Author - manara

كيف أصبح المهاجر عدو ليبيا المُفضّل؟

علي العسبلي


خلال الأسابيع الأخيرة شهدت ليبيا تصاعداً غير مسبوق في حملات التحريض ضدّ المهاجرين واللاجئين. لم تعد المسألة تقتصر على منشورات غاضبة هنا أو مقاطع فيديو عنصرية هناك، بل تحوّلت إلى موجة واسعة شاركت فيها شخصيات عامة وصنّاع محتوى ووسائل إعلام وجهات رسمية، ترافقها دعوات إلى طرد المهاجرين وإغلاق المنظّمات الإنسانية، ووقف عمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وسط خطاب مُتزايد عن “التوطين” و”التغيير الديمغرافي”.

في خضم هذه الحملة، صار من السهل أن يعتقد المرء أنّ المهاجرين هم المشكلة الأكبر التي تواجه ليبيا اليوم، وأنّ العامل السوداني أو التشادي الذي يبحث عن فرصة عمل أصبح خطراً يفوق الفساد المُستشري، والانقسام السياسي، والمليشيات المُتناحرة، والانهيار المُزمن للخدمات العامة والفشل الكامل لمؤسّسات الدولة.

ربّما لهذا السبب لا يُثير قلقي حجم الكراهية الموجّهة ضدّ المهاجرين بقدر ما يثير قلقي الاتجاه الذي تسلكه هذه الكراهية. فحين يبدأ مجتمع غاضب ومُحبط بتوجيه غضبه نحو الفئة الأضعف فيه، يصبح من الضروري أن نسأل: كيف أصبح المهاجر عدو ليبيا المُفضّل؟

تحوّل المهاجر في الخطاب العام الليبي بصورته النمطية إلى شماعة جاهزة لكلّ مشكلة تقريباً

خلال السنوات الماضية تحوّل المهاجر في الخطاب العام الليبي بصورته النمطية إلى شماعة جاهزة لكلّ مشكلة تقريباً. المخدرات تُلصق بالمهاجرين، والجريمة تُلصق بالمهاجرين، والأمراض والبطالة وحتى تدهور الأوضاع الأمنية تُلصق بالمهاجرين. وكأنّ المليشيات المُتناحرة والفساد الذي التهم الدولة والانقسام السياسي والاقتصاد الريعي وانتشار السلاح والتصحّر المؤسساتي، كلّها تفاصيل هامشية أمام عامل جاء يبحث عن لقمة عيش.

ما يحصل ليس مصادفة. فعندما تفشل السلطات في تقديم حلول حقيقية للناس، وعندما تريد التهرّب من مسؤولياتها، تُسارع دائماً إلى اختراع عدو أضعف يمكن تحميله المسؤولية. إنّها لعبة مكشوفة تمارسها السلطات المُتنافسة في شرق البلاد وغربها، وغالباً ما تشارك في إنتاج سردية شيطنة المهاجرين والاستفادة منها.

فكلّما ارتفعت الأسعار، أو تردّت الأوضاع المعيشية أو تعرقلت الخدمات، أو تفاقمت الأزمات السياسية، عاد ملف الهجرة فجأة إلى الواجهة من حيث لا ندري. تتحوّل الكاميرات نحو المهاجرين وتبدأ الحملات الأمنية والاستعراضات الإعلامية، وتُختزل مشكلات ليبيا في وجود عمال أفارقة في الشوارع.

لكن نجاح هذه الدعاية لا يعتمد على السلطة وحدها. فلكي تتحوّل الأكاذيب إلى قناعات شعبية، لا بُدّ من وجود بيئة اجتماعية حاضنة ومستعدّة لتلقيها وإعادة إنتاجها وترويجها.

في بلد منكوب مثل ليبيا، اعتاد الناس فيه رؤية التعذيب والاختفاء القسري والحروب والانتهاكات بشكل يومي، ومن دون محاسبة، ليس مستغرباً أن يصبح العنف ضدّ المهاجرين أمراً عادياً أيضاً. فعندما يجري تطبيع العنف ضدّ فئة معينة، يصبح من السهل توسيع الدائرة لتشمل فئات أخرى، حتى يتحوّل ذلك إلى ثقافة سائدة تجعل من إذلال الإنسان أمراً مقبولاً ما دام أنّه أضعف منك.

