المورد الأكثر ربحًا لبعض القوى. فوجود حكومات متنافسة، ومؤسسات منقسمة، ومراكز قرار متعددة، لا يمثل فقط مشكلة إدارية، بل يخلق بيئة تسمح بإعادة توزيع النفوذ والموارد بصورة مستمرة. وكل سلطة مؤقتة تجد في استمرار المرحلة الانتقالية فرصة لإطالة بقائها، لأن إنهاء المرحلة يعني بالضرورة إعادة توزيع السلطة عبر انتخابات أو مؤسسات شرعية جديدة قد لا تضمن استمرارها.

ومن هنا يصبح مفهوم “الشرعية المؤقتة” أحد أهم منتجات الأزمة الليبية. فبدل أن تكون المؤسسات الانتقالية جسرًا نحو الدولة، تحولت في كثير من الأحيان إلى غاية بحد ذاتها، تدافع عن استمرار وجودها أكثر مما تدافع عن استكمال مهمتها الأصلية. وهكذا تصبح الأزمة مصدرًا للشرعية، لا سببًا لإنهائها.

لكن الشركاء لا يقتصرون على الفاعلين السياسيين. فالفراغ الأمني الذي رافق الانقسام أوجد اقتصادًا كاملًا خارج مؤسسات الدولة. فشبكات تهريب الوقود، والاتجار بالبشر، وتهريب السلع، والاقتصاد النقدي الموازي، كلها أنشطة لا تزدهر إلا عندما تضعف الدولة وتغيب الرقابة. ولذلك فإن استعادة مؤسسات الدولة لسلطتها تعني بالنسبة لهذه الشبكات نهاية نموذج اقتصادي حقق لها أرباحًا هائلة طوال سنوات الفوضى.

إن الاقتصاد الموازي في ليبيا لم يعد مجرد نشاط هامشي، بل أصبح أحد أكبر المستفيدين من استمرار الانقسام. فكل منفذ حدودي خارج السيطرة الكاملة للدولة، وكل طريق صحراوي مفتوح، وكل مؤسسة رقابية ضعيفة، يمثل فرصة جديدة لتحقيق أرباح لا يمكن تحقيقها في ظل دولة قوية تطبق القانون. ولذلك فإن مكافحة هذه الظواهر ليست مجرد قضية أمنية، بل هي أيضًا معركة مع مصالح اقتصادية ضخمة تشكلت خلال سنوات الأزمة.

ولا يمكن فهم المشهد الليبي دون النظر إلى البعد الخارجي. فليبيا تقع في موقع جغرافي يجعلها جزءًا من معادلات أمن البحر المتوسط، والهجرة غير النظامية، وأسواق الطاقة، والتنافس الدولي على النفوذ في شمال إفريقيا. ولهذا لم تعد الأزمة الليبية شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات إقليمية ودولية معقدة.

فبعض القوى الخارجية تنظر إلى ليبيا باعتبارها ورقة تفاوض في ملفات أكبر، بينما ترى فيها قوى أخرى مجالًا لتعزيز نفوذها الاقتصادي أو الأمني أو العسكري. وقد تختلف هذه الأطراف في رؤيتها للحل، لكنها تتفق ضمنيًا على حماية مصالحها أولًا، حتى وإن جاء ذلك على حساب سرعة الوصول إلى تسوية وطنية شاملة.

ولهذا السبب، كثيرًا ما بدا أن المبادرات الدولية تتحرك بإيقاع أبطأ من تطورات الميدان، وأن لغة البيانات السياسية لا تنعكس دائمًا في ممارسات الفاعلين الإقليميين. فكل قوة تتحدث عن الاستقرار، لكنها تفسر الاستقرار وفق مصالحها الخاصة، لا وفق ما يحتاجه الليبيون.

وما يزيد الصورة تعقيدًا أن استمرار الأزمة خلق جيلًا كاملًا لم يعرف دولة مستقرة بالمعنى التقليدي. فالشباب الذين ولدوا أو نشأوا خلال سنوات الانقسام أصبحوا يتعاملون مع الحكومات المتعددة، والانقطاعات المتكررة للخدمات، والأزمات الاقتصادية، بوصفها جزءًا من الحياة اليومية، لا استثناءً مؤقتًا. وهذه إحدى أخطر نتائج الأزمات الطويلة؛ إذ لا تقتصر آثارها على السياسة، بل تمتد إلى الثقافة العامة، وإلى علاقة المواطن بالدولة، وإلى مستوى توقعاته من المستقبل.

إن ليبيا اليوم تقدم نموذجًا واضحًا لفكرة أن الأزمة قد تتحول إلى صناعة قائمة بذاتها، وأن أخطر ما في الأزمات الطويلة ليس استمرارها فقط، بل قدرتها على إنتاج مستفيدين جدد يدافعون عنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تأخر الحل؟ بل أصبح: كيف يمكن تفكيك شبكة المصالح التي جعلت استمرار الأزمة أكثر ربحًا من إنهائها؟

وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فإعادة بناء الدولة لا تبدأ فقط بكتابة اتفاق سياسي جديد، بل تبدأ بتقليص العوائد السياسية والاقتصادية التي يجنيها شركاء الأزمة من استمرار الانقسام. فكلما أصبحت كلفة السلام أقل من أرباح الفوضى، اقتربت ليبيا من الاستقرار الحقيقي. أما إذا بقيت الأزمة مصدرًا للنفوذ والثروة والشرعية المؤقتة، فإن كل مبادرة جديدة ستواجه المصير نفسه: توقيع على الورق، وتعثر في الميدان، وأزمة تتجدد بأسماء مختلفة بينما تبقى بنيتها العميقة على حالها.

__________

لماذا لن تنجح الخطط الأمريكية لتقاسم السلطة في ليبيا

تيم إيتون

تكشف التحقيقات الليبية في مكافحة الفساد حدود الدفع الأمريكي لتوحيد البلاد دون تحسين الحوكمة.

في الأسابيع الأخيرة، كثف مسعود بولوس — المستشار الأول للرئيس ترامب لشؤون العرب وأفريقيا — جهوده لكسر الجمود السياسي في ليبيا. فالبلاد منقسمة بين إدارتين متنافستين: حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس — والتي تسيطر عليها عائلة الدبيبة — وحكومة الاستقرار الوطني في بنغازي، المتحالفة مع القوات المسلحة العربية الليبية بقيادة خليفة حفتر.

تهدف الخطة الأمريكية إلى جمع حفتر والدبيبة مع الأطراف الرئيسية الأخرى وتشكيل حكومة موحدة.

في يونيو/حزيران، سافر نائب قائد الجيش الوطني الليبي، صدام حفتر، إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بينما يسعى بولوس للحصول على موافقة عائلة حفتر على تقاسم السلطة. ولم تسافر عائلة الدبيبة إلى واشنطن، لكن بولوس لا يزال يأمل في إقناعها بدعم الاتفاق.

بالنسبة لمعارضي الصفقة — وهم كثيرون — يبدو الأمر وكأنه عودة للحكم العائلي ووسيلة لإضفاء الشرعية على العائلتين المتنافستين. كما يبدو أنه تكرار لما سبق بالنسبة للمواطنين الليبيين العاديين، حيث يركز الاتفاق على تقاسم السلطة بين النخب بدلاً من كيفية تقديم الدولة لخدماتها للمواطنين.

تقارير تكشف حجم الفساد في ليبيا

تسلط تقريران حديثان صادران عن تحالف تشكل بين ديوان المحاسبة الليبي والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الضوء على التكلفة التي يتحملها المواطنون الليبيون نتيجة التعايش بين حفتر والدبيبة والمصالح الخاصة للسياسيين والمجموعات المسلحة.

وقد حظيت هذه المبادرة بدعم من البداية من قبل معهد تشاتام هاوس، الذي قدم التوجيه لتطوير برنامج التحالف.

يتناول التقريران سلاسل التوريد المسؤولة عن توفير الوقود المدعوم والأدوية المدعومة على التوالي. وهما يمثلان قراءة قاتمة ولكنها مهمة.

شكل توفير الوقود مصدرًا رئيسيًا للجدل في ليبيا في السنوات الأخيرة. في عام 2022، أدى تغيير في قيادة المؤسسة الوطنية للنفط — تم التوسط فيه بين عائلتي حفتر والدبيبة من قبل الإمارات العربية المتحدة — إلى توسع سريع في مشتريات الوقود.

على الرغم من كون ليبيا دولة منتجة للنفط، إلا أنها تعاني من عجز في الطاقة التكريرية، مما يعني أنها مضطرة لاستيراد الوقود لسوقها المحلية. ومن المعروف أن سعر البنزين عند المضخة يبلغ 0.02 دولار للتر. لكن التقرير يكشف أن تكلفة الدعم أصبحت فلكية.

وجد التقرير أن فاتورة الاستيراد بلغت أكثر من 9 مليارات دولار بحلول عام 2024، أي ما يعادل نحو 1200 دولار للفرد في ليبيا. وقد تضاعف حجم الواردات أكثر من مرتين منذ عام 2021، وهي زيادة لا يمكن تبريرها بأي تقدير معقول للطلب في السوق.

يُفصل التقرير جميع جوانب سلسلة التوريد هذه، ويكشف مشاكل الدولة الليبية المجزأة. وتبين أن تقييم الطلب على الوقود يفتقر إلى أساس “علمي”، حيث تطالب الوكالات الحكومية الليبية بكميات متزايدة نادرًا ما تدفع ثمنها. وزادت استهلاك مجموعات الدولة المسلحة التابعة للدولة من الديزل بنسبة 1527٪ في عام 2024 مقارنة بعام 2021، بينما زاد الاستهلاك في محطة كهرباء جنوب طرابلس بنسبة 1368٪.

تشير هذه النتائج إلى واقع تسيطر فيه المصالح الخاصة على تدفقات السلع المربحة، والتي يُباع جزء كبير منها على الأرجح في السوق السوداء بأسعار أعلى بكثير أو يُهرّب دوليًا.

وليست النخب الليبية وحدها المستفيدة، بل هناك أيضًا بُعد دولي لهذه الأنشطة. انخفض عدد موردي الوقود المستورد من 17 في عام 2021 إلى ستة فقط في عام 2024، ويثير التقرير عدة مخاوف تنظيمية كبيرة بشأن هذه الشركات الأجنبية — التي تم إنشاؤها حديثًا في الغالب.

يسلط التقرير الضوء على أن الأسعار التي دفعتها الدولة الليبية لوقودها أصبحت أقل تنافسية مع تقلص عدد الموردين. على سبيل المثال، ارتفع قسط التأمين والشحن على الديزل بنسبة 450٪، مما أدى إلى خسارة تقارب 600 مليون دولار في عام 2024 وحده.

يكشف التقرير المتعلق بتوريد الأدوية عن ديناميكيات مشابهة بشكل لافت، حيث وجد أنه لا يوجد إطار وطني ينظم إمدادات الأدوية، وأن تقدير الاحتياجات يعتمد على منهجية “تخمينية”.

وتبين أن نظام تسجيل شركات الأدوية يعاني من عيوب عميقة. وأشار التقرير إلى أن عددًا صغيرًا من الشركات نما بشكل هائل من حيث الأرباح والحصة السوقية في السنوات الأخيرة.

وتبين أن بعضها له علاقات مباشرة بمسؤولين حكوميين وأعضاء في البرلمان. وهذا يمثل تضارب مصالح مباشر، حيث أن هؤلاء المسؤولين والنواب أنفسهم هم من يصوغ سياسات الشراء التي تستفيد منها هذه الشركات.

حدود تقاسم السلطة

إذن، كيف يرتبط هذا بمحاولات تشكيل حكومة موحدة؟ المنطق الكامن وراء الحاجة إلى حكومة موحدة هو أنها ستحقق استقرارًا يمكن أن ينبثق منه التنمية الاقتصادية، لا سيما في قطاع النفط. ويحمل تقرير الوقود أهمية خاصة في سياق الدفع الأمريكي نحو الوحدة. يسعى بولوس إلى زيادة الاستثمارات الأمريكية في قطاع النفط الليبي إذا تعاونت الفصيلين المتنافسين.

لكن نتائج التقارير تثير تساؤلات حول ما إذا كان مجرد إضفاء الطابع الرسمي على الوضع القائم بين اللاعبين المتنافسين في ليبيا سيشكل حقًا أساسًا للتنمية. قد يؤدي تقاسم السلطة ببساطة إلى تفاقم الفساد عن طريق تقليل القيود القائمة على زيادة الإنفاق الحكومي.

كما لن يكون نتيجة إيجابية لشركات النفط الدولية، التي تتردد في القيام باستثمارات رأسمالية كبيرة في سوق حيث يأتي التنفيذ القانوني وفقًا لنزوة العائلات الحاكمة المتناحرة، والتي من المرجح أن يستمر تنافسها داخل الحكومة الجديدة.

الدرس الأساسي من تقارير هيئات مكافحة الفساد هو أن النظر إلى النظام التشغيلي للسلطات الحاكمة في ليبيا أمر بالغ الأهمية، وأنه يجب وضع شروط واضحة لكيفية إدارة أي حكومة مستقبلية لأموال الدولة.

يجب أن تتضمن هذه الشروط قدرًا أكبر من الشفافية والتركيز على تقديم الخدمات العامة، لا الإثراء الخاص. وحقيقة أن الميزانية الموحدة لليبيا التي توسطت فيها الولايات المتحدة وتم الاتفاق عليها في أبريل/نيسان لم تُنفذ بعد بشكل ذي معنى، تبين أن الاختراقات السياسية دون خطة تنفيذ لا تغير الوقائع على الأرض.

بطبيعة الحال، سيقاوم نخبة ليبيا هذه الشروط، مما يجعل مسار تشكيل حكومة جديدة أكثر صعوبة. ومن الناحية العملية، سيلزم ذلك الولايات المتحدة بدور مراقبة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. لكنها الطريقة الوحيدة لتأمين الظروف الأساسية للاستثمار التي يسعى إليها بولوس.

يدرك الوسطاء الملمون بتحديات إيجاد توافق بين القادة المتنافسين في ليبيا، وبشكل مفهوم، يتساءلون عن البديل عن الصفقة النخبوية بين حفتر والدبيبة. لكن إذا كانت الحكومة الجديدة التي تشكل على الأساس الذي اقترحه بولوس لا تحسن الحوكمة فعليًا، فإن فائدتها تكون محدودة في أحسن الأحوال.

__________

ليبيا تقف أمام مفترق حاسم بين إدارة الثروة واستنزافها

محمد عون يفتح ملف الغاز الليبي المهدور

أعاد وزير النفط والغاز الليبي، المهندس محمد عون، فتح ملف الغاز الوطني، كاشفًا عن سلسلة من المراسلات والوثائق الرسمية التي تؤكد أن ليبيا كانت قادرة على سد احتياجاتها المحلية من الطاقة لو تم تفعيل القرارات الحكومية في وقتها. 

منذ توليه الوزارة في آذار – مارس 2021، وجّه عون عشرات المذكرات إلى المؤسسة الوطنية للنفط ورئاسة الحكومة، مطالبًا بالإسراع في تطوير الاكتشافات الغازية، وعلى رأسها حقلا الحمادة وعروس البحر. ورغم موافقة مجلس الوزراء بالإجماع في نيسان – أبريل 2022 على خطة التطوير، بقي القرار حبيس الأدراج، رغم سبع رسائل تذكير رسمية أرسلتها الوزارة. 

في أبريل 2024، خصص مجلس النواب الليبي ستة مليارات دينار لتطوير حقل الحمادة، لكن المشروع لم يرَ النور. ويؤكد عون أن هذا التعطيل لم يكن مجرد إهمال إداري، بل محاولة للتفريط في الحقل لصالح ائتلاف شركات أجنبية، قبل أن يتدخل مكتب النائب العام لوقف هذه الخطوة. 

الوثائق تكشف أيضًا أن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، فرحات بن قدارة، نبّه النائب العام في نفس الفترة إلى احتمال نقص الغاز بحلول 2026، وهو ما اعتبره عون محاولة لتبرير التفريط في الحقول الوطنية بدلًا من تطويرها بأيدٍ ليبية، خاصة أن الميزانية كانت متوفرة. 

في تعليقه الأخير، شدد عون على أن بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون لا يمكن أن يظل شعارًا، بل يجب أن يُترجم إلى احترام القوانين والتشريعات والأحكام القضائية. وأشار إلى أن الجمعيات العمومية للشركات العامة، ومنها الشركة العامة للكهرباء، تكاد تكون معطلة، إذ اجتمعت مرة واحدة فقط خلال ثلاث سنوات، ما يعكس خللًا في الرقابة والمتابعة. 

ما يطرحه عون لا ينفصل عن المشهد الأوسع لصناعة النفط والغاز في ليبيا، التي كثيرًا ما وُصفت بأنها “النعمة المهدورة”. فليبيا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا يقدّر بنحو48  مليار برميل، إضافة إلى احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي تمثل نحو 41% من احتياطي القارة. ومع ذلك، يعيش المواطن الليبي أزمات متكررة في الكهرباء والوقود، نتيجة سوء الإدارة والانقسامات السياسية. 

منذ عام 2011، تحولت الحقول والموانئ النفطية إلى أدوات ضغط بيد الفصائل المسلحة، التي استخدمت الإغلاق المتكرر للحصول على امتيازات مالية أو سياسية. ففي عام 2020، تسبب حصار على الموانئ في انهيار الإنتاج إلى مستويات شبه صفرية، ما أدى إلى أزمة اقتصادية خانقة. هذا الاستخدام السياسي للثروة جعلها مصدرًا للصراع بدلًا من التنمية.

معظم خطوط الأنابيب والمرافق النفطية في ليبيا تعود إلى ستينيات القرن الماضي، وتحتاج إلى استثمارات عاجلة تتجاوز17  مليار دولار لتحديثها وضمان استمرار الإنتاج. لكن الانقسامات السياسية والصراعات المسلحة عطلت مشاريع التطوير، مثل حقل الحمادة الذي خصص له البرلمان ميزانية ضخمة دون تنفيذ فعلي. 

رغم أن ليبيا كانت تنتج نحو1.6  مليون برميل يوميًا قبل 2011، فإن إنتاجها اليوم لا يتجاوز1.1 – 1.2  مليون برميل يوميًا، وهو تراجع يضعف قدرة الدولة على الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا. هذا التراجع يعكس غياب التخطيط الاستراتيجي، ويجعل ليبيا رهينة للتقلبات السياسية والأمنية. 

ما يطرحه عون ليس مجرد نقد لأداء الحكومة والمؤسسة الوطنية للنفط، بل هو دعوة صريحة إلى استثمار الثروات الوطنية لصالح الشعب الليبي، بعيدًا عن التفريط والارتهان للخارج. فلو تم تفعيل القرارات في وقتها، لكانت ليبيا اليوم قادرة على إنتاج الغاز بكميات تكفي الاستهلاك المحلي، وتوفر استقرارًا اقتصاديًا ينعكس على حياة المواطنين. 

رسالة وزير النفط الليبي تكشف بوضوح أن أزمة الطاقة في ليبيا ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لتأجيل القرارات وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية. وبينما يلوّح المستقبل بأزمة غازية وشيكة، يبقى السؤال: هل تتحرك الدولة لتصحيح المسار، أم أن الفرص ستظل تضيع في دهاليز البيروقراطية والتجاذبات السياسية؟ 

إن دمج خلفيات صناعة النفط والغاز مع شهادة الوزير عون يضع القضية في سياقها الحقيقي: ليبيا بلد غني بالثروات، لكنه فقير في الإدارة والتخطيط. وبين التفريط في الحقول والفرص الضائعة، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر، فيما تظل الثروة النفطية المهدورة عنوانًا لأزمة وطنية تحتاج إلى قرار سياسي شجاع يعيد للثروة معناها الحقيقي كركيزة للتنمية والاستقرار. 

________________

ليس لدى بولس مبادرة واضحة!

عبدالله الكبير

التطورات اللافت إلى حد المفاجئة في لقاء بولس مع قيادات مدنية في مصراتة، هي إقراره بعدم وجود مبادرة جاهزة مكتوبة لمناقشة تفاصيلها، والتعرف على حظوظها من النجاح، وأين تكمن المعوقات إن وجدت، وماهي الجوانب التي ما تزال بحاجة إلى المزيد من الدراسة وبحث المخاطر وضمانات التنفيذ.

فليس في حقيبة مستشار الرئيس الأمريكي ترامب أي وثيقة توضح بنود مبادرة أمريكية واضحة المعالم والمراحل الزمنية، ومع التسريبات والأخبار الموثوقة عن لقاءاته مع شخصيات نافذة من سلطات الشرق والغرب عدة مرات في عواصم مختلفة، يبدو أنه بالفعل كان يبحث إبرام صفقة يتم فيها توحيد المؤسسات تحت سلطة واحدة مقسمة بين الطرفين الفاعلين، مع معالجة أي مخاوف لديهما، وتوزيع السلطة التنفيذية وكافة المهام والمسؤوليات في إطار يحفظ حالة التوازن القائمة، ويمنح الضمانات الكافية لكل طرف، لكن التسوية لم تكن بالبساطة التي تصورها بولس أو الشركاء.

كما تبين عندما بدأت التسريبات والترشيحات تنتشر في الأوساط الليبية، وردود الفعل الرافضة التي عبرت عنها بيانات عديدة، بعضها كان حادا  حاسما في لغته، غير أن المصادر الذي ذكرت بعض التفاصيل عن الصفقة، والشخصيات المرشحة للمناصب العليا، والتي ركزت جهودها على تنفيذها بالإعلان عن قبولها، وحشد الإعلام ووسائل التواصل لتجميلها، لم تكن تنطلق من تكهنات أو تحليلات سياسية.

لذلك اختار بولس المضي بالبناء على ما أنجز من تقدم على جهة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، والاستمرار في ملف توحيد الإنفاق، وتأجيل الملف السياسي إلى مرحلة لاحقة، يتوفر فيها قدر أكبر من الثقة، وأرضية ممهدة بتسوية عسكرية وأمنية واقتصادية، تفتح الباب أمام التقدم نحو تسوية سياسية، يعاد فيها ترتيب السلطة التنفيذية بشكل متوازن.

لكن ما سمعه بولس في لقاءاته مع المجلسين البلدي والأعيان ونشطاء المجتمع المدني، سيدفعه لإعادة النظر في الكثير من التفاصيل إذا أراد تحقيق تسوية حقيقية.

بيان مكونات مصراتة الصادر عقب الاجتماع مع عراب الصفقة/ المبادرة كان واضحا، معبرا عما يطالب به غالبية الشعب الليبي منذ سنوات، وهو إجراء الانتخابات أو الاستفتاء على مسودة الدستور، وهذه الغالبية تؤكدها استطلاعات رأي موثوقة أجرتها بعثة الأمم المتحدة قبل تسوية تونس جنيف.

ترحيب البيان بأي جهود دولية تساعد في إنهاء الصراع وحل الأزمة، يعني الانفتاح على أي مساعي أو جهود تسهم في التوصل إلى حلول مقبولة، ولكن ليس عبر صفقات وتسويات مع أطراف محددة، بل عبر مسالك واضحة لا تتجاوز مدنية الدولة وعدم عسكرتها، ولابد أن تبني أي تسوية على قواعد دستورية واضحة، ما يعني أن إشراك الطيف الليبي الواسع عسكريا وسياسيا واجتماعيا شرط لا يمكن المضي قدما بدونه.

تشديد البيان على رفض أي تسوية تعيد إنتاج الأزمة، أو تدفع بشخصيات متهمة في تقارير الأمم المتحدة بارتكاب جرائم وانتهاكات، قدم لبولس رسالة واضحة عن رفض صفقات الغرف المغلقة، وتكليف شخصيات محددة سلفا لتبوأ مناصب سياسية عليا.

بعد كل هذا الجدل تدحرجت الكرة نحو بولس باعتباره الوسيط المكلف من الإدارة الأمريكية، وستكشف الأيام والأسابيع المقبلة عن ما سيطرحه بعد أن استمع لأطراف مؤثرة في المشهد السياسي في المنطقة الغربية، وماذا بوسعه أن يقترح من تعديلات ترفع نسبة النجاح في مساعيه، أو يكتفي بإنجاز التسوية الأمنية والعسكرية، وفي الملف السياسي يضم جهوده إلى جهود بعثة الأمم المتحدة، لدفع الفرقاء نحو إنجاز قاعدة دستورية للانتخابات.

________________

ليبيا: لعنة النفط وفرص التنويع

صلاح الهوني

ليبيا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تبقى رهينة لعنة النفط، أو أن تستثمر توصيات البعثة الأممية كفرصة لإعادة بناء اقتصاد متوازن ومستدام.

منذ اكتشاف النفط أواخر خمسينيات القرن الماضي، دخلت ليبيا مرحلة جديدة من تاريخها الاقتصادي والسياسي. فقد غيّر الذهب الأسود ملامح دولة كانت تعتمد على الزراعة والتجارة المحدودة، وأتاح لها خلال عقود قليلة موارد مالية ضخمة مكّنتها من تشييد الطرق والموانئ وشبكات الكهرباء والتعليم والخدمات الصحية، ورفعت مستوى الدخل بصورة جعلت ليبيا في مراحل عديدة من بين أعلى الدول الإفريقية من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي.

لكن التجربة الليبية تكشف أن الثروة الطبيعية، مهما بلغت وفرتها، لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية مستدامة، بل قد تصبح مصدرًا للأزمات إذا لم تُدار ضمن رؤية اقتصادية متوازنة.

فمع مرور الوقت، لم يعد النفط مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبح الاقتصاد نفسه. وتدريجيًا، تشكل نموذج ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية لتمويل الموازنة العامة، ودفع الرواتب، ودعم السلع والخدمات، وتمويل الواردات. وفي المقابل، تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى، مثل الزراعة والصناعة والسياحة، حتى أصبحت هامشية في بنية الاقتصاد الوطني. وهكذا نشأت معادلة مختلة: دولة غنية بالموارد، لكنها فقيرة في التنوع الاقتصادي.

تكمن خطورة هذا النموذج في أنه يجعل الاقتصاد الوطني أسير عاملين لا تتحكم فيهما الدولة: أسعار النفط في الأسواق العالمية، واستمرار تدفق الإنتاج دون انقطاع. وكلما تراجعت الأسعار أو توقفت الصادرات نتيجة أزمة سياسية أو أمنية، انتقلت الصدمة فورًا إلى المالية العامة، ثم إلى الخدمات، فالقطاع المصرفي، وأخيرًا إلى حياة المواطنين. لذلك لم يعد النفط بالنسبة إلى ليبيا صمام أمان اقتصادي، بل أصبح نقطة الضعف الأكثر حساسية في بنيتها المالية.

غير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالاعتماد على مورد واحد، بل بطبيعة العلاقة التي نشأت بين الدولة والثروة. فقد تحولت الإيرادات النفطية تدريجيًا إلى أداة لإدارة التوازنات السياسية والاجتماعية، أكثر من كونها وسيلة لبناء اقتصاد منتج. واعتمدت الحكومات المتعاقبة على الإنفاق العام والوظائف الحكومية والدعم الواسع للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، بينما تراجع الاستثمار في القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة. وهكذا تشكلت دولة توزع الريع أكثر مما تنتج الثروة، ومجتمع ينتظر الإنفاق العام أكثر مما يعتمد على المبادرة الاقتصادية.

هذه الظاهرة هي ما يسميه الاقتصاديون بـ”لعنة الموارد”، وهي مفارقة شهدتها دول عديدة تمتلك ثروات طبيعية ضخمة، لكنها أخفقت في تحويلها إلى تنمية شاملة. فحين تصبح الموارد الطبيعية المصدر الرئيسي للدخل، تتراجع الحوافز لتطوير الصناعة والزراعة والابتكار، وتصبح المنافسة السياسية منصبة على السيطرة على الريع لا على إنتاجه.

وفي الحالة الليبية، ازدادت هذه المفارقة تعقيدًا مع الانقسام السياسي، إذ تحولت المنشآت النفطية نفسها إلى أوراق ضغط في الصراع الداخلي، وأصبحت عمليات الإغلاق أو تعطيل الإنتاج وسيلة تفاوض بين الأطراف المختلفة، وهو ما جعل الاقتصاد الوطني رهينة التجاذبات السياسية.

ولعل أخطر ما أنتجه الاقتصاد الريعي هو إضعاف المؤسسات الاقتصادية نفسها. فغياب التنوع الاقتصادي حدّ من قدرة القطاع الخاص على النمو، بينما بقيت المالية العامة تعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية. كما أدى ذلك إلى تراجع الاستثمار في البنية الإنتاجية، وإلى ضعف الشفافية في إدارة العائدات، وإلى غياب التخطيط طويل الأمد. ومع كل أزمة سياسية، يتبين أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد، بل في هشاشة النموذج الاقتصادي الذي يقوم عليها.

وتؤكد التجارب الدولية أن امتلاك النفط لا يقود بالضرورة إلى النتيجة نفسها. فدول مثل النرويج نجحت في تحويل العائدات النفطية إلى صندوق سيادي واستثمارات طويلة الأجل، بينما استخدمت دول خليجية جزءًا من فوائضها لبناء قطاعات جديدة في الصناعة والخدمات والسياحة والتكنولوجيا.

أما ليبيا، فقد بقيت عائداتها مرتبطة بالاستهلاك الجاري أكثر من ارتباطها بالاستثمار المنتج، وهو ما جعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات.

لهذا تكتسب الدعوات المتكررة إلى التنويع الاقتصادي أهمية تتجاوز الجانب المالي. فتنويع مصادر الدخل ليس مجرد سياسة اقتصادية، بل مشروع لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. فاقتصاد أكثر تنوعًا يعني فرص عمل أوسع، وقطاعًا خاصًا أكثر ديناميكية، وقدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية، وتراجعًا تدريجيًا في حدة الصراع حول توزيع الريع النفطي.

وفي هذا السياق، تكتسب توصيات بعثة الأمم المتحدة الأخيرة أهمية خاصة، إذ دعت إلى توجيه الاستثمارات نحو قطاعات الزراعة، والسياحة، والصناعات التحويلية، وتعزيز التنمية المتوازنة بين الأقاليم، وإصلاح المالية العامة، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين مناخ الاستثمار. ورغم أن هذه التوصيات تبدو مألوفة في الأدبيات الاقتصادية، فإنها في الحالة الليبية تحمل بعدًا إستراتيجيًا، لأنها تربط بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار السياسي، وتتعامل مع التنويع باعتباره شرطًا لإعادة بناء الدولة، لا مجرد خيار تنموي.

لكن الطريق نحو هذا التحول لن يكون سهلًا. فالانقسام المؤسسي، وضعف البنية التحتية، وغياب رؤية اقتصادية موحدة، إضافة إلى مقاومة شبكات المصالح المستفيدة من الاقتصاد الريعي، كلها عوامل تجعل الإصلاح أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، فإن استمرار الوضع القائم يحمل كلفة أكبر بكثير، لأنه يعني بقاء ليبيا رهينة دورة متكررة من الأزمات، تتغير فيها الحكومات بينما يبقى النموذج الاقتصادي على حاله.

إن السؤال الحقيقي الذي يواجه ليبيا اليوم لم يعد يتعلق بحجم احتياطاتها النفطية، بل بكيفية استخدامها. فالنفط لا يصنع التنمية بمفرده، وإنما طريقة إدارته هي التي تحدد ما إذا كان سيصبح رافعة للنهوض أو وقودًا للأزمات. وإذا استطاعت ليبيا أن تحول ثروتها النفطية إلى منصة لبناء اقتصاد متنوع، فإنها لن تتخلص فقط من تقلبات الأسواق العالمية، بل ستؤسس أيضًا لعقد اجتماعي جديد يقوم على الإنتاج والابتكار بدل الريع والتوزيع.

فالخيار المطروح أمام ليبيا ليس بين النفط وغياب النفط، بل بين اقتصاد يعيش على مورد واحد يفرض إيقاعه على السياسة والمجتمع، واقتصاد متعدد المصادر يجعل النفط نقطة انطلاق لا نقطة نهاية. وعندها فقط يمكن للثروة التي كانت لعقود محورًا للصراع أن تصبح أساسًا للاستقرار، وأن يتحول النفط من لعنة تفرض الأزمات إلى فرصة تؤسس لدولة أكثر قوة وتوازنًا واستدامة.

_________________

ماذا وراء انخراط إسلام آباد في الأزمة الليبية؟

شهدت العلاقات بين باكستان وليبيا تحولات متكررة على مدى العقود الماضية؛ إذ مرت بفترات من الفتور، قابلتها مراحل أخرى اتسمت بالتقارب والتعاون.

وفي الوقت الراهن، يرى “مجلس الشؤون الدولية الروسي” أن العلاقات تشهد تقدما ملحوظا، إلا أن هذا التقدم يتركز بصورة أساسية في المجال العسكري أكثر من المدني، كما أنه لا يشمل ليبيا بأكملها، في ظل استمرار الانقسام الداخلي وتعدد مراكز القوى وتضارب المصالح داخل البلاد.

وفي هذا الإطار، ينظر المجلس إلى زيارة نجل الجنرال الانقلابي صدام خليفة حفتر إلى باكستان في 24 يونيو/ حزيران 2026 بوصفها محطة مهمة في مسار تعزيز العلاقات بين الجانبين، رغم ما قد يترتب عليها من تداعيات على علاقات إسلام آباد مع أنقرة.

