Author - manara

نزوح العقول الليبية، بعد 15 عاماً من سقوط طرابلس

سنية أحمد بيرزادة

يقول مهنيون غادروا بلداً يعيش حالة من الفوضى إنهم من غير المرجح أن يعودوا قريباً، في وقت قد يخطط فيه آخرون في ليبيا للمغادرة أيضاً.

سارة ميزران، مهندسة معمارية تبلغ من العمر 32 عاماً، كانت مراهقة حين سقطت طرابلس في أغسطس/آب 2011، مع اقتحام المقاتلين المعارضين للعاصمة.

كانت تلك بداية النهاية للزعيم الليبي معمر القذافي. فبعد أن حكم لمدة 42 عاماً، سرعان ما أُسر وقُتل بالقرب من سرت.

قبل ثماني سنوات، غادرت مزران المدينة متجهة إلى المملكة المتحدة.

تقول ميزران للجزيرة: “تفقد ليبيا أكثر من مجرد مهارات حين يغادرها المهنيون الشباب. إنها تفقد الإحساس بالإمكانية عندما يكبر جيل كامل وهو يشعر أنه لا بد من الرحيل لبناء مستقبل، ويؤدي ذلك إلى فقدان الأمل في البلد نفسه”.

كانت ميزران مفتونة بالفكرة المتعلقة بالهندسة المعمارية المستدامة وما يمكن أن تعنيه لليبيا، فتابعت دراسة الماجستير في الهندسة المعمارية في جنوب إنجلترا. وقد أمضت السنوات الأخيرة في دراسة مواقع في طرابلس، محاولةً استكشاف ما قد يعنيه إعادة بناء المدينة بما يتجاوز مجرد تشييد مبانٍ جديدة.

تقول: “في النهاية، وكمعمارية، أريد أن أكون جزءاً من إعادة بناء المشهد المعماري الليبي. لا أعرف بالضبط كيف سيبدو ذلك العودة حتى الآن، لكنني أعلم أن ذلك لا يزال جزءاً من المستقبل الذي أسعى إليه”.

وتضيف: “إن وجود شعور بالاستقرار في البلاد سيدفع بموجة أكبر من المغتربين الراغبين في العودة”.

كان عمرها 24 عاماً حين وصلت إلى المملكة المتحدة بمنحة دراسية لدراسة في جامعة كينت.

تقول: “كان عليّ أن أتعلم ثقافة مهنية مختلفة، وأسلوب عمل مختلف، وبطرق عديدة، أن أجد مكاني مجدداً”. وهي ليست وحدها البتة.

نادر القاضي، 36 عاماً، كان يدير شركته الإعلامية الخاصة في طرابلس عندما اندلع القتال في أواخر عام 2014 حول مطار العاصمة خلال الحرب الأهلية الليبية الثانية.

كما جاء إلى المملكة المتحدة للحصول على درجة الماجستير وكان يخطط للعودة إلى الوطن، ولكن مع تصاعد التهديدات ضد الناشطين، فضّل البقاء بدلاً من ذلك.

يقول: “انتقلت من إدارة عملي الخاص والعيش براحة في ليبيا إلى بدء حياتي من الصفر في المملكة المتحدة. كانت السنتان الأوليتان صعبتين للغاية”.

أسس القاضي مؤسسة “ليبيا في المملكة المتحدة” عام 2018، وهي مؤسسة خيرية ثقافية تهدف إلى “خلق ليبيا التي كنا نريدها بعد أن تمكنا من إنهاء الديكتاتورية”.

تنظم المجموعة فعاليات لمجتمع المغتربين في محاولة لبناء “الإحساس بذلك البلد الذي طالما تمنيناه”.

الوطن، “شيء نخلقه مراراً وتكراراً“

بعد 15 عاماً، يصف كلاهما المملكة المتحدة بأنها وطنهما، حتى مع بقاء ليبيا تجذبهما.
تقول مزران: “الوطن ليس شيئاً نجده مرة ونحتفظ به إلى الأبد. إنه شيء نخلقه مراراً وتكراراً”.

يصف القاضي نفسه بأنه “بدوي” توقف عن توقع العودة بشكل دائم، حتى مع استمرار عمل شركته الاستشارية مع عملاء ليبيين. أما إذا كان هذا تشتت المواهب قد أعاق تقدم ليبيا هو أمر قابل للنقاش.

يقول طارق المجريسي، الزميل الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن “عشرات الآلاف من الأشخاص المهرة تقنياً والكفؤين جداً” ما زالوا يعملون في الوزارات الليبية، لكنه يدعي أنهم مُمنعون من أداء مهامهم من قبل مسؤولين كبار لا يهتمون كثيراً بالحكم.

يعتقد المجريسي أن الكثير من ذلك ترسخ بعد الثورة بفترة وجيزة.

يقول المجريسي: “بعد الثورة، كانت هناك عودة جماعية لليبيين من جميع أنحاء العالم. كثير من المهنيين الشباب المهرة، ولكن أيضاً ليبيون أكبر سناً، كانت مؤهلاتهم وخبراتهم في كثير من الأحيان مبالغاً فيها بشكل كبير، استغلوا مكانتهم لتأمين مناصب سياسية ووعدوا بقيادة البلاد نحو الديمقراطية. وبدلاً من ذلك، تصرفوا بشكل أساسي كما كانت تفعل حكومة القذافي”.

ويقول إن الفساد يطغى على بعض الوزارات في بيئة أبعدت الجيل الذي نشأ بعد عام 2011.

يقول: “المهنيون الشباب الذين حصلوا على مؤهلات واكتسبوا خبرة مبكرة في العمل في المرحلة المتأخرة من حكم القذافي في ليبيا، والتي كانت أكثر انفتاحاً قليلاً”، كانوا متحمسين حقاً لأن الثورة قد تحفز مسارهم المهني. “كل ذلك قد وُضع في مستنقع (أي ضاع وعلق)”.

ويضيف: “من المحزن جداً رؤية… أن جميع الأجيال الشابة التي لديها أي طموح في حياتها، تريد فقط مغادرة البلاد”.

لخص المجريسي حكم ليبيا باقتباسه من قصيدة جبران خليل جبران “ويل للأمة”: “ويل للبلاد التي لها حكومتان ولا أحد يهتم بالحكم”.

يقول المجريسي إن الكفاءات “ستعود في غمضة عين إذا أتيحت فرصة حقيقية وصالحة وذات مصداقية”.

توبي تشيتاي، وهو مسؤول في شركة استشارية بريطانية للمخاطر، أكثر تشككاً في أن نزوح العقول يلحق ضرراً كبيراً.

في مقابل الانقسام بين شرق ليبيا وغربها، وتقلبات عائدات النفط، والفساد المستشري، يرى أن تأثير ذلك على الحوكمة أو ثقة المستثمرين “ضئيل نسبياً”، لكنه يعترف بأنه لا يزال “من السابق لأوانه بشكل كبير قول أي شيء حاسم بشأن احتمال الانخراط الجاد مع البلاد”.

_________________

الجنوب الليبي: ساحة نفوذ دولي وورقة تفاوض

صلاح الهوني

الصراع على الجنوب قد يكون في السنوات المقبلة أكثر أهمية من الصراع على بعض المدن الساحلية.

لسنوات طويلة ظل الجنوب الليبي خارج اهتمام الدولة أكثر مما يقع في قلبها. مساحة صحراوية شاسعة، مدن متباعدة، حدود طويلة مع تشاد والنيجر والجزائر والسودان، وكثافة سكانية محدودة جعلت فزان في المخيال السياسي الليبي أقرب إلى الأطراف منها إلى المركز. لكن ما يحدث اليوم يقول العكس تمامًا.

الجنوب لم يعد هامشًا في الجغرافيا السياسية الليبية، بل أصبح واحدًا من أكثر المواقع حساسية في الصراع على ليبيا، وربما في التنافس الأوسع على شمال أفريقيا والساحل.

التطورات الأخيرة تقدم دليلًا واضحًا على ذلك. فبحسب تحليل استخباراتي مفتوح المصدر نشره مشروع “تيرلاين” التابع لجامعة تكساس، جرى رصد أعمال تطوير في عدد من القواعد الجوية الليبية التي توجد فيها عناصر مرتبطة بـ”فيلق أفريقيا” الروسي، بينها تمرهند وبراك الشاطئ والسارة والجفرة.

وخلص التحليل إلى أن تطوير البنية التحتية في هذه القواعد يرجح أن يخدم تثبيت الوجود العسكري الروسي في شمال أفريقيا والساحل.

الأكثر دلالة أن تقارير لاحقة تحدثت عن إعادة تموضع بعض الأصول العسكرية الروسية من منطقة سرت باتجاه الجنوب، خصوصًا الجفرة وبراك الشاطئ. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المسألة تتجاوز مجرد تحريك قوات داخل الجغرافيا الليبية.

إنها تشير إلى أن الجنوب أصبح بالنسبة إلى موسكو جزءًا من شبكة أوسع تمتد من المتوسط إلى الساحل، وتمنح روسيا مجالًا للحركة في منطقة تشهد أصلًا تحولات أمنية عميقة. وهنا يصبح السؤال مختلفًا.

لم يعد السؤال فقط:

من يسيطر على طرابلس أو بنغازي؟ بل من يملك القدرة على التحكم في المساحات التي تربط ليبيا بجوارها الأفريقي؟

ومن يستطيع مراقبة الحدود والمسارات الصحراوية والقواعد الجوية وممرات الطاقة والهجرة؟

ومن يملك، في النهاية، ورقة الجنوب عندما تبدأ مفاوضات إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة الليبية؟

فالجنوب ليس مجرد صحراء. إنه منطقة تتقاطع فيها الحدود مع الأمن، والأمن مع الاقتصاد، والاقتصاد مع الهجرة، والهجرة مع السياسة الأوروبية، والسياسة الأوروبية مع التنافس الدولي. ومن هنا تأتي أهميته.

ليبيا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في أفريقيا، وجزء مهم من ثروتها الهيدروكربونية يوجد في مناطق الجنوب والوسط أو يرتبط بشبكات نقل تمر عبر هذه المناطق. وفي الوقت نفسه، فإن الجنوب هو بوابة ليبيا إلى الساحل، وهي منطقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أكثر مناطق العالم اضطرابًا، مع تمدد الجماعات المسلحة، وتراجع النفوذ الغربي التقليدي، وتصاعد الحضور الروسي، وانهيار أو ضعف بعض ترتيبات الأمن الإقليمي.

وهذا يجعل فزان بالنسبة إلى القوى الخارجية أكثر من منطقة ليبية نائية. إنها منصة.

  • روسيا تنظر إلى ليبيا ضمن حسابات أوسع تتصل بالمتوسط والساحل.
  • والولايات المتحدة تنظر إلى ليبيا من زاوية مكافحة الإرهاب ومراقبة التحركات الروسية وتعزيز الشراكات الأمنية.
  • وإيطاليا تنظر إليها من خلال الطاقة والهجرة وأمن المتوسط.
  • وتركيا بنت خلال السنوات الماضية حضورًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا قويًا في غرب ليبيا،
  • فيما حافظت دول إقليمية أخرى على علاقات مختلفة مع القوى الموجودة في الشرق.

ولذلك فإن الجنوب أصبح نقطة التقاء لهذه المصالح، حتى عندما لا تتطابق أهداف أصحابها.

المفارقة أن كل طرف يدخل ليبيا تقريبًا بلغة مختلفة. هناك من يتحدث عن مكافحة الإرهاب، ومن يتحدث عن حماية الحدود، ومن يتحدث عن مكافحة الهجرة غير النظامية، ومن يتحدث عن حماية الاستثمارات والطاقة، ومن يرفع شعار دعم الاستقرار. لكن النتيجة العملية قد تكون واحدة إذا لم تكن هناك دولة ليبية قادرة على إدارة هذه المصالح: يصبح الجنوب مساحة مفتوحة للتنافس.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالتدخل الخارجي لا يبدأ دائمًا بإنزال جنود أو إنشاء قاعدة معلنة. يمكن أن يبدأ بالمعلومات الاستخباراتية، ثم التدريب، ثم السلاح، ثم المستشارين، ثم الشراكات الأمنية، ثم يصبح وجود القوة الخارجية جزءًا من المعادلة المحلية.

وعندما يصبح لكل طرف ليبي تقريبًا شريك خارجي يحميه أو يدعمه، يتحول الدعم الخارجي من عامل مؤقت إلى جزء من بنية الصراع.

وهذا ما يجعل الحديث عن “السيادة الليبية” أكثر تعقيدًا من مجرد الدعوة إلى خروج القوات الأجنبية.

فالسيادة لا تتجسد بالتصريحات وحدها. إنها تحتاج إلى مؤسسة عسكرية واحدة، وجهاز أمني واحد، وإدارة موحدة للحدود، وقرار مركزي في السياسة الخارجية، ونظام مالي لا تستطيع الجماعات المحلية أو القوى الخارجية اختراقه عبر شبكات المصالح.

وقد أدركت الأمم المتحدة نفسها أن الجنوب لا يمكن أن يبقى خارج عملية بناء الدولة. ففي شباط/فبراير 2026، ناقشت مسارات الحوار الأمني الليبي ضرورة دمج الجنوب في الآليات الوطنية وتحسين أمن الحدود وانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة عندما تسمح الظروف، باعتبار ذلك جزءًا من بناء السلام المستدام.

لكن المشكلة أن الجنوب ليس فراغًا يمكن للدولة أن تستعيده بقرار إداري.

هناك مجتمعات محلية وقبائل وتوازنات تاريخية ومصالح اقتصادية وشبكات تهريب وقوى مسلحة. وفي فبراير ومارس 2026، ظهرت بوضوح توترات حول السيطرة على طرق الصحراء ونقاط التفتيش وموارد الاقتصاد غير الرسمي، فيما أعادت القيادة العسكرية في الشرق تنظيم قواتها في المنطقة الجنوبية.

ثم جاءت تطورات أكثر إثارة للقلق في يوليو، عندما تعرضت قاعدة قرب العوينات، في الجنوب الغربي على مقربة من حدود النيجر وتشاد، لهجوم من مجموعة مسلحة جديدة عرفت باسم “غرفة عمليات تحرير الجنوب”.

وقد كشفت التطورات هشاشة السيطرة على بعض المناطق الحدودية، وأهمية هذه المناطق بالنسبة إلى شبكات تهريب الوقود والسلاح والمخدرات.

وهذا هو الوجه الآخر للمشكلة.

عندما تضعف الدولة، لا يأتي الخارج وحده لملء الفراغ. تظهر أيضًا قوى محلية قادرة على التفاوض مع الخارج، أو استخدامه، أو التحرك في المساحة التي تركتها الدولة. وهكذا تصبح الحدود سلعة، والسلاح مصدر نفوذ، والتهريب اقتصادًا، والولاء السياسي قابلًا للتفاوض.

حتى الهجرة، التي تبدو في الخطاب الأوروبي قضية أمنية بامتياز، تكشف حجم هذا التعقيد. فبيانات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2026 تظهر أن الجنوب لا يزال جزءًا مهمًا من مسارات الحركة عبر الحدود، فيما تأتي أعداد كبيرة من المهاجرين من السودان والنيجر وتشاد ومصر.

لكن اختزال الجنوب في الهجرة سيكون خطأ استراتيجيًا.

فالجنوب أكبر من ملف الهجرة، كما أن فزان أكبر من كونها منطقة أمنية. هناك النفط، والمعادن، والمياه، والطرق العابرة للصحراء، والمطارات، والحدود، والمجتمعات المحلية، والموقع الذي يجعل ليبيا متصلة مباشرة بأزمات الساحل.

ولهذا فإن الصراع على الجنوب قد يكون في السنوات المقبلة أكثر أهمية من الصراع على بعض المدن الساحلية.

ولعل المفارقة الأكبر أن القوى الدولية نفسها تقول إنها تريد ليبيا موحدة. الولايات المتحدة، مثلًا، شاركت في تمرين فلنتلوك 2026 الذي استضافته سرت، بمشاركة ليبيا وإيطاليا وأكثر من ثلاثين دولة، وقدمت المناورات بوصفها دعمًا لبناء قدرات عسكرية ليبية موحدة وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب.

لكن السؤال الذي يجب أن تطرحه ليبيا على جميع شركائها هو: هل يساعد وجودكم على بناء مؤسسة ليبية، أم يصبح بديلًا عنها؟

ليس المطلوب من ليبيا أن تطرد العالم. ذلك غير واقعي وغير ضروري. ليبيا تحتاج إلى التعاون مع أوروبا وأميركا وتركيا ودول الجوار، وتحتاج إلى الاستثمار والخبرة والتدريب والتكنولوجيا. لكن الفرق كبير بين التعاون الدولي والاعتماد على الخارج في إدارة الدولة.

التعاون يبني قدرة الدولة. أما الاعتماد فيبني وكلاء داخلها. والجنوب يمكن أن يكون الاختبار الأكبر لهذا الفرق.

فبدل أن يكون فزان منطقة تتنافس عليها القوى الخارجية، يمكن أن يتحول إلى منطقة تعاون إقليمي حقيقية. يمكن بناء منظومة مشتركة لحماية الحدود، ولكن تحت قيادة ليبية. ويمكن تطوير البنية التحتية والمطارات والطرق، ولكن ضمن خطة وطنية.

ويمكن مكافحة الهجرة والتهريب، ولكن بالتوازي مع خلق اقتصاد قانوني يوفر لسكان الجنوب بدائل عن الاقتصاد الموازي. ويمكن استثمار الموارد، ولكن بطريقة تجعل السكان المحليين شركاء في التنمية لا مجرد حراس لمنشآت النفط والحدود.

المعادلة ليست مستحيلة. لكنها تحتاج إلى شيء واحد قبل كل شيء: أن يصبح الجنوب جزءًا من الدولة، لا ورقة تستخدمها الدولة أو القوى المتنافسة داخلها.

الجنوب ليس ورقة ضغط في يد الخارج، ولا جائزة للقوى المحلية، ولا منطقة عازلة بين ليبيا والساحل. إنه جزء من ليبيا، وربما الجزء الذي سيحدد أكثر من غيره ما إذا كانت ليبيا قادرة على استعادة سيادتها الفعلية.

________________




النخب الليبية والوساطة الدولية… اجتماعات كثيرة وإصلاحات غائبة

العرب

مسارات دولية متوازية.. لكن الانقسام الليبي يزداد تعقيداً

على مدى أكثر من عقد، لم تتوقف الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الانقسام السياسي في ليبيا، كما لم تتوقف اللقاءات والاجتماعات التي تجمع ممثلي المعسكرين المتنافسين في الشرق والغرب مع مسؤولين دوليين وإقليميين. غير أن كثافة الحراك الدبلوماسي لم تنعكس، حتى الآن، في صورة إصلاحات مؤسسية وسياسية ملموسة يشعر بها الليبيون في حياتهم اليومية، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة بشأن جدوى مسارات الوساطة الدولية، وما إذا كانت تخدم فعلاً هدف بناء الدولة أم تمنح النخب المتنافسة مزيداً من الوقت لإعادة ترتيب مواقعها ومصالحها.

وتتزامن هذه التساؤلات مع تحرك مسارين دوليين متوازيين في ليبيا؛ أولهما خارطة الطريق التي طرحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والثاني المبادرة الأميركية التي طرحها مسعد بولس، مستشار الشؤون العربية للرئيس الأميركي.

وبينما يعلن المساران أن هدفهما يتمثل في إنهاء المرحلة الانتقالية، وتوحيد المؤسسات، والوصول إلى انتخابات وطنية، وتعزيز الاستقرار، فإن الفجوة بين الخطاب الدولي والواقع السياسي الليبي لا تزال واسعة.

وتعود جذور المشكلة إلى طبيعة المشهد السياسي نفسه، حيث لم تنجح النخب الليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 في بناء مؤسسات مستقرة قادرة على تجاوز الحسابات الشخصية والمناطقية ومصالح شبكات النفوذ.

وعلى الرغم من تعاقب الحكومات والبرلمانات والمبادرات الانتخابية، بقيت ليبيا عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة، تتنافس فيها مراكز السلطة على الشرعية والموارد والنفوذ.

وتحاول خارطة الطريق الأممية، التي أُعلنت في أغسطس 2025، كسر هذه الحلقة من خلال ثلاثة مسارات رئيسية، تتعلق بوضع إطار انتخابي قابل للتطبيق، وتشكيل حكومة انتقالية موحدة ذات ولاية محددة، وإطلاق حوار سياسي موسع يشارك فيه الفاعلون السياسيون والمجتمع المدني والنساء والشباب ومختلف الأطراف الليبية.

لكن تطبيق هذه الرؤية اصطدم سريعاً بتضارب المصالح بين القوى السياسية، وبضعف قدرة البعثة الأممية على فرض مسار ملزم على الأطراف المتنافسة.

ومع تعثر خطوات تشكيل حكومة موحدة ووضع إطار انتخابي متفق عليه، انتقلت الجهود بصورة أكبر نحو الحوار المنظم، في محاولة لتجاوز الانسداد السياسي.

ولا تكمن المشكلة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الليبيين، فقط في طبيعة المقترحات المطروحة، وإنما في غياب النتائج. فالحوارات والمؤتمرات واللقاءات الدولية باتت مشهداً مألوفاً، لكن المواطن الليبي لا يرى بالقدر نفسه تقدماً في توحيد المؤسسات، أو تحسين الخدمات، أو تعزيز الشفافية، أو إنهاء الانقسام بين المؤسسات السياسية والعسكرية، أو تحديد موعد واضح لانتخابات تنهي المرحلة الانتقالية.

وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات المشهد الليبي: كلما تعثرت العملية السياسية، ازداد حضور النخب الليبية في الاجتماعات الدولية، وكأن المشاركة في اللقاءات الخارجية أصبحت بديلاً عن اتخاذ القرارات الصعبة داخل البلاد.

وخلال عام 2026، كثفت شخصيات بارزة من شرق ليبيا وغربها زياراتها إلى عواصم إقليمية ودولية، وحرصت على إبراز لقاءاتها مع مسؤولين كبار باعتبارها مؤشراً على تنامي الاعتراف الدولي بها. لكن هذه اللقاءات، على كثرتها، لم تنتج حتى الآن تسوية سياسية شاملة، ولم تدفع الأطراف المتنافسة إلى تقديم تنازلات جوهرية بشأن القضايا التي تعرقل توحيد الدولة.

وتتحول الدبلوماسية الخارجية، في هذا السياق، إلى جزء من المنافسة الداخلية. فاللقاء الذي يعقده مسؤول ليبي مع شخصية أميركية أو أوروبية بارزة يمكن أن يستخدم داخلياً باعتباره دليلاً على قوة نفوذه، في حين تنظر إليه الأطراف المنافسة باعتباره محاولة للحصول على دعم خارجي.

وهكذا يصبح التواصل الدولي أداة في الصراع السياسي بدلاً من أن يكون وسيلة لإنهائه.

وتكشف التحركات الأخيرة المرتبطة بالمبادرة الأميركية هذه المعضلة بوضوح. فقد حظيت مبادرة بولس باهتمام واسع من بعض القوى الليبية، باعتبار أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات نفوذ مؤثرة في الملف الليبي. إلا أن المبادرة تواجه في الوقت نفسه أسئلة حول مدى قدرتها على تحقيق توافق داخلي، خصوصاً أنها لا تتمتع بالتفويض الدولي الذي تستند إليه بعثة الأمم المتحدة.

كما أن توازي المسارين الأممي والأميركي يطرح سؤالاً آخر حول طبيعة العلاقة بينهما. فإذا كان الهدف هو استكمال جهود الأمم المتحدة، فإن المطلوب هو تنسيق واضح يمنع تضارب المسارات.

وأما إذا تحول الأمر إلى منافسة على النفوذ والوساطة، فقد تجد ليبيا نفسها أمام مبادرتين دوليتين، بينما يبقى جوهر الأزمة دون حل.

لكن الأزمة الأعمق تظل داخل ليبيا نفسها. فالنخب السياسية التي تشارك في هذه المسارات ليست بالضرورة مستعدة للتخلي عن الامتيازات التي يوفرها استمرار الوضع الانتقالي. فالانتخابات، رغم كونها المخرج المعلن من الأزمة، تعني بالنسبة إلى كثير من مراكز النفوذ احتمال فقدان مواقع سياسية واقتصادية وأمنية تراكمت خلال سنوات الانقسام.

ولهذا، فإن الحديث عن الانتخابات لا يمكن فصله عن سؤال أكثر حساسية يتعلق بقواعد اللعبة السياسية والاقتصادية التي ستنشأ بعدها. من سيسيطر على المؤسسات السيادية؟ كيف سيتم توزيع عائدات النفط؟ ما مصير الترتيبات الأمنية القائمة؟ وكيف ستُدمج القوى المسلحة؟ ومن يملك حق إدارة الموارد العامة؟ هذه الأسئلة هي جوهر الأزمة، وهي أيضاً من أكثر الملفات التي يصعب على النخب المتنافسة تقديم تنازلات بشأنها.

وتزداد حساسية المسألة مع استمرار النفط في احتلال موقع مركزي في الاقتصاد والسياسة الليبيين. فبدلاً من أن يكون النفط قاعدة لتمويل بناء مؤسسات الدولة، أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من معادلة النفوذ بين القوى المتنافسة، بينما تستقطب مشاريع الطاقة والاستثمار اهتماماً دولياً متزايداً.

وتثير الاتفاقات الاقتصادية والاستثمارية التي أُبرمت مع شركات دولية، ولا سيما في قطاعي النفط والطيران، تساؤلات لدى الليبيين بشأن الأولويات. فبينما تحتاج ليبيا بالفعل إلى استثمارات أجنبية وإعادة بناء قطاعاتها الاقتصادية، يخشى كثيرون من أن تتحول الصفقات الاقتصادية إلى وسيلة لتعزيز شرعية النخب القائمة قبل أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية تمنح هذه الشرعية أساساً شعبياً ومؤسسياً.

ومن هنا، فإن المشكلة ليست في الاستثمارات الأجنبية بحد ذاتها، بل في البيئة السياسية التي تجري فيها. فالاستثمار المستدام يحتاج إلى مؤسسات موحدة وقواعد قانونية واضحة وشفافية ومساءلة، وهي أمور لا تزال تعاني من الانقسام وضعف المؤسسات.

وفي الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل أن المجتمع الدولي نفسه يتحمل جزءاً من مسؤولية استمرار هذا الوضع. فقد تعاملت قوى دولية عديدة مع النخب الليبية باعتبارها بوابات لا غنى عنها للتعامل مع البلاد، ما منح هذه النخب قدرة إضافية على إعادة إنتاج نفوذها.

وكلما احتاج الخارج إلى وسيط محلي لتنفيذ ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو أمنية، حصلت القوى القائمة على مزيد من الأهمية، حتى وإن كانت عاجزة عن تقديم حلول للأزمة الداخلية.

ويؤدي ذلك إلى ما يمكن وصفه بـ”الأكسجين السياسي”؛ أي استمرار الاعتراف والتواصل الدولي مع شخصيات ومؤسسات لم تنجح في إنهاء الانقسام، ما يخفف الضغوط عليها ويمنحها فرصة إضافية للبقاء.

وفي المقابل، يتراجع شعور المواطن الليبي بأن العملية السياسية صُممت لخدمته، خصوصاً عندما يرى أن النخب تعود من الخارج محملة بصور اللقاءات والوعود، بينما تبقى المشكلات الأساسية على حالها.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه الفجوة إلى أزمة ثقة. فالليبيون لا يحتاجون إلى مزيد من الصور من قاعات المؤتمرات بقدر حاجتهم إلى مؤسسات تعمل، وقضاء مستقل، وإدارة موحدة، وانتخابات ذات مصداقية، واقتصاد أكثر شفافية، وترتيبات أمنية تنهي حالة تعدد مراكز القوة.

وهذا لا يعني أن الوساطة الدولية غير ضرورية. على العكس، تظل المشاركة الدولية مهمة في ظل عمق الانقسام الليبي وتشابك المصالح الإقليمية والدولية. لكن نجاحها يتوقف على قدرتها على الانتقال من إدارة الحوار إلى فرض معايير واضحة للنتائج، ومن رعاية الاجتماعات إلى ربط الدعم والاعتراف الدولي بإحراز تقدم حقيقي في الإصلاحات.

كما أن أي مسار سياسي مستدام يحتاج إلى إشراك المجتمع الليبي بصورة تتجاوز النخب التقليدية. فالمجتمع المدني والشباب والنساء والفعاليات المحلية يجب ألا يكونوا مجرد أطراف رمزية في الحوارات، بل شركاء في تحديد شكل الدولة وقواعد الحكم والرقابة على المؤسسات.

وفي النهاية، تكشف التجربة الليبية أن كثرة المبادرات لا تعني بالضرورة الاقتراب من الحل. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية عشرات الاجتماعات والمؤتمرات والاتفاقات، لكن جوهر المشكلة ظل قائماً: مؤسسات منقسمة، حكومات متنافسة، ترتيبات أمنية هشة، وطبقة سياسية تتمتع بقدرة كبيرة على الوصول إلى العواصم الدولية دون أن تقدم في المقابل ما يكفي من الإصلاحات.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام خارطة الطريق الأممية ومبادرة بولس لا يتمثل في تنظيم اجتماع جديد، بل في تحويل الاجتماعات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وتحويل الوعود إلى مؤسسات، وربط الاعتراف الدولي بالمساءلة والإصلاح.

وبدون ذلك، ستبقى ليبيا عالقة في الحلقة نفسها: النخب تتفاوض، والوسطاء يتغيرون، والعواصم الدولية تستضيف المزيد من اللقاءات، بينما يظل المواطن الليبي ينتظر الدولة التي وُعد بها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.

___________________

تحوّل نفطي لترامب لمواجهة حرب إيران يتعرض للنيران في ليبيا

جاك ويرتشافتَر

هجمات بطائرات مسيّرة واغتيال واستقالة محافظ المصرف المركزي تختبر خطة واشنطن لفتح إمدادات النفط الليبية

ما الذي ينبغي معرفته؟

  • تواجه المبادرة النفطية لإدارة ترامب في ليبيا تحديات كبيرة.
  • استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة مؤخرًا البنية التحتية للطاقة في ليبيا وسط الصراع المستمر.
  • أدى انفجار في مجمع الزاوية النفطي إلى انقطاع الكهرباء عن عدة مدن ليبية.

***

تواجه مساعي إدارة ترامب لفتح قطاع النفط الليبي بوصفه بديلًا لإمدادات الخليج خلال الحرب مع إيران خطر التعثر، بعد اغتيال، وتحرك محافظ المصرف المركزي نحو الاستقالة، وأسبوع من هجمات الطائرات المسيّرة والانفجارات التي استمرت حتى يوم الأحد.

وأدى انفجار وقع خلال عطلة نهاية الأسبوع في محطة فرعية للكهرباء داخل مجمع الزاوية النفطي إلى انقطاع التيار الكهربائي عن طرابلس والزاوية وصبراتة وصرمان وغريان، وفقًا للشركة العامة للكهرباء في ليبيا. وكان المسؤولون يحققون فيما إذا كان الحادث مرتبطًا بسلسلة من هجمات الطائرات المسيّرة المسلحة.

واستهدفت هجمات الطائرات المسيّرة خلال الأيام الأخيرة منشآت للبنية التحتية للطاقة في غرب ليبيا، الذي تسيطر عليه الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس. أما النصف الشرقي من البلاد فتسيطر عليه قوات المشير خليفة حفتر، الذي يتخذ من بنغازي مقرًا له.

وتعرضت محطة الكهرباء نفسها التي استُهدفت يوم الأحد لهجوم قبل أربعة أيام بواسطة طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء ودفع الشركة العامة للكهرباء إلى تعليق أعمالها وسحب فرقها الفنية من المحطة القريبة التي تعوّل عليها شركتا شيفرون وإكسون موبيل مع دخولهما السوق الليبية.

وخلال الأسبوع الماضي، استهدفت ما لا يقل عن ست هجمات بطائرات مسيّرة مصفاةً ومصنعًا للكهرباء ومحطات فرعية وخزانات تخزين بالقرب من مدينة الزاوية الساحلية، التي تقع على بعد نحو 30 ميلًا غرب طرابلس. وجاءت هذه الهجمات عقب تفجير سيارة في بنغازي في 10 أغسطس/آب، أدى إلى مقتل أحد كبار ضباط الاستخبارات التابعين للمشير حفتر. وفي اليوم السابق، قدم محافظ مصرف ليبيا المركزي، الذي يتعامل مع قادة طرفي الدولة المنقسمة، خطاب استقالته، لكن بنغازي وطرابلس رفضتا الاستقالة.

وخلال أقل من أسبوعين، تعرضت البنية التحتية للطاقة في ليبيا، والمنظومة الأمنية، والمؤسسة الاقتصادية الرئيسية التي تربط شرق البلاد بغربها، لضغوط متزامنة. وهذه هي الركائز الثلاث نفسها التي حددها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترامب للشؤون العربية والأفريقية، في واشنطن في أبريل/نيسان، باعتبارها أساسًا لإعادة توحيد ليبيا وفتح المزيد من نفطها أمام الشركات الأمريكية. وأدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى خنق طريق بحري يمر عبره عادةً نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وتُعد ليبيا جزءًا من رد واشنطن على طهران.

وقال بولس في أبريل/نيسان إن ليبيا ستصل إلى إنتاج قدره 1.6 مليون برميل نفط يوميًا على المدى القصير، وإلى ما بين مليوني وثلاثة ملايين برميل يوميًا بحلول نهاية العقد. وكانت عودة شيفرون إلى ليبيا أكبر تحرك أمريكي في قطاع النفط الليبي منذ عقود. فقد فازت الشركة في وقت سابق من هذا العام بعقد في حوض سرت، تلاه توقيع إكسون موبيل اتفاقية تغطي أربع رقع بحرية. وتملك ليبيا 41% من احتياطيات النفط المؤكدة في أفريقيا، وهي النسبة الأكبر بين دول القارة.

وضخت ليبيا 1.44 مليون برميل يوميًا في يونيو/حزيران، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2013، لكنه لا يزال أقل من مستوى 1.6 مليون برميل يوميًا الذي كانت تنتجه قبل انتفاضة عام 2011 التي أدت في نهاية المطاف إلى انقسام البلاد. وتعالج مصفاة الزاوية، القريبة من طرابلس، نحو 120 ألف برميل يوميًا، تصل إليها من حقل الشرارة عبر مسافة تقارب 450 ميلًا. ويُشغّل الحقل تحالف يضم شركة ريبسول الإسبانية، وتوتال إنرجيز الفرنسية، وOMV النمساوية، وإكوينور النرويجية، والمؤسسة الوطنية للنفط الليبية.

لكن حالة عدم الاستقرار في ليبيا تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة الأوسع، وفقًا لفولفغانغ بوسْتاي، المحلل الأمني النمساوي الذي عمل ملحقًا دفاعيًا في ليبيا ويرأس المجلس الاستشاري للمجلس الوطني للعلاقات الأمريكية-الليبية. وقال بوسْتاي لصحيفة واشنطن تايمز إن أهداف واشنطن تتمثل في تحقيق الاستقرار في البلاد، ومواجهة الوجود العسكري الروسي في أفريقيا، وزيادة إنتاج ليبيا من النفط، والسيطرة على الهجرة إلى أوروبا، ومواجهة النفوذ الصيني في المعادن الموجودة جنوب ليبيا. وأضاف: «مبادرة بولس هي في الأساس فرصة لمواصلة تعزيز المصالح الأمريكية انطلاقًا من الوضع القائم حاليًا». وأدان بولس هجمات المصفاة والاغتيال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء، داعيًا إلى إجراء تحقيقات وحاثًا الأطراف الليبية على «مضاعفة جهودها للتغلب على الانقسامات».

وقال هاني العاصر، المدير التنفيذي للمركز القومي للدراسات في مصر: «لا يمكننا التعامل مع الأحداث الثلاثة باعتبارها ثلاث حوادث منفصلة، كما لا يمكننا القفز إلى استنتاج مفاده أن مؤامرة واحدة تقف وراءها جميعًا». وأضاف أن المهم هو أن مؤسسات ليبيا الأمنية والطاقة والاقتصاد تعرضت للضغط في الوقت نفسه الذي كانت فيه واشنطن تحاول ربط هذه المؤسسات ببعضها البعض. وقال عمر ختالي، وهو مستشار ليبي-أمريكي كان يدير سابقًا صندوق العقارات التابع لصندوق الثروة السيادي الليبي وزار طرابلس في أواخر يوليو/تموز: «من حيث منفذي الهجمات، فإن الضربات الثلاث غير مرتبطة ببعضها. لكنها مرتبطة من خلال البنية الضعيفة للدولة الليبية في الوقت الحالي. الأمر كله يتعلق بالمال والنفوذ والسيطرة».

بلد منقسم

تنقسم ليبيا منذ عام 2014. ويتولى رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة إدارة الغرب، من خلال حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. أما المشير حفتر، البالغ من العمر 82 عامًا، والذي يحمل الجنسيتين الليبية والأمريكية وعاش عقدين من الزمن في ولاية فرجينيا، فيقود الشرق وجزءًا كبيرًا من الجنوب عبر الجيش الوطني الليبي. ولم يخضع أي من الرجلين لانتخابات. وتدعم تركيا الدبيبة بقوات وطائرات مسيّرة، بينما دعمت مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا حفتر. ولا يزال فيلق أفريقيا الروسي يحتفظ بمواقع في الصحراء الشرقية، فيما تتنافس شركات صينية على امتيازات التعدين في الجنوب.

ويعود الانقسام الحالي إلى تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2011، الذي أطاح بمعمر القذافي. وكان الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما، الذي انضمت إدارته إلى فرنسا وبريطانيا في قيادة الحملة الجوية، قد وصف لاحقًا عدم التخطيط لمرحلة ما بعد القذافي في ليبيا بأنه أسوأ خطأ في سياسته الخارجية. وبعد مرور 15 عامًا، تحاول إدارة ترامب صياغة تسوية من الأجزاء التي خلفها ذلك التدخل.

ويقضي الترتيب قيد النقاش بالإبقاء على نفوذ الدبيبة في طرابلس من خلال منح ابن شقيقه دورًا محوريًا، بالتزامن مع رفع نجل حفتر، صدام حفتر، البالغ من العمر 35 عامًا، إلى قيادة مجلس تنفيذي وطني جديد. وستقدم واشنطن استثمارات أمريكية في قطاع النفط، وستضغط من أجل الإفراج عن الأصول الليبية المجمدة. أما الانتخابات فستأتي في مرحلة لاحقة، إن حدثت أصلًا. وجاء أوضح دليل على إمكانية نجاح هذا النهج في 11 أبريل/نيسان، عندما وافق المجلسان التشريعيان المتنافسان في شرق البلاد وغربها على ميزانية وطنية موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي، أي نحو 30 مليار دولار، وهي الأولى منذ عام 2013.