ربّما لهذا السبب تحديداً، يبدو المجتمع الذي يكرّر باستمرار أنّه مجتمع محافظ وكريم ومُتديّن ومضياف، غير حريص كثيراً على تطبيق هذه القيم عندما يتعلّق الأمر بالمهاجرين. نحن نحبّ الحديث عن إكرام الضيف، لكنّنا ننسى أنّ كثيراً من هؤلاء لم يأتوا للسياحة أصلاً. فقد وصل أغلبهم بعد أن دفعتهم الحروب أو الفقر أو القمع إلى الرحيل.

ننسى أنّ كثيراً من هؤلاء لم يأتوا للسياحة أصلاً. فقد وصل أغلبهم بعد أن دفعتهم الحروب أو الفقر أو القمع إلى الرحيل

قبل أن تشتم مُهاجراً أو تطالبه بالرحيل، فكّر للحظة في طول الطريق الذي أوصله إلى هنا. فكّر في الصحراء القاحلة التي عبرها. في المهرّبين وتجّار البشر المُجرمين الذين استغلوه، والذين يجدر بك لومهم. في مراكز الاحتجاز المروّعة التي قد يكون سُجن فيها. في التعذيب أو الابتزاز أو الاستغلال الذي ربّما تعرّض له. كثير من هؤلاء عاشوا من الأهوال ما يكفي لعدّة أعمار فوق أعمارهم.

أقول هذا أيضاً انطلاقاً من تجربة شخصية، كوني أعيش مُهاجراً منذ أكثر من عقد من الزمن. أعرف جيداً معنى أن تضطر إلى حزم حقائبك والرحيل، وأن تعيش بعيداً عن مسقط رأسك. أعرف معنى أن تكون غريباً وسط وجوه لا تعرفها، وثقافة لم تنشأ فيها، وربّما لغة لم تعتد عليها. أحياناً تكفي ابتسامة من شخص عابر لتجعل يومك أفضل، وأحياناً تكفي نظرة أو كلمة لتُذكّرك بأنّك في مكان ليس مكانك.

لهذا أجد قدراً كبيراً من السخرية في رؤية بعض الليبيين المُهاجرين في أوروبا وبريطانيا وهم ينشرون يومياً منشورات تطالب بطرد المهاجرين من ليبيا، وفي الوقت ذاته يشتكون من سياسات الهجرة المُتشدّدة في البلدان التي يعيشون فيها، ثم يطالبون بتطبيق ما هو أكثر قسوة على أشخاص يعيشون الظروف نفسها التي مرّوا بها.

النقاش الحقيقي لا يتعلّق بالمهاجرين أصلاً، بل بثقافة تبحث دائماً عن ضحية جديدة تحملها أوزار فشلها وأزماتها وعقدها واضطراباتها

السخرية تصبح أكبر عندما نستمع إلى من يردّدون، عن غير وعي، الحديث عن التوطين ويحوّلون هذه الفزاعة إلى تفسير جاهز لكلّ شيء. فجأة أصبح الجميع خبراء في الديمغرافيا، يتحدّثون عن مؤامرات عالمية لتغيير هُويّة ليبيا واستبدال سكّانها، رغم أنّ معظم من يردّدون هذه المصطلحات لا يعرفون حتى معناها.

الواقع أنّ ليبيا اليوم ليست وجهة يحلم الناس بالاستقرار فيها، فهي بلد يعيش أزمة مُزمنة مُستمرّة منذ أكثر من عقد، ولا تلوح في الأفق نهاية قريبة لها. ومع ذلك يجري تصويرها وكأنّها الهدف النهائي لمؤامرة ديمغرافية كونية.

أمّا الحديث عن “حماية العادات والتقاليد” فيبدو غريباً بدوره، لأنّ العادات والتقاليد ليست قطعاً أثرية محفوظة داخل متحف، فكلّ ثقافة في العالم هي نتاج تفاعل مستمر بين البشر والهجرات والتجارة والحروب والأفكار. وهذا ماحدث دائماً وسيستمر في الحدوث مهما قاومناه.

