زيد سليم

رست الفرقاطة التركية “قنالي أدا” في ميناء بنغازي، يوم أغسطس/آب 2025، فبدت الصورة القادمة من شرق ليبيا أقرب إلى إعلان سياسي مكثف منها إلى زيارة بحرية عابرة؛ سفينة من البحرية التركية، ووفد عسكري، واستقبال يتقدمه صدام حفتر، نجل خليفة حفتر وأحد أبرز وجوه الصعود داخل معسكر الشرق، في مدينة ارتبط اسمها لسنوات بمعسكر واجه أنقرة مباشرة على أبواب طرابلس.
بعد ساعات، اكتمل معنى المشهد بلقاء رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن مع خليفة حفتر في بنغازي، في أول اتصال بهذا المستوى بين أنقرة وقيادة الشرق الليبي منذ سنوات طويلة. كانت تركيا، قبل 5 أعوام فقط، قد تدخلت عسكريا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، وساهمت طائراتها المسيرة وخبراتها العسكرية ودعمها البحري في وقف هجوم قوات حفتر على طرابلس. أما بنغازي، التي كانت يومها في قلب المعسكر المناهض لأنقرة، فقد تحولت في 2025 إلى محطة اتصال سياسي وأمني وعسكري واقتصادي متدرج.
تكثف هذه الصورة ملامح التحول التركي الجديد في ليبيا. فأنقرة التي بنت حضورها الليبي الحديث على دعم حكومة طرابلس ومذكرتي التفاهم الأمنية والبحرية الموقعتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بدأت تعيد صياغة مقاربتها على قاعدة أوسع من الرهان على الغرب الليبي وحده. انتقلت تركيا من الارتكاز على شريك واحد إلى إدارة نفوذ موزع بين طرابلس وبنغازي، ومن حماية مكاسبها عبر حكومة الغرب إلى تثبيتها داخل معادلة ليبية أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية والموارد الاقتصادية والشرعية السياسية والقدرة على التعطيل.
تحتل مذكرة التفاهم البحرية موقعا مركزيا في هذا التحول. فقد منحت تلك الوثيقة أنقرة منفذا قانونيا وسياسيا واسعا في شرق المتوسط، وكسرت محاولات عزلها عن خرائط الغاز والطاقة التي دفعت بها اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل خلال العقد الماضي. ومع استمرار الانقسام الليبي بين مؤسسات الغرب والشرق، أدركت تركيا أن حماية هذا المكسب لا تستقر عبر طرابلس وحدها، ما دامت بنغازي وطبرق تمسكان بجزء مهم من الأرض والساحل والقرار العسكري والسياسي.
وتبدو ليبيا بالنسبة إلى تركيا ساحة لإعادة هندسة النفوذ أكثر من كونها ملفا للمصالحة الثنائية مع معسكر سابق الخصومة، فأنقرة تسعى إلى تثبيت ما ربحته في طرابلس عبر فتح أبواب بنغازي، وإلى تحويل حضورها الليبي من تحالف اضطراري فرضته الحرب إلى شبكة مصالح عابرة للانقسام الليبي. وبين الضفتين، تتحرك السياسة التركية اليوم بمنطق أكثر براغماتية، يربط الأمن بالبحر، والطاقة بالشرعية، والعلاقات مع الفاعلين المحليين بحسابات المنافسة الإقليمية والدولية.
تحول محسوب
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، بقيت ليبيا ساحة مفتوحة لتنافس داخلي وخارجي متشابك، ومع انقسام البلاد بين سلطتين في الشرق والغرب منذ 2014، وجدت تركيا موقعها الأقرب إلى طرابلس، بينما تحرك خليفة حفتر ضمن شبكة دعم إقليمية ودولية ضمت مصر والإمارات وروسيا بدرجات متفاوتة. وحين أطلقت قواته هجومها على العاصمة في أبريل/نيسان 2019، تعاملت أنقرة مع المعركة بوصفها لحظة فاصلة تهدد حليفها الليبي ومصالحها الناشئة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.