بذور العلاقة

وتناول الموقع في مستهل تقريره الجذور المشتركة للعلاقات الليبية الباكستانية قائلا: “رغم أن دولتي ليبيا وباكستان بشكليهما الحالي لم تكونا قائمتين إبان الحرب العالمية الثانية، إلا أن بذور العلاقة بدأت في تلك الحقبة”.

وتابع: “شاركت القوات الهندية البريطانية، التي ضمت وحدات من أقاليم باكستان الحالية، في القتال على الأراضي الليبية ضد (فيلق إفريقيا) الألماني-الإيطالي، ولم يقتصر الدور على الجانب العسكري فحسب، بل عملت كتائب عمالية من شبه القارة الهندية على إعادة إعمار البنية التحتية الليبية”.

ورغم أن “هذا العمل كان يخدم المصالح البريطانية”، وفقا له، إلا أنه أشار إلى أن “هذا التواجد خلق نوعا من الولاء والارتباط الشعبي الذي شكل لاحقا أساسا للعلاقات بين البلدين بعد استقلالهما”.

ومن ثم، حصلت باكستان على استقلالها عام 1947، وتبعتها ليبيا عام 1951، وفي 16 يوليو/ تموز 1952، تأسست العلاقات الدبلوماسية رسميا.

وأضاف التقرير: “كانت ليبيا أول دولة عربية تنال سيادتها بقرار من الأمم المتحدة، وسعت باكستان، التي كانت تبحث عن حلفاء في العالم الإسلامي، لتقديم الدعم لليبيا”.

وأردف: “في تلك الفترة، بدأ التعاون يتجاوز النطاق السياسي، حيث وافقت باكستان على تدريب الضباط العسكريين الليبيين، ودعمت الاقتصاد الليبي في المحافل الدولية”.

“وبالتالي، ومع منتصف الخمسينيات، أصبحت ليبيا واحدة من أوائل الدول التي استقبلت خبرات باكستان العسكرية؛ حيث توافد الضباط الليبيون إلى الأكاديميات العسكرية الباكستانية، وهو ما ساعد ليبيا على بناء كادرها الأمني بسرعة، وعزز من نفوذ إسلام آباد في العالم الإسلامي”، وفق التقرير.

وفي عام 1969 شهدت العلاقات “تحولا مفصليا”، وفق وصف التقرير، الذي عزا ذلك إلى “وصول معمر القذافي إلى السلطة، وتبني طرابلس سياسة خارجية أكثر راديكالية واستقلالية عن الغرب”.

وتابع: “تلاقت الرؤى بين إسلام أباد وطرابلس حول مفاهيم الوحدة الإسلامية، ومعاداة الإمبريالية، والتحرر من التبعية للتكتلات الغربية، ومن ثم توسع التعاون ليشمل صفقات تسليح وبرامج تدريب مكثفة للكوادر الليبية في باكستان”.

وأردف: “وفي عام 1971، أظهر القذافي دعمه القوي لباكستان خلال حربها مع الهند، موجها رسالة حادة لنيودلهي”.

تطورات تاريخية

ويعتقد التقرير أن “هذا التقارب تعزز بفضل الروابط الشخصية بين القادة؛ إذ كانت أيديولوجية الاشتراكية الإسلامية التي طرحها رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو متناغمة مع خطط القذافي”.

وأضاف أنه “وفقا لتحقيقات غير رسمية، أسهم القذافي في تمويل مشاريع باكستان النووية السرية، واصفا باكستان بأنها (حصن الإسلام)”.

واستطرد: “وتخليدا لهذه العلاقة، أطلق بوتو اسم القذافي على أكبر استاد للكريكيت في لاهور”.

غير أن العلاقات “دخلت مرحلة من التوتر الحاد مع وصول ضياء الحق إلى السلطة إثر الانقلاب العسكري على رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو عام 1977، إذ تصاعدت حالة عدم الثقة بين الجانبين، بالتزامن مع اندلاع الحرب الأفغانية”، يقول الموقع.

وأضاف: “وفي عام 1978، توقف التعاون العسكري بين البلدين بصورة شبه كاملة، قبل أن تستدعي باكستان مستشاريها العسكريين من ليبيا في عام 1979”.

وذكر أنه “رغم محاولات القذافي إنقاذ بوتو وإرسال طائرة لنقله إلى طرابلس، إلا أن باكستان رفضت ذلك، وأُعدم بوتو”.

وتابع: “وعليه، أصدر القذافي عام 1980 قرارا بطرد نحو 150 ألف عامل باكستاني”.

علاوة على ذلك، “أدى تقارب ليبيا مع الهند في الثمانينيات إلى تعمق الخلافات مع باكستان، لتدخل العلاقات مرحلة طويلة من المد والجزر استمرت قرابة عقدين، قبل أن تزيد أزمة الملف النووي في التسعينيات ومطلع الألفية من تعقيدها”.

وأضاف أنه “بحلول عام 2009 بدأت بوادر التعافي مع تولي حكومة حزب الشعب الباكستاني السلطة؛ حيث عُززت الاتصالات الدبلوماسية والتبادل التجاري”.

ومع ذلك، أشار إلى أن “سقوط نظام القذافي عام 2011 جاء ليغير قواعد اللعبة؛ حيث اتخذت إسلام أباد موقفا محايدا، واضطرت لتدبير عمليات إجلاء واسعة لرعاياها من ليبيا وسط الفوضى الأمنية”.

واليوم، يعتقد التقرير أن “باكستان تجد نفسها أمام واقع ليبي مجزأ، فهي تسعى من جهة للحفاظ على علاقاتها مع السلطات الليبية الجديدة، وتواجه من جهة أخرى مخاطر عدم الاستقرار، مما جعل انخراطها في ليبيا يتسم بالحذر الشديد، بعيدا عن الزخم الذي ميز علاقات السبعينيات”.

أكثر ملاءمة

“ومنذ عام 2014، ومع انقسام ليبيا فعليا إلى مراكز قوى متنافسة؛ حيث تشكلت سلطات تنفيذية وبرلمانات متوازية في طرابلس وشرق البلاد، اعتمدت السياسة الخارجية الباكستانية نهج يقوم على الحفاظ على قنوات اتصال متعددة مع مختلف الأطراف، من دون الانحياز بصورة حاسمة إلى أي منها”، وفق الموقع.

وفي موازاة ذلك، “واصلت إسلام آباد مشاركتها في الجهود الدولية الرامية إلى دعم ليبيا، سواء عبر الأمم المتحدة أو منظمة التعاون الإسلامي أو من خلال القنوات الثنائية”.

كما استمرت في تخصيص مقاعد للطلاب الليبيين في جامعاتها، بما في ذلك ضمن برامج المنح التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، وهو ما أشار التقرير إلى أنه “ساعدها على الحفاظ على نفوذها الناعم وتعزيز العلاقات المهنية مع الأجيال الجديدة”.

من جانب آخر، لفت الموقع إلى أن “التعاون العسكري، لا سيما في مجال التعليم والتدريب العسكري، الذي امتد لعقود، ترك أثرا واضحا؛ إذ شغل عدد من الليبيين الذين سبق أن تلقوا تدريبات أو أقاموا علاقات مع باكستان مناصب مهمة داخل مختلف المناطق الليبية”.

وتابع: “ومع انطلاق الجهود التي قادتها الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا خلال عامي 2020 و2021، برزت فرصة لخفض مستوى التوتر مؤقتا، الأمر الذي دفع باكستان إلى تكثيف العمل على عدد من المشروعات المحددة”.

وأردف: “وخلال السنوات الأخيرة، أصبح التعاون العسكري والفني وإعداد الكوادر المجال الأبرز في العلاقات بين الجانبين”.

وبحسب الموقع، “ترى إسلام آباد أن هذا القطاع يمثل المجال الأكثر ملاءمة لتعزيز حضورها، من خلال تدريب الكوادر، وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب، ودعم بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية”.

ووفقا له، “يتركز هذا التعاون بصورة رئيسة مع الجيش الوطني الليبي (قوات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر)، الذي يسيطر على المناطق الشرقية والجنوبية من البلاد”.

وأشار إلى أن “أبرز تطور في هذا المسار جاء مع الاتفاق الذي كشف عنه في ديسمبر/، كانون الأول 2025”.

وقال: “ففي أعقاب لقاء عقد في بنغازي بين قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، وصدام حفتر، توصل الطرفان إلى اتفاق إطاري يشمل تزويد جيش حفتر بـ16 مقاتلة متعددة المهام من طراز JF-17، المطورة بالشراكة بين باكستان والصين”.

إضافة إلى 12 طائرة تدريب من طراز “سوبر موشاك” التي تعد ضرورية لإعادة بناء منظومة تدريب الطيارين بعد سنوات من التوقف، فضلا عن توريد معدات وأسلحة إضافية للقوات البرية والبحرية والجوية.

ونوَّه التقرير إلى أنه “سبق هذا الاتفاق زيارة أجراها صدام حفتر إلى باكستان في يوليو/ تموز 2025، حيث ناقش الجانبان قضايا إعادة بناء القدرات العسكرية، وإعداد البرامج التدريبية، والتخطيط العملياتي، وتعزيز التنسيق في مجال مكافحة الإرهاب”.

محطة بارزة

في هذا السياق، تطرق الموقع الروسي لصدام حفتر ونفوذه المتزايد في المشهد الليبي؛ إذ يعد الابن الأصغر لخليفة حفتر، الذي “يعد الزعيم الفعلي لشرق ليبيا منذ عام 2017″، وفق وصفه.

وتخرج صدام من الكلية العسكرية الملكية في الأردن، كما تلقى دورة متقدمة في أمن المعلومات في روسيا، ودورة متخصصة في مكافحة الإرهاب في مصر.

وبحسب الموقع، “يمثل صدام حفتر -الذي يحمل الجنسيتين الليبية والأميركية- قيادة الجيش (مليشيا حفتر) بصورة منتظمة في المحافل الدولية؛ حيث أجرى زيارات رسمية إلى الولايات المتحدة وروسيا والأردن والإمارات وباكستان وتشاد، وبحث خلالها ملفات التعاون العسكري، ومكافحة الإرهاب، وتنسيق المواقف السياسية”.

“كما ينظر إليه على نطاق واسع بصفته الوريث السياسي المحتمل لوالده، والمرشح الأوفر حظا لقيادة ليبيا مستقبلا، أو على الأقل قيادة المنطقة الشرقية والجنوبية إذا ما اتجهت نحو كيان سياسي مستقل”، وفق التقرير.

ويجدر بالذكر أن “والده، كان من أقرب المقربين إلى معمر القذافي، وتلقى تدريبه العسكري في الاتحاد السوفيتي؛ حيث التحق خلال عامي 1977 و1978 بالدورات العليا للضباط (فيستريل)، قبل أن يكمل عام 1983 دراسته في أكاديمية فرونز العسكرية، متخصصا في أعمال القيادة والأركان”.

في هذا السياق، قدر الموقع أن “زيارة صدام إلى باكستان في يونيو 2026 شكلت محطة بارزة أخرى في مسار العلاقات الثنائية”.

وأضاف أنه “خلال مباحثاته مع قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ركز الجانبان على قضايا الأمن الإقليمي، وإعداد الكوادر العسكرية، وتعزيز الروابط المؤسسية بين الجيشين”.

بالنسبة إلى باكستان، يرى الموقع أن “مثل هذه اللقاءات تمثل وسيلة لترسيخ مكانتها بوصفها شريكا موثوقا في مجال الدبلوماسية الدفاعية للدول التي تمر بمراحل إعادة البناء بعد النزاعات”.

في الجانب الاقتصادي، أشار الموقع إلى أنه “رغم استمرار الاتصالات السياسية، لا يزال حجم التبادل التجاري بين البلدين محدودا”.

ووفقا لبيانات عامي 2022 و2023، بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 19 مليون دولار، وتتركز الصادرات الباكستانية في المنسوجات والمواد الغذائية والمنتجات الجلدية، وبعض منتجات الصناعات الهندسية.

“وفي المقابل، لا تزال المشروعات المشتركة الكبرى في مجالي الطاقة والبنية التحتية غائبة، إذ تمثل حالة عدم الاستقرار المستمرة وغياب سلطة مركزية موحدة في ليبيا أبرز العقبات التي تحول دون توسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين”، بحسب تقدير الموقع.

تداعيات دبلوماسية

ورغم تعقيدات المشهد الليبي خلال السنوات الأخيرة، شدد الموقع على أنه “لا تزال هناك مجموعة من العوامل التي تحافظ على قدر من الاستقرار في العلاقات بين باكستان وليبيا”.

وأبرز هذه العوامل قائلا: “تظلّ الهوية الإسلامية المشتركة، إلى جانب التنسيق داخل منظمة التعاون الإسلامي، من أبرز القنوات التي تسهم في استمرار التواصل بين البلدين”.

فضلا عن ذلك، “تواصل الجالية الباكستانية في ليبيا، التي تضم عدة آلاف من الأشخاص، أداء دور حلقة الوصل، ولا سيما في القضايا القنصلية والإنسانية، في حين تواصل إسلام آباد الاعتماد على أدوات القوة الناعمة للحفاظ على حضورها داخل ليبيا”.

أما في المحافل الدولية، فذكر أن “البلدين اعتادا التصويت بصورة متقاربة أو الامتناع عن التصويت في القضايا الحساسة، بما يجنب الطرفين الدخول في مواجهات سياسية داخل الأمم المتحدة”.

ومع ذلك، لفت الموقع إلى أن “إن أي تحسن، ولو كان جزئيا، في العلاقات الباكستانية الليبية من شأنه أن يضيف أبعادا جديدة إلى المشهد الجيوسياسي في المنطقة”.

وتابع موضحا: “فإذا جرى تنفيذ صفقة التسليح واسعة النطاق، فإنها ستؤدي إلى تعزيز القدرات الجوية لجيش حفتر بصورة كبيرة”.

وأردف: “ونظرا إلى أن قوات حفتر تسيطر على شرق ليبيا وجنوبها، بما في ذلك المناطق الغنية بالنفط، فقد يسهم ذلك في تعزيز موقعها في الصراع المستمر مع الحكومة المتمركزة في طرابلس”.

وفي المقابل، قدر التقرير أن “التقارب بين غرب ليبيا، بقيادة طرابلس، وأوكرانيا، بما يشمل إنشاء قواعد عسكرية أوكرانية وتطوير قدرات الطائرات المسيرة، قد يدفع نحو تصعيد الحرب الأهلية ويزيد من أعداد الضحايا”.

من الناحية القانونية، نوه الموقع إلى أن “هذه التطورات تثير تساؤلات بشأن نظام حظر السلاح المفروض على ليبيا”.

واستطرد: “فمنذ عام 2011 تخضع البلاد لحظر أممي على استيراد الأسلحة، ما يعني أن أي عمليات نقل للأسلحة تتطلب موافقة خاصة من مجلس الأمن الدولي”.

وفي هذا السياق، وبما أن “الإعلان عن الصفقة العسكرية لم يتضمن أي إشارة إلى الحصول على مثل هذه الموافقة فإن ذلك يفتح الباب أمام احتمالين: إما أن تكون باكستان وقوات حفتر قد وجدا آلية للالتفاف على القيود، أو أن نظام الحظر الأممي أصبح أقل فاعلية من الناحية العملية، وهو ما يعكس تراجعا في قدرة القوانين الدولية على فرض الالتزام بها”، وفق تحليله.

من منظور إقليمي، وقع التقرير أن “تفضي صفقات الأسلحة الباكستانية مع قوات حفتر إلى تداعيات دبلوماسية على إسلام آباد”.

وعزا ذلك إلى “ارتباط باكستان بعلاقات وثيقة مع عدد من دول المنطقة، وفي مقدمتها تركيا، التي تربطها بها شراكة قوية على المستويين السياسي والعسكري، في حين تعد أنقرة الداعم الخارجي الأبرز للحكومة الموجودة في طرابلس”.

ورغم أنه “استبعد حدوث مواجهة مباشرة بين الطرفين”، إلا أنه أكد على أن “تعقيد العلاقات بينهما يظل احتمالا قائما”.

وبالنسبة إلى خليفة حفتر، قال: “يندرج التقارب مع باكستان ضمن إستراتيجية أوسع تهدف إلى تنويع الشركاء الخارجيين والبحث عن حلفاء موثوقين خارج المنظومة الغربية، التي كثيرا ما تقيد تعاونها باعتبارات سياسية أو عقوبات”. وفي هذا الصدد، يعتقد التقرير أن باكستان “بدت شريكا مناسبا لتلبية هذه المتطلبات”.

في الوقت ذاته، حذر من أن “المخاطر بعيدة المدى تظل قائمة، إذ إن عدم كفاية الدعم الباكستاني، أو حصول غرب ليبيا على دعم عسكري من دول أخرى، قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع، مع ما يصاحب ذلك من تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية، وازدياد موجات الهجرة غير الشرعية، واتساع شبكات تهريب المخدرات”. من جانبها، ترى باكستان أن “تعزيز العلاقات مع ليبيا يمثل جزءا من سياسة أوسع لتنويع الشراكات الإستراتيجية”، يقول الموقع.

وأضاف: “ففي ظل إعادة تشكيل العلاقات بين القوى الكبرى، وظهور ملامح نظام دولي أكثر تعددية، تعمل باكستان على توسيع حضورها العسكري والدبلوماسي، بما في ذلك في منطقة البحر المتوسط، بما يعزز صورتها باعتبارها دولة قادرة على الإسهام في توفير الأمن والاستقرار”.

“كما أن تركيز إسلام آباد على تدريب العسكريين، ودعم الإصلاحات المؤسسية، وتوريد المعدات، وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب، وهي المجالات التي تمتلك فيها خبرة تراكمية واسعة، قد يمنحها دورا مؤثرا في دعم التوازن والاستقرار وتعزيز التعاون بين الأطراف المختلفة”، بحسب التقرير.

في سياق أوسع، قدر الموقع أن “هذا التوجه يعكس اتجاها متزايدا لدى الدول متوسطة القوة نحو بناء شراكات عملية ومصالح مشتركة بعيدا عن هيمنة القوى الكبرى، في محاولة لإيجاد مساحات جديدة للتعاون ضمن النظام الدولي المتغير”.

_____________

مخاوف في ليبيا من تسوية أميركية تُدير الأزمة بدل حلها

منتقدو المبادرة الأميركية يرون أنها تمنح الأولوية للاستقرار الأمني والإداري على حساب الشرعية السياسية، وتحول عملية توحيد المؤسسات إلى إعادة تنظيم لموازين القوى بدل بناء دولة قائمة على المساءلة والانتخاب.

لا تزال مبادرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية، الهادفة إلى تسوية الأزمة الليبية تثير جدلا واسعا، حيث يرى منتقدو خارطة الطريق أن جوهرها يتجاوز مسألة بناء الدولة إلى صياغة نموذج “استقرار مضبوط” يضمن المصالح الأميركية في بلد يمثل أحد أهم مصادر الطاقة ومواقع النفوذ الاستراتيجي في شمال إفريقيا.

وتهدف المبادرة إلى تثبيت مؤسسات الدولة قبل إعادة تشكيل المشهد السياسي، وهو ترتيب يثير مخاوف قوى سياسية تخشى أن يتحول توحيد المؤسسات إلى آلية لإدارة الأزمة بدل حلها، وأن يؤدي إلى إعادة تدوير النخب ومراكز القوة التي استفادت من الانقسام طوال السنوات الماضية.

وبحسب التصريحات والتسريبات، فإن الخطة تركز على توحيد الحكومة والمؤسسات السيادية، وضمان استقرار قطاع النفط، وفتح المجال أمام الاستثمارات الأميركية، إلى جانب بناء قنوات تعاون أمنية بين شرق البلاد وغربها.

وتحدث بولس عن مسار بدأ قبل أكثر من عام، مشيراً إلى تفاهمات قال إن بعضها دخل حيز التنفيذ، من بينها الموازنة الموحدة، ومناورات عسكرية مشتركة، وإنشاء غرف عمليات أمنية تضم ممثلين عن الأطراف المختلفة.

وتمنح هذه الخطوات المبادرة مظهراً عملياً، لكنها تكشف في الوقت ذاته طبيعة أولوياتها؛ إذ يبدو أن ترتيب ملفي المال والأمن يسبق الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تمنح الليبيين دوراً مركزياً في تحديد شكل السلطة المقبلة.

وتتمحور الخطة حول دمج تدريجي للمؤسسات المنقسمة، وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، ثم الانتقال إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر حكومة موحدة ومجلس رئاسي جديد.

غير أن أكثر النقاط إثارة للجدل تتعلق بما يتردد عن إعادة توزيع المواقع التنفيذية والسيادية بين مراكز النفوذ القائمة، في إطار تفاهمات داخلية وخارجية، بدلاً من ربط تشكيل السلطة الجديدة بمسار انتخابي واضح وتفويض شعبي مباشر.

ويرى معارضون لهذا النهج أن الصيغة المقترحة قد تؤدي إلى إنتاج نسخة جديدة من الأزمة، لأنها تمنح الأولوية للاستقرار الأمني والإداري على حساب الشرعية السياسية، وتحول عملية توحيد المؤسسات إلى إعادة تنظيم لموازين القوى بدل بناء دولة قائمة على المساءلة والانتخاب.

كما أن الجدول الزمني المتداول حول المبادرة يزيد من المخاوف، إذ يتحدث عن تشكيل حكومة توافقية في ديسمبر/كانون الأول 2026، وإجراء انتخابات برلمانية في منتصف 2027، مع تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى حين معالجة الخلافات الدستورية.

وبالنسبة لكثير من الليبيين، تمثل الانتخابات الرئاسية الحلقة الأساسية في أي انتقال سياسي، باعتبارها الوسيلة التي تمنح الشعب فرصة لاختيار قيادته وإنهاء شرعية الأمر الواقع. لذلك فإن تأجيلها قد يُنظر إليه باعتباره تمديداً للمرحلة الانتقالية ومنحاً إضافياً للفاعلين السياسيين والعسكريين الحاليين.

وتحتل الموازنة الموحدة موقعاً مركزياً في التحرك الأميركي، باعتبارها أحد أبرز مظاهر التقارب بين المؤسسات الليبية المتنافسة. فقد شهد أبريل/نيسان 2026 إقرار أول موازنة موحدة منذ عام 2013 بقيمة 190 مليار دينار ليبي، أي ما يقارب 30 مليار دولار، مع توزيع بنود الإنفاق بين الرواتب والتنمية والدعم وتمويل المؤسسة الوطنية للنفط.

لكن أهمية هذه الخطوة تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على فرض رقابة حقيقية على المال العام. فالموازنة الموحدة لا تعني بالضرورة توحيد الدولة إذا ظلت آليات الإنفاق خاضعة للتجاذبات السياسية أو استخدمت الموارد المالية كأداة للحفاظ على التوازنات بين القوى المتنافسة.

وتنظر الولايات المتحدة إلى ليبيا من ثلاث زوايا رئيسية: مصدر للطاقة، وساحة نفوذ إقليمي، وموقع استراتيجي في مواجهة منافسين دوليين يسعون إلى توسيع حضورهم في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو مقاربة بولس أقرب إلى منطق إدارة المصالح الاقتصادية والأمنية منها إلى مشروع متكامل لبناء الدولة.

ويتركز الرهان الأميركي على حماية تدفقات النفط، واستقرار المؤسسات المالية، وتهيئة البيئة المناسبة للاستثمار، خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث تراهن شركات أميركية كبرى على فرص مستقبلية في السوق الليبية.

ولا شك أن استقرار قطاع النفط يمثل حاجة ليبية أساسية، باعتبار أن الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على العائدات النفطية، وأن أي اضطراب في الإنتاج أو في عمل المؤسسات المالية ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.

لكن الإشكالية تكمن في اختلاف الأولويات؛ فبينما ترى واشنطن في النفط مدخلاً لترتيب الاستقرار السياسي والأمني، يرى كثير من الليبيين أن المطلوب هو بناء نظام سياسي شرعي يضع الموارد النفطية تحت سلطة مؤسسات منتخبة وقواعد رقابة واضحة.

وتكشف مبادرة بولس عن صراع بين رؤيتين لمستقبل ليبيا؛ الأولى تركز على تثبيت الاستقرار عبر التفاهم مع القوى القائمة، وتأمين المصالح الاقتصادية والأمنية، خصوصاً في قطاع الطاقة. أما الثانية فتطالب بانتقال سياسي حقيقي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع ويضع نهاية لمرحلة المؤسسات المؤقتة.

وبين المسارين، يبقى التحدي الأكبر أمام أي مبادرة خارجية هو تجاوز منطق إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها. فليبيا لا تعاني فقط من انقسام المؤسسات، بل من أزمة شرعية، وتعدد مراكز القوة، وضعف آليات المحاسبة.

_________________

تفاصيل الاتفاق الليبي المرتقب

أسامة علي


كشف عبد الجليل الشاوش؛ عضو لجنة الحوار المصغر (4+4)، في تصريح خاص لـ”العربي الجديد”، عن تفاصيل في الاتفاق النهائي الذي ستشرف البعثة الأممية في ليبيا على توقيعه يوم الثلاثاء المقبل، موضحاً أن وثيقة الاتفاق تمثل “اتفاقاً متكاملاً” صيغ استناداً إلى مختلف مسارات الحوار التي تضمنتها خريطة الطريق برعاية البعثة الأممية.

وكانت البعثة الأممية قد أعلنت، الاثنين الماضي، اختتام اجتماعات لجنة الحوار المصغرة (4+4)، وشروع أعضائها في صياغة “الاتفاق النهائي” تمهيداً للتوقيع عليه خلال اللقاء المرتقب الأسبوع الجاري.

وذلك بعدما اجتمعت اللجنة للمرة الخامسة منذ تشكيلها في 4 مايو/ أيار الماضي، بعدما توصلت في اجتماعاتها السابقة إلى توافقات بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والاتفاق على قانوني الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

مرحلة انتقالية وحكومة موّحدة قبل الانتخابات

في غضون ذلك، أوضح الشاوش أن الاتفاق، المزمع توقيعه يوم الثلاثاء المقبل، يمثل حصيلة جميع الحوارات التي رعتها البعثة الأممية ضمن خريطة الطريق، مشيراً إلى أن اللجنة المصغرة استندت في صياغة الاتفاق إلى مخرجات “الحوار المهيكل”.

وفي التفاصيل كشف الشاوش أن الاتفاق المرتقب يرسم مرحلة انتقالية تمتد ما بين 18 و24 شهراً، تقودها حكومة موحدة تتولى إدارة المرحلة التمهيدية وصولاً إلى إجراء الانتخابات، على أن يُحال الاتفاق عقب توقيعه إلى مجلس الأمن لاعتماده قبل البدء في تنفيذه.
وأوضح أن وثيقة الاتفاق تتضمن قانوني الانتخابات البرلمانية والرئاسية “بالتفصيل”، إلى جانب معالجة ملفات السلطات المنقسمة، وفي مقدمتها السلطتان التنفيذية والقضائية، مؤكداً أن اللجنة رأت بتوحيد هذه المؤسسات شرطاً أساسياً قبل الانتقال إلى إجراء الانتخابات.

أمّا بالنسبة للسلطة التنفيذية، فأوضح الشاوش أن الاتفاق يتضمن إنهاء الانقسام الحكومي عبر إجراء تعديلات على الحكومة الحالية المعترف بها دولياً في طرابلس بـ”استيعاب الجميع” من دون الخوض في تفاصيل أخرى، معتبراً أن اللجنة رأت أنه “الخيار الأفضل” مقارنةً بتشكيل سلطة تنفيذية جديدة.

وحول المجلس الرئاسي قال الشاوش إنه “سيُحال إلى المسار العسكري الذي سترعاه البعثة بعد توقيع الاتفاق، للبت فيه باعتبار أن المجلس يتولى صفة القائد الأعلى للجيش”.

وحول الخطوة التالية بعد التوقيع، قال الشاوش إن الاتفاق “سيحال إلى مجلس الأمن لاعتماده”، معتبراً أن إحالته إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة “ستضعه في دائرة التعطيل”.

وأضاف أن اللجنة رأت أن اعتماد الاتفاق عبر مجلس الأمن يمثل “المسار الأكثر ضماناً” لتنفيذه، مشيراً إلى أن الوثيقة تتضمن أيضاً مادة تنص على معاقبة معرقلي تنفيذ الاتفاق، لضمان الالتزام بمخرجاته.

في المقابل، وفي ما يخص النقاط الخلافية التي عطلت إجراء الانتخابات في السابق، وتحديداً ملفات ترشح العسكريين وحاملي الجنسيات الأجنبية واشتراط تزامن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فقد “نجحت اللجنة في إزالتها”، بحسب ما أكّد الشاوش، موضحاً أن مسألة ترشح العسكريين “ستخضع للتشريعات الليبية النافذة، سواء على مستوى السماح لهم بالترشح أو لناحية الضوابط الناظمة لترشحهم، في حال سمحت التشريعات الليبية بذلك”، أما معالجة مسألة مزدوجي الجنسية “فهي في مراحلها النهائية قبل توقيع الاتفاق”، كما قال.

كيف ستتخطى اللجنة عقبة تزامن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؟

وفي ما يتعلق بالنقطة الخلافية الثالثة، الخاصة بتزامن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بحيث تلغى نتائج الانتخابات البرلمانية إذا تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية، أوضح الشاوش أن اللجنة قررت “فك الارتباط” بين موعدي الاستحقاقين، بحيث لا يجرى الاقتراع فيهما بصورة متزامنة.

وأضاف: “سيُترك الأمر للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات لتحديد موعد كل منهما بالتعاقب وفي فترة زمنية متقاربة، فالمفوضية هي من ستحدد، وفقاً لقدراتها الفنية واللوجستية، توقيت إجراء الاستحقاقين، على أن يفصل بينهما وقت قصير، ودون أن يرتبط إجراء أحدهما أو نتائجه بالآخر”.

وحول اتفاق اللجنة في اجتماعاتها السابقة على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مع إسناد مهمة اختيار رئيس المجلس إلى النائب العام من بين شخصيات قضائية مشهود لها بالنزاهة، قال الشاوش إن اللجنة “لا تزال بانتظار تسمية النائب العام لرئيس المفوضية”، مضيفاً: “في حال تعذر وصول الاسم قبل موعد التوقيع فسيُعتمد بديل عنه”، لكنه شدد على أن “الاتفاق لن يُوقع قبل حسم هذا الملف”.

وفي التفاصيل الأخرى، كشف الشاوش أن البعثة الأممية ستشرف خلال الأسبوع الجاري على مسارين، اقتصادي وعسكري. وأوضح أن المسار الاقتصادي يتمثل في استئناف أعمال اللجنة الفنية المشتركة بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، التي سبق أن وقعت الاتفاق التنموي الموحد في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، من أجل “مراجعة العقبات الفنية التي ظهرت أثناء تنفيذ الاتفاق وإدخال التعديلات اللازمة لتطويره”، مشيراً إلى أن اللجنة ستواصل اجتماعاتها بصورة دورية لهذا الغرض.

أما عن المسار الثاني، فقال الشاوش إنه “المسار العسكري، وسينطلق عبر مشاورات” بين طرفي البلاد بهدف توحيد المؤسسة العسكرية، مضيفاً أن القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) قدمت مقترحاً لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، ما يدل على انخراط أميركي في هذا الملف.

واستكمالاً لما كشفته مصادر ليبية لـ”العربي الجديد” في وقتٍ سابق عن قرب عقد اجتماعين في مدينة سرت:

الأول بين رئيس الأركان في طرابلس صلاح النمروش ورئيس أركان قوات شرق ليبيا خالد حفتر؛

والثاني بين وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية عبد السلام زوبي، ونائب “القائد العام” للقوات في شرق ليبيا صدام حفتر،

أكّد الشاوش أن هذه اللقاءات تندرج ضمن المسار العسكري الذي ستشرف عليه البعثة الأممية، موضحاً “نعم، هذه الاجتماعات في سرت ستكون ضمن المسار العسكري الذي سترعاه البعثة”.

وختم الشاوش تصريحاته بالتشديد على رفضه أن تبقى ليبيا “رهينة للتعديلات الدستورية التي يحتكرها مجلسا النواب والأعلى للدولة، فهذا وضع لا يمكن السماح باستمراره”. وأضاف أن اللجنة المصغرة (4+4) “انتهت من معالجة جميع الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وكل ما كان يقف عائقاً أمام إجراء الانتخابات”. واعتبر أن “مجلس الأمن يمثل الضمانة الأساسية لتنفيذ الاتفاق وضمان المضي به إلى نهايته”.

ويُذكر أن البعثة الأممية قد أطلقت خريطة الطريق في 21 أغسطس/آب الماضي، مستندةً :إلى مسارين رئيسيين

تمثل الأول في تكليف مجلسي النواب والأعلى للدولة بتهيئة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة (6+6). وبعد تعثر المجلسين في تحقيق أي تقدم، شكلت البعثة لجنة الحوار المصغرة (4+4)، التي ضمت ممثلين اثنين عن مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى جانب ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية وقيادة خليفة حفتر.

أما المسار الثاني فتمثل في “الحوار المهيكل”، الذي ضم نحو 120 شخصية من مختلف الشرائح السياسية والاجتماعية للمشاركة في بحث سبل تجاوز الخلافات التي تعترض العملية الانتخابية.

وفي السابع من يونيو/حزيران الماضي أعلنت البعثة انتهاء أعمال هذا الحوار الذي أوصت مخرجاته بضرورة توحيد السلطة التنفيذية بوصفها خطوة أساسية تسبق إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

_________________

الدبيبة وحفتر.. هل تنهي واشنطن الانقسام في ليبيا عبر شرعنة حكم العائلتين؟

عبر صفقة دبلوماسية، تسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء الانقسام الليبي، غير أن هذه الصفقة في جوهرها تُشرعن حكم عائلتين تتقاسمان مؤسسات الدولة.

