كريم سلامة 

تشكل جلسات الاستماع والتحركات القضائية الدولية الجارية بشأن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في ليبيا واحدة من أكثر المحطات حساسية وأهمية في مسار العدالة والمساءلة منذ العام 2011.

فبعيداً عن البعد الإجرائي البحت للمحاكمات، تبرز هذه الإجراءات بوصفها لحظة تاريخية ينتقل فيها الألم الليبي من نطاق التوثيق الحقوقي المغلق إلى فضاء العدالة الدولية العلني في لاهاي؛ حيث تتحول الشهادات والروايات التي ظلت لسنوات حبيسة ملفات المنظمات وتقارير التوثيق إلى وقائع تخضع للفحص القضائي والمساءلة القانونية أمام المجتمع الدولي.

وعلى امتداد أكثر من عقد، عاش الضحايا والناجون وأسر المفقودين واقعاً معقداً اتسم بضعف مؤسسات العدالة الوطنية، واستمرار الانقسام السياسي والأمني، وتغلغل الجماعات المسلحة داخل المنظومة الأمنية، إلى جانب غياب المساءلة الفعلية عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة داخل أماكن الاحتجاز ومراكز السيطرة التابعة لتشكيلات مسلحة وأجهزة أمنية نافذة.

وفي ظل هذا الواقع، بقيت ملفات الانتهاكات الكبرى عالقة بين التوثيق الحقوقي والعجز القضائي، إلى أن أعادت التطورات القضائية الدولية الأخيرة فتح النقاش حول الانتقال من مرحلة تسجيل الانتهاكات إلى مرحلة مساءلة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي.

ولا تقتصر أهمية هذه التحركات على تحديد المسؤولية الجنائية الفردية للمتهمين؛ بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تثبيت مبدأ قانوني وأخلاقي أساسي، مفاده أن الجرائم الجسيمة ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وعلى رأسها القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي، لا يمكن أن تبقى خارج دائرة المحاسبة مهما طال الزمن أو تعقدت الظروف السياسية والأمنية.

من التوثيق إلى المساءلة: قضية الهيشري (البوتي) كمنعطف تاريخي

في البيئات التي تشهد نزاعات مسلحة أو انهياراً مؤسسياً، يبدأ مسار العدالة غالباً بمرحلة التوثيق الحقوقي، حيث تعمل المنظمات والباحثون والضحايا على جمع الإفادات وحفظ الأدلة والشهادات المتعلقة بالانتهاكات. غير أن الفجوة بين التوثيق وتحقيق العدالة الفعلية تبقى واسعة، خصوصاً عندما تغيب الإرادة السياسية أو تضعف المؤسسات القضائية المحلية عن ملاحقة المتورطين ذوي النفوذ.

وفي الحالة الليبية، مثَّلت هذه الفجوة أحد أبرز مظاهر الأزمة الممتدة منذ 2011. فرغم تراكم التقارير الحقوقية المحلية والدولية حول الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز، ظلت هذه الملفات لسنوات طويلة دون مسار قضائي فعلي.

في هذا السياق، يُعد اعتقال القيادي البارز في جهاز «الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة»، خالد محمد علي الهيشري، المعروف باسم «البوتي»، ثم تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، تطوراً مفصلياً في مسار العدالة الدولية المتعلقة بليبيا. إذ يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الملفات التي انتقلت من فضاء التقارير الحقوقية إلى أروقة القضاء الدولي في لاهاي، ضمن سياق تحقيقات المحكمة بشأن الانتهاكات المرتكبة في ليبيا منذ 2011.

ويكتسب هذا التطور دلالة رمزية وقانونية خاصة؛ إذ يواجه الهيشري اتهامات تتعلق بالإشراف والمسؤولية المباشرة والمشتركة عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب يُزعم أنها ارتُكبت داخل سجن معتيقة خلال الفترة الممتدة من 2014 إلى 2020، في إطار منظومة احتجاز ارتبطت بجهاز الردع الذي تولى إدارة مرافق أمنية وسجوناً في طرابلس.

وعندما تُعرض هذه الروايات أمام المحكمة الجنائية الدولية، فإنها لا تبقى مجرد شهادات فردية، بل تتحول إلى مادة قضائية خاضعة للفحص والتدقيق ضمن معايير الإثبات الجنائي الدولي.

الدقة الحقوقية وأهمية المصطلحات المحلية

من أبرز الجوانب اللافتة في التحقيقات والجلسات الجارية حجم الدقة التي يتعامل بها الادعاء الدولي مع الوقائع المرتبطة ببيئة الاحتجاز داخل معيتيقة. فبدلاً من السرد العام، يجري التركيز على تفاصيل لغوية ومكانية وأدوات وأساليب شكلت جزءاً من الحياة اليومية للمحتجزين، وتُعد عنصراً محورياً في إثبات الطابع الممنهج للانتهاكات.

وقد برز ذلك في التعامل مع مصطلحات محلية ليبية وردت في شهادات الضحايا والناجين، مع الحفاظ على معناها وسياقها:

البطانية: لم تعد مجرد غطاء للنوم داخل الزنازين، بل وردت في شهادات متعددة كوسيلة استُخدمت في لف ونقل جثث المحتجزين الذين قضوا تحت التعذيب أو نتيجة الإهمال الطبي.

البالة: أداة بناء تحولت في الإفادات إلى وسيلة للضرب والتنكيل وإحداث إصابات خطيرة بحق المعتقلين.