جاء التدخل التركي مطلع 2020 ليقلب ميزان المعركة، إذ قدمت أنقرة لحكومة الوفاق دعمًا عسكريًا وتدريبيًا وتقنيًا، وأسهمت الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والخبراء العسكريون في وقف تقدم قوات حفتر نحو طرابلس. انتهى الهجوم إلى خطوط تماس جديدة، ثم إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2020. ومنذ تلك اللحظة، ثبتت تركيا حضورها في الغرب الليبي عبر التدريب والاستشارات والتعاون الأمني والحضور البحري والعسكري، مستندة إلى اتفاق أمني وعسكري ومذكرة بحرية استراتيجية وقعتها مع حكومة الوفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.
غير أن التوازن الذي حمى طرابلس لم يُمكّن ليبيا من الوحدة، إذ بقيت البلاد مقسومة بين حكومتين ومؤسستين عسكريتين ونفوذين خارجيين متقابلين. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القسمة إلى معادلة ضاغطة على أنقرة. فحكومة طرابلس، رغم اعتراف المجتمع الدولي بها، ظلت محكومة بتحالفات محلية متغيرة وصراعات داخلية متكررة. أما الشرق الليبي، فقد احتفظ بكتلة عسكرية وسياسية متماسكة نسبيًا، وبنفوذ واسع في بنغازي وطبرق والجنوب ومحيط الهلال النفطي، وبقدرة عملية على تعطيل أي تسوية أو اتفاق جامع.
هنا بدأت تركيا تتعامل مع الواقع الليبي ببراغماتية أوسع؛ فالشرعية تمنح طرابلس الغطاء القانوني، لكن السيطرة على الأرض والموارد ومفاصل القرار في الشرق تمنح معسكر حفتر وزنًا لا يمكن تجاوزه. ومن ثم، بدت مكاسب تركيا في الغرب الليبي ناقصة ما دام الشرق خارج حساباتها. فمجلس النواب في طبرق لم يصادق على مذكرة 2019 البحرية، وقوات حفتر تسيطر على مساحات واسعة من الجغرافيا الليبية، وأي ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية طويلة الأمد تحتاج إلى قناة مفتوحة مع بنغازي وطبرق.
من هذا المدخل يمكن فهم التحرك التركي خلال 2025 و2026، فقد انتقلت أنقرة من إدارة خصومة صلبة مع الشرق إلى احتواء هذه الخصومة وفتح مسارات اتصال متدرجة معه. أرادت تركيا الحفاظ على طرابلس داخل دائرة نفوذها، وفي الوقت نفسه منع بنغازي من التحول إلى منصة دائمة لمعاداة مصالحها في شرق المتوسط. كما سعت إلى توسيع أدواتها من الدعم العسكري المباشر إلى شبكة أوسع تشمل الأمن والدفاع والطاقة وإعادة الإعمار والملاحة والتدريب، والاتصالات السياسية.
بدأت مقدمات هذا التحول قبل 2025. ففي فبراير/شباط 2024، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده ستعيد فتح قنصليتها في بنغازي، مؤكدًا رغبة أنقرة في العمل مع شرق ليبيا وغربها من أجل الاستقرار. وفي يناير/كانون الثاني 2025، استأنفت الخطوط الجوية التركية رحلاتها إلى بنغازي للمرة الأولى منذ 10 أعوام، بواقع 3 رحلات أسبوعيًا، في خطوة حملت بعدًا اقتصاديًا ورمزيًا يتجاوز حركة الطيران ذاتها. فالرحلات المنتظمة تعني إعادة وصل المدينة بالفضاء التركي، وفتح الباب أمام رجال الأعمال والوفود الفنية وشركات الإعمار.