في جوهر الأمر، تكشف موجة الكراهية المُستمرّة والمُتصاعدة ضدّ المهاجرين في ليبيا عن أزمة أعمق من ملف الهجرة نفسه. إنّها ليست أزمة حدود أو قوانين أو تشريعات فحسب، بل أزمة هوية وثقة بالنفس. فالمجتمع الواثق بنفسه لا يخاف من وجود المُختلف، ولا يرى في كلّ غريب مشروع تهديد. أمّا المجتمعات المُضطربة في حاضرها والقلقة بشأن مستقبلها فتميل إلى البحث عن أعداء في كلّ اتجاه.

نحن أفارقة. أصلنا من أفريقيا ونعيش في أفريقيا. ونتعامل أحياناً مع الأفارقة القادمين إلينا وكأنّهم غرباء عن القارة نفسها. وهذه المفارقة تكشف عن أزمة الهوية الليبية أكثر مما تكشف أيّ شيء آخر.

وربما في نهاية المطاف ما يُثير استغرابنا ليس ما يقوله الكبار، بل ما يتعلّمه الأطفال وهم يشاهدون كلّ ذلك. فالطفل لا يولد وهو يكره شخصاً بسبب لونه أو جنسيته أو عرقه، بل يتعلّم ذلك من محيطه. وحين يصبح رجم إنسان بالحجارة مشهداً مضحكاً أمام الكاميرا، فالمشكلة لم تعد في الجاني أو الضحية، بل في مجتمع بدأ يفقد قدرته على رؤية إنسانية الآخرين.

لهذا لا يتعلّق النقاش الحقيقي بالمهاجرين أصلاً، بل بثقافة تبحث دائماً عن ضحية جديدة تحمّلها أوزار فشلها وأزماتها وعقدها واضطراباتها.

_______________

تعافي قطاع الطاقة في ليبيا يحتاج إلى خبرات بقدر ما يحتاج إلى استثمار

ما قد يعنيه عودة عماد بن رجب لقطاع الطاقة الليبي

على مدى العقد الماضي، عمل قطاع الطاقة الليبي في ظل ظروف كانت كفيلة باختبار حتى أقوى المؤسسات. ورغم عدم اليقين السياسي وفترات الاضطراب، استمرت الصناعة في توليد الإيرادات التي يعتمد عليها اقتصاد البلاد.

عندما ينظر المستثمرون إلى ليبيا، غالباً ما يركزون على المزايا الطبيعية الاستثنائية التي تمتلكها البلاد. تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، وموارد غازية كبيرة، وموقعاً استراتيجياً على البحر المتوسط يجعلها على مسافة قريبة من الأسواق الأوروبية.

ومع ذلك، ورغم هذه المزايا، لا يزال التعافي الاقتصادي للبلاد غير مكتمل.

لا يكمن التحدي في نقص الموارد. فليبيا لا تعاني من شح في النفط. بل يكمن التحدي في تحويل هذه الموارد إلى نمو مستدام، وجذب الاستثمار، وبناء القدرات المؤسسية اللازمة لتعظيم القيمة على المدى الطويل.

تتطلب هذه العملية أكثر من مجرد رأس المال. إنها تتطلب أشخاصاً ذوي خبرة.

خلال العقد الماضي، أثبت جيل من المتخصصين في الطاقة قدرتهم على إدارة أحد أكثر القطاعات أهمية استراتيجية في أفريقيا في ظروف صعبة بشكل استثنائي. وبينما تسعى ليبيا إلى زيادة الإنتاج، وتحديث البنية التحتية، وجذب شركاء دوليين، تصبح هذه الخبرة ذات قيمة متزايدة.

تدخل البلاد هذه الفترة وفي جعبتها فرص كبيرة. فالطلب العالمي المتزايد على الطاقة، والبحث الأوروبي المستمر عن مصادر إمداد متنوعة، وقرب ليبيا من الأسواق الرئيسية، كلها عوامل تهيئ ظروفاً يمكن أن تدعم نمواً كبيراً إذا ما توافرت السياسات والقيادة المناسبة.