تحت الهجوم

بدأت الضربات على الزاوية في الساعة 3:45 صباحًا يوم 8 أغسطس/آب، عندما اخترقت طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات خزانًا لتخزين الوقود. وتوالت الهجمات يوميًا. وحذرت المؤسسة الوطنية للنفط من أنها قد توقف عمليات التكرير إذا استمرت الهجمات. وقالت حرس المنشآت النفطية إن النتائج الأولية تشير إلى استخدام طائرات مسيّرة من طراز FPV، أي الطائرات التي يتحكم فيها المشغّل عبر منظور الشخص الأول، وأنها أُطلقت من داخل ليبيا.

ويرى بعض المحللين أن الصراع الأساسي يدور بين ميليشيتين تتبعان، من الناحية الرسمية، لحكومة طرابلس: قوة الدعم الأولى التابعة لوزارة الداخلية، والكتيبة 103 المنافسة التابعة لوزارة الدفاع. ونفى محمد بحرون، قائد قوة الدعم الأولى، مسؤولية قواته عن هجمات الطائرات المسيّرة ووصفها بأنها «عمل إرهابي». أما استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، المؤرخة في 9 أغسطس/آب، فقد وُجهت إلى مجلس النواب في الشرق والمجلس الأعلى للدولة في الغرب. ورفض المجلسان قبولها، وبقي عيسى في منصبه حتى نهاية الأسبوع.

وكان عيسى أول محافظ لمصرف ليبيا المركزي يحظى بالموافقة من مختلف أطراف الانقسام السياسي، كما أن المصرف الذي يديره واحد من المؤسسات الوطنية القليلة التي يقبل بها الطرفان. ويتولى المصرف توزيع عائدات النفط بين الشرق والغرب، ويقع محافظه في قلب ترتيبات تقاسم الإيرادات التي تقوم عليها المبادرة الأمريكية. وربط محللون ليبيون محاولة عيسى الاستقالة بخلافات حول اتفاق الإنفاق الموحد الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، إضافة إلى الضغوط الناجمة عن ضعف الدينار. ولم يقل عيسى سوى إن أسباب قراره حساسة للغاية بحيث لا يمكن الكشف عنها.

وكان بولس قد خصّ عيسى بالثناء في خطابه في أبريل/نيسان، معتبرًا أنه من الجدير بالإشادة أن «ممثلين من كلا الجانبين وضعوا خلافاتهم جانبًا من أجل مصلحة البلاد، ولا سيما محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى». وقُتل اللواء فوزي المنصوري بقنبلة زُرعت في سيارته بعد أداء صلاة العشاء في منطقة الهواري بمدينة بنغازي. وكان المنصوري يتولى قيادة الاستخبارات العسكرية لقوات حفتر. وكان من المتوقع أن يرثه صدام حفتر بوصفه شخصية محورية في المنظومة الأمنية بشرق البلاد. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم. وقال بوسْتاي: «إن اختيار رئيس من الشرق ورئيس وزراء من الغرب لتشكيل حكومة موحدة هو نهج معقول. لكنني أشك في أن المرشحين المتداولين — صدام حفتر للرئاسة وعبد الحميد الدبيبة لرئاسة الوزراء — سيحظيان بقبول واسع».

التفاوض على إعادة التوحيد

قبل ستة أسابيع، التقى صدام حفتر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن لمناقشة إعادة توحيد ليبيا بقيادة ليبية. وقبل ذلك بأربعة أيام، التقى عبد السلام الزوبي، نائب وزير الدفاع في حكومة طرابلس، بولس ومسؤولين كبارًا في وزارة الخارجية الأمريكية. وقد رفضت مصراتة، أقوى مدن غرب ليبيا خارج العاصمة والقوة التي أوقفت تقدم قوات حفتر نحو طرابلس عام 2019، هذا الإطار. وقال الشيخ محمد الرجوب، رئيس مجلس أعيان وحكماء المدينة، لقناة الجزيرة العربية إن المجلس لم يتلق أي مقترح مكتوب من بولس رغم أشهر من المشاورات.

ووصل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى الساحل المصري على البحر المتوسط يوم الأربعاء، بعد زيارات إلى جانبي ليبيا. وكان قد التقى الدبيبة في طرابلس قبل ذلك بيوم، ثم توجه إلى بنغازي للقاء صدام حفتر ووالده. كما تتشاور مصر وتركيا والسعودية وباكستان ضمن ما يُعرف بـ«الرباعية الإقليمية»، التي عقد وزراء خارجيتها اجتماعًا في القاهرة في يونيو/حزيران بالتزامن مع محادثات مع بولس. وقبل أيام من زيارة فيدان إلى ليبيا، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع ثلاثية في مكة.

ويقدم كل عضو في الرباعية ما تحتاجه واشنطن. فتركيا تتمتع بتفوق عسكري في غرب ليبيا بفضل الطائرات المسيّرة والقدرات البحرية، ضمن انتشار مددت تركيا تفويضه برلمانيًا حتى أوائل عام 2028. أما مصر فتدعم أمن الشرق من خلال المنظومة التي كان اللواء المنصوري يساعد في إدارتها. وتوفر السعودية التمويل، في حين وقعت باكستان اتفاقًا للأسلحة بقيمة 4 مليارات دولار مع قوات حفتر

. ويمثل التقارب المصري-التركي النقطة المضيئة في حسابات واشنطن بشأن ليبيا. فقد أمضت القاهرة وأنقرة عام 2019 في تسليح طرفين متعارضين في الحرب الأهلية الليبية، وقطعتا العلاقات الدبلوماسية لعقد كامل. ويشير تنسيقهما بشأن إطار بولس — بما في ذلك لقاء فيدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في العلمين بعد جولته المكوكية بين طرابلس وبنغازي — إلى أن أيًا من العاصمتين لا تعتزم اتخاذ خطوات مضادة لمصالح الأخرى أو لوكلائها الليبيين. ومن دون هذا الضبط المتبادل، ستنهار المبادرة الأمريكية وتعود ليبيا إلى حرب بالوكالة.

أما الإمارات العربية المتحدة، التي دعمت حفتر لعقد من الزمن، فلم تعلق علنًا على هجمات الزاوية. وقال العاصر: «إن التوافق المصري-الأمريكي بشأن الملف الليبي ضرورة استراتيجية للجانبين». ولا تريد واشنطن أن تصبح ليبيا ساحة تنافس مع روسيا، في وقت قد ترغب فيه الولايات المتحدة في استغلال انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا. وقد فضّلت إدارة ترامب بشكل متزايد اتفاقات تقاسم السلطة المبنية على أطراف تسيطر بالفعل على أراضٍ. وقد شكلت أطر مماثلة السياسة الأمريكية في غزة وسوريا والمراحل الأولى من الدبلوماسية مع الأكراد.

وكان من المفترض أن تكون ليبيا قصة النجاح الأولى، لأن نفطها يوفر مردودًا سريعًا في اللحظة نفسها التي كانت فيها حرب إيران تغلق مصادر أخرى. وبعد أربعة أشهر من عرض بولس مساراته الثلاثة في واشنطن، أصبحت المسارات الثلاثة جميعها تحت الضغط. وقال ختالي: «على الأرض، يرى الليبيون بولس وسيطًا يسعى إلى تحقيق مكاسب مالية من عقود النفط المحتملة مستقبلًا، ويفضلون مشاركة مباشرة أكبر من وزير الخارجية الأمريكي ووزارة الخارجية».

_____________

لماذا قد يُحدث خط أنابيب النفط الليبي القادم تحولاً جيوسياسياً كبيراً


سيريل ويدرشوفن

ملخص

  • تستأنف ليبيا ومصر مشروع خط أنابيب نفط بطول 800 كيلومتر يربط طبرق بالإسكندرية، على أن تبدأ طاقته الابتدائية بـ 150–250 ألف برميل يومياً.
  • تحصل مصر بموجبه على نفط خام يتجاوز مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، بينما تحصل ليبيا على منفذ تصدير بديل.
  • قد تتراوح التكاليف بين 1.5-2 مليار دولار، مع توقّع وصول أولى شحنات النفط بحلول عام 2030 في سياق واقعي.
  • ***

دخل مشروع خط أنابيب النفط الخام المقترح بين ليبيا ومصر، وبشكل مفاجئ وسريع، مرحلة تجري فيها القاهرة وطرابلس مناقشات فعّالة بشأنه. من المتوقع أن يبلغ طول الخط 800 كيلومتر، ليربط بين طبرق في شرق ليبيا وميناء الإسكندرية المصري، مما يسمح بتدفق الخام الليبي مباشرة إلى منظومة التكرير المصرية على البحر المتوسط.

ومع تجاوز التكلفة المتوقعة مليار دولار، فإنه يمثل فرصة استراتيجية كبرى. غير أن السعة النهائية، وهيكل التمويل، وقرار الاستثمار النهائي لم تُحسم بعد.

وهذا أمر مهم، لأن المشروع لم يحظ بعد بتمويل كامل. تشير التحليلات الحالية إلى أن مصر وليبيا تتباحثان في آليات التمويل، وترتيبات التنفيذ، والطاقة الإنتاجية النهائية. بيد أن هناك عقبات كبيرة في الطريق، إذ لم يلتزم أي بنك دولي، أو صندوق سيادي، أو شركة نفط عالمية بالمشروع علناً.

ينبغي اعتبار التكاليف الحالية مجرد تقدير مبدئي، وليس تقديراً هندسياً قابلاً للتمويل المصرفي. ويُعتبر تحقيق الاستقرار الجيوسياسي أمراً حاسماً لنجاح المشروع وتخفيف المخاطر.

المشروع ليس جديداً، إذ درست كل من مصر وليبيا نفس المسار قبل أكثر من عقدين. ففي عام 2002، كانت الدولتان تُطوّران خطي أنابيب مزدوجين للنفط والغاز بين طبرق والإسكندرية، عبر الشركة العربية لخطوط البترول والغاز، وهو مشروع مشترك بنسبة 50:50 بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية والهيئة المصرية العامة للبترول/جاسكو.

وكان الطول المتوقع آنذاك 620 كم، وبطاقة ابتدائية 150 ألف برميل يومياً، ويُذكر أنه تم إجراء عمليات تمشيط للألغام على طول المسار. أما المقترح الحالي، فهو فكرة جيوسياسية جديدة تماماً، لكنها في جوهرها إحياء وتوسيع كبير لفكرة قديمة.

التقييم – أغسطس 2026البند الخاص بالخط
منطقة طبرق/الحريقة – الحدود المصرية – ممر مطروح – الإسكندريةالمسار المقترح
نحو 800 كمالطول المُبلغ عنه
أكثر من مليار دولارالتكلفة الأولية الرسمية
مليار دولار، وقد تزيد مع التخزين/الضخ/تكامل المصافيالنطاق الواقعي لتكاليف رأس المال
لم تُحدد رسمياً بعدالطاقة قيد المناقشة
مائة وخمسون ألف برميل يومياًالتصميم التاريخي
مائة وخمسون ـ مائتان ألف برميل يومياًالمرحلة الأولى – تقدير
ثلاث مائة إلى أربعة مائة ألف برميل يومياً، رهن بالإنتاج الليبيإمكانية التوسع
المؤسسة الوطنية للنفط والهيئة المصرية العامة للبترول؛ واحتمال انضمام مستثمرين في البنية التحتية أو رؤوس أموال خليجيةالمالكون/الداعمون المحتملون
التكرير المحلي، تعويض الواردات، المخزون الاستراتيجي، تصدير المنتجاتاستخدام مصر
ممر تصدير بديل وتكرير الخام الليبي في مصراستخدام ليبيا
2027أقرب موعد لقرار الاستثمار النهائي واقعياً
2029–2030أقرب موعد للتشغيل واقعياً
يشكّل الانقسام السياسي والأمني المخاطر الرئيسية، متفوقاً على التحديات الهندسية، ومؤكداً التعقيد الجيوسياسي الذي قد يؤثر في جدوى المشروع واستقرارهالمخاطر الأساسية

تدعم التطورات الجيوسياسية وسوق النفط في عام 2026 المنطق الاقتصادي للمشروع. فقد ازدادت مصر تعرضاً للاضطرابات البحرية في الشرق الأوسط.

وبعد انقطاع الإمدادات الكويتية بسبب مضيق هرمز، تحركت القاهرة بالفعل لشراء ما لا يقل عن مليون برميل شهرياً من الخام الليبي.

وفي الوقت نفسه، واصلت ليبيا ومصر تطوير اتفاق التعاون الطاقة الموقع في يناير، والذي يدرس نقل النفط الخام والغاز بين البلدين. وتسعى القاهرة حالياً إلى توسيع مخزونها الاستراتيجي من النفط، إذ كشفت اضطرابات مضيق هرمز عن هشاشة الإمدادات المعتمدة على الناقلات.

وبالنظر إلى وضع مصر، فإن هذا المشروع يتجاوز كونه مجرد خط أنابيب آخر، إذ يُنشئ مصدراً لإمدادات الخام في البحر المتوسط بعيداً تماماً عن هرمز وباب المندب والسويس. فكل برميل يدخل عبر طبرق لن يتعرّض لأي من هذه النقاط الحرجة، مما يوفر مرونة طويلة الأمد وأماناً للسوق لأصحاب المصلحة.

وفي الوقت نفسه، تبقى حجة التكرير مقنعة بنفس القدر. فالإسكندرية تُعد بالفعل المجمع التكريري الرئيسي في مصر، حيث تعمل شركة ميدور بطاقة تبلغ نحو 160–170 ألف برميل يومياً بعد توسعة كلفت 2.7 مليار دولار، وقد قامت بتكرير أكثر من 49 مليون برميل خلال 2025.

كما تضيف مصافي الإسكندرية والأميرية طاقات إضافية. وتتجاوز الطاقة الاسمية للتكرير في مصر تاريخياً 760 ألف برميل يومياً، لكن الإنتاج الفعلي أقل بكثير ويختلف حسب كل مصفاة.

من المتوقع أن يضخ خط أنابيب ليبي بطاقة 150 ألف برميل يومياً نحو 55 مليون برميل سنوياً. وإذا بلغت الطاقة 250 ألف برميل يومياً، فسيصل الإجمالي إلى 91 مليون برميل، وعند 300 ألف يصبح نحو 110 ملايين برميل. وبالتالي، فإن حجم الخط صغير نسبياً مقارنة بقيمة التدفقات السلعية التي يمكن أن يدعمها.

بالنسبة لمصر، يعني ذلك عدة خيارات:

يمكن للخام الليبي أن يحل محل البراميل المستوردة الأغلى ثمناً أو الأكثر عرضة للخطر، ويغذي ميدور ومصافي الإسكندرية الأخرى، وتُستهلك المنتجات المكررة محلياً (بنزين، ديزل، وقود طائرات).

وفي الوقت نفسه، يمكن تصدير فائض المنتجات ذات القيمة الأعلى من الإسكندرية والدخيلة إلى أسواق المتوسط. وتربط ميدور خطوط أنابيب بالدخيلة لتصدير المنتجات. وهذا يمكّن القاهرة من تحويل القرب الجغرافي من الخام الليبي إلى هوامش تكرير، وفرص عمل، وتوفير في النقد الأجنبي، وفي فترات الفائض، إيرادات تصديرية.

بالنسبة ليبيا، المنطق مختلف لكنه لا يقل إثارة.

تستهدف المؤسسة الوطنية للنفط زيادة كبيرة في الإنتاج الوطني من مستواه الحالي البالغ نحو 1.4–1.5 مليون برميل يومياً. ويرتبط هذا الهدف باتفاق موقع في يناير 2026 مع توتال إنرجي وكونوكو فيليبس باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار، مع احتمال حدوث زيادات كبيرة جداً في طاقة حقل الواحة. وإذا سار كل شيء كما هو مخطط، ستحتاج ليبيا إلى بناء مرونة إضافية في البنية التحتية للإخلاء والتخزين والتسويق، وهنا يأتي دور مصر.

يُعد شرق ليبيا مناسباً بشكل خاص للارتباط بمصر. فخام السرير يسافر بالفعل مئات الكيلومترات نحو نظام تصدير طبرق/الحريقة.

ويُظهر التقرير السنوي للمؤسسة الوطنية للنفط لعام 2025 استمرار الاستثمار في استبدال أجزاء من خط السرير–طبرق (قطر 34 بوصة)، مع برنامج استبدال بطول 100 كم. وإعداد النظام للارتباط شرقاً نحو مصر سيخلق بديلاً عن الصادرات عبر الناقلات من الحريقة.

وبأخذ ذلك في الاعتبار، فإن 150–250 ألف برميل يومياً هي النطاق الابتدائي المنطقي تجارياً. أما البناء الفوري لطاقة 400–500 ألف برميل يومياً فسيحمل حالياً مخاطر إنشاء طاقة عاطلة. ولن تصبح هذه المستويات الأعلى واقعية إلا إذا نجحت ليبيا في دفع الإنتاج الوطني نحو 2 مليون برميل يومياً.

تقنياً، لا يزال هناك مجال لتصميم النظام هيدروليكياً بحيث يسمح بتوسع لاحق، إذ يمكن لمضخات أكبر ومحطات ضخ إضافية أن تزيد الطاقة دون مضاعفة مسار الحق بالكامل.

عند النظر إلى التكلفة المعلنة البالغة مليار دولار، يبدو الرقم طموحاً. لكن خط أنابيب خام عابر للحدود بطول 800 كم سيحتاج إلى: الخط نفسه، محطات ضخ، قياس، نظام تحكم وإدارة، طاقة، مرافق حدودية، تخزين، أنظمة أمن، حماية كاثودية، بنية استقبال في الإسكندرية، ووصلات بمصافي مصر.

ورغم أن الإنشاء في الصحراء أسهل تقنياً مقارنة بالخطوط الجبلية أو البحرية، إلا أن أقساط الأمن والخدمات اللوجستية كبيرة. وبالنظر إلى الاحتياجات العالمية وتطورات السوق، فمن الأكثر واقعية توقع نطاق تخطيط يتراوح بين 1.3 و2.2 مليار دولار.

وإذا تم النظر في مرافق تخزين وتعديلات في المصب، فسنكون أمام 2.5 مليار. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام ليست مبنية على ميزانية مشروع مُعلنة.

سيكون التمويل هو الاختبار الحاسم. فالمؤسسة الوطنية للنفط/أجوكو والهيئة المصرية العامة للبترول هما المشاركان الأساسيان الطبيعيان، وربما يعيدان خلق هيكل مشابه للمشروع المشترك الثنائي الأصلي.

من الممكن تماماً توقع رؤوس أموال خليجية سيادية أو استثمارية، خاصة وأن مصر لديها تاريخ طويل من الاستثمار العربي المشترك في البنية التحتية للطاقة.

ويعد خط أنابيب سوميد النموذج الواضح: تديره مصر بالاشتراك مع مساهمين خليجيين، وقد نقل نحو 50 مليون طن من الخام في 2025.

وبالنظر إلى صناديق البنية التحتية الدولية، ووكالات ائتمان الصادرات، والتمويل المدعوم من مقاولي الهندسة والتوريد والإنشاء، سيكون ذلك ممكناً. غير أن المقرضين سيطلبون ضمانات سيادية قوية وحماية من الاضطرابات السياسية في ليبيا.

وفي النهاية، لا بد من معالجة القضية السياسية أو الجيوسياسية.

تقع طبرق ومعظم شرق ليبيا في نطاق النفوذ السياسي–الأمني المرتبط بخليفة حفتر والسلطات الشرقية. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن المناقشات الحالية حول الخط ركزت على التواصل بين القاهرة وعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس.

وطالما بقيت ليبيا منقسمة بين مراكز قوى متنافسة، فسيظل أي خط أنابيب أداة من أدوات سياسات القوة، ولا يمكن أن يصبح بأمان أصلاً سياسياً يخص طرفاً واحداً فقط، بينما تظل عائدات المؤسسة الوطنية للنفط حساسة وطنياً.

أظهرت الهجمات بالطائرات المسيرة في أغسطس حول الزاوية، والتي دمّرت مرافق تخزين النفط، أن المخاطر الأمنية حقيقية.

وفي الوقت نفسه، تسللت احتجاجات مؤخراً إلى مجمع ملّيتة للطاقة. وسيحظى الاهتمام الأكبر بحقيقة أن خط أنابيب دولياً جديداً يحمل مليارات الدولارات من الخام سنوياً سيصبح حتماً أصلاً استراتيجياً وهدفاً قابلاً للابتزاز في آنٍ معاً.

لكن هذا هو بالضبط سبب استحقاق المشروع للاهتمام. إن خط أنابيب ليبيا–مصر أكثر جدوى تجارياً اليوم مما كان عليه قبل عشرين عاماً، وسيستفيد الطرفان منه، وفي الوقت نفسه، تسعى الحكومتان إلى تعميق التكامل الاقتصادي، في حين أن المسافة الجغرافية قابلة للإدارة.

بالنسبة للمحللين، سيكون الخطأ الأكبر مرة أخرى هو الحكم على المشروع فقط من خلال ما إذا كان خط أنابيب بقيمة مليار دولار يمكنه تحقيق عائدات من رسوم النقل.

فالقيمة الاستراتيجية للمشروع أكبر بكثير. فإضافة إلى أن 200–250 ألف برميل يومياً ستدعم تدفقات خام سنوية بقيمة 5–7 مليارات دولار، فإنها ستقلل من تعرض مصر للإمدادات البحرية، وتحقق عوائد من الإنتاج الليبي الإضافي، وتجعل الإسكندرية مركزاً أقوى للنفط الخام والمنتجات في المتوسط.

بيد أن المشروع حالياً قابل للتنفيذ تقنياً بدرجة كبيرة، ومقنع استراتيجياً، لكنه شديد المخاطر سياسياً.

تذكروا أن قرار الاستثمار النهائي في 2027، متبوعاً بالبناء خلال 2028–2029، يمكن أن يوصل أول نفط نظرياً حوالي 2029. لكن الواقع سيكون أقرب إلى 2030. وينبغي افتراض تصاعد التكاليف نحو 1.5–2+ مليار دولار.

تقنياً، لا توجد عقبات. أما القلق الحقيقي فهو ما إذا كانت ليبيا قادرة على ضمان أن الخام الذي يدخل ذلك الخط اليوم سيظل متاحاً سياسياً وقانونياً ومادياً بعد عشرين عاماً من الآن.

_________________

استهداف نفط ليبيا واقتصادها وأمنها… من المستفيد؟

سهام معط الله

في مشهد معقَّد تتشابك فيه خيوط المؤامرة، توالت على ليبيا خلال ساعات معدودة ضربات موجعة استهدفت أعمدة الدولة الثلاثة: النفط، والأمن، والمال. إنّها لحظة فارقة تتعرَّض فيها البلاد لاختبار حقيقي، في وقت كانت تُبشِّر فيه بمستقبل واعد بعد سنوات من الجمود السياسي والاقتصادي، وتحديداً بعد أن عوَّلت عليها مصر وأوروبا بديلاً استراتيجياً لإمدادات الخليج النفطية عقب إغلاق مضيق هرمز. ففي تزامن غريب، ضُربت أكبر مصفاة نفطية ليبية بطائرات مسيَّرة مجهولة، واغتيل رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الليبية في عقر داره، وقدَّم محافظ البنك المركزي الليبي استقالته لأسباب يلفّها الغموض.

ثلاث ضربات في آن واحد، كفيلة بأن تهزّ أيّ دولة، لكن الأغرب أنّها جاءت في توقيت دقيق، بالتزامن مع نقاشات حول مشروع استراتيجي عملاق يربط شرق ليبيا مباشرة بالسواحل المصرية. إنّه مشهد يكشف عن خيوط خفيّة تشير أصابع الاتِّهام فيها إلى جهات خبيثة تسعى بكل قوّة لإبقاء ليبيا في دائرة الفوضى المفتوحة، وكسر أيّ محاولة للنهوض الاقتصادي الليبي- المصري المشترك.

بدأت العملية في مدينة الزاوية الواقعة غربي ليبيا، حيث تحوَّلت مصفاة الزاوية للنفط إلى هدف لطائرات مسيَّرة مجهولة في هجوم متعدِّد المراحل. فبعد استهداف خزان النافتا ومنشأة تحلية المياه، جاءت الضربة الأعنف يوم العاشر من أغسطس/ آب الجاري، حين اصطدمت طائرة مسيَّرة بخزّان بنزين تابع لشركة البريقة يحتوي على نحو 4.5 ملايين ليتر من البنزين، ما أشعل نيراناً هائلة أدّت إلى انهيار الخزّان بالكامل. ولم تتردد المؤسّسة الوطنية للنفط، التابعة للدولة، في إعلان حالة الطوارئ القصوى، محذِّرة من أنّ استمرار هذه الهجمات يهدِّد قطاعاً حيوياً هو الطاقة الذي يشكِّل العمود الفقري للاقتصاد الليبي والإيرادات الدولارية.

فمصفاة الزاوية، التي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 120 ألف برميل يومياً، تعتبر حالياً أكبر المصافي العاملة في البلاد، ويأتي هذا الاعتداء عليها في وقت تسجِّل فيه ليبيا أعلى مستويات الإنتاج النفطي منذ عام 2013 بنحو 1.44 مليون برميل يومياً. إنّه نجاح تحاول أيادٍ خفيّة تخريبه وإجهاضه، خصوصاً أن لا جهة تتبنّى الهجوم حتى الآن، ما يزيد من غموض المشهد ويعزِّز فرضية وجود أجندة خفيّة وراء هذه العمليات التخريبية، كأنّما هي رسائل واضحة بأنّ أيّ نهضة نفطية في المنطقة لن تمرّ دون ثمن. 

وتحديداً في قلب مدينة بنغازي التي تُعدّ معقلاً للقيادة العسكرية في الشرق، وقعت الصدمة الثانية التي حملت طابعاً أكثر جرأة واستهدافاً للأمن الوطني. ففي منطقة الهواري، قُتل مدير جهاز الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة اللواء فوزي المنصوري، إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت في سيارته بجوار منزله. وهنا يكمن السؤال الصادم: كيف تمكّن الجناة من اغتيال شخص من المفترض أن يتمتَّع بأعلى مستويات الحماية الأمنية؟

في الواقع، يكشف هذا الخرق الأمني الفادح عن وجود أيادٍ قادرة على الوصول إلى قمّة الهرم العسكري في أهمّ معاقل النفوذ. وإذا كانت الاستخبارات العسكرية هي عين الدولة وأذنها، فإنّ اغتيال قائدها يشبه إصابتها بالعمى في لحظة هي بأمسّ الحاجة إلى الرؤية الواضحة، خصوصاً مع التعقيدات السياسية والأمنية الراهنة، حيث تبقى هويّة الفاعل طيّ الكتمان، وكأنّها جزء من لعبة أكبر تهدف إلى تدمير الثقة وإشعال الفتن الداخلية. 

مصفاة الزاوية التي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 120 ألف برميل يومياً تم الاعتداء عليها في وقت تسجِّل فيه ليبيا أعلى مستويات الإنتاج النفطي منذ عام 2013

وفي تطوُّر لا يقلّ خطورة، انتقلت الضربة الثالثة من هجمات الطائرات المسيَّرة والاغتيالات إلى الغرف المغلقة لأهمّ المؤسّسات المالية في ليبيا، حيث فاجأ ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي، الأوساط السياسية بتقديم استقالته لكلّ من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، مكتفياً بالتصريح بحساسية الدوافع التي لا يمكن البوح بها. حملت هذه الاستقالة غموضاً لم يسبق له مثيل، فقد ضربت رأس المال والمالية العامة للدولة الليبية في وقت عصيب، فالمحافظ ناجي عيسى لم يكن شخصاً عادياً، بل كان ثمرة تسوية نادرة وصعبة للغاية بين حكومتي الشرق والغرب، بعد أزمة مريرة حول السيطرة على البنك المركزي وتبعيته، وصلت إلى حدّ تعطيل الإنتاج النفطي وشلّ الصادرات.

في الواقع، تخطِّط الأيادي الخفية المتسبِّبة برحيل المحافظ ناجي عيسى لتفجير التوافق الهشّ الذي جرى التوصُّل إليه بشقّ الأنفس، ونسف أي جهد للوحدة المالية والسياسية، في وقت يتطلَّب فيه الاستقرار الاقتصادي بالبلاد أعلى درجات التنسيق بين مختلف الأطراف الليبية. وإذا كانت هذه الأحداث الثلاثة تشكِّل مأساة بحدّ ذاتها، فإنّ أبعادها الخطيرة تتَّضح عندما نربطها بحدث آخر لم يحظ بزخم إعلامي كبير، وتحديداً المشروع العملاق الذي كان على وشك رؤية النور. ففي التوقيت نفسه تقريباً، وتحديداً يوم العاشر من أغسطس الجاري، أجرى الجانبان المصري والليبي مباحثات مكثّفة حول مشروع حيويّ يتمثّل بإنشاء خطّ أنابيب نفطي بين مدينة طبرق الليبية ومدينة الإسكندرية المصرية لتغذية مصافي التكرير المصرية المطلّة على البحر المتوسّط بكلفة تتجاوز مليار دولار.

يهدف هذا المشروع الاستراتيجي إلى نقل الخام الليبي إلى المصافي المصرية، ما يخلق تحالفاً اقتصادياً رابحاً للطرفين؛ فمصر تحصل على مصدر بديل وآمن للطاقة يعوِّضها عن اضطرابات إمدادات الخليج الناجمة عن أزمات الملاحة في ظلّ الحرب المستعرة بين أميركا وإيران، فيما ترفع ليبيا القيمة المضافة لنفطها من خلال تكريره وتصنيع مشتقّاته وتصديرها بأسعار أعلى، بدلاً من بيعه خاماً. لذلك، يصبح واضحاً للقاصي والداني أنّ خطّ الأنابيب الجديد شريان حياة واعد ومشروع يعيد هندسة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ويخلق مصالح مشتركة تجعل استقرار ليبيا ضرورة ملحّة لمصر والعكس، وهو ما لا يُرضي بالطبع من يحرصون على بقاء المنطقة في حالة صراع دائم.

هنا تبرز أسئلة أكثر إلحاحاً وإثارة للقلق، وهي الأسئلة ذاتها التي تربط كل هذه الأحداث المتناثرة في خيط واحد: من المستفيد الحقيقي من استمرار عدم الاستقرار واستدامة الصراع بليبيا؟ ومن الذي لا يصبّ في مصلحته قيام تعاون ليبي-مصري مثمر يقلِّص الاعتماد على طرق الإمداد التقليدية المحفوفة بالمخاطر؟ ومن الذي يحرص على إبقاء مصر في دائرة البحث الدائم عن مصادر الطاقة بعيداً عن جارتها الغربية الغنية باحتياطيات النفط؟
خلاصة القول: ما حدث في ليبيا ليس مجرّد حوادث منفصلة، بل مخطّط متكامل الأركان يستهدف إجهاض أيّ فرصة للتقارب المصري-الليبي والاستقرار والنمو المشترك. لقد أكَّدت هذه الضربات المتزامنة وجود أيادٍ خفيّة تمتلك قدرات تكنولوجية واستخباراتية متقدِّمة وتسعى لإبقاء المنطقة في مستنقعٍ من الصراع والفوضى.

_______________

بعد اغتيال مدير الاستخبارات.. من يدير منظومة الأمن في شرق ليبيا؟

أعاد اغتيال فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا، فتح ملف البنية الأمنية التي رسخها اللواء الانقلابي خليفة حفتر في المنطقة، بعد عامين شهدا انتقال اثنين من أبنائه إلى أعلى المواقع في هرم قواته، واتساع نفوذ ابن ثالث عبر ملف الإعمار والمشاريع العامة.

فقد أصبح صدام حفتر نائبًا للقائد العام ضمن الهيكل القيادي الذي يعتمده مجلس النواب في الشرق، وتولى شقيقه خالد رئاسة الأركان العامة، فيما يدير شقيقهما الثالث بلقاسم صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، مع بقاء والدهم في قمة منظومة القرار والتعيينات العليا.

تعمل تحت هذه الطبقة أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي ووزارة الداخلية التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب ومديريات الأمن والشرطة العسكرية ورئاسات الأركان والتشكيلات الميدانية، ويقود معظمها ضباط من خارج عائلة حفتر.

وتشير التعيينات منذ 2024 إلى انتقال أبناء حفتر من قيادة تشكيلات ومراكز نفوذ منفصلة إلى مواقع رسمية في قمة منظومة الشرق، مع بقاء المستويات التشغيلية والإقليمية في أيدي شبكة أوسع من الضباط وتمركز القرار الأعلى داخل دائرة العائلة.

وتظل هذه البنية جزءًا من انقسام عسكري وسياسي مستمر، إذ تحدثت بعثة الأمم المتحدة للدعم بليبيا في مايو/أيار 2026 عن “هياكل مسلحة موازية” ضمن العقبات التي تعترض توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، فيما ترى منظمة هيومن رايتس ووتش أن السلطات التي تدير شرق البلاد وغربها بأنها “متنافسة”، وتصف قوات حفتر والأجهزة والتشكيلات المرتبطة بها بأنها تسيطر فعليًا على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب.

ماذا كان موقع المنصوري في شبكة الأمن؟

اغتيل اللواء فوزي المنصوري مساء 10 أغسطس/آب 2026 إثر تفجير استهدف سيارته في بنغازي. ووفق رواية “القيادة العامة” التابعة لخليفة حفتر، استخدم المنفذون “لاصقة متفجرة” وضعت في السيارة واستهدفته بعد خروجه من صلاة العشاء في منطقة الهواري.

وحملت الروايات اختلافات بشأن الموقع الدقيق للحادث وتسلسل اللحظات السابقة للتفجير، وحتى الآن بقيت التحقيقات في مرحلة جمع المعلومات، وظلت هوية المنفذين والجهة التي تقف خلف العملية مجهولة، لتزداد التكهنات التي تربط الاغتيال بصراع داخلي أو ترتيبات الخلافة.

شكّل خليفة حفتر في اليوم التالي لجنة أمنية ضمت قيادات عسكرية وأمنية للتحقيق في العملية، وأسند الإشراف المباشر عليها إلى ابنه صدام بصفته نائب القائد العام.

وقالت بوابة الوسط المحلية إن اللجنة ناقشت المعلومات المتوافرة وسير التحقيقات والإجراءات المتخذة، فيما طالب صدام بتكثيف العمل لتحديد المسؤولين عن الاغتيال. ويضع تكليفه بهذه المهمة واحدًا من أكثر الملفات الاستخبارية حساسية تحت إشراف نائب القائد العام مباشرة، بعد أقل من عام على استحداث المنصب وتثبيت صدام فيه.

كان المنصوري قد انتقل إلى إدارة الاستخبارات العسكرية في مايو/أيار 2024 بعد سنوات من العمل داخل قوات حفتر، بينها قيادة المنطقة العسكرية في سبها منذ أغسطس/آب 2021.

وتحمل تحركاته خلال الأشهر الأخيرة أهمية أكبر لفهم موقع الجهاز الذي كان يديره، فقد ظهر في 4 مايو/أيار 2026 داخل اجتماع أمني موسع ترأسه خالد حفتر في بنغازي، وشارك فيه عصام أبوزريبة وزير الداخلية في حكومة أسامة حماد، ونجيب محمد مدير إدارة الشرطة والسجون العسكرية، وصلاح هويدي مدير أمن بنغازي الكبرى.

وقال المركز الليبي للدراسات الاستراتيجية، إن اللقاء تناول تعزيز التنسيق بين القوات التابعة لحفتر والأجهزة التابعة لوزارة الداخلية ورفع مستوى الاستجابة الأمنية.

جاء الاجتماع بعد يومين من تحرك آخر قاده صدام حفتر في الملف نفسه، ففي 2 مايو/أيار اجتمع أبوزريبة بفريق أمني كلفه صدام بإعداد هيكلة جديدة لوزارة الداخلية التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، تتضمن مراجعة اختصاصات الإدارات والأجهزة ودراسة دمج بعضها وإعادة توزيع مهامها ضمن ما تسميه سلطات الشرق “رؤية 2030”.

ويظهر اجتماعا مايو/أيار صورة عملية لتوزيع الأدوار قبل اغتيال المنصوري، إذ كان صدام يتحرك من موقعه القيادي في إعادة ترتيب وزارة الداخلية، فيما يجمع خالد كبار مسؤولي الجيش والأمن حول رئاسة الأركان، كما كان مدير الاستخبارات العسكرية حاضرًا داخل حلقة التنسيق بين الجانبين.

جاء الاغتيال بعد ثلاثة أشهر من هذه الاجتماعات، بعدما ظهر المنصوري ممثلًا للاستخبارات العسكرية داخل آلية التنسيق التي ترأسها خالد حفتر وضمت قيادات من الجيش والداخلية وأمن بنغازي.

وبعد مقتله تولى صدام الإشراف على التحقيق، فيما بقيت إدارة الاستخبارات العسكرية في انتظار تسمية قيادة جديدة، لتفتح الواقعة السؤال عن توزيع الأدوار بين الأجهزة والقيادات التي تدير منظومة حفتر في الشرق.

من يمسك مفاصل الأمن والجيش في شرق ليبيا؟

يبدأ هرم هذه القوات من منصب “القائد العام” الذي يشغله خليفة حفتر ضمن الهيكل الذي يعتمده مجلس النواب في الشرق.

وفي 18 أغسطس/آب 2025 أصدر المجلس القانون رقم 5 لسنة 2025 لإعادة تنظيم المستويات القيادية في القوات التابعة له، ومنح القائد العام صلاحيات واسعة في التعيينات العليا وإعادة الهيكلة وإنشاء القوات واعتماد الترقيات وعقود التسليح.

ويضع القانون خليفة حفتر في رأس سلسلة القرار، ثم منصب نائب القائد العام الذي يشغله ابنه صدام، ورئاسة الأركان العامة التي يتولاها ابنه خالد.

عيّن خليفة حفتر صدام نائبًا للقائد العام في 11 أغسطس/آب 2025، ثم أُدخل المنصب إلى الإطار القانوني الذي يعتمده مجلس النواب بعد أسبوع، وأدى صدام اليمين في 23 أغسطس/آب.

وخلال العام التالي ظهر دوره في ملفات تتجاوز قيادة تشكيل عسكري بعينه، من الإشراف على مشروع إعادة هيكلة وزارة الداخلية التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب إلى إدارة لجنة التحقيق في اغتيال فوزي المنصوري.

وفي المستوى الموازي داخل الهرم، تولى خالد حفتر رئاسة الأركان العامة في أغسطس/آب 2025 خلفًا لعبد الرازق الناظوري، وأظهرت اجتماعاته خلال 2026 دورًا مباشرًا في جمع قيادات الاستخبارات والداخلية والشرطة العسكرية وأمن بنغازي ضمن آلية تنسيق مشتركة.

وتوضح الخريطة التالية توزيع المواقع الرئيسية داخل هذه المنظومة في أغسطس/آب 2026. فهي تضع خليفة حفتر في قمة الهيكل الذي يعتمده معسكر الشرق، وصدام وخالد في الطبقة القيادية التالية، ثم الأجهزة والفروع التي يقودها ضباط آخرون، بما يوضح الفارق بين مركز القرار الأعلى وبين المستويات التنفيذية التي تدير العمل الأمني والعسكري اليومي.