في موازاة ذلك، ظل ملف الطاقة حاضرًا في خلفية التحرك التركي. فقد وقعت أنقرة مع طرابلس في أكتوبر/تشرين الأول 2022 مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الهيدروكربونات، بعد مذكرة ترسيم الحدود البحرية لعام 2019. رفض البرلمان الشرقي هذه التفاهمات واعتبرها غير ملزمة، غير أن أنقرة تعاملت مع الرفض بوصفه دافعًا إضافيًا لفتح قناة مع طبرق وبنغازي، لا سببًا للاكتفاء بالغرب. فحماية الاتفاقات البحرية والطاقة تحتاج إلى تهدئة الجبهة الشرقية، أو على الأقل تقليص قدرتها على إسقاط المكاسب التركية سياسيًا وقانونيًا.
في أبريل/نيسان 2025، دخل المسار مرحلة أكثر وضوحًا مع زيارة صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائب قائد قواته، إلى أنقرة. التقى صدام وزير الدفاع التركي يشار غولر وقائد القوات البرية الجنرال سلجوق بايراقدار أوغلو، وجرى الحديث في تقارير دفاعية عن تعاون عسكري محتمل يشمل الطائرات المسيّرة والتدريب والتجهيز. وفي الفترة نفسها، زار وفد من مجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح تركيا، في مؤشر على أن التواصل لم يعد مقتصرًا على القنوات الأمنية، إنما بدأ يمتد إلى الواجهة السياسية التي تملك مفتاحًا أساسيًا في ملف المصادقة على الاتفاقات.
بالتوازي، فتحت إعادة الإعمار بابا اقتصاديا واسعا أمام الشركات التركية في الشرق. ففي أبريل/نيسان 2025، أعلن صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي، الذي يديره بيلقاسم حفتر، توقيع عقود مع شركتين تركيتين لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، تشمل تطوير البنية التحتية وإنشاء مستشفيات. ووقع الصندوق لاحقًا عقودًا مع شركة تركية أخرى لتركيب أنظمة ملاحة واتصالات في 7 مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. منحت هذه العقود تركيا منفذًا اقتصاديًا داخل مناطق كانت حتى وقت قريب محسوبة على خصومها المباشرين.
وتظهر هذه المحطات أن السياسة التركية في ليبيا دخلت طورًا أكثر تعقيدا ومرونة، فأنقرة تحتفظ بقاعدتها الأساسية في طرابلس ومصراتة، وتواصل الاستفادة من اتفاقات 2019، لكنها توسع في الوقت ذاته هامش الحركة باتجاه بنغازي وطبرق. وتدرك أن تثبيت مصالحها في البحر والطاقة والإعمار والتدريب العسكري يحتاج إلى شبكة علاقات عابرة للانقسام الليبي، لا إلى تموضع أحادي داخل غرب البلاد.
ويمثل الانفتاح على معسكر حفتر تحولًا محسوبًا في أدوات السياسة التركية لا انقلابًا على مرتكزاتها. فتركيا تسعى إلى تحويل حضورها من اصطفاف فرضته معركة طرابلس إلى نفوذ موزع على الضفتين، ومن علاقة محكومة بمنطق الحرب إلى شبكة مصالح قادرة على الصمود وسط الانقسام الليبي. وبين طرابلس وبنغازي، تعمل أنقرة على حماية ما ربحته في الغرب عبر فتح أبواب الشرق، وعلى منع خصوم الأمس من امتلاك حق النقض الكامل على مستقبل مصالحها في ليبيا وشرق المتوسط.
دوافع التحول التركي
تتحرك تركيا في شرق ليبيا اليوم من موقع الدولة التي تريد حماية مكاسبها القديمة وفتح أبواب جديدة في الوقت نفسه، فقد دخلت أنقرة المعادلة الليبية الحديثة عبر طرابلس، وبنت حضورها على اتفاقات 2019 الأمنية والبحرية، ثم اكتشفت مع امتداد الانقسام أن الغرب الليبي يمنحها الشرعية والغطاء القانوني، بينما يمتلك الشرق قدرة واسعة على التعطيل والمساومة، ومن هنا جاءت المقاربة الجديدة التي تربط البحر بالطاقة والإعمار بالأمن والتوازنات الإقليمية بحسابات خلافة النفوذ داخل معسكر حفتر.