وأوضحت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أن ليبيا لا تزال غارقة في اختلال مؤسسي، ففي الشرق، تهيمن عائلة خليفة حفتر على مؤسسات الدولة، فيما تسعى عائلة الدبيبة في الغرب إلى ترسيخ نفوذها.

جاء ذلك في تحليل للباحث تيم إيتون؛ الزميل الأول في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد “تشاتام هاوس”.

انخراط أميركي

وأشار إيتون إلى أن صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ووريثه المرتقب، التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، وأفاد بيان وزارة الخارجية بأن الرجلين ناقشا “الجهود الليبية الجارية لتوحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية”.

ولم يُعلن عن صفقة، لكن استقبال حفتر في واشنطن شكّل خطوة ذات دلالة، وفق المقال.

ومع ذلك، حرصت إدارة دونالد ترامب على التأكيد أن خططها لا تقتصر على الجمع بين عائلتي حفتر والدبيبة.

وقال مسعد بولس، المستشار الأول للرئيس ترامب لشؤون إفريقيا، لصحيفة “فاينانشال تايمز”: إن الخطة تقوم على “إقامة حكومة موحدة واحدة وتوحيد جميع المؤسسات”. 

غير أن إيتون رأى أن التوحيد وفق الشروط التي طرحها بولس يُشرعن عمليا حكم العائلتين.

وأضاف أنه رغم تقديم الخطة بوصفها مرحلة انتقالية تدعم خريطة طريق أممية تتضمن انتخابات، فإن الأرجح أن تسعى العائلتان إلى تأبيد مواقعهما، متجاهلتين تطلعات الليبيين إلى التغيير السياسي.

ورأى أن صفقة كهذه ستعني نهاية أي جهود انتقالية وتصعيدا للصراع بين العائلتين الحاكمتين.

ونقل المقال عن مصدر مطلع أن الصفقة المطروحة تقضي بأن يحتفظ الدبيبة بمنصب رئاسة الوزراء، فيما يتولى حفتر رئاسة المجلس الرئاسي.

ورغم أن التشكيلة ستشمل أطرافا أخرى، منها عضو عن الغرب وآخر عن الجنوب في المجلس الرئاسي الثلاثي، فإن القوة الفعلية ستبقى في يد العائلتين.

ولفت إيتون إلى أن رئاسة المجلس الرئاسي تمنح صاحبها صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ما يوفر لصدام حفتر منصة لتوسيع نفوذ قواته نحو غرب ليبيا.

وقد أخفقت هذه القوات في السيطرة على طرابلس خلال الفترة من 2019 إلى 2020، حين تكاتفت الفصائل المسلحة الغربية بدعم تركي لصد هجومها.

وأوضح أن لا شيء في سجل صدام حفتر أو والده يوحي باستعداد لتقاسم السلطة أو رغبة فيه، مرجحا أن يستخدم حفتر هذا المنصب نقطة انطلاق لفرض سيطرة شاملة.

وفي المقابل، سعت عائلة الدبيبة منذ توليها السلطة عام 2021 إلى تركيز الصلاحيات في مكتب رئاسة الوزراء. فتحت إشراف إبراهيم الدبيبة، ابن شقيق رئيس الوزراء ومستشاره للأمن القومي، توسع المكتب بشكل كبير ووُضعت تحت مظلته 94 مؤسسة حكومية تدير موارد مالية ضخمة.

وإن كان الاستمرار في السلطة التنفيذية مكسبا كبيرا، فإن حل الحكومة الشرقية المنافسة التي تعمل في ظل حفتر سيحرمه ورقة ضغط أساسية.

غير أن إيتون استدرك بأن الاحتفاظ بمنصب رئاسة الوزراء لن يكون كافيا في حد ذاته لعائلة الدبيبة، فهم يحتاجون ضمانات بأن قوات حفتر ستبقى في ثكناتها، وهو ما لم يُبدِ حفتر أي اهتمام به. 

وتساءل المقال عما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم هذه الضمانات، وعما إذا كان حفتر سيقبل بها لو قُدمت، مقدرا أن كلا الاحتمالين مستبعد.

ويزيد من تعقيد المشهد أن عائلة الدبيبة تنحدر من مصراتة، المدينة القوية في غرب ليبيا التي تتبنى موقفا متشددا ضد حفتر.

وذكر إيتون أن هذا المشهد بعيد كل البعد عن وعود عام 2011، حين أطاح الليبيون بالزعيم معمر القذافي بدعم جوي من حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودول خليجية، وأجروا انتخابات عام 2012. 

لكن الخلاف حول المشاركة في النظام السياسي الجديد تصاعد وأفضى إلى اندلاع حرب ثانية عام 2014، أفرزت حكومتين متنافستين في الشرق والغرب.

وفي الشرق، بدأت عائلة حفتر بناء قواتها عبر حملة دامية في بنغازي اتخذت بعدا عرقيا جزئيا، فيما غرق الغرب في صراعات فصائلية أتاحت لتنظيم الدولة السيطرة على مدينة سرت.

وكانت حكومة الوحدة الوطنية حين تولت السلطة عام 2021 أول حكومة وطنية موحدة منذ سبع سنوات، لكنها لم تدم طويلا؛ فقد أدى انهيار الانتخابات المقررة في ديسمبر/كانون الأول 2021 إلى ظهور حكومة منافسة أخرى، ولا تزال ليبيا حتى اليوم بحكومتين.

عودة العائلات

ولفت إيتون إلى أنه “لا يبدو أن أيا من الأطراف الليبية، بما في ذلك العائلتان نفساهما، مقتنع بهذه الصفقة حتى الآن”.

وأفاد بأن مبادرة بولس أثارت موجة غضب لدى كثير من الليبيين الذين يرون فيها تمهيدا لعودة حكم العائلات، من دون اقتناع بأن تقاسم السلطة سيمتد فعليا إلى ما وراء شبكتي العائلتين. ونقل عن قائد مؤسسي بارز وصفه الصفقة بأنها “نهاية الآمال الديمقراطية لليبيا”.

وبخصوص صفقة الميزانية، أوضح إيتون أن جهود بولس في تشكيل حكومة موحدة أعقبت اتفاقا أميركيا بشأن ميزانية موحدة جديدة.

وبلغت قيمة الميزانية المُعلنة في 11 أبريل/نيسان 30.1 مليار دولار، وهي أول اتفاق ميزانية موحدة رسمي منذ عام 2014. 

ومثّل الاتفاق إنجازا دبلوماسيا مهما، لأنه تجاوز المؤسسات الليبية المتنافسة وارتكز على صفقة مباشرة بين إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر.

وأوضح الباحث أنه قبل عام 2021، كان الشرق والجنوب ينتجان النفط والغاز، وتتولى المؤسسة الوطنية للنفط بيعه في الأسواق الدولية، ثم تحوّل العائدات إلى مصرف ليبيا المركزي؛ حيث تتفاوض الأطراف كلها على حصصها من الإيرادات.

لكن بدءا من عام 2022، تحوّل هذا الوضع حين وسّعت المؤسسة الوطنية للنفط عمليات مقايضة النفط الخام مقابل الوقود لتمويل دعم الوقود، فضلا عن تسوية ديون مع شركاء عبر مقايضات نفطية مباشرة.

وأشار إلى أن بيانات مصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة تدل على أن هذه الآليات “خارج الدفاتر” أخفت ارتفاعا هائلا في الإنفاق الحكومي، من 18.5 مليار دولار عام 2021 إلى أكثر من 50 مليار عام 2024، ما سهّل موجة غير مسبوقة من تحويل أموال الدولة.

وأضاف أن صفقة الميزانية ليست هبة مجانية، إذ يتعين على النخب الليبية خفض نحو 40 بالمئة من نفقات عام 2024 للالتزام بشروطها، وهو مطلب ثقيل من المرجح أن يفاقم التوترات بين العائلتين.

وعلى صعيد المصالح الأميركية، لفت إيتون إلى أن بولس سهّل بالفعل عودة شركة “شيفرون” وروّج لفرص استثمارية في ليبيا، غير أنه أوضح أن تحسين الحوكمة الاقتصادية شرط لازم لدخول شركات أميركية في عقود طويلة الأمد تتطلب استثمارات ضخمة.

وبدلا من استخدام صفقة الميزانية جسرا فوريا لتشكيل حكومة جديدة، أوصى إيتون الولايات المتحدة بتوظيف أوراقها الضاغطة لإلزام الأطراف الليبية بتعهداتها.

الأوراق الرابحة

في هذا السياق، أشار إلى أن واشنطن تملك أوراقا رابحة تشمل فرض قيود مستهدفة على السيولة لتقييد الوصول إلى الدولار، وصولا إلى عقوبات فردية إن لم تلتزم النخب بنصيبها من الاتفاق.

وأقرّ بأن الانغماس في العمل الفني لتطبيق الميزانية لن يوفر لبولس عناوين كبرى يقدمها للبيت الأبيض، لكنه سيُقلّص هيمنة العائلتين عبر تضييق وصولهما إلى الإيرادات واختراقهما مؤسسات الدولة، ما يعزز موقف واشنطن التفاوضي.

وأضاف أنه لو شُكلت حكومة حفتر-الدبيبة، فإنها ستُفرغ صفقة الميزانية من مضمونها وتسمح للحكومة الجديدة بوضع ميزانيتها الخاصة، ما يعني القضاء على أي استقلالية مؤسسية متبقية خارج دائرة العائلتين، كما سينقل الصراع بينهما إلى داخل الحكومة بدلا من حله.

وأكد الباحث أن عدم وجود صفقة مطلقا هو أفضل من عقد صفقة سيئة.

ومن بين المبادرات الممكنة، أشار إيتون إلى تفعيل المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي، التي تتيح للأمم المتحدة قيادة عملية تشكيل حكومة موحدة جديدة.

وختم إيتون بأن على الولايات المتحدة أن تتعظ من سجلها في المراهنة على أفراد في دول تعاني من النزاعات، مستشهدا بتجربتي حامد كرزاي في أفغانستان ونوري المالكي في العراق اللتين تؤكدان أن إقامة حكم فردي على حساب تقوية المؤسسات مآلها الفشل.

وقال: إن التجربة الليبية تُظهر أن “النخب الليبية تأكل الجزرة، أما العصا فلا تُشهر في وجهها أبدا”، مؤكدا أن تغيير هذه المعادلة شرط لنجاح الدبلوماسية الأميركية ولبقاء أي نظام يتجاوز حكم العائلات.

__________________

تفاصيل صراعات داخل معسكري الشرق والغرب تعرقل تقدم مبادرة مسعد بولس بشأن ليبيا

كشفت مصادر ليبية مطلعة أن العقبة الرئيسية أمام المسار الذي يقوده مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس لم تعد تقتصر على الانقسام التقليدي بين شرق ليبيا وغربها، بل باتت تتمثل في صراعات داخل كل معسكر حول الجهة التي تملك حق التفاوض وتمثيل مراكز القوة في أي ترتيبات سياسية أو عسكرية مقبلة. 

فقد أظهرت اجتماعات مالطا الأخيرة، وما سبقها من اتصالات وتحركات، وفق مصادر “عربي بوست”، أن التفاهم بين معسكري شرق ليبيا وغربها أصبح مرتبطاً أولاً بحسم التنافس داخل كل طرف.

ففي الشرق، برزت خلافات بين أبناء خليفة حفتر حول إدارة الاتصالات السياسية والعسكرية والدولية، بينما اتبع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في الغرب سياسة مزدوجة تقوم على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة مع معسكر الشرق، بالتوازي مع تشجيع مواقف رافضة للمشروع الأمريكي داخل مصراتة، بهدف رفع سقف التفاوض وكسب الوقت.

وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تمضي في بلورة مبادرتها تدريجياً عبر حوارات مغلقة مع الشخصيات الأكثر نفوذاً، في وقت لا تزال فيه المبادرة غير مكتوبة رسمياً، فيما تتواصل النقاشات حول ملفات توحيد السلطة التنفيذية، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وتقاسم النفوذ داخل أي سلطة انتقالية جديدة، وسط تباين واضح بين المسار الأمريكي والمسار الذي ترعاه الأمم المتحدة.

حوار مستمر وخلافات حول السلطة والجيش

مثّلت اجتماعات مالطا، التي استضافتها الجزيرة في 6 يوليو/ تموز 2026 برعاية مسعد بولس، أول اختبار عملي لمحاولة تقريب وجهات النظر بين مراكز القوة في شرق ليبيا وغربها، وشارك فيها القائم بالأعمال الأمريكي لدى ليبيا جيريمي برنت، إلى جانب شخصيات سياسية وعسكرية تمثل الطرفين.

وضم الاجتماع السياسي صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات التابعة لخليفة حفتر، وإبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي في حكومة الوحدة الوطنية، إضافة إلى وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي.

وبالتوازي، عُقد اجتماع عسكري شارك فيه صدام حفتر، ووكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية عبد السلام الزوبي، إلى جانب 3 ممثلين عن القيادة العامة و3 ممثلين عن حكومة الوحدة.

وقالت مصادر مطلعة لـ”عربي بوست” إن النقاشات تناولت ملفات توحيد المؤسسة العسكرية، وشكل القيادة المستقبلية، وآلية توزيع المواقع داخل أي سلطة تنفيذية أو رئاسية جديدة، إلا أنها انتهت من دون التوصل إلى اتفاق نهائي.

وبحسب المصادر، برزت الخلافات فور الانتقال من المبادئ العامة إلى التفاصيل التنفيذية، ولا سيما ما يتعلق بصلاحيات القيادة العسكرية، وتبعية رئاسة الأركان، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية.

وأضافت المصادر أن وفد القيادة العامة تمسك بالحفاظ على الهيكل الأساسي للقوات التابعة لخليفة حفتر، مع ضمان موقع قيادي لصدام حفتر داخل المؤسسة العسكرية الموحدة أو ضمن السلطة التنفيذية التي قد تدير المرحلة المقبلة.

في المقابل، طالب ممثلو حكومة الوحدة بضمانات تحول دون تحول عملية توحيد المؤسسة العسكرية إلى وسيلة لتوسيع نفوذ القيادة العامة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية في غرب ليبيا.

وشملت نقاط الخلاف أيضاً صلاحيات القائد الأعلى، وآلية اختيار رئيس الأركان وقادة المناطق العسكرية، وطريقة اتخاذ القرارات، ومستقبل التشكيلات والأجهزة التابعة للطرفين، فضلاً عن مسألة خضوع المؤسسة العسكرية الموحدة لسلطة مدنية، وما إذا كانت ستتبع مجلساً رئاسياً أو تنفيذياً يجري تشكيله ضمن التصورات الأمريكية، أم ستحتفظ بهامش واسع من الاستقلال.

ورغم انتهاء الاجتماعات من دون اتفاق، قرر المشاركون الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة، وتأجيل استكمال المباحثات إلى جولة جديدة بعد نحو أسبوعين، في محاولة لتقليص هوة الخلافات.

وتشير المعطيات إلى أن لقاء مالطا لم يكن بداية هذا المسار، بل جاء امتداداً لقناة تفاوضية بدأت خلال عام 2025 بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، وشهدت لقاءات في روما ثم باريس بتنسيق أمريكي وفرنسي، قبل أن تتوسع في مالطا لتشمل شخصيات سياسية وعسكرية إضافية.

وترى المصادر أن اختيار صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة لقيادة هذه القناة يعكس توجهاً أمريكياً للتعامل مع الشخصيات التي تمتلك نفوذاً فعلياً داخل دوائر القرار في شرق ليبيا وغربها، بدلاً من الاكتفاء بالمؤسسات السياسية التقليدية، مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي.

صراع معسكر الشرق بين أبناء حفتر

لم تكشف اجتماعات مالطا فقط حجم التباين بين شرق ليبيا وغربها، بل أظهرت أيضاً أن معسكر القيادة العامة لا يتحرك بقرار سياسي وعسكري موحد، في ظل تنافس متزايد بين أبناء خليفة حفتر على إدارة ملفات المرحلة المقبلة.

وتقول مصادر مطلعة لـ”عربي بوست” إن بلقاسم حفتر كان مرشحاً للمشاركة في جانب من اجتماعات مالطا، قبل أن يتراجع عن الحضور إثر خلاف مع شقيقه صدام حفتر.

وبحسب المصادر، اعترض بلقاسم على محاولات صدام حصر الاتصالات الدولية والملفات السياسية في دائرته الخاصة، وتقديم نفسه بوصفه الممثل الرئيسي لمعسكر الشرق وعائلة حفتر أمام الولايات المتحدة.

ويترأس بلقاسم الجهاز التنفيذي لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يشرف على تنفيذ مشروعات واسعة في شرق البلاد ومناطق أخرى، ما منحه نفوذاً اقتصادياً وإدارياً متنامياً.

وترى المصادر أنه يعتبر ملف إعادة الإعمار جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية واقتصادية مقبلة، خاصة مع ارتباط المقترحات المطروحة بتوحيد الميزانية وفتح قطاعات الطاقة والبنية التحتية أمام الاستثمارات الأجنبية.

في المقابل، يسعى صدام إلى تثبيت موقعه باعتباره الواجهة السياسية والعسكرية الرئيسية للعائلة، والطرف المخول بالتفاوض بشأن السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسة العسكرية. وتؤكد المصادر أن أسباب غياب بلقاسم لم تُعلن رسمياً، وتبقى تفاصيل الخلاف منسوبة إلى المصادر المطلعة.

وبالتوازي مع ذلك، كان يجري الإعداد لمسار عسكري منفصل يجمع خالد حفتر، رئيس الأركان التابع للقيادة العامة، برئيس الأركان العامة المكلف في طرابلس صلاح الدين النمروش، بعد لقائهما خلال مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة في العاصمة الأنغولية لواندا، حيث ناقشا التعاون العسكري ومساعي توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وتضيف المصادر أن ترتيبات كانت قد بدأت لعقد اجتماع مباشر بينهما في مدينة سرت، بهدف استكمال هذه المناقشات والانتقال إلى بحث الخطوات التنفيذية المتعلقة بهياكل رئاسة الأركان وآليات التنسيق بين القوات في الشرق والغرب.

إلا أن مصدراً خاصاً كشف لـ”عربي بوست” أن الاجتماع أُلغي بعد تدخل من صدام حفتر، الذي طلب من الأمين العام للقيادة العامة وعضو اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” خيري التميمي عدم المضي في استضافة اللقاء.

وبحسب المصدر، أبلغ التميمي الجانب الآخر بالاعتذار عن عقد الاجتماع، مبرراً ذلك بعدم اكتمال الترتيبات، رغم أن التنسيق الأولي كان قد بدأ، وكان الطرفان قد أبديا استعدادهما للمشاركة.

ويرى المصدر أن قرار الإلغاء لم يكن مرتبطاً بالجوانب اللوجستية فقط، وإنما بتحفظ صدام على قيام قناة عسكرية مستقلة يقودها خالد حفتر مع رئاسة الأركان في طرابلس، بعيداً عن المسار السياسي والعسكري الذي يشارك فيه صدام شخصياً ضمن مبادرة بولس.

وأضاف المصدر أن نجاح هذا المسار كان سيمنح خالد موقعاً متقدماً في ملف توحيد المؤسسة العسكرية، وهو ما يفسر، بحسب روايته، اعتراض صدام على عقد الاجتماع. وتظل هذه المعلومات منسوبة إلى المصدر الخاص، في ظل عدم صدور أي إعلان رسمي يوضح أسباب إلغاء اللقاء أو ما إذا كان قد أُجل إلى موعد لاحق.

وتكشف هذه التطورات عن تنافس يتجاوز الخلافات الشخصية بين أبناء حفتر، ليصل إلى توزيع أدوار ونفوذ داخل معسكر الشرق. فصدام يقود الاتصالات السياسية والدولية، وخالد يتمسك بملف المؤسسة العسكرية، بينما يسعى بلقاسم إلى الحفاظ على نفوذه في ملفات الاقتصاد وإعادة الإعمار، وهو ما يجعل أي تفاهم مع الشرق الليبي مرتبطاً أولاً بحسم هذه التوازنات الداخلية.

الدبيبة يفاوض ويحرك رفض مصراتة

في غرب ليبيا، تكشف مصادر خاصة لـ”عربي بوست” أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة اعتمد مقاربة مزدوجة في التعامل مع المبادرة الأمريكية، تقوم على الإبقاء على قناة التفاوض التي يقودها شقيقه إبراهيم مع صدام حفتر، بالتوازي مع تحريك مواقف سياسية واجتماعية رافضة للمشروع داخل مدينة مصراتة.

وبحسب المصادر، عقد الدبيبة اجتماعاً مع شخصيات اجتماعية وسياسية من مصراتة قبل وصول مسعد بولس إلى المدينة، وطلب منها التعبير علناً عن رفض المبادرة الأمريكية، بل ودعا إلى رفع سقف الاعتراض، حتى لو وصل الأمر إلى محاولة منع بولس من دخول مصراتة.

وأضافت المصادر أن الدبيبة أبلغ الحاضرين بأنه يتعامل مع التحركات الأمريكية بمنطق المماطلة وكسب الوقت، في ظل اعتقاده أن الصيغة المتداولة قد تمنح صدام حفتر وعائلته نفوذاً واسعاً داخل السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية، ما قد يهدد موقع حكومة الوحدة والتحالفات التي تستند إليها.

ورغم ذلك، لم يغلق الدبيبة باب التفاوض، إذ واصل إبراهيم الدبيبة المشاركة في الاجتماعات التي جمعت ممثلين عن الشرق والغرب، ما يعكس، وفق المصادر، رغبة رئيس الحكومة في متابعة تفاصيل المشروع الأمريكي من الداخل، مع الاحتفاظ بأوراق ضغط محلية تمكنه من تعديل المقترحات أو تأخيرها إذا اقتضت الحاجة.

وتوضح المصادر أن الدبيبة لا يتعامل مع المبادرة الأمريكية بمنطق القبول أو الرفض النهائي، وإنما يحاول إبقاء جميع الخيارات مفتوحة؛ التفاوض لمعرفة ما تعرضه واشنطن، وفي الوقت نفسه استخدام المواقف الرافضة داخل مصراتة لتعزيز موقعه التفاوضي.

ويكتسب موقف مصراتة أهمية خاصة، باعتبارها أحد أبرز مراكز القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية في غرب ليبيا، والحاضنة الاجتماعية الرئيسية لعائلة الدبيبة.

وترى المصادر أن صدور موقف رافض من المدينة يمنح رئيس الحكومة ورقة إضافية أمام الجانب الأمريكي، مفادها أن أي ترتيبات تمنح معسكر حفتر دوراً متقدماً داخل السلطة لن تكون قابلة للتنفيذ من دون قبول القوى المؤثرة في غرب البلاد.

كما يتيح هذا الموقف للدبيبة الاستمرار في المفاوضات من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن، إذ يستطيع الاستناد إلى اعتراض القوى الاجتماعية والعسكرية في مصراتة للمطالبة بتعديل الصيغة المطروحة أو تأجيلها.

في المقابل، تشير المصادر إلى أن جانباً من الرفض داخل المدينة لا يرتبط فقط بموقف الدبيبة، بل يعكس أيضاً مخاوف حقيقية لدى بعض القوى من منح صدام حفتر موقعاً سياسياً أو عسكرياً متقدماً عبر تسوية لا تستند إلى انتخابات، وهو ما يجعل موقف مصراتة أكثر تعقيداً من اختزاله في كونه استجابة لتوجيهات رئيس الحكومة.

مفاوضات تتقدم على النصوص

في الوقت الذي تتواصل فيه اللقاءات بين ممثلي الشرق والغرب، لا تزال المبادرة التي يعمل عليها مسعد بولس في مرحلة المشاورات، من دون أن تتحول إلى وثيقة سياسية مكتوبة.

فعقب اجتماع بولس مع أعيان وحكماء وقيادات عسكرية وممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني في مصراتة، أكد بيان صادر عن المشاركين أن بولس لم يعرض مبادرة مكتوبة أو بنوداً نهائية، موضحاً أن المرحلة الحالية تقتصر على الاستماع إلى آراء الأطراف الليبية وجمع المقترحات تمهيداً لصياغة مشروع متكامل في مرحلة لاحقة.

وبحسب البيان، طالب المشاركون بتقديم مسودة مكتوبة يمكن مناقشتها، وشددوا على أن مدنية الدولة وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية يمثلان خطين أحمرين، مع رفض أي مسار يقود إلى عسكرة الدولة أو فرض حلول بقوة السلاح. ودعوا إلى إطار دستوري واضح، وضمانات دولية، وتوسيع المشاركة في أي تسوية، بدلاً من حصرها في القوى المسيطرة على المؤسسات والسلاح.

غير أن المعطيات التي حصل عليها “عربي بوست” تكشف مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي يؤكد فيه بولس أن المبادرة لم تكتمل بعد، تناقش الاجتماعات المغلقة في مالطا ملفات تفصيلية تتعلق بشكل السلطة التنفيذية، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وآليات توزيع المواقع بين الأطراف الليبية.

وترى المصادر أن ذلك يعكس منهجاً أمريكياً يقوم على بلورة المبادرة تدريجياً عبر التفاوض مع مراكز النفوذ الفعلية، بدلاً من طرح مشروع متكامل منذ البداية، ما يسمح بإدخال تعديلات على الصيغة النهائية وفق مواقف الأطراف المشاركة.

وبحسب التصورات المتداولة، تدور المناقشات حول تفاهم يشمل توحيد السلطة التنفيذية، والمؤسسات العسكرية والمالية، وضمان استمرار إنتاج النفط، وفتح المجال أمام استثمارات أمريكية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية.

كما تتضمن بعض الطروحات منح معسكر حفتر موقعاً قيادياً داخل مجلس رئاسي أو مجلس تنفيذي جديد، مقابل استمرار عبد الحميد الدبيبة، أو دائرته السياسية، في رئاسة الحكومة أو الاحتفاظ بنفوذ واسع داخل السلطة التنفيذية.

وتثير هذه المقاربة مخاوف لدى عدد من القوى الليبية، التي ترى أن المشاورات العامة التي يجريها بولس مع المدن والقوى السياسية قد تتحول إلى غطاء لتفاهمات تُحسم عملياً في الاجتماعات المغلقة بين الشخصيات والعائلات ومراكز النفوذ العسكري الأكثر تأثيراً، قبل عرضها في إطار مبادرة رسمية.

المسار الأمريكي في مواجهة المقاربة الأممية

بالتوازي مع التحركات التي يقودها مسعد بولس، يواصل المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة إحراز تقدم في عدد من الملفات السياسية، ما يعكس وجود مقاربتين مختلفتين لمعالجة الأزمة الليبية.

فقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا توصل لجنة “4+4” السياسية إلى تفاهمات بشأن القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وتضم اللجنة 4 ممثلين عن مجلس النواب و4 عن المجلس الأعلى للدولة، كما كلفت فريقاً من أعضائها بإعداد الصيغة النهائية للاتفاق تمهيداً لتوقيعه.

ويختلف هذا المسار عن عمل اللجنة العسكرية المشتركة “5+5″، التي تركز على ملفات وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية، إذ ينصب عمل لجنة “4+4” على القاعدة القانونية والسياسية اللازمة لإجراء الانتخابات.

ورغم تأكيد بولس أن تحركاته تأتي استكمالاً للمسار الأممي، فإن المعطيات تشير إلى اختلاف واضح بين المقاربتين. فالأمم المتحدة تنطلق من الانتخابات باعتبارها المدخل لإعادة إنتاج الشرعية، بينما تركز واشنطن على التوصل أولاً إلى تفاهم بين القوى الأكثر نفوذاً على الأرض، قبل الانتقال إلى أي استحقاق انتخابي.

ويرى مؤيدو المقاربة الأمريكية أن التفاهم بين مراكز القوة السياسية والعسكرية قد يوفر قدراً من الاستقرار يسمح بإجراء الانتخابات لاحقاً، فيما يحذر معارضوها من أن تتحول الترتيبات الانتقالية إلى صيغة دائمة لتقاسم السلطة بعيداً عن صناديق الاقتراع.

_______________

هل تمضي ليبيا نحو حكم العائلة؟

الحبيب الأسود

حكم العائلة قد يكون الحل الأمثل للخروج من المأزق التاريخي الليبي؛ فهو نموذج ينسجم مع الخصوصيات الحضارية والثقافية، ويتجاوز حالة السيولة والتشظي التي أصابت الدولة منذ 2011

هل يمكن أن تتحول ليبيا إلى مملكة على غرار ما كانت عليه عند تأسيس الدولة الوطنية الحديثة في العام 1951 على يد الملك إدريس السنوسي أمير برقة، الذي استجاب لنداء الاتحاد ثم الوحدة وقاد مسيرة تكريس الكيان الليبي المنبثق عن توافقات الحلفاء إثر هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية؟ قد يتوقف المشير خليفة حفتر عند سيناريو وصول إدريس السنوسي إلى قيادة الدولة الوليدة، انطلاقًا من توليه إمارة الحركة السنوسيّة في عام 1916 خلفًا لابن عمه أحمد الشريف، ونجاحه في تسجيل حضوره وتكريس دوره كزعيم روحي واجتماعي وكقائد سياسي وعسكري للمقاومة التي قادها ضد الغزاة الإيطاليين سواء من داخل برقة أو من خارجها، وصولًا إلى اعتراف روما به أميرًا من خلال اتفاقية الرجمة في الخامس والعشرين من تشرين الأول – أكتوبر 1920 ومنحه حكمًا ذاتيًا وراثيًا في برقة، مع منح السنوسيين إدارة واحات الجغبوب وأوجلة وجالو والكفرة، وذلك قبل أن يتولى موسوليني الحكم في إيطاليا ويتنكّر للمعاهدات المعقودة مع الزعماء الليبيين.

في العام 1949، اعترفت بريطانيا بإمارة برقة وبإدريس السنوسي أميرًا عليها، تقديرًا لدوره العسكري والسياسي ولوجاهته الاجتماعية وزعامته الروحية. ومن هناك بقيت البلاد تحت الإدارة العسكرية البريطانية حتى عام 1950 حينما وافقت الأمم المتحدة على استقلال الأقاليم الثلاثة في 24 كانون الأول – ديسمبر 1951، وإعلانها دولة اتحادية تحت حكم الملك إدريس السنوسي الأول.

من إدريس السنوسي إلى حفتر ظلّ حكم العائلة جزءًا من تاريخ ليبيا حيث تتقاطع الشرعية السياسية مع الزعامة الاجتماعية والخصوصيات القبلية

يعتقد منتقدو دور ومواقف القيادة العامة للجيش أنهم يسجلون هدفًا في مرمى “الرجمة” إذا تحدثوا عن إمكانية الدفع نحو العودة إلى الحكم الوراثي في ليبيا، بينما التاريخ يثبت أن ليبيا كانت دائمًا تحت حكم العائلة، بما في ذلك عائلة القذافي وخلفيتها القبلية المغرقة في بداوتها غير القابلة للانسجام مع متطلبات العصر وشروط الاندماج فيه، وعائلة الدبيبة التي وصلت إلى الحكم بالاعتماد على قوة المال وسلطة المساومة السياسية، فيما وصلت أسرة حفتر إلى بسط نفوذها على أغلب مناطق البلاد ومنابع الثروة انطلاقًا من براغماتية سياسية بُنيت عمدانها على قوة التأثير الاجتماعي وجرأة القرار العسكري الميداني الذي اتخذه الأب المؤسس في مايو 2014 عندما استجاب لطلب زعماء القبائل بإطلاق الشرارة الأولى لعملية الكرامة، التي اكتسبت فيما بعد امتيازات الثورة بما حققته من منجزات على الأرض، سواء بنجاحها في تفكيك الجماعات التكفيرية وإحباط خطط إفراغ ليبيا من سكانها والسيطرة على ثرواتها وتحويلها إلى موئل لشبكات الإرهاب العالمي في سياق إعادة تشكيل خارطة الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة، أو بإعادة تأسيس الجيش الوطني الذي يرتبط تأسيس نواته الأولى في المنفى بمصر عام 1940 باسم الملك إدريس السنوسي حتى أنه عُرف آنذاك باسم جيش التحرير السنوسي. ومنذ العام 2014 نجح المشير حفتر في جمع شتاته وترميم بنيانه وتطوير أدائه وتحويله إلى مؤسسة عسكرية يُشار إليها بالبنان إقليميًا ودوليًا.

اليوم، يعتمد المشير خليفة حفتر على أبنائه في قيادة مشروعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن ورائهم على كوادر متخصصة في مجالات عملها. وإذا كان الفريق صدام حفتر يتقدم المشهد بوضوح كنائب للقائد العام للقوات المسلحة، ومن هناك كمرشح لمنصب رئيس المجلس الرئاسي في البلاد، فإن للمسألة أبعادًا تتعلق بقراءة الوالد لشخصية ولده وقدرته القيادية ومواهبه في فهم التحولات والتعامل مع المستجدات، وفي اكتساب جملة من الصفات التي لا غنى عنها، ومنها ما يتعلق بالزعامة الاجتماعية والقيادة العسكرية والرؤية السياسية والعلاقات الذكية المتوازنة، وبالتعامل مع الطموح على أنه ضرورة، ومع الحلم على أنه واقع قيد التحقيق، ومع ما يراه الآخرون مستحيلاً على أنه أمر ممكن لا يحتاج إلا إلى النظر إليه برؤية مختلفة.