وبالتوازي مع هذا الهيكل العسكري، تعمل وزارة الداخلية التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، وهي سلطة موازية لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. يقود الوزارة عصام أبوزريبة، وتتبع لها مديريات الأمن وأجهزة الشرطة، فيما تولى صدام متابعة مشروع إعادة هيكلتها خلال 2026.

وفي جهاز الأمن الداخلي تولى صلاح العقيلي الرئاسة في مارس/آذار بقرار من حماد بعد نقل أسامة الدرسي إلى جهاز الشرطة القضائية، بينما عيّن حفتر عبد السلام الحاسي رئيسًا لأركان القوات البرية، وأحمد سالم الدرسي قائدًا للمنطقة الجنوبية، والمبروك سحبان للمنطقة الوسطى. وتظهر هذه التعيينات تمركز أفراد العائلة في مستويات القيادة الأعلى، مع استمرار إدارة الأجهزة والفروع والمناطق بواسطة ضباط آخرين.

وتبقى هذه الخريطة جزءًا من انقسام عسكري وأمني مستمر على مستوى ليبيا. ففي الشرق تعمل قوات حفتر والأجهزة التابعة للسلطات الموازية في بنغازي، وفي الغرب توجد رئاسة أركان وقوى أمنية مرتبطة بالسلطات في طرابلس، بينما تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مسارًا لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية.

ويعني ذلك أن المسميات المستخدمة في الشرق، من “القائد العام” إلى “رئيس الأركان”، تعكس الهيكل الذي رسخه مجلس النواب ومعسكر حفتر في مناطق سيطرته، ضمن بلد ما تزال فيه منظومات القوة موزعة بين مراكز متنافسة.

كيف انتقلت مفاتيح القوة إلى أبناء حفتر؟

بدأ المسار قبل تعيينات 2025، ففي 8 يوليو/تموز 2023 أصدر خليفة حفتر القرار رقم 220 بإنشاء “رئاسة أركان الوحدات الأمنية” وربطها مباشرة بما يسمى “القيادة العامة”، وعيّن ابنه خالد على رأسها، كما ضم إليها اللواء 106 مجحفل الذي كان خالد يقوده ولواء خالد بن الوليد.

تأسس اللواء 106 عام 2015 وتحول إلى أحد أبرز تشكيلات قوات حفتر، ومثّل القرار خطوة مبكرة لنقل قاعدة القوة المرتبطة بخالد إلى إطار رسمي جديد داخل المنظومة العسكرية في الشرق.

كان مسار صدام يجري من بوابة أخرى، فإلى جانب ارتباطه بلواء طارق بن زياد، انتقل في مايو/أيار 2024 إلى رئاسة أركان القوات البرية وتسلم مهامه رسميًا في يونيو/حزيران.

في الفترة نفسها عُيّن فوزي المنصوري مديرًا للاستخبارات العسكرية، بينما بقي خالد رئيسًا لأركان الوحدات الأمنية. وبحلول منتصف 2024 أصبح اثنان من أبناء حفتر يقودان قطاعين عسكريين رئيسيين هما القوات البرية والوحدات الأمنية، قبل انتقالهما معًا إلى مناصب أعلى في العام التالي.

في المسار المدني، أنشأ مجلس النواب في فبراير/شباط 2024 صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، ونقل إليه عشر جهات تنفيذية، ثم أدى بلقاسم حفتر اليمين مديرًا عامًا للصندوق أمام رئيس البرلمان عقيلة صالح في 19 فبراير/شباط.

وأصبح الصندوق قناة رئيسية لإدارة مشاريع الإعمار والبنية التحتية في مناطق سيطرة حفتر، ليمنح ابنًا ثالثًا موقعًا واسع التأثير خارج السلسلة العسكرية.

جاءت القفزة الأكبر في أغسطس/آب 2025، عندما انتقل صدام من رئاسة أركان القوات البرية إلى منصب نائب القائد العام، بينما انتقل خالد خلال الشهر نفسه إلى رئاسة الأركان العامة خلفًا لعبد الرازق الناظوري الذي حصل بعدها على منصب مستشار الأمن القومي. وبذلك أصبح ابنا حفتر يشغلان خلال أيام الموقعين العسكريين الأكثر أهمية بعد والدهما في البنية المعتمدة لدى سلطات الشرق.

تواصلت إعادة ترتيب المستويات الأدنى خلال 2026 مع تعيين صلاح العقيلي في الأمن الداخلي ونقل أسامة الدرسي إلى الشرطة القضائية، ثم تعيين عبد السلام الحاسي في رئاسة القوات البرية ونقل أحمد الدرسي إلى المنطقة الجنوبية والمبروك سحبان إلى الوسطى.

وتبرز هذه التعيينات نمطًا استقر تدريجيًا داخل منظومة حفتر، حيث تتركز مواقع الأبناء في طبقة القرار الأعلى، ويشغل ضباط آخرون المواقع التنفيذية والأمنية والإقليمية تحتها.

وتذهب دراسة نشرها معهد تشاتام هاوس في 11 يونيو/حزيران 2025 إلى أن أفراد عائلة حفتر طوروا دوائر نفوذ مختلفة، ووصفت صدام بأنه الأكثر ظهورًا بينهم وصاحب نفوذ على تشكيلات رئيسية ومصالح اقتصادية، وبلقاسم بأنه يقود طفرة البناء، فيما حافظ خالد على علاقات وثيقة مع روسيا.

كما رصد المعهد توجه واشنطن نحو توسيع علاقتها بصدام في سياق موازنة العلاقات المتنامية بين عائلة حفتر وموسكو.

وتعزز هذا المسار في 29 يونيو/حزيران 2026 عندما التقى صدام وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية  إن اللقاء تناول جهود توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية والتعاون الثنائي.

وقال تشاتام هاوس في 20 يوليو/تموز 2026، إن زيارة صدام إلى واشنطن جاءت في وقت تدفع فيه الإدارة الأمريكية باتجاه تفاهم لتقاسم السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والحكومة الموازية في بنغازي المرتبطة بقوات حفتر.

ويمنح هذا النشاط صدام حضورًا يتجاوز الوظيفة العسكرية الداخلية، بينما يحتفظ خالد بمركزه في رئاسة الأركان وبلقاسم بملف الإعمار، فيما أثار تركيز هذه المواقع منذ 2025 نقاشًا متزايدًا حول ترتيب خلافة خليفة حفتر.

ويمنح القانون الصادر عن مجلس النواب صدام موقعًا متقدمًا بوصفه نائب القائد العام والشخص الذي يحل محل القائد عند غيابه، بينما يملك خالد سلطة مؤسسية واسعة من موقع رئاسة الأركان، ويدير بلقاسم واحدًا من أكبر أجهزة الإنفاق والتنفيذ في الشرق.

وتظل هوية الخليفة النهائي لحفتر مفتوحة سياسيًا، فيما تشير التعيينات إلى عملية واضحة لمأسسة نفوذ أبنائه داخل مفاصل عسكرية واقتصادية كانت قبل سنوات أكثر اعتمادًا على تشكيلاتهم وشبكاتهم الخاصة.

وقع اغتيال فوزي المنصوري في قلب هذه المرحلة، بعد انتقال صدام وخالد إلى أعلى موقعين عسكريين بعد والدهما واتساع تدخلهما في الملفات الأمنية.

فمشاركة المنصوري في اجتماعات التنسيق التي ترأسها خالد، ثم تولي صدام الإشراف على التحقيق في اغتياله، تكشف اتساع دور الابنين في ملفات تتقاطع فيها رئاسة الأركان والاستخبارات ووزارة الداخلية.

وستحمل هوية من يتولى إدارة الاستخبارات العسكرية بعده مؤشرًا إضافيًا إلى اتجاه توزيع النفوذ داخل المنظومة، خصوصًا إذا جاء التعيين ضمن سلسلة التحولات التي نقلت مواقع القرار الأعلى إلى دائرة العائلة.

_______________

تركيا وإدارة الخروج من الانقسام!

المهدي هندي

لم يعد السؤال المطروح في ليبيا  كيف يمكن إدارة الانقسام السياسي إلى أجل غير مسمى؟ بل كيف يمكن الخروج منه؟ 
وهذه ليست مسألة لغوية، وإنما تحوّل في طبيعة الأزمة نفسها؛ فبعد أكثر من عقد من الحكومات الانتقالية والمؤسسات الموازية، أصبح واضحًا أن استمرار إدارة الانقسام قد يكون أسهل سياسيًّا من إنهائه، لكنه أكثر كلفة على الدولة والمجتمع.

في هذا المشهد، تبرز تركيا بصورة مختلفة عن السنوات الماضية. فزيارة وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” إلى طرابلس وبنغازي، وتأكيد أنقرة دعم التعاون بين شرق ليبيا وغربها، يطرحان سؤالًا يتجاوز حدود الزيارة نفسها: هل يمكن أن يتحول النفوذ التركي من جزء من معادلة التوازن الليبي إلى أداة تساعد في إدارة الخروج من هذا التوازن؟

لا يمكن، بطبيعة الحال، التعامل مع تركيا كوسيط محايد. لأنقرة مصالح واضحة في ليبيا، تتعلق بالأمن والطاقة والاتفاقيات البحرية والاستثمارات، فضلًا عن حضورها العسكري والسياسي في الغرب الليبي. لكن هذا لا يلغي أهمية دورها؛ ففي السياسة لا تكون قيمة الدولة بالضرورة في حيادها، وإنما أحيانًا في قدرتها على التأثير في الأطراف التي لا تستطيع أطراف أخرى الوصول إليها.

وتكمن خصوصية الدور التركي هنا في امتلاك أنقرة علاقة عميقة مع القوى المؤثرة في غرب ليبيا، محاولةً في الوقت نفسه توسيع قنوات التواصل مع شرق البلاد خلال الفترة الأخيرة. وهذا يمنحها، نظريًّا على الأقل قدرة على لعب دور مختلف: ليس دور الوسيط الذي يقف خارج المشهد، وإنما دور الطرف القادر على نقل بعض التفاهمات من المستوى السياسي إلى ترتيبات عملية على الأرض.

لكن نجاح هذا الدور سيبقى دائماً مرهونًا بسؤال أكثر أهمية: ما الذي تريد تركيا أن تساعد ليبيا على الوصول إليه؟

إذا كان الهدف هو إنتاج توازن جديد بين القوى الموجودة، فلن تكون النتيجة مختلفة كثيرًا عن المراحل السابقة؛ ستظهر حكومة جديدة، وتتوزع المناصب، وتُعاد صياغة التحالفات، ثم تبدأ مرحلة انتقالية أخرى. أما إذا كان الهدف هو إنهاء منطق المراحل الانتقالية نفسها، فإن الدور التركي يمكن أن يصبح أكثر أهمية.

وهنا يتقاطع الحراك التركي مع التحركات الأمريكية والمصرية والأممية. فلكل طرف أدواته وحساباته، لكن القاسم المشترك بينها ينبغي أن يكون الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنتاج مخرج منها.

والاختبار الحقيقي يبدأ عند تشكيل السلطة التنفيذية المقبلة.

لقد أثبتت التجربة الليبية أن الحكومات الانتقالية الواسعة تتحول بسهولة من وسيلة إلى غاية. فكلما زاد عدد الأطراف المشاركة فيها، اتسعت شبكة المصالح المرتبطة ببقائها، وأصبح الحديث عن الانتخابات أكثر صعوبة. 

لذلك قد يكون من المفيد التفكير في صيغة مختلفة تمامًا: حكومة تكنوقراط مصغرة، من أربعة أو خمسة وزراء، بولاية محددة لا تتجاوز عامًا واحدًا، ومهمة واضحة لا تتوسع إلى إعادة توزيع السلطة والثروة.
حكومة كهذه لا تحتاج إلى تمثيل كل القوى السياسية والمناطق والتيارات داخلها، بقدر حاجتها إلى القدرة على إنجاز عدد محدود من المهام: ضبط الإنفاق العام، معالجة الاختناقات الاقتصادية والخدمية، حماية المؤسسات السيادية، وتهيئة الظروف السياسية والأمنية لإجراء الانتخابات.

فالمشكلة في ليبيا لم تعد نقص المبادرات، بل غياب نقطة نهاية حقيقية للمراحل الانتقالية. وكل حكومة جديدة تُقدم باعتبارها “مؤقتة” من دون موعد ملزم للانتهاء تحمل معها احتمال أن تصبح جزءًا جديدًا من المشكلة.

ومن هنا يمكن قياس جدوى النفوذ التركي.

إذا استخدمته أنقرة لتثبيت نفوذها داخل معادلة المحاصصة، فلن تكون قد ساعدت ليبيا على الخروج من الانقسام، بل ستساهم في إدارة نسخة أكثر استقرارًا منه. أما إذا استخدمته لدفع الأطراف التي تستطيع التأثير فيها نحو تسوية تقود إلى مؤسسات موحدة وانتخابات، فإن الدور التركي يمكن أن يتحول من عنصر في معادلة الصراع إلى عنصر في معادلة الانتقال.

وهذا لا يعني أن تركيا قادرة وحدها على حل الأزمة؛ فالقاهرة تملك تأثيرًا مهمًّا في الشرق، وواشنطن تمتلك أدوات ضغط مختلفة، والبعثة الأممية توفر الإطار الدولي، بينما يبقى العامل الحاسم في النهاية هو “استعداد القوى الليبية نفسها للتخلي عن جزء من المكاسب التي راكمتها خلال سنوات الانقسام”.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل تستطيع تركيا حل الأزمة الليبية؟

السؤال الأكثر واقعية هو: هل تستطيع تركيا أن تساعد في جعل الخروج من الأزمة أقل كلفة على الأطراف التي استفادت من استمرارها؟

إذا كان الجواب نعم، فإن النفوذ التركي قد يكون جزءًا من لحظة سياسية مختلفة وقد تكون مفصلية في تاريخ الدولة الليبية أو ما تبقى منها.

أما إذا انتهى الحراك الإقليمي والدولي إلى مجرد صفقة جديدة لتوزيع المناصب والنفوذ، فإن ليبيا لن تكون قد غادرت الانقسام.. ستكون فقط قد أعادت ترتيب مقاعده.

المطلوب هذه المرة ليس إدارة الانقسام بصورة أفضل، وإنما إدارة الخروج منه وبأسرع الآجال.

__________________

من خصومة السلاح إلى شراكة المصالح… لماذا تتقارب تركيا مع معسكر حفتر في شرق ليبيا؟

كرست زيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى بنغازي، ولقاؤه خليفة حفتر وعدداً من أبرز أركان معسكره، تحولاً متسارعاً في سياسة أنقرة تجاه شرق ليبيا، بعد سنوات كان فيها الطرفان على طرفي مواجهة عسكرية انتهت بتدخل تركي مباشر ساهم في وقف هجوم قوات حفتر على طرابلس وإجبارها على التراجع من محيط العاصمة عام 2020.

وجاءت محطة بنغازي ضمن جولة ليبية شملت طرابلس أيضاً، حيث التقى فيدان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ومسؤولين أمنيين وعسكريين، قبل أن ينتقل إلى الشرق ويلتقي حفتر ونائبه صدام حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح ومدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر.

«ليبيا واحدة» وعدم التمييز بين غرب البلاد وشرقها وجنوبها، مؤكدا استمرار أنقرة في دعم الحوار والتعاون بين الطرفين.

غير أن أهمية الزيارة تتجاوز خطاب توحيد ليبيا، إذ تكشف عن انتقال تركيا تدريجياً من سياسة الاصطفاف شبه الكامل مع القوى الحاكمة في طرابلس إلى استراتيجية أكثر براغماتية تقوم على الاحتفاظ بنفوذها القوي في الغرب، وفي الوقت نفسه فتح قنوات سياسية واقتصادية وعسكرية مع معسكر حفتر.

ويأتي ذلك بينما تشهد ليبيا توترات أمنية متجددة في الغرب، بالتزامن مع استمرار الانقسام السياسي بين حكومتين ومؤسسات متنافسة، ما يجعل الرهان التركي على طرف واحد أكثر كلفة وأقل ضماناً على المدى الطويل.

ورغم رمزية استقبال حفتر لفيدان في بنغازي، فإن التقارب بين الجانبين لم يبدأ بهذه الزيارة. فقد شهدت الأشهر والسنوات الماضية توسعاً تدريجياً في الاتصالات مع أبناء حفتر، وخصوصاً صدام وبلقاسم، بالتوازي مع دخول الشركات التركية بصورة متزايدة إلى مشروعات إعادة الإعمار في الشرق.

وقبل أقل من ثلاثة أسابيع من زيارة بنغازي، استقبل فيدان صدام حفتر في أنقرة في 24 يوليو/ تموز، في مؤشر واضح على انتقال العلاقة إلى مستوى سياسي وعسكري أكثر انتظاماً.

كما أخذ البعد العسكري في العلاقة اهتماماً متزايداً، خصوصاً بعدما كشفت تقارير حديثة عن ظهور طائرات مسيرة تركية من طراز «بيرقدار تي بي 2» في قاعدة الخادم الواقعة ضمن مناطق سيطرة قوات حفتر، في تحول لافت بالنظر إلى أن الطائرات التركية نفسها كانت من أبرز أدوات التصدي لقواته خلال حرب طرابلس. ولم تعلن أنقرة تقديم هذه الطائرات إلى قوات الشرق أو توضح طبيعة وجودها هناك.

المصالح قبل التحالفات

ويرى مراقبون أن العامل الأساسي وراء التحول التركي هو محاولة حماية مصالح أنقرة من تقلب موازين القوى الليبية، وليس الانتقال من تحالف مع الغرب إلى تحالف مع الشرق.

ويقول الباحث والكاتب محمد عمران كشادة إن التحركات التركية تستهدف بالدرجة الأولى ضمان النفوذ والمصالح التركية، مشيراً إلى أن أنقرة تخلت منذ فترة عن سياسة الاصطفاف الكامل مع حلفائها في الغرب وفتحت قنوات مباشرة مع حفتر.

وحسب كشادة، فإن النشاط التركي في الشرق لا ينفصل عن توسع الشركات التركية في مشروعات الإعمار، إلى جانب سعي أنقرة للحصول على اعتراف أوسع باتفاقاتها مع طرابلس، وعلى رأسها مذكرة ترسيم الحدود البحرية الموقعة عام 2019.

وتدرك أنقرة، وفق هذه القراءة، أن استمرار الانقسام يعني أن أي اتفاق طويل الأمد يتعلق بالطاقة أو البحر أو الاستثمارات سيظل معرضاً للطعن ما لم تحصل تركيا على درجة من القبول في شرق البلاد أيضاً.

اتفاق 2019 في قلب الحسابات

ويشكل الاتفاق البحري أحد أهم مفاتيح فهم التقارب. فقد وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 مذكرة لترسيم مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط، أثارت اعتراض اليونان ومصر، بينما رفضها مجلس النواب في شرق ليبيا آنذاك.

لكن الموقف الشرقي بدأ يظهر قدراً أكبر من المرونة خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع تحسن العلاقات مع أنقرة، وهو تطور يكتسب أهمية بالنسبة لتركيا في ظل استمرار الخلافات بشأن الحدود البحرية وموارد الطاقة جنوب جزيرة كريت.

كما أبدت تركيا اهتماماً بالتنقيب عن الطاقة قبالة السواحل الليبية باستخدام سفن المسح الزلزالي التابعة لها، ما يجعل بناء علاقة مع الشرق أكثر أهمية، خصوصاً أن مناطق واسعة من الساحل والحقول النفطية تخضع عملياً لنفوذ قوات حفتر.

الإعمار بوابة أنقرة إلى بنغازي

ولا يقل الاقتصاد أهمية عن ملف البحر، فقد تحولت إعادة إعمار بنغازي ومدن الشرق إلى سوق واسعة للشركات الأجنبية، وتسعى الشركات التركية إلى الحصول على نصيب منها، مستفيدة من خبرة طويلة في ليبيا وقرب جغرافي وقدرات كبيرة في قطاعات الإنشاء والبنية التحتية.

ويتيح التعاون مع بلقاسم حفتر، الذي يدير صندوق التنمية وإعادة الإعمار، لأنقرة، مدخلاً مباشراً إلى هذه السوق، بينما يستفيد معسكر الشرق من الشركات التركية في تنفيذ مشروعات يسعى من خلالها إلى تقديم نفسه باعتباره سلطة قادرة على إعادة البناء وإدارة المدن الواقعة تحت سيطرته.

وماذا يستفيد حفتر؟

في المقابل، فإن المكاسب ليست تركية فقط. فبالنسبة إلى حفتر، يمثل فتح العلاقة مع أنقرة فرصة للخروج من دائرة الاعتماد على الحلفاء التقليديين، وتوسيع شبكة علاقاته مع قوة إقليمية تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً مباشراً داخل غرب ليبيا.
كما يمنحه استقبال وزير الخارجية التركي في بنغازي قدراً إضافياً من الاعتراف السياسي، بعد سنوات كانت فيها أنقرة تنظر إلى قواته باعتبارها تهديداً للحكومة المعترف بها دولياً.
ويأتي هذا التقارب كذلك في مرحلة يتزايد فيها حضور صدام حفتر داخل المعسكر الشرقي، ما يجعل بناء علاقات مبكرة معه ذا أهمية بالنسبة إلى تركيا في أي ترتيبات مستقبلية داخل قيادة الشرق.

تفاهمات إقليمية أوسع

ولا يمكن فصل التحول التركي عن تحسن العلاقات بين أنقرة والقاهرة، التي تعد أحد أبرز الداعمين التقليديين للشرق الليبي. وبعد جولته في ليبيا، انتقل فيدان إلى مصر، في وقت تتحدث فيه الدولتان بصورة متزايدة عن وحدة ليبيا وإنهاء الانقسام.
ويخفف التقارب المصري التركي من حدة الاستقطاب الذي ساد خلال حرب طرابلس، عندما كانت القاهرة وأنقرة تقفان على طرفي المعادلة الليبية، ويفتح المجال أمام تفاهمات تسمح لتركيا بتوسيع وجودها شرقاً دون الدخول في مواجهة مباشرة مع مصر.

لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن تركيا أصبحت وسيطاً محايداً بين الطرفين، فهي لا تزال صاحبة وجود عسكري واتفاقات استراتيجية عميقة في الغرب، في حين تبني في الشرق شبكة مصالح جديدة مع سلطة عسكرية وسياسية تسيطر عليها عائلة حفتر بدرجة واسعة.

ومن هنا، يبدو أن سياسة «ليبيا الواحدة» التي تطرحها أنقرة تجمع بين هدف معلن يتمثل في دعم توحيد المؤسسات، وحساب أكثر براغماتية يقوم على التعامل مع مراكز القوة القائمة بدلاً من الرهان على اختفائها.
ويحذر مراقبون من أن نجاح هذه السياسة في حماية مصالح تركيا لا يعني بالضرورة مساهمتها في حل الأزمة، إذ إن توسيع العلاقات الخارجية مع السلطتين المتنافستين قد يمنحهما قدرة أكبر على الاستمرار إذا لم يتحول النفوذ التركي وغيره من النفوذ الإقليمي إلى ضغط جدي باتجاه الانتخابات وتوحيد المؤسسات.

وبذلك، فإن التقارب الجاري بين أنقرة ومعسكر حفتر يبدو حتى الآن أقرب إلى تفاهم مصالح متبادلة: تركيا تريد ضمان اتفاقاتها البحرية والطاقة وحصة من إعادة الإعمار وعدم ترك شرق البلاد لمنافسيها، بينما يسعى معسكر حفتر إلى اعتراف سياسي أوسع، وشركاء اقتصاديين وعسكريين جدد، ومساحة أكبر للمناورة بين القوى الخارجية. أما مدى قدرة هذه العلاقة الجديدة على دفع ليبيا نحو تسوية، بدلاً من التكيف مع الانقسام القائم، فسيظل الاختبار الأهم للمرحلة المقبلة.

________________

ليبيا شبعت قتالا فهل كانت تنقصها المُسيّرات؟

زايد هدية 

تكشف عن تحول في أدوات المواجهة يهدد بنقل الصراع إلى مستوى أكثر خطورة وأصعب على الاحتواء

***

طائرات صغيرة وكلفة محدودة وقدرة على الوصول إلى أهداف بملايين الدولارات، هكذا يطرح دخول مسيرات إلى صراعات المجموعات المسلحة في غرب ليبيا أسئلة عن مصادرها والجهات التي تمتلكها، وما إذا كانت الزاوية بداية لانتشار سلاح جديد في النزاعات المحلية؟

لم تعد أصوات الرصاص والقذائف وحدها ما يثير القلق في مدينة الزاوية الليبية كما جرت العادة في الأعوام الماضية، فمن سمائها جاء هذه المرة تهديد أصغر حجماً وأقل ضجيجاً، لكنه ربما يكون أكثر قدرة على تغيير قواعد الاشتباك في غرب البلاد، بعدما دخلت الطائرات المسيرة الصغيرة على خط المواجهات، واستخدمت في ضرب منشآت نفطية وكهربائية، لتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الصراع بين المجموعات المسلحة.

فخلال أيام قليلة تعرضت منشآت حيوية في الزاوية لسلسلة هجمات بطائرات مسيرة طاولت خزانات وقود ومرافق مرتبطة بمجمع الزاوية النفطي، قبل أن يمتد الاستهداف إلى قطاع الكهرباء، مما أدى إلى توقف عمليات المصفاة بصورة موقتة قبل استئنافها، وسط تحذيرات من إمكان إعلان حال القوة القاهرة في حال استمرار الهجمات.

وتكتسب هذه التطورات خطورتها من أهمية الزاوية نفسها، إذ تحتضن واحدة من أهم المنشآت النفطية في غرب ليبيا ومصفاة تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بحقل الشرارة الذي يعد من أكبر حقول البلاد، وبذلك فإن ضربة تنفذها طائرة صغيرة لا يتجاوز ثمنها جزءاً ضئيلاً من قيمة المنشأة المستهدفة يمكن أن تكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية تتجاوز المدينة ومجموعاتها المسلحة.

من الرشاش إلى الطائرة

وشهدت ليبيا منذ عام 2011 انتشاراً واسعاً للأسلحة الثقيلة والمتوسطة بين الجماعات المسلحة، وتحولت مدن غرب البلاد مراراً إلى ساحات لمعارك استخدمت خلالها المدفعية والأسلحة المضادة للطائرات والمدرعات.

لكن دخول مسيرات “إف بي في” إلى المواجهة المحلية يمثل تطوراً مختلفاً، ليس بسبب قدرتها التدميرية، بل لأنها تغير العلاقة بين المهاجم والهدف، فبدلاً من تحريك قوة مسلحة واقتحام موقع أو إطلاق قذائف من مناطق يمكن تحديدها، أصبح في الإمكان توجيه طائرة صغيرة نحو هدف محدد من مسافة آمنة نسبياً، مع تقليل احتمالات كشف الجهة التي أطلقتها.

وتكمن الخطورة الأكبر في أن هذه التكنولوجيا لم تعد حكراً على الجيوش، فطائرات “FPV” تعتمد في أصلها على تكنولوجيا مدنية متاحة تجارياً، ويمكن تعديل بعض أنواعها للاستخدام العسكري، مما جعلها خلال الأعوام الأخيرة واحدة من أبرز أدوات الحروب غير المتكافئة.

وفي أحداث الزاوية الأخيرة، تحدثت تقارير محلية عن استخدام طائرات انقضاضية في بعض الهجمات، فيما أكدت المصادر الرسمية وقوع هجمات بالطائرات المسيرة من دون إعلان نتائج تحقيق فني نهائي يحدد منشأ الطائرات أو الجهة التي شغلتها.

من أين جاءت؟

السؤال الملح الذي تطرحه هجمات الزاوية هو: كيف وصلت هذه القدرات إلى المجموعات المسلحة المحلية؟

الباحث والأكاديمي محمد العنيزي، يقول “لم تبدأ قصة الطائرات المسيرة في ليبيا من الزاوية، فقد دخلت البلاد منذ أعوام عصر حرب الطائرات من دون طيار، وبصورة أكثر وضوحاً خلال حرب طرابلس بين عامي 2019 و2020، عندما استخدمت طائرات تركية الصنع من طراز (بيرقدار) في غرب البلاد، مقابل استخدام طائرات أخرى في الجانب المقابل، ومنذ ذلك الحين أصبحت البنية التحتية للمسيرات جزءاً من المشهد العسكري الليبي.

وأفادت تقارير متخصصة خلال عام 2026 بوجود منشآت للتحكم وإيواء الطائرات المسيرة في مطاري معيتيقة ومصراتة، وقال فريق خبراء الأمم المتحدة إن منشآت من هذا النوع صممت لاستيعاب طائرات من دون طيار، في مؤشر إلى أن تكنولوجيا المسيرات لم تعد عنصراً طارئاً في المشهد العسكري الليبي”.

وأضاف “لكن من الضروري التمييز بين تلك الطائرات المسيرة الكبيرة وبين الطائرات المستخدمة في الهجمات التكتيكية، فالأخيرة أصغر وأرخص وأسهل في النقل والتجميع، ولا تحتاج إلى المطارات ومحطات التحكم المعقدة التي تحتاج إليها الطائرات العسكرية من فئة (بيرقدار)، ومن هنا تبرز مسارات محتملة عدة لوصولها إلى الجماعات المسلحة، مثل شراء مكونات مدنية من الأسواق الخارجية وتجميعها أو تعديلها محلياً، وانتقال المعرفة والخبرات التقنية بين التشكيلات المسلحة، أو وصول معدات جاهزة عبر شبكات الإمداد غير الرسمية التي ازدهرت في ليبيا خلال أعوام الانقسام”.

لكنه أشار إلى أن “تحديد أي من هذه المسارات هو الذي استخدم في الزاوية يحتاج إلى تحقيق فني في حطام الطائرات ومكوناتها وأرقامها التسلسلية، ولا تكفي الصور أو الاتهامات السياسية وحدها لإثبات مصدرها”.

إرث أعوام التسليح

ونوه العنيزي إلى أنه “على رغم أن ليبيا لا تزال خاضعة لحظر دولي على توريد السلاح فرضه مجلس الأمن منذ عام 2011، لكن تقارير دولية متعاقبة وثقت خلال أعوام الحرب وصول أسلحة ومعدات عسكرية إلى أطراف ليبية مختلفة، وبذلك فإن السؤال الذي تطرحه الزاوية يتجاوز هوية من ضغط على جهاز التحكم في الطائرة، إلى مصير ترسانة وتقنيات عسكرية تراكمت في ليبيا خلال أكثر من عقد من الحرب.

فالأسلحة التي تصل إلى بلد منقسم لا تبقى بالضرورة تحت سيطرة الطرف الذي حصل عليها أول مرة، والخبرات تنتقل والمقاتلون يغيرون ولاءاتهم والأسواق غير الرسمية تعيد توزيع المعدات، مما يجعل ضبط التكنولوجيا العسكرية أصعب مع مرور الوقت”.

من جانبه يرى الصحافي المختص في الشؤون الأمنية خالد البدري، أن “أخطر ما تكشف عنه الزاوية هو اختلال المعادلة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع، فالمهاجم لا يحتاج بالضرورة إلى صاروخ باهظ الثمن لتدمير منشأة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، يكفي أن تصل طائرة صغيرة محملة بعبوة إلى نقطة حساسة لتوقف منشأة كاملة، وتضاعف طبيعة الأهداف التي ضربت أخيراً في ليبيا من الخطر، فالبلاد تعتمد بصورة شبه كاملة على قطاع النفط في إيراداتها العامة، بينما تعاني شبكة الكهرباء أساساً مشكلات فنية ونقصاً في القدرة الإنتاجية والصيانة”.

وتابع “في الزاوية وحدها، قالت الشركة العامة للكهرباء إن محطة المدينة تفقد أكثر من 700 ميغاوات من قدرتها الإجمالية البالغة نحو 1300 ميغاوات، وأدى تدهور الوضع الأمني إلى توقف شركة (جي إي) الأميركية عن العمل داخل المحطة وسحب فرقها الفنية إلى حين توفير بيئة آمنة، وهنا لا تعود المسيرة سلاحاً ضد مجموعة مسلحة منافسة، بل تتحول إلى وسيلة تستطيع من خلالها الأطراف المتصارعة تعطيل خدمات عامة وإلحاق خسائر بالدولة واستخدام البنية التحتية ورقة ضغط في النزاع”.

وإذا اختلفت الآراء في شأن مصدر توريد الطائرات التي استهدفت مصفاة الزاوية في اليومين الماضيين فإنه لا خلاف تقريباً على أن هذه الهجمات تضع السلطات الليبية أمام اختبار أمني جديد، فحماية المنشآت الحيوية لم تعد تقتصر على نشر الحراس وإقامة الحواجز وتأمين محيط المواقع، وإنما تتطلب أنظمة للكشف المبكر عن الطائرات الصغيرة وقدرات للتشويش عليها واعتراضها، إلى جانب رقابة على تداول المكونات التي يمكن تحويلها إلى منصات هجومية.

وهكذا تكون الرسالة الأخطر التي جاءت من سماء الزاوية أن ليبيا لا تواجه مجرد سلاح جديد، بل تواجه تحولاً في طبيعة القوة نفسها، فالمسيرة الصغيرة التي يمكن حملها في سيارة وإطلاقها بعيداً من الهدف باتت تمنح جماعات مسلحة قدرة تدميرية كانت تحتاج قبل أعوام إلى طائرة حربية وقاعدة جوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استقالة مفاجئة لمحافظ “مصرف ليبيا”.. ما تفاصيل الضغوطات وتأثير الخطوة؟

علاء فاروق

في خطوة مفاجئة ومربكة.. قدم محافظ المصرف المركزي في ليبيا، ناجي عيسى استقالته من منصبه، مطالبا مجلسي النواب والدولة بإعفائه من الاستمرار في مهامه، مؤكدا أنه لن يعلن عن أسباب اتخاذ الخطوة لحساسية هذه الأسباب، وفقا لرسالة رسمية وجهها إلى رئاسة مجلس النواب ورئاسة المجلس الأعلى للدولة.

وجاءت الرسالة، التي وصلت “عربي21” نسخة منها في توقيت شديد الحساسية اقتصاديا وسياسيا، مع تراجع القوة الشرائية للدينار وأزمة الإنفاق العام وبدء تنفيذ اتفاق الميزانية الموحدة.

رفض وصلاحيات منقوصة

وفي أول رد فعل على هذه الخطوة، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه طلب الاستقالة، مطالبا المحافظ ونائبه بمواصلة أداء المهام المنوطة بهما كاملة لحين البت في طلب الاستقالة، متعللا بالظروف التي تمر بها البلاد وضرورة الحفاظ على استقرار الأوضاع المالية والنقدية وضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة.

في حين لم يعلق مجلس النواب الليبي على الخطوة ولم يعقد أي جلسة طارئة بالخصوص، لكن لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة بالمجلس طالبت محافظ مصرف ليبيا المركزي بالعدول عن استقالته والاستمرار في مهامه، كون قبول الاستقالة في هذا التوقيت الحرج قد ينعكس سلبا على استقرار سوق الصرف وثقة المؤسسات المالية الدولية والوضع الاقتصادي العام.

ولم يعلق المجلس الرئاسي الليبي، الذي قام بإقالة المحافظ السابق الصديق الكبير، على طلب الاستقالة، لكن عضو المجلس، موسى الكوني تحدث بصفة شخصية وطالب المحافظ باستمرار قيادة المصرف وانتظام عمله، مؤكدا أن هذا الأمر ضرورة وطنية لحماية استقرار المنظومة المالية والنقدية، وتفادي فراغ مؤسسي قد تكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية واسعة.

مصرفية متراكمة“

وجاءت خطوة الاستقالة من قبل المحافظ ونائبه في توقيت شديد الصعوبة كون المؤسسة المالية السيادية “المصرف” تواجه أزمات متتالية ومتراكمة تتعلق بسعر الصرف والسياسة النقدية والإنفاق العام، كما أن العملة المحلية “الدينار الليبي” يتعرض للكثير من الضغوط حيث وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى 9 دنانير لأول مرة في تاريخ ليبيا وذلك بعد ساعات من خبر استقالة المحافظ.

لكن الغريب في الخطوة أنها جاءت بعد حدث مالي كبير في ليبيا حيث نجحت الإدارة الأميركية في إقناع الأطراف المتنازعة محليا بالاتفاق حول ميزانية موحدة لليبيا لأول مرة منذ 13 عاما من الميزانيات المنقسمة، لتطرح الاستقالة في هذا التوقيت مزيدا من التساؤلات حول الأسباب والضغوط التي يتعرض لها المصرف ومحافظه وجدية تطبيق الموازنة الموحدة في ظل استمرار الانقسام الحكومي والمؤسسي في البلاد.

أرقام مفزعة وتهديد الاستقرار النقدي

وتتلخص تحديات المصرف المركزي في ليبيا في: تضاعف العجز المالي وارتفاع الدين العام الخارجي وكذلك توسع الإنفاق العام، إضافة إلى ضغوط سياسية وعسكرية على المحافظ والمصرف بسبب تسييل أموال لدعم كل مؤسسة على حدة “حكومتين، جيشيين”.

وفي نيسان/ أبريل من عام 2026، صدر تقرير لخبراء صندوق النقد الدولي وفي الجزء الخاص بليبيا ذكر التقرير أن الدين العام في ليبيا ارتفع إلى نحو 146% بينما بلغ العجز المالي نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وأن الإنفاق العام توسع إلى مستويات غير مستدامة، خاصة الإنفاق الحكومي الذي توسع إلى مستويات تتجاوز قدرة الاقتصاد على التحمل، واستمرار هذا المسار يفرض ضغوطاً متزايدة على سعر صرف الدينار والاحتياطيات الأجنبية والتضخم، وفق التقرير الدولي.

تعيين بصفقة سياسية

وفي نهاية أيلول/ سبتمبر 2024، عين مجلس النواب الليبي، ناجي عيسى محافظا للمصرف المركزي خلفا للمحافظ السابق، الصديق الكبير وذلك بموافقة 108 من أعضاء البرلمان، وتم التعيين إثر صفقة سياسية بين حكومة الدبيبة والرئاسي من جانب وقوات حفتر والبرلمان من جانب آخر بعد أزمة إقالة “الصديق الكبير” التي رفضها حفتر والبرلمان وأغلقوا الحقول النفطية كرد فعل، لكن تعيين ناجي عيسى جاء لينهي الأزمة وكذلك إغلاق المنشآت النفطية شرقا والتي استمرت لأكثر من شهر.

ضغوط سياسية وتساؤلات

مراقبون رأوا أن الاستقالة جاءت بعد ضغوط سياسية وربما أمنية على المحافظ والمؤسسة، كون كل جهة تريد ميزانية كبيرة لها دون محاسبة أو تقدير للظروف الاقتصادية للدولة، وأن المصرف عجز عن توفير كل هذه الميزانيات فقرر محتافظه الاستقالة لإحراج هؤلاءـ، لكنه نظرا للظروف الأمنية لا يستطيع المحافظ ذكر هذه الأسباب، وفق كلامهم.

