أسعد عون الله

لم يكن العطل الذي ضرب شبكة المدفوعات المحلية في ليبيا عشية عيد الأضحى 2026 مجرد خلل تقني عادي. بل كان اختبار إجهاد حقيقياً لنظام دفع أصبح محورياً في الحياة اليومية في ليبيا، وقد فشل في لحظة لم يكن ينبغي أن تفاجئ أحداً.
حجم ما كان على المحك
لفهم ما حدث، يجب أولاً استيعاب مدى تغلغل المدفوعات الإلكترونية في الاقتصاد الليبي. وفقاً للأرقام التي نشرتها وكالة الأنباء الليبية في فبراير 2026، بلغ عدد البطاقات المصرفية المُفعَّلة حوالي 5.5 مليون بطاقة، بينما وصل عدد المشتركين في تطبيقات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول إلى 4.29 مليون مستخدم، نفذوا مجتمعين أكثر من 200 مليون معاملة بقيمة إجمالية بلغت 313.6 مليار دينار.
كما بلغ عدد أجهزة نقاط البيع 165,313 جهازاً على مستوى البلاد، عالجت 288.6 مليون معاملة بقيمة 37.8 مليار دينار.
هذه ليست إحصائيات مشروع تجريبي أو مبادرة ناشئة. إنها تصف بنية تحتية اقتصادية أساسية يعتمد عليها ملايين الليبيين يومياً. وعندما تتعطل هذه البنية التحتية، فإن العواقب ليست تقنية فحسب، بل تترجم فوراً إلى خسائر في المبيعات، وطوابير مزدحمة، ونزاعات بين التجار والعملاء، وتآكل في الثقة العامة يصعب إصلاحه أكثر بكثير من أي خادم.
الاثنين 25 مايو: نقطة الانهيار
صادف 25 مايو 2026 ذروة موسم التسوق قبل العيد، وهو أكثر فترة نشاط استهلاكي ازدحاماً في التقويم الليبي. تعرضت أجهزة نقاط البيع في جميع أنحاء البلاد لضغط استثنائي. لم تتحمل البنية التحتية.
أين يقع الخلل حقاً
وجدت البنوك التجارية نفسها في مرمى الشكاوى، لأن المواطنين والتجار لديهم حساباتهم لديها. لكن الفشل التشغيلي نشأ في مكان آخر: مع شركة معاملات، مشغل الموزع الوطني وشبكة المدفوعات المحلية المعروفة باسم “نمو”.
ينص موقع خدمة (ليبيا دفع) صراحة على أن الخدمة مملوكة لمصرف ليبيا المركزي وتُشغَّل من قبل شركة معاملات ضمن إطار الموزع الوطني. وتؤكد شروط الخدمة أن النظام يشكل جزءاً من شبكة المدفوعات الوطنية “نمو”، تحت إدارة الشركة نفسها. لذلك، فإن أي قراءة للأحداث تضع المسؤولية الأساسية على عاتق البنوك التجارية هي قراءة ناقصة، وتُحرف الضغط بشكل مريح بعيداً عن الكيان الذي يسيطر على العقدة المركزية للنظام بأكمله.
الأكثر إثارة للقلق من العطل نفسه كانت الحالات التي تم فيها خصم رصيد العميل دون وصول المبلغ المقابل إلى التاجر. تحمل هذه الفئة من الأعطال ثقلاً يتجاوز مجرد خلل تقني. إنها انهيار في التسوية، واعتداء مباشر على الثقة الأساسية التي تعتمد عليها المدفوعات الإلكترونية. يرى العميل الأموال تغادر حسابه، ويرى التاجر عدم وصول شيء، ويغرق البنك في شكاوى يفتقر إلى السلطة المنفردة لحلها.