عقدة البحر
تقع مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 في قلب هذا التحول. فقد رسمت المذكرة إطارا لترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين السواحل التركية والليبية، وفتحت الباب أمام تعاون في استكشاف الطاقة شرق المتوسط. ومن وجهة النظر التركية، منحت الوثيقة أنقرة سندا قانونيا وسياسيا في مواجهة خرائط بحرية دفعت بها اليونان وقبرص ومصر، ومنحت الجزر اليونانية أثرا واسعا يحاصر المجال البحري التركي، خصوصا في محيط كريت.
أثارت المذكرة منذ لحظتها الأولى اعتراضات حادة من أثينا والقاهرة ونيقوسيا والاتحاد الأوروبي. رأت تلك الأطراف أن الاتفاق يتجاوز حقوق الجزر والمناطق الاقتصادية الخالصة، بينما تعاملت تركيا معه بوصفه جزءا من رؤيتها الأوسع للإنصاف في ترسيم الحدود البحرية، وامتدادا لعقيدة “الوطن الأزرق” التي تسعى إلى توسيع هامش الحركة التركية في البحار المحيطة. صادق البرلمان التركي على المذكرة في ديسمبر/كانون الأول 2019، فتحولت إلى ركيزة استراتيجية في سياسة أنقرة المتوسطية.
غير أن قوة المذكرة بقيت مرتبطة بعقدة ليبية داخلية. فقد وقعتها حكومة طرابلس المعترف بها دوليا، بينما رفضها مجلس النواب في طبرق ومعسكر حفتر، واستخدم خصوم تركيا هذا الرفض للطعن في شرعيتها الليبية. ومع استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، أدركت أنقرة أن حماية مكسبها البحري تحتاج إلى تخفيف قدرة بنغازي وطبرق على تعطيله في أي تسوية سياسية أو حكومة موحدة مقبلة.
من هنا حظي قرار مجلس النواب الليبي في يونيو/حزيران 2025 تشكيل لجنة فنية لدراسة الاتفاق التركي الليبي بمتابعة دقيقة في أنقرة وأثينا والقاهرة. القرار لم يمنح المذكرة تصديقا نهائيا، لكنه نقل العلاقة من خانة الرفض المغلق إلى خانة النقاش الفني والسياسي. وبالنسبة إلى تركيا، يكفي فتح هذا الباب لتوسيع هامش المساومة مع الشرق، وتحويل الاتفاق من وثيقة مرتبطة بطرابلس وحدها إلى ورقة قابلة للتفاوض داخل المعادلة الليبية الأوسع.
تعزز هذا الاتجاه مع توقيع المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مذكرة تفاهم مع شركة البترول التركية في يونيو/حزيران 2025، لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في 4 مناطق بحرية. هنا خرج اتفاق 2019 من مستوى الخرائط والبيانات السياسية إلى مستوى المسوح البحرية والبيانات الزلزالية واحتمالات التنقيب. صار البحر مدخلا إلى مصالح اقتصادية وطاقوية ملموسة، وصار تثبيت المذكرة مرتبطا بفرص تنقيب وعقود مستقبلية في منطقة شديدة الحساسية.
هذا المسار يفسر القلق اليوناني والمصري. فأي قبول أوسع داخل ليبيا بالاتفاق مع تركيا سيضعف قدرة أثينا على عزل أنقرة في شرق المتوسط، وسيضع القاهرة أمام توازن دقيق بين شراكتها البحرية مع اليونان وتحسن علاقاتها مع تركيا وحساسيتها تجاه شرق ليبيا بوصفه مجالا مباشرا لأمنها القومي.
…
يتبع
________________