لذا يطرح “عربي21” بعض التساؤلات حول الخطوة ومنها: ما الكواليس والأسباب الحساسة وراء الاستقالة التي امتنع المحافظ عن ذكرها؟.. وكيف يؤثر ذلك على الوضع المالي والاقتصادي في ليبيا؟

أزمة تسييس المؤسسات السيادية

وجهنا تساؤلاتنا لعضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، إبراهيم صهد والذي أكد أنه “من الصعب الجزم بالأسباب الحقيقية التي دفعت المحافظ ونائبه إلى الاستقالة، ما لم تتضح بصورة رسمية، لكن من الطبيعي أن تطرح هذه الخطوة تساؤلات حول طبيعة الخلافات التي كانت قائمة، وما إذا كانت هناك تدخلات أو ضغوط سياسية أثرت في عمل المصرف أو في قراراته.

وأكد في رده على تساؤلات “عربي21”: “الحديث عن وجود علاقة بين الاستقالة وميزانية المخابرات العامة، يحتاج إلى معلومات دقيقة ووثائق، ولا ينبغي أن نبني حكماً على مجرد تداول أخبار أو تكهنات.

لكن إذا كانت هناك بالفعل خلافات حول أوجه الإنفاق العام أو اعتماد بنود مالية معينة، فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعة هذه الخلافات، لأن المال العام لا ينبغي أن يكون موضوعاً مغلقاً أمام المؤسسات الرقابية والرأي العام”، حسب رأيه.

وأوضح المسؤول الليبي أن “السؤال الأهم الآن هو: هل أصبح مصرف ليبيا المركزي قادراً على ممارسة دوره باستقلالية بعيداً عن التجاذبات السياسية، فقد أثبتت التجربة الليبية أن تسييس المؤسسات السيادية وإخضاعها لضغوط الأطراف السياسية المتصارعة يؤدي في النهاية إلى إضعاف الدولة وإرباك الاقتصاد.

ومصرف ليبيا المركزي تحديداً يحتاج إلى الاستقرار والاستقلال والوضوح في اتخاذ القرار، لأن أي اهتزاز في الثقة به يمكن أن ينعكس على سعر الصرف والسيولة والإنفاق العام والاحتياطيات والعلاقة مع المؤسسات المالية الدولية.

وختم حديثه لنا بالقول: “المطلوب الآن هو كشف الحقائق للرأي العام، وليس الاكتفاء بالحديث عن “أسباب حساسة” أو ما يدور في الكواليس. فإذا كانت هناك ضغوط سياسية أو خلافات حول الإنفاق العام أو تجاوزات في الصلاحيات، فينبغي أن تكون هناك مؤسسات رقابية وقضائية قادرة على التحقيق فيها”، كما طالب.

قراءة اقتصادية متخصصة

وفي محاولة لتقديم قراءة متخصصة للخطوة وكشف بعض الكواليس والتفاصيل تحدث “عربي21” مع الصحفي الاستقصائي الليبي المتخصص في الاقتصاد، محمد القرج، بصفته من المتابعين لأزمة المصرف المركزي منذ بدايتها، والذي أكد أن “استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي في هذا التوقيت لها دلالة كبيرة، لأنها تأتي في ظرف اقتصادي شديد الحساسية، ومعها رسالة واضحة بأن هناك أزمة أعمق داخل إدارة السياسة النقدية والعلاقة مع بقية مؤسسات الدولة، أما الحديث عن «أسباب حساسة»، فأعتقد أنه يشير إلى خلافات وضغوط مرتبطة بإدارة الملف المالي والنقدي والشفافية أكثر من كونه مرتبطا بملف أمني بعينه.

وحول ما تردد عن علاقة الاستقالة بقرار تغيير رئيس المخابرات العامة في ليبيا، قال القرج لـ”عربي21″: “في تقديري، لا توجد علاقة مباشرة بين الاستقالة وملف المخابرات العامة، هذا الملف ما يزال له شق قضائي وسياسي ومداولات أمام المحاكم، ولا أرى أن المصرف المركزي كان تحت ضغط حقيقي بسببه يفسر قرار الاستقالة.

نشر بيانات خطيرة في سبتمبر

وحول كواليس الاستقالة وما سبقها من خطوات، أكد الصحفي الليبي المطلع على ملف المصرف المركزي منذ سنوات أن “المصرف خلال الفترة الماضية استخدم في أحيان كثيرة سياسة إعلامية ودفاعية بدلاً من تقديم سياسة نقدية واضحة وشفافة، وكانت هناك محاولات من أطراف على صلة بالمصرف لإزالة منشورات ومقالات تنتقد أداءه، بل وإغلاق حسابات لصحفيين واقتصاديين انتقدوا غياب البيانات وغياب الشفافية.

وأضاف: “الضغط الحقيقي كان يتجه نحو كشف البيانات التي ظل المصرف يحجبها أو يتأخر في نشرها، خصوصاً بيانات الإيرادات والإنفاق واستخدامات النقد الأجنبي والجهات المستفيدة منه، وقبل الاستقالة بفترة قصيرة أعلن المحافظ أن هذه البيانات ستُنشر في سبتمبر المقبل، ثم جاءت الاستقالة بعد ذلك مباشرة.

لذلك أعتقد أن هذه النقطة مهمة جداً لفهم الكواليس: هناك ضغط متزايد لإجبار المصرف على كشف الصورة المالية الحقيقية، بينما كان المصرف يحاول إدارة الأزمة إعلامياً أكثر من معالجتها نقديا”، وفق معلوماته.

ضغوط سياسية وخروج آمن

طرحنا سؤالا حول الضغوط السياسية التي يمكن أن يكون تعرض لها المحافظ، وأوضح القرج أنه “من الطبيعي أن يكون منصب المحافظ عرضة لضغوط من أطراف سياسية وتنفيذية مختلفة، خصوصاً في دولة تعاني انقساماً مؤسسياً وإنفاقاً عاماً مرتفعاً وتنافساً على الموارد.

لكن لا أعتقد أن القضية يمكن اختزالها في ضغوط من سياسي أو جهة واحدة، بل هي أزمة أوسع بين السياسة النقدية والسياسة المالية وإدارة الإنفاق العام.

وتابع: أما اقتصاديا، فالاستقالة خطيرة لأنها تضرب الثقة في أهم مؤسسة مالية في البلاد. وإذا لم تتم إدارة الانتقال بسرعة ووضوح، فقد نشهد زيادة في الطلب على النقد الأجنبي، مزيداً من الضغط على سعر الصرف، توسعاً في المضاربة، وارتفاعاً إضافياً في الأسعار.

وختم الصحفي الاقتصادي الاستقصائي حديثه لـ”عربي21″ بالقول: “السؤال الأهم الآن ليس فقط لماذا استقال المحافظ؟، بل: ما الذي كان سيظهر في البيانات التي وعد بنشرها ناجي عيسى؟ وهل كانت الاستقالة محاولة للخروج الآمن قبل لحظة كشف الصورة المالية كاملة؟”، بحسب تساؤلاته وتصريحاته.

_____________

مبادرة بولس .. الفخ الأمريكي الثاني لليبيا

د. إسماعيل علي الشريف

” معظم محطات التغيير السياسي الكبرى في ليبيا يشكلها العامل الخارجي مستغلاً ومستثمراً في تعقيدات الوضع الداخلي نتيجة حالة غير مفهومة في ليبيا من الجهوزية للاستعمار.. ولا تنتبه النخبة ويدرك الشعب الليبي الأمر إلا متأخراً “.

مبادرة صهر الرئيس الأميركي ترامب ومستشاره للشئون الأفريقية مسعد بولس لحل الأزمة السياسية في ليبيا ليست استثناءًا من محطات استغفال ليبيا.. ظاهرها تسوية وخروج من المأزق لكن باطنها (فخاً) سيسقط الجميع من أطراف الصراع إلى النخبة إلى عموم الشعب في وحله لاحقاً.

فمقترح بولس هو إعادة ترسيم لدولة ليبية جديدة تُلغي الصيغة التأسيسية الثلاثية التاريخية (طرابلس وبرقة وفزان) وتُنهي دولة المركز في طرابلس وسيكون ثمن هذا التحول باهظاً ليس أقله حرباً وتفكيكاً لتماسك الدولة والأمة الليبية.

الوصفة الأميركية لليبيا: (1963) النفط مقابل الاحتواء

ما أن انتهى العِقد الأول لتأسيس الدولة الليبية أواخر العام عام 1951 حتى كان للولايات المتحدة الأميركية رأياً وقولاً ثقيلاً في إعادة هيكلة النظام السياسي آنذاك .. ففي عام 1963 وعلى وقع انضمام ليبيا لمنظمة (أوبك) كمُصدِّر للنفط كان الثمن لإعادة هيكلة قطاع النفط توافقاً مع رؤية ومصالح شركات النفط الأميركية وعلى رأسها شركة (ايسّو) هو الإجهاز على النظام الاتحادي وتقويض التجربة الفيدرالية والضغط باعتماد نظام سياسي وإداري شديد المركزية باحتواء المكونات الجغرافية الثلاث لليبيا.

وذلك بدعوى توحيد ليبيا وتهييج عواطف شعب قليل العدد والتجربة.. فلم تلبث ليبيا أن نزعت ثوب تصنيفها كأحد أفقر دول العالم حينها ولم يشتد عود مؤسساتها بعد للبدء في بناء الدولة حتى وقعت المملكة الليبية في الفخ الأميركي بتحويلها لدولة شديدة المركزية تعيد تشكيل حوكمة قطاعها النفطي ليتوافق مع رغبة الشريك النفطي الأميركي على حساب التوازن التنموي والإداري والعدالة الاجتماعية والشراكة السياسية المتوازنة بين أقاليمها التاريخية التي أنتجها تاريخ نضالي مشترك بين مكونات ليبيا الثلاث.

الوصفة الأميركية لليبيا (2026): النفط مقابل البقاء

للمفارقة.. الآن بعد 63 عاماً من فخ عام 1963 الأميركي تتربص الإدارة الأميركية مجدداً بالكيان الليبي بتصميم (الفخ) الثاني لليبيا في صورة مبادرة للحل وإنهاء الانسداد السياسي.

هذه المرة تبدو الإدارة الأميركية أكثر نعومة في المقاربة السياسية للحل عبر تسويق فرضية توحيد السلطة والتمهيد لتنظيم الانتخابات المؤجلة كطريق لاستقرار ليبيا ولكنها في الحقيقة أكثر توحشاً في تغليب حسابات المصالح الضيقة والفئوية وحتى (العائلية) بشكل غير مسبوق لسادة البيت الأبيض .

فقد ضربت عُصبة (ترامب) بعرض الحائط حاجة الدولة الليبية المفككة وشعبها المنهك للسلام والاستقرار أمام مغريات الصفقات والبِزنس ونهب الأموال والموارد.

تبدلت ليبيا كثيراً بين 1963 واليوم من حيث تماسك الدولة ووحدة الشعب وتطلعات الأمة.. لكن النوايا الأميركية تجاهها لم تتبدل فالحسابات الجيوسياسية والأمنية لم تبتعد عن ملف الطاقة والموارد والمعادن.

هذا النفط الذي كان وسيظل مصدر حياة ووحدة الليبيين ومصدر رخائهم سيظل أيضاً مصدر شقائهم وتفرقهم وحروبهم .. إنتاج النفط أنتج معادلة قاسية على الليبيين المنهكين فرضتها الطبيعة (المافيوزية) للمرحلة الانتقالية حيث تزاوجت الأدوات المنحرفة داخل السلطات المتعاقبة في ليبيا مع مصالح شبكات الفساد العالمي خلف صفقات ومبادرات وتسويات سياسية مزعومة في غياب أي تقدير وطني للمآلات الكارثية لهذا التزاوج.

العالم تحكمه المصالح وحينما تخفق دولة في حسابات السيادة فتلك مسئولية حكامها ونخبها وشعبها.. ليبيا اليوم (المترنحة) والمنقسمة والهشّة والعاجزة عن تقرير مصيرها صارت سهلة التشكيل والتوجيه حسب أهواء وأجندات القوى الدولية النافذة ذات الماضي الاستعماري والإمبريالي.

هناك حالة غريبة ومؤسفة للنخب الحاكمة في ليبيا من (الجهوزية) للاستعمار عبر البقاء في السلطة بأي ثمن.. ومن هذه الثغرة وبخلفيته التجارية وجذوره (الأوسطية) وفهمه للسلوك السياسي الليبي اخترق بولس الملف الليبي وصمم خطته بوسم إنهاء الانقسام وتوحيد السلطة التنفيذية والتمهيد لإنجاز الاستحقاقات الانتخابية.

خلق بولس الشرعية لخطته من مرتكز إخفاق كل المسارات لحل الأزمة سواء المحلية أو الإقليمية أو حتى مقترحات وخطط البعثة الأممية للدعم وهذا يحسب له.. لكن تقييم وفلترة مقترحاته من منظور وطني وواقعي يقود إلى جملة من الصعوبات الفنية والتحديات الإستراتيجية لتمريرها ويقوض فرص نجاحها.

فمبادرة بولس اصطدمت أولاً مع التاريخ والجغرافيا الليبية حيث أغفلت التأسيس ثلاثي الأقاليم للدولة الليبية الحديثة واستبدلت تلك الحقيقة بتحول بنيوي (راديكالي) بطرح صيغة ثنائية للحكم (مجلس رئاسي للشرق وحكومة للغرب) وطمس للجنوب وذلك تماهياً مع رغبات القوة الرئيسية المسيطرة على القرار الوطني في شرق ليبيا وغربها مقابل صفقات ومشروعات استثمارية وعقود تجارية ضخمة.

مبادرة بولس تبدو في ظاهرها قابلة للتطبيق بشكل أو آخر.. بالعصا أو الجزرة.. لكن المآلات ستكون وخيمة.. فصيغة بولس لم تعتمد مشاركة متعددة للأطراف السياسية والأخطر أنها لم تنتج عبر تفاهمات قطبي السلطة بل تم نسجها وتصميمها في غياب أي مستوى من الثقة والضمانات.

وبالتالي لن ينتظر أحد الطرفين طويلاً للانقضاض على الآخر ومحاولة الاستحواذ على السلطة واندلاع نزاع غير محكوم بأجل أو نتيجة وستدخل ليبيا مجدداً في فوضى أشرس من تجربة 2011.. وستكون فزان بما تملكه من جغرافيا وتاريخ وموارد مجرد مُكمِل (عددي) ضمن حسابات التسوية المحلية والدولية.

____________

القوانين أم الحسابات السياسية… من يعطل الانتخابات في ليبيا؟

كريمة ناجي

عضو مجلس الدولة “قوى الشرق والغرب لا رغبة لديها في انتخابات تنهي المراحل الانتقالية”.

في ظل تصاعد الحديث عن انتقال القرار الانتخابي إلى مسارات سياسية تتجاوز اختصاصات لجنة “4+4″، يقول المتخصص بالشؤون السياسية إن الانتخابات في ليبيا لم تعد مجرد استحقاق دستوري، بل أصبحت مشروعاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً متكاملاً، يرتبط بجملة من التفاهمات المعقدة، منها:

  • شكل السلطة التنفيذية المقبلة وتوزيع المناصب السيادية،
  • مستقبل القيادات العسكرية،
  • إدارة الموارد النفطية والضمانات الدولية المقدمة للأطراف المتنافسة،

وهذا يعني أن لجنة “4+4” أصبحت جزءاً من المشهد، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد فيه.

في الوقت الذي تتظافر فيه الجهود المحلية والأممية لتجاوز الخلافات حول القوانين الانتخابية بين مجلس الدولة ومجلس النواب،أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التوصل إلى اتفاق بشأن آلية تعيين رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وذلك خلال اللقاء السابع للاجتماع المصغر لمعالجة خريطة الطريق الأممية، والذي عُقد في العاصمة التونسية برئاسة الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه، التي أكدت أنه تمت مناقشة بنود مسودة الاتفاق النهائي، على أن تُستأنف المشاورات الأسبوع المقبل لاستكمال التفاهمات.

برزت تساؤلات حول مدى قدرة اللجنة المصغرة “4+4″على إنتاج تسوية سياسية تقود إلى عملية انتخابية، أم أن الأزمة الليبية جعلت القرار الانتخابي رهين توافقات داخلية ودولية تتجاوز صلاحيات هذه اللجنة؟

تفاهمات سياسية 

 وحول ما إذا كانت هذه اللجنة قادرة على إنهاء الانسداد السياسي في البلد المنقسم إلى سلطتين بسبب فشل الذهاب إلى انتخابات وطنية تقول عضو اللجنة الاستشارية لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عبير امنينة، إن المسار الانتخابي في ليبيا لم يعد محكوماً فقط بما تنتجه اللجان الفنية أو التشريعية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتفاهمات السياسية بين الفواعل الرئيسية. 

وتواصل امنينة حديثها مع “اندبندنت عربية” أنه من بين هذه التفاهمات، تلك التي تُجرى  بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والقيادة العامة في شرق البلاد، معتبرة أن الكل يعي أن أي تقدم في الملف السياسي أو الأمني أو الاقتصادي يتطلب قدراً من التنسيق بين هذين الطرفين، لأنهما يمثلان مركزين رئيسيين للقوة والنفوذ. 

وتوضح امنينة أن نجاح الانتخابات لن يعتمد فقط على جاهزية القوانين، وإنما على قدرة هذه القيادات على التوصل إلى تفاهمات تضمن قبول نتائج الانتخابات وعدم العودة إلى الانقسام أو الصراع.

تدوير الأزمة 

وبخصوص مدى قدرة مجلسي النواب والأعلى للدولة على لعب دور حاسم في إنهاء الانسداد الانتخابي عبر التوافق على القوانين، أم أن الملف أصبح يتطلب  تفاهمات تتجاوز المؤسسة التشريعية، يرى عضو مجلس الدولة عادل كرموس، أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا تسعي لحل الإشكالية الليبية إنما هي تسعي لكسب الوقت لحقيق أكبر استفادة من بقاء الأزمة. 

ويضيف أن البعثة تحاول تمديد دائرة المشاركة بتوسيع الحوار لكي تفقد المخرجات أي أساس دستوري نتيجة عدم إشراك الأجسام الشرعية بشكل مباشر، والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل الحوار المهيكل ونتائجه التى ستعرض على المجلسين، مشيراً أنه بهذا عدنا للنقطة صفر.

ويضيف عضو مجلس الدولة أن عضوي المجلس الأعلى للدولة في لجنة “4+4” ذكرا أنهما لا يمثلان المجلس، فيما ستعرض مخرجات اللجنة في ما بعد على المجلسين للموافقة، فالناتج في كل هذه اللقاءات هو المماطلة لأن قوى الأمر الواقع شرقاً وغرباً لا ترغب في حصول انتخابات تنهي المراحل الانتقالية وفق ما جاء على لسانه. 

صراع البقاء 

ويرى عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني، أن الإعلان عن توصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى اتفاق بشأن آلية تعيين رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، خلال الجولة السابعة من اجتماعات لجنة “4+4″، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تقدم إجرائي أو إنجاز تقني يتعلق بإدارة العملية الانتخابية، بل إنه يمثل حلقة جديدة في الصراع الدائر حول سؤال أكثر تعقيداً، وهو؛ من يملك حق صياغة المرحلة المقبلة في ليبيا، ومن يملك ضمانات البقاء فيها؟.

والأهمية التي تحظي بها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في عمل هذه اللجنة المصغرة يقول الباروني إنه في الظروف الطبيعية، يُنظر إلى المفوضية الانتخابية بوصفها مؤسسة فنية مستقلة تتولى تنظيم العملية الانتخابية والإشراف عليها.

لكن في الحالة الليبية، أصبحت هذه المؤسسة تمثل أحد أهم مفاتيح السلطة، لأن من يتحكم في قواعد العملية الانتخابية يمتلك تأثيراً مباشراً في نتائجها ومخرجاتها.

ويشير إلى أن الصراع حول رئاسة المفوضية لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بخمس قضايا رئيسية على رأسها تحديد معايير الترشح للانتخابات، وإدارة سجل الناخبين والإشراف على مراحل العملية الانتخابية، وإعلان النتائج النهائية، والتعامل مع الطعون والنزاعات القانونية، منوهاً إلى أن السيطرة على مفاصل العملية الانتخابية أصبحت جزءاً من الصراع على السلطة نفسها.

وفي ما يخص قدرة لجنة “4+4” على إنتاج تسوية سياسية، يقول المتخصص بالشؤون السياسية إنه للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى طبيعة هذه اللجنة وأهدافها، حيث أُنشئت اللجنة بوصفها آلية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية بشأن القوانين الانتخابية.

لكنها وجدت نفسها أمام أزمة أكبر بكثير من نطاق اختصاصها فالأزمة الليبية اليوم تتجاوز قضية الانتخابات إلى مجموعة من الملفات المعقدة، من بينها؛ توحيد المؤسسة العسكرية وإعادة توزيع الموارد النفطية ومعالجة الانقسام الحكومي وتحديد شكل النظام السياسي ومعالجة قضية الوجود العسكري الأجنبي وإعادة هيكلة المؤسسات السيادية، ومن هنا، فإن قدرة اللجنة على تحقيق اختراق سياسي حقيقي تبدو محدودة للغاية.

تعطل الاتفاقات 

ويربط الباروني تعثر المسارات السابقة واستمرار الأزمة بمجموعة من الأسباب الجوهرية من أبرزها؛ غياب الثقة المتبادلة، فكل طرف ينظر إلى الانتخابات بوصفها وسيلة لتعزيز نفوذه السياسي، وليس باعتبارها آلية للتداول السلمي على السلطة.

ويضيف أن تضارب المصالح الداخلية له تداعيات أيضاً على فشل الانتخابات، فالقوى السياسية والعسكرية الموجودة حالياً تخشى أن تؤدي الانتخابات إلى إعادة تشكيل موازين القوى القائمة. ويعتبر أن تعدد مراكز النفوذ هو الآخر من أبرز العوامل المساهمة في تعطيل الاتفاقات.

فالمشهد الليبي لم يعد قائماً على طرفين رئيسيين فقط، بل أصبح يضم شبكة واسعة من القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية.

أما العامل الرابع فيقول الباروني إنه يتمحور حول تضارب المصالح الدولية، باعتبار أن لكل دولة فاعلة في الملف الليبي أولوياتها الخاصة، سواء تعلق الأمر بالطاقة أو الأمن أو النفوذ الجيوسياسي أو الهجرة غير النظامية.

وإجابة على سؤال ما الذي تحاول بعثة الأمم المتحدة تحقيقه، يقول عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إن البعثة الأممية تسعى إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية :

منع انهيار العملية السياسية،

والحفاظ على الحد الأدنى من التوافق بين الأطراف المتنازعة

وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات

وبناء إطار سياسي جديد لإدارة المرحلة المقبلة.

ويستدرك الباروني أن المشكلة الأساسية تكمن في أن البعثة لا تمتلك أدوات تنفيذية حقيقية، بل تعتمد أساساً على قدرة الأطراف الليبية على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه.

السيناريوهات 

في ظل تصاعد الحديث عن انتقال القرار الانتخابي إلى مسارات سياسية تتجاوز اختصاصات لجنة “4+4″، يقول المتخصص بالشؤون السياسية إن الانتخابات في ليبيا لم تعد مجرد استحقاق دستوري، بل أصبحت مشروعاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً متكاملاً، يرتبط بجملة من التفاهمات المعقدة، منها:

شكل السلطة التنفيذية المقبلة وتوزيع المناصب السيادية، مستقبل القيادات العسكرية، إدارة الموارد النفطية والضمانات الدولية المقدمة للأطراف المتنافسة، وهذا يعني أن لجنة “4+4” أصبحت جزءاً من المشهد، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد فيه.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يلفت الباروني إلى أن:

السيناريو الأول يتمحور حول نجاح المسار السياسي، إذ يقضي هذا السيناريو بالتوصل إلى اتفاق شامل يمهد لإجراء الانتخابات، وهو الاحتمال الأقل ترجيحاً في الوقت الراهن.

السيناريو الثاني يتمثل في استمرار حالة الجمود، إذ تستمر فيه الاجتماعات والتفاهمات الجزئية من دون الوصول إلى حل نهائي، وهو السيناريو الأكثر احتمالاً وفق كلامه.

السيناريو الثالث، يكون عبر الانتقال إلى صيغة سياسية جديدة، ويتضمن إعادة تشكيل المؤسسات الحالية أو إنشاء أجسام سياسية جديدة تتولى إدارة المرحلة الانتقالية، بحسب رأيه. 

ويختم الباروني قائلاً بأن، الجولة السابعة للجنة “4+4” تؤكد أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة قوانين انتخابية أو ترتيبات إدارية، وإنما أصبحت أزمة تتعلق بطبيعة الدولة الليبية نفسها، وبشكل السلطة فيها، وبحدود النفوذ المحلي والدولي داخلها، مشدداً أنه في الحالة الليبية، لا تبدو الانتخابات بداية الحل، بل تبدو في كثير من الأحيان النتيجة النهائية لتسوية سياسية شاملة لم تتشكل ملامحها الكاملة بعد.

________________

الجنوب الليبي بعد سنوات من قبضة حفتر: أسئلة السيطرة والتحالفات

أسامة علي

يعيش الجنوب الليبي منذ مطلع العام الحالي على وقع توتر أمني متصاعد، أعاد إلى الواجهة أسئلة بدت محسومة قبل أشهر: من يسيطر فعلياً على هذه المنطقة الشاسعة؟ وهل تعكس الهجمات التي سجّلت خلال العام الحالي، تحديات أمنية فقط، أم أنها تكشف حدود السيطرة التي تعلنها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وسط بروز أصوات قبلية واجتماعية معارضة لسياساته في الجنوب؟

وحتى نهاية عام 2025، كان الخطاب الرسمي لـ”القيادة العامة” التابعة لحفتر يقدّم الجنوب الليبي باعتباره منطقة مستقرة أمنياً وخاضعة بالكامل لسيطرته، عقب حملة عسكرية واسعة قادها نجله صدام حفتر في فبراير/ شباط من العام ذاته استهدفت مدينة القطرون، معقل قبائل التبو المتاخم للحدود مع النيجر، وانتهت بإخضاع المدينة لسيطرة قواته وإنهاء آخر بؤر التوتر في الجنوب الليبي.

غير أن هذه الصورة سرعان ما تعرضت للاهتزاز مع مطلع عام 2026، عندما أعلنت مجموعات مسلحة من قبائل التبو ظهورها تحت مسمى “غرفة عمليات تحرير الجنوب”، وتمكنت في أول تحرك لها من السيطرة لساعات على منفذ التوم الحدودي مع النيجر، الخاضع لسيطرة حفتر، وواصلت خلال الأشهر التالية تنفيذ هجمات خاطفة على مواقع عسكرية، آخرها مهاجمة حاجز أمني شمال قاعدة لويغ الجوية، في يوليو/ تموز الماضي، والسيطرة عليه لساعات. وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة التي أجرتها قيادة حفتر لتعزيز وجودها العسكري في الجنوب الليبي وإعادة تنظيم انتشارها في المنطقة، أبرزها إنشاء تشكيل جديد حمل اسم “اللواء 18 مشاة”، واتخذ من مدينة مرزق، الأقرب إلى الجنوب الغربي، مقراً رئيسياً له وضمّ إليه جميع كتائب القيادة في المنطقة، فإن استمرار نشاط مقاتلي “الغرفة” وقدرتهم على الحركة وتنفيذ الهجمات أظهر أن إعادة الهيكلة العسكرية لم تنه حالة الهشاشة الأمنية. استعان حفتر في سيطرته على الجنوب الليبي بقبيلتي التبو وأولاد سليمان

“غرفة عمليات تحرير الجنوب الليبي“

ويقود هذه “غرفة عمليات تحرير الجنوب” محمد وردقو، وهو ضابط سابق من قبائل التبو، أنشأ منذ عام 2012 كتائب عدة شاركت في تأمين الجنوب، قبل أن ينضم إلى اللواء 128 مشاة، الذي تشكل مع اتجاه حفتر لبناء تحالفات قبلية في جنوب ليبيا عام 2016. وشارك وردقو من خلال اللواء في عمليات قتالية لمصلحة حفتر في سبها وعلى الحدود الجنوبية، وظلّ فاعلاً إلى أن أصدر حفتر قراراً بحل اللواء 128 مشاة في يناير/ كانون الثاني 2025، وإقالة قائده حسن الزادمة، الذي مثّل لسنوات أبرز أذرعه العسكرية القبلية في الجنوب.

وتكشف الانتماءات القبلية للضابطين، دردقو والزادمة، عن خلفية اجتماعية أكثر تعقيداً، إذ شكلت قبيلة التبو (مجموعة قبائل عرقية هي من إحدى أبرز قبائل ليبيا القديمة) التي ينتمي إليها وردقو، وقبيلة أولاد سليمان (من كبرى القبائل العربية في ليبيا) التي ينتمي إليها الزادمة، ركناً أساسياً في تحالفات حفتر داخل الجنوب الليبي خلال السنوات الماضية. وبعد إقالته، لجأ الزادمة إلى القطرون، وكان وجوده هناك أحد دوافع الحملة العسكرية التي قادتها قوات حفتر على المدينة في فبراير 2025، لإنهاء أي محاولة منه لبناء تحالفات جديدة، بما يعكس أن التحديات التي باتت تواجه حفتر تجاوزت البعد العسكري وامتدت إلى البنية الاجتماعية التي كان قد استند إليها في ترسيخ نفوذه خلال السنوات الماضية.

خزّان الاقتصاد الموازي

ولا تنبع أهمية الجنوب الليبي من اعتبارات الأمن والعسكر وحدها، بل أيضاً من ثقله الاقتصادي والاستراتيجي. فالإقليم، الذي يشكل نحو ثلث مساحة ليبيا، لا يتجاوز عدد سكانه نصف مليون نسمة، ويضم أكبر الحقول النفطية في البلاد (منها حقلا الفيل والشرارة). كذلك تنتشر بمحاذاة حدوده مع تشاد والنيجر والسودان مكامن ذهب يستخرج معظمها خارج الأطر الرسمية، لتغذي اقتصاداً موازياً ينمو منذ سنوات. وتبدو هذه الاعتبارات مجتمعة وراء سعي حفتر، بالتوازي مع تعزيز حضوره العسكري، إلى ترسيخ خطاب التنمية والإعمار عبر إطلاق سلسلة من المشاريع في الجنوب الليبي تحت عنوان “المبادرة التنموية لتعزيز استقرار الجنوب”.

ويوضح الخبير العسكري والمستشار السابق للقائد الأعلى للجيش الليبي، عبد الكافي، أن خريطة الانتشار العسكري في الجنوب تقوم على عدد من القواعد الرئيسية، أبرزها قاعدة الجفرة التي تمثل مركز الثقل العسكري واللوجستي في وسط البلاد، وقاعدة براك الشاطئ القريبة من سبها، أكبر مدن الجنوب، وقاعدة السارة المحاذية للحدود مع تشاد والسودان، إضافة إلى قاعدة لويغ الجوية في أقصى الجنوب الغربي.

عبد الكافي: قواعد الجنوب الليبي تشغلها قوات روسية إلى جانب كتائب محدودة تابعة لحفتر

ويشير الكافي، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن هذه القواعد تشغلها قوات روسية إلى جانب كتائب محدودة تابعة لحفتر تتولى مهام الحماية والتأمين، باستثناء قاعدة لويغ، معتبراً أن “الوجود الروسي يمثّل عنصر الثقل العسكري لحفتر، ولذلك كان سهلاً على قوة غرفة عمليات الجنوب استهداف بوابة شمال قاعدة لويغ لعدم قدرة حفتر على تعزيز قوته في هذه القاعدة الخالية من الوجود الروسي”.

ويرى عبد الكافي أن حفتر حاول معالجة هذا الضعف عبر جعل اللواء 18 مشاة يتمركز في مرزق للإشراف على الجنوب الغربي، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن “غرفة تحرير الجنوب” نجحت في فرض وجود ميداني عبر اعتمادها على الهجمات الخاطفة، وأظهرت هشاشة سيطرة حفتر على الجنوب الغربي، وفق رأيه.

ويرجح الخبير العسكري أن تزداد قدرة “الغرفة” على الحركة بسبب عاملين رئيسيين: أولهما معرفتها بجغرافيا الصحراء ومسالكها ونقاط الضعف في الانتشار العسكري، وثانيهما امتلاكها امتدادات اجتماعية على جانبي الحدود الجنوبية. كذلك يستند في تقديره هذا إلى ضعف علاقات حفتر مع دول الجوار، موضحاً أن “علاقته مع تشاد شهدت تطوراً خلال الفترة الأخيرة مع تعدد زيارات صدام حفتر لأنجامينا، لكن العلاقة مع السودان سيئة بسبب دعمه قوات الدعم السريع، وتوترت مع النيجر أخيراً بعد إفراج قيادة حفتر عن المعارض النيجري محمود صالح” منتصف يونيو/ حزيران الماضي.

حالة أوسع من الاعتراض

ويتقارب الصحافي الليبي المتخصص في شؤون الجنوب، موسى تيهوساي، مع تقدير الخبير العسكري عبد الكافي بشأن قدرة “غرفة تحرير الجنوب” على فرض نفسها ميدانياً، لكنه يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أنها أصبحت تمثل “خطراً حقيقياً” على نفوذ حفتر في الجنوب، ومشيراً إلى أن البعد الاجتماعي لحراكها لا يقل أهمية عن بعدها العسكري.

وفي حديثه لـ”العربي الجديد”، يشرح تيهوساي أن تحرك وردقو، قائد الغرفة، “يعكس حالة أوسع” لدى قبائل وشخصيات عسكرية ترى أنها تعرضت لـ”ظلم وقع عليها، بعدما شعرت بأن حفتر استغلها لتوسيع نفوذه ثم أقصاها، ولهذا فإن نجاح وردقو في فرض نفسه قد يشجع آخرين على الانضمام إليه”. ويلفت إلى أن وردقو “حرص منذ البداية على إضفاء بعد اجتماعي على الغرفة عندما اختار اسمها، بل إن بيانها التأسيسي أكد أنها تُعبّر عن مظالم فئات اجتماعية واسعة في الجنوب ترى أنها مهمشة أو مضطرة إلى الصمت أمام السلاح والقوة”.

ويلفت تيهوساي إلى أن “هذه الخلفية ترتبط أساساً بطبيعة التركيبة القبلية في الجنوب، التي ترفض الهيمنة الكاملة وتطالب بالمشاركة في إدارة مناطقها”، معتبراً أن هذه الطبيعة الاجتماعية كانت أحد أسباب تراجع العلاقة بين تلك المكونات وحفتر.

موسى تيهوساي: نجاح وردقو في فرض نفسه قد يشجع آخرين على الانضمام إليه

ويرى تيهوساي أن الغرفة نجحت “في كسر الصورة النمطية التي سعت قيادة حفتر لترسيخها بشأن إحكام السيطرة على الجنوب”، معتبراً أن خطاب الغرفة “قد يتجاوز حدود المجموعة المسلحة، إذا استمر تعنت حفتر، ليتحول إلى صوت لحالة أوسع من الاعتراض على إدارة الجنوب بمنطق الهيمنة العسكرية الكاملة”.

ويلفت إلى متانة العلاقات القبلية في المنطقة، مستشهداً بمحاولة حفتر محاصرة تحركات الغرفة عبر تشجيع بعض الأطراف المعارضة في النيجر، ومن بينها محمود صالح، الذي كان معتقلاً لدى قواته قبل أن يطلق سراحه، في يونيو الماضي، ويزوده بالسلاح، إلا أن الأخير لم ينخرط في مواجهتها، لكونه ينتمي أيضاً إلى التبو. ويشير إلى محاولات أخرى قام بها حفتر لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية في الجنوب، من بينها إنشاء “لجنة إعادة تنظيم الجنوب” نهاية العام الماضي، وتكليف ضابط باختيار قيادات قبلية جديدة موالية له، معتبراً أن هذه المحاولة لم تنجح بسبب مقاومة البنية القبلية التقليدية لهذا النوع من التدخل.

وعلى الرغم من إقراره بأن الغرفة تواجه تحديات تتعلق بضعف مصادر الإمداد والقدرات العسكرية، يرى تيهوساي أنها باتت تشكل “خطراً محدقاً” على حفتر من خلال “النصر التكتيكي القصير” الذي تحرزه. ويعرب عن اعتقاده، في هذا السياق، بأن استمرار التوتر الأمني قد يكشف بصورة أكبر حدود السيطرة التي تعلنها قيادة حفتر، خصوصاً في ظل مساعي المبادرة الأميركية الرامية، في مسارها العسكري، إلى إنشاء قوة أمنية مشتركة بين الشرق والغرب لتأمين الجنوب، بما قد يضع حفتر في موقف حرج إذا استمر عجزه عن فرض سيطرة كاملة على المنطقة.

_________________

أحزاب ليبيا بعد 15 عاما من سقوط القذافي .. ما دورها وقدرتها على التغيير؟

علاء فاروق

بعد أحداث 2011 في ليبيا صدر قانون ينظم الحياة الحزبية في ليبيا ويسمح بتشكيل أحزاب سياسية، وبعدها نشأت عشرات الأحزاب ذات توجهات مختلفة وظهر تنافسهم خلال أول انتخابات أجريت في ليبيا للمؤتمر الوطني العام. 

ثم توسعت الحياة الحزبية ووصل عدد الأحزاب، طبقا لإحصاءات غير رسمية، إلى 95 حزبا سياسيا رسميا، لكن رغم هذا العدد الكبير لا يوجد دور فاعل وواضح لكل هذه الأحزاب، وينشط في الساحة السياسية والتنافسية والحكومية عدد قليل من الأحزاب يكاد ينحصر بين حزبين فقط، الأول ذو توجه إسلامي وهو حزب العدالة والبناء والآخر ليبرالي تحت مسمى تحالف القوى الوطنية والباقي مجرد أحزاب صورية لا مقرات ولا قوة حقيقية. 

الأحزاب في عصر القذافي 

وفي عهد القذافي لم تعرف الدولة الليبية العمل الحزبي ولم تمارسه، بل تم تجريم الحزبية في ليبيا عبر قرار رسمي من القذافي تحت شعار “من تحزب خان”، وحتى قبل القذافي وفي عهد الملك محمد إدريس السنوسي لم تكن هناك حياة حزبية. 

وفي عهد القذافي الذي امتد 42 عاما تم رفض التعددية الحزبية واعتبار الانتماء للحزب خيانة للوطن وللإرادة الشعبية المباشرة، وفق ما ورد في الجزء الأول من “الكتاب الأخضر” للقذافي، والذي اعتبر أن الحزب السياسي هو أداة ديكتاتورية مقنعة تمزق المجتمع وتخدم مصالح ضيقة على حساب الشعب، وأن البديل المناسب لليبيا هو الدعوة إلى “سلطة الشعب” عبر المؤتمرات الشعبية الأساسية واللجان الشعبية بدلا من البرلمانات. 