هل يعني ذلك أن هذا الواقع سيستمر؟ من يتأمل المشهد الليبي يدرك أن القيادة العامة نجحت في اكتساب شرعية التحرير والتعمير، وإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة سيادتها في مناطق نفوذها، وفي تحويل سلطتها المادية والمعنوية إلى أمر واقع تأكد بتحييد الخصوم وإزالة العوائق، وبفرض منوال للحكم وإدارة الشأن العام ينسجم مع خصوصيات البيئة الاجتماعية، ويتقدم بقوة على أي مشروع يسعى إلى منافسته في ليبيا.

يضاف إلى ذلك أن مشروع القيادة العامة يحظى بعلاقات إقليمية ودولية واسعة، وقد نجح في تأسيس توازنات محسوبة بمعايير المصلحة الوطنية تعتمد على إيجابيات رصيد الدولة منذ تأسيسها وتتلافى سلبيات تشددها الأيديولوجي، واستطاع أن ينقل الأعداء المتآمرين إلى خانة الأصدقاء الداعمين، وأن يحظى بثقة القوى الكبرى التي تتفق على احترام الخيارات التي تأسست عليها ثورة الكرامة، والاعتراف بذكاء المشير حفتر في احتواء القوى الاجتماعية الفاعلة والتباينات القبلية المتوارثة، وفي تحقيق مصالحة عملية مع نظامي الملك والعقيد، وبسلاسة الانتقال من معركة التحرير إلى معركة التعمير، ثم بتهيئة نموذج سياسي وتنموي يمكن اعتماده بنجاح ودون المساس بخصوصيات المجتمع الليبي المتنوع ضمن ثوابته والمتعدد في وحدته.

الجدل حول حكم العائلة يعكس أزمة الشرعية لكن التجارب الإقليمية تشير إلى أن الوراثة قد تُقدّم نموذجًا للاستقرار إذا انسجم مع خصوصيات المجتمع

على الضفة الأخرى، يخشى عبدالحميد الدبيبة من وصول الفريق صدام إلى منصب القائد العام للقوات المسلحة في كامل أرجاء ليبيا من وراء إمساكه بمقاليد المجلس الرئاسي. بعض المقربين منه يتحدثون عن مخاوف من تغيير كامل في المشهدين السياسي والميداني، ويحذرون من أن القيادة العامة يمكن أن تحقق بواسطة الاتفاق المنتظر ما لم تحققه بالحرب والمواجهة. وذلك انطلاقًا من جملة معطيات على الأرض، من أبرزها اقتناع الشارع الليبي في المنطقة الغربية وأغلب الأجهزة الحكومية وعدد من الميليشيات المؤثرة في طرابلس ومصراتة والزاوية بأن لا مجال لبقاء الوضع على ما هو عليه، وأن الحل يكمن في استعادة الدولة لسيادتها المنتهكة منذ العام 2011، وفي توحيد مؤسساتها وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، وتعميم مشاريع إعادة الإعمار، وتحقيق المصالحة، ثم الانطلاق في تحديد ملامح الوضع النهائي ومنها كتابة الدستور والإعلان عن طبيعة النظام السياسي، وهو النموذج الذي تعتمده القيادة العامة.

غير أن أهم ما يطرحه مناوئو الرجمة هو الحديث عن التأسيس لحكم العائلة في ليبيا من خلال شرعنة دور أسرة المشير حفتر والاعتراف بها دوليًا. بينما يغيب عن هؤلاء أن العالم بات يجمع على أن أفضل نماذج القيادة والتنمية والحوكمة في المنطقة العربية هي تلك التي تمثلها الدول المحكومة بأنظمة وراثية تتعامل مع أوطانها بمعايير اجتماعية صارمة في تجاوب وانسجام مع الخصوصيات الحضارية والثقافية لشعوبها. وسواء كان ذلك ضمن نظام الوحدة أو الاتحاد، فإن حكم العائلة قد يكون الحل الأمثل للخروج من المأزق التاريخي الذي تعاني منه ليبيا منذ سنوات.

لقد تولى إدريس السنوسي منصب أمير برقة ثم ملك ليبيا ليس فقط نزولًا عند رغبة الشعب، وإنما تلبية لمتطلبات اللحظة التاريخية والخصوصيات الثقافية ولحاجة اجتماعية ملحة لملء الفراغ الذي تركه تنازل الخلافة العثمانية رسميًا عن الإقليم لإيطاليا تنفيذًا لمعاهدة أوشي بين الطرفين. وهي تقريبًا المسوغات ذاتها التي شرعنت دور المشير حفتر وفسحت أمامه المجال لقيادة مشروع يراه واقعيًا وعقلانيًا ومجديًا في حلحلة أزمة الشرعية السياسية والصراعات الاجتماعية والتباينات القبلية والمناطقية التي اتسعت رقعتها بعد العام 2011.

__________________

خطة بولس في ليبيا.. انتقال ديمقراطي أم تكريس للاستبداد؟

السنوسي بسيكري

في مقابلة مؤخرا مع تلفزيون العربية “الحدث” أكد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية أن الخطة التي يشرف عليها لإنهاء النزاع في ليبيا هي خطة الولايات المتحدة بإشراف الرئيس ترامب، وهذا التصريح ينهي الجدل الدائر حول مساعي بولس من أنها فردية ولا تمثل البيت الأبيض، وأنها لا تعكس الإرادة الأمريكية حيال حل الأزمة الليبية.

لكنه وفي المقابلة ذاتها أشار بشكل غير مباشر إلى عدم وجود خطة متكاملة، وأن تفاصيل المبادرة يصممها الفرقاء الليبيون، وهذا يتعارض مع التسريبات التي تحدثت عن خطة أمريكية تتضمن مراحل، تبدأ بتشكيل سلطة تنفيذية ثم برلمان انتقالي والبتّ في الدستور وصولا إلى انتخاب البرلمان الدائم والانتخابات الرئاسية، يشملها إطار زمني يمتد من 2026م إلى 2032م.

 الأمريكية، وغياب أي معلومات موثقة حولها صادرة عن الجهة المعنية، يلقي بظلاله على مواقف الأطراف المعنية بها، وقدر رأينا حالة الذهول

بولس ذكر أن الخطة الأمريكية تتناغم مع خارطة الطريق التي تشرف على تنفيذها البعثة الأممية برئاسة هانا تيتيه، وأكد أن المبادرة الأمريكية قصيرة أو متوسطة المدى في مقابل تركيز البعثة على مسائل ذات مدى أبعد، وهذا ربما يعارض التسريبات التي تحدثت عن مشروع مفصل يتجاوز المدى القصير والمتوسط ويعنى بكافة الملفات الكبرى العالقة.

عدم وضوح الخطة الأمريكية، وغياب أي معلومات موثقة حولها صادرة عن الجهة المعنية، يلقي بظلاله على مواقف الأطراف المعنية بها، وقدر رأينا حالة الذهول والارتباك في المنتظم الليبي تجاهها، إذ لم يصدر عن بولس أي معلومات تكشف عن ملامح واضحة للمبادرة، واكتفى في تصريحاته بالحديث عن هدفها وهو إنهاء الإنقسام، وتوحيد المؤسسات العامة، وألقى بالكرة في ملعب الفرقاء الليبيين بالقول أنهم هم من يصمم تفاصيل الخطة.

ما هو واضح من الخطة الأمريكية التركيز على الأطراف النافذة في المشهد، وتمكينها لترتيب الأوضاع بشكل ينهي الانقسام، من خلال تقاسم للسلطة التنفيذية التي تتوزع على مجلس رئاسي وحكومة.

عدم إعلان الوسيط الأمريكي عن مضامين الخطة وإذا ما كانت تعتبر تقاسم السلطة بين النافذين في غرب البلاد وشرقها هو وسيلة إنهاء الانقسام والخطوة الأولى في المسار الانتقالي الذي يفضي إلى انتخاب سلطات تشريعية وتنفيذية دائمة، يزيد المبادرة غموضا ويجعلها في مهب الانتقاد والمعارضة، هذا من جهة.

من جهة أخرى، فإن الخطة ينبغي أن تشتمل على ضمانات لعدم انتكاسها وتوقف عجلتها، وذلك باستمرار السلطة الجديدة كسلطة أمر واقع إلى أجل غير مسمى، وهذا سيناريو مكرور، وقع مع حكومة الوفاق، وتبعتها في ذلك حكومة الوحدة، فما الضمانة أن لا يتكرر هذا الأمر؟!

تسارع خطى الخطة الذي يدلل عليه التحركات الخارجية للأطراف المعنية بتقاسم السلطة في الخارج، والزيارات التي قام بها فواعل بارزة من الفرقاء الليبيين إلى واشنطن مؤخرا، لا يوازيها حوار بناء على المستوى المحلي يمهد لقبول الخطة ويسهم في دعم نجاحها، على العكس تماما، فإن افتراق المسارين قد يكون سببا لتفجر نزاعات ليس فقط في الغرب المعروف بتعدد القوى النافذة فيه، فالشرق مرشح للخلافات بين أبناء الحاكم الفعلي هناك، خاصة اذا لم تدعم القاهرة الخطة بقوة، وهذا ما لم يتأكد بعد، ويمكن أن يكون البيان المشترك بين المجالس السيادية الثلاث، الرئاسي والنواب والأعلى للدولة، مؤشرا قوي على تنازع داخلي حول الخطة، وإشارة إلى عدم رضا مصري كامل.

المقاربة الأمريكية برغم تركيزها على القوى الحقيقة المتحكمة لإنجاحها، إلا أنها متعجلة ولا تأخذ في الاعتبار متطلبات التأسيس الراسخ للانتقال من الأزمة إلى الاستقرار، وهذا يدعم التكهن بأن البيت الأبيض يسعى إلى ترتيب الوضع في البلاد من خلال الجمع بين القوى النافذة في الغرب والشرق فحسب، ولا يخطط فعليا لتعزيز الديمقراطية كما تكرر على لسان ترامب وبعض المسؤولين الأمريكيين

القيادة العامة في الشرق رحبت، إلا أن حكومة الوحدة، كعادتها في التعاطي مع الملفات الحساسة والجدلية، التزمت الصمت، برغم وجود دلائل واضحة على اتساقها مع الخطة، وقد كان بولس صريحا في تأكيد قبول حكومة الوحدة بالمسار الذي يشرف عليه، ويبدو أنهم يرون في التزام الصمت هامشا للمناروة إلى أن تتضح الأمور أكثر وتتحد المواقف المحلية والاقليمية والدولية من الخطة بشكل نهائي.

والخلاصة هو أن المقاربة الأمريكية برغم تركيزها على القوى الحقيقة المتحكمة لإنجاحها، إلا أنها متعجلة ولا تأخذ في الاعتبار متطلبات التأسيس الراسخ للانتقال من الأزمة إلى الاستقرار،  وهذا يدعم التكهن بأن البيت الأبيض يسعى إلى ترتيب الوضع في البلاد من خلال الجمع بين القوى النافذة في الغرب والشرق فحسب، ولا يخطط فعليا لتعزيز الديمقراطية كما تكرر على لسان ترامب وبعض المسؤولين الأمريكيين، إذا لم تطرح الخطة للرأي العام بتفاصليها التي ينبغي أن تتضمن مسارا واضحا ومؤطرا زمنيا وبضمانات للالتزام به يفضي إلى الانتخابات، لذا فإن الخطة، وفق معطياتها الراهنة، قد تدفع البلاد أكثر صوب الاستبداد.

__________________

“صفقة بولس” بين البرغماتية الأميركية والحكم العائلي في ليبيا

طارق المجريسي

الاصطدام بالمشهد الليبي المعقد

طالما قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه على أنه سيد الصفقات. بل إنه وضع اسمه على كتاب كامل يقوم على هذه الفكرة نفسها “فن الصفقة”. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، أخذت غريزة عقد الصفقات هذه تعمل بطاقة لافتة في أنحاء مختلفة من العالم: من الكونغو إلى إيران، ومن لبنان إلى فنزويلا، ومن غزة إلى كشمير، والآن، على ما يبدو، إلى ليبيا. ففي 29 يونيو/حزيران، التقى وزير الخارجية في إدارة ترمب، ماركو روبيو، مع صدام حفتر، نائب قائد “القوات المسلحة العربية الليبية” والوريث المرجح لخليفة حفتر، وهي ميليشيا متمردة تسيطر على الشرق والجنوب الليبيين، الغنيين بالنفط والموقع الاستراتيجي. ويمثل هذا اللقاء الرسمي بين أرفع دبلوماسي في العالم وزعيم الميليشيا الأدنى سمعة في ليبيا تتويجاً لمسارٍ ظَل مستشار ترمب الرفيع، مسعد بولس، يعمل عليه منذ أكثر من عام.

وتنذر الصفقة الآخذة في التشكل بإعادة إنتاج أبرز سمات صفقات ترمب السابقة: كما في الكونغو، تتحول الموارد الطبيعية إلى عملة لوقف إطلاق النار. وكما في غزة، يُقرَّر مصير شعب على أيدي قوى أجنبية ذات مصالح. وكما في لبنان، يُقسَّم البلد بين حكومة معترف بها دولياً وأقوى ميليشيا فيه. وكما في إيران، تُؤجَّل المشكلات الكبرى وتُطلَق للمستقبل وتحتاج إلى قدر كبير من تعليق الشك كي تعبر خط النهاية. ومع ذلك، لا تزال الصفقة بعيدة عن الاكتمال، ولا يزال نجاحها أكثر غموضاً.

“صفقة بولس”

تبدو عناصر ما يسمى محليا “صفقة بولس” واضحة نسبياً. فالاقتراح يسعى إلى بناء سلام دائم في ليبيا عبر ترتيب لتقاسم السلطة بين عائلتين استحوذتا على النفوذ في أعقاب وقف إطلاق النار عام 2020: عائلة الدبيبة، التي يقال إنها شقت طريقها بالرشاوى عبر مسار أممي لتأمين السيطرة التنفيذية على الحكومة الانتقالية في طرابلس، وعائلة حفتر، التي حمتها وأعادت تشكيلها أطراف دولية بعد خسارتها الحرب الأهلية، بما أتاح لها بناء كيان خاص بها له حكومة موالية. رسمياً، ستتخذ الصفقة شكل حكومة وحدة جديدة تضم العائلتين أو من يمثلونهما. أما في الواقع غير المعلن، فستستخدم الأرباح المحتملة من تطوير حقول الغاز البحرية الليبية الواسعة حافزاً للحفاظ على السلام.

ولم تولد “صفقة بولس” في واشنطن، بل هي أحدث مرحلة في مسار بدأ مع اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020، قبل أن تتبناه إدارة أميركية تسعى إلى إنهاء “الحروب الأبدية” عبر الإغراءات التجارية.

جرى بناء البيئة الاقتصادية التي تجعل الصفقة ممكنة تدريجياً منذ “صفقة نفط أبوظبي” عام 2022 بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، قريب رئيس الوزراء ومستشاره الخاص. وافق حفتر على رفع الحصار النفطي مقابل إقالة رئيس المؤسسة الوطنية للنفط وحصول كيانه على حصة مضمونة من العائدات. أدى ذلك إلى فتح المؤسسة الوطنية للنفط أمام العائلتين، وتمكينهما من السيطرة على شركات تابعة لها وإعادة توجيه عائدات النفط الليبي. وكان التعبير النهائي عن هذا الترتيب إنشاء شركة “أركينو”، التي كسرت احتكار المؤسسة الوطنية للنفط لبيع النفط الليبي وسيطرت على نحو نصف الصادرات النفطية، ثم قسّمت العائدات بين العائلتين عبر رعاتهما الدوليين.

تولت تركيا، خلال السنوات الماضية، تهيئة البيئة السياسية لمكونات الصفقة بعناية، عبر نوع من “الدبلوماسية الاقتصادية”، انخرطت خلاله أنقرة مع العائلتين ومناطقهما في مشاريع في الطاقة والبناء ومجالات تجارية أخرى، و”دبلوماسية عسكرية” مارستها تركيا عبر قواعدها في غرب ليبيا وبرامج تدريب وتسليح لبعض أبرز القوات المتحالفة مع الحكومة. في الآونة الأخيرة، ظهر حفتر ضيفاً في معارض السلاح التركية، وامتدت السياسة التركية عبر برامج مشابهة إلى “القوات المسلحة العربية الليبية”، بما فيها بيع طائرات مسيّرة. وتستخدم أنقرة الآن نفوذها لتكريس وضع قائم أثبت أنه بالغ الربحية لها، وتسعى في الوقت ذاته إلى إنجاز اتفاق للحدود البحرية يشكل ركنا محوريا في استراتيجيتها المتوسطية.

وأدخلت تركيا، خلال الأعوام القليلة الماضية، تدريجياً كلاً من إيطاليا والولايات المتحدة في هذا المسار، مستفيدة من مصالحهما في ملفي الهجرة والطاقة لضمان دعمهما لترتيب تقاسم السلطة.

بدأ المسار العام الماضي، عندما انتقل بولس من دبلوماسية مكوكية بين طرابلس وعاصمة حفتر في بنغازي إلى اجتماع في روما، تلاه اجتماع آخر في باريس مطلع عام 2026، حيث طرحت، بحسب ما يقال، فكرة تعيين صدام رئيسا لليبيا للمرة الأولى. وقّعت شركات طاقة أميركية، بينها “هيل إنترناشيونال” و”كونوكو فيليبس” و”إكسون موبيل”، مذكرات تفاهم أو عقوداً تشير إلى استعدادها لمنح أي اتفاق سياسي امتدادا اقتصاديا، وقطف عوائد الاستقرار التي تتوقع أن ينتجها.

أتاح الرصيد السياسي الأميركي تحقيق خطوات رسمية عجز آخرون عن إنجازها، من بينها أول اتفاق رسمي على الموازنة في ليبيا منذ سنوات، خصص رسميا أموال “التنمية” للحكومتين، ومناورة عسكرية مشتركة شاركت فيها قوات من الفصيلين المتنافسين.

وعلى الرغم من كل هذا الاستثمار السياسي واستعراض القوة الناعمة في واشنطن، لا تبدو الصفقة أقرب كثيراً إلى الاتفاق مما كانت عليه بعد اجتماع روما العام الماضي. ففي تلك المرحلة، قيل إن صفقة كانت جاهزة ، تقوم على حكومة لتقاسم السلطة وآلية لتقاسم عائدات الغاز، قبل أن ينسحب صدام في اللحظة الأخيرة مقتنعاً بأنه يستحق حصة أكبر. أما هذه المرة فجاءت العقبة من طرابلس: لم يسافر إبراهيم الدبيبة إلى واشنطن، وأبلغ القائد العسكري الذي حضر بدلاً من بولس أن دعوة صدام إلى طرابلس غير ممكنة. وبدلاً من أن تُدشِّن اجتماعات واشنطن تتويجَ صفقة جديدة، كشفت أن بولس تعرّض للتضليل طوال العام والنصف الماضيين، وهو يلاحق مسارات جانبية مثل التعاون العسكري واتفاقات الموازنة، وهي مسارات لا تمسّ الأسئلة الجوهرية لأي ترتيب حقيقي لتقاسم السلطة.

تفكيك صفقة معطوبة

تبدو الصفقة الليبية، في صيغتها الحالية، غير قابلة للحياة من أساسها. فعلى الرغم من العمل التحضيري الدقيق الذي اضطلعت به دول عدة، يسعى الطرفان الليبيان إلى الغلبة لا إلى التعايش. كما أن البيئة السياسية الأوسع في ليبيا لا تبدو مهيأة لترتيب يحصر السلطة والمكاسب الاقتصادية في أيدي دائرة ضيقة، فيما يواصل البلد تآكله. وحتى إذا استطاع بولس أن يستحضر ثقل القوة الأميركية ويدفع هذه الصفقة القسرية إلى الأمام، فالأرجح أنه سيزيد تصدع البلاد، لا أن ينتج سلاما راسخا ومربحا.

تتمثل إحدى العقبات الكبرى في طموح عائلة حفتر، التي كان هدفها الدائم حكم ليبيا كلها. فمنذ أطلق المشير خليفة حفتر حملته العسكرية الأولى عام 2014، توالت مبادرات عدة سعت إلى إدخاله في ترتيبات وطنية لتقاسم السلطة. كانت أولى هذه المبادرات مؤتمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2017، الذي أراد تأمين السلام مع رئيس الوزراء آنذاك فايز السراج، ووضع ليبيا على طريق الانتخابات. غير أن النتيجة جاءت حصارا نفطيا وحملة عسكرية للسيطرة على جنوب ليبيا.

ثم جاء مسار المؤتمر الوطني الذي رعته الأمم المتحدة عام 2019، وكان الهدف منه، مرة أخرى، البدء بتقاسم السلطة وصولا إلى الانتخابات. غير أن ذلك الجهد انهار عندما حاصر حفتر طرابلس، في الوقت الذي كان فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في العاصمة لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق. وأخيرا، جاءت مشاركة حفتر غير المباشرة في المسار الأممي بعد الحرب، وكان المقصود منها، من جديد، إنتاج حكومة وحدة وانتخابات. وانتهى الأمر بمقاطعة حفتر حكومة الدبيبة وفرض حصار نفطي جديد.

وتشير التجربة القريبة إلى أن كل تنازل يقدم إلى حفتر يتحول إلى منصة لمحاولته التالية لانتزاع مزيد من السيطرة. وإذا عيّن صدام، نجل المشير ووريثه المرجح، رئيسا لليبيا، وبالتالي قائدا أعلى للبلاد، فمن المرجح أن يستخدم المنصب نقطة انطلاق لتحرك عسكري ضد عائلة الدبيبة، لا إطارا للحكم إلى جانبها.

يساعد هذا التاريخ، وما ينذر به من مستقبل، على تفسير الجمود الأخير في واشنطن. وتقول أوساط مطلعة إن إبراهيم الدبيبة كان متحمسا للحضور، إذ رأى في الاجتماع فرصة لضمان دعم أميركي، وكان مقتنعا بأنه قادر على إدارة العلاقة مع آل حفتر. غير أن رئيس الوزراء، بحسب ما تردد، أبدى تحفظا، خشية أن تؤدي صفقة كهذه إلى تفتيت قاعدة دعمه بدل ترسيخ سلطته.

والمنطق نفسه يفسر لماذا لم يكن من الممكن دعوة صدام إلى طرابلس بأمان. فكثير من الليبيين يبغضونه. ولم تحدث أي مساءلة عن حروب عائلته المتكررة، فيما ترى جماعات مسلحة كثيرة وشخصيات نافذة في تقدمه تهديدا وجوديا. ولهذا السبب، ترافقت التحضيرات للصفقة مع احتجاجات علنية ومعارضة سياسية في مختلف المعسكرات الليبية المتنافسة.

وينعكس هذا التفكك السياسي والعسكري نفسه في شرق ليبيا. فمع أن آل حفتر يقدمون حكمهم على أنه حكم متماسك، وإن كان سلطويا، فإن الشقوق لا تزال قائمة بين أبناء حفتر، فيما تبقى “القوات المسلحة العربية الليبية” منشغلة بتمردات تشنها جماعات مسلحة تزعم السيطرة عليها، أو بفرض قبضة مشددة على أراض تدعي أنها تابعة لها.

وكما جرى التحذير في واشنطن، فإن الإعلان الرسمي عن صفقة كهذه قد يكون شرارة انفجار كبير، وليس مدخلا إلى الاستقرار. وقد يتحول إلى لحظة صدق نادرة، حين يتأكد لشعب أنهكته الانتهاكات وأفقره التدهور المتواصل، ولشبكة مسلحة ممزقة، متوجسة، ومنكفئة على مصالحها المحلية، أنه لا عملية سياسية حقيقية تجري، ولا أفق فعليا للتغيير، وأن حكما عائليا كليبتوقراطيا يعاد فرضه عليه، بعد خمسة عشر عاما من حرب خاضها لإسقاط حكم القذافي.

مكاسب لم تُحصَد بعد

قد تكون “صفقة بولس” معطوبة من أساسها، لكن ذلك لا يعني أن اتفاقا بشأن ليبيا مدعوما من الولايات المتحدة لا يستطيع أن يصبح أول نجاح في السياسة الخارجية لولاية ترمب الثانية. وربما لا يحتاج بولس إلا إلى الإصغاء لنصيحة “فن الصفقة”: أن “يعظم المكاسب الممكنة” وأن يبقى متجاوبا مع الديناميكيات المتغيرة. فإذا أعاد النظر في بنية الحوافز المرتبطة بالطاقة، وعزز مكانة المؤسسة الوطنية للنفط سلطةً مستقلة، وإذا حصّن عائداتها وخصصها للموازنات الوطنية بدل الأرباح الخاصة، فقد يستطيع إعادة توصيل الأسلاك الداخلية للسياسة الليبية كلها.

وهذه نقطة حاسمة، لأن الولايات المتحدة، في ضوء رقابة وزارة الخزانة الأميركية على مصرف ليبيا المركزي، هي الدولة الوحيدة القادرة على ذلك. وإذا اختار بولس بعد ذلك دعم المشروع الانتخابي للأمم المتحدة بدلاً من تقويضه، فقد يساعد في إنشاء حكومة وطنية شرعية تستطيع الأطراف الدولية التعامل من خلالها، بدل إسناد وضع سياسي قائم ومتفكك تحاول قوى عدة اليوم إبقاءه متماسكا بالقوة.

إن الفن في عقد أي صفقة يكمن في قدرتها على توقع الكوارث غير المتوقعة وتجنبها. ولا يزال في وسع بولس أن يغيّر المسار نحو صيغة جديدة، تجسد البرغماتية التجارية الأميركية وتفتح، في الوقت نفسه، أفقا ذا منفعة متبادلة. أما البديل، فهو الإشراف على حدث يرجح أن يشعل حربا جديدة ومعقدة، لا تملك المنطقة ولا الولايات المتحدة ترف تحملها

________________

توحيد المؤسسات أم إدارة الانقسام؟ اختبار المبادرة الأميركية في ليبيا.

أريج الحاج

أطلق مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس تصريحات متفائلة حول مبادرته الأخيرة والهادفة إلى إنهاء الانقسام السياسي الذي شاب المشهد الليبي لسنوات. جاءت بعدها زيارة صدام حفتر إلى واشنطن نهاية يونيو/حزيران 2026 ولقاؤه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والتي تزامنت مع استضافة الجانب الأميركي الأسبوع السابق اجتماعاً توحيدياً جمع رؤساء الأركان والقادة العسكريين الليبيين من الشرق والغرب بهدف بحث إمكانيات توحيد المؤسسة العسكرية. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات أعطت زخماً للمبادرة التي تأتي في لحظة تشهد فيها ليبيا حالة من الجمود السياسي الداخلي المستمر منذ تعثر انتخابات 2021، إلا أن فحص بنية المبادرة وسياقها التاريخي يشير إلى أنها، حتى في حال نجاحها شكلياً في جمع الأطراف حول طاولة واحدة أو إنتاج ترتيب انتقالي معلن، لن تحل الأزمة الليبية الحقيقية.

فالمبادرة تبني مقاربتها على الاعتراف بموازين القوى العسكرية والسياسية القائمة على الأرض بدلاً من تفكيك أسباب الانقسام البنيوي: غياب آليات إنفاذ ملزمة، واستمرار انقسام المؤسسات السيادية كالقضاء والمصرف المركزي، وانعدام إطار دستوري واضح، إضافة إلى رفض داخلي فعلي- سياسي وقانوني- من أطراف رئيسة كالمجلس الأعلى للدولة. وهذا يعني أن المبادرة، وإن نجحت في التوصل إلى تفاهم بين مراكز القوة، من المرجح أن تكرّس خارطة النفوذ القائمة بدلاً من إنهائها وهو ما فعلته مبادرات سابقة نجحت في توحيد الحكومة شكلياً دون أن تنجح في توحيد الدولة فعلياً.

فالمبادرة والتي لم تصدر بعد في وثيقة رسمية مكتوبة تشير إلى إمكانية تشكيل ترتيبات انتقالية تجمع مؤسسات الدولة المنقسمة والتي ستشمل بقاء حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وصدام حفتر لدور قيادي في هيكل رئاسي جديد. وفي الوقت ذاته تواجه عدداً من التحديات الجوهرية التي يجب وضعها في الحسبان، منها: الخلافات بين طرابلس وبنغازي حول الحكم والسلطة، وتعدد المسارات المتنافسة التي تجعل من غير الواضح أي منها سيحظى بفرص النجاح، إضافة إلى غموض العلاقة مع مسار الأمم المتحدة وحواراتها الحالية وهو ما يثير مخاوف من أن تؤدي المبادرة إلى إضعاف الجهود الأممية بدلاً من تعزيزها.

العامل الأميركي

الاهتمام الأميركي والإقليمي المتصاعد يسعى إلى تحريك الجمود الذي يطبع الملف الليبي والذي عاد إلى واجهة الاهتمام خلال الأسابيع الماضية. مثل الاجتماع الوزاري الرباعي الذي عُقد في القاهرة في 21 يونيو/حزيران 2026 بمشاركة وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وشهد على هامشه لقاء مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا والسودان والملف الإيراني. وفي ختامه تم الإجماع على أهمية دعم الجهود الرامية إلى وحدة ليبيا ودفع العملية السياسية.

تلا اجتماع القاهرة حراك استخباراتي لافت أعطى زخماً إيجابياً لجهود بولس، ففي 23 يونيو/حزيران 2026 زار رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد طرابلس وهي الزيارة الأولى له منذ توليه منصبه في أكتوبر/تشرين الأول 2024 تزامناً مع زيارة رئيس المخابرات التركية إبراهيم قالن الذي وصل طرابلس قادماً من بنغازي، إضافة لزيارة من رئيس الاستخبارات الإيطالية الجنرال جيوفاني كارافيلي للتباحث في المستجدات السياسية والأمنية، التقى قالن الدبيبة والمنفي ووكيل وزارة الدفاع الزوبي ووزير الداخلية الطرابلسي بعد لقائه صدام حفتر في بنغازي. هذا الحراك يوضح أن القوى الإقليمية ترى الملف الليبي ملفاً أمنياً بقدر ما هو سياسي وأن أي تسوية تحتاج غطاءً استخباراتياً من الفاعلين الخارجيين.

نفطٌ يصنع الصفقة

هنا التطورات التي حدثت من اجتماعات ولقاءات دبلوماسية وعسكرية واستخباراتية حول ليبيا من المهم قراءتها أيضا في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ومن أبرزها تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة مضيق هرمز وما فرضته من اعتبارات جديدة تتعلق بأمن الطاقة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا. ففي هذا السياق تسعى واشنطن إلى دور أكبر يحد من تنامي النفوذ الروسي في شرق ليبيا، والحفاظ على استقرار إنتاج النفط، ومنع تحوّله إلى أداة ضغط سياسي أو عسكري بيد أي طرف وهو ما يحدث حاليا بالفعل.

وقد بدا هذا التوجه واضحاً في حديث مسعد بولس إلى صحيفة “فايننشيال تايمز”، حيث قال: “خطتنا هي أن تكون هناك حكومة موحدة، وتوحيد كل المؤسسات”، وحثّ شركات النفط الأميركية على الاستثمار في ليبيا. وأشار بولس إلى أن شركتي “كونوكو فيليبس” و”شيفرون” وقّعتا اتفاقيات مع ليبيا عام 2026، متوقعاً أن يتضاعف الإنتاج النفطي الليبي ليصل إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد. فليبيا تجذب الاستثمار في هذا القطاع بحكم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، بنحو 48 مليار برميل (متفوقةً على نيجيريا، أكبر منتج للنفط في القارة، التي يبلغ احتياطيها نحو 38 مليار برميل)، ومع ذلك فهناك تعقيد إضافي في هذا الملف، فرغم أن النفط الليبي مملوك رسمياً للشعب الليبي وتديره المؤسسة الوطنية للنفط ومن المفترض أن تُودع عائداته في المصرف المركزي الليبي، توجد في ليبيا مؤسسات نفطية خاصة مرتبطة بالجماعات المسلحة التي تتمتع بنفوذ قوي على الأرض، وهو ما أثار مخاوف بشأن إدارة بعض الإيرادات خارج القنوات التقليدية للدولة.

وفي ظل هذه المعطيات وبسبب استمرار الانقسام المؤسسي يبقى قطاع النفط ساحة رئيسة للصراع بين الأطراف الليبية، فالأطراف الليبية لا تتنازع على ملكية النفط بقدر ما تتنافس على السيطرة على المؤسسات والمنشآت التي تدير إنتاجه وتصديره وعائداته، وهو ما جعل قطاع النفط عاملاً حاسماً في الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد منذ انقسام مؤسسات الدولة.

انقسام داخلي يعقّد المبادرة

أولاً: المؤيدون للمبادرة

تظهر في شرق ليبيا مواقف أكثر إيجابية تجاه المبادرة فقد أشارت القوات المتمركزة في شرق البلاد وهو التشكيل العسكري الذي يقوده المشير خليفة حفتر إلى استعدادها للدخول في مفاوضات بشأن المقترح الأميركي، معتبرة أنه قد يوفر مساراً نحو تسوية سياسية وإنهاء الأزمة الليبية الممتدة منذ سنوات. كما أن صدام حفتر والذي يعتبر من المستفيدين من هذه المبادرة رحب أيضاً بها ويمكن تبرير هذا من واقع الاستفادة التي سيحصل عليها إن تم تطبيقها.

