جمعة بوكليب

إذا ذَكرت في حديثٍ مع أشخاص ليبيين كلمة «مَطَاسَة» فقد لا يفهمك أحدٌ منهم. ذلك أن الكلمة قديمة، وبالتالي فإن كثيرين قد لا يعرفون معناها، وربما تكون قد اكتسبت اسماً جديداً.
«مَطَاسَة» قطعةٌ معدنية صغيرة يستخدمها الخيّاطون، ذكوراً وإناثاً، في عملهم بوضعها على رأس الإصبع الوسطى أو الإبهام مثل غطاء للمساعدة على دفع الإبرة في القماش بسرعة تجنّباً لألم الوخز. من جهة أخرى، ولتقريب الصورة، المَطَاسَة تشبه الطَاسَة الصغيرة المستخدمة في شرب الشاي في ليبيا، لكنها بحجم صغير جداً يتناسب ومقاس مقدمة إصبع. قد تكون هناك علاقة بين الاسمين (طاسة ومطاسة) ناجمة عن التشابه في الشكل.
هناك من يسمي المطاسة «كشتبان»، وهي لفظة يُقال إنها فارسية، ولم أسمعها تُنطق من حولي. وبالتأكيد تتعدد الأسماء للمطاسات بتعدد المدن والبلدان واللغات، ولكن بوظيفة واحدة.
ما علاقة المطاسة بمقالة تستهدف الحديث عن مبادرة سياسية جديدة في ليبيا، أطلق عليها البعض اسم «المبادرة الأميركية»، وآخرون اسم «مبادرة المبعوث الأميركي بولس». وتابعنا في وسائل الإعلام خروج حشود كبيرة من الليبيين في مظاهرات تأييد ودعم لها. عن المبادرة، يقول صاحبها مسعد بولس، إنها تسعى إلى توحيد المؤسسات التنفيذية والتشريعية والعسكرية والقضائية في البلاد.
المبادرة المطروحة قد يُكتب لها النجاح، وقد يخونها الحظ فتلاقي المصير نفسه الذي لاقته غيرها من المبادرات السابقة. المراهنة على النجاح أو الفشل للمبادرة تتطلّب معرفة تفصيلية بطبيعة ما يدور في الكواليس من حوارات ونقاشات وحسابات، والأخيرة هي الأهم. إذ كلما كان المرء مطلعاً وعلى علاقة بمصادر داخلية موثوق بها، كان حظه في النجاح أوفر.
ويبدو مهماً جداً التذكير بأن المبادرة المذكورة أعلاه حظيت بقبول وموافقة أحد أهم وأخطر اللاعبين على الساحة وهو المشير خليفة حفتر. وفي الوقت نفسه قُوبلت برفض ومعارضة في جهات أخرى خصوصاً في غرب ليبيا. وهو أمر عادي لكل من يعرف ليبيا وارتبط بأزمتها من قريب أو من بعيد. فما ينال الموافقة شرقاً يُقابل بالرفض غرباً والعكس بالعكس. الاتفاق الوحيد المعترف به بين جميع الأطراف المتنازعة هو الحفاظ على الوضعية الراهنة، لضمان استمرار مكسب الجميع.
المبعوث الأميركي بولس يبدو نشطاً خلال الأيام الأخيرة بظهوره في مختلف القنوات الإعلامية، وهو دليل على حرصه على إقناع جميع الأطراف بمبادرته التي يؤكد أنها خلال سنوات قليلة ستقود البلاد إلى انتخابات نيابية ورئاسية. وما يؤكده في كل مقابلاته وتصريحاته هو الحرص على توحيد المؤسسات الحكومية وإعادتها إلى سابق عهدها بوصفها خطوة أولى أساسية، بحيث تكون منصة انطلاق لما بعدها من خطوات لتحقيق الغاية المرجوة. كما يؤكد أن اختيار أسماء من يتولى القيادة في التشكيلة المقترحة هو شأنٌ ليبيٌ لا دخل له به. الأمر الذي يتعارض مع ما يُسرّب من أسماء رُشحت فعلياً لتولي قيادة المرحلة الجديدة المقترحة بالمبادرة.
المشكلة التي تواجه المبعوث الأميركي حالياً هي أنه يشبه في موقعه محل خياطة بلا مطاسة أو مطاسات. أي أن الوخز الإبري المؤلم في الأصابع كفيل بإعاقة إن لم يكن بإفشال أي محاولة لأداء الوظيفة المنتواة.
المطاسة السياسية المفقودة، في رأيي، تتمثل في إقصاء فئة من اللاعبين الذين عرفتهم الساحة الليبية، وتجاهلهم المبعوث الأميركي عمداً في المشاورات، ربما بحجة أنهم لا يمتلكون وزناً سياسياً وعسكرياً مماثلاً في الحجم والقوة لمن يمسكون بمقاليد الأمور غرباً وشرقاً.
ما يميّز أفراد تلك الفئة المتجاهلة من المبعوث الأميركي أنهم، بمرور الوقت، أصبحوا رقماً غير قابل للإقصاء، كونهم قادرين على استقطاب المؤيدين أو المعارضين لأي مشروع يُطرح يهدف إلى حلّ الأزمة. وسبق لهم المشاركة في إجهاض البعض من المبادرات، أو نجاح أخرى.
المبعوث الأميركي بولس، عن حسن أو سوء نيّة، تجاهل أفراد تلك الفئة من اللاعبين الحذّاق والمهرة، ولجأ إلى القوتين الرئيسيتَين في غرب البلاد وشرقها، ممثلتَين في رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والمقربين إليه، والمشير حفتر. وهم بالتأكيد لاعبون رئيسيون في المشهد الليبي، ولهم أوزانهم سياسياً وعسكرياً، إلا أنهم لتمرير المبادرة عبر حقول الألغام المزروعة في الطريق، وهي كثيرة، بهدف الوصول بها إلى برّ السلامة والأمان؛ لا بد لهم من وجود «مَطَاسَات» عدة، تخصصت في فنّ الاستقطاب الإعلامي والشعبي.
***
جمعة بوكليب ـ كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
_____________