بداية العمل الحزبي قانونيا 

وبعد مقتل القذافي وانتهاء عصره، وفي فترة المجلس الوطني الانتقالي المؤقت صدر قانون رقم (29) لسنة 2012 بشأن تنظيم الأحزاب السياسية، ونص في المادة (2) من مواده على أن “الحزب هو كل تنظيم سياسي، يتألف باتفاق بين جماعة من الليبيين، يؤسس وفقاً لأحكام هذا القانون، ويدير نشاطه بشكل علني بالوسائل السلمية والديمقراطية بهدف المساهمة في الحياة السياسية، لتحقيق برامج محددة ومعلنة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بقصد المشاركة في مسؤوليات الحكم وتداول السلطة وفقاً لقانون الانتخابات العامة. 

وفي المادة (3) نص على: للمواطنين الليبيين حق تأسيس الأحزاب السياسية والانتساب إليها وفقا لأحكام هذا القانون، ولا يجوز للمواطن أن يكون عضوا في أكثر من حزب في الوقت ذاته. 

أما مادته الـ(4) فنصت على: “تسهم الأحزاب السياسية في تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وتعمل على توعية المواطنين وتمثيلهم سياسيّا”. 

ومنذ إصدار هذا القانون بدأت الأحزاب في الظهور والمشاركة جزئيا في الحياة السياسية، لكنها ليست بالقوة ولا القدرة على التغيير أو المعارضة، وظلت الحياة الحزبية لسنوات مقتصرة على حزبي: العدالة والبناء (إسلامي) وحزب تحالف القوى الوطنية (ليبرالي)، لكن مع بداية الترشح للانتخابات الرئاسية ظهرت أحزاب أخرى قدمت مرشحا باسمها. 

“عربي21” تحاول تقديم قراة وتحليل للتجربة الحزبية في ليبيا من حيث قوة وتواجد الأحزاب فعليا وتوجهاتها، ومدى قدرة هذه الأحزاب على إحداث تغيير في التجربة السياسية سواء بالمعارضة أو المساهمة في تشكيل الحكومات وغيرها من المناصب، وذلك عبر استعراض أشهر الأحزاب المتصدرة للمشهد في ليبيا حاليا. 

الأحزاب.. أعداد كبيرة وتأثير ضعيف 

تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد الأحزاب المتحصلة على إذن مزاولة العمل السياسي يقارب 86 حزبا حتى 2025، لكن جزء كبير منها غير مفعل في الوقت الحالي، وأغلبها تأسس على عجل في 2012 للمشاركة في الانتخابات حينها، وبعد تعثر الانتخابات توقف كثير من هذه الأحزاب ليصل عدد الأحزاب النشطة فعليا حوالي 20 حزبا، شارك بعضها في الانتخابات السابقة، بينما انخرط آخرون في ترتيبات الاستحقاق الانتخابي الذي كان مقررًا في 24 ديسمبر 2021، قبل أن تؤجل العملية حتى وقتنا الحالي، ثم اقتصر العمل الحزبي على عدد قليل جدا من الأحزاب التي لا زالت تنشط في المشهد.

وبعد تفعيل قانون الأحزاب وتشكيلها.. شهدت ليبيا تأسيس عشرات الأحزاب ذات مرجعيات مختلفة متنوعة بين إسلامي، ومدني، وليبرالي، مستقل.. ومن أبرز هذه الأحزاب التي لا زال لها نشاطات وفاعليات ومشاركة في الحياة السياسية: 

حزب تحالف القوى الوطنية 

وهو تحالف سياسي ليبي ذو توجه مدني ليبرالي، تأسس في فبراير 2012 بقيادة رئيس الوزراء الأسبق، محمود جبريل، ويضم مجموعة من الأحزاب والمنظمات، وتصدّر انتخابات المؤتمر الوطني العام عام 2012، متقدما على حزب العدالة والبناء ذو التوجه الإسلامي.

ويدعم الحزب الدولة المدنية الديمقراطية، ويتبنى اقتصاد السوق والخصخصة ويدعو إلى “لامركزية” الإدارة وتوزيع صلاحيات أوسع للمجالس المحلية. 

وظل الحزب لسنوات متصدرا المشهد في ليبيا عبر ممثليه في المؤتمر الوطني ثم المجلس الأعلى للدولة وكذلك المجالس المحلية إلا أنه تراجعت شعبيته جدا بعد وفاة مؤسسه ورئسيه “محمود جبريل”، وانعدمت نشاطاته حتى توارى تماما عن المشهد ولم يُرى له أية فاعليات خلال السنوات الماضية إلا مشاركات متواضعة في ندوات أو مؤتمر الأحزاب الأخير.

حزب العدالة والبناء 

وهو حزب سياسي ليبي قُدم في بدايته بأنه ذو مرجعية إسلامية وأنه الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، تأسس في مارس 2012، وانُتخب محمد صوان رئيساً أولاً له حتى عام 2021، ثم خلفه عماد البناني، ليصبح فيصل الصافي رئيساً للحزب في يوليو 2025، ويُصنف كحزب إسلامي سياسي، رغم إصرار قياداته على هويته المدنية المنظمة وأنه حزب مدني مفتوح للجميع، ومنفصل إداريا وتنظيميا وماليا عن الإخوان الذين يمثلون في عضوية الحزب نسبة لا تزيد على 15%، وأن الحزب يضم مستقلين لا يحملون أي توجهات أيديولوجية معينة، ويهدف إلى دعم الاستقرار السياسي وبناء مؤسسات الدولة والمشاركة في الانتخابات العام.

وينطلق الحزب، وفق قرار تأسيسه، من مبادئ عامة أهمها الالتزام بالقيم والمبادئ الإسلامية وبالشريعة الإسلامية بصفتها المصدر الرئيسي للتشريع، ويؤكد انحيازه للوسطية والاعتدال وتجنب كل أسباب الغلو في الفكر والسلوك. ويؤكد على إرساء قواعد دولة الدستور والمؤسسات، وتأسيس مبادئ العدل والمساواة بين أفراد الشعب، وترسيخ منهج التوافق السياسي والمجتمعي.

وشارك الحزب بقوة في انتخابات المؤتمر الوطني العام التي جرت في يوليو/تموز 2012، وجاء في المرتبة الثانية بحصوله على 17 مقعدا من أصل 80 مخصصة للأحزاب السياسية، وذلك بعد تحالف القوى الوطنية الذي حل في المرتبة الأولى بحصوله على 39 مقعدا. 

حزب ليبيا الكرامة 

وهو تنظيم سياسي اعتمد اسمه من العملية العسكرية التي أطلقها المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا، وهو حزب داعم لحفتر والقيادة العامة، وتم الإعلان رسمياً عن تأسيس الحزب في أغسطس عام 2021 خلال مؤتمر إشهار عُقد في مدينة بنغازي شرق ليبيا، ويرفع شعار: “استقرار – عدالة – تنمية”.

ومن الأهداف الأساسية للحزب: ترسيخ الديمقراطية كونها الركيزة الأساسية للحكم، وأن تكون ليبيا دولة ذات نظام إداري لامركزي أساسها التوازن بين مختلف المناطق، وليبيا دولة واحدة كاملة السيادة، ويؤكد الحزب على أحقية الأفراد في التعبير عن آرائهم بما ينص عليه الدستور وأن لكل فرد في المجتمع حق المشاركة في الحياة السياسية، ويؤمن الحزب بالحقوق والحريات السياسية الهادفة إلى المشاركة الشعبية في الشأن العام. 

حزب الجبهة الوطنية 

وهو حزب سياسي ليبرالي ديمقراطي تأسس في مايو 2012 كامتداد لـ “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” المعارضة لحكم القذافي سابقا، ويقع مقره الرئيسي في مدينة طرابلس، وتأسس الحزب عندما قررت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا (المؤسسة عام 1981) الانتقال إلى حزب سياسي في مايو 2012 خلال مؤتمرها بمدينة بنغازي، وترأس الحزب تأسيسياً “محمد المقريف”، الذي انتخب لاحقاً رئيساً للمؤتمر الوطني العام في عام 2012.

ويتبنى الحزب توجها سياسيا ليبراليا وتقدميا وسطيا، ويدعم إقامة دولة ديمقراطية حديثة ونظاماً برلمانياً مع درجة من اللامركزية، ويرفض النظام الفيدرالي، ويركز على دعم الأمن، والتنمية الاقتصادية، وحقوق المرأة، ومحاسبة رموز النظام السابق كشرط للمصالحة الوطنية. 

حزب الوطن 

 هو حزب سياسي ليبي يصنف على أنه ذو مرجعية إسلامية، تأسس رسمياً في العاصمة طرابلس في منتصف عام 2012، ويقوده عبد الحكيم بلحاج، وهو قائد عسكري سابق ورئيس المجلس العسكري لطرابلس سابقا، ويضم في عضويته نشطاء سياسيين وأعضاء سابقين في الجماعة الليبية المقاتلة وتيارات إسلامية ومدنية أخرى.

ويعرّف الحزب نفسه بأنه حزب مدني وطني ذو مرجعية إسلامية، ويدعو إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، كما يدعم قيام نظام ديمقراطي معتدل يحمي حقوق ومكتسبات جميع المواطنين ويضمن التعددية السياسية. 

حزب السلام والازدهار 

حزب السلام والازدهار يعرف نفسه بأنه حزب سياسي وطني، مقره الرئيسي بمدينة طرابلس، وتأسس في عام 2021 وحدد الحزب رؤيته المستقبلية، في أن تكون ليبيا دولة حديثة ترقى إلى مصافي الدول المتقدمة بأبنائها متسلحين بالعلم والمعرفة، ومن ضمن أهدافه: خلق مناخ من السلام والاستقرار معززا محليا بشرعية الإنجاز، والعمل بشكل مهني محترف لتحقيق الأهداف المرسومة في إطارها الزمني بمشاركة مجتمعية واسعة، وكذلك العمل على أن تحقق ليبيا أعلى مؤشرات الاستقرار والأمان والنمو والتنمية والحوكمة وسيادة القانون، وفق صفحته الرسمية.

حزب التغيير 

تأسس عام 2012 ويرأسه الناشط، جمعة القماطي، ويهدف الحزب إلى دعم المسار الديمقراطي وبناء دولة مؤسسات حديثة في ليبيا، ومقره العاصمة ويشارك الحزب في الحوارات السياسية ومنتديات الأحزاب الليبية ويسعى لإيجاد حلول سلمية للانسداد السياسي، وفق مؤسسوه.

أما باقي الأحزاب فلم تتوفر لها معلومات كافية ولا أنشطة، كما أن بعضها انخرط في تحالفات شملت عدة أحزاب، ففي عام 2022 مثلا انخرط 14 حزباً سياسياً في تحالف جديد تحت اسم “الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية”، وإلى جانب هذا الاتحاد يوجد في ليبيا 6 تحالفات، هي:

  • الحراك الوطني للأحزاب الليبية
  • رابطة الأحزاب الليبية
  • التجمع الوطني للأحزاب الليبية
  • تنسيقية الأحزاب السياسية الليبية
  • تجمع الأحزاب الليبية
  • شبكة الأحزاب الليبية

وكلها عبارة عن أحزاب صغيرة ليس لها دور نشط في المشهد العام.

التجربة الحزبية

وفي محاولة للوقوف على التجربة الحزبية في ليبيا ومستقبل العمل الحزبي هناك، التقت “عربي21” مع شخصيتين من حزبين مختلفين:

الأول هو رئيس حزب إعمار ليبيا، عبد الحكيم بعيّو والذي أكد أنه “بعد 15 عاما من الثورة يمكن القول إن التجربة الحزبية في ليبيا حققت بعض النضج وبدأ يتشكل وعي لدى جزء من المواطنين بأهمية العمل الحزبي ودوره في بناء الدولة، لكن هذا النضج لا يزال دون المستوى المطلوب بسبب الانقسام السياسي وغياب الاستقرار وضعف البيئة التي تمكن الأحزاب من العمل بحرية”.

وأضاف بعيو لـ”عربي21″: “الأحزاب الليبية قادرة على المساهمة في صناعة الرأي العام والمعارضة متى توفرت المنافسة العادلة واحترام القانون والإرادة الشعبية وما تحتاجه ليبيا اليوم هو تعزيز الثقافة الحزبية لأنها جزء أساسي من أي دولة ديمقراطية مستقرة”، وفق كلامه.

صراع خشن وشيطنة للأحزاب 

الثاني هو رئيس المكتب السياسي لحزب التغيير الليبي، موسى تيهوساي وأكد فيه أنه “لم تكن الأحزاب جزء من السلطة الحاكمة في ليبيا منذ العام 2015 بعد تحول الخلافات إلى صراع خشن على السلطة بدعم خارجي سخي كان يهدف إلى تعطيل أي تجربة ديمقراطية في البلاد بما في ذلك التجربة الحزبية”.

ورأى في حديثه لـ”عربي21″ أن “مراكز القرار وأدوات التغيير تحولت إلى القوة الخشنة ما أدى إلى تراجع دور الأحزاب إلى شبه مجمدة باستثناء بيانات سياسية لا يسمعها أحد مع ترحيل حكومات الأمر الواقع فشلها إلى التجربة الحزبية الوليدة التي كانت مؤثرة فقط لمدة سنتين تقريبا من بعد الثورة”.

وتابع: “تم شيطنة الأحزاب بشكل ممنهج فضلا عن عدم وجود أي تجربة سابقة للأحزاب في ليبيا، لذلك لا يمكن الحكم على التجربة الحزبية في ليبيا بشكل دقيق في ظل الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد، والطريقة الوحيدة للحكم عليها هي وجود الانتخابات وإعطاء الأحزاب مساحتها الطبيعية لما في ذلك من ضمان تكافؤ الفرص أمام انتشار المال الفاسد بين مختلف النخب الحاكمة في ليبيا منذ عقد من الزمان، ويمكن فعلا للأحزاب أن تكون مؤثرة وتلعب دورا محوريا في حل الأزمة السياسية في البلاد لأنها الوحيدة التي يوجد فيها تنوع طبيعي وليست مبنية على أساس قبلي وجهوي”، وفقا لتقديراته.

____________

صفقة مشبوهة: جهود أميركية لتوحيد مؤسسات ليبيا تواجه مقاومة متصاعدة

ادريس رجيحي


تصاعدت المعارضة للزعيمين المتنافسين المدعومين من واشنطن، عائلتي الدبيبة وحفتر، مما زاد من حالة عدم الثقة تجاه مبادرة المبعوث الأميركي مسعود بولس.

بعد مرور شهر على ما قد تكون أهم مهمة دبلوماسية إلى ليبيا منذ توليه منصبه في المنطقة، لا يزال المبعوث الأميركي مسعود بولس يثير تساؤلات حول أهداف واشنطن.

في وقت سابق من هذا الشهر، التقى المستشار البارز للرئيس دونالد ترامب لشؤون العرب والشرق الأوسط بعشرات المسؤولين الليبيين من مختلف الفصائل المتناحرة في البلاد، خلال جولة دبلوماسية كان من المتوقع على نطاق واسع أن تمهد الطريق لإعلانات كبرى.

وبعد لقاءاته مع الدوائر المقربة منهم في مالطا يوم 6 يوليو/تموز، عقد بولس محادثات وجهاً لوجه مع القادة المتنافسين في ليبيا: رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة في طرابلس يوم 7 يوليو/تموز، والمشير خليفة حفتر في بنغازي في اليوم التالي.

والجدير بالذكر أن مبعوث الرئيس الأميركي التقى أيضاً بعدد من اللاعبين الأقوياء غير المنتمين لأي من المعسكرين، مثل محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، وأعضاء مجلس الحكماء في مدينة مصراتة الغربية ذات النفوذ.

ومع ذلك، لم تظهر أي خريطة طريق واضحة لما وصفه الدبلوماسي الأميركي مراراً بـ”جهود التوحيد” خلال زيارته، وهي خطة باتت تعرف الآن باسم “مبادرة بولس”.

في سبتمبر/أيلول الماضي، صرح بولس علناً بأن واشنطن ستعمل بنشاط على تعزيز توحيد المؤسسات الليبية، المنقسمة منذ اندلاع الحرب الأهلية الثانية في البلاد عام 2014، في أعقاب الإطاحة بالحاكم طويل الأمد معمر القذافي عام 2011 بدعم من الناتو.

يخضع شرق ليبيا لسيطرة حفتر وحلفائه، بينما تدير حكومة برئاسة الدبيبة مدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس غرب البلاد. منذ انتهاء الحرب الأهلية في 2020، قادت بعثة الأمم المتحدة للدعم عملية السلام. ورغم عدم استئناف المعارك واسعة النطاق، لا تزال البلاد منقسمة.

بعد ما يقرب من عام من المفاوضات والاجتماعات المنتظمة مع المسؤولين الليبيين، لم يكن الإنجاز الملموس الوحيد لبولس سوى اعتماد ميزانية موحدة للحكومتين المتنافستين في أبريل/نيسان.

ومنذ ذلك الحين، لم يُحرَز أي تقدم إضافي. وفي 19 يوليو/تموز، أكد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أن الهيئة التشريعية، ومقرها مدينة طبرق الشرقية والمتحالفة مع مواقف حفتر، “لم تتلق حتى الآن أي شيء رسمي بخصوص [مبادرة] بولس”.

ومن الأسباب التي أدت إلى تباطؤ المبعوث الأميركي في تحقيق التقدم، الانتقادات المتصاعدة من عدة فصائل ليبية.

تعيين حفتر في منصب رئيسي

تصاعدت التوترات في يونيو/حزيران بعد أن ذكرت صحيفة فايننشال تايمز، نقلاً عن “أشخاص مطلعين على الأمر”، أن واشنطن تدفع باتجاه اتفاق يتولى بموجبه صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، وهو أعلى هيئة تنفيذية في ليبيا، التي يترأسها حالياً شخصية محايدة نسبياً هي محمد المنفي.

ويُنظر إلى صدام، وهو أحد أبناء خليفة حفتر الستة، على نطاق واسع على أنه المرشح الأوفر حظاً لخلافة والده البالغ من العمر 82 عاماً.

وعندما بدأ بولس زيارته في 7 يوليو/تموز في مصراتة، على بعد 100 كيلومتر شرق طرابلس، استُقبل في المطار من قبل العشرات من المحتجين الذين عارضوا زيارته ونددوا بما وصفوه بـ”صفقة مشبوهة”.

لطالما كانت مصراتة، المركز التجاري لليبيا، ونخبها التجارية والعسكرية، معادية لعائلة حفتر. وكانت ميليشيات المدينة في طليعة المقاومة ضد هجوم حفتر على غرب ليبيا في الفترة 2019-2020.

وقال يونس الصالحي، الناطق باسم المجلس العسكري لمصراتة، أحد أكبر تشكيلات المقاتلين في ليبيا، لميدل إيست آي: “المجرم حفتر مسؤول عن كل ما يحدث اليوم”، معتبراً أن “هذا سبب كافٍ لرفض أي حل” يمنح صدام منصباً رسمياً.

كرر أحدث تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني بليبيا، الادعاءات بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان وفساد تشمل جماعات مسلحة وفصائل متحالفة مع عائلتي حفتر والدبيبة.

واتُهم حفتر بشكل خاص بارتكاب جرائم حرب من قبل منظمات مثل هيومن رايتس ووتش، كما قضت محكمة أميركية بمسؤوليته عن أعمال التعذيب والإعدامات خارج القضاء التي ارتكبتها قواته.

ومصراتة ليست الفصيل الوحيد الذي يعارض مبادرة بولس على أساس أنها ستعزز عائلة حفتر.

في جنوب ليبيا الصحراوي، قال زعيم المتمردين محمد ورداقو، الذي تشن جماعته المسلحة تمرداً ضد قوات حفتر منذ يناير/كانون الثاني، لميدل إيست آي: “لا يمكن لأحد أن يقبل بأن يتولى حفتر وأبناؤه مناصب سيادية رئيسية داخل الدولة الليبية”.

وأضاف ورداقو: “لسوء الحظ، سمعنا أيضاً عن هذه المبادرة الأميركية لجعل صدام رئيساً للمجلس الرئاسي”.

وأكد جلال حرشاوي، المحلل المتخصص في شمال إفريقيا، أن هذا هو “العنصر الرئيسي في الصفقة”.

ويرى حرشاوي أنه على الرغم من أن صلاحيات رئيس المجلس الرئاسي لم تُحدد بوضوح من قبل أي إطار دستوري، فإن تعيين صدام قد يوسع نفوذ المكتب ويعيد “تشكيل الدور”، بالنظر إلى “السلطة التي يمتلكها بالفعل، مع وحدات تحت قيادته”.

دعوات للاستقالة

غير أن تعيين صدام حفتر المحتمل ليس مصدر التوتر الوحيد الذي أحدثته مبادرة بولس.

تشير تقارير، بما في ذلك مقال فايننشال تايمز في يونيو/حزيران، إلى أن رئيس الوزراء الدبيبة سيظل أيضاً في منصبه في طرابلس.

على الرغم من علاقات واشنطن الطويلة مع خليفة حفتر، وهو مواطن أميركي، حافظت وزارة الخارجية أيضاً على اتصالات مباشرة مع الدبيبة. وقد وصفت آخر مكالمة هاتفية بينهما، التي أجريت في 26 يوليو/تموز، من قبل بولس بأنها “مثمرة”.

وقد تعرض رئيس الوزراء، الذي عُين من قبل المنتدى السياسي الليبي برعاية الأمم المتحدة في عام 2021 وليس عبر انتخابات مباشرة، لتدقيق متزايد على مر السنين.

ومنذ مايو/أيار 2025، طالب المحتجون مراراً باستقالته. وبلغت حدة التوتر ذروتها مجدداً في نهاية يوليو/تموز، عندما حول محتجون في غرب ليبيا، تحركوا في البداية بسبب انقطاع التيار الكهربائي، غضبهم نحو رئيس الوزراء وحاولوا اقتحام مكتبه في طرابلس.

وفي الأيام الأخيرة، أغلق محتجون مكاتب خمس وزارات وهيئة مكافحة الفساد للتنديد بتدهور الخدمات العامة وأزمة الكهرباء المستمرة وتدهور الأوضاع المعيشية.

وهذا يجعل احتمال صفقة مدعومة من الولايات المتحدة تبقي الدبيبة في السلطة أكثر حساسية سياسية في نظر الرأي العام، بينما تقدم لرئيس الوزراء شريان حياة.

وقال حرشاوي لميدل إيست آي: “سيكتسب الدبيبة اعترافاً على مستوى البلاد وسيكون قادراً للمرة الأولى على السفر إلى بنغازي”.

“كل من صدام والدبيبة سيكتسبان شرعية وطنية، مع إمكانية البقاء في السلطة دون انتخابات لمدة سنة على الأقل، وربما أكثر.”

النفط والأمن يتجاوزان الديمقراطية

على الرغم من أن الانتخابات لا تزال أولوية رسمية للأمم المتحدة، مع تكرار مجلس الأمن الشهر الماضي دعوته لإجرائها، إلا أنها نادراً ما ظهرت بين أهداف بولس المعلنة ولا تبدو جزءاً من مبادرته.

ويشدد الصالحي على أن مصراتة تدعم حلاً يقوم على “تنظيم استفتاء دستوري وانتخابات”، بينما طالب المحتجون الذين نزلوا إلى شوارع طرابلس في يوليو/تموز مراراً بـ”إسقاط جميع المؤسسات السياسية، دون استثناء”، واستبدالها من خلال عملية انتخابية.

أجرى بولس، المتحدث بالعربية، سلسلة من المقابلات مع وسائل إعلام إقليمية في الأسابيع الأخيرة للترويج لجهود واشنطن في ليبيا.

وفي مقابلة مع الشرق الأوسط في 27 يوليو/تموز، صرح المبعوث الأميركي بأن “الوحدة هي أساس الشرعية والانتخابات الديمقراطية”، مما يشير إلى أن خارطة طريقه تتصور إجراء انتخابات فقط بعد التوصل إلى اتفاق لتوحيد المؤسسات.

وذلك لأن أهداف البيت الأبيض في ليبيا تتطلب شركاء مستقرين وموثوقين بدلاً من مؤسسات ديمقراطية.

منذ يناير/كانون الثاني 2025 والإعلانات عن فتح أول جولات تراخيص النفط في ليبيا منذ ما يقرب من عقدين، سعت الولايات المتحدة لدفع شركاتها للاستثمار في قطاع النفط الليبي. تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا.

وفي الوقت نفسه، كان هدف أميركي رئيسي آخر هو تعزيز التعاون الأمني مع الجيش الليبي المجزأ، ولا سيما الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر.

تلقى الجيش الوطني الليبي دعماً مباشراً من روسيا وشركاتها العسكرية الخاصة منذ الحرب الأهلية الليبية الثانية.

وفي المقابل، حصلت موسكو على حق الوصول إلى المطارات والموانئ في شرق وجنوب البلاد، وهي مناطق يسيطر عليها الجيش الوطني الليبي، مما يسهل عملياتها العسكرية في جميع أنحاء إفريقيا.

وقال حرشاوي لميدل إيست آي: “تعتقد البنتاغون أن توحيد القيادات العسكرية سيجعل من الصعب على روسيا الحفاظ على وجودها”.

وكان أحد النجاحات الأميركية الملموسة القليلة في الأشهر الأخيرة هو تمرين فلينتلوك 2026، الذي عُقد في أبريل/نيسان، وهي المرة الأولى التي تتدرب فيها وحدات من الجيش الوطني الليبي ووحدات طرابلس معاً على الأراضي الليبية.

وخلال زيارته في يوليو/تموز، كان بولس حريصاً أيضاً على لقاء الجهات الأمنية الرئيسية في البلاد: ليس فقط عائلة حفتر في بنغازي، ولكن أيضاً وزير الداخلية عماد الطرابلسي ونائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي في طرابلس، وكلاهما يقود جماعات مسلحة قوية في الغرب.

ومع ذلك، فشلت عدة أشهر من الدبلوماسية رفيعة المستوى حتى الآن في توضيح ما ستسفر عنه مبادرته بالضبط، بما في ذلك بشأن إعادة التوحيد العسكري.

وقبل كل شيء، أدى هذا الافتقار إلى الوضوح إلى تغذية الشكوك المتزايدة بشأن خطط واشنطن، على الرغم من التأييد الشعبي الواسع لتوحيد المؤسسات الليبية.

***

ادريس رجيحي – صحفي مستقل مقيم في تونس، يغطي شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. يركز عمله على الأمن والهجرة والديناميكيات الجيوسياسية في المنطقة، مع اهتمام خاص بالوجود الروسي المتزايد في إفريقيا.

__________________

صفقة محلية المنشأ أم مبادرة أمريكية؟

عبدالله الكبير

تشير بعض التحليلات السياسية لمقاربة مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي ترامب لحل الأزمة الليبية، أن مصدرها ليس بولس أو الإدارة الأمريكية، بل هي اتفاق تم داخل دائرة صغيرة في جناحي السلطة في ليبيا، وليقينهم باستحالة تسويقها و تمريرها بشكل مباشر، سواء عن طريق المؤسسات الرسمية، أو عبر حملات شعبية وإعلامية، عرضت على بولس ليتبناها ويطلقها كمبادرة أمريكية لتوحيد المؤسسات السيادية والسلطة التنفيذية، بأي صيغة مناسبة لا تشي بشكل مباشر أنها تقاسم للسلطة. 

كل الصفقات والتفاهمات السابقة بين حكومة الدبيبة ومعسكر عائلة حفتر جرت سرا برعاية أبوظبي، اتفقا على تغيير رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، بإعفاء مصطفى صنع الله وتكليف بن قدارة، ومرر الأخير عقد شركة أركنو للإستثمار في قطاع النفط، واقتطاع حصة من العائدات لمصلحة الطرفين، وتمت إزاحة محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير وتكليف ناجي عيسى بالتراضي بينهما.

لذلك فإن فرضية إعداد المقترح محليا ليقدمه بولس على أنه مبادرة أمريكية، وليست مقترحا من طرفي السلطة للاستحواذ على السلطة بشرعية دولية، يحمل بعض الوجاهة، ولكن تبني بولس لها والسعي لتسويقها، لم يخفف من حدة الإعتراض والرفض لها، ولا يتوقف الإعتراض عند مكونات وشخصيات سياسية وعسكرية على غرب ليبيا فحسب، فحتى داخل معسكر حفتر تبرز بعض التحفظات عند الأخوة حفتر، خشية على سلطاتهم ونفوذهم وتهميش أدوارهم، إذا ما صعد أحدهم في سلم السلطة، وتولى رئاسة المجلس الرئاسي كما تذهب الصفقة حسب التسريبات والتحركات. 

الكثير من الغموض يحيط بالصفقة، وهو بالتأكيد غموض مقصود لتجنب أي مؤثرات قد تساهم في عرقلتها أو تقويضها، ولكن رغم عدم الإفصاح عن الكثير من التفاصيل حول الاجتماعات السرية والمعلنة، فإن التعثر واضح وجولات التفاوض لا تتوقف، واستمرار الاختلافات حول توزيع الأدوار في السلطة التنفيذية المزمع تشكيلها، هو سيد الموقف حتى الآن، وقد انعكس هذا التعثر كما يبدو في اجتماعات لجنة 4+4، فبعد الإعلان عن حسم الجزء الأكبر من الخلافات، وقرب التوصل إلى اتفاق نهائي بحل كل نقاط الخلاف في مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات والقاعدة القانونية للانتخابات، أعلنت البعثة بشكل موارب عن الاخفاق، واستمرار التشاور في اجتماع قادم خلال اغسطس المقبل. 

يعزز فرضية المنشأ المحلي للصفقة تصريحات بولس في لقاءاته بمصراتة، فعندما طلب منه تقديم نص المبادرة مكتوبا للإطلاع عليها، رد بأنه لاتوجد مبادرة جاهزة مكتوبة لمناقشتها، وإنما يريد الاستماع لأي مقترحات أو رؤى مناسبة للتشاور بشأنها، وقبل أيام قليلة صرح عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أن مجلسه لم يستلم أي مبادرة من بولس. 

والحاصل أن بولس ألقى حجرا في المياه السياسية الليبية الراكدة منذ سنوات، دافعا كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، إلى تحسس كراسيهم ومصالحهم ونفوذهم، فتعددت وتنوعت اللقاءات والاتصالات، ولا يبدو أن ثمة ما يمضي من المبادرة أو الصفقة سوى الجانب العسكري الأمني، لأن بعض ما تم الاتفاق عليه يجري بالفعل تنفيذه، بتشكيل غرفة عمليات مشتركة ودمج قوات عسكرية برية وجوية من الشرق والغرب في سرت ومصراتة، ولكن الطريق مايزال طويلا والتحديات كبيرة، نظرا لاختلاف رؤية الجانبين في طبيعة دور القوات المسلحة ومهامها، السلطة العسكرية لعائلة حفتر في الشرق تستخدم فائض القوة في الهيمنة على كل القطاعات، وتقليص دور المجال المدني العام، بينما تؤكد القيادات العسكرية في الغرب على خضوع المؤسسة العسكرية إلى السلطة المدنية، باعتبارها إحدى أدوات هذه السلطة في عدة مهام مؤطرة بمواد محددة في الدستور. 

وبينما يتراجع زخم البدايات عن صفقة بولس، تضرب البعثة الأممية موعدا خلال شهر أغسطس لجولة جديدة للجنة 4+4، لمواصلة العمل على تحقيق توافق حول مفوضية الانتخابات والقاعدة القانونية للانتخابات، من دون أمل كبير في إحراز أي تقدم ملموس.

استمرار حالة الانسداد، ومحاولة فرض حلول خارجية لا تلبي تطلعات الشعب، قد تؤدي إلى تفجير الاوضاع وتعميق الأزمة، خاصة مع حالة الغضب السائدة حاليا بسبب تردي الخدمات، وانقطاعات الكهرباء وسط موجة حر غير مسبوقة، كما أن استمرار الوضع الحالي غير مقبول ويمكن أن يفجر الموقف إذا لم تعالج أزمة قطاع الكهرباء وباقي الخدمات، وعودتها إلى مستوى مقبول يخفف قليلا من حالة الاحتقان.

_______________



 

الدفع الأمريكي الجديد للسلام في ليبيا يدور حول النفط

دان فورد و جورجيا ويب

يسعى مبعوث ترامب، مساد بولس، إلى تحقيق حلٍّ على غرار “حل سليمان” لا يقدم سوى مكاسب ضئيلة لمواطني البلاد.

كرّس مساد بولس — مبعوث ترامب إلى أفريقيا والشرق الأوسط، وهو أيضًا والد زوجة ابنة ترامب، تيفاني — جزءًا كبيرًا من عمله الدبلوماسي في الأشهر الأخيرة لليبيا، حيث جاب البلاد ذهابًا وإيابًا للقاء أعضاء الحكومتين المتنافستين في ليبيا في محاولة للتوصل إلى ترتيب لتقاسم السلطة بينهما.

علنًا، قدّم فريق ترامب هذا الجهد الدبلوماسي باعتباره محاولة نبيلة لإحلال السلام المستدام والديمقراطية في البلاد من خلال تشكيل حكومة موحدة يمكنها وضع حد لـ 15 عامًا من عنف الجماعات المسلحة والانقسامات السياسية الحزبية.

لكن يبدو أن المصالح الحقيقية لإدارة ترامب في ليبيا لا تتعلق بالسلام من أجل الاستقرار الإقليمي بقدر ما تتعلق بتأمين ترتيب مقابل فيه تحصل الشركات الأمريكية على وصول تفضيلي إلى ثروة البلاد النفطية الهائلة.

قالت كلوديا غازيني، المحللة البارزة لشؤون ليبيا في مجموعة الأزمات الدولية، لموقع “ريسبونزيبل ستيتكرافت” إن “النفط كان دائمًا مصلحة رئيسية في توجيه السياسة الأمريكية في ليبيا” في ظل كل من إدارة ترامب وإدارة بايدن.

لكن اهتمام ترامب بليبيا يتجاوز النفط، وفقًا لغازيني: “هناك أيضًا طموح أكثر إلحاحًا [لترامب] لتأمين صفقة وأن يُنظر إليه على أنه منتصر — بعد أن أحضر السلام إلى صراع آخر”.

في الواقع، يتباهى ترامب بقائمة طويلة من الحروب التي يدعي أنه أنهىها، على الرغم من أن عددًا منها قد استؤنف بعد اتفاق سلام أولي. من بين هذه الصراعات: جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، ومصر وإثيوبيا، وصربيا وكوسوفو، وإسرائيل وحماس.

إن ثروة ليبيا النفطية استثنائية بالفعل. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في القارة، وهي حقيقة حفزت العديد من شركات الطاقة الأمريكية على السعي للحصول على وصول — بما في ذلك شيفرون، وكونوكو فيليبس، وهاليبرتون، وكلها زادت من استثماراتها النفطية في ليبيا خلال العام الماضي.

في غضون ذلك، رفعت إكسون موبيل تعليق عملياتها الذي دام عقدًا من الزمان هناك في أغسطس الماضي، عندما وقّعت مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط الليبية المملوكة للدولة لإجراء دراسات لتحديد موارد الهيدروكربونات البحرية.

إن منح الشركات الأمريكية وصولًا تفضيليًا إلى السوق يمكن أن يقلل من تكاليف تشغيلها في ليبيا، مما يجعلها أكثر قدرة على المنافسة في سوق نفط متقلب.

في الواقع، أصبح الوصول إلى نفط جديد نقطة تركيز مهمة لإدارة ترامب حيث أصبحت مخاطر الاعتماد العالمي المفرط على نقاط اختناق نقل النفط واضحة خلال الحرب التي بدأها مع إيران.

نتيجة لهذا الصراع، انخفض حركة النفط عبر مضيق هرمز المحاصر إلى مجرد قطرة. والآن أصبح النقل عبر طرق البحر الأحمر موضع تساؤل أيضًا. على الرغم من أن الولايات المتحدة تنتج الكثير من نفطها الخام، فإن أسعار النفط تستجيب لظروف السوق العالمية، لذا فإن الحرب الحالية في الخليج كان لها تأثير كبير على أسعار النفط في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة.

لذلك، في نظر الحكومة الأمريكية، فإن تنويع صناعة النفط العالمية بعيدًا عن نقاط الاختناق هذه يمكن أن يقلل من تكلفة الاختناقات العالمية المستقبلية الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط. يساعد الوصول إلى النفط الليبي في هذا المسعى.

يأتي العمل الدبلوماسي لبولس بعد قرابة خمسة عشر عامًا من عدم الاستقرار في ليبيا. بعد الغزو الجوي الذي قادته الولايات المتحدة وحلف الناتو للبلاد في عام 2011، والذي أطاح بالزعيم الليبي الطويل الأمد معمر القذافي وأدى إلى مقتله، ظلت ليبيا في فراغ سلطوي دون حكومة مركزية. تنقسم البلاد بين فصيلين رئيسيين: حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة، التي يديرها عائلة الدبيبة ومقرها مدينة طرابلس الشمالية، وقوات ليبيا العربية المسلحة التابعة لعائلة حفتر، التي تسيطر على شرق البلاد وتدير عملياتها من بنغازي.

تحدد الجريمة والفساد الحياة اليومية في ليبيا، حيث سمحت حكومتها الكليبتوقراطية لمن هم في القمة بالإثراء بينما يعاني معظم الليبيين في محاولة لفك قيود الفقر الثقيلة عن أنفسهم.

على الرغم من أن تفاصيل المفاوضات لم تُنشر بعد، تشير التقارير إلى أن فريق ترامب يسعى لتأمين صفقة يتقاسم فيها كل طرف الوظائف الحكومية — مع تولي عائلة الدبيبة الرئاسة وعائلة حفتر تولي رئاسة الوزراء — مما يضمن استمرار قبضة كل طرف على السلطة إلى أجل غير مسمى. هذا يثير التساؤل حول مدى تحسن حياة الليبيين العاديين بشكل جوهري إذا كان اتفاق تقاسم السلطة المتفق عليه يدعم ببساطة قادة فاسدين.

خطة ترامب — السلام مقابل الوصول التفضيلي إلى الموارد — هي امتداد لنفس النهج المستخدم في أماكن أخرى من القارة.

في أوائل العام الماضي، أعطى بولس أولوية لإبرام صفقة لإنهاء الحرب بالوكالة المستمرة منذ عقود بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا — وهي حرب تغذيها جماعات مسلحة تتنافس للسيطرة على الأراضي في شرق البلاد. في يونيو من العام الماضي، وقّع البلدان اتفاقًا لإنهاء الأعمال العدائية، وفي ديسمبر تم توقيع اتفاق يمنح الشركات الأمريكية وصولًا تفضيليًا إلى الثروة المعدنية الهائلة في الكونغو. لكن على الرغم من صفقة ترامب، استؤنف النزاع، ولا يزال العدوان المسلح يهدد الاستقرار الإقليمي.

بعد أيام من اتفاق السلام في الكونغو في يونيو 2025، بدأ بولس في تطبيق نفس نهج الموارد مقابل السلام في ليبيا.

في بيان، قال مسؤول من وزارة الخارجية الأمريكية: “تؤيد الولايات المتحدة الجهود الليبية لتوحيد بلادهم، وتحقيق سلام دائم، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية… الجهود الأمريكية الداعمة لليبيا كانت حذرة وتدريجية، مما أسفر عن تقدم كبير منذ يوليو 2025”.