كما أعلن 104 أعضاء في مجلس النواب الليبي من أصل 155 عضواً تقريباً ترحيبهم بالمبادرة الأميركية، ومع ذلك، لا تزال بعض الأصوات تشكك في فرص نجاح المصالحة، مشيرة إلى أن الخطاب السياسي السائد في الشرق ما زال يركز على الصراع مع طرابلس أكثر من التركيز على مشروع وطني جامع.

ويرد مؤيدو المبادرة على الجدل الدائر حول إشراك مؤسسات أخرى بأن المؤسسات والأجسام السياسية القائمة شاركت في العملية السياسية لأكثر من عقد دون أن تنجح في إنهاء الانقسام أو إجراء انتخابات عامة، وهو ما يجعل من الضروري اعتماد مقاربة أكثر واقعية تأخذ في الاعتبار موازين القوى الفعلية على الأرض بدلاً من تشتيت الجهود.

ثانياً: المعارضون للمبادرة

هنا تجدر الإشارة إلى أن معسكر الشرق الذي يسيطر عليه حفتر ليس موحّداً خلف المبادرة، فرئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورغم انتمائه للشرق يقف في الجبهة المقابلة مع المعسكر الغربي. وعلى الرغم من أن الدبيبة يتعامل بحذر ولم يرفض المبادرة إلا أن المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة أعلنا رفضهما للمبادرة بصيغتها المتداولة. وهنا يبرز السؤال الأهم: في ظل هذا الرفض الذي تواجهه المبادرة من داخل مجلس الدولة، كيف يمكن تمريرها أصلاً؟ فالمجلس الأعلى للدولة لم يكتفِ بالرفض السياسي للمبادرة بل أغلق الباب القانوني، إذ أعلن في بيان رفضه القاطع لأي تسوية تُبرم خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي، وأكد عدم اعترافه بأي تمثيل له في أي مفاوضات ما لم يكن بتفويض رسمي وصريح صادر عن المجلس وأن أي تصرف يخالف ذلك يُعدّ في حكم العدم قانوناً.

كما دعا المفتي العام الصادق الغرياني رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى التنسيق مع المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة لمواجهة المبادرة، وحثّ القوى العسكرية في غرب ليبيا على رفضها، والسبب في نظره هو أن أي حكومة يهيمن عليها معسكر حفتر قد تستهدف خصومه السياسيين في الغرب الليبي مستقبلاً.

هنا تتفق معه في هذا الخط قوى سياسية ومدنية ترى أن المبادرة رغم تقديمها باعتبارها وسيلة لتوحيد البلاد، قد تؤدي عملياً إلى تثبيت خارطة النفوذ القائمة بدلاً من إنهاء الانقسام. كما أنها تقوم على الاعتراف بموازين القوى العسكرية والاقتصادية الموجودة على الأرض، بما في ذلك النفوذ المرتبط بقطاع النفط في مقابل المؤسسات السياسية القائمة التي تم تهميش دورها السياسي المهم مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إضافة إلى الأحزاب والقوى المدنية التي لا تمتلك أجنحة مسلحة أو نفوذاً أمنياً مباشراً، وهو ما يرونه متعارضاً مع المسار الديمقراطي والانتخابات التي تدعو إليها الولايات المتحدة نفسها.

إرث المبادرات الفاشلة

من المهم الإشارة إلى أن هناك حالياً ثلاث مبادرات مطروحة أمام الليبيين. الأولى هي مبادرة الأمم المتحدة التي تستند إلى مخرجات الحوار الليبي، والتي أعلنت عنها رئيسة بعثة الأمم المتحدة حنا تيتيه خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن في يونيو/حزيران من العام الحالي. أما الثانية فهي مبادرة المجالس الثلاثة (مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي)، التي أطلقها كل من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، عبر خارطة طريق جديدة تنصّ على إجراء الانتخابات العامة قبيل السابع عشر من فبراير/شباط 2027. أما المبادرة الثالثة، التي لم ترَ النور بعد، فهي المبادرة الأميركية. ومن المبكر القول إن أياً من هذه المبادرات سيكون هو الأرجح، رغم وجود توجه يرى أن المبادرة الأميركية قد تحظى بفرص أكبر باعتبارها مدعومة من الولايات المتحدة. لكن يبقى السؤال الأهم وهو: هل يمكن تنفيذها فعلاً، في ظل الاعتراضات الكبيرة التي تواجهها، سواء في المنطقة الغربية أو من أطراف أخرى؟

وحول تموضع المبادرة الأميركية من المسار الأممي يصرّ مسعد بولس على أن مبادرته لا تهدف لاستبدال جهود الأمم المتحدة بل تكملها! غير أن هذا التصور يثير عدة تساؤلات: فالمبادرة الأميركية تنطلق من معادلة مختلفة جذرياً، حيث تركز على موازين القوى الفعلية على الأرض بينما يركز المسار الأممي على الشمولية والتمثيل المؤسسي الواسع. وهذا الاختلاف قد يضعف دور الأمم المتحدة بدلاً من أن يعززه، خاصة إذا بدأت الأطراف الليبية بتقييم الخيار الأميركي كبديل أكثر واقعية من الحوار الموسع… كما أن تعدد المسارات أثبت أنه يؤدي إلى تشتيت الجهود بدلاً من تركيزها.

فعلى الرغم من أن واشنطن أحرزت خلال الأشهر الماضية التوافق على أول ميزانية موحدة بين الشرق والغرب منذ أكثر من 13 عاماً في أبريل/نيسان 2026. فالمراقبون يعتبرون أن واشنطن تعتمد على نجاح الميزانية كأساس إلى تسوية سياسية بهذا التعقيد. فملف توحيد ليبيا وإجراء انتخابات أُحبط مراراً وتكراراً من قبل، فقد أعقب سقوط نظام القذافي سلسلة من المبادرات الدولية الهادفة أبرزها اتفاق الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة وأسفر عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني، ثم مؤتمرا باريس وباليرمو اللذان ركزا على دفع العملية السياسية وإجراء الانتخابات. وفي عام 2020 برز مسار برلين باعتباره الإطار الدولي الأوسع لتنسيق الجهود الدولية والإقليمية بشأن ليبيا، ثم انبثقت عنه لجنة 5+5 العسكرية التي نجحت في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. ثم ملتقى الحوار السياسي الليبي الذي أسفر عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة والذي هدف هو أيضاً إلى توحيد المؤسسات والتحضير للانتخابات ولكنها تعثرت.

المصير الذي واجه معظم هذه المبادرات هو الخلافات المستمرة حول تقاسم السلطة وتوزيع عائدات النفط، وتوحيد المؤسسة العسكرية . كل هذا حركته أزمة انعدام الثقة بين الأطراف الليبية وهو ما جعل ازدواجية السلطة التنفيذية وتنازع الشرعيات المشهد الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

وامتد هذا الانقسام تدريجياً إلى مؤسسات كانت تُعد من آخر ركائز وحدة الدولة وفي مقدمتها السلطة القضائية التي بدأت تشهد انقساماً متزايداً رغم الجهود الأممية للحفاظ على وحدتها. وهو ما حذرت منه الأمم المتحدة بسبب أنه يهدد إحدى أهم ركائز البلاد ويقوض الثقة في المؤسسات، ويعقّد أي عملية انتقال سياسي أو انتخابي لكونها الجهة المخولة بالفصل في النزاعات الدستورية والانتخابية وضمان تنفيذ الاتفاقات السياسية.

إضافة للمشهد المعقد داخلياً فهناك عنصر الدعم والاعتراف الدولي فلا يزال الاعتراف الرسمي يميل إلى حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، باعتبارها الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة. ومع ذلك فموازين القوة على الأرض فرضت واقعاً مختلفاً إذ تحافظ مصر والإمارات وروسيا على علاقات وثيقة مع معسكر حفتر في الشرق، بينما تبقى تركيا الداعم الأبرز لطرابلس. أما إيطاليا والولايات المتحدة فتتعاملان ببرغماتية مع الطرفين، مع الحفاظ على الاعتراف الرسمي بحكومة طرابلس والدفع نحو تسوية توحد المؤسسات الليبية التي تمنع عودة المواجهات العسكرية وتحافظ على استقرار إنتاج النفط.

ووفق ما سبق، قد تتحول المبادرة الأميركية إلى إطار تفاوضي جديد يضاف إلى سلسلة المبادرات التي شهدتها ليبيا خلال العقد الماضي إذا لم تُدعَم بآليات تنفيذ واضحة وضمانات دولية ملزمة. فالتحدي الرئيس لا يكمن في التوصل إلى اتفاق سياسي جديد بقدر ما يكمن في ضمان تنفيذه ومنع الأطراف المختلفة من استخدامه كمرحلة انتقالية مفتوحة تعيد إنتاج الانقسام القائم.

ما بعد القذافي… هل تكسر المبادرة الحلقة المفرغة؟

يتطلب نجاح المبادرة عدة معايير:

المعيار الأول: جدول زمني محدد للمرحلة الانتقالية يحدد بصورة واضحة صلاحيات كل طرف وحدود نفوذه ومسؤولياته، ويمنع تداخل السلطات أو تضاربها. كما يحتاج إلى آليات رقابة ومتابعة تضمن تنفيذ الالتزامات المتفق عليها وتمنع تعطيلها من قبل أي طرف سياسي أو عسكري.

والمعيار الثانيلا يمكن لأي تسوية أن تحقق الاستقرار الدائم ما لم تركز على إعادة توحيد المؤسسات السيادية الأساسية للدولة، وفي مقدمتها السلطة القضائية التي تواجه تحدياً كبيراً، كما أن أزمة الدستور ما زالت موجودة ومن دون إطار دستوري واضح، فإن تمكين شخصيات أو أطراف ذات طابع عسكري من قيادة المرحلة سيؤدي على الأرجح إلى إطالة أمد الأزمة لسنوات إضافية، بدلاً من إنهائها.

إضافة للسلطة القضائية هناك أيضاً حاجة لتوحيد المصرف المركزي، والمؤسسات المالية والرقابية، ووزارة الخارجية، باعتبارها ركائز وحدة الدولة واستمرارية عملها. فاستمرار الانقسام داخل هذه المؤسسات يهدد أي اتفاق سياسي.

والمعيار الثالثمدى انفتاح الترتيب على المراكز السياسية الأساسية في ليبيا بدل حصره في مراكز القوة العسكرية والاقتصادية وخطة واضحة لانتخابات وطنية تنقل الشرعية من التوافقات المؤقتة إلى المؤسسات المنتخبة وهو ما سيردّ على منطق من يرون في الاتفاق مجرد مقدمة لتقاسم مؤقت للسلطة.

في النهاية، لا يبدو أن التحدي الرئيس أمام المبادرة الأميركية هو في جمع الدبيبة وحفتر حول طاولة مفاوضات واحدة، بل في تحويل تفاهم بين مراكز القوة إلى مشروع دولة قادر على استيعاب المؤسسات السياسية الليبية وإعادة بناء الثقة التي اهتزت لسنوات بين الأطراف الليبية. وكما أظهرت هذه القراءة، فإن غياب آليات الإنفاذ، واستمرار انقسام المؤسسات السيادية، وانعدام الإطار الدستوري، إلى جانب الرفض الداخلي الفعلي الذي تواجهه المبادرة، كلها عوامل تجعل من المرجح أن تتحول- في أفضل الأحوال- إلى تفاهم آخر بين مراكز القوة يُبقي خارطة النفوذ القائمة كما هي، لا أن تكون نقطة التحول التي يحتاجها الملف الليبي. فالتجربة الليبية خلال العقد الماضي أظهرت مراراً أن الاتفاقات التي تنجح في توزيع السلطة لا تنجح بالضرورة في بناء مؤسسات مستقرة.

______________

ليبيا والسودان… محاصصة ونفط وذهب

إبراهيم حميدي

مقاربة تقوم على الصفقات بدل الاتفاقات، والنفط والثروات بدل الشراكات

ليبيا والسودان ليستا أزمتين منفصلتين. ما يجري في الأسابيع الأخيرة يوحي بأن واشنطن وغيرها بدأت تتعامل معهما باعتبارهما ملفاً متشابكا تتداخل فيه خرائط النفوذ، وشبكات الطاقة، ومناجم الذهب، والموانئ، والقواعد العسكرية، وبحث ترمب عن إنجازات سريعة.

في البلدين وصلت الحرب إلى النقطة نفسها. لا منتصر قادر على توحيد البلاد، ولا مهزوم مستعد للاستسلام. ففي ليبيا توجد سلطة أمر واقع في الشرق يقودها خليفة حفتر، وحكومة معترف بها في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة. وفي السودان، يفرض الجيش سيطرته على قلب الدولة وشرعيتها، فيما تكرس “قوات الدعم السريع” نفوذها في دارفور وأجزاء واسعة من الغرب.

كل طرف داخلي له امتدادات خارجية. لاعبون يبحثون عن تحالفات داخلية في الجغرافيا السياسية. فروسيا تحاول تعويض تراجع نفوذها في سوريا والشرق الأوسط بموطئ قدم دائم على البحر الأحمر، وعلى المتوسط في شرق ليبيا. وكذلك هناك منافسات بين قوى إقليمية وعربية وأوروبية على النفوذ، فتصبح بنغازي وطرابلس والخرطوم ودارفور وبورتسودان حلقات في شبكة نفوذ تمتد من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر والساحل الأفريقي.

أما الولايات المتحدة، فبعد سنوات من المبادرات الأممية والمحلية والرهانات على الحسم العسكري، يبدو أن إدارة ترمب الباحثة عن انتصارات سريعة والتي ترى في النفط مدخلا ومصدرا للتفاهم، انتقلت إلى مقاربة مختلفة تقوم على الاعتراف بسلطات الأمر الواقع بعيدا عن الأسئلة عن شرعيتها وانتهاكاتها، ثم محاولة تحويلها إلى محاصصة ومصالح بدلا من استمرارها كجبهات عسكرية.

فلم تعد تبحث عن انتصار كامل لطرف على آخر، بل عن استقرار يسمح بحماية المصالح الاستراتيجية. في ليبيا، تتبلور هذه المقاربة عبر الخطة التي يقودها مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والقائمة- وفق التسريبات- على إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، مقابل منح صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مع المضي في توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية، وفي مقدمتها المؤسسة الوطنية للنفط.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم الحراك المصري والتركي الأخير. فالقاهرة، التي دعمت حفتر لسنوات، بدأت تنفتح على طرابلس، بينما فتحت أنقرة قنوات مباشرة مع بنغازي بعد سنوات من دعمها الحصري للغرب الليبي على أمل شرعنة شرقية لامتيازاتها في طاقة البحر المتوسط.

وإذا كانت الطاقة مفتاح المبادرة الليبية، فإن مفتاح التسوية السودانية أكثر تعقيدا. فمنذ اندلاع الحرب، تحول الذهب إلى العمود الفقري لاقتصاد “قوات حميدتي” وإلى مصدر رئيس لتمويل عملياتها العسكرية وعلاقاتها الإقليمية. وفي المقابل، تسيطر الحكومة والجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان على مؤسسات الدولة الرسمية والموانئ والعاصمة، بدعم مصري وعربي يراهن على شرعية المؤسسة العسكرية الوطنية.

لكن هل يعني ذلك أن السودان يتجه إلى نسخة ليبية؟ ليس بالضرورة. فالفوارق بين البلدين كبيرة، كما أن الجروح الاجتماعية والسياسية في السودان أعمق بكثير. المبادرة الأميركية هنا أكثر تواضعا، مبادلات وصفقات إنسانية بين الفريقين المتخاصمين.

المؤشرات الحالية توحي بأن التفكير الدولي يسير في اتجاه واحد: تحويل سلطات الأمر الواقع من أدوات حرب إلى شركاء في نظام سياسي جديد، مهما كانت عيوبه.

إذا صحت هذه القراءة، فإننا نكون أمام تحول مهم في السياسة الأميركية. لم يعد الهدف إعادة بناء الدولة أولاً، بل إدارة الانقسام، ثم محاولة بناء الدولة فوقه. وبالتوازي مع جولة المبعوث الأميركي مسعد بولس لشمال أفريقيا لترتيبات النفط في ليبيا، كان توم باراك مبعوث ترمب لشرق المتوسط، في بغداد وأربيل ودمشق لترتيب الصفقات النفطية لشركات أميركية.

 إنها مقاربة تقوم على المحاصصة أكثر مما تقوم على الحسم، وعلى الاقتصاد أكثر مما تقوم على الأيديولوجيا، وعلى الصفقات بدل الاتفاقات، وعلى النفط والثروات بدل الشراكات، باعتبارها مفاتيح لتسويات عاجلة تمتد من المتوسط إلى البحر الأحمر.

________________

ليبيا:… مبادرة بولس تنقصها «مَطَاسَات»

جمعة بوكليب

إذا ذَكرت في حديثٍ مع أشخاص ليبيين كلمة «مَطَاسَة» فقد لا يفهمك أحدٌ منهم. ذلك أن الكلمة قديمة، وبالتالي فإن كثيرين قد لا يعرفون معناها، وربما تكون قد اكتسبت اسماً جديداً.

«مَطَاسَة» قطعةٌ معدنية صغيرة يستخدمها الخيّاطون، ذكوراً وإناثاً، في عملهم بوضعها على رأس الإصبع الوسطى أو الإبهام مثل غطاء للمساعدة على دفع الإبرة في القماش بسرعة تجنّباً لألم الوخز. من جهة أخرى، ولتقريب الصورة، المَطَاسَة تشبه الطَاسَة الصغيرة المستخدمة في شرب الشاي في ليبيا، لكنها بحجم صغير جداً يتناسب ومقاس مقدمة إصبع. قد تكون هناك علاقة بين الاسمين (طاسة ومطاسة) ناجمة عن التشابه في الشكل.

هناك من يسمي المطاسة «كشتبان»، وهي لفظة يُقال إنها فارسية، ولم أسمعها تُنطق من حولي. وبالتأكيد تتعدد الأسماء للمطاسات بتعدد المدن والبلدان واللغات، ولكن بوظيفة واحدة.

ما علاقة المطاسة بمقالة تستهدف الحديث عن مبادرة سياسية جديدة في ليبيا، أطلق عليها البعض اسم «المبادرة الأميركية»، وآخرون اسم «مبادرة المبعوث الأميركي بولس». وتابعنا في وسائل الإعلام خروج حشود كبيرة من الليبيين في مظاهرات تأييد ودعم لها. عن المبادرة، يقول صاحبها مسعد بولس، إنها تسعى إلى توحيد المؤسسات التنفيذية والتشريعية والعسكرية والقضائية في البلاد.

المبادرة المطروحة قد يُكتب لها النجاح، وقد يخونها الحظ فتلاقي المصير نفسه الذي لاقته غيرها من المبادرات السابقة. المراهنة على النجاح أو الفشل للمبادرة تتطلّب معرفة تفصيلية بطبيعة ما يدور في الكواليس من حوارات ونقاشات وحسابات، والأخيرة هي الأهم. إذ كلما كان المرء مطلعاً وعلى علاقة بمصادر داخلية موثوق بها، كان حظه في النجاح أوفر.

ويبدو مهماً جداً التذكير بأن المبادرة المذكورة أعلاه حظيت بقبول وموافقة أحد أهم وأخطر اللاعبين على الساحة وهو المشير خليفة حفتر. وفي الوقت نفسه قُوبلت برفض ومعارضة في جهات أخرى خصوصاً في غرب ليبيا. وهو أمر عادي لكل من يعرف ليبيا وارتبط بأزمتها من قريب أو من بعيد. فما ينال الموافقة شرقاً يُقابل بالرفض غرباً والعكس بالعكس. الاتفاق الوحيد المعترف به بين جميع الأطراف المتنازعة هو الحفاظ على الوضعية الراهنة، لضمان استمرار مكسب الجميع.

المبعوث الأميركي بولس يبدو نشطاً خلال الأيام الأخيرة بظهوره في مختلف القنوات الإعلامية، وهو دليل على حرصه على إقناع جميع الأطراف بمبادرته التي يؤكد أنها خلال سنوات قليلة ستقود البلاد إلى انتخابات نيابية ورئاسية. وما يؤكده في كل مقابلاته وتصريحاته هو الحرص على توحيد المؤسسات الحكومية وإعادتها إلى سابق عهدها بوصفها خطوة أولى أساسية، بحيث تكون منصة انطلاق لما بعدها من خطوات لتحقيق الغاية المرجوة. كما يؤكد أن اختيار أسماء من يتولى القيادة في التشكيلة المقترحة هو شأنٌ ليبيٌ لا دخل له به. الأمر الذي يتعارض مع ما يُسرّب من أسماء رُشحت فعلياً لتولي قيادة المرحلة الجديدة المقترحة بالمبادرة.

المشكلة التي تواجه المبعوث الأميركي حالياً هي أنه يشبه في موقعه محل خياطة بلا مطاسة أو مطاسات. أي أن الوخز الإبري المؤلم في الأصابع كفيل بإعاقة إن لم يكن بإفشال أي محاولة لأداء الوظيفة المنتواة.

المطاسة السياسية المفقودة، في رأيي، تتمثل في إقصاء فئة من اللاعبين الذين عرفتهم الساحة الليبية، وتجاهلهم المبعوث الأميركي عمداً في المشاورات، ربما بحجة أنهم لا يمتلكون وزناً سياسياً وعسكرياً مماثلاً في الحجم والقوة لمن يمسكون بمقاليد الأمور غرباً وشرقاً.

ما يميّز أفراد تلك الفئة المتجاهلة من المبعوث الأميركي أنهم، بمرور الوقت، أصبحوا رقماً غير قابل للإقصاء، كونهم قادرين على استقطاب المؤيدين أو المعارضين لأي مشروع يُطرح يهدف إلى حلّ الأزمة. وسبق لهم المشاركة في إجهاض البعض من المبادرات، أو نجاح أخرى.

المبعوث الأميركي بولس، عن حسن أو سوء نيّة، تجاهل أفراد تلك الفئة من اللاعبين الحذّاق والمهرة، ولجأ إلى القوتين الرئيسيتَين في غرب البلاد وشرقها، ممثلتَين في رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والمقربين إليه، والمشير حفتر. وهم بالتأكيد لاعبون رئيسيون في المشهد الليبي، ولهم أوزانهم سياسياً وعسكرياً، إلا أنهم لتمرير المبادرة عبر حقول الألغام المزروعة في الطريق، وهي كثيرة، بهدف الوصول بها إلى برّ السلامة والأمان؛ لا بد لهم من وجود «مَطَاسَات» عدة، تخصصت في فنّ الاستقطاب الإعلامي والشعبي.

***

جمعة بوكليب ـ كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.

_____________

الضغوط الأمريكية لتشكيل حكومة ليبية موحدة تختبر فصائل طرابلس

رشا الدرسي


يُعلن عبد الحكيم بلحاج، الشخصية البارزة في طرابلس، تأييده لمبادرة أمريكية لتوحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، مما يزيد الضغط على حكومة الوحدة الوطنية الحالية في ظل تصاعد النشاط الاستخباراتي الإقليمي.

في خضم تحركات دبلوماسية إقليمية مكثفة ومناورات استخباراتية، تمر الأزمة السياسية الليبية بمنعطف حرج. وقد حظيت مبادرة جديدة مدعومة من الولايات المتحدة تهدف إلى إنهاء الانقسام المؤسسي في البلاد وتوحيد سلطاتها التنفيذية بزخم ملحوظ في الشرق، مما يضع الكرة في ملعب الفصائل الليبية الغربية.

تركز الخطة، التي يتزعمها مساد بولوس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، على تشكيل حكومة موحدة، ودمج المؤسسات الحكومية، وتشجيع الاستثمارات النفطية الأمريكية. ورغم أن بولوس قدّم المقترح باعتباره مكمّلاً للجهود المستمرة التي تبذلها الأمم المتحدة، فإن المبادرة أثارت نقاشاً حاداً حول ما إذا كانت واشنطن قادرة على تجاوز الانقسامات التقليدية في ليبيا، أم أن هذه الخطة ستلتحق بقائمة طويلة من التسويات الفاشلة.

كسر الصمت في طرابلس

انكسر الهدوء السياسي في غرب ليبيا بشكل مفاجئ في 21 يونيو/حزيران، عندما أصدر عبد الحكيم بلحاج، الشخصية السياسية البارزة والقائد السابق للمجلس العسكري لطرابلس، بياناً أعلن فيه رسمياً تأييده للمبادرة الأمريكية.

ودعا بلحاج، الذي يتولى حالياً رئاسة حزب الوطن، حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس إلى توضيح موقفها من المقترح. ووصف الخطة الأمريكية بأنها “فرصة لتسريع الوصول إلى حلول سياسية تُنهي حالة الانقسام السياسي الراهنة”، مؤكداً أن أي تسوية في الظروف الحالية يجب أن تقوم على “الممكن والمقبول” بدلاً من “الكامل ولكن المستحيل”.

ورغم تراجع الحضور السياسي لبلحاج في السنوات الأخيرة، فإن تأييده يحمل وزناً رمزياً كبيراً في غرب ليبيا. ويأتي بيانه بعد أسابيع من إعلان قوات الشرق بقيادة القائد العسكري خليفة حفتر وأكثر من 100 عضو من مجلس النواب في الشرق (المقره في طبرق) تأييدهم للخطة الأمريكية.

وقالت عائشة الطبالقي، عضو مجلس النواب، للجزيرة إن المبادرة الأمريكية تميزت باعتمادها على تفاهم بين الفصيلين الرئيسيين اللذين يملكان النفوذ الفعلي على الأرض. وأشارت إلى أن ظهور أصوات داعمة في الغرب قد يعزز فرص قبول المبادرة على نطاق أوسع.

غير أن مدى الدعم الحقيقي للمبادرة لا يزال محل خلاف. وكشف محمد المعزاب، عضو المجلس الأعلى للدولة، أن عدة أعضاء في مجلس النواب أخبروه خصوصاً أن أسماءهم أُضيفت إلى قائمة المؤيدين دون علمهم المسبق. ورفض المعزاب تحرك بلحاج ووصفه بأنه محاولة “لتقديم نفسه كطرف يمكن أن يكون جزءاً من أي ترتيبات سياسية مستقبلية”، معتبراً أنها “قفزة في الهواء لن تؤثر بشكل كبير على ميزان القوى”.

خريطة طريق سياسية أم “صفقة” عائلية؟

واجهت الآليات التفصيلية للمقترح الأمريكي تدقيقاً مكثفاً من قبل محللين ليبيين يخشون أن تؤدي المبادرة إلى ترسيخ ترتيب لتقاسم السلطة طويل الأمد بدلاً من تمهيد الطريق للديمقراطية.

خلال حلقة حديثة من برنامج “ما وراء الخبر” على قناة الجزيرة العربية، انتقد المحلل السياسي عبد السلام الراجحي هذه الجهود، معتبراً أنها “أقرب إلى صفقة منها إلى مبادرة”. واقترح الراجحي أن بولوس، الذي يفتقر إلى خبرة دبلوماسية واسعة، يسعى لتحقيق نصر جيوسياسي سريع.

وقال الراجحي: “المشكلة التي تواجه صفقة بولوس هي أنها صُممت حول أفراد محددين”، مستشهداً بتسريبات واسعة النطاق تفيد بأن الخطة تهدف إلى تعيين صدام حفتر – نجل القائد العسكري الشرقي خليفة حفتر – رئيساً لمجلس رئاسي جديد، وإبراهيم الدبيبة – ابن شقيق رئيس حكومة الوحدة الوطنية الحالية عبد الحميد الدبيبة – رئيساً للوزراء. وأشار الراجحي إلى أن الرجلين ورد اسمهما بشكل بارز في تقرير حديث لفريق خبراء الأمم المتحدة الذي يتناول تفاصيل تهريب النفط غير المشروع والاختلاس المالي.

على النقيض، رأى سنوسي إسماعيل، المحلل السياسي المقيم في طرابلس، أنه رغم المخاوف المشروعة من انتكاسة ديكتاتورية أو حكم عائلي، فإن الجمود السياسي الحالي يستلزم المخاطرة المحسوبة.

وقال إسماعيل: “الرأي السائد هو أنه ينبغي الانخراط بإيجابية مع مبادرة بولوس”، مشدداً على ضرورة دمج الخطة الأمريكية مع خارطة طريق الأمم المتحدة القائمة. وأكد أن أي حكومة موحدة جديدة يجب أن تكون ملزمة بجداول زمنية صارمة تؤدي مباشرة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، مما يمنع السلطات الجديدة من التمسك بالسلطة إلى أجل غير مسمى.

ودافع وليام لورانس، الدبلوماسي الأمريكي السابق وأستاذ الشؤون الدولية، عن التدخل الأمريكي. وقال: “السبيل الوحيد الذي يمكن لبولوس العمل عليه كخطوة أولى هو إيجاد حلول اقتصادية وتوحيد المؤسسات الاقتصادية الليبية”. وأضاف: “أعتقد أنه يأتي بنوايا حسنة ويحاول التوصل إلى حل شامل ومستدام… ولا أرى أي خطة بديلة في الوقت الراهن”.

مناورات إقليمية

يتزامن الجدل حول المبادرة الأمريكية مع حراك إقليمي مكثف. ففي الأسبوع الماضي، اجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا مع بولوس في القاهرة لبحث الملف الليبي. وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية عن تشكيل آلية إقليمية جديدة تُعرف باسم “R-4″، تضم باكستان ومصر والسعودية وتركيا، تهدف إلى دعم الاستقرار الإقليمي.

وقد اقترن هذا الزخم الدبلوماسي بنشاطات استخباراتية ملحوظة على الأرض في ليبيا:

  • في الغرب: زار رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد طرابلس لإجراء محادثات نادرة مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.
  • في الشرق: زار رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين بنغازي للقاء صدام حفتر، حيث ناقشا جهود توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار.

وقال فيصل بوثرايقة، الباحث في الأمن القومي، للجزيرة إن هذه التحركات المتوازية تعكس جهداً دولياً لتهيئة بيئة مواتية لترتيبات سياسية جديدة.

وأضاف بوثرايقة: “تتحرك ليبيا حالياً بين احتمالين: الوصول إلى تسوية سياسية جديدة، أو إعادة ترتيب ميزان القوى بين الأطراف المختلفة”. وأشار إلى أن واشنطن تنظر إلى مبادرتها كأداة لدعم المسار الأممي، وليس كبديل عنه.

حتى الآن، لم يصدر عن حكومة الوحدة الوطنية موقف رسمي من الخطة الأمريكية. واقترح إلياس الباروني، المحلل السياسي، أن حذر الحكومة محسوب، ويهدف إلى الحفاظ على مساحة للمناورة السياسية، وتجنب الانقسامات في المعسكر الغربي، وانتظار تبلور الموقف النهائي لواشنطن.

_________________

تزاحم المبادرات السياسية في ليبيا… حل للأزمة أم تمديد لها؟

جاكلين زاهر

المعارضون للاقتراح الأميركي يرون أنه «مجرد صفقة جديدة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة.

يجد الليبيون أنفسهم أمام تعدد مبادرات متنافسة تطرحها أطراف دولية ومحلية، يروج كل منها لامتلاك مفتاح الحل، لكن مراقبين يرون أن تعددها لا يقود إلى انفراجة، بل ينذر بإطالة أمد الأزمة وتعميق الانقسام السياسي.

وبحسب هؤلاء المراقبين، فقد تحوَّلت المبادرات من أطروحات سياسية لإنقاذ البلاد إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ، وتثبيت موازين القوى بين الأطراف المتصدرة للمشهد، سواء للحفاظ على مواقعها أو لانتزاع مكاسب سياسية أكبر، «بما يجعل الوصول إلى توافق حقيقي أكثر صعوبة».

وتتصدَّر المشهد حالياً مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، التي أثارت جدلاً واسعاً، وهي تقوم على تقارب مباشر بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها. وفي المقابل، تواصل البعثة الأممية لدى ليبيا الدفع بآلية «الاجتماع المُصغَّر»، أو لجنة «4 + 4»، للتوافق حول الإطار القانوني للانتخابات، بينما أعلن رؤساء مجالس النواب عقيلة صالح، و«الرئاسي» محمد المنفي، و«الأعلى للدولة» محمد تكالة، خريطة طريق يقولون إنَّها تستهدف إنهاء المرحلة التمهيدية، وإجراء انتخابات قبل فبراير (شباط) المقبل.

إزاء هذا التزاحم في المبادرات، لم يخفِ عضو مجلس النواب الليبي محمد حنيش قلقه، وعدَّ كثرتها «خلطاً للأوراق وتعطيلاً للحل». وانتقد حنيش في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ما وصفها بـ«ضبابية المبادرات المطروحة». وقال إن «ما يرشح منها إعلامياً يقتصر غالباً على أسماء مَن سيتقاسمون السلطة؛ بينما لم تعرض تفاصيلها على المؤسسات الليبية، وفي مقدمتها البرلمان، لتقييم قدرتها على إنهاء الانقسام أو تعميقه».

وتعيش ليبيا حالة انقسام سياسي بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان بقيادة أسامة حماد، تدير الشرق وبعض مناطق الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وبخصوص لجنة «4 + 4»، يرى حنيش أنَّها «تقترب بدرجة ما من أهداف مبادرة بولس، وقد تمهِّد أيضاً لترتيبات قائمة على تقاسم السلطة بين الشرق والغرب»، مشيراً إلى أن «خريطة رؤساء المجالس الثلاثة لم تحظَ بدعم محلي ولا بدعم أممي ودولي كبير؛ مما يُشكِّك في استمراريتها».

وتضم لجنة «4 + 4» المُشكَّلة من قبل البعثة، 8 أعضاء مناصفة بين ممثلين عن شرق ليبيا وغربها.