الحي الإسلامي و البلانكو: مصطلحات ارتبطت، بحسب شهادات متطابقة، بأساليب تعذيب داخل السجن شملت التعليق لفترات طويلة والصعق الكهربائي والمعاملة القاسية.

إن إدراج هذه التفاصيل في فضاء المحكمة الدولية لا يحمل فقط قيمة توثيقية، بل يكشف كيف جرى تحويل أدوات الحياة اليومية إلى وسائل ممنهجة للتعذيب والإذلال وكسر الكرامة الإنسانية.

الإفلات من العقاب في الوعي الليبي

في الوعي الاجتماعي الليبي، كثيراً ما يُستخدم المثل الشعبي: «اللي ضربته أمه باتت فيه»، في إشارة إلى حالة التعايش مع العنف أو اعتياده حتى يصبح جزءاً من الواقع اليومي غير المستنكر. ويعكس هذا التعبير، بصورة رمزية، تراكم ثقافة الإفلات من العقاب التي ترسخت عبر عقود، سواء خلال الحقبة السابقة لـ2011 أو خلال سنوات الانقسام والصراع اللاحقة.

ومع استمرار الانتهاكات دون مساءلة فعالة، ترسخ شعور عام بأن القوة المسلحة تتقدم على القانون، وأن الضحايا غالباً ما يُتركون دون إنصاف. من هنا، تكتسب المحاكمات الدولية الحالية أهميتها باعتبارها محاولة لكسر هذه القناعة التاريخية بأن الجرائم يمكن أن تمر دون حساب.

التأصيل القانوني للتعذيب والمنظومة الممنهجة

يعد حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية من القواعد الآمرة في القانون الدولي، التي لا يجوز انتهاكها أو تبريرها تحت أي ظرف، سواء في زمن السلم أو النزاعات المسلحة.

ووفقاً لاتفاقية مناهضة التعذيب للعام 1984، يتحقق وصف التعذيب عندما يُرتكب بموافقة أو سكوت جهة رسمية أو أشخاص يتصرفون بصفة رسمية. وفي القضية المرتبطة بالهيشري، لا تنظر المحكمة إلى وقائع فردية معزولة، بل إلى نمط واسع وممنهج من الانتهاكات داخل بيئة احتجاز خاضعة لهيكل أمني منظم، ما يفتح الباب أمام تطبيق مبدأ مسؤولية القائد وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل الجدل المستمر حول التزامات الدول بالتعاون مع المحكمة، خاصة فيما يتعلق بتسليم المطلوبين وعدم توفير ملاذ آمن للمشتبه بارتكابهم جرائم دولية.

العدالة وحقوق الدفاع

رغم جسامة الانتهاكات المزعومة، تقوم العدالة الدولية على ضمان محاكمة عادلة تستند إلى قرينة البراءة وفحص الأدلة واحترام حقوق الدفاع، وليس على الإدانة المسبقة أو الانتقام.

ولهذا يضمن نظام روما الأساسي للمتهم حقوقاً كاملة تشمل الاطلاع على الأدلة، واستجواب الشهود، وتقديم الدفوع القانونية بحرية. ورغم أن هذه الإجراءات قد تبدو بطيئة أو مؤلمة لبعض الضحايا، فإنها تمثل الضمانة الأساسية لصدور أحكام ذات شرعية قانونية وأخلاقية، قادرة على الصمود أمام الطعن أو التسييس.

حدود العدالة الجنائية وأفق العدالة الانتقالية

لا يمكن النظر إلى المحاكمات الدولية باعتبارها حلاً كاملاً للأزمة الليبية، أو بديلاً عن بناء مؤسسات قضائية وطنية مستقلة وموحدة. فالعدالة الجنائية الدولية تبقى محدودة النطاق، إذ تركز على ملاحقة المسؤولين الأعلى في هرم الجرائم.

لكن أهميتها الأعمق تكمن في بعدها الرمزي، وفي حفظ الذاكرة الجماعية من الإنكار. فاستماع المحكمة إلى الشهادات بلغتها المحلية يكسر جدار الصمت الذي فرضته سنوات السلاح والانقسام، ويمنح الضحايا اعترافاً قانونياً بأن ما تعرضوا له لم يكن أحداثاً عابرة بل جرائم جسيمة.

ومع ذلك، تظل العدالة القضائية خطوة أولى، ينبغي أن تتبعها عملية عدالة انتقالية شاملة تقوم على الإصلاح المؤسسي، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، وتفكيك منظومات الإفلات من العقاب.

الخاتمة

تمثل جلسات الاستماع والتحركات القضائية الجارية بشأن ملف معتيقة وقضية الهيشري (البوتي) لحظة فارقة في التاريخ الليبي المعاصر، لأنها لا تفتح فقط باب المساءلة بعد سنوات طويلة من الجمود، بل تعيد الاعتبار لأصوات الضحايا التي ظلت محاصرة بالخوف والصمت.

وفي بلد أنهكته سنوات الانقسام وضعف المؤسسات وتغول السلاح، يظل انتقال الذاكرة الليبية من التوثيق الحقوقي إلى السجل القضائي الدولي خطوة أساسية نحو كسر حلقة الإفلات من العقاب، وترسيخ مبدأ أن العدالة، مهما تأخرت، تظل ممكنة وملزمة.

__________

مقالات مشابهة