كان من علامات هذا التقدم ما حدث في أبريل، عندما نجحت الولايات المتحدة، إلى جانب عدة دول أخرى، في التفاوض على ميزانية موحدة بين الحكومتين المتنافستين في ليبيا — وهو حل وسط روجت له الولايات المتحدة باعتباره أول ميزانية شاملة للبلاد منذ أكثر من عقد. لكن، في مثال على التحديات التي تعترض مفاوضات السلام، لم يتم تنفيذ الميزانية حتى الآن.

وفقًا لغازيني، فإن الافتراض ذاته بأن هذه الميزانية كانت شاملة، كما تدعي الولايات المتحدة، موضع شك. قالت: “مع انعدام الشفافية وهذه الصفقات السرية خلف الأبواب المغلقة، ليس من المستغرب أن لا يتم التنفيذ. علينا أن نتساءل منذ البداية عن مدى وجود صفقة حقيقية فعلية في المقام الأول”.

تعتقد غازيني أن الميزانية المتفق عليها ركزت على الأرجح حصريًا على التنمية الوطنية، بينما لم تنجح عناصر ميزانية أخرى في المفاوضات، وتوقفت بسبب الخلاف حول قضايا مثل مكان مقر السلطة التنفيذية للحكومة الجديدة وكيفية قيادة الجيش في المستقبل.

سوف يواجه تحقيق السلام الموحد في ليبيا عددًا كبيرًا من التحديات. من بين نقاط الخلاف التي سيتعين على بولس محاولة حلها مستقبل الجيش في البلاد.

تقول غازيني إن جزءًا من صعوبة إيجاد اتفاق على هذه الجبهة يعود إلى حقيقة أن “أحد ركائز الفكر العسكري لحفتر على مر هذه السنوات هو أن القيادة العسكرية لا ينبغي أن تُخفف ولا تُقسم بين شخصيات متعددة”، مما يجعل من الصعب تصور كيف يمكن تحقيق ترتيب مستدام لتقاسم السلطة.

ولكن حتى إذا تم إيجاد أرضية مشتركة، فإن السؤال الكبير الذي يواجه عملية الوساطة الأمريكية هو ما إذا كان الشعب الليبي سيستفيد فعلاً من صفقة تبدو أنها تعطي الأولوية لاستمرار حكم المسؤولين الحكوميين الفاسدين مقابل وصول أمريكي إلى النفط، بدلاً من إعادة تفكير جذرية في العلاقة بين الحكومة وشعبها. في هذه النقطة، تبدو غازيني متشككة.

قالت: “بالنسبة لي، يبدو أن هذا النهج سيخدم بالتأكيد مصالح من هم في السلطة، من خلال السماح لهم بتمديد فترة بقائهم في الحكم … ومواصلة ممارستهم في الوصول إلى الأموال العامة إن لم يكن اختلاسها. لكن من الصعب رؤية كيف ستحسّن هذه الترتيبات حياة الليبيين العاديين”.

***

دان م. فورد هو باحث مبتدئ في برنامج الجنوب العالمي بمعهد كوينسي. سبق له أن عمل كمساعد بحث واتصالات في منتدى الأمن المشترك بين الوكالات في واشنطن العاصمة.

جورجيا لين ويب هي متدربة في برنامج الجنوب العالمي بمعهد كوينسي. وهي في عامها الأخير من درجة البكالوريوس في جامعة لويس في روما، إيطاليا، وتدرس السياسة والفلسفة والاقتصاد.

_________________

ليبيا: أزمة كهرباء أم أزمة شرعية؟

محمد الصالحين الهوني

العصيان المدني يعكس انهيار الثقة بين المجتمع والدولة ويؤكد أن الليبيين يطالبون بشرعية قائمة على الإنجاز والمحاسبة لا على التفاهمات المؤقتة.

لم يعد ما يجري في ليبيا مجرد احتجاجات غاضبة على انقطاع التيار الكهربائي، تتكرر مع كل صيف ترتفع فيه درجات الحرارة وتنخفض فيه قدرة الشبكة الكهربائية على تلبية الطلب المتزايد.

ما تشهده عدّة مدن ليبية، من دعوات إلى العصيان المدني وإغلاق للمؤسسات العامة وتعطيل للحياة الاقتصادية، يشي بأن البلاد تجاوزت مرحلة الاحتجاج على خدمة متعثرة إلى مرحلة التشكيك في شرعية منظومة سياسية كاملة عجزت، على امتداد أكثر من عقد، عن تحويل الثروة النفطية إلى استقرار، والسلطة إلى مسؤولية، والدولة إلى مؤسسة قادرة على خدمة مواطنيها.

لقد كانت الكهرباء الشرارة، لكنها لم تكن النار كلها. فالليبي الذي خرج إلى الشارع لم يخرج لأنه قضى ليلة بلا إنارة فقط، بل لأنه أمضى سنوات طويلة يسمع الوعود نفسها، ويرى الحكومات تتبدل، والمجالس تتنازع، والاتفاقات السياسية تُوقّع ثم تُنسى، بينما بقيت حياته اليومية رهينة الأعطال والانقطاعات والأزمات المتكررة.

ولهذا فإن الاحتجاجات الأخيرة تحمل رسالة أبعد من ملف الكهرباء، مفادها أن المشكلة لم تعد في إدارة قطاع بعينه، بل في إدارة الدولة نفسها.

الكهرباء في أي بلد قد تتعرض لأزمات تقنية أو ظروف طارئة، لكن استمرار الأزمة في ليبيا رغم الإمكانات المالية الضخمة يجعلها مرآة تعكس اختلالًا أعمق في منظومة الحكم. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، وأنفقت خلال السنوات الماضية مليارات الدنانير على قطاع الكهرباء، ومع ذلك ما زال المواطن يعيش تحت رحمة برنامج طرح الأحمال، وكأن الأزمة قدر لا يمكن تجاوزه.

وهنا يصبح التساؤل مشروعًا:

  • كيف يمكن لدولة تملك هذه الموارد أن تعجز عن توفير خدمة أساسية لمواطنيها؟
  • وهل تكمن المشكلة في نقص الإمكانات، أم في غياب الإدارة الرشيدة، وضعف الرقابة، وتداخل المصالح، واستمرار الفساد دون مساءلة؟

إن الكهرباء لم تعد قضية فنية يناقشها المهندسون وحدهم، بل أصبحت مؤشرًا سياسيًا يقيس مدى قدرة السلطة على أداء أبسط وظائفها.

ومن هنا يمكن فهم التحول اللافت في طبيعة الاحتجاجات. ففي السابق كانت المطالب تقتصر على إصلاح محطة، أو توفير الوقود، أو تغيير مسؤول محلي. أما اليوم، فإن الشعارات باتت تطالب برحيل الحكومات ومحاسبة المسؤولين وإعادة النظر في كامل المنظومة السياسية. لقد انتقل الغضب من مستوى الخدمات إلى مستوى الشرعية.

ويكتسب الحديث عن العصيان المدني دلالة خاصة في هذا السياق. فهذا الشكل من الاحتجاج لا يهدف فقط إلى التعبير عن الرفض، بل يسعى إلى سحب الاعتراف العملي بقدرة السلطة على إدارة الشأن العام.

إنه إعلان عن أن العلاقة بين الدولة والمجتمع دخلت مرحلة جديدة، حيث لم يعد الشارع يكتفي برفع المطالب، بل يحاول فرض معادلة سياسية مختلفة.

التحول لا يقتصر على منطقة دون أخرى. فالمزاج الشعبي في الشرق والغرب والجنوب بات يتقاطع حول شعور متزايد بأن الأزمة الليبية لم تعد مرتبطة بأسماء الحكومات بقدر ما ترتبط بطبيعة النظام السياسي الانتقالي الذي طال أمده، وتحول من مرحلة مؤقتة إلى واقع دائم تستفيد منه شبكات المصالح أكثر مما يستفيد منه المواطن.

الليبيون لم يعودوا يطالبون فقط بتغيير المسؤول، بل بتغيير قواعد إدارة الدولة نفسها، وبناء سلطة تستمد شرعيتها من الإنجاز والمحاسبة، لا من التفاهمات السياسية المؤقتة أو موازين القوى العسكرية.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن أزمة الثقة التي تراكمت خلال السنوات الماضية. فقد أدت قضايا الفساد، وتأجيل الانتخابات، واستمرار الانقسام المؤسسي، وتراجع الخدمات، إلى تعميق الفجوة بين المواطن والدولة.

ومع كل وعد لم يتحقق، وكل موعد انتخابي أُجّل، وكل أزمة خدمية تكررت، تراجعت الثقة أكثر، حتى أصبحت السلطة بالنسبة إلى كثير من الليبيين جزءًا من المشكلة، لا أداة لحلها.

والأخطر من ذلك أن غياب المساءلة رسخ لدى الرأي العام شعورًا بأن الفشل لا يترتب عليه ثمن سياسي. فمن أخفق في إدارة ملف يعود إلى إدارة ملف آخر، ومن لم ينجز وعوده يقدم وعودًا جديدة.

ومن هنا فإن العصيان المدني لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد احتجاج على أزمة آنية، بل باعتباره تعبيرًا عن انهيار تدريجي لعقد الثقة بين المجتمع والسلطة.

لكن في المقابل، ينبغي الحذر من أن يتحول الغضب الشعبي إلى فوضى جديدة تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من حلها. فليبيا لا تحتاج إلى انهيار إضافي في مؤسساتها، بقدر ما تحتاج إلى إعادة بناء هذه المؤسسات على أسس مختلفة، تقوم على الشفافية والمحاسبة وتداول السلطة واحترام القانون.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد استبدال حكومة بأخرى، ولا نقل الأزمة من مدينة إلى أخرى، بل إطلاق مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن؛ مشروع يجعل السلطة خاضعة للرقابة، والمال العام محميًا، والخدمات حقًا للمواطن لا منّة من المسؤول، والانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية لا حدثًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.

كما أن الحديث عن سلطة سياسية موحدة يجب ألا يتحول إلى شعار مجرد. فالتوحيد، في حد ذاته، ليس قيمة إذا كان سيجمع تحت سقف واحد الممارسات القديمة نفسها.

السلطة الموحدة التي تحتاجها ليبيا هي سلطة محددة الصلاحيات، واضحة المهام، خاضعة للمساءلة، ومؤقتة بما يكفي لتهيئة الطريق نحو انتخابات حرة تعيد القرار إلى الشعب.

لقد أثبتت التجربة أن الانقسام لا يصنع دولة، لكن التجربة أثبتت أيضًا أن الوحدة الشكلية، إذا قامت على تقاسم النفوذ بدلًا من بناء المؤسسات، لن تنتج إلا نسخة جديدة من الأزمة.

لهذا فإن السؤال الذي تطرحه الاحتجاجات اليوم ليس: من يدير قطاع الكهرباء؟ بل: من يدير ليبيا، وبأي شرعية، ولأي غاية؟ وهو سؤال لا تستطيع أي حكومة تجاوزه بالبيانات أو الوعود، لأن الشارع بات يبحث عن أفعال لا عن خطابات.

إن ليبيا اليوم لا تحتاج فقط إلى كهرباء مستقرة، بل إلى شرعية مستقرة أيضًا. ولا تحتاج فقط إلى حكومة موحدة، بل إلى دولة قادرة على محاسبة حكامها قبل أن يحاسبهم الشارع.

فالدول لا تستمد قوتها من عدد مؤسساتها، بل من ثقة مواطنيها فيها. وحين تصبح هذه الثقة مهددة، فإن أزمة الكهرباء تتحول إلى أزمة وجود سياسي، ويصبح إصلاح الشبكة الكهربائية أقل صعوبة من إصلاح شبكة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

_______________

إعادة ضبط ليبيا: لماذا تتجه الولايات المتحدة وتركيا نحو التعاون


محمد راغب أوغلو

على الرغم من اختلاف أولويات الولايات المتحدة وتركيا في ليبيا، إلا أن القوتين الفاعلتين تجدان أرضية مشتركة من أجل بلد أكثر استقراراً.

عندما وصلت موجة الانتفاضات العربية التي اجتاحت تونس ومصر وسوريا أخيراً إلى ليبيا، انتهى حكم القذافي الذي دام أربعة عقود. وقد أوفى التدخل الذي قاده حلف الناتو عام 2011 بهذا الوعد، فأطاح بالنظام، لكنه لم يُخلِّف في مكانه ما يشبه دولة قائمة بوظائفها.

وما تلا ذلك كان فراغاً حدَّد ملامح ليبيا منذ ذلك الحين. فلمدة 15 عاماً، ظلَّ البلد منقسماً بين حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس، بقيادة عبد الحميد الدبيبة، وبين الجيش الوطني الليبي بقيادة عائلة حفتر في الشرق.

عندما تدخَّلت تركيا عسكرياً في الأزمة الليبية، توقف هجوم خليفة حفتر على طرابلس، وأرسى هذا التدخل توازناً عسكرياً هشاً منذ ذلك الحين. غير أن الصورة تبدَّلت هذا العام بشكل ملحوظ. ففي أبريل/نيسان، وقَّع الأطراف المتصارعة مشتركاً أول ميزانية موحَّدة لليبيا منذ 13 عاماً.

ثم، في 18 يونيو/حزيران، برز اتفاق ثلاثي لتقاسم السلطة، تمت الوساطة فيه ليس عبر مسار الأمم المتحدة، بل مباشرة من واشنطن. وتُثير هذه التطورات ثلاثة أسئلة مترابطة:

ما الذي يحرِّك التحول في السياسة الأميركية تجاه ليبيا؟

وإلى أي مدى يعود ذلك إلى تداعيات الحرب مع إيران؟

وأين تقف تركيا فعلياً في هذه الصورة المتطوِّرة؟

حسابات واشنطن النفطية

يقع النفط في صميم السياسة الأميركية تجاه ليبيا، وإن كان لا يفسرها بالكامل. فالخطة التي يُنفِّذها مسعود بولس، كبير المستشارين لشؤون العرب والشرق الأوسط، وبالتزامن مستشار كبير لشؤون أفريقيا، تهدف إلى جمع الفصائل المتناحرة في البلاد تحت مظلة حكم واحدة، وذلك لسبب مباشر: فالحكومة المعترف بها دولياً موجودة في طرابلس، بينما تبقى حقول النفط ومحطات التصدير الأكثر أهمية تحت سيطرة حفتر.

وبدون اتفاق بين الطرفين، لا يمكن تحقيق استثمارات واسعة النطاق ولا استقرار دائم على نحو واقعي.

وما يُبنى إذن هو أقلَّ ما يكون مشروعاً ديمقراطياً على النمط الذي تستحضره واشنطن عادةً، وأكثر ما يكون صيغة لتقاسم السلطة بين عائلتَي الدبيبة وحفتر. علناً، يُقدَّم المشروع على أنه جامع؛ لكن عملياً، كانت الأولوية هي إقناع العائلتين بتقاسم السلطة التنفيذية رسمياً.

وهذا ما يفسر لماذا، حتى مع طرح جدول زمني للانتخابات في فبراير/شباط 2027، فإن جوهر الاتفاق يقوم على أمر أضيق: مجلس رئاسي جديد تحت قيادة صدام حفتر، يقترن بحكومة بقيادة الدبيبة، مع تقسيم القيادة العسكرية على أسس عائلية وجغرافية بدلاً من دمجها في مؤسسات موحَّدة.

سعت واشنطن لتحقيق هذا الهدف عبر ثلاثة مسارات بالتزامن. دبلوماسياً، بلغت عملية بدأت بلقاء سري في روما سبتمبر/أيلول الماضي ذروتها في اتفاق يونيو/حزيران. اقتصادياً، وقَّعت شركات الطاقة الأميركية والأوروبية عقود استكشاف وتطوير بمليارات الدولارات، وأبرزها اتفاق “واحة” البالغ 20 مليار دولار ولمدة 25 عاماً مع شركتي “توتال إنرجي” و”كونوكو فيليبس”.

عسكرياً، جمعت مناورات “فلينتلوك 2026” في سرت قوات من الشرق والغرب تحت قيادة موحَّدة للمرة الأولى، كإشارة رمزية إلى حد كبير.

غير أن الزخم السياسي وحده لم يجعل ليبيا جاذبة للاستثمار. فمؤسسة النفط الوطنية لا تزال دون ميزانية معتمدة، وتعرَّض الدينار لتخفيضات متكررة، وتهريب الوقود استنزف مليارات الدولارات في عام واحد، وتواصل البنية التحتية تدهورها.

نية واشنطن واضحة، لكن الأرض التي تبني عليها لا تزال غير مستقرة، وهذا بالضبط ما يخاطر بتجميد الاتفاق عند مستوى صفقة نخبوية بدلاً من أن ينضج إلى إصلاح مؤسسي حقيقي.

وقد كان المنتقدون الليبيون صريحين في هذا الشأن: إذ يرون أن المبادرة بُنيت حول شخصيات لا مؤسسات، وأن لا جماعات النساء ولا المجتمع المدني كان ممثَّلاً على طاولة روما.

عدم استقرار سوق النفط

لا يمكن فصل توقيت تجدُّد الاهتمام الأميركي بليبيا عن الحرب مع إيران. فقد أشعل الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أزمة خطيرة حول مضيق هرمز، ذلك الممر الذي تمرُّ منه خمس الإمدادات النفطية العالمية.

وارتفعت الأسعار فوق 115 دولاراً للبرميل، واضطرت واشنطن إلى الإفراج عن نحو 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، ضمن تخفيض منسَّق مع أعضاء وكالة الطاقة الدولية، مما دفع الاحتياطيات إلى أدنى مستوياتها منذ أوائل الثمانينيات.

على هذه الخلفية، أصبحت ليبيا جاذبة على وجه التحديد لأنها تقدِّم بديلاً لا يعتمد على هرمز: قربها من أوروبا، وخامها الخفيف الحلو الذي يناسب مصافي التكرير الأوروبية بشكل خاص.

وكما لاحظ المحللون مراراً، فإن معوق البلاد هو الحوكمة لا الجيولوجيا. فمع الاستقرار السياسي، يمكن أن يرتفع الإنتاج إلى ما يزيد كثيراً عن مليوني برميل يومياً، مما يوفِّر وسادة ضد المزيد من الاضطرابات في الخليج.

وتعمل حرب إيران، بهذا المعنى، كمسرِّع ومبرر علني لاهتمام سابق للصراع، مع أنه لا ينبغي المبالغة في حدوده. فالإنتاج الليبي لا يمكنه وحده إعادة تشكيل العرض العالمي بشكل حاسم؛ بل أثره الحقيقي يتم عبر توقعات السوق والثقة وليس عبر الحجم الخام.

رؤية تركيا الإقليمية

ترتكز مصلحة تركيا في ليبيا على منطق مختلف جوهرياً عن منطق واشنطن. فبالنسبة لأنقرة، لم تكن الأولوية النفط أبداً، بل استقرار ليبيا، والحفاظ على سلامتها الإقليمية، وتحقيق المطالب الشعبية، وفي مقدمتها الانتخابات الحرة والتمثيل الشرعي. وهذا التمايز يتضح أكثر عند مقارنته بمسار العقد الماضي في ملف ليبيا.

في عام 2019، بينما كان حفتر يحاصر طرابلس ويهدد باجتياح الحكومة المعترف بها دولياً، وقَّعت تركيا اتفاقية تعاون عسكري ومذكرة ترسيم حدود بحرية مع حكومة الوحدة الوطنية، ثم تدخَّلت لإيقاف تقدمه في 2020.

وهذا التدخُّل لم يقتصر على إنقاذ طرابلس، بل أربك أيضاً النظام الجيوسياسي الذي كانت اليونان وفرنسا وغيرهما تحيكه في شرق المتوسط، حيث أن الاتفاق البحري التركي الليبي أبطل فعلياً أساسه القانوني والعملي.

وفي الفترة نفسها تقريباً، دعمت تركيا المطالب الثورية للشعب السوري، ومن خلال عملياتها العبر حدودية، فكَّكت محاولات حزب العمال الكردستاني لترسيخ هيكل شبه دولة في شمال سوريا، والتي بلغت ذروتها بسقوط نظام الأسد. كما أثَّرت أنقرة على الميزان الإقليمي في القوقاز من خلال دعمها لأذربيجان، ولعبت دوراً فاعلاً في كسر الحصار المفروض على قطر.

وبشكل إجمالي، حوَّلت هذه التحركات ملف ليبيا من مسرح كانت تركيا تعمل فيه في مواجهة ظروف غير مواتية، إلى مسرح أصبحت فيه الفاعل الحاسم على الأرض.

والنتيجة بالنسبة لواشنطن واضحة: لا يمكن تحقيق تسوية دائمة في ليبيا دون الأخذ في الاعتبار التوازن العسكري والسياسي الذي بنته تركيا فعلياً. ويبدو أن هذا الإدراك هو ما يدعم التحول الذي يتبلور في مسار بولس، والذي ليس محاولة لتهميش أنقرة، بل جهداً للعمل إلى جانبها.

اللقاء الأخير بين رئيس المخابرات التركي إبراهيم كالين واللواء صدام حفتر في بنغازي، ومشاركة وزير الخارجية هاكان فيدان في اجتماع القاهرة إلى جانب بولس، وزيارة البحرية التركية إلى بنغازي، وأول مناورات مشتركة تضم قوات من شطري ليبيا، كلها تشير إلى نتيجة واحدة: هذه ليست مؤشرات على تنافس، بل على فاعلين يعملون بشكل متزايد وفق النص نفسه.

التعاون الأميركي التركي في ليبيا

ما يستحق تأكيداً خاصاً هو أن واشنطن وأنقرة لا تديران مشروعين متعارضين في ليبيا. بل يبدو أن الولايات المتحدة توصلت، بعد أكثر من عقد من السياسات الهادفة إلى احتواء النفوذ التركي في المنطقة، إلى أن الاستراتيجية لم تُسفر عن النتائج التي كانت توعد بها، وأن ملف ليبيا لا يمكن ببساطة إدارته دون أنقرة. وهذا الإدراك يشير إلى أن التقارب الذي بدأ بشأن سوريا يجد تعبيراً موازياً له في ليبيا.

أولوية تركيا تبقى الاستقرار والسلامة الإقليمية وليس الهيدروكربونات؛ بينما تبقى أولوية واشنطن أمن الطاقة وشروط الاستثمار. لكن هذه لم تعد تعمل كأهداف متعارضة؛ بل أصبحت متكاملة. فليبيا المستقرة تخدم العاصمتين معاً، ويبدو أن واشنطن قبلت بأن تركيا هي الفاعل الأكثر تأهيلاً على الأرض للمساعدة في تحقيق ذلك.

المقارنة مع سوريا مفيدة. ففي كلتا الحالتين، تجد واشنطن نفسها مضطرَّة للتكيف مع تركيا القادرة على تشكيل النتائج بشكل مستقل، والتي فاجأت مراراً محاولات احتوائها. وما إذا كان هذا يترجم إلى شراكة ملموسة في ليبيا سيتوقف على كيفية سير مفاوضات حفتر والدبيبة، وما إذا كانت تركيا قادرة على أداء دورها في هذه العملية دون المساس بالأولويات التي حددت سياستها الليبية منذ البداية: الاستقرار، والوحدة، وتحقيق المطالب الشعبية المشروعة.

أما الآن، فإن ما يمكن ملاحظته هو تحوُّل من المواجهة إلى تفاهم عملي بين فاعلين يسعيان لأولويات مختلفة لكنهما يتقاربان، في الوقت الحالي، نحو الهدف نفسه: ليبيا مستقرة. ويبقى هذا المثال هو الاختبار الأوضح لما يمكن لهذا النموذج الناشئ من التعاون أن يقدِّمه فعلياً.

***

محمد راغب أوغلو – محاضر في جامعة ماردين آرتوقلو، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ومدير الدراسات التركية في مركز مخا.

_________________

في الدور العكسي للمجلس الرئاسي الليبي

خيري عمر

أثارت قرارات رئيس المجلس الرئاسي في ليبيا، محمّد المنفي، في 28 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) بإجراء تغييرات في جهاز المخابرات العامّة، نقاشاً لم يقتصر على النزاع بين مؤسّسات الدولة حول الصلاحيات القانونية، بل امتدّ إلى موقع الجهاز الأمني من الصراع السياسي. فلم تقتصر تداعيات انفراد محمّد المنفي على النزاع القانوني، بقدر ما أثارت الجدل حول انعكاسه على تماسك المؤسّسات الليبية، ومساهمة المجلس الرئاسي في توحيد السياسة الليبية.

فمن الوجهة القانونية، استند المنفي في تغيير قيادة المخابرات إلى صلاحيته في الانفراد بالتوقيع على وثائق المجلس الرئاسي. وعلى هذه المرجعية، أصدر ثلاثة قرارات: 8 و9 و15 بإقالة مدير المخابرات حسين العايب وتعيين عبد المجيد مليقطة بديلاً منه، وتعيين عبد الشفيع بوزلاعة نائباً للرئيس، على الترتيب. وفي استخدامه هذه الصلاحية، تجنّب المنفي القيود الواردة على العزل والتعيين في قيادة المخابرات والجيش، إذ ربطتها المادة الثانية من خريطة الطريق بتحقّق شروط ورد بعضها في “الاتفاق السياسي”، أهمها إجماع المجلس، ورقابة مجلس النواب، وموافقة رئيس حكومة الوحدة الوطنية. ولذلك، واجهت القرارات العقبة الأساسية في اعتراض عضو المجلس موسى الكوني على إخلال المنفي بشرط أن يكون التوقيع على القرارات انعكاساً لمحضر الاجتماع.

صراع الصلاحيات داخل المجلس الرئاسي

على خلفية هذه الثغرة القانونية، انحصر النزاع داخل المجلس بين روايتَين؛ ففيما رأى المنفي أن الغياب لا يعطّل تحقّق الإجماع، انشغل الكوني، في بيان 28 يونيو، بإثبات حضوره الجلسة من دون التوصّل إلى قرار بتسمية شخص لرئاسة جهاز المخابرات. وفي هذا السياق، تبدو حجّة المنفي بسيطة للغاية، فهي تخالف القواعد المتعارف عليها في تعريف الإجماع التي تتلاقى كلّها في شرط صحّة الانعقاد بكامل الأعضاء، ولذلك لم تصمد أمام إثبات الكوني الإخلال بالقانون أمام الرأي العام.

وبغضّ النظر عن ضعف رواية محمّد المنفي، يمكن قراءة محاولة الانفراد بتغيير قادة الجيش والمخابرات في سياق سعي الفواعل الليبية إلى توسيع النفوذ وإثبات الجدارة بممارسة الصلاحيات. فعلى مستوى رئيس المجلس الرئاسي، بدت توجّهات واضحة في تثبيت رئاسته للمجلس الأعلى للقوّات المسلّحة، واستكمال هيئاته العسكرية، وتمييز اختصاصاته عن حكومة الوحدة الوطنية. وهنا، يمكن الإشارة إلى سعي “الرئاسي” إلى تحسين مكانته عبر سياستَين، تتمثّل الأولى في السيطرة على جهاز المخابرات للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من القوة في غرب ليبيا، ولذلك يمكن تصوير قرارات المنفي صراعاً داخل حكومة الوحدة الوطنية، ومحاولة استباقية لأيّ مبادرة لإعادة تقسيم السلطة على حساب المجلس الرئاسي. أمّا الثانية، فتتمثّل في محاولة تخفيف هيمنة حكومة الوحدة الوطنية، وهي توجّهات زادت وضوحاً بعد أزمة المصرف المركزي عام 2024، إذ شهدت المرحلة اللاحقة تباعداً في المواقف السياسية، ظهرت ملامحه في حدة التنافس على تجنيد المجموعات المسلّحة وترسيمها هيئات عسكرية، لتكون أساس الاشتباكات في بعض المدن الغربية.

وإلى جانب القيود القانونية، لم تكن البيئة السياسية مواتيةً لاستقبال قرارات محمّد المنفي. فقد توزّعت المواقف ما بين التجاهل والاعتراض العلني. وبينما سكتت “القيادة العامة” وحكومة الوحدة عن التعليق الصريح، ارتكزت انتقادات المؤسّسات الرسمية الأخرى على أهمية حياد المؤسّسات الأمنية وانتفاء الصلاحية القانونية. فمن جهته، ركّز بيان منسوب إلى جهاز المخابرات، في 29 يونيو 2026، على الحفاظ على طابعه البيروقراطي وتجنيبه تداعيات الصراع السياسي. فيما رأى رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، أنّ “تغيير رؤساء الأجهزة الأمنية… مناكفات سياسية”، وهو تعبير ذو دلالة على تهافت الأساس القانوني، والرغبة في توظيف الاستقطاب لتعطيل المسار السياسي.

وفي محاولة لتجنّب الأيديولوجيا الدينية، ركّز المفتي الصادق الغرياني، في 2 يوليو/ تمّوز الجاري، على الشروط الموضوعية في إسناد الوظائف الأمنية، عندما أشار إلى أهمية التدرّج المهني أساساً للدراية بمهام حماية الدولة والحفاظ على المؤسّسية. وهنا، اعتبر أنّ استمرار تعيين المدنيين في جهاز المخابرات، منذ 2011، لا يعكس نقصاً في المهنية، بقدر ما يوفّر أسباب تفكّك النظام الأمني وسهولة الاختراق الخارجي.

في جانب من التحليل، يرجع رفض “مجموعات فبراير” إلى ميراث أحداث السنوات الأولى لسقوط معمّر القذافي، إذ بدت الخلافات واضحة في تصنيف “مليقطة” ضمن مكوّنات “الثورة المضادة”، لتأسيسه كتيبة “الصواعق”، ودخولها في معارك ضدّ المجموعات المسلّحة للسيطرة على المؤتمر الوطني العام، ليبلغ الصراع ذروته باندلاع حرب أهلية في طرابلس في مايو/ أيار 2014، ترتّب عليها انشطار المؤسّسات الليبية بين مشروع كرامة ليبيا وسلسلة محاولات لتثبيت مكانة ممثّلي فبراير من الإسلاميين، بدأت تحت شعار “فجر ليبيا”، وانتهت مجموعات تحت مظلّة حكومة الوحدة الوطنية.

وكما تتّسع المعارضة الرسمية، فإنّ “الرئاسي” لا يلقى، على المستوى المجتمعي، تأييداً يُعتدّ به مقارنةً بالجهات التنفيذية ومجلس النواب، إذ تنشغل التكوينات الاجتماعية بدعم خيارات توحيد السلطة والمؤسّسات. وفي واحدة من الحالات، زاوج انتقاد المجلس الأعلى لقبائل الصيعان، في 29 يونيو 2026، بين الخلل القانوني في التعيينات وتهميش المجموعة السكّانية، باستبعاد ممثّلها من شغل منصب سيادي.

ومع تصاعد الانتقادات، لم يستطع المنفي مجاراة القوى السياسية المنافسة أو فرض أمر واقع في مواجهتها. فمع رفض مجلس النواب واتساع الاعتراض القانوني والسياسي، فقدت التعيينات الزخم والمشروعية الداخلية والخارجية، اللازمين لإبقاء “الرئاسي” كياناً فاعلاً في السياسة الليبية.

ضعف المجلس الرئاسي ومخاطر تفكك الدولة

لا يبدو هذا الضعف حالةً عابرة، فعلى مدى السنوات الماضية ظهرت آثار الضعف النسبي في دخول المجلس في نزاع غير متكافئ مع مجلس النواب والجهات التنفيذية الأخرى، انتهى إلى تعطيل كلّ ما يصدر عنه أو منع تنفيذه، ليتراجع دوره في السياسة الليبية. فعلى الرغم من إصداره العديد من القرارات، لم يتمكّن من وضعها موضع التنفيذ. وهنا، يمكن الإشارة إلى عجزه عن انتزاع صلاحياته، وهذا ما ينطبق على قرارات هيكلية، كان أهمّها المرسوم رقم 3/2025 بشأن المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام الوطني، والقرار 11/2025 الخاصّ بتشكيل مستشارية المصالحة الوطنية المؤسّسية. وينطبق أيضاً على قرار إنشاء “الهيئة العليا للرئاسات” في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، التي نشأت مظلّةً مشتركةً ما بين مجلس الدولة والمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة. فهي لم تصمد أمام الصراع على العاصمة أو مدن المنطقة الغربية، كما ظلّت خاليةً من مشاركة مجلس النواب أو ممثّلي الحكم في بنغازي، لتبقى ناقصةَ الشروط القانونية اللازمة لاكتمال المؤسّسية.

وعلى مستوى مكانته الخارجية، شغل المجلس اهتماماً ثانوياً في سياسة الجوار الإقليمي. فبينما تجري أحداث الصراع على جهاز المخابرات، انشغلت مصر وتركيا بالتواصل، على مستويَي وزارة الخارجية والمخابرات، مع القادة العسكريين والأمنيين الليبيين في كلّ من طرابلس وبنغازي، بالإضافة إلى توسيع مظلّة التنسيق مع السعودية ومستشار الرئيس ترامب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، ما يمثّل إطاراً محتملاً للتحوّل عن السلطة الاسمية لـ”الرئاسي” نحو تقاسم السلطة الواقعية ما بين سلطة خليفة حفتر الفعلية وعائلة الدبيبة، بصورة قد تؤدّي إلى اهتزاز الاعتراف الدولي بدور المجلس الرئاسي، وخصوصاً مع انحسار نفوذه وتصاعد تأثير مبادرات البدائل من جانبَي مبادرة بولس ووصاية البعثة الأممية على تصرّفات الجهات الليبية.

من بين معايير كثيرة، تقدّم القوة التصويتية تفسيراً لمحدودية نفوذ المجلس الرئاسي. ويعكس تصويت الجولة الأولى للجنة الحوار السياسي بجنيف، في فبراير/شباط 2021، مؤشّراً حقيقيًا للإمكانات الذاتية لكلّ من أعضاء المجلس. فكما حصلوا مجتمعين على ثمانية أصوات من إجمالي 74 صوتاً، وبحسب حصّة المناطق، توزّعت على عبد اللافي ومحمّد المنفي وموسى الكوني بواقع صوت واحد، وخمسة أصوات، وصوتَين، بالترتيب، لتعكس عوز المجلس الرئاسي إلى القوّة الذاتية، وأنّه أكثر ارتباطًا بدوائر نفوذ عائلة الدبيبة، وأكثر اعتماداً على الاعتراف الدولي بصورة تفقده التأثير في المكوّنات الأخرى: القيادة العامة أو مجلس النواب. فرغم حصوله على تأييد بعض المليشيات، يعوزه الظهير الاجتماعي والولاءات في المؤسّسات العامة.

في ظل هذه البنية الضعيفة، لا تبدو مسيرة “الرئاسي” مشجّعة على التفاؤل بالتحوّل المؤسّسي، بقدر ما تساهم في ارتهان الأمن القومي للصراع السياسي، وتشتّت مفهوم حماية المصالح الخارجية وتأمين الحدود. وهو وضع مرشّح للتفاقم في ظلّ تسبّب الخلافات في حرمان ليبيا من الكتلة السياسية الحرجة، وانتشار الوعي الجزئي على المستويين المجتمعي والمؤسّسي على حساب طموحات الوحدة.

فمع استمرار الصراع على الجيش والمصرف المركزي، يمهد النزاع على جهاز المخابرات الطريق لاستكمال تمزّق الدولة، فهو يمثل الحلقة الأخيرة في الحماية ضدّ المخاطر الخارجية. فمن وجهة أساسية، يعزز النزاع الإدراك الجزئي لكلّ من مصالح الدولة ومصادر التهديد، فيتأثّر تشكيل العقيدة الأمنية بالتطلّعات السياسية لشاغلي المواقع القيادية، بشكل يخرج المؤسسة الأمنية تدريجياً عن الدور البيروقراطي، ليتحوّل دورها من عامل ترجيح لدوائر النفوذ إلى سبب للتهديد. وهنا، تشكّل محاولات فرض التعيينات الجديدة عاملاً إضافياً لدعم تقسيم الدولة، ليس لانحسار تأثيرها في بعض مناطق نفوذ المجلس الرئاسي من دون تلك الواقعة تحت نفوذ حكومة الوحدة أو تحت سيطرة خليفة حفتر فقط، ولكنّها تعمل في تمزيق المؤسّسة الأمنية وإهدار قوّة الدولة.

خاتمة

بشكل عام، لا تقتصر عوامل ضعف المجلس الرئاسي على عيوب تأسيسه، بل تشمل وقوعه المستمرّ ضمن دوائر نفوذ مجلس الوزراء، وعجزه عن تحسين بنيته المؤسّسية. ومع الأخذ في الاعتبار حالة السلطات المقسّمة، يمكن القول إنّ سياسات “الرئاسي” لم تكن في اتجاه دعم مهام “المرحلة التمهيدية” من خريطة الطريق لعام 2021، بل كانت أكثر ميلاً إلى الانخراط في التنافس أو الصراع الدائر في البلاد، بشكل أضعف الثقة فيه بوصفه جهةً محايدةً ومؤثّرةً في توجيه السياسة الليبية. فقد أمضى أكثر حياته في محاولات لانتزاع صلاحياته في إدارة الجيش، ليظلّ الحلقة الضعيفة على مستويين؛ الداخل، حيث تتّمتع القوى المنافسة بسلطة الأمر الواقع، والخارج، حيث يعجز عن توظيف الاعتراف الدولي في تعزيز مكانته بوصفه طرفاً ليبياً موثوقاً به دولياً.

_________________

خارطات الطرق السياسية في ليبيا: أي طريق نحو الأمام؟

أنس القماطي

تقدم نشرة ميدل إيست الإخبارية رؤىً معمّقة حول أبرز التطوّرات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تجمع بين الآراء الفريدة والتوقّعات الموثوقة للسيناريوهات المستقبلية. نسلّط اليوم الضوء على آخر المستجدات في المسار السياسي الليبي.

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، أظهرت ليبيا مؤشرات قد تُنبئ بإنهاء الجمود السياسي القائم منذ عام 2021. ففي 18 يونيو، اتّفق كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي على وثيقة مبادئ وخارطة طريق لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية موحّدة بحلول 17 فبراير 2027.

وقد لاقى الاقتراح ترحيباً من جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي، لكن ينبغي توخّي الحذر. فبينما قد تمثّل خارطة الطريق خطوة رمزية في الاتجاه الصحيح، لم يثبت الأطراف التزامهم بها بعد، خاصة مع بروز مبادرات مختلفة لحلّ الجمود.

والأهم من ذلك، أن القوات المسلحة العربية الليبية بقيادة خليفة حفتر، التي تسيطر فعلياً على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، لم تُصدّق على الاتفاق، بل أيّدت الخطة التي قدّمها المستشار الأمريكي الكبير للشؤون العربية والإفريقية، مسعود بولس.