وبحسب حنيش، فإنَّ غالبية المبادرات المطروحة حالياً «تتجاهل المسار» الذي يعدّه الحل الأمثل للأزمة، والمتمثل في الاستفتاء على مشروع الدستور المنجز منذ عام 2017، عادّاً أنه «يُمكِّن الليبيين فعلياً من اختيار مَن يحكم بالمستقبل».

بدوره، عدّ عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، أن «كثرة المبادرات المعبرة عن مصالح أطراف بعينها تجعل المشهد أكثر تعقيداً».

وأبدى السويح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استغرابه من صمت البعثة الأممية إزاء هذا التنافس، عادّاً أنَّها مطالَبة بتقييم أي «مبادرة وفق مصلحة الشعب الليبي، لا سيما بعد سنوات طويلة من تعثر جهودها».

وانضم السويح لأصوات سياسية تحذِّر من «فرض أي مبادرة تقوم على تقاسم السلطة بين القوى النافذة في الشرق والغرب»، عادّاً أنَّ ذلك قد يثير معارضةً واسعةً، وربما يقود إلى توترات أمنية.

ووفقاً للمُتدَاول حول مبادرة بولس، يحتفظ الدبيبة بموقعه رئيساً للحكومة، بينما يتولى صدام حفتر نائب القيادة العامة بـ«الجيش الوطني» رئاسة مجلس رئاسي جديد، بديلاً عن المنفي.

وتتباين المواقف بشأن هذه المبادرة الأميركية؛ إذ يرى مؤيدوها أنَّها «قد تسهم في توحيد البلاد»، مستفيدة من ثقل واشنطن، بينما يعدّها معارضوها «مجرد صفقة جديدة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة بالبلاد قد تؤجل الانتخابات بدلاً من تمهيد الطريق إليها».

وانتقد السويح «غياب الاهتمام في مختلف المبادرات المطروحة بالقضايا المعيشية، والأوضاع الاقتصادية، مثل تراجع قيمة العملة المحلية، وإهدار الثروة الوطنية، والفساد، وملفي التهريب والهجرة غير النظامية».

وعدّ أنَّ هذا التجاهل يؤكد أن «المواطن الليبي لا يزال الحلقة الأضعف، حيث توظِّف الأطراف المحلية تلك المبادرات لتعزيز مواقعها، وتتعامل معها قوى خارجية بوصفها مدخلاً لحماية مصالحها في بلد نفطي استراتيجي».

أما المحلل السياسي صلاح البكوش، فيرى أن ما يتردد بشأن مبادرة بولس يعزِّز الانطباع بأنها «صفقة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها»، على غرار تجارب سابقة وصفها بـ«الفاشلة»، مثل «اتفاقي الصخيرات عام 2015 وجنيف عام 2021».

ورغم تأكيده أنَّ البعثة الأممية تسعى رسمياً إلى مسار انتخابي، فإنَّ البكوش يرى أن «القوى الفاعلة عمدت بشكل منفرد إلى توظيف لجنة (4 + 4) بما يخدم تطبيق مبادرة بولس».

من جهته، عدّ عضو مجلس النواب الليبي، صالح إفحيمة، في إدراج له أن «أي مبادرة قد تُمثِّل خطوةً إيجابيةً إذا أسهمت في تقريب وجهات النظر، لكن نجاحها يبقى مرهوناً باحترام إرادة الليبيين، وعدم تحولها إلى بديل عن الاستحقاق الانتخابي».

________________

قطاع الغاز الطبيعي في ليبيا: بين الإمكانات الهائلة والمعوقات الهيكلية

وائل حامد أحمد

تُعد ليبيا واحدة من أهم منتجي الهيدروكربون في أفريقيا، ولها تاريخ طويل في استكشاف وتطوير النفط والغاز. ووفقاً لبيانات منظمة أوبك، بلغت احتياطيات ليبيا المؤكدة من الغاز الطبيعي 26 تريليون قدم مكعبة في عام 2025، مما يجعلها خامس أكبر دولة من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في أفريقيا، بعد نيجيريا والجزائر ومصر وموزمبيق، ولكنها تتفوق على الكاميرون وأنغولا.

الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو إمكانات ليبيا من الغاز غير التقليدي. تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية موارد البلاد من الغاز الصخري القابلة للاستخراج تقنياً بنحو 122 تريليون قدم مكعبة.

هذا الرقم أكبر بنحو خمسة أضعاف من احتياطياتها التقليدية المؤكدة. ولوضع هذا في منظور صحيح، فإن موارد الغاز الصخري القابلة للاستخراج تقنياً في ليبيا قابلة للمقارنة إلى حد كبير مع موارد الغاز المقدرة في حوض ليفانت، والتي تقدرها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بنحو 122 تريليون قدم مكعبة.

وقد أدت الاكتشافات في حوض ليفانت إلى تحويل شرق المتوسط إلى واحدة من أكثر مناطق الهيدروكربون جاذبية لشركات النفط الدولية في العالم.

على الرغم من مواردها الهائلة، تظل ليبيا واحدة من أقل مناطق الغاز استكشافاً وتطويراً في منطقة البحر المتوسط. وقد أدى عدم الاستقرار السياسي، والتحديات الأمنية، وسنوات من نقص الاستثمار بعد أحداث عام 2011 إلى تقييد أنشطة الاستكشاف والتطوير بشكل كبير، مما ترك الكثير من إمكانات الغاز في البلاد غير مستغلة.

إذا تم تطوير موارد الغاز التقليدية وغير التقليدية بنجاح، فقد تكون الآثار الاقتصادية وعلى قطاع الطاقة تحويلية. يمكن أن يساعد إنتاج الغاز الجديد في تلبية الطلب المحلي المتزايد بسرعة في ليبيا، والحد من نقص الكهرباء المزمن، وإحياء الاستثمار في المنبع، وربما إعادة البلاد كمورد أكثر أهمية للغاز إلى أوروبا. ومع ذلك، فإن تحقيق ذلك سيتطلب بيئة استثمارية مستقرة، وسياسات طاقة واضحة، وإنفاقاً رأسمالياً كبيراً، وتقنيات متقدمة، وإطاراً تنظيمياً قادراً على الموازنة بين التنمية الاقتصادية والاعتبارات البيئية والاجتماعية.

تقلبات العرض وضيق التوازن المحلي

من منظور الإنتاج، تظل ليبيا منتجاً متواضعاً نسبياً للغاز. بلغ إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي مستوى قياسياً بلغ حوالي 3400 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2019، لكن الإنتاج تذبذب منذ ذلك الحين بسبب الاضطرابات المتكررة في إنتاج النفط وعمليات المنبع. يمثل الغاز المصاحب حوالي 40% من إجمالي إنتاج الغاز، مما يربط إمدادات الغاز ارتباطاً وثيقاً بالاضطرابات في إنتاج النفط.

الأهم من ذلك، أن أقل من نصف إجمالي إنتاج الغاز في ليبيا يتم تسويقه للاستهلاك المحلي. يتم استهلاك كميات كبيرة من خلال إعادة الحقن في مكامن النفط لتعزيز استخلاص النفط، بينما يتم حرق كميات إضافية أو استخدامها في عمليات الحقول ومرافق المعالجة. ونتيجة لذلك، مثل الغاز المسوق المتاح للاستهلاك المحلي والتصدير حوالي 45% فقط من الإنتاج الإجمالي في عام 2025.

في حين أن إنتاج الغاز المسوق قد ركد إلى حد كبير خلال السنوات الخمس الماضية، استمر الطلب المحلي في الارتفاع، مدفوعاً في المقام الأول بقطاع الكهرباء. ارتفع استهلاك الغاز المحلي من حوالي 788 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2015 إلى أكثر من 1150 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2025، مما أدى إلى استيعاب حصة متزايدة باستمرار من العرض المتاح.

مع زيادة الطلب المحلي، تضاءلت الفجوة بين الإنتاج المسوق والاستهلاك المحلي بشكل كبير، مما قلل من الكميات المتاحة للتصدير. وبالتالي، انخفضت صادرات غاز “جرين ستريم” إلى إيطاليا من حوالي 700 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2015 إلى أقل من 100 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2025.

يمثل هذا الخلل المتسع بين العرض والطلب أحد أكثر التحديات خطورة التي تواجه قطاع الغاز في ليبيا. وبدون استثمار كبير في تطويرات الغاز الجديدة، ومشاريع الحد من الحرق، وتحديث البنية التحتية، قد لا يكون نمو الإنتاج المستقبلي كافياً لتلبية الطلب المحلي. قد يستلزم هذا الوضع استيراد الغاز الطبيعي المسال لسد فجوة العرض والطلب، أو ترك قطاع الكهرباء يعاني من انقطاعات مطولة في التيار.

استغلال الفاقد: استعادة غاز الحرق كمصدر للإمداد

لا يزال حرق الغاز مصدراً رئيسياً لعدم الكفاءة في قطاع الغاز الليبي. على الرغم من ارتفاع الطلب المحلي وانخفاض الصادرات، أحرقت البلاد بمعدل وسطي بلغ 614 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2024.

وإدراكاً للقيمة الاقتصادية لهذه الكميات المفقودة، أطلقت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مبادرات لاستعادة الغاز المحروق من خلال بنية تحتية جديدة للتجميع والمعالجة.

في عام 2025، نجحت المؤسسة الوطنية للنفط في تقليل حرق الغاز بنحو 100 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم من خلال سلسلة من مشاريع استعادة غاز الحرق التي تم تنفيذها بالتعاون مع شركاتها التابعة.

ساعد ذلك في خفض إجمالي الغاز المحروق إلى حوالي 514 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم. وبالنظر إلى المستقبل، تهدف المؤسسة إلى خفض الحرق بمقدار 120 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم إضافية في عام 2026 وتحقيق خفض بنسبة 60% من المستويات الحالية بحلول عام 2030، مما يوفر إمدادات غاز إضافية للاستهلاك المحلي والتصدير مع تحسين الكفاءة العامة لقطاع الهيدروكربون.

نهضة المنبع: استكشاف متجدد وزخم مؤسسي

بعد أكثر من عقد من نقص الاستثمار والاضطرابات المتقطعة، يُظهر قطاع الغاز في المنبع الليبي علامات على زخم متجدد. منذ عام 2024، كثفت المؤسسة الوطنية للنفط جهودها لجذب كبرى شركات النفط الدولية، وتسريع أنشطة الاستكشاف، وتسويق موارد الغاز غير المستغلة في البلاد.

ساعد رفع قيود الاستكشاف وإطلاق أول جولة تراخيص في ليبيا منذ ما يقرب من عقدين في استعادة اهتمام المستثمرين في واحدة من أكثر مناطق الغاز الواعدة ولكن غير المستكشفة في البحر المتوسط.

تشير النتائج المبكرة إلى انتعاش تدريجي في ثقة المستثمرين ونشاط الاستكشاف. في عام 2026، أعلنت شركة إيني عن ثلاثة اكتشافات للغاز في الكتلة D، جنوب حقل بحر السلام العملاق. وفقاً لإيني، يُقدر أن أول اكتشافين يحتويان على أكثر من 1 تريليون قدم مكعبة من الغاز القابل للاستخراج، بينما أُعلن عن اكتشاف ثالث بعد ذلك بوقت قصير، مما عزز قاعدة الموارد في حوض سرت البحري.

بالتوازي، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط مذكرة تفاهم مع شركة شيفرون تغطي فرص الاستكشاف في أحواض سرت ومرزق وغدامس، مما يسلط الضوء على تزايد الثقة بين شركات الطاقة الدولية في الإمكانات طويلة الأجل لليبيا.

على الرغم من أن هذه الاكتشافات وحدها لن تحول على الفور ميزان الغاز في ليبيا، إلا أنها تثبت أن قطاع المنبع في البلاد لا يزال واعداً للغاية وقادراً على تقديم كميات غاز تجارية. الأهم من ذلك، أنها توفر الأساس لنمو الإنتاج المستقبلي الذي يمكن أن يساعد في عكس تراجع توافر الصادرات الذي لوحظ خلال العقد الماضي.

الاستقرار المؤسسي والمشاريع العملاقة البحرية

حدثت نقطة تحول حاسمة لتسويق قاعدة الموارد الليبية في أبريل 2026، عندما وافقت الهيئات التشريعية المتناحرة في البلاد على ميزانية دولة موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي (29.95 مليار دولار). يمثل هذا الإنجاز أول إطار إنفاق وطني موحد منذ أكثر من 13 عاماً.

يخصص هذا الاختراق المالي 12 مليار دينار (1.9 مليار دولار) مباشرة للمؤسسة الوطنية للنفط، إلى جانب تخصيص رأسمالي أوسع بقيمة 40 مليار دينار مخصص للبنية التحتية للتنمية الاستراتيجية.

يوفر هذا الاستقرار المالي المعزز الأساس المالي الذي طال انتظاره لمشروع تطوير الغاز البحري الضخم “التركيبتان “. يُشغل هذا المشروع شركة ملّيتة للنفط والغاز، وهي مشروع مشترك بنسبة 50-50 بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني الإيطالية، وتبلغ قيمته 8 مليارات دولار، ويستهدف استخراج الغاز من الحقول البحرية العميقة في الكتلة D.

من المقرر أن يسلم المشروع أول غاز في عام 2027، ومن المتوقع أن يصل الإنتاج من التركيبتين إلى معدل هضبة مشترك يبلغ 750 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم. إلى جانب أهميته لقطاع المنبع، من المتوقع أن يلعب المشروع دوراً محورياً في تعزيز ميزان الغاز في البلاد من خلال توفير كميات إضافية للسوق المحلية، ودعم توليد الكهرباء، وربما زيادة توافر الصادرات عبر خط أنابيب غرين ستريم إلى أوروبا.

دور ليبيا في استراتيجية التنويع الأوروبية

تتجاوز أهمية انتعاش إنتاج الغاز الليبي سوقه المحلية. منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، اتخذ الاتحاد الأوروبي عدة إجراءات لتنويع مصادر إمدادات الغاز وتقليل الاعتماد على الواردات الروسية.

في حين لعب الغاز الطبيعي المسال دوراً حاسماً في تعويض الإمدادات الروسية المفقودة، يظل غاز خطوط الأنابيب خياراً جذاباً بسبب انخفاض تكاليف التوريد وتسليمه، وتقليل التعرض لتقلبات سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية.

تتمتع ليبيا بموقع فريد للمساهمة في استراتيجية التنويع الأوروبية من خلال خط أنابيب غرين ستريم الحالي، الذي يربط ليبيا مباشرة بإيطاليا وتبلغ طاقته 775 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم. ومع ذلك، يعمل الخط حالياً بأقل من طاقته التصميمية بسبب محدودية كميات الغاز المتاحة للتصدير.

يمكن لأي زيادة كبيرة في إنتاج الغاز الليبي أن توفر لأوروبا مصدراً إضافياً قريباً ومنخفض التكلفة نسبياً لإمدادات الغاز. بالنسبة لإيطاليا على وجه الخصوص، فإن زيادة الصادرات الليبية من شأنها أن تعزز طموحها لتصبح مركزاً للغاز في البحر المتوسط يربط منتجي شمال أفريقيا بالمستهلكين الأوروبيين.

في عام 2025، انخفضت حصة ليبيا من مزيج واردات الغاز للاتحاد الأوروبي إلى 0.3% فقط، مما يعكس الانخفاض الحاد في صادرات غرين ستريم ويؤكد مدى بقاء مستويات التصدير الحالية أقل بكثير من الكميات التاريخية.

فرصة العبور عبر الصحراء

بعيداً عن الصادرات المباشرة إلى أوروبا باستخدام قاعدة مواردها الخاصة، يمكن لليبيا أيضاً أن تلعب دوراً مهماً في مبادرات التكامل الإقليمي للغاز.

من أكثر المقترحات طموحاً هو خط أنابيب نيجيريا-النيجر-ليبيا، الذي يهدف إلى نقل احتياطيات الغاز النيجيرية عبر النيجر إلى ليبيا ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية.

على الرغم من أن المشروع ركز تقليدياً على الجزائر كبوابة للتصدير عبر خط أنابيب الغاز عبر الصحراء (TSGP)، إلا أن البنية التحتية الواسعة لخطوط الأنابيب في ليبيا، وموقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط، وقربها من الأسواق الأوروبية يمكن أن توفر طريقاً بديلاً للتصدير في المستقبل.

من شأن مشاركة ليبيا أن تعزز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة مع زيادة خيارات تنويع الإمدادات لأوروبا. ومع ذلك، لا يزال يتعين معالجة تحديات سياسية وأمنية وتمويلية وتجارية كبيرة قبل أن يتمكن مثل هذا المشروع من تجاوز مرحلة التخطيط.

الاستنتاج: مفارقة التسويق والطريق إلى الأمام

يمثل قطاع الغاز في ليبيا مفارقة مذهلة. تمتلك البلاد واحدة من أكبر قواعد موارد الغاز التقليدي في أفريقيا وإمكانات كبيرة من الغاز الصخري، ومع ذلك تظل منتجاً متواضعاً نسبياً ومصدراً صغيراً نسبياً مقارنة بإمكاناتها من الموارد.

لقد أدى ارتفاع الطلب المحلي، وقيود البنية التحتية، ومعدلات الحرق المرتفعة، وسنوات من نقص الاستثمار في قطاع المنبع إلى تقليل توافر الصادرات بشكل مطرد على الرغم من الموارد الوفيرة. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن القطاع قد يدخل مرحلة نمو جديدة. إن مبادرات الحد من الحرق الجارية، ونشاط الاستكشاف المتجدد، واكتشافات الغاز الكبرى، والاهتمام المتزايد من شركات النفط الدولية تخلق فرصاً لتوسيع العرض وتحسين ميزان الغاز في البلاد.

التحدي الرئيسي للبلاد ليس توافر الموارد، بل قدرتها على تحويل الإمكانات الجيولوجية إلى نمو إنتاجي مستدام وقابل للتسويق تجارياً. سيكون النجاح في هذا الصدد هو العامل المحدد في ما إذا كانت ليبيا ستبقى مركزة بشكل أساسي على تلبية الطلب المحلي أم ستعاود الظهور بين مصدري الغاز إلى أوروبا على المدى المتوسط.

على المدى المتوسط، من المتوقع أن يزيد إنتاج الغاز في ليبيا تدريجياً مع بدء تشغيل المشاريع الجديدة. من المتوقع أن يضيف تطوير التركيبتين وحده حوالي 750 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم من الإنتاج اعتباراً من عام 2027، بينما يمكن لمشاريع استعادة غاز الحرق الجارية أن توفر 200-300 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم إضافية بحلول عام 2030.

معاً، يمكن لهذه التطورات أن تحسن بشكل كبير ميزان الغاز في البلاد وتدعم انتعاشاً جزئياً في الصادرات عبر خط أنابيب غرين ستريم. ومع ذلك، من المرجح أن يستوعب الطلب المحلي المتزايد حصة كبيرة من الإمدادات الجديدة.

ونتيجة لذلك، من المتوقع أن تظل ليبيا مركزة في المقام الأول على تلبية الاحتياجات المحلية، على الرغم من أن كميات التصدير قد تتعافى من أقل من 100 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2025 إلى حوالي 300-500 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم بحلول نهاية العقد، شريطة الحفاظ على الاستقرار السياسي وزخم الاستثمار.

_____________

الجنوب وجع لا يسمعه أحد وأنين في صميم الوطن

مصباح السنوسي

في عمق الجغرافيا الليبية حيث تتمدد الصحراء وتختزن الأرض كنوزًا من النفط والغاز وثروات طبيعية لا تُحصى يتردد صدى أنين خافت لإقليم بأكمله إقليم بدا وكأنه يعيش على هامش وطن لا يسمعه.

كان من المفترض لهذه الثروات أن تكون قاطرة للاقتصاد الوطني لكن الجنوب لم يكن يومًا سوى رقم مهمل في سجلات الدولة وعبء ثقيل في موازين السياسة.

تاريخ من التهميش

لعقود طويلة تعايش الجنوب مع التهميش كقدر محتوم وكأن قدره أن يبقى في الظل، ومع انهيار الدولة المركزية لم يجد الجنوب طريقه نحو البناء والتعافي بل تحول إلى ساحة مفتوحة للنفوذ وميدان خلفي لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

ولقد استدرجت مكوناته الاجتماعية وقبائله إلى أتون هذه الصراعات حيث سعى كل طرف في الشمال إلى مد يده عبر حلفاء محليين في محاولة لكسب جولة مؤقتة في معركة سلطوية طويلة دفع ثمنها أبناء الجنوب من أمنهم واستقرارهم ومن أحلامهم في غد أفضل.

ستة وعشرون بلدية جنوبية في خارطة وجع مشترك

معاناة موزعة على امتداد ستة وعشرين بلدية تمثل روح الإقليم وامتداده الاجتماعي والجغرافي من سبها إلى مرزق ومن غات إلى وادي عتبة حتى القطرون. كلها بلديات تُركت تواجه مصيرها وحدها. كل بلدية منها تروي قصة من الحرمان، ومن الانقطاع، ومن الغياب المتكرر للدولة، ومن الشعور المزمن بأن فزان ليست في حسابات من يحكم.

التدخل الخارجي بوابة للفوضى

وما يزيد الطين بلة أن الجنوب لم يعد مجرد ضحية للإهمال الداخلي المزمن بل غدا هدفًا مكشوفًا لتنافس القوى الخارجية، ولم يكن هذا التدخل وليد الصدفة بل جاء نتيجة مباشرة للفراغ الذي خلفه غياب الدولة.

فقد تحول الجنوب إلى بوابة استراتيجية للتغلغل في عمق الساحل والصحراء، ومسرح جديد للصراع الجيوسياسي المحتدم، صراع لا يجد فيه صوت الناس مكانًا، وقد وجدت مراكز النفوذ الأجنبية في هذا الفراغ بيئة خصبة للتحرك، وكلما تعمقت الفوضى اتسعت فرصها للعبث بمقدرات الإقليم.

جريمة سياسية مكتملة الأركان

إن ما يحدث في الجنوب ليس مجرد إهمال إداري بل هو جريمة سياسية مكتملة الأركان. جريمة صامتة اشترك في ارتكابها كل من تجاهل وكل من تواطأ وكل من صمت عن الظلم البين وكل من اعتلى مقعد المسؤولية ولم يحمل الجنوب أمانة في عنقه.

جريمة ارتُكبت باسم السيادة بينما تُعامل فزان كأنها عبء ثقيل على الجسد الوطني، وباسم الوحدة بينما يُقصى الجنوب عمدًا من معادلات القرار، وباسم العدالة بينما تُوزع الثروة الوطنية بميزان ظالم لا يرى إلا مصالح فئة دون أخرى.

إمكانات هائلة ومستقبل واعد ينتظر

لكن الجنوب ليس أرضًا قاحلة أو ميتة بل هو خزان هائل من الإمكانات الكامنة ففيه تكمن ثروات النفط والغاز، ويتمتع بموقع استراتيجي فريد وموارد طبيعية يمكنها أن تُغير وجه ليبيا بالكامل.

لو أن إرادة سياسية حقيقية تبلورت لكان الجنوب ركيزة أساسية للاستقرار الوطني لا عبئًا عليه. كان يمكن أن يكون منطلقًا للتنمية الشاملة، ونقطة انطلاق للتكامل الإقليمي مع دول الجوار، وكان من الممكن أن يُعاد دمجه في جسد الدولة الليبية بروح جديدة من الشراكة والعدالة.

رؤية وطنية شاملة السبيل الوحيد

إن ما يحتاجه الجنوب اليوم ليس مجرد ميزانيات تُصرف أو وعود تُطلق بل رؤية وطنية شاملة وعميقة:

  • يحتاج الجنوب إلى وجود حقيقي للدولة، وجود يعيد هيبتها ويُرسخ سيادتها.
  • يحتاج إلى مشروع تنموي مستدام يعيد بناء الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
  • يحتاج إلى أمن محلي يُبنى بسواعد أبنائه وإلى مصالحة وطنية حقيقية بين كافة مكوناته الاجتماعية.
  • يحتاج إلى من يَصْدق معه القول والفعل لا من يستخدمه كورقة تفاوضية في صراعات لا تنتهي
  • يحتاج إلى من يراه قلبًا نابضًا للوطن لا مجرد طرف بعيد أو منسي.

مسؤولية وطنية جامعة

إن قضية الجنوب اليوم ليست مسؤولية أهل الجنوب وحدهم بل هي مسؤولية وطنية جامعة تقع على عاتق كل من يطمح لنهضة ليبيا واستقرارها.

فلا يمكن لدولة أن تقوم وجزء أصيل منها يُترك للفراغ والعبث، ولا يمكن أن يتحقق الأمن الشامل وهناك رقعة واسعة من البلاد تُدار من خارج الحدود، ولا يمكن أن نبني سلامًا مستدامًا وهناك شعب بأكمله يشعر بالنسيان والتهميش

إننا اليوم أمام فرصة أخيرة لإعادة النظر، ولإعادة الاعتبار، ولإعادة رسم العلاقة مع هذا الإقليم الحيوي.

فإما أن يكون الجنوب رافعة للاستقرار والازدهار، أو أن يبقى جرحًا نازفًا في جسد وطن منهك يهدد بتقويض كل محاولات البناء.

***

مصباح السنوسي ـ عضو لجنة السياسات بالحزب الديمقراطى

_______________




اعتراف حكومة الدبيبة بالجنائية الدولية يرفع حدة الانقسام الليبي

لا يكاد الجدل السياسي في ليبيا يهدأ حتى يعود مجددًا وبحدة أكبر، في ظل استمرار الانقسام السياسي داخل البلاد وما يرافقه من تباين في وجهات النظر حول عدد من الملفات، من بينها مسألة التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية.

وتجدد الجدل أخيرا عقب توجيه رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة رسالة إلى رئيس المحكمة الجنائية الدولية، أكد فيها استمرار اعتراف ليبيا باختصاص المحكمة في الجرائم الدولية، وفقًا للإعلان الصادر عام 2011 والممتد حتى نهاية عام 2027.

وخاطب الدبيبة رئيس قلم المحكمة الجنائية الدولية، أوزغانك زقالا جايلر، عبر رسالة رسمية بتاريخ 21 مايو/أيار 2026، موضحًا أن هذا الاعتراف يقتصر على الجانب الجنائي فقط، ولا يشمل الاختصاص المدني أو قضايا التعويضات.

حفتر يتصدى

وبمجرد انتشار الخبر، سارعت حكومة الشرق الليبي التابعة للجنرال المتقاعد خليفة حفتر إلى توجيه مذكرة للمحكمة الجنائية الدولية، أكدت فيها أن ليبيا ليست دولة طرفا في نظام روما الأساسي، وأن أي قبول لاختصاص المحكمة يجب أن يصدر وفق إجراءات دستورية واضحة ومن خلال المؤسسات المخولة قانونا.

وترى حكومة أسامة حماد أن قرار الدبيبة يمثل محاولة لتجاوز السلطة التشريعية المنتخبة والتفريط في اختصاصات القضاء الليبي، في وقت تؤكد فيه المؤسسات الوطنية قدرة الأجهزة القضائية الليبية على التحقيق والمحاسبة وفق القوانين النافذة.

وشددت حكومة الشرق على أن السيادة القضائية ليست ملفا إداريا يمكن التصرف فيه بقرار تنفيذي، بل هي من صميم الاختصاصات السيادية للدولة التي لا يجوز التنازل عنها أو تقاسمها إلا وفق الأطر الدستورية والتشريعية المعتمدة.

ولم يتوقف الأمر عند الموقف السياسي، بل تطور إلى مسار قضائي بعد صدور أمر ولائي من محكمة جنوب بنغازي الابتدائية يقضي بإيقاف تنفيذ إعلان حكومة الوحدة الوطنية بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

ويرى موقع “ليبيا24” الداعم لحكومة الشرق، أن موقف الأخيرة يرتكز على مبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام المحكمة الجنائية الدولية، والذي يمنح الأولوية للقضاء الوطني متى كان قادرا وراغبا في مباشرة اختصاصاته.

وأوضح الموقع في 5 يونيو/حزيران 2026، أن حكومة حماد ترى أن القضاء الليبي ما زال يمارس مهامه ويصدر أحكامه ويباشر التحقيقات في مختلف القضايا الجنائية، الأمر الذي يجعل مبررات اللجوء إلى القضاء الدولي محل جدل واسع.

ورأى أن “الحفاظ على الاختصاص القضائي الوطني يمثل جزءا أساسيا من معركة استعادة الدولة الليبية لمؤسساتها وسيادتها بعد سنوات طويلة من الانقسام والفوضى”.

وشدد المصدر ذاته على تمسك حكومة حماد ومجلس النواب بخيار حماية القرار الوطني، ورفض أي خطوات تنتقص من سيادة الدولة أو تمنح أطرافا خارجية نفوذا إضافيا على الملف الليبي.

موقف قانوني

في خضم هذا النقاش، يرى أستاذ القانون الدستوري بجامعة سرت، عمر عبدالله، أن خطوة الدبيبة تستند إلى نص الفقرة (3) من المادة (12) من نظام روما الأساسي، غير أنها لا تمثل إجراء شكليا أو محدود الأثر، بل هي تصرف قانوني بالغ الخطورة تترتب عليه آثار واسعة قد تمتد لسنوات طويلة.

وأكد عبدالله لموقع “الساعة24” المحلي في 4 يونيو، أن الدولة التي تتقدم بإعلان قبول الاختصاص بإرادتها المنفردة، دون أن تكون طرفا في النظام الأساسي، إنما تمنح المحكمة سلطة مباشرة لممارسة ولايتها بشأن الجرائم الداخلة في اختصاصها ضمن النطاق المحدد في ذلك الإعلان.

وتابع: “بعد ذلك، لن يكون لها أي دور أو تأثير في التحكم في مسار التحقيقات أو تحديد الأشخاص الذين قد تشملهم إجراءات التحقيق والمحاكمة؛ إذ تصبح هذه المسائل خاضعة للنظام الأساسي للمحكمة ولصلاحيات أجهزتها المختلفة”.

ونوه إلى أن محاولة قصر الاختصاص على جانب دون آخر، أو فرض قيود تتعارض مع طبيعة الاختصاص الذي قرره نظام روما الأساسي، تثير إشكالات قانونية؛ لأن الدولة عند قبولها اختصاص المحكمة لا تعيد صياغة النظام الأساسي، وإنما تقبل الخضوع للمنظومة القانونية التي أنشأها ذلك النظام.

وأردف، ولذلك كان ينبغي التروي والدراسة الدقيقة قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة، موضحا أن “قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليس قرارا عابرا يمكن التراجع عن آثاره بسهولة، بل هو قرار سيادي ذو تبعات قانونية وسياسية قد تتجاوز ما تتوقعه الجهة التي اتخذته”.

جرائم موثقة

الجرائم المرتكبة من عناصر وجماعات مسلحة بليبيا وثقتها العديد من المنظمات الحقوقية والقانونية، ومنها “المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا”.

وفي هذا الصدد، ذكرت المؤسسة في منشورات عبر صفحتها على فيسبوك خلال شهر يونيو 2026، أنه تم اكتشاف مقبرة جديدة في مدينة ترهونة تُجدّد المطالب بكشف مصير المفقودين، وتحقيق العدالة ولإنصاف أسر الضحايا وملاحقة المتهمين المتورطين في ارتكاب هذه الجرائم من “مليشيا الكاني” التي كانت تسيطر على المدينة والتي كانت تحضي بشرعية القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبيّة.

وأوضحت المؤسسة أن هذه المليشيا شكلت الذراع الأساسية للقيادة العامة برئاسة الجنرال التقاعد خليفة حفتر في الحرب التي شنتها قوات القيادة العامة خلال سنة 2019م على مدينة طرابلس والمنطقة الغربية.

كما سجلت المؤسسة واقعة قيام عددا من العسكريين التابعين للواء 444 التابع للمنطقة العسكرية طرابلس التابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي بالهجوم على مركز شرطة سوق الخميس إِمسيحل وإخراج موقوفين بداخل المركز على ذمة النيابة العامة بقوة السلاح والاعتداء على ضباط وضباط صف الأمن بالمركز، مساء يوم الأربعاء 3-يونيو.

وشدد المصدر ذاته على أن هذه الممارسات الخارجة عن القانون، تقوض سيادة القانون والنظام العام والاعتداء على سلطات إنفاذ القانون والضرب بعرض الحائط بأوامر النيابة العامة من قبل وحدة عسكرية تابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي في خروج صريح عن القانون والإخلال بالنظام العام.

كما وثقت المؤسسة قيام عسكريين تابعين للواء 444 بالاعتداء الجسدي على أحد المواطنين وسط مدينة ترهونة مساء يوم الخميس 28 مايو 2026.

وفي هذا الصدد، دعت المؤسسة إلى فتح تحقيق في ملابسات وظروف الواقعة وضمان ضبط ومحاسبة مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة، وإنهاء الإفلات منّ العقاب حيال هذه الممارسات غير المشروعة والخارجة عن القانون والانتهاكات الجسيمة، وتعمّد الإساءة والاعتداءات على المواطنين من قبل المنتمين إلى بعض الجهات الأمنية والوحدات العسكرية الغير منضبطة والتي تُسئ استعمال سلطاتها الممنوحة لها.

في السياق، انتقدت المؤسسة تعرض المتهم المطلوب لدي المحكمة الجنائية الدولية المتهم (سيف النصر سليمان سنيدل) للقتل خارج نطاق القانون في ظروف غامضة بمدينة بنغازي بشرق البلاد خلال الفترة الماضية.