أرقام مبهرة، لا ضمان للجاهزية
في أكتوبر 2025، عقد محافظ مصرف ليبيا المركزي اجتماعاً مع مجلس إدارة شركة معاملات لمعالجة عطل سابق أثر على الموزع الوطني وخدمات نقاط البيع. وأعلن المصرف المركزي آنذاك أن الموزع الوطني هو “نظام سيادي والعمود الفقري لخدمات المدفوعات الإلكترونية”، وأن أي انقطاع “غير مقبول لأي فترة زمنية”، مع الاتفاق على تدابير لمنع التكرار ورفع جاهزية مراكز البيانات. بعد أقل من سبعة أشهر، تكرر العطل، في ذروة موسمية كانت متوقعة تماماً.
عند هذه النقطة، يتحول السؤال من الجانب التقني إلى الجانب التنظيمي: هل كانت التزامات شركة معاملات قابلة للقياس والتحقق؟ هل راقب المصرف المركزي تنفيذها؟ هل تم إجراء اختبارات تحمل على الشبكة قبل موسم العيد؟ وهناك معايير أداء واضحة، أو عقوبات ذات معنى، في حال الفشل؟
نجح المصرف المركزي في دفع الأرقام الرئيسية للتحول الرقمي في ليبيا إلى الأمام. لكن هذا العطل يكشف عن فجوة عميقة ومتسعة: نمو سريع في الاستخدام تقابله هشاشة مزمنة في الموثوقية التشغيلية، ونموذج إشرافي لم يواكب هذا التطور.
إن توسيع الشبكة لتشمل 165,000 جهاز وملايين المستخدمين يحمل قيمة حقيقية ضئيلة إذا كانت البنية التحتية التي تحمل هذا التوسع لا تستطيع الصمود في الأيام التي تكون هناك بأمس الحاجة إليها.
ما هو مطلوب فعلاً
لا يمكن أن يبدأ الرد على هذا الفشل باعتذار في بيان صحفي وينتهي باجتماع آخر. المطلوب هو إجراءات هيكلية على عدة مستويات:
- الشفافية الفورية: يجب على المصرف المركزي وشركة معاملات نشر رواية رسمية واضحة تحدد سبب العطل ومدته وعدد المعاملات المتأثرة، والأهم، عدد المعاملات التي تم خصمها دون تسوية فورية، بالإضافة إلى جدول زمني لحلها. الحد الأدنى من الثقة العامة يبدأ بمعرفة المواطنين والتجار بما حدث فعلاً.
- إطار تنظيمي ملزم: اتفاقية مستوى خدمة واضحة بين المصرف المركزي وشركة معاملات، تتضمن مؤشرات أداء محددة، ونسب تشغيل، وأوقات استجابة للأعطال، وأطر زمنية لعكس المعاملات الفاشلة، مع فرض عقوبات مالية حقيقية مقابل عدم الامتثال. يجب إجراء اختبارات تحمل إلزامية قبل رمضان، ومواسم العيد، وفترات صرف الرواتب. لا ينبغي اختبار تحمل الشبكة أمام الجمهور، في وسط السوق.
- تقليل نقاط الفشل الفردية: لا يعني الملكية السيادية للموزع الوطني احتكار العمليات أو غياب البدائل. يمكن للنظام أن يظل تحت إشراف المصرف المركزي بينما يتم تطوير التوجيه الاحتياطي للحركة، ومراكز بيانات مستقلة، ومقدمي خدمات تقنيين داعمين، لتوزيع الحمل وتقليل المخاطر الوجودية للاعتماد الكلي على مشغل واحد.
الخلاصة
هذا العطل لم يكشف ضعف شركة معاملات وحدها. بل كشف حقيقة أن نموذج الإشراف في ليبيا لم يواكب سرعة توسعها. في بضع سنوات قصيرة، بنت ليبيا شبكة مدفوعات إلكترونية بأرقام مثيرة للإعجاب حقاً.
لكن قوة الشبكة لا تُقاس بحجم المعاملات في الأوقات العادية. بل تُقاس بقدرتها على إتمام معاملة في اليوم الذي يحتاج فيه مواطن أو تاجر إليها بشدة.
كان ذلك اليوم هو 25 مايو 2026. وفشلت الشبكة.
__________