تركّز هذه المبادرة – التي تمّ الكشف عنها خلال الأشهر الماضية عبر معلومات متفرّقة من السيد بولس ومسؤولين آخرين – على إضفاء شرعية فعلية على الوضع القائم، من خلال تقريب وجهات النظر بين الفاعلين المتنافسين الرئيسيين بوسائل اقتصادية تحفيزية، بهدف توحيد الحكومة والمؤسسات والميزانية الوطنية والجيش، واستكمال جهود الأمم المتحدة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

ووفقاً لمصادر مطلعة، فإنها ستبقي أيضاً على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للوزراء، وترفع نائب قائد القوات المسلحة العربية الليبية، صدام حفتر، إلى منصب الرئاسة، رغم أن ملامح الحكومة الموحّدة المتوخّاة لا تزال غير واضحة.

ومن بين الإنجازات الرئيسية غير المسبوقة منذ بداية المرحلة الانتقالية: الإعلان عن ميزانية موحّدة في أبريل من قبل مصرف ليبيا المركزي بعد ثلاثة عشر عاماً؛ والمشاركة المشتركة للقوات المسلحة العربية الليبية وحكومة الوحدة الوطنية في مناورة “فلينتلوك” التي نظّمتها القيادة الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم) في أبريل.

غير أنه نظراً لإشراك العملية بشكل مباشر لصدام حفتر (نجل خليفة) ومستشار الأمن الوطني لحكومة الوحدة الوطنية إبراهيم الدبيبة (ابن شقيق رئيس الوزراء)، فقد قوبل هذا النهج “الأعمال أولاً” بمعارضة، باعتباره يُعطي أولوية للاستقرار قصير المدى والصفقات، ويعزّز نفوذ النخب القائمة، بدلاً من دفع الإصلاحات الهيكلية والتمثيل الديمقراطي الحقيقي.

وتظل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مهمّشة بشكل متزايد، خاصة مع بقاء خارطة الطريق السياسية الصادرة عن الأمم المتحدة في أغسطس 2025 – القائمة على قوانين انتخابية سليمة ومؤسسات موحّدة وحوار هيكلي على المستوى الوطني – غير محقّقة إلى حد كبير.

في غضون ذلك، يزيد تنامي حالة انعدام الثقة العامة والمؤسسية، المرتبطة باتهامات التجاوز السياسي وتعزيز توطين المهاجرين في البلاد، من إضعاف دور الأمم المتحدة كوسيط.

وفي خضم التنافس بين المسار العملي الذي ترعاه الولايات المتحدة وخارطة الطريق الإجرائية التي تقودها الأمم المتحدة، لا تزال العملية السياسية الليبية هشّة وغير مؤكدة. كما اجتمعت مؤخراً قوى إقليمية مثل مصر والسعودية وتركيا في القاهرة لبحث الملف الليبي، ممّا يشير إلى تنسيق إقليمي متزايد حول القضية بالتزامن مع الجهود الأمريكية. ورغم أن السبيل إلى الأمام يكمن في التوافق المشترك والحوار والتمثيل، فإن التزام الأطراف بهذه المبادرات يثير الآمال – والتساؤلات في آن واحد.

الخروج من المستنقع الليبي يجب أن يأتي من داخل البلاد

“على الجانب المشرق، يعكس الإعلان عن اتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لإجراء انتخابات في مطلع العام المقبل استعداداً من الفاعلين المحليين لاتخاذ موقف استباقي في ظل وضع متطوّر بعد سنوات من الجمود، ومحاولة تحمّل مسؤولية عملية توحيد البلاد.

بالتزامن تقريباً مع الإعلان عن الاتفاق، صرّحت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، حنا تيتيه، أمام مجلس الأمن: ‘الاتجاه معروف والأدوات متوفّرة. المطلوب الآن هو الإرادة السياسية للتنفيذ’.

إن الخروج من المستنقع الليبي – الذي استغله العديد من الجهات الخارجية لمصالحها الخاصة – لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال موقف داخلي بالكامل، ليبي خالص. لكن من منظور سلبي، قد تكون هذه الخطوة غير المتوقّعة محاولة من أهم المؤسسات المحلية للاحتفاظ بالسيطرة على البلاد، وتقسيمها فيما بينها، وإدامة الديناميكيات الفاسدة القائمة على المحسوبية التي هيمنت حتى الآن.”

خطة بولس لن تحلّ أيّاً من مشاكل ليبيا حتى لو نجحت

“إن الوساطة الأمريكية الجارية تتخلّى عن عقد من العمليات التي قادتها الأمم المتحدة والقائمة على المؤسسات والأطر القانونية والمشاركة الشاملة – وهي عمليات فشلت إلى حد كبير ولا تقدّم حالياً أي حلّ. وبدلاً من ذلك، يقترح مسعود بولس صفقة تقاسم سلطة بين عائلتين حاكمتين: الحفتر والدبيبة.

وهذا لن يحلّ أيّاً من مشاكل ليبيا حتى لو نجح: فإذا كانت المشكلة الأكثر حدة هي النهب غير المقيد للثروة الوطنية بينما ليبيا منقسمة، فإن نهب أموال الدولة سيصل إلى مستويات قياسية إذا عزّزت العائلتان نفوذهما بشكل أكبر.

والأهم من ذلك، أن مثل هذه الصفقة ستمهد لوضع ينتظر فيه كل طرف اللحظة المناسبة للانقلاب على الآخر واحتكار السلطة. أما احتمال الفشل فليس أفضل: فصدام حفتر، الذي يأمل أن يجعله بولس رئيساً، سيبحث عن طرق أخرى لتحقيق حلمه إذا فشلت الخطة.”

قطاع الطاقة الليبي لم يكن بهذا الوعد منذ عقود

“يبدو أن قطاع الطاقة في ليبيا في وضع أفضل مما كان عليه منذ عقود. فقد سلّط إغلاق مضيق هرمز الضوء على مزايا منتج متوسطي قريب من الأسواق الأوروبية ومحصّن من الاضطرابات التي تطرأ على طرق التصدير في الخليج.

ومن شأن إقرار ميزانية الدولة الموحّدة أن يخفّف بعض الخلافات التمويلية التي عطّلت القطاع بشكل دوري، في حين تشير نجاحات التنقيب الأخيرة وتجدد اهتمام شركات النفط الدولية إلى تنامي الثقة في إمكانياته في مجال الاستكشاف.

ورغم أن ليبيا تستهدف أن تمثّل الطاقات المتجددة 22% من مزيج الطاقة بحلول 2035، فإن الاستراتيجية تركّز على دعم تطوير النفط والغاز، مع تصميم مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتغذية حقول النفط وتحرير الهيدروكربونات للتصدير.

كما أن الربط الكهربائي المقترح مع إيطاليا واليونان ومالطا قد يعزّز دور ليبيا في سوق الطاقة الأوروبية.”

لم تعد القوى الإقليمية تتنافس على ليبيا – بل تتنسق بشأنها

“تخبرنا محادثات القاهرة أن القوى الإقليمية لم تعد تتنافس على ليبيا، بل تتنسق بشأنها. فتركيا ومصر والسعودية تتقارب ليس حول رؤية للبلاد، بل حول مصلحة مشتركة في تقليل تعرّضها، وتسويق الاستقرار، وإدارة مسألة الخلافة التي أثارها تقدّم عمر خليفة حفتر.

والنتيجة المرجّحة، بوساطة بولس، هي رفع صدام حفتر إلى منصب الرئيس مع الإبقاء على الدبيبة رئيساً للوزراء، مع اعتبار الميزانية الموحّدة والمناورات المشتركة بمثابة السقالة السياسية المزعومة، لكنها ليست سوى واجهة.

هذا ليس انتقالاً سياسياً. إنه تسوية نخبوية منسّقة خارجياً تعزّز السلطة السلالية على الجانبين وتؤجّل الموافقة السياسية الليبية إلى أجل غير مسمّى. النمط مألوف، لكن التغليف جديد.”

***
أنس القماطي، المؤسس والمدير العام، معهد الصادق

____________

المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)

شركاء الأزمات: عندما تصبح الفوضى مصلحة مشتركة

صلاح الهوني

مفهوم “الشرعية المؤقتة” أحد أهم منتجات الأزمة الليبية فبدل أن تكون المؤسسات جسرًا نحو الدولة تحولت في كثير من الأحيان إلى غاية بحد ذاتها.

ليست كل الحروب تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، وليست كل الأزمات تستمر لأنها استعصت على الحل. فبعض الأزمات، بعد سنوات من اندلاعها، تكف عن أن تكون مجرد صراع بين طرفين، وتتحول إلى نظام قائم بذاته، له اقتصاد، وله مؤسسات، وله مستفيدون، بل وله شركاء لا يربطهم مشروع سياسي واحد، لكنهم يجتمعون على حقيقة واحدة: أن السلام سيضر بمصالحهم أكثر مما تنفعهم الحرب.

لهذا ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية في ليبيا هو: من بدأ الأزمة؟ بل: من يستفيد من استمرارها؟

إنها زاوية مختلفة لفهم السياسة، لأن كثيرًا من التحليلات التقليدية تنظر إلى الأزمات باعتبارها نتيجة خلافات سياسية أو صراعات أيديولوجية أو تنافس جيوسياسي، بينما تتجاهل أن هذه الأزمات، مع مرور الزمن، تنتج طبقة كاملة من المستفيدين الذين تتحول حياتهم ونفوذهم وثرواتهم إلى رهينة لاستمرار الفوضى.

يمكن تسمية هؤلاء بـ”شركاء الأزمات”.

إذا كانت الأزمات في الأدبيات السياسية تُعرَّف عادة بأنها لحظات استثنائية تعطل عمل الدولة وتدفعها إلى البحث عن حلول عاجلة، فإن التجربة الليبية تكشف مسارًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا. فمنذ عام 2011 لم تعد الأزمة مجرد مرحلة انتقالية تنتظر نهايتها، بل تحولت تدريجيًا إلى نظام سياسي واقتصادي واجتماعي قائم بذاته، تتكيف معه المؤسسات، وتعيد القوى المحلية والإقليمية والدولية ترتيب مصالحها على أساس استمراره لا إنهائه. ومن هنا تبرز الفكرة الأكثر خطورة: لم تعد ليبيا تعاني من أزمة فقط، بل من شبكة واسعة من “شركاء الأزمة” الذين تختلف أجنداتهم، لكنهم يتفقون عمليًا على أن استمرار الوضع الراهن أكثر فائدة لهم من الوصول إلى تسوية نهائية.

هذا لا يعني بالضرورة وجود مؤامرة واحدة أو غرفة عمليات تدير المشهد، بل يعني أن الأزمة نفسها أصبحت تنتج مصالح متشابكة تجعل إنهاءها مكلفًا بالنسبة لكثير من اللاعبين. فكلما طال أمد الانقسام، ظهرت مراكز قوة جديدة، وتشكلت شبكات اقتصادية موازية، ورسخت نخب سياسية وأمنية وجودها باعتبارها المستفيد الأول من غياب الدولة الموحدة.

لقد شهدت ليبيا خلال أكثر من عقد محاولات متكررة لتوحيد المؤسسات وإطلاق مسارات سياسية، من اتفاق الصخيرات إلى ملتقى الحوار السياسي، ومن مؤتمر برلين إلى المبادرات الأممية المتعاقبة، إلا أن معظم هذه المبادرات اصطدم بالحقيقة نفسها: هناك أطراف ترى في الحل نهاية لمكاسب راكمتها خلال سنوات الفوضى. ولهذا كثيرًا ما كانت الاتفاقات تُوقَّع في العلن، بينما يجري تعطيل تنفيذها على الأرض بالخفاء.

في قلب هذه المعادلة يقف الانقسام السياسي باعتباره المورد الأكثر ربحًا لبعض القوى. فوجود حكومات متنافسة، ومؤسسات منقسمة، ومراكز قرار متعددة، لا يمثل فقط مشكلة إدارية، بل يخلق بيئة تسمح بإعادة توزيع النفوذ والموارد بصورة مستمرة. وكل سلطة مؤقتة تجد في استمرار المرحلة الانتقالية فرصة لإطالة بقائها، لأن إنهاء المرحلة يعني بالضرورة إعادة توزيع السلطة عبر انتخابات أو مؤسسات شرعية جديدة قد لا تضمن استمرارها.

ومن هنا يصبح مفهوم “الشرعية المؤقتة” أحد أهم منتجات الأزمة الليبية. فبدل أن تكون المؤسسات الانتقالية جسرًا نحو الدولة، تحولت في كثير من الأحيان إلى غاية بحد ذاتها، تدافع عن استمرار وجودها أكثر مما تدافع عن استكمال مهمتها الأصلية. وهكذا تصبح الأزمة مصدرًا للشرعية، لا سببًا لإنهائها.

لكن الشركاء لا يقتصرون على الفاعلين السياسيين. فالفراغ الأمني الذي رافق الانقسام أوجد اقتصادًا كاملًا خارج مؤسسات الدولة. فشبكات تهريب الوقود، والاتجار بالبشر، وتهريب السلع، والاقتصاد النقدي الموازي، كلها أنشطة لا تزدهر إلا عندما تضعف الدولة وتغيب الرقابة. ولذلك فإن استعادة مؤسسات الدولة لسلطتها تعني بالنسبة لهذه الشبكات نهاية نموذج اقتصادي حقق لها أرباحًا هائلة طوال سنوات الفوضى.

إن الاقتصاد الموازي في ليبيا لم يعد مجرد نشاط هامشي، بل أصبح أحد أكبر المستفيدين من استمرار الانقسام. فكل منفذ حدودي خارج السيطرة الكاملة للدولة، وكل طريق صحراوي مفتوح، وكل مؤسسة رقابية ضعيفة، يمثل فرصة جديدة لتحقيق أرباح لا يمكن تحقيقها في ظل دولة قوية تطبق القانون. ولذلك فإن مكافحة هذه الظواهر ليست مجرد قضية أمنية، بل هي أيضًا معركة مع مصالح اقتصادية ضخمة تشكلت خلال سنوات الأزمة.

ولا يمكن فهم المشهد الليبي دون النظر إلى البعد الخارجي. فليبيا تقع في موقع جغرافي يجعلها جزءًا من معادلات أمن البحر المتوسط، والهجرة غير النظامية، وأسواق الطاقة، والتنافس الدولي على النفوذ في شمال إفريقيا. ولهذا لم تعد الأزمة الليبية شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات إقليمية ودولية معقدة.

فبعض القوى الخارجية تنظر إلى ليبيا باعتبارها ورقة تفاوض في ملفات أكبر، بينما ترى فيها قوى أخرى مجالًا لتعزيز نفوذها الاقتصادي أو الأمني أو العسكري. وقد تختلف هذه الأطراف في رؤيتها للحل، لكنها تتفق ضمنيًا على حماية مصالحها أولًا، حتى وإن جاء ذلك على حساب سرعة الوصول إلى تسوية وطنية شاملة.

ولهذا السبب، كثيرًا ما بدا أن المبادرات الدولية تتحرك بإيقاع أبطأ من تطورات الميدان، وأن لغة البيانات السياسية لا تنعكس دائمًا في ممارسات الفاعلين الإقليميين. فكل قوة تتحدث عن الاستقرار، لكنها تفسر الاستقرار وفق مصالحها الخاصة، لا وفق ما يحتاجه الليبيون.

وما يزيد الصورة تعقيدًا أن استمرار الأزمة خلق جيلًا كاملًا لم يعرف دولة مستقرة بالمعنى التقليدي. فالشباب الذين ولدوا أو نشأوا خلال سنوات الانقسام أصبحوا يتعاملون مع الحكومات المتعددة، والانقطاعات المتكررة للخدمات، والأزمات الاقتصادية، بوصفها جزءًا من الحياة اليومية، لا استثناءً مؤقتًا. وهذه إحدى أخطر نتائج الأزمات الطويلة؛ إذ لا تقتصر آثارها على السياسة، بل تمتد إلى الثقافة العامة، وإلى علاقة المواطن بالدولة، وإلى مستوى توقعاته من المستقبل.

إن ليبيا اليوم تقدم نموذجًا واضحًا لفكرة أن الأزمة قد تتحول إلى صناعة قائمة بذاتها، وأن أخطر ما في الأزمات الطويلة ليس استمرارها فقط، بل قدرتها على إنتاج مستفيدين جدد يدافعون عنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تأخر الحل؟ بل أصبح: كيف يمكن تفكيك شبكة المصالح التي جعلت استمرار الأزمة أكثر ربحًا من إنهائها؟

وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فإعادة بناء الدولة لا تبدأ فقط بكتابة اتفاق سياسي جديد، بل تبدأ بتقليص العوائد السياسية والاقتصادية التي يجنيها شركاء الأزمة من استمرار الانقسام. فكلما أصبحت كلفة السلام أقل من أرباح الفوضى، اقتربت ليبيا من الاستقرار الحقيقي. أما إذا بقيت الأزمة مصدرًا للنفوذ والثروة والشرعية المؤقتة، فإن كل مبادرة جديدة ستواجه المصير نفسه: توقيع على الورق، وتعثر في الميدان، وأزمة تتجدد بأسماء مختلفة بينما تبقى بنيتها العميقة على حالها.

__________

لماذا لن تنجح الخطط الأمريكية لتقاسم السلطة في ليبيا

تيم إيتون

تكشف التحقيقات الليبية في مكافحة الفساد حدود الدفع الأمريكي لتوحيد البلاد دون تحسين الحوكمة.

في الأسابيع الأخيرة، كثف مسعود بولوس — المستشار الأول للرئيس ترامب لشؤون العرب وأفريقيا — جهوده لكسر الجمود السياسي في ليبيا. فالبلاد منقسمة بين إدارتين متنافستين: حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس — والتي تسيطر عليها عائلة الدبيبة — وحكومة الاستقرار الوطني في بنغازي، المتحالفة مع القوات المسلحة العربية الليبية بقيادة خليفة حفتر.

تهدف الخطة الأمريكية إلى جمع حفتر والدبيبة مع الأطراف الرئيسية الأخرى وتشكيل حكومة موحدة.

في يونيو/حزيران، سافر نائب قائد الجيش الوطني الليبي، صدام حفتر، إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بينما يسعى بولوس للحصول على موافقة عائلة حفتر على تقاسم السلطة. ولم تسافر عائلة الدبيبة إلى واشنطن، لكن بولوس لا يزال يأمل في إقناعها بدعم الاتفاق.

بالنسبة لمعارضي الصفقة — وهم كثيرون — يبدو الأمر وكأنه عودة للحكم العائلي ووسيلة لإضفاء الشرعية على العائلتين المتنافستين. كما يبدو أنه تكرار لما سبق بالنسبة للمواطنين الليبيين العاديين، حيث يركز الاتفاق على تقاسم السلطة بين النخب بدلاً من كيفية تقديم الدولة لخدماتها للمواطنين.

تقارير تكشف حجم الفساد في ليبيا

تسلط تقريران حديثان صادران عن تحالف تشكل بين ديوان المحاسبة الليبي والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الضوء على التكلفة التي يتحملها المواطنون الليبيون نتيجة التعايش بين حفتر والدبيبة والمصالح الخاصة للسياسيين والمجموعات المسلحة.

وقد حظيت هذه المبادرة بدعم من البداية من قبل معهد تشاتام هاوس، الذي قدم التوجيه لتطوير برنامج التحالف.

يتناول التقريران سلاسل التوريد المسؤولة عن توفير الوقود المدعوم والأدوية المدعومة على التوالي. وهما يمثلان قراءة قاتمة ولكنها مهمة.

شكل توفير الوقود مصدرًا رئيسيًا للجدل في ليبيا في السنوات الأخيرة. في عام 2022، أدى تغيير في قيادة المؤسسة الوطنية للنفط — تم التوسط فيه بين عائلتي حفتر والدبيبة من قبل الإمارات العربية المتحدة — إلى توسع سريع في مشتريات الوقود.

على الرغم من كون ليبيا دولة منتجة للنفط، إلا أنها تعاني من عجز في الطاقة التكريرية، مما يعني أنها مضطرة لاستيراد الوقود لسوقها المحلية. ومن المعروف أن سعر البنزين عند المضخة يبلغ 0.02 دولار للتر. لكن التقرير يكشف أن تكلفة الدعم أصبحت فلكية.

وجد التقرير أن فاتورة الاستيراد بلغت أكثر من 9 مليارات دولار بحلول عام 2024، أي ما يعادل نحو 1200 دولار للفرد في ليبيا. وقد تضاعف حجم الواردات أكثر من مرتين منذ عام 2021، وهي زيادة لا يمكن تبريرها بأي تقدير معقول للطلب في السوق.

يُفصل التقرير جميع جوانب سلسلة التوريد هذه، ويكشف مشاكل الدولة الليبية المجزأة. وتبين أن تقييم الطلب على الوقود يفتقر إلى أساس “علمي”، حيث تطالب الوكالات الحكومية الليبية بكميات متزايدة نادرًا ما تدفع ثمنها. وزادت استهلاك مجموعات الدولة المسلحة التابعة للدولة من الديزل بنسبة 1527٪ في عام 2024 مقارنة بعام 2021، بينما زاد الاستهلاك في محطة كهرباء جنوب طرابلس بنسبة 1368٪.

تشير هذه النتائج إلى واقع تسيطر فيه المصالح الخاصة على تدفقات السلع المربحة، والتي يُباع جزء كبير منها على الأرجح في السوق السوداء بأسعار أعلى بكثير أو يُهرّب دوليًا.

وليست النخب الليبية وحدها المستفيدة، بل هناك أيضًا بُعد دولي لهذه الأنشطة. انخفض عدد موردي الوقود المستورد من 17 في عام 2021 إلى ستة فقط في عام 2024، ويثير التقرير عدة مخاوف تنظيمية كبيرة بشأن هذه الشركات الأجنبية — التي تم إنشاؤها حديثًا في الغالب.

يسلط التقرير الضوء على أن الأسعار التي دفعتها الدولة الليبية لوقودها أصبحت أقل تنافسية مع تقلص عدد الموردين. على سبيل المثال، ارتفع قسط التأمين والشحن على الديزل بنسبة 450٪، مما أدى إلى خسارة تقارب 600 مليون دولار في عام 2024 وحده.

يكشف التقرير المتعلق بتوريد الأدوية عن ديناميكيات مشابهة بشكل لافت، حيث وجد أنه لا يوجد إطار وطني ينظم إمدادات الأدوية، وأن تقدير الاحتياجات يعتمد على منهجية “تخمينية”.

وتبين أن نظام تسجيل شركات الأدوية يعاني من عيوب عميقة. وأشار التقرير إلى أن عددًا صغيرًا من الشركات نما بشكل هائل من حيث الأرباح والحصة السوقية في السنوات الأخيرة.

وتبين أن بعضها له علاقات مباشرة بمسؤولين حكوميين وأعضاء في البرلمان. وهذا يمثل تضارب مصالح مباشر، حيث أن هؤلاء المسؤولين والنواب أنفسهم هم من يصوغ سياسات الشراء التي تستفيد منها هذه الشركات.

حدود تقاسم السلطة

إذن، كيف يرتبط هذا بمحاولات تشكيل حكومة موحدة؟ المنطق الكامن وراء الحاجة إلى حكومة موحدة هو أنها ستحقق استقرارًا يمكن أن ينبثق منه التنمية الاقتصادية، لا سيما في قطاع النفط. ويحمل تقرير الوقود أهمية خاصة في سياق الدفع الأمريكي نحو الوحدة. يسعى بولوس إلى زيادة الاستثمارات الأمريكية في قطاع النفط الليبي إذا تعاونت الفصيلين المتنافسين.

لكن نتائج التقارير تثير تساؤلات حول ما إذا كان مجرد إضفاء الطابع الرسمي على الوضع القائم بين اللاعبين المتنافسين في ليبيا سيشكل حقًا أساسًا للتنمية. قد يؤدي تقاسم السلطة ببساطة إلى تفاقم الفساد عن طريق تقليل القيود القائمة على زيادة الإنفاق الحكومي.

كما لن يكون نتيجة إيجابية لشركات النفط الدولية، التي تتردد في القيام باستثمارات رأسمالية كبيرة في سوق حيث يأتي التنفيذ القانوني وفقًا لنزوة العائلات الحاكمة المتناحرة، والتي من المرجح أن يستمر تنافسها داخل الحكومة الجديدة.

الدرس الأساسي من تقارير هيئات مكافحة الفساد هو أن النظر إلى النظام التشغيلي للسلطات الحاكمة في ليبيا أمر بالغ الأهمية، وأنه يجب وضع شروط واضحة لكيفية إدارة أي حكومة مستقبلية لأموال الدولة.

يجب أن تتضمن هذه الشروط قدرًا أكبر من الشفافية والتركيز على تقديم الخدمات العامة، لا الإثراء الخاص. وحقيقة أن الميزانية الموحدة لليبيا التي توسطت فيها الولايات المتحدة وتم الاتفاق عليها في أبريل/نيسان لم تُنفذ بعد بشكل ذي معنى، تبين أن الاختراقات السياسية دون خطة تنفيذ لا تغير الوقائع على الأرض.

بطبيعة الحال، سيقاوم نخبة ليبيا هذه الشروط، مما يجعل مسار تشكيل حكومة جديدة أكثر صعوبة. ومن الناحية العملية، سيلزم ذلك الولايات المتحدة بدور مراقبة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. لكنها الطريقة الوحيدة لتأمين الظروف الأساسية للاستثمار التي يسعى إليها بولوس.

يدرك الوسطاء الملمون بتحديات إيجاد توافق بين القادة المتنافسين في ليبيا، وبشكل مفهوم، يتساءلون عن البديل عن الصفقة النخبوية بين حفتر والدبيبة. لكن إذا كانت الحكومة الجديدة التي تشكل على الأساس الذي اقترحه بولوس لا تحسن الحوكمة فعليًا، فإن فائدتها تكون محدودة في أحسن الأحوال.

__________

ليبيا تقف أمام مفترق حاسم بين إدارة الثروة واستنزافها

محمد عون يفتح ملف الغاز الليبي المهدور

أعاد وزير النفط والغاز الليبي، المهندس محمد عون، فتح ملف الغاز الوطني، كاشفًا عن سلسلة من المراسلات والوثائق الرسمية التي تؤكد أن ليبيا كانت قادرة على سد احتياجاتها المحلية من الطاقة لو تم تفعيل القرارات الحكومية في وقتها. 

منذ توليه الوزارة في آذار – مارس 2021، وجّه عون عشرات المذكرات إلى المؤسسة الوطنية للنفط ورئاسة الحكومة، مطالبًا بالإسراع في تطوير الاكتشافات الغازية، وعلى رأسها حقلا الحمادة وعروس البحر. ورغم موافقة مجلس الوزراء بالإجماع في نيسان – أبريل 2022 على خطة التطوير، بقي القرار حبيس الأدراج، رغم سبع رسائل تذكير رسمية أرسلتها الوزارة. 

في أبريل 2024، خصص مجلس النواب الليبي ستة مليارات دينار لتطوير حقل الحمادة، لكن المشروع لم يرَ النور. ويؤكد عون أن هذا التعطيل لم يكن مجرد إهمال إداري، بل محاولة للتفريط في الحقل لصالح ائتلاف شركات أجنبية، قبل أن يتدخل مكتب النائب العام لوقف هذه الخطوة. 

الوثائق تكشف أيضًا أن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، فرحات بن قدارة، نبّه النائب العام في نفس الفترة إلى احتمال نقص الغاز بحلول 2026، وهو ما اعتبره عون محاولة لتبرير التفريط في الحقول الوطنية بدلًا من تطويرها بأيدٍ ليبية، خاصة أن الميزانية كانت متوفرة. 

في تعليقه الأخير، شدد عون على أن بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون لا يمكن أن يظل شعارًا، بل يجب أن يُترجم إلى احترام القوانين والتشريعات والأحكام القضائية. وأشار إلى أن الجمعيات العمومية للشركات العامة، ومنها الشركة العامة للكهرباء، تكاد تكون معطلة، إذ اجتمعت مرة واحدة فقط خلال ثلاث سنوات، ما يعكس خللًا في الرقابة والمتابعة. 

ما يطرحه عون لا ينفصل عن المشهد الأوسع لصناعة النفط والغاز في ليبيا، التي كثيرًا ما وُصفت بأنها “النعمة المهدورة”. فليبيا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا يقدّر بنحو48  مليار برميل، إضافة إلى احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي تمثل نحو 41% من احتياطي القارة. ومع ذلك، يعيش المواطن الليبي أزمات متكررة في الكهرباء والوقود، نتيجة سوء الإدارة والانقسامات السياسية. 

منذ عام 2011، تحولت الحقول والموانئ النفطية إلى أدوات ضغط بيد الفصائل المسلحة، التي استخدمت الإغلاق المتكرر للحصول على امتيازات مالية أو سياسية. ففي عام 2020، تسبب حصار على الموانئ في انهيار الإنتاج إلى مستويات شبه صفرية، ما أدى إلى أزمة اقتصادية خانقة. هذا الاستخدام السياسي للثروة جعلها مصدرًا للصراع بدلًا من التنمية.

معظم خطوط الأنابيب والمرافق النفطية في ليبيا تعود إلى ستينيات القرن الماضي، وتحتاج إلى استثمارات عاجلة تتجاوز17  مليار دولار لتحديثها وضمان استمرار الإنتاج. لكن الانقسامات السياسية والصراعات المسلحة عطلت مشاريع التطوير، مثل حقل الحمادة الذي خصص له البرلمان ميزانية ضخمة دون تنفيذ فعلي. 

رغم أن ليبيا كانت تنتج نحو1.6  مليون برميل يوميًا قبل 2011، فإن إنتاجها اليوم لا يتجاوز1.1 – 1.2  مليون برميل يوميًا، وهو تراجع يضعف قدرة الدولة على الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا. هذا التراجع يعكس غياب التخطيط الاستراتيجي، ويجعل ليبيا رهينة للتقلبات السياسية والأمنية. 

ما يطرحه عون ليس مجرد نقد لأداء الحكومة والمؤسسة الوطنية للنفط، بل هو دعوة صريحة إلى استثمار الثروات الوطنية لصالح الشعب الليبي، بعيدًا عن التفريط والارتهان للخارج. فلو تم تفعيل القرارات في وقتها، لكانت ليبيا اليوم قادرة على إنتاج الغاز بكميات تكفي الاستهلاك المحلي، وتوفر استقرارًا اقتصاديًا ينعكس على حياة المواطنين. 

رسالة وزير النفط الليبي تكشف بوضوح أن أزمة الطاقة في ليبيا ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لتأجيل القرارات وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية. وبينما يلوّح المستقبل بأزمة غازية وشيكة، يبقى السؤال: هل تتحرك الدولة لتصحيح المسار، أم أن الفرص ستظل تضيع في دهاليز البيروقراطية والتجاذبات السياسية؟ 

إن دمج خلفيات صناعة النفط والغاز مع شهادة الوزير عون يضع القضية في سياقها الحقيقي: ليبيا بلد غني بالثروات، لكنه فقير في الإدارة والتخطيط. وبين التفريط في الحقول والفرص الضائعة، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر، فيما تظل الثروة النفطية المهدورة عنوانًا لأزمة وطنية تحتاج إلى قرار سياسي شجاع يعيد للثروة معناها الحقيقي كركيزة للتنمية والاستقرار. 

________________

ليس لدى بولس مبادرة واضحة!

عبدالله الكبير

التطورات اللافت إلى حد المفاجئة في لقاء بولس مع قيادات مدنية في مصراتة، هي إقراره بعدم وجود مبادرة جاهزة مكتوبة لمناقشة تفاصيلها، والتعرف على حظوظها من النجاح، وأين تكمن المعوقات إن وجدت، وماهي الجوانب التي ما تزال بحاجة إلى المزيد من الدراسة وبحث المخاطر وضمانات التنفيذ.

فليس في حقيبة مستشار الرئيس الأمريكي ترامب أي وثيقة توضح بنود مبادرة أمريكية واضحة المعالم والمراحل الزمنية، ومع التسريبات والأخبار الموثوقة عن لقاءاته مع شخصيات نافذة من سلطات الشرق والغرب عدة مرات في عواصم مختلفة، يبدو أنه بالفعل كان يبحث إبرام صفقة يتم فيها توحيد المؤسسات تحت سلطة واحدة مقسمة بين الطرفين الفاعلين، مع معالجة أي مخاوف لديهما، وتوزيع السلطة التنفيذية وكافة المهام والمسؤوليات في إطار يحفظ حالة التوازن القائمة، ويمنح الضمانات الكافية لكل طرف، لكن التسوية لم تكن بالبساطة التي تصورها بولس أو الشركاء.

كما تبين عندما بدأت التسريبات والترشيحات تنتشر في الأوساط الليبية، وردود الفعل الرافضة التي عبرت عنها بيانات عديدة، بعضها كان حادا  حاسما في لغته، غير أن المصادر الذي ذكرت بعض التفاصيل عن الصفقة، والشخصيات المرشحة للمناصب العليا، والتي ركزت جهودها على تنفيذها بالإعلان عن قبولها، وحشد الإعلام ووسائل التواصل لتجميلها، لم تكن تنطلق من تكهنات أو تحليلات سياسية.

لذلك اختار بولس المضي بالبناء على ما أنجز من تقدم على جهة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، والاستمرار في ملف توحيد الإنفاق، وتأجيل الملف السياسي إلى مرحلة لاحقة، يتوفر فيها قدر أكبر من الثقة، وأرضية ممهدة بتسوية عسكرية وأمنية واقتصادية، تفتح الباب أمام التقدم نحو تسوية سياسية، يعاد فيها ترتيب السلطة التنفيذية بشكل متوازن.

لكن ما سمعه بولس في لقاءاته مع المجلسين البلدي والأعيان ونشطاء المجتمع المدني، سيدفعه لإعادة النظر في الكثير من التفاصيل إذا أراد تحقيق تسوية حقيقية.

بيان مكونات مصراتة الصادر عقب الاجتماع مع عراب الصفقة/ المبادرة كان واضحا، معبرا عما يطالب به غالبية الشعب الليبي منذ سنوات، وهو إجراء الانتخابات أو الاستفتاء على مسودة الدستور، وهذه الغالبية تؤكدها استطلاعات رأي موثوقة أجرتها بعثة الأمم المتحدة قبل تسوية تونس جنيف.

ترحيب البيان بأي جهود دولية تساعد في إنهاء الصراع وحل الأزمة، يعني الانفتاح على أي مساعي أو جهود تسهم في التوصل إلى حلول مقبولة، ولكن ليس عبر صفقات وتسويات مع أطراف محددة، بل عبر مسالك واضحة لا تتجاوز مدنية الدولة وعدم عسكرتها، ولابد أن تبني أي تسوية على قواعد دستورية واضحة، ما يعني أن إشراك الطيف الليبي الواسع عسكريا وسياسيا واجتماعيا شرط لا يمكن المضي قدما بدونه.

تشديد البيان على رفض أي تسوية تعيد إنتاج الأزمة، أو تدفع بشخصيات متهمة في تقارير الأمم المتحدة بارتكاب جرائم وانتهاكات، قدم لبولس رسالة واضحة عن رفض صفقات الغرف المغلقة، وتكليف شخصيات محددة سلفا لتبوأ مناصب سياسية عليا.

بعد كل هذا الجدل تدحرجت الكرة نحو بولس باعتباره الوسيط المكلف من الإدارة الأمريكية، وستكشف الأيام والأسابيع المقبلة عن ما سيطرحه بعد أن استمع لأطراف مؤثرة في المشهد السياسي في المنطقة الغربية، وماذا بوسعه أن يقترح من تعديلات ترفع نسبة النجاح في مساعيه، أو يكتفي بإنجاز التسوية الأمنية والعسكرية، وفي الملف السياسي يضم جهوده إلى جهود بعثة الأمم المتحدة، لدفع الفرقاء نحو إنجاز قاعدة دستورية للانتخابات.

________________

ليبيا: لعنة النفط وفرص التنويع

صلاح الهوني

ليبيا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تبقى رهينة لعنة النفط، أو أن تستثمر توصيات البعثة الأممية كفرصة لإعادة بناء اقتصاد متوازن ومستدام.

منذ اكتشاف النفط أواخر خمسينيات القرن الماضي، دخلت ليبيا مرحلة جديدة من تاريخها الاقتصادي والسياسي. فقد غيّر الذهب الأسود ملامح دولة كانت تعتمد على الزراعة والتجارة المحدودة، وأتاح لها خلال عقود قليلة موارد مالية ضخمة مكّنتها من تشييد الطرق والموانئ وشبكات الكهرباء والتعليم والخدمات الصحية، ورفعت مستوى الدخل بصورة جعلت ليبيا في مراحل عديدة من بين أعلى الدول الإفريقية من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي.

لكن التجربة الليبية تكشف أن الثروة الطبيعية، مهما بلغت وفرتها، لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية مستدامة، بل قد تصبح مصدرًا للأزمات إذا لم تُدار ضمن رؤية اقتصادية متوازنة.

فمع مرور الوقت، لم يعد النفط مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبح الاقتصاد نفسه. وتدريجيًا، تشكل نموذج ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية لتمويل الموازنة العامة، ودفع الرواتب، ودعم السلع والخدمات، وتمويل الواردات. وفي المقابل، تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى، مثل الزراعة والصناعة والسياحة، حتى أصبحت هامشية في بنية الاقتصاد الوطني. وهكذا نشأت معادلة مختلة: دولة غنية بالموارد، لكنها فقيرة في التنوع الاقتصادي.

تكمن خطورة هذا النموذج في أنه يجعل الاقتصاد الوطني أسير عاملين لا تتحكم فيهما الدولة: أسعار النفط في الأسواق العالمية، واستمرار تدفق الإنتاج دون انقطاع. وكلما تراجعت الأسعار أو توقفت الصادرات نتيجة أزمة سياسية أو أمنية، انتقلت الصدمة فورًا إلى المالية العامة، ثم إلى الخدمات، فالقطاع المصرفي، وأخيرًا إلى حياة المواطنين. لذلك لم يعد النفط بالنسبة إلى ليبيا صمام أمان اقتصادي، بل أصبح نقطة الضعف الأكثر حساسية في بنيتها المالية.

غير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالاعتماد على مورد واحد، بل بطبيعة العلاقة التي نشأت بين الدولة والثروة. فقد تحولت الإيرادات النفطية تدريجيًا إلى أداة لإدارة التوازنات السياسية والاجتماعية، أكثر من كونها وسيلة لبناء اقتصاد منتج. واعتمدت الحكومات المتعاقبة على الإنفاق العام والوظائف الحكومية والدعم الواسع للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، بينما تراجع الاستثمار في القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة. وهكذا تشكلت دولة توزع الريع أكثر مما تنتج الثروة، ومجتمع ينتظر الإنفاق العام أكثر مما يعتمد على المبادرة الاقتصادية.

هذه الظاهرة هي ما يسميه الاقتصاديون بـ”لعنة الموارد”، وهي مفارقة شهدتها دول عديدة تمتلك ثروات طبيعية ضخمة، لكنها أخفقت في تحويلها إلى تنمية شاملة. فحين تصبح الموارد الطبيعية المصدر الرئيسي للدخل، تتراجع الحوافز لتطوير الصناعة والزراعة والابتكار، وتصبح المنافسة السياسية منصبة على السيطرة على الريع لا على إنتاجه.