وأضافت، حيثُ جرى اختطافه منّ قبّل مسلحين ملثمين منّ أمام منزله الكائن في مدينة بنغازي، وبعد ذلك وجدّت جُثته في مستشفى 1200 بالمدينة، وسط استمرار الصمت حيال مقتله والغموض وعدم الإفصاح عن الواقعة من قبل السلطات في شرق البلاد.

يُذكر أن المحكمة الجنائية الدولية قد أعلنت على رفع السرية في أغسطس/آب 2025 عن مذكرة التوقيف الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بحق سيف النصر سليمان سنيدل، أحد قادة “مجموعة الـ 50” التابعة للقوات الخاصة ضمن القوات المسلحة العربية الليبية، والمتهم بارتكاب جرائم حرب تشمل القتل والتعذيب والاعتداء على الكرامة الإنسانية، والتي يُزعم ارتكابها في مدينة بنغازي وضواحيها خلال عامي 2016 و2017م.

وشددت المؤسسة على أن عمليات اغتيال مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، ما هي إلا خطوة استباقية لطمس أدلة الإثبات ضد كبار المجرمين وداعميهم، وهو الأمر الذي يُخشى أن يكون جزءا من مخطط ممنهج لتصفية شهود الإثبات ضد كبار المجرمين المطلوبين للعدالة، وللعبث بالأدلة والتحقيقات الجنائيّة.

وطالبت المؤسسة مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في حوادث الاغتيالات والقتل خارج نطاق القانون التي نالت المتهمين المشتبه بهم في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والمطلوبين لدي المحكمة الجنائيّة الدولية، وهو ما يُعد محاولة لتعطيل وعرقلة سير العدالة، والبحث في خلفيات الأطراف التي تقف وراء هذه العمليات.

إشكالات سياسية

من جانب آخر، يرى الكاتب الصحفي والناشط السياسي الليبي محمد ألامين، أن رسالة الدبيبة إلى المحكمة الجنائية الدولية ليست حدثا قانونيا معزولا، ولا تفصيلا إداريا في دفتر الحكومة، بل يعكس فشلها في ضبط السلاح المنفلت، مما يدفع بها لفتح نافذة نحو الخارج واستدعاء القانون الدولي.

وذكر ألامين لـ “الاستقلال” أن خوف حكومة الدبيبة من خصومها، والاتجاه نحو الجنائية الدولية، فيه توريط لحلفائها.

ورأى أن ما يجري يؤكد أن الملفات الكبرى في ليبيا تحولت إلى أدوات ابتزاز، ومنها ملف الميليشيات، السجون، الجرائم، العاصمة، النفط، الشرعية، الجنائية الدولية وغيرها، حيث ظاهرها قانون وباطنها صراع على البقاء.

وقال ألامين: إن الجنائية لا تدخل بلدا منقسما كضيف محايد، بل تدخل ومعها العواصم والسفارات والتقارير والضغوط والمساومات وخرائط النفوذ، محذرا من كون الخطوة قد تفتح بابا واسعا للتدخل الأجنبي في ليبيا.

وأبرز ألامين أن هناك مفارقة قاتلة قائمة، قوامها أن السلطة التي تغذت على المليشيات تريد اليوم تخويفها بالقانون الدولي، والمليشيات التي حمت السلطة قد تكتشف أنها أول من سيُقدم قربانا عند تبدل الموازين.

أما المواطن، يردف الكاتب الصحفي، “فيُراد له أن يرى المشهد كأنه معركة بين العدالة والجريمة، بينما الحقيقة أعمق: إنها معركة بين دولة غائبة، وسلاح حاضر، وخارج ينتظر لحظة الدخول من الباب الذي يفتحه أهل البيت بأيديهم”.

وذكر المتحدث ذاته أن ما يجري ينقل القرار الليبي من الشارع والمؤسسات إلى غرف التفاوض الدولية، مما يحوّل العدالة إلى ورقة ضغط، والضحايا إلى لافتة، والدم إلى مادة تفاوض.

ويرى ألامين أن المتضرر من خطورة حكومة الدبيبة هو الليبي العادي، من يريد دولة لا وصاية، وقضاء لا انتقام، وعدالة لا تُستخدم موسميا، وسيادة لا تُباع عند أول ارتباك.

واسترسل: “المتضرر هو كل من يفهم أن استدعاء الخارج لحل أزمة الداخل لا ينهي الأزمة، بل يمنحها عمرا أطول ومالكا جديدا”، مشيرا إلى أن استدعاء الجنائية الدولية قد تفتحه مراسلة من ورق، لكن إغلاق خذا الباب لن يكون بسهولة.

التزام رسمي

أكدت المحكمة الجنائية الدولية في تقريرها الـ31 المقدم إلى مجلس الأمن الدولي في مايو 2026، إحراز تقدم ملموس في مسار التحقيقات الخاصة بليبيا، مشيرة إلى أن تسليم المتهم خالد محمد علي الهيشري مثّل أول عملية تسليم فعلية منذ إحالة الملف الليبي إلى المحكمة عام 2011.

وأوضح التقرير الذي جاء عقب إحاطة نائبة المدعي العام نزهة شميم خان أمام مجلس الأمن، أن الهيشري يواجه 17 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سجن معيتيقة، تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي بحق ليبيين ومهاجرين بين عامي 2014 و2020.

كما كشفت المحكمة عن استمرار ملاحقة عدد من المطلوبين، بينهم أسامة المصري نجيم، مع الإشارة إلى وجود تسعة أوامر قبض لم تُنفذ بعد.

وانتقد التقرير ضعف تعاون مكتب النائب العام في ليبيا، مؤكدا عدم تلقي المحكمة ردودا كافية بشأن ملفات ترهونة وسجن معيتيقة ومكان وجود بعض المطلوبين.

وفي المقابل، أشادت المحكمة بتعاون حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، مقدرة أن إعلان ليبيا قبول اختصاص المحكمة حتى عام 2027 منح دفعة جديدة للتحقيقات.

التقرير أشار أيضا إلى توسع التحقيقات في الجرائم المرتكبة ضد المهاجرين، بالتعاون مع دول أوروبية ووكالة يوروبول، وسط تأكيد المحكمة أن طريق الهجرة عبر المتوسط ما يزال الأكثر فتكا في العالم، مع تسجيل مئات الوفيات منذ بداية العام الجاري.

وفي ختام التقرير، أكدت المحكمة أنها تتجه نحو تسريع المحاكمات وطلب أوامر قبض جديدة، مع التركيز على الجرائم المرتبطة بالسجون والانتهاكات ضد المهاجرين والعمليات العسكرية التي شهدتها ليبيا بين 2014 و2020.

وخلال الدورة نفسها، نقل مندوب ليبيا بمجلس الأمن الطاهر السني رسالة الدبيبة إلى المحكمة الجنائية الدولية، أكد فيها التزام حكومته بتنفيذ قرار توسيع صلاحيات المحكمة وتمديد ولايتها إلى 2027.

وشدد السني أن “هذا القرار أدى إلى تعزيز حقوق الإنسان في كل أنحاء ليبيا دون استثناء، فكلّ مجرم متحصّن بات يفكّر عشرات المرات قبل تجاوز حدود إنسانية ضحاياه”.

ونبه إلى أن حكومة الوفاق تعمل حثيثا لتفكيك المجموعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، وضمان تجنّب إفلاتها من العقاب، وأنها تعمل لتعزيز أداء مؤسسات الدولة التي تحفظ كرامة المواطن وتلتزم بالقانون.

وأدان المصدر ذاته كل الجرائم من قتل وتعذيـب وإخفاء قسري التي ارتكبت السنوات الماضية، وأن الحكومة لن تألُو جهدا في محاسبة مرتكبيها لضمان مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.

__________________

من طرابلس إلى بنغازي.. كيف تعيد تركيا هندسة نفوذها في ليبيا؟ (2)

زيد سليم

الإعمار والطاقة

يفتح الاقتصاد بابا آخر لفهم التحول التركي. فمدن الشرق الليبي، وفي مقدمتها بنغازي والبيضاء ودرنة وطبرق، تحتاج إلى مشاريع واسعة في الطرق والمطارات والمستشفيات والبنية التحتية بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام. وفي هذا المجال تمتلك الشركات التركية خبرة طويلة في السوق الليبية، تعود إلى عقود القذافي وتمتد إلى مشاريع متعثرة بعد 2011، ما يجعل عودتها إلى الشرق جزءا من ذاكرة اقتصادية قديمة لا مغامرة طارئة.

قاد صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي المرتبط ببلقاسم حفتر هذا المسار عبر توقيع عقود مع شركات تركية لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، شملت بنى تحتية ومرافق عامة ومستشفيات. كما وقع الصندوق عقودا مع شركة تركية لتطوير أنظمة الملاحة والاتصالات في 7 مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. وتمنح هذه المشاريع تركيا حضورا يوميا داخل مناطق كانت محسوبة لسنوات على خصومها المباشرين، وتخلق شبكة مصالح تربط المقاولين والمسؤولين المحليين والمؤسسات الاقتصادية بأنقرة.

يحمل ملف الطاقة وزنا إضافيا في هذه المقاربة. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن وزير النفط والغاز الليبي خليفة عبد الصادق، خلال مؤتمر طرابلس للطاقة، أن تركيا مؤهلة للعب دور مهم في مناقصات النفط والغاز الأولى منذ 17 عاما، مشيرا إلى تعاون مع شركة البترول التركية لتنفيذ مذكرة تفاهم وقعت في يونيو/حزيران 2025 بشأن المسوحات السيزمية والحفر في مناطق واعدة. وفي فبراير/شباط 2026، كشف وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن بلاده حصلت على حقوق استكشاف في حقلي نفط وغاز ليبيين بنسبة 40%، بالشراكة مع شركة ريبسول الإسبانية، ضمن استراتيجية تركية للتوسع الخارجي في قطاع الطاقة.

بهذا المعنى، لا تنفصل المصالح الاقتصادية عن الحسابات السياسية. فتركيا تعرض على الشرق الليبي حزمة تتجاوز الاتفاق البحري، تشمل شركات البناء وخطوط الطيران والحضور القنصلي والتعاون الأمني وفرص التدريب والتسليح والطاقة. أما معسكر حفتر، فيرى في هذه الحزمة فرصة لجذب استثمارات، وتنويع علاقاته، وتقديم نفسه كسلطة قادرة على إدارة مشاريع كبيرة، لا كقوة عسكرية فقط.

لكن هذا الباب يحمل مخاطر واضحة. فاقتصاد الإعمار في الشرق الليبي يتحرك داخل بيئة محدودة الشفافية، تتداخل فيها شبكات السلطة العائلية والعسكرية مع المال العام، وتضعف فيها الرقابة المؤسسية الموحدة. وإذا ارتبطت المشاريع التركية بمراكز نفوذ عائلية أكثر من ارتباطها بمؤسسات ليبية جامعة، فقد تتحول لاحقا إلى عبء سياسي على صورة تركيا لدى قطاعات ليبية واسعة.

الجيش والسياسة

تدرك تركيا أن ليبيا لا تدار بالدبلوماسية وحدها. فمنذ تدخلها العسكري عام 2020 إلى جانب حكومة الوفاق، بنت أنقرة حضورها عبر التدريب والتسليح والاستشارات والوجود العسكري القانوني المرتبط باتفاقات 2019. واليوم تستخدم الأدوات نفسها للانتقال من دعم طرف واحد إلى محاولة التأثير في بنية عسكرية ليبية أوسع.

حافظت أنقرة على قاعدة تموضعها في الغرب. ففي يوليو/تموز 2025، وقعت وزارة الدفاع التركية مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس اتفاقية تعاون عسكري تشمل التدريب وتبادل الخبرات والدعم اللوجستي بهدف تطوير قدرات الجيش. وفي يناير/كانون الأول 2025، وافق البرلمان التركي على تمديد تفويض وجود القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين ابتداء من يناير/كانون الثاني 2026. وتؤكد هذه الخطوة أن أنقرة لا تستبدل طرابلس ببنغازي، وإنما توسع هامشها الليبي مع تثبيت نقطة ارتكازها القديمة.

في الوقت نفسه، فتحت تركيا قنوات عسكرية مع الشرق. زار وفد عسكري من معسكر حفتر معرض الصناعات الدفاعية في إسطنبول، والتقى مسؤولين في قطاع الدفاع التركي، وتحدثت تقارير عن ترتيبات محتملة تشمل تدريب 1500 عنصر من قوات حفتر وتوفير معدات متطورة. كما أشارت تقارير أخرى إلى تسليم طائرات مسيرة تركية لقوات الشرق في صيف 2025، ضمن تحرك دبلوماسي أوسع يستهدف كسب تأييد أو حياد بنغازي في ملف الاتفاق البحري.


بلغ هذا المسار ذروته الرمزية في مناورات EFES 2026 على ساحل إيجة. شاركت قوات ليبية من الشرق والغرب في التدريبات تحت علم واحد، بواقع 331 جنديا من الشرق و171 من الغرب، ضمن مشاركة ليبية بلغت 502 عنصر. قدمت وزارة الدفاع التركية المناورات بوصفها تعبيرا عن رؤية “ليبيا واحدة وجيش واحد”، وهي صيغة تمنح أنقرة غطاء سياسيا للتعامل العسكري مع الطرفين من دون الظهور كقوة تدعم انقساما جديدا.

تكتسب هذه المحطة أهمية خاصة لأن فكرة جمع الشرق والغرب عسكريا بدأت تظهر أيضا في تدريبات أخرى مثل “فلينتلوك” بقيادة القيادة الأميركية في أفريقيا داخل ليبيا. لكن تركيا تمتلك ميزة مختلفة، فهي قوة لها وجود فعلي في ليبيا، وخبرة تدريب وتسليح، وعلاقات عملياتية مع الغرب، وبدأت في الوقت نفسه بناء قنوات مع الشرق. وإذا تطور هذا المسار، فقد تصبح أنقرة طرفا مؤثرا في أي ترتيبات مستقبلية لتوحيد المؤسسة العسكرية أو ضبط توازناتها.

يبقى الشق العسكري أكثر الملفات حساسية. فالطائرات المسيرة التركية ساهمت سابقا في وقف تقدم حفتر نحو طرابلس، وأي تعاون دفاعي مع معسكره سيحمل دلالة رمزية كبيرة لدى القوى الغربية الليبية. لذلك تحتاج أنقرة إلى توازن دقيق بين تطمين طرابلس، وإقناع بنغازي بجدية الانفتاح، وطمأنة مصر تجاه حدودها الغربية، وتقديم نفسها للغرب بوصفها قادرة على تقليص النفوذ الروسي والمساهمة في الاستقرار، لا تعميق الانقسام.

حسابات حفتر

من زاوية بنغازي، يحمل الانفتاح على تركيا قدرا كبيرا من البراغماتية. فخليفة حفتر، الذي تجاوز الثمانين، يدير مرحلة حساسة من ترتيب النفوذ داخل معسكره. صعود أبنائه صدام وخالد وبلقاسم إلى مواقع عسكرية واقتصادية يعكس اتجاها نحو توريث النفوذ داخل بنية شديدة القوة في الشرق الليبي، تجمع بين السلاح والمال والإدارة المحلية والعلاقات الخارجية.

يمثل صدام حفتر عنصرا مركزيا في هذا التحول. فهو أحد أبرز وجوه الجيل الصاعد داخل معسكر الشرق، وتحركاته الخارجية ولقاءاته في تركيا تعكس محاولة لتسويق قيادة جديدة قادرة على مخاطبة العواصم المؤثرة والتفاوض باسم القوة القائمة في بنغازي. بالنسبة إلى أنقرة، يتيح التعامل معه قناة مباشرة مع مركز قرار صاعد، وفرصة لاختبار حدود التعاون الدفاعي، ومدخلا مبكرا إلى ترتيبات ما بعد حفتر الأب.

تحمل هذه القناة إشكالاتها أيضا. فقد ارتبط اسم صدام حفتر بتشكيلات عسكرية متهمة بانتهاكات واسعة، كما يثير صعود أبناء حفتر مخاوف من تحويل شرق ليبيا إلى نظام عائلي مسلح. غير أن السياسة الخارجية في الساحات المنقسمة كثيرا ما تتحرك بين معيار الشرعية وموازين القوة. ومن هذا الباب تتعامل تركيا مع معسكر حفتر بوصفه واقعا لا يمكن تجاوزه في أي هندسة ليبية مقبلة.

يمنح الانفتاح على تركيا معسكر حفتر أوراقا متعددة. فهو يرسل رسالة إلى مصر والإمارات وروسيا بأنه قادر على تنويع خياراته، ويقول للعواصم الغربية إن بنغازي منفتحة على شريك من حلف الناتو، ويضغط على طرابلس عبر إظهار أن الحليف التركي التاريخي لم يعد محصورا في الغرب. كما يمنحه فرصة لتحسين موقعه في أي تسوية سياسية أو أمنية قادمة، خصوصا مع عودة الاهتمام الأميركي والأوروبي بترتيبات تقاسم السلطة وتوحيد المؤسسات.

روسيا والفراغ

يرتبط التحول التركي أيضا بتغير موقع روسيا في ليبيا. فقد ظلت موسكو لسنوات الداعم الخارجي الأبرز لمعسكر حفتر عبر مجموعة فاغنر ثم “الفيلق الأفريقي”، وعبر حضور عسكري ولوجستي جعل شرق ليبيا قاعدة مهمة لنفوذها في المتوسط والساحل الأفريقي. غير أن الحرب في أوكرانيا منذ 2022 استنزفت جزءا كبيرا من الموارد الروسية، ودفعت موسكو إلى إعادة ترتيب أولوياتها وانتشارها الخارجي.

تضيف التحولات في سوريا بعد سقوط النظام السابق هناك بعدا آخر لأهمية ليبيا في الحسابات الروسية. فموسكو باتت تنظر إلى الشرق الليبي بوصفه منصة عبور نحو أفريقيا والساحل، وورقة ضغط في المتوسط، ومجالا لتعويض ضغوط أو خسائر في ساحات أخرى. لذلك ما زال الحضور الروسي قائما ومؤثرا، حتى مع اتساع حالة عدم اليقين حول قدرته على احتكار نفوذ حفتر كما في السابق.

تفتح هذه الحالة مساحة أمام تركيا. فأنقرة لا تدخل شرق ليبيا لإزاحة روسيا مباشرة، وإنما لتقاسم المساحة معها أو موازنتها أو منعها من احتكار القرار في بنغازي. وهذا النمط مألوف في العلاقة التركية الروسية، حيث يتنافس الطرفان ويتفاهمان في الوقت ذاته، من سوريا إلى القوقاز والبحر الأسود وليبيا. وكلما امتلكت تركيا موطئ قدم داخل مناطق نفوذ روسية تقليدية، ازداد وزنها التفاوضي مع موسكو.

أما معسكر حفتر، فيستفيد من هذا التنافس لتعظيم هامش المناورة. فالعلاقة مع روسيا وفرت له دعما عسكريا مهما، لكنها لا تمنحه وحدها شرعية دولية أو مشاريع إعادة إعمار أو علاقات مريحة مع الغرب. أما تركيا فتقدم له شريكا من الناتو، وصناعة دفاعية صاعدة، واقتصادا مقاولاتيا واسع الخبرة، وعلاقة قائمة مع طرابلس يمكن توظيفها في المساومات الليبية الداخلية.

معادلة المتوسط

لا ينفصل الانفتاح التركي على بنغازي عن تحسن العلاقات بين أنقرة والقاهرة. فقد كانت مصر خلال سنوات الحرب أبرز داعم إقليمي لمعسكر حفتر، ونظرت إلى الوجود العسكري التركي في غرب ليبيا بوصفه تهديدا لأمنها القومي وحدودها الغربية. لكن مسار المصالحة التركية المصرية خفف حدة العداء، وفتح المجال أمام مقاربات أقل تصادمية في ليبيا.

تدرك تركيا أن أي تقارب جدي مع حفتر يحتاج إلى حد أدنى من عدم الاعتراض المصري. وتدرك مصر أن التواصل التركي مع بنغازي قد يكون وسيلة لضبط اندفاعة أنقرة بدل تركها خارج الحسابات، بشرط ألا يتحول إلى وجود عسكري يغير ميزان القوة قرب حدودها. ومن ثم تحاول أنقرة تقديم نفسها كفاعل قابل للتفاهم، لا كقوة اقتحامية كما ظهرت خلال ذروة معركة طرابلس.

أما اليونان، فهي الطرف الأكثر قلقا من أي تغير في موقف الشرق الليبي من مذكرة 2019. إذ بنت أثينا جزءا مهما من اعتراضها على أن الاتفاق التركي الليبي لا يحظى بموافقة مجلس النواب في طبرق. وإذا بدأ هذا المجلس بمراجعة موقفه أو بفتح نقاش فني حول المذكرة، فإن الحجة السياسية اليونانية ستتراجع، حتى مع استمرار الخلاف القانوني. لذلك تحاول اليونان بدورها تنشيط قنواتها مع الشرق والغرب الليبيين، وتستخدم ملفات الهجرة وخفر السواحل والطاقة لترميم موقعها.

حدود الاندفاع

تبدو الاندفاعة التركية نحو شرق ليبيا واسعة في أدواتها، لكنها تتحرك داخل حدود معقدة. فالانقسام الليبي ما زال قائما، وأي تفاهم مع بنغازي يبقى عرضة للاهتزاز إذا تغيرت موازين القوى داخل الشرق، أو انفجر التنافس بين أبناء حفتر وحلفائه، أو تبدلت حسابات القوى الخارجية الداعمة له. كما أن حكومة طرابلس، رغم ضعفها وصراعاتها الداخلية، تظل الحكومة المعترف بها دوليا، وتستند إليها الاتفاقات التي منحت تركيا حضورها القانوني والسياسي والعسكري في ليبيا. لذلك يصعب على أنقرة توسيع علاقتها بالشرق بطريقة تضعف الأساس الذي بنت عليه نفوذها في الغرب.

تفرض البيئة الإقليمية بدورها قيودا واضحة على الحركة التركية. فمصر تنظر إلى شرق ليبيا بوصفه امتدادا مباشرا لأمنها القومي وحدودها الغربية، وستتعامل بحذر مع أي حضور تركي واسع في بنغازي إذا بدا قادرا على تغيير توازن القوة قرب مجالها الحيوي. أما اليونان، فسترى في أي تقارب بين أنقرة وطبرق تهديدا مباشرا لموقفها في شرق المتوسط، خصوصا إذا اقترب مجلس النواب الليبي من مراجعة موقفه من مذكرة 2019 البحرية.

كما يصطدم شعار “ليبيا واحدة وجيش واحد” بواقع عسكري شديد التشظي. فالمؤسسة العسكرية الليبية ليست جسما موحدا ينتظر التدريب، وإنما شبكة واسعة من القوى المحلية والجهوية والقبلية والاقتصادية، تتداخل فيها مراكز التمويل والسلاح والولاءات الخارجية. ومن ثم، فإن جمع عناصر من الشرق والغرب في مناورات داخل تركيا يفتح قناة اتصال عملياتية مهمة، لكنه لا يكفي لصناعة جيش وطني جامع. يحتاج هذا المسار إلى إرادة ليبية أوسع، وتفاهمات دولية أكثر صلابة، وبيئة سياسية تسمح بتحويل التدريب المشترك إلى بناء مؤسسي مستدام.

تتحرك أنقرة فوق هذا الحقل الحساس بمنطق الموازنة. فهي تريد طمأنة طرابلس إلى أن حضورها في الغرب قائم، وإقناع بنغازي بأن الانفتاح عليها جدي، وتهدئة مخاوف القاهرة، والحد من اعتراض أثينا، وتقديم نفسها للغرب بوصفها قوة قادرة على موازنة النفوذ الروسي والمساهمة في ضبط المشهد الليبي. غير أن تعدد الرسائل يزيد صعوبة المهمة، لأن كل خطوة تركية تجاه طرف قد تقرأها الأطراف الأخرى باعتبارها خصما من رصيدها أو تهديدا لموقعها.

_______________

(الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون)!

فضيل الأمين 

عبارة تتكرر باستمرار… «الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون» يكررها الدبلوماسيون والمبعوثون والمندوبون والسفراء وحتى الزوار في بعض الأحيان عندما يزورون ليبيا أو يجتمعون لمناقشة ملف «ليبيا» فيما بينهم.

أما الليبيين فلهم تعبير آخر بنفس المعنى هو «الحل الليبي-الليبي».

ونحن بين العبارتين نسأل: ما معنى «يجب أن يقوده الليبيون»؟ ما هو معنى القيادة؟ ومن هم الليبيون الذين سيقودون؟ وهل سيقودون الحل أم سيقودون الليبيين؟

هل طرح مبادرات من بعض الدول بمسارات معينة وأدوات معينة تتجاوز المؤسسات الليبية يتماشى مع عبارة «الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون»،

أم يتماهي بدقة أكثر مع عبارة «الحل في ليبيا يجب أن يقوده ليبيون» بدون «أل» التعريف، أي يقوده بعض الليبيين بعينهم؟

وهل ذلك هو الحل فعلاً أم هو دفع غير مباشر أو مؤجل لصراع أو صدام دموي وخطير جديد كان يمكن تجاوزه أو كان مؤجلاً فقط.

وما معنى عبارة «الحل الليبي-الليبي» ولماذا تتكرر كلمة الليبي أكثر من مرة؟ ولماذا مرتان فقط؟ هل المشكلة هي أزمة بين طرفين ليبيين؟ أم صراع بين منطقتين أو إقليمين؟ ولماذا لا نقول «الحل الليبي» فقط؟

وما معنى الحل الليبي؟ هل هو حل تقوده مؤسسات الدولة المختصة بمعالجة الأزمات والمشاكل التي تحتاج إلى حلول؟ هل كلمة الليبي-الليبي تعني الرمزية فقط أم المؤسسات الليبية؟ أم تعني غياب الأجنبي أو استبعاده كائناً من كان؟

وماذا لو فشلت المؤسسات المعنية بالحلول في الحل الليبي بالقيام بمهمتها «الليبية-الليبية»؟ ماذا لو أصبحت هذه المؤسسات أو حتى الشخصيات هي فعلياً المعرقلة لـ«الحل الليبي-الليبي»؟

هل بعض الشخصيات التي تصرخ: نريد حلاً ليبياً-ليبياً، تعني المؤسسات الليبية أم تعني ذواتها بالتحديد؟

ولماذا فشل الليبيون في الوصول إلى حل خلال كل هذه السنوات، بل أصبح بعضهم هم الأزمة أو رجال الأزمة؟

هل سنضطر إلى أن نستنجد بالأجانب أو نطلب من الأمم المتحدة أن تلعب دور الوسيط؟
وهل عندما تلعب الأمم المتحدة دور الوسيط، هي تُفعّل «حلاً يقوده الليبيون» أم حلاً يقوده الأجانب عبر الأمم المتحدة، والليبيون سيكونون ضيوفاً على الوساطة؟

وهل إذا قاده الليبيون عبر وساطة الأمم المتحدة سيقبل به الليبيون ويعتبرونه حلاً ليبياً-ليبياً بوساطة أممية، أم سيطعنون فيه إذا لم يكن 100% يتماهى مع ما يريدون ويرغبون؟

نسبة معتبرة من الليبيين فقدت الأمل في قدرة الليبيين الذاتية على صناعة حل للأزمة الليبية من قِبل المؤسسات والسلطات الليبية المنقسمة.

ولهذا نجدهم يلقون باللائمة على «المجتمع الدولي». وعبارة المجتمع الدولي الفضفاضة أصبحت شعاراً لتنصل الليبيين من مسؤوليتهم تجاه أزمتهم.

فعلياً وعملياً ليس هناك مجموعة أو تكتل اسمه «المجتمع الدولي». هناك دول جوار ودول إقليمية ودول غير إقليمية ودول كبرى ودول أصغر، ودول متداخلة في الملف الليبي منذ 2011 بغض النظر عن حجمها أو قربها.

وهناك دول دخلت المشهد الليبي في 2014، وأخرى دخلت في 2019. ولكل منها مصالحها ومقارباتها التي قد تتماهى في لحظة مع دول أخرى أو تصطدم بها.

وهناك الأمم المتحدة التي يزداد تدخلها ودورها كلما يزداد الشقاق والصراع والحروب والانقسام بين الليبيين.

الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن لها ولاية محددة على ليبيا منذ 2011، وهذه الولاية ليست انتداباً ولا ولاية بقبعات زرقاء ولا تدخلاً عسكرياً مباشراً. ولايتها سياسية دبلوماسية للتيسير والمساعدة دون الفرض والإجبار.

ولهذا رفض بعض الليبيين حكومة السراج التي جاءت بتيسير من البعثة الأممية وقرارات مجلس الأمن، واستمر الرفض إلى حين اندلاع حرب 2019، دونما أن تتدخل الأمم المتحدة لفرض تلك المخرجات أو الحكومة على من رفضها.

كما لاحظنا أيضاً تقلباً في مواقف بعض الدول التي كانت مع مخرجات الأمم المتحدة في البداية ثم انقلبت عليها، ودولاً أخرى كانت ضد المخرجات ثم دعمتها.

اندلاع الحرب على طرابلس في 2019 استدعى تدخلاً دولياً بعد فترة طويلة عبر مسار برلين ومجلس الأمن، الذي ساهم في اتفاق وقف إطلاق النار بين الأطراف، والذي لا يزال سارياً حتى اليوم.

السؤال المحوري اليوم للجميع له شطران:

الشطر الأول: هل العبارة الدبلوماسية المتكررة من الأطراف الدولية بملكية الليبيين للحل وقيادتهم له يكمن وراءها إخلاص ويقين بذلك ممن تصدر منهم، أم أنها للاستهلاك المحلي والدبلوماسي من باب «لزوم الشغل» ليس إلا؟

وإذا كانت صدقية وإخلاصاً ويقيناً، فإلى أي حد قامت تلك الأطراف الدولية بدعم هذه العبارة أو المبدأ عملياً بالعمل المباشر مع المؤسسات الليبية ذات الشأن أو اتخذت بعض الإجراءات الضاغطة أو المواقف العقابية تجاه المعرقلين والمفسدين؟

أما الشطر الثاني: فهو لمن ينادي بالحل الليبي-الليبي.

هل يقصد بذلك المؤسسات الليبية على الرغم من كل علاتها؟ أم يقصد مجموعات وأفراداً من الليبيين ليسوا ذوي قرار أو سلطة حاكمة مبنية على المرجعية الدستورية التي تمنح المسؤولية والصلاحية لهذه المؤسسات لصناعة الحل الليبي-الليبي بناءً على المرجعيات الليبية؟

وإذا كان الجواب بنعم، ولكن المؤسسات تقاعست لسبب أو لآخر، هل قام هؤلاء بالضغط والتحريض والتشاور مع بقية القوى الليبية ليس من أجل استبدال أنفسهم بدل هذه المؤسسات، ولكن من أجل دفعها إلى الالتزام بمصلحة البلاد وتنفيذ الحل الليبي-الليبي؟

للأسف لم نشاهد اعتصامات أو مظاهرات أو حملات ضغط على هذه المؤسسات، أو على الأقل على المعرقل أو المتقاعس منها، من قبل دعاة الحل الليبي-الليبي.

بل ما وجدناه هو المسارعة في تجاوزها وطرح بدائل أخرى تعتمد كلها على شرعية وصلاحية الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا. حيث يطالبون البعثة بـ«لجنة حوار» جديدة تنشئها البعثة الأممية، وآخرون يطالبون بـ«مؤتمر تأسيسي» تؤسسه البعثة الأممية.

وهذه المطالبات كلها تصب خارج الحل الليبي-الليبي. ليس ذلك فحسب، بل حينها يبدأ الصراع والتطاحن على من يكون في لجان الحوار الأممية، وفي حالة الاتجاه نحو مؤتمر تأسيسي، من سيكون عضواً في هذا المؤتمر؟

وما إن تنطلق سوق عكاظ حتى تبدأ المساومات والصراعات والرشاوي من أجل شراء الكراسي.

ومن ينجح من هؤلاء المطالبين سَيُسبّح بحمد الأمم المتحدة، ومن يفشل في الوصول يتحول إلى سيف مسلط على البعثة والفكرة والمشروع، وسيرفض كل مخرجاته ويطعن في كل المشاركين بطريقة أو بأخرى.

وعلمتنا التجربة أيضاً أن مخرجات أي حوار أممي يقوده الليبيون وتديره الأمم المتحدة ستكون نتيجتها عند التنفيذ الفشل الجزئي في أفضل الأحوال.

كما فشل حوار الصخيرات في توحيد البلاد بعد رفض أطراف لمخرجاته، ثم عادت بعد سنوات واعترفت بها.

وكما فشل حوار جنيف في تحقيق الوحدة على الرغم من تسليم الشرق الليبي للسلطة الموازية وإنهائها، ولكن السلطة في طرابلس كانت تبحث عن نموذج حكومة سلطة في طرابلس كما كان الحال من قبل ولكن بطريقة محسنة، وانقلبت على شريكها في الشرق وعلى مجلس النواب الذي منحها الثقة.

كما فشلت في تحقيق الانتخابات التي كانت الجزء الأساسي من المهمة.

ماذا يعني ذلك؟ يعني أن المشكلة ليست في المصطلح الوهمي «المجتمع الدولي»، وليست في البعثة التي لا تملك آليات الفرض والإرغام والإلزام. والمعرقلون والفاسدون والمستفيدون من الأزمة يعرفون ذلك جيداً.