وفي الحالة الليبية، ازدادت هذه المفارقة تعقيدًا مع الانقسام السياسي، إذ تحولت المنشآت النفطية نفسها إلى أوراق ضغط في الصراع الداخلي، وأصبحت عمليات الإغلاق أو تعطيل الإنتاج وسيلة تفاوض بين الأطراف المختلفة، وهو ما جعل الاقتصاد الوطني رهينة التجاذبات السياسية.

ولعل أخطر ما أنتجه الاقتصاد الريعي هو إضعاف المؤسسات الاقتصادية نفسها. فغياب التنوع الاقتصادي حدّ من قدرة القطاع الخاص على النمو، بينما بقيت المالية العامة تعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية. كما أدى ذلك إلى تراجع الاستثمار في البنية الإنتاجية، وإلى ضعف الشفافية في إدارة العائدات، وإلى غياب التخطيط طويل الأمد. ومع كل أزمة سياسية، يتبين أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد، بل في هشاشة النموذج الاقتصادي الذي يقوم عليها.

وتؤكد التجارب الدولية أن امتلاك النفط لا يقود بالضرورة إلى النتيجة نفسها. فدول مثل النرويج نجحت في تحويل العائدات النفطية إلى صندوق سيادي واستثمارات طويلة الأجل، بينما استخدمت دول خليجية جزءًا من فوائضها لبناء قطاعات جديدة في الصناعة والخدمات والسياحة والتكنولوجيا.

أما ليبيا، فقد بقيت عائداتها مرتبطة بالاستهلاك الجاري أكثر من ارتباطها بالاستثمار المنتج، وهو ما جعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات.

لهذا تكتسب الدعوات المتكررة إلى التنويع الاقتصادي أهمية تتجاوز الجانب المالي. فتنويع مصادر الدخل ليس مجرد سياسة اقتصادية، بل مشروع لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. فاقتصاد أكثر تنوعًا يعني فرص عمل أوسع، وقطاعًا خاصًا أكثر ديناميكية، وقدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية، وتراجعًا تدريجيًا في حدة الصراع حول توزيع الريع النفطي.

وفي هذا السياق، تكتسب توصيات بعثة الأمم المتحدة الأخيرة أهمية خاصة، إذ دعت إلى توجيه الاستثمارات نحو قطاعات الزراعة، والسياحة، والصناعات التحويلية، وتعزيز التنمية المتوازنة بين الأقاليم، وإصلاح المالية العامة، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين مناخ الاستثمار. ورغم أن هذه التوصيات تبدو مألوفة في الأدبيات الاقتصادية، فإنها في الحالة الليبية تحمل بعدًا إستراتيجيًا، لأنها تربط بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار السياسي، وتتعامل مع التنويع باعتباره شرطًا لإعادة بناء الدولة، لا مجرد خيار تنموي.

لكن الطريق نحو هذا التحول لن يكون سهلًا. فالانقسام المؤسسي، وضعف البنية التحتية، وغياب رؤية اقتصادية موحدة، إضافة إلى مقاومة شبكات المصالح المستفيدة من الاقتصاد الريعي، كلها عوامل تجعل الإصلاح أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، فإن استمرار الوضع القائم يحمل كلفة أكبر بكثير، لأنه يعني بقاء ليبيا رهينة دورة متكررة من الأزمات، تتغير فيها الحكومات بينما يبقى النموذج الاقتصادي على حاله.

إن السؤال الحقيقي الذي يواجه ليبيا اليوم لم يعد يتعلق بحجم احتياطاتها النفطية، بل بكيفية استخدامها. فالنفط لا يصنع التنمية بمفرده، وإنما طريقة إدارته هي التي تحدد ما إذا كان سيصبح رافعة للنهوض أو وقودًا للأزمات. وإذا استطاعت ليبيا أن تحول ثروتها النفطية إلى منصة لبناء اقتصاد متنوع، فإنها لن تتخلص فقط من تقلبات الأسواق العالمية، بل ستؤسس أيضًا لعقد اجتماعي جديد يقوم على الإنتاج والابتكار بدل الريع والتوزيع.

فالخيار المطروح أمام ليبيا ليس بين النفط وغياب النفط، بل بين اقتصاد يعيش على مورد واحد يفرض إيقاعه على السياسة والمجتمع، واقتصاد متعدد المصادر يجعل النفط نقطة انطلاق لا نقطة نهاية. وعندها فقط يمكن للثروة التي كانت لعقود محورًا للصراع أن تصبح أساسًا للاستقرار، وأن يتحول النفط من لعنة تفرض الأزمات إلى فرصة تؤسس لدولة أكثر قوة وتوازنًا واستدامة.

_________________

ماذا وراء انخراط إسلام آباد في الأزمة الليبية؟

شهدت العلاقات بين باكستان وليبيا تحولات متكررة على مدى العقود الماضية؛ إذ مرت بفترات من الفتور، قابلتها مراحل أخرى اتسمت بالتقارب والتعاون.

وفي الوقت الراهن، يرى “مجلس الشؤون الدولية الروسي” أن العلاقات تشهد تقدما ملحوظا، إلا أن هذا التقدم يتركز بصورة أساسية في المجال العسكري أكثر من المدني، كما أنه لا يشمل ليبيا بأكملها، في ظل استمرار الانقسام الداخلي وتعدد مراكز القوى وتضارب المصالح داخل البلاد.

وفي هذا الإطار، ينظر المجلس إلى زيارة نجل الجنرال الانقلابي صدام خليفة حفتر إلى باكستان في 24 يونيو/ حزيران 2026 بوصفها محطة مهمة في مسار تعزيز العلاقات بين الجانبين، رغم ما قد يترتب عليها من تداعيات على علاقات إسلام آباد مع أنقرة.

بذور العلاقة

وتناول الموقع في مستهل تقريره الجذور المشتركة للعلاقات الليبية الباكستانية قائلا: “رغم أن دولتي ليبيا وباكستان بشكليهما الحالي لم تكونا قائمتين إبان الحرب العالمية الثانية، إلا أن بذور العلاقة بدأت في تلك الحقبة”.

وتابع: “شاركت القوات الهندية البريطانية، التي ضمت وحدات من أقاليم باكستان الحالية، في القتال على الأراضي الليبية ضد (فيلق إفريقيا) الألماني-الإيطالي، ولم يقتصر الدور على الجانب العسكري فحسب، بل عملت كتائب عمالية من شبه القارة الهندية على إعادة إعمار البنية التحتية الليبية”.

ورغم أن “هذا العمل كان يخدم المصالح البريطانية”، وفقا له، إلا أنه أشار إلى أن “هذا التواجد خلق نوعا من الولاء والارتباط الشعبي الذي شكل لاحقا أساسا للعلاقات بين البلدين بعد استقلالهما”.

ومن ثم، حصلت باكستان على استقلالها عام 1947، وتبعتها ليبيا عام 1951، وفي 16 يوليو/ تموز 1952، تأسست العلاقات الدبلوماسية رسميا.

وأضاف التقرير: “كانت ليبيا أول دولة عربية تنال سيادتها بقرار من الأمم المتحدة، وسعت باكستان، التي كانت تبحث عن حلفاء في العالم الإسلامي، لتقديم الدعم لليبيا”.

وأردف: “في تلك الفترة، بدأ التعاون يتجاوز النطاق السياسي، حيث وافقت باكستان على تدريب الضباط العسكريين الليبيين، ودعمت الاقتصاد الليبي في المحافل الدولية”.

“وبالتالي، ومع منتصف الخمسينيات، أصبحت ليبيا واحدة من أوائل الدول التي استقبلت خبرات باكستان العسكرية؛ حيث توافد الضباط الليبيون إلى الأكاديميات العسكرية الباكستانية، وهو ما ساعد ليبيا على بناء كادرها الأمني بسرعة، وعزز من نفوذ إسلام آباد في العالم الإسلامي”، وفق التقرير.

وفي عام 1969 شهدت العلاقات “تحولا مفصليا”، وفق وصف التقرير، الذي عزا ذلك إلى “وصول معمر القذافي إلى السلطة، وتبني طرابلس سياسة خارجية أكثر راديكالية واستقلالية عن الغرب”.

وتابع: “تلاقت الرؤى بين إسلام أباد وطرابلس حول مفاهيم الوحدة الإسلامية، ومعاداة الإمبريالية، والتحرر من التبعية للتكتلات الغربية، ومن ثم توسع التعاون ليشمل صفقات تسليح وبرامج تدريب مكثفة للكوادر الليبية في باكستان”.

وأردف: “وفي عام 1971، أظهر القذافي دعمه القوي لباكستان خلال حربها مع الهند، موجها رسالة حادة لنيودلهي”.

تطورات تاريخية

ويعتقد التقرير أن “هذا التقارب تعزز بفضل الروابط الشخصية بين القادة؛ إذ كانت أيديولوجية الاشتراكية الإسلامية التي طرحها رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو متناغمة مع خطط القذافي”.

وأضاف أنه “وفقا لتحقيقات غير رسمية، أسهم القذافي في تمويل مشاريع باكستان النووية السرية، واصفا باكستان بأنها (حصن الإسلام)”.

واستطرد: “وتخليدا لهذه العلاقة، أطلق بوتو اسم القذافي على أكبر استاد للكريكيت في لاهور”.

غير أن العلاقات “دخلت مرحلة من التوتر الحاد مع وصول ضياء الحق إلى السلطة إثر الانقلاب العسكري على رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو عام 1977، إذ تصاعدت حالة عدم الثقة بين الجانبين، بالتزامن مع اندلاع الحرب الأفغانية”، يقول الموقع.

وأضاف: “وفي عام 1978، توقف التعاون العسكري بين البلدين بصورة شبه كاملة، قبل أن تستدعي باكستان مستشاريها العسكريين من ليبيا في عام 1979”.

وذكر أنه “رغم محاولات القذافي إنقاذ بوتو وإرسال طائرة لنقله إلى طرابلس، إلا أن باكستان رفضت ذلك، وأُعدم بوتو”.

وتابع: “وعليه، أصدر القذافي عام 1980 قرارا بطرد نحو 150 ألف عامل باكستاني”.

علاوة على ذلك، “أدى تقارب ليبيا مع الهند في الثمانينيات إلى تعمق الخلافات مع باكستان، لتدخل العلاقات مرحلة طويلة من المد والجزر استمرت قرابة عقدين، قبل أن تزيد أزمة الملف النووي في التسعينيات ومطلع الألفية من تعقيدها”.

وأضاف أنه “بحلول عام 2009 بدأت بوادر التعافي مع تولي حكومة حزب الشعب الباكستاني السلطة؛ حيث عُززت الاتصالات الدبلوماسية والتبادل التجاري”.

ومع ذلك، أشار إلى أن “سقوط نظام القذافي عام 2011 جاء ليغير قواعد اللعبة؛ حيث اتخذت إسلام أباد موقفا محايدا، واضطرت لتدبير عمليات إجلاء واسعة لرعاياها من ليبيا وسط الفوضى الأمنية”.

واليوم، يعتقد التقرير أن “باكستان تجد نفسها أمام واقع ليبي مجزأ، فهي تسعى من جهة للحفاظ على علاقاتها مع السلطات الليبية الجديدة، وتواجه من جهة أخرى مخاطر عدم الاستقرار، مما جعل انخراطها في ليبيا يتسم بالحذر الشديد، بعيدا عن الزخم الذي ميز علاقات السبعينيات”.

أكثر ملاءمة

“ومنذ عام 2014، ومع انقسام ليبيا فعليا إلى مراكز قوى متنافسة؛ حيث تشكلت سلطات تنفيذية وبرلمانات متوازية في طرابلس وشرق البلاد، اعتمدت السياسة الخارجية الباكستانية نهج يقوم على الحفاظ على قنوات اتصال متعددة مع مختلف الأطراف، من دون الانحياز بصورة حاسمة إلى أي منها”، وفق الموقع.

وفي موازاة ذلك، “واصلت إسلام آباد مشاركتها في الجهود الدولية الرامية إلى دعم ليبيا، سواء عبر الأمم المتحدة أو منظمة التعاون الإسلامي أو من خلال القنوات الثنائية”.

كما استمرت في تخصيص مقاعد للطلاب الليبيين في جامعاتها، بما في ذلك ضمن برامج المنح التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، وهو ما أشار التقرير إلى أنه “ساعدها على الحفاظ على نفوذها الناعم وتعزيز العلاقات المهنية مع الأجيال الجديدة”.

من جانب آخر، لفت الموقع إلى أن “التعاون العسكري، لا سيما في مجال التعليم والتدريب العسكري، الذي امتد لعقود، ترك أثرا واضحا؛ إذ شغل عدد من الليبيين الذين سبق أن تلقوا تدريبات أو أقاموا علاقات مع باكستان مناصب مهمة داخل مختلف المناطق الليبية”.

وتابع: “ومع انطلاق الجهود التي قادتها الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا خلال عامي 2020 و2021، برزت فرصة لخفض مستوى التوتر مؤقتا، الأمر الذي دفع باكستان إلى تكثيف العمل على عدد من المشروعات المحددة”.

وأردف: “وخلال السنوات الأخيرة، أصبح التعاون العسكري والفني وإعداد الكوادر المجال الأبرز في العلاقات بين الجانبين”.

وبحسب الموقع، “ترى إسلام آباد أن هذا القطاع يمثل المجال الأكثر ملاءمة لتعزيز حضورها، من خلال تدريب الكوادر، وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب، ودعم بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية”.

ووفقا له، “يتركز هذا التعاون بصورة رئيسة مع الجيش الوطني الليبي (قوات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر)، الذي يسيطر على المناطق الشرقية والجنوبية من البلاد”.

وأشار إلى أن “أبرز تطور في هذا المسار جاء مع الاتفاق الذي كشف عنه في ديسمبر/، كانون الأول 2025”.

وقال: “ففي أعقاب لقاء عقد في بنغازي بين قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، وصدام حفتر، توصل الطرفان إلى اتفاق إطاري يشمل تزويد جيش حفتر بـ16 مقاتلة متعددة المهام من طراز JF-17، المطورة بالشراكة بين باكستان والصين”.

إضافة إلى 12 طائرة تدريب من طراز “سوبر موشاك” التي تعد ضرورية لإعادة بناء منظومة تدريب الطيارين بعد سنوات من التوقف، فضلا عن توريد معدات وأسلحة إضافية للقوات البرية والبحرية والجوية.

ونوَّه التقرير إلى أنه “سبق هذا الاتفاق زيارة أجراها صدام حفتر إلى باكستان في يوليو/ تموز 2025، حيث ناقش الجانبان قضايا إعادة بناء القدرات العسكرية، وإعداد البرامج التدريبية، والتخطيط العملياتي، وتعزيز التنسيق في مجال مكافحة الإرهاب”.

محطة بارزة

في هذا السياق، تطرق الموقع الروسي لصدام حفتر ونفوذه المتزايد في المشهد الليبي؛ إذ يعد الابن الأصغر لخليفة حفتر، الذي “يعد الزعيم الفعلي لشرق ليبيا منذ عام 2017″، وفق وصفه.

وتخرج صدام من الكلية العسكرية الملكية في الأردن، كما تلقى دورة متقدمة في أمن المعلومات في روسيا، ودورة متخصصة في مكافحة الإرهاب في مصر.

وبحسب الموقع، “يمثل صدام حفتر -الذي يحمل الجنسيتين الليبية والأميركية- قيادة الجيش (مليشيا حفتر) بصورة منتظمة في المحافل الدولية؛ حيث أجرى زيارات رسمية إلى الولايات المتحدة وروسيا والأردن والإمارات وباكستان وتشاد، وبحث خلالها ملفات التعاون العسكري، ومكافحة الإرهاب، وتنسيق المواقف السياسية”.

“كما ينظر إليه على نطاق واسع بصفته الوريث السياسي المحتمل لوالده، والمرشح الأوفر حظا لقيادة ليبيا مستقبلا، أو على الأقل قيادة المنطقة الشرقية والجنوبية إذا ما اتجهت نحو كيان سياسي مستقل”، وفق التقرير.

ويجدر بالذكر أن “والده، كان من أقرب المقربين إلى معمر القذافي، وتلقى تدريبه العسكري في الاتحاد السوفيتي؛ حيث التحق خلال عامي 1977 و1978 بالدورات العليا للضباط (فيستريل)، قبل أن يكمل عام 1983 دراسته في أكاديمية فرونز العسكرية، متخصصا في أعمال القيادة والأركان”.

في هذا السياق، قدر الموقع أن “زيارة صدام إلى باكستان في يونيو 2026 شكلت محطة بارزة أخرى في مسار العلاقات الثنائية”.

وأضاف أنه “خلال مباحثاته مع قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ركز الجانبان على قضايا الأمن الإقليمي، وإعداد الكوادر العسكرية، وتعزيز الروابط المؤسسية بين الجيشين”.

بالنسبة إلى باكستان، يرى الموقع أن “مثل هذه اللقاءات تمثل وسيلة لترسيخ مكانتها بوصفها شريكا موثوقا في مجال الدبلوماسية الدفاعية للدول التي تمر بمراحل إعادة البناء بعد النزاعات”.

في الجانب الاقتصادي، أشار الموقع إلى أنه “رغم استمرار الاتصالات السياسية، لا يزال حجم التبادل التجاري بين البلدين محدودا”.

ووفقا لبيانات عامي 2022 و2023، بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 19 مليون دولار، وتتركز الصادرات الباكستانية في المنسوجات والمواد الغذائية والمنتجات الجلدية، وبعض منتجات الصناعات الهندسية.

“وفي المقابل، لا تزال المشروعات المشتركة الكبرى في مجالي الطاقة والبنية التحتية غائبة، إذ تمثل حالة عدم الاستقرار المستمرة وغياب سلطة مركزية موحدة في ليبيا أبرز العقبات التي تحول دون توسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين”، بحسب تقدير الموقع.

تداعيات دبلوماسية

ورغم تعقيدات المشهد الليبي خلال السنوات الأخيرة، شدد الموقع على أنه “لا تزال هناك مجموعة من العوامل التي تحافظ على قدر من الاستقرار في العلاقات بين باكستان وليبيا”.

وأبرز هذه العوامل قائلا: “تظلّ الهوية الإسلامية المشتركة، إلى جانب التنسيق داخل منظمة التعاون الإسلامي، من أبرز القنوات التي تسهم في استمرار التواصل بين البلدين”.

فضلا عن ذلك، “تواصل الجالية الباكستانية في ليبيا، التي تضم عدة آلاف من الأشخاص، أداء دور حلقة الوصل، ولا سيما في القضايا القنصلية والإنسانية، في حين تواصل إسلام آباد الاعتماد على أدوات القوة الناعمة للحفاظ على حضورها داخل ليبيا”.

أما في المحافل الدولية، فذكر أن “البلدين اعتادا التصويت بصورة متقاربة أو الامتناع عن التصويت في القضايا الحساسة، بما يجنب الطرفين الدخول في مواجهات سياسية داخل الأمم المتحدة”.

ومع ذلك، لفت الموقع إلى أن “إن أي تحسن، ولو كان جزئيا، في العلاقات الباكستانية الليبية من شأنه أن يضيف أبعادا جديدة إلى المشهد الجيوسياسي في المنطقة”.

وتابع موضحا: “فإذا جرى تنفيذ صفقة التسليح واسعة النطاق، فإنها ستؤدي إلى تعزيز القدرات الجوية لجيش حفتر بصورة كبيرة”.

وأردف: “ونظرا إلى أن قوات حفتر تسيطر على شرق ليبيا وجنوبها، بما في ذلك المناطق الغنية بالنفط، فقد يسهم ذلك في تعزيز موقعها في الصراع المستمر مع الحكومة المتمركزة في طرابلس”.

وفي المقابل، قدر التقرير أن “التقارب بين غرب ليبيا، بقيادة طرابلس، وأوكرانيا، بما يشمل إنشاء قواعد عسكرية أوكرانية وتطوير قدرات الطائرات المسيرة، قد يدفع نحو تصعيد الحرب الأهلية ويزيد من أعداد الضحايا”.

من الناحية القانونية، نوه الموقع إلى أن “هذه التطورات تثير تساؤلات بشأن نظام حظر السلاح المفروض على ليبيا”.

واستطرد: “فمنذ عام 2011 تخضع البلاد لحظر أممي على استيراد الأسلحة، ما يعني أن أي عمليات نقل للأسلحة تتطلب موافقة خاصة من مجلس الأمن الدولي”.

وفي هذا السياق، وبما أن “الإعلان عن الصفقة العسكرية لم يتضمن أي إشارة إلى الحصول على مثل هذه الموافقة فإن ذلك يفتح الباب أمام احتمالين: إما أن تكون باكستان وقوات حفتر قد وجدا آلية للالتفاف على القيود، أو أن نظام الحظر الأممي أصبح أقل فاعلية من الناحية العملية، وهو ما يعكس تراجعا في قدرة القوانين الدولية على فرض الالتزام بها”، وفق تحليله.

من منظور إقليمي، وقع التقرير أن “تفضي صفقات الأسلحة الباكستانية مع قوات حفتر إلى تداعيات دبلوماسية على إسلام آباد”.

وعزا ذلك إلى “ارتباط باكستان بعلاقات وثيقة مع عدد من دول المنطقة، وفي مقدمتها تركيا، التي تربطها بها شراكة قوية على المستويين السياسي والعسكري، في حين تعد أنقرة الداعم الخارجي الأبرز للحكومة الموجودة في طرابلس”.

ورغم أنه “استبعد حدوث مواجهة مباشرة بين الطرفين”، إلا أنه أكد على أن “تعقيد العلاقات بينهما يظل احتمالا قائما”.

وبالنسبة إلى خليفة حفتر، قال: “يندرج التقارب مع باكستان ضمن إستراتيجية أوسع تهدف إلى تنويع الشركاء الخارجيين والبحث عن حلفاء موثوقين خارج المنظومة الغربية، التي كثيرا ما تقيد تعاونها باعتبارات سياسية أو عقوبات”. وفي هذا الصدد، يعتقد التقرير أن باكستان “بدت شريكا مناسبا لتلبية هذه المتطلبات”.

في الوقت ذاته، حذر من أن “المخاطر بعيدة المدى تظل قائمة، إذ إن عدم كفاية الدعم الباكستاني، أو حصول غرب ليبيا على دعم عسكري من دول أخرى، قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع، مع ما يصاحب ذلك من تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية، وازدياد موجات الهجرة غير الشرعية، واتساع شبكات تهريب المخدرات”. من جانبها، ترى باكستان أن “تعزيز العلاقات مع ليبيا يمثل جزءا من سياسة أوسع لتنويع الشراكات الإستراتيجية”، يقول الموقع.

وأضاف: “ففي ظل إعادة تشكيل العلاقات بين القوى الكبرى، وظهور ملامح نظام دولي أكثر تعددية، تعمل باكستان على توسيع حضورها العسكري والدبلوماسي، بما في ذلك في منطقة البحر المتوسط، بما يعزز صورتها باعتبارها دولة قادرة على الإسهام في توفير الأمن والاستقرار”.

“كما أن تركيز إسلام آباد على تدريب العسكريين، ودعم الإصلاحات المؤسسية، وتوريد المعدات، وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب، وهي المجالات التي تمتلك فيها خبرة تراكمية واسعة، قد يمنحها دورا مؤثرا في دعم التوازن والاستقرار وتعزيز التعاون بين الأطراف المختلفة”، بحسب التقرير.

في سياق أوسع، قدر الموقع أن “هذا التوجه يعكس اتجاها متزايدا لدى الدول متوسطة القوة نحو بناء شراكات عملية ومصالح مشتركة بعيدا عن هيمنة القوى الكبرى، في محاولة لإيجاد مساحات جديدة للتعاون ضمن النظام الدولي المتغير”.

_____________

مخاوف في ليبيا من تسوية أميركية تُدير الأزمة بدل حلها

منتقدو المبادرة الأميركية يرون أنها تمنح الأولوية للاستقرار الأمني والإداري على حساب الشرعية السياسية، وتحول عملية توحيد المؤسسات إلى إعادة تنظيم لموازين القوى بدل بناء دولة قائمة على المساءلة والانتخاب.

لا تزال مبادرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية، الهادفة إلى تسوية الأزمة الليبية تثير جدلا واسعا، حيث يرى منتقدو خارطة الطريق أن جوهرها يتجاوز مسألة بناء الدولة إلى صياغة نموذج “استقرار مضبوط” يضمن المصالح الأميركية في بلد يمثل أحد أهم مصادر الطاقة ومواقع النفوذ الاستراتيجي في شمال إفريقيا.

وتهدف المبادرة إلى تثبيت مؤسسات الدولة قبل إعادة تشكيل المشهد السياسي، وهو ترتيب يثير مخاوف قوى سياسية تخشى أن يتحول توحيد المؤسسات إلى آلية لإدارة الأزمة بدل حلها، وأن يؤدي إلى إعادة تدوير النخب ومراكز القوة التي استفادت من الانقسام طوال السنوات الماضية.

وبحسب التصريحات والتسريبات، فإن الخطة تركز على توحيد الحكومة والمؤسسات السيادية، وضمان استقرار قطاع النفط، وفتح المجال أمام الاستثمارات الأميركية، إلى جانب بناء قنوات تعاون أمنية بين شرق البلاد وغربها.

وتحدث بولس عن مسار بدأ قبل أكثر من عام، مشيراً إلى تفاهمات قال إن بعضها دخل حيز التنفيذ، من بينها الموازنة الموحدة، ومناورات عسكرية مشتركة، وإنشاء غرف عمليات أمنية تضم ممثلين عن الأطراف المختلفة.

وتمنح هذه الخطوات المبادرة مظهراً عملياً، لكنها تكشف في الوقت ذاته طبيعة أولوياتها؛ إذ يبدو أن ترتيب ملفي المال والأمن يسبق الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تمنح الليبيين دوراً مركزياً في تحديد شكل السلطة المقبلة.

وتتمحور الخطة حول دمج تدريجي للمؤسسات المنقسمة، وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، ثم الانتقال إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر حكومة موحدة ومجلس رئاسي جديد.

غير أن أكثر النقاط إثارة للجدل تتعلق بما يتردد عن إعادة توزيع المواقع التنفيذية والسيادية بين مراكز النفوذ القائمة، في إطار تفاهمات داخلية وخارجية، بدلاً من ربط تشكيل السلطة الجديدة بمسار انتخابي واضح وتفويض شعبي مباشر.

ويرى معارضون لهذا النهج أن الصيغة المقترحة قد تؤدي إلى إنتاج نسخة جديدة من الأزمة، لأنها تمنح الأولوية للاستقرار الأمني والإداري على حساب الشرعية السياسية، وتحول عملية توحيد المؤسسات إلى إعادة تنظيم لموازين القوى بدل بناء دولة قائمة على المساءلة والانتخاب.

كما أن الجدول الزمني المتداول حول المبادرة يزيد من المخاوف، إذ يتحدث عن تشكيل حكومة توافقية في ديسمبر/كانون الأول 2026، وإجراء انتخابات برلمانية في منتصف 2027، مع تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى حين معالجة الخلافات الدستورية.

وبالنسبة لكثير من الليبيين، تمثل الانتخابات الرئاسية الحلقة الأساسية في أي انتقال سياسي، باعتبارها الوسيلة التي تمنح الشعب فرصة لاختيار قيادته وإنهاء شرعية الأمر الواقع. لذلك فإن تأجيلها قد يُنظر إليه باعتباره تمديداً للمرحلة الانتقالية ومنحاً إضافياً للفاعلين السياسيين والعسكريين الحاليين.

وتحتل الموازنة الموحدة موقعاً مركزياً في التحرك الأميركي، باعتبارها أحد أبرز مظاهر التقارب بين المؤسسات الليبية المتنافسة. فقد شهد أبريل/نيسان 2026 إقرار أول موازنة موحدة منذ عام 2013 بقيمة 190 مليار دينار ليبي، أي ما يقارب 30 مليار دولار، مع توزيع بنود الإنفاق بين الرواتب والتنمية والدعم وتمويل المؤسسة الوطنية للنفط.

لكن أهمية هذه الخطوة تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على فرض رقابة حقيقية على المال العام. فالموازنة الموحدة لا تعني بالضرورة توحيد الدولة إذا ظلت آليات الإنفاق خاضعة للتجاذبات السياسية أو استخدمت الموارد المالية كأداة للحفاظ على التوازنات بين القوى المتنافسة.

وتنظر الولايات المتحدة إلى ليبيا من ثلاث زوايا رئيسية: مصدر للطاقة، وساحة نفوذ إقليمي، وموقع استراتيجي في مواجهة منافسين دوليين يسعون إلى توسيع حضورهم في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو مقاربة بولس أقرب إلى منطق إدارة المصالح الاقتصادية والأمنية منها إلى مشروع متكامل لبناء الدولة.

ويتركز الرهان الأميركي على حماية تدفقات النفط، واستقرار المؤسسات المالية، وتهيئة البيئة المناسبة للاستثمار، خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث تراهن شركات أميركية كبرى على فرص مستقبلية في السوق الليبية.

ولا شك أن استقرار قطاع النفط يمثل حاجة ليبية أساسية، باعتبار أن الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على العائدات النفطية، وأن أي اضطراب في الإنتاج أو في عمل المؤسسات المالية ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.

لكن الإشكالية تكمن في اختلاف الأولويات؛ فبينما ترى واشنطن في النفط مدخلاً لترتيب الاستقرار السياسي والأمني، يرى كثير من الليبيين أن المطلوب هو بناء نظام سياسي شرعي يضع الموارد النفطية تحت سلطة مؤسسات منتخبة وقواعد رقابة واضحة.

وتكشف مبادرة بولس عن صراع بين رؤيتين لمستقبل ليبيا؛ الأولى تركز على تثبيت الاستقرار عبر التفاهم مع القوى القائمة، وتأمين المصالح الاقتصادية والأمنية، خصوصاً في قطاع الطاقة. أما الثانية فتطالب بانتقال سياسي حقيقي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع ويضع نهاية لمرحلة المؤسسات المؤقتة.

وبين المسارين، يبقى التحدي الأكبر أمام أي مبادرة خارجية هو تجاوز منطق إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها. فليبيا لا تعاني فقط من انقسام المؤسسات، بل من أزمة شرعية، وتعدد مراكز القوة، وضعف آليات المحاسبة.

_________________

تفاصيل الاتفاق الليبي المرتقب

أسامة علي


كشف عبد الجليل الشاوش؛ عضو لجنة الحوار المصغر (4+4)، في تصريح خاص لـ”العربي الجديد”، عن تفاصيل في الاتفاق النهائي الذي ستشرف البعثة الأممية في ليبيا على توقيعه يوم الثلاثاء المقبل، موضحاً أن وثيقة الاتفاق تمثل “اتفاقاً متكاملاً” صيغ استناداً إلى مختلف مسارات الحوار التي تضمنتها خريطة الطريق برعاية البعثة الأممية.

وكانت البعثة الأممية قد أعلنت، الاثنين الماضي، اختتام اجتماعات لجنة الحوار المصغرة (4+4)، وشروع أعضائها في صياغة “الاتفاق النهائي” تمهيداً للتوقيع عليه خلال اللقاء المرتقب الأسبوع الجاري.

وذلك بعدما اجتمعت اللجنة للمرة الخامسة منذ تشكيلها في 4 مايو/ أيار الماضي، بعدما توصلت في اجتماعاتها السابقة إلى توافقات بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والاتفاق على قانوني الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

مرحلة انتقالية وحكومة موّحدة قبل الانتخابات

في غضون ذلك، أوضح الشاوش أن الاتفاق، المزمع توقيعه يوم الثلاثاء المقبل، يمثل حصيلة جميع الحوارات التي رعتها البعثة الأممية ضمن خريطة الطريق، مشيراً إلى أن اللجنة المصغرة استندت في صياغة الاتفاق إلى مخرجات “الحوار المهيكل”.

وفي التفاصيل كشف الشاوش أن الاتفاق المرتقب يرسم مرحلة انتقالية تمتد ما بين 18 و24 شهراً، تقودها حكومة موحدة تتولى إدارة المرحلة التمهيدية وصولاً إلى إجراء الانتخابات، على أن يُحال الاتفاق عقب توقيعه إلى مجلس الأمن لاعتماده قبل البدء في تنفيذه.
وأوضح أن وثيقة الاتفاق تتضمن قانوني الانتخابات البرلمانية والرئاسية “بالتفصيل”، إلى جانب معالجة ملفات السلطات المنقسمة، وفي مقدمتها السلطتان التنفيذية والقضائية، مؤكداً أن اللجنة رأت بتوحيد هذه المؤسسات شرطاً أساسياً قبل الانتقال إلى إجراء الانتخابات.

أمّا بالنسبة للسلطة التنفيذية، فأوضح الشاوش أن الاتفاق يتضمن إنهاء الانقسام الحكومي عبر إجراء تعديلات على الحكومة الحالية المعترف بها دولياً في طرابلس بـ”استيعاب الجميع” من دون الخوض في تفاصيل أخرى، معتبراً أن اللجنة رأت أنه “الخيار الأفضل” مقارنةً بتشكيل سلطة تنفيذية جديدة.

وحول المجلس الرئاسي قال الشاوش إنه “سيُحال إلى المسار العسكري الذي سترعاه البعثة بعد توقيع الاتفاق، للبت فيه باعتبار أن المجلس يتولى صفة القائد الأعلى للجيش”.

وحول الخطوة التالية بعد التوقيع، قال الشاوش إن الاتفاق “سيحال إلى مجلس الأمن لاعتماده”، معتبراً أن إحالته إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة “ستضعه في دائرة التعطيل”.

وأضاف أن اللجنة رأت أن اعتماد الاتفاق عبر مجلس الأمن يمثل “المسار الأكثر ضماناً” لتنفيذه، مشيراً إلى أن الوثيقة تتضمن أيضاً مادة تنص على معاقبة معرقلي تنفيذ الاتفاق، لضمان الالتزام بمخرجاته.

في المقابل، وفي ما يخص النقاط الخلافية التي عطلت إجراء الانتخابات في السابق، وتحديداً ملفات ترشح العسكريين وحاملي الجنسيات الأجنبية واشتراط تزامن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فقد “نجحت اللجنة في إزالتها”، بحسب ما أكّد الشاوش، موضحاً أن مسألة ترشح العسكريين “ستخضع للتشريعات الليبية النافذة، سواء على مستوى السماح لهم بالترشح أو لناحية الضوابط الناظمة لترشحهم، في حال سمحت التشريعات الليبية بذلك”، أما معالجة مسألة مزدوجي الجنسية “فهي في مراحلها النهائية قبل توقيع الاتفاق”، كما قال.

كيف ستتخطى اللجنة عقبة تزامن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؟

وفي ما يتعلق بالنقطة الخلافية الثالثة، الخاصة بتزامن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بحيث تلغى نتائج الانتخابات البرلمانية إذا تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية، أوضح الشاوش أن اللجنة قررت “فك الارتباط” بين موعدي الاستحقاقين، بحيث لا يجرى الاقتراع فيهما بصورة متزامنة.

وأضاف: “سيُترك الأمر للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات لتحديد موعد كل منهما بالتعاقب وفي فترة زمنية متقاربة، فالمفوضية هي من ستحدد، وفقاً لقدراتها الفنية واللوجستية، توقيت إجراء الاستحقاقين، على أن يفصل بينهما وقت قصير، ودون أن يرتبط إجراء أحدهما أو نتائجه بالآخر”.

وحول اتفاق اللجنة في اجتماعاتها السابقة على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مع إسناد مهمة اختيار رئيس المجلس إلى النائب العام من بين شخصيات قضائية مشهود لها بالنزاهة، قال الشاوش إن اللجنة “لا تزال بانتظار تسمية النائب العام لرئيس المفوضية”، مضيفاً: “في حال تعذر وصول الاسم قبل موعد التوقيع فسيُعتمد بديل عنه”، لكنه شدد على أن “الاتفاق لن يُوقع قبل حسم هذا الملف”.

وفي التفاصيل الأخرى، كشف الشاوش أن البعثة الأممية ستشرف خلال الأسبوع الجاري على مسارين، اقتصادي وعسكري. وأوضح أن المسار الاقتصادي يتمثل في استئناف أعمال اللجنة الفنية المشتركة بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، التي سبق أن وقعت الاتفاق التنموي الموحد في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، من أجل “مراجعة العقبات الفنية التي ظهرت أثناء تنفيذ الاتفاق وإدخال التعديلات اللازمة لتطويره”، مشيراً إلى أن اللجنة ستواصل اجتماعاتها بصورة دورية لهذا الغرض.

أما عن المسار الثاني، فقال الشاوش إنه “المسار العسكري، وسينطلق عبر مشاورات” بين طرفي البلاد بهدف توحيد المؤسسة العسكرية، مضيفاً أن القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) قدمت مقترحاً لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، ما يدل على انخراط أميركي في هذا الملف.

واستكمالاً لما كشفته مصادر ليبية لـ”العربي الجديد” في وقتٍ سابق عن قرب عقد اجتماعين في مدينة سرت:

الأول بين رئيس الأركان في طرابلس صلاح النمروش ورئيس أركان قوات شرق ليبيا خالد حفتر؛

والثاني بين وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية عبد السلام زوبي، ونائب “القائد العام” للقوات في شرق ليبيا صدام حفتر،

أكّد الشاوش أن هذه اللقاءات تندرج ضمن المسار العسكري الذي ستشرف عليه البعثة الأممية، موضحاً “نعم، هذه الاجتماعات في سرت ستكون ضمن المسار العسكري الذي سترعاه البعثة”.

وختم الشاوش تصريحاته بالتشديد على رفضه أن تبقى ليبيا “رهينة للتعديلات الدستورية التي يحتكرها مجلسا النواب والأعلى للدولة، فهذا وضع لا يمكن السماح باستمراره”. وأضاف أن اللجنة المصغرة (4+4) “انتهت من معالجة جميع الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وكل ما كان يقف عائقاً أمام إجراء الانتخابات”. واعتبر أن “مجلس الأمن يمثل الضمانة الأساسية لتنفيذ الاتفاق وضمان المضي به إلى نهايته”.

ويُذكر أن البعثة الأممية قد أطلقت خريطة الطريق في 21 أغسطس/آب الماضي، مستندةً :إلى مسارين رئيسيين

تمثل الأول في تكليف مجلسي النواب والأعلى للدولة بتهيئة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة (6+6). وبعد تعثر المجلسين في تحقيق أي تقدم، شكلت البعثة لجنة الحوار المصغرة (4+4)، التي ضمت ممثلين اثنين عن مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى جانب ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية وقيادة خليفة حفتر.

أما المسار الثاني فتمثل في “الحوار المهيكل”، الذي ضم نحو 120 شخصية من مختلف الشرائح السياسية والاجتماعية للمشاركة في بحث سبل تجاوز الخلافات التي تعترض العملية الانتخابية.

وفي السابع من يونيو/حزيران الماضي أعلنت البعثة انتهاء أعمال هذا الحوار الذي أوصت مخرجاته بضرورة توحيد السلطة التنفيذية بوصفها خطوة أساسية تسبق إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

_________________