ويعني ذلك أن الحل الليبي-الليبي يجب أن يُعرّف بأنه حلّ تنتجه المؤسسات الليبية، وليس الأطراف الليبية، وليس الشخصيات الليبية، وليس القوى على الأرض، وليس المعرقلين.
إنها المؤسسات الليبية، على ضعفها وارتهان بعض من فيها لمراكز قوى معينة أو للمصالح الآنية، فهي لا تزال تملك الشرعية الدستورية والملكية القانونية والاعتراف الدولي بأنها صانعة القرار إلى يُجرى انتخابات وطنية رئاسية وتشريعية.

كما أن الحل الليبي-الليبي لا يمكن أن يكون حلاً لبعض الليبيين دون غيرهم.
فالوطن يتسع للجميع، والأزمة مست الجميع، وبالتالي فإن معالجتها تقتضي مشاركة الجميع.

لا إقصاء لأحد ولا احتكار لأحد ولا وصاية لأحد على ليبيا أو على الليبيين. وكل القوى والتيارات والمناطق والمكونات السياسية والاجتماعية مدعوة للمشاركة في صناعة الحل ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية.

فالقاعدة الصحيحة ليست من يحضر ومن يُقصى، بل أن يشارك الجميع إلا من قرر بنفسه أن يقصي نفسه من الحوار والمسار الوطني

السؤال هو: هل يمكن لهذه المؤسسات أن تعمل؟

نعم، إذا قام الشعب والناشطون والمؤمنون بالحل الليبي-الليبي بدورهم. دور الضاغط.
دور المُحرِّض. دور الغاضب. دور المهدِّد سياسياً وسلمياً لهذه المؤسسات. لا بد أن تسمع هذه المؤسسات صوت الشعب. لا بد أن تخاف وأن تُذعن لإرادة الشعب.

_______________

من طرابلس إلى بنغازي.. كيف تعيد تركيا هندسة نفوذها في ليبيا؟ (1)

زيد سليم

رست الفرقاطة التركية “قنالي أدا” في ميناء بنغازي، يوم أغسطس/آب 2025، فبدت الصورة القادمة من شرق ليبيا أقرب إلى إعلان سياسي مكثف منها إلى زيارة بحرية عابرة؛ سفينة من البحرية التركية، ووفد عسكري، واستقبال يتقدمه صدام حفتر، نجل خليفة حفتر وأحد أبرز وجوه الصعود داخل معسكر الشرق، في مدينة ارتبط اسمها لسنوات بمعسكر واجه أنقرة مباشرة على أبواب طرابلس.

بعد ساعات، اكتمل معنى المشهد بلقاء رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن مع خليفة حفتر في بنغازي، في أول اتصال بهذا المستوى بين أنقرة وقيادة الشرق الليبي منذ سنوات طويلة. كانت تركيا، قبل 5 أعوام فقط، قد تدخلت عسكريا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، وساهمت طائراتها المسيرة وخبراتها العسكرية ودعمها البحري في وقف هجوم قوات حفتر على طرابلس. أما بنغازي، التي كانت يومها في قلب المعسكر المناهض لأنقرة، فقد تحولت في 2025 إلى محطة اتصال سياسي وأمني وعسكري واقتصادي متدرج.

تكثف هذه الصورة ملامح التحول التركي الجديد في ليبيا. فأنقرة التي بنت حضورها الليبي الحديث على دعم حكومة طرابلس ومذكرتي التفاهم الأمنية والبحرية الموقعتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بدأت تعيد صياغة مقاربتها على قاعدة أوسع من الرهان على الغرب الليبي وحده. انتقلت تركيا من الارتكاز على شريك واحد إلى إدارة نفوذ موزع بين طرابلس وبنغازي، ومن حماية مكاسبها عبر حكومة الغرب إلى تثبيتها داخل معادلة ليبية أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية والموارد الاقتصادية والشرعية السياسية والقدرة على التعطيل.

تحتل مذكرة التفاهم البحرية موقعا مركزيا في هذا التحول. فقد منحت تلك الوثيقة أنقرة منفذا قانونيا وسياسيا واسعا في شرق المتوسط، وكسرت محاولات عزلها عن خرائط الغاز والطاقة التي دفعت بها اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل خلال العقد الماضي. ومع استمرار الانقسام الليبي بين مؤسسات الغرب والشرق، أدركت تركيا أن حماية هذا المكسب لا تستقر عبر طرابلس وحدها، ما دامت بنغازي وطبرق تمسكان بجزء مهم من الأرض والساحل والقرار العسكري والسياسي.

وتبدو ليبيا بالنسبة إلى تركيا ساحة لإعادة هندسة النفوذ أكثر من كونها ملفا للمصالحة الثنائية مع معسكر سابق الخصومة، فأنقرة تسعى إلى تثبيت ما ربحته في طرابلس عبر فتح أبواب بنغازي، وإلى تحويل حضورها الليبي من تحالف اضطراري فرضته الحرب إلى شبكة مصالح عابرة للانقسام الليبي. وبين الضفتين، تتحرك السياسة التركية اليوم بمنطق أكثر براغماتية، يربط الأمن بالبحر، والطاقة بالشرعية، والعلاقات مع الفاعلين المحليين بحسابات المنافسة الإقليمية والدولية.

تحول محسوب

منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، بقيت ليبيا ساحة مفتوحة لتنافس داخلي وخارجي متشابك، ومع انقسام البلاد بين سلطتين في الشرق والغرب منذ 2014، وجدت تركيا موقعها الأقرب إلى طرابلس، بينما تحرك خليفة حفتر ضمن شبكة دعم إقليمية ودولية ضمت مصر والإمارات وروسيا بدرجات متفاوتة. وحين أطلقت قواته هجومها على العاصمة في أبريل/نيسان 2019، تعاملت أنقرة مع المعركة بوصفها لحظة فاصلة تهدد حليفها الليبي ومصالحها الناشئة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.

جاء التدخل التركي مطلع 2020 ليقلب ميزان المعركة، إذ قدمت أنقرة لحكومة الوفاق دعمًا عسكريًا وتدريبيًا وتقنيًا، وأسهمت الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والخبراء العسكريون في وقف تقدم قوات حفتر نحو طرابلس. انتهى الهجوم إلى خطوط تماس جديدة، ثم إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2020. ومنذ تلك اللحظة، ثبتت تركيا حضورها في الغرب الليبي عبر التدريب والاستشارات والتعاون الأمني والحضور البحري والعسكري، مستندة إلى اتفاق أمني وعسكري ومذكرة بحرية استراتيجية وقعتها مع حكومة الوفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

غير أن التوازن الذي حمى طرابلس لم يُمكّن ليبيا من الوحدة، إذ بقيت البلاد مقسومة بين حكومتين ومؤسستين عسكريتين ونفوذين خارجيين متقابلين. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القسمة إلى معادلة ضاغطة على أنقرة. فحكومة طرابلس، رغم اعتراف المجتمع الدولي بها، ظلت محكومة بتحالفات محلية متغيرة وصراعات داخلية متكررة. أما الشرق الليبي، فقد احتفظ بكتلة عسكرية وسياسية متماسكة نسبيًا، وبنفوذ واسع في بنغازي وطبرق والجنوب ومحيط الهلال النفطي، وبقدرة عملية على تعطيل أي تسوية أو اتفاق جامع.

هنا بدأت تركيا تتعامل مع الواقع الليبي ببراغماتية أوسع؛ فالشرعية تمنح طرابلس الغطاء القانوني، لكن السيطرة على الأرض والموارد ومفاصل القرار في الشرق تمنح معسكر حفتر وزنًا لا يمكن تجاوزه. ومن ثم، بدت مكاسب تركيا في الغرب الليبي ناقصة ما دام الشرق خارج حساباتها. فمجلس النواب في طبرق لم يصادق على مذكرة 2019 البحرية، وقوات حفتر تسيطر على مساحات واسعة من الجغرافيا الليبية، وأي ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية طويلة الأمد تحتاج إلى قناة مفتوحة مع بنغازي وطبرق.

من هذا المدخل يمكن فهم التحرك التركي خلال 2025 و2026، فقد انتقلت أنقرة من إدارة خصومة صلبة مع الشرق إلى احتواء هذه الخصومة وفتح مسارات اتصال متدرجة معه. أرادت تركيا الحفاظ على طرابلس داخل دائرة نفوذها، وفي الوقت نفسه منع بنغازي من التحول إلى منصة دائمة لمعاداة مصالحها في شرق المتوسط. كما سعت إلى توسيع أدواتها من الدعم العسكري المباشر إلى شبكة أوسع تشمل الأمن والدفاع والطاقة وإعادة الإعمار والملاحة والتدريب، والاتصالات السياسية.

بدأت مقدمات هذا التحول قبل 2025. ففي فبراير/شباط 2024، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده ستعيد فتح قنصليتها في بنغازي، مؤكدًا رغبة أنقرة في العمل مع شرق ليبيا وغربها من أجل الاستقرار. وفي يناير/كانون الثاني 2025، استأنفت الخطوط الجوية التركية رحلاتها إلى بنغازي للمرة الأولى منذ 10 أعوام، بواقع 3 رحلات أسبوعيًا، في خطوة حملت بعدًا اقتصاديًا ورمزيًا يتجاوز حركة الطيران ذاتها. فالرحلات المنتظمة تعني إعادة وصل المدينة بالفضاء التركي، وفتح الباب أمام رجال الأعمال والوفود الفنية وشركات الإعمار.

في موازاة ذلك، ظل ملف الطاقة حاضرًا في خلفية التحرك التركي. فقد وقعت أنقرة مع طرابلس في أكتوبر/تشرين الأول 2022 مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الهيدروكربونات، بعد مذكرة ترسيم الحدود البحرية لعام 2019. رفض البرلمان الشرقي هذه التفاهمات واعتبرها غير ملزمة، غير أن أنقرة تعاملت مع الرفض بوصفه دافعًا إضافيًا لفتح قناة مع طبرق وبنغازي، لا سببًا للاكتفاء بالغرب. فحماية الاتفاقات البحرية والطاقة تحتاج إلى تهدئة الجبهة الشرقية، أو على الأقل تقليص قدرتها على إسقاط المكاسب التركية سياسيًا وقانونيًا.

في أبريل/نيسان 2025، دخل المسار مرحلة أكثر وضوحًا مع زيارة صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائب قائد قواته، إلى أنقرة. التقى صدام وزير الدفاع التركي يشار غولر وقائد القوات البرية الجنرال سلجوق بايراقدار أوغلو، وجرى الحديث في تقارير دفاعية عن تعاون عسكري محتمل يشمل الطائرات المسيّرة والتدريب والتجهيز. وفي الفترة نفسها، زار وفد من مجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح تركيا، في مؤشر على أن التواصل لم يعد مقتصرًا على القنوات الأمنية، إنما بدأ يمتد إلى الواجهة السياسية التي تملك مفتاحًا أساسيًا في ملف المصادقة على الاتفاقات.

بالتوازي، فتحت إعادة الإعمار بابا اقتصاديا واسعا أمام الشركات التركية في الشرق. ففي أبريل/نيسان 2025، أعلن صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي، الذي يديره بيلقاسم حفتر، توقيع عقود مع شركتين تركيتين لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، تشمل تطوير البنية التحتية وإنشاء مستشفيات. ووقع الصندوق لاحقًا عقودًا مع شركة تركية أخرى لتركيب أنظمة ملاحة واتصالات في 7 مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. منحت هذه العقود تركيا منفذًا اقتصاديًا داخل مناطق كانت حتى وقت قريب محسوبة على خصومها المباشرين.

وتظهر هذه المحطات أن السياسة التركية في ليبيا دخلت طورًا أكثر تعقيدا ومرونة، فأنقرة تحتفظ بقاعدتها الأساسية في طرابلس ومصراتة، وتواصل الاستفادة من اتفاقات 2019، لكنها توسع في الوقت ذاته هامش الحركة باتجاه بنغازي وطبرق. وتدرك أن تثبيت مصالحها في البحر والطاقة والإعمار والتدريب العسكري يحتاج إلى شبكة علاقات عابرة للانقسام الليبي، لا إلى تموضع أحادي داخل غرب البلاد.

ويمثل الانفتاح على معسكر حفتر تحولًا محسوبًا في أدوات السياسة التركية لا انقلابًا على مرتكزاتها. فتركيا تسعى إلى تحويل حضورها من اصطفاف فرضته معركة طرابلس إلى نفوذ موزع على الضفتين، ومن علاقة محكومة بمنطق الحرب إلى شبكة مصالح قادرة على الصمود وسط الانقسام الليبي. وبين طرابلس وبنغازي، تعمل أنقرة على حماية ما ربحته في الغرب عبر فتح أبواب الشرق، وعلى منع خصوم الأمس من امتلاك حق النقض الكامل على مستقبل مصالحها في ليبيا وشرق المتوسط.

دوافع التحول التركي

تتحرك تركيا في شرق ليبيا اليوم من موقع الدولة التي تريد حماية مكاسبها القديمة وفتح أبواب جديدة في الوقت نفسه، فقد دخلت أنقرة المعادلة الليبية الحديثة عبر طرابلس، وبنت حضورها على اتفاقات 2019 الأمنية والبحرية، ثم اكتشفت مع امتداد الانقسام أن الغرب الليبي يمنحها الشرعية والغطاء القانوني، بينما يمتلك الشرق قدرة واسعة على التعطيل والمساومة، ومن هنا جاءت المقاربة الجديدة التي تربط البحر بالطاقة والإعمار بالأمن والتوازنات الإقليمية بحسابات خلافة النفوذ داخل معسكر حفتر.

عقدة البحر

تقع مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 في قلب هذا التحول. فقد رسمت المذكرة إطارا لترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين السواحل التركية والليبية، وفتحت الباب أمام تعاون في استكشاف الطاقة شرق المتوسط. ومن وجهة النظر التركية، منحت الوثيقة أنقرة سندا قانونيا وسياسيا في مواجهة خرائط بحرية دفعت بها اليونان وقبرص ومصر، ومنحت الجزر اليونانية أثرا واسعا يحاصر المجال البحري التركي، خصوصا في محيط كريت.

أثارت المذكرة منذ لحظتها الأولى اعتراضات حادة من أثينا والقاهرة ونيقوسيا والاتحاد الأوروبي. رأت تلك الأطراف أن الاتفاق يتجاوز حقوق الجزر والمناطق الاقتصادية الخالصة، بينما تعاملت تركيا معه بوصفه جزءا من رؤيتها الأوسع للإنصاف في ترسيم الحدود البحرية، وامتدادا لعقيدة “الوطن الأزرق” التي تسعى إلى توسيع هامش الحركة التركية في البحار المحيطة. صادق البرلمان التركي على المذكرة في ديسمبر/كانون الأول 2019، فتحولت إلى ركيزة استراتيجية في سياسة أنقرة المتوسطية.

غير أن قوة المذكرة بقيت مرتبطة بعقدة ليبية داخلية. فقد وقعتها حكومة طرابلس المعترف بها دوليا، بينما رفضها مجلس النواب في طبرق ومعسكر حفتر، واستخدم خصوم تركيا هذا الرفض للطعن في شرعيتها الليبية. ومع استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، أدركت أنقرة أن حماية مكسبها البحري تحتاج إلى تخفيف قدرة بنغازي وطبرق على تعطيله في أي تسوية سياسية أو حكومة موحدة مقبلة.

من هنا حظي قرار مجلس النواب الليبي في يونيو/حزيران 2025 تشكيل لجنة فنية لدراسة الاتفاق التركي الليبي بمتابعة دقيقة في أنقرة وأثينا والقاهرة. القرار لم يمنح المذكرة تصديقا نهائيا، لكنه نقل العلاقة من خانة الرفض المغلق إلى خانة النقاش الفني والسياسي. وبالنسبة إلى تركيا، يكفي فتح هذا الباب لتوسيع هامش المساومة مع الشرق، وتحويل الاتفاق من وثيقة مرتبطة بطرابلس وحدها إلى ورقة قابلة للتفاوض داخل المعادلة الليبية الأوسع.

تعزز هذا الاتجاه مع توقيع المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مذكرة تفاهم مع شركة البترول التركية في يونيو/حزيران 2025، لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في 4 مناطق بحرية. هنا خرج اتفاق 2019 من مستوى الخرائط والبيانات السياسية إلى مستوى المسوح البحرية والبيانات الزلزالية واحتمالات التنقيب. صار البحر مدخلا إلى مصالح اقتصادية وطاقوية ملموسة، وصار تثبيت المذكرة مرتبطا بفرص تنقيب وعقود مستقبلية في منطقة شديدة الحساسية.

هذا المسار يفسر القلق اليوناني والمصري. فأي قبول أوسع داخل ليبيا بالاتفاق مع تركيا سيضعف قدرة أثينا على عزل أنقرة في شرق المتوسط، وسيضع القاهرة أمام توازن دقيق بين شراكتها البحرية مع اليونان وتحسن علاقاتها مع تركيا وحساسيتها تجاه شرق ليبيا بوصفه مجالا مباشرا لأمنها القومي.

يتبع

________________

صفقة يوليو في ليبيا: الدبيبة للحكومة وصدام حفتر للرئاسي وتفاهمات بشأن المصرف المركزي

كشفت مصادر ليبية خاصة لـ”عربي بوست” أن الوفد الأمريكي الذي زار طرابلس قبل يومين أبلغ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في اجتماع مغلق، بوجود مقترح أمريكي يقضي بإعادة تكليفه برئاسة الحكومة المقبلة، مقابل تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، ضمن ترتيبات سياسية يجري العمل عليها حالياً لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا.

وتسعى الأطراف المنخرطة في مسار المقترح الأمريكي إلى الوصول إلى مرحلة الإعلان السياسي مع نهاية شهر يوليو/ تموز 2026، في إطار مساعٍ أمريكية لإنتاج سلطة تنفيذية موحدة تنهي حالة الانقسام بين حكومتي الشرق والغرب، لكنها في جوهرها تقوم على تفاهم مباشر بين مركزي النفوذ الأبرز في البلاد: عائلة الدبيبة في طرابلس، وعائلة حفتر في الشرق.

وتتقاطع هذه المعلومات مع تسريبات وتقارير سابقة تحدثت عن مبادرة منسوبة إلى مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تقوم على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا عبر صيغة تبقي عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، وتطرح صدام حفتر داخل مجلس رئاسي جديد، في موازاة دفع واشنطن نحو ترتيبات مالية وسياسية أوسع.

وبينما تقدم واشنطن هذه الترتيبات باعتبارها مدخلاً لإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، تثير التسريبات المتداولة بشأنها تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية الليبية حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو تسوية انتقالية تمهد لانتخابات شاملة، أم نحو صفقة جديدة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الممسكة بالسلطة والمال والسلاح.

اجتماع أبوظبي لـهيكلةالمناصب

تشير معلومات متداولة في أوساط سياسية ليبية، تقاطعت مع ما أكدته مصادر متابعة لـ”عربي بوست”، إلى أن التفاهمات الجارية بين معسكري الشرق والغرب لا تتوقف عند إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، بل تمتد إلى عدد من المؤسسات السيادية والرقابية التي تمثل مفاتيح القرار المالي والإداري في البلاد.

وبحسب هذه المعلومات، شهدت أبوظبي خلال الفترة الماضية اجتماعاً جمع إبراهيم الدبيبة، مستشار رئيس حكومة الوحدة الوطنية، وصدام حفتر، نجل قائد قوات الشرق خليفة حفتر، تركز جانب منه على إعادة هيكلة عدد من المناصب السيادية ضمن ترتيبات أوسع يجري بحثها بالتوازي مع المقترح الأمريكي المتعلق بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا.

وبحسب المعلومات التي حصل عليها “عربي بوست” من مصادر فضلت عدم ذكر اسمها لحساسية الموضوع، جرى التفاهم على إعفاء رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، واستبدال محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى بعضو مجلس إدارة المصرف رضا قرقاب، مع الإبقاء على رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه دون تغيير.

وتشير هذه التفاهمات إلى أن الترتيب الجاري لا يستهدف فقط توزيع المواقع السياسية العليا بين الدبيبة وحفتر، بل يمتد إلى مفاصل الدولة المالية والرقابية، إذ إن المصرف المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية ليست مؤسسات هامشية في المشهد الليبي، بل تمثل مفاتيح التحكم في الإنفاق العام، ومراقبة المال العام، وإدارة العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات المالية.

كما تزداد حساسية هذه الترتيبات لأن مصرف ليبيا المركزي لا يزال يقدم ناجي عيسى رسمياً بصفته المحافظ ورئيس مجلس الإدارة، فيما يظهر رضا قرقاب ضمن أعضاء مجلس إدارة المصرف، ما يجعل طرح اسمه بديلاً محتملاً يحمل أبعاداً سياسية ومؤسسية تتجاوز مجرد تغيير إداري داخل المؤسسة.

غير أن تنفيذ أي تفاهمات من هذا النوع، في حال صحتها، لن يكون قراراً إدارياً بسيطاً أو قابلاً للتمرير بمجرد اتفاق بين طرفين، إذ إن المناصب السيادية والرقابية في ليبيا تخضع لتوازنات سياسية ومؤسسية معقدة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، كما أن أي تغيير في قيادة المصرف المركزي أو ديوان المحاسبة يحتاج إلى غطاء قانوني وسياسي أوسع، حتى لا يتحول إلى أزمة مؤسسية جديدة بدل أن يكون جزءاً من تسوية شاملة.

من صفقة حكم إلى صفقة مؤسسات

هذا البعد الجديد يغير زاوية قراءة “المسار الأمريكي” بأكمله، فالأمر لم يعد مجرد مقترح لتكليف الدبيبة برئاسة الحكومة وصدام حفتر برئاسة المجلس الرئاسي، بل يبدو كأنه محاولة لإعادة تركيب هرم السلطة من الأعلى إلى الأسفل: الحكومة، المجلس الرئاسي، المصرف المركزي، ديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية.

وبهذا المعنى، فإن الترتيب المحتمل لا يستهدف فقط إنهاء الانقسام بين حكومتين، بل إعادة توزيع مفاتيح القرار السياسي والمالي والرقابي بين الطرفين، إذ يحتاج الدبيبة إلى ضمان استمراره في السلطة التنفيذية، بينما يحتاج حفتر إلى اعتراف سياسي أعلى عبر صدام، فيما تحتاج أي تسوية من هذا النوع إلى ضبط المؤسسات التي تراقب المال وتتحكم في الإنفاق.

هنا تكمن حساسية التفاهمات، فإذا دخلت المناصب السيادية والرقابية ضمن تسويات سياسية مغلقة، فإن المؤسسات التي يفترض أن تكون أدوات مساءلة وضبط قد تتحول إلى جزء من معادلة تقاسم النفوذ. وهذا يعني أن التسوية، بدل أن تبني دولة مؤسسات، قد تعيد إنتاج نظام محاصصة جديد، لكن بواجهة أكثر تنظيماً.

الميزانية كمقدمة لإنهاء الانقسام

التحرك الأمريكي في ليبيا لا يبدأ من فراغ، إذ أُعلن في أبريل/ نيسان 2026، اعتماد أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ أكثر من عقد، بقيمة 190 مليار دينار ليبي، في خطوة قُدمت على أنها مدخل لإنهاء الانقسام المالي بين الشرق والغرب. وذكرت رويترز أن هذا الاتفاق جاء بعد أشهر من التيسير الأمريكي، بينما رحب به مسعد بولس باعتباره جزءاً من مسار أوسع نحو السلام والوحدة الوطنية.

كما أعلن مصرف ليبيا المركزي، في 11 أبريل/ نيسان 2026، أن المحافظ ناجي عيسى أعلن اعتماد أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، معتبراً أن الاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يمثل خطوة محورية نحو إنهاء الانقسام المالي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

لكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن الترتيبات السياسية الجارية تبدو قاصرة، إذ تتحرك واشنطن، وفق مصادر سياسية متابعة، عبر 3 سلال مترابطة: توحيد الإنفاق العام، ثم إعادة ترتيب المؤسسات المالية والرقابية، ثم إنتاج سلطة تنفيذية جديدة قادرة على إدارة هذا التوازن.

وبهذا المعنى، فإن الحديث عن تغيير محافظ المصرف المركزي أو إعفاء رئيس ديوان المحاسبة لا يبدو تفصيلاً إدارياً، بل جزءاً من صلب الترتيب السياسي. فالسيطرة على الحكومة دون ضبط المصرف المركزي وديوان المحاسبة تبقى سيطرة ناقصة، خصوصاً في بلد تُدار فيه القوة السياسية، إلى حد كبير، عبر المال العام وشبكات الإنفاق والولاءات.

هل يجري تسويق صدام حفتر دولياً؟

في موازاة التفاهمات السياسية المتداولة، برزت تحركات خارجية لافتة لصدام حفتر، كان أبرزها زيارته إلى العاصمة الفرنسية باريس ولقاؤه الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، وفق ما أوردته وسائل إعلام ليبية ودولية، وتركزت المباحثات، بحسب ما نُشر، على العلاقات الثنائية والملفات الأمنية والعسكرية وسبل دعم مسارات الاستقرار في ليبيا.

غير أن أهمية زيارة صدام حفتر إلى باريس لا ترتبط فقط بمضمون اللقاءات، بل أيضاً بتوقيتها، فهي تأتي في وقت تتزايد فيه المعلومات حول دور محتمل لصدام حفتر داخل أي سلطة تنفيذية جديدة، ما يمنحها بعداً سياسياً يتجاوز الطابع البروتوكولي أو الدبلوماسي التقليدي.

وتقرأ مصادر متابعة هذه التحركات باعتبارها جزءاً من اختبار أوسع لمستوى القبول الدولي بشخصية صدام حفتر كفاعل سياسي محتمل داخل مؤسسات الدولة الليبية، بعد سنوات ارتبط فيها اسمه بصورة أساسية بالموقع العسكري داخل معسكر والده في شرق البلاد.

كما تشير معلومات متداولة إلى احتمال قيامه بزيارة مرتقبة إلى العاصمة السعودية الرياض، فيما يبدو أنه مسعى للحصول على غطاء إقليمي موازٍ للقبول الدولي، أو على الأقل ضمان عدم وجود اعتراض من العواصم المؤثرة على أي دور سياسي قد يلعبه مستقبلاً.

لكن هذا المسار يثير في الوقت نفسه تساؤلات داخل الأوساط الليبية بشأن طبيعة التحول الجاري. فهل يتعلق الأمر بمحاولة لإدماج الشرق الليبي بصورة أكبر في مؤسسات الدولة الموحدة، أم أنه يمثل بداية انتقال النفوذ السياسي والعسكري داخل عائلة حفتر إلى جيل جديد من القيادات؟

اعتراضات ومخاوف من تجاوز المؤسسات

رغم الزخم الذي يحيط بالتفاهمات المتداولة، فإنها تواجه اعتراضات مبكرة داخل المشهد الليبي، خصوصاً من جانب المؤسسات التي تخشى أن تجد نفسها خارج ترتيبات يجري التفاوض بشأنها بعيداً عن الأطر السياسية القائمة.

فقد أعلن المجلس الأعلى للدولة في أبريل/ نيسان 2026، رفضه أي تسوية سياسية تتم خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي، مؤكداً عدم اعتداده بأي تمثيل له في أي مفاوضات أو ترتيبات لا تستند إلى تفويض رسمي صادر عنه. وجاء هذا الموقف بالتزامن مع تداول معلومات عن مبادرة أمريكية يشرف عليها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وتستهدف إعادة ترتيب السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية ومعسكر حفتر.

وتكمن أهمية هذا الاعتراض في أن المجلس الأعلى للدولة كان شريكاً في التفاهمات التي أفضت إلى اعتماد الميزانية الموحدة، لكنه يرفض في المقابل أن تتحول التفاهمات المالية إلى مدخل لفرض تسوية سياسية مغلقة.

وهو ما يعكس انقساماً واضحاً بين من يرى في المقاربة الأمريكية فرصة لإنهاء حالة الانسداد السياسي، ومن يعتبرها تجاوزاً للمؤسسات الليبية وإعادة إنتاج للسلطة عبر تفاهمات بين مراكز النفوذ السياسية والعسكرية.

ولا تقتصر التحفظات على غرب ليبيا فقط، فقد تحدثت تقارير عن وجود تباينات داخل معسكر حفتر نفسه بشأن مبادرة بولس، خاصة أن الدفع بصدام حفتر إلى واجهة المجلس الرئاسي قد يعيد ترتيب موازين القوة داخل العائلة والمؤسسة العسكرية في الشرق الليبي.

بين خارطة الأمم المتحدة ومقاربة واشنطن

تأتي هذه التحركات القائمة على أساس المقترح الأمريكي، في وقت تواصل فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الترويج لخارطة طريق تنتهي بإجراء انتخابات وطنية خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً، بعد استكمال مجموعة من الترتيبات السياسية والمؤسسية والأمنية.

وتقوم المقاربة الأممية في ليبيا على حزمة مترابطة تشمل اعتماد إطار انتخابي قابل للتطبيق، وتوحيد المؤسسات تحت حكومة جديدة، وإطلاق حوار منظم حول قضايا الحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة، وصولاً إلى انتخابات تمنح الشرعية للسلطات الجديدة.

لكن المقترح الأمريكي بشأن ليبيا، كما تعكسه التسريبات والمعلومات المتداولة، يبدو أقرب إلى منطق مختلف يقوم على توحيد السلطة أولاً عبر تفاهم بين القوى الأكثر نفوذاً على الأرض، ثم الانتقال لاحقاً إلى بقية الاستحقاقات السياسية.

وهنا يبرز أحد أكثر الأسئلة حساسية في المشهد الليبي الحالي: هل تمثل هذه الترتيبات مرحلة انتقالية مؤقتة تمهد للانتخابات، أم أنها قد تتحول إلى بديل طويل الأمد عن المسار الانتخابي نفسه؟

فإذا جرى تمرير السلطة الجديدة قبل حسم القواعد الانتخابية والضمانات المرتبطة بها، فقد تتحول الانتخابات إلى استحقاق مؤجل مرة أخرى. أما إذا ارتبطت أي سلطة تنفيذية جديدة بجدول زمني واضح وضمانات ملزمة لإجراء الانتخابات، فقد يُنظر إليها باعتبارها مرحلة انتقالية محددة الأهداف لا صفقة سياسية دائمة.

الاختبار الحقيقي لأي تسوية

ورغم أهمية التفاهمات الدولية والإقليمية، يبقى نجاح أي ترتيب سياسي مرهوناً بقدرته على الصمود داخل ليبيا نفسها، وتحديداً في العاصمة طرابلس التي ظلت خلال السنوات الماضية العامل الحاسم في نجاح أو فشل أكثر من مبادرة سياسية.

إعادة تكليف عبد الحميد الدبيبة قد تمنح المقترح الأمريكي فرصة للمرور داخل جزء من مؤسسات الغرب الليبي، لكنها لا تضمن بالضرورة قبول جميع القوى السياسية والعسكرية الموجودة في العاصمة ومحيطها، والتي تمتلك بدورها حسابات ومصالح قد لا تتطابق مع الترتيب المطروح.

وفي المقابل، فإن وضع صدام حفتر على رأس المجلس الرئاسي قد يفتح باباً واسعاً للاعتراض داخل أوساط سياسية ومدنية تعتبر أن مثل هذا الخيار يكرس انتقال النفوذ داخل العائلة الواحدة أكثر مما يعبر عن انتقال نحو دولة مدنية تقوم على المؤسسات والانتخابات.

ولهذا، فإن نجاح الترتيب المطروح لن يتوقف فقط على موافقة الدبيبة أو حفتر، ولا على الدعم الأمريكي أو الفرنسي، بل على قدرته على تحييد القوى المسلحة المؤثرة في طرابلس، وطمأنة مجلسي النواب والدولة، والحصول على غطاء أممي وإقليمي يمنع ظهوره كصفقة مفروضة من الخارج.

ولم يتسنَّ لـ”عربي بوست” الحصول على تعليق فوري من حكومة الوحدة الوطنية أو القيادة العامة أو مصرف ليبيا المركزي أو ديوان المحاسبة بشأن هذه المعلومات حتى وقت النشر.

سلطة موحدة أم محاصصة أكثر تنظيماً؟

تتقاطع المعلومات الخاصة التي حصل عليها “عربي بوست” بشأن المقترح الأمريكي بشأن ليبيا مع سلسلة من المؤشرات السياسية المتسارعة: مبادرة مسعد بولس، اعتماد الميزانية الموحدة، زيارة صدام حفتر إلى باريس، ومعلومات متداولة عن تفاهمات تتعلق بالمناصب السيادية والرقابية.

والعنوان المعلن لكل هذه التحركات هو توحيد السلطة وإنهاء الانقسام المستمر منذ سنوات، لكن خلف هذا العنوان تبرز معركة أخرى تتعلق بإعادة توزيع مراكز النفوذ السياسي والعسكري والمالي داخل الدولة الليبية. فإذا نجح هذا الترتيب ضمن إطار زمني واضح يقود إلى الانتخابات ويضمن توحيد المؤسسات، فقد يشكل مدخلاً لإنهاء الانقسام المزمن.

أما إذا تحول إلى صفقة مغلقة بين مراكز القوة التقليدية تشمل الحكومة والمجلس الرئاسي والمؤسسات المالية والرقابية، فإن ليبيا قد لا تكون أمام نهاية للانقسام، بل أمام نسخة أكثر تنظيماً منه: سلطة موحدة في الشكل، ومحاصصة سياسية ومؤسسية في الجوهر.

_________________