وفي الوقت نفسه، تواجه ليبيا تحديات مألوفة. فالبنية التحتية تحتاج إلى استثمارات. ويجب توسيع الطاقة الإنتاجية وتحديثها. ويحتاج المستثمرون الدوليون إلى ضمانات بأن المشاريع يمكن أن تمضي قدماً بشكل يمكن التنبؤ به وبكفاءة. وسيعتمد التغلب على هذه التحديات ليس فقط على التمويل، بل أيضاً على توفر المهنيين ذوي الخبرة القادرين على الإبحار في قطاع شديد التعقيد.

لذلك، جذبت التطورات الأخيرة التي تخص عماد بن رجب، الرئيس التنفيذي السابق لمؤسسة النفط الوطنية، انتباهاً يتجاوز الأوساط القانونية. فقد أيدت المحكمة العليا الليبية مؤخراً تبرئة عماد بن رجب بشكل كامل، بعد قضية طويلة أبعدت فعلياً أحد أبرز شخصيات قطاع الطاقة في البلاد.

إن أهمية هذا الأمر تتجاوز الحكم الفردي بحد ذاته.

فقد وجدت مراجعة المحكمة، وفقاً لما هو مُعلن، أن الأدلة الفنية الرئيسية التي استندت إليها الاتهامات الأصلية كانت معيبة. ووفقاً للنتائج التي قُدمت أثناء الإجراءات، فإن التحليل المخبري الذي شكل أساس الادعاءات قد أُجري في منشأة لم تكن حاصلة على الاعتماد المناسب للاختبارات المطلوبة. كما خلص المحققون إلى أن مشاكل جودة الوقود كانت مرتبطة بأوجه قصور في الصيانة وظروف التخزين، وليس بسوء تصرف متعمد.

علاوة على ذلك، لم تجد التقييمات الفنية أي دليل على وجود خسائر فادحة كما كان يُزعم سابقاً. ويُقال إن شحنة الوقود التي كانت محور القضية عولجت من خلال إجراءات مزج قياسية، ولم تسفر عن ضرر مالي جسيم كما ادُعي في البداية. قادت هذه النتائج المحاكم إلى استنتاج مختلف بشكل ملحوظ عن ذلك الذي تم التوصل إليه خلال المراحل السابقة من القضية.

بالنسبة للكثيرين داخل قطاع الطاقة الليبي، فإن هذه النتيجة مهمة لأنها تفتح إمكانية أن يساهم المهنيون ذوو الخبرة مرة أخرى في صناعة لا تزال محورية للمستقبل الاقتصادي للبلاد.

هذا الأمر لا يهم ليبيا فحسب، بل أفريقيا على نطاق أوسع.

ففي جميع أنحاء القارة، تواجه الاقتصادات الغنية بالموارد تحدياً مشتركاً. فالموارد الطبيعية وحدها لا تولد الازدهار. فالنمو يعتمد على المؤسسات، والبنية التحتية، والاستثمارات، والأشخاص القادرين على إدارتها بفعالية.

يُظهر قطاع الطاقة الليبي هذه الحقيقة بوضوح. فالبلاد تمتلك الاحتياطيات بالفعل. ما تحتاجه هو مزيج من الخبرات والاستثمارات والاستقرار اللازم لإطلاق قيمتها الكاملة.

لذا، ينبغي النظر إلى عودة الشخصيات ذات الخبرة إلى الحياة العامة والمهنية من خلال عدسة اقتصادية وليست سياسية. فالقطاعات الناجحة في الطاقة تُبنى على مدى عقود. لا يمكن استبدال المعرفة المؤسسية (التراكمية) بين عشية وضحاها، خاصة في الصناعات المعقدة تقنياً مثل النفط والغاز.

طوال مسيرته المهنية، بنى عماد بن رجب سمعة كشخصية مطلعة وقادرة داخل قطاع الطاقة الليبي. وقد أشار مراقبو الصناعة مراراً إلى فهمه للتحديات التشغيلية والتجارية والاستراتيجية التي تواجه البلاد في وقت كان فيه الحفاظ على الإنتاج والصادرات يتطلب غالباً الإبحار في ظروف صعبة للغاية.

يعتقد الكثيرون داخل القطاع أن متخصصين مثل عماد بن رجب لعبوا دوراً مهماً في مساعدة مؤسسة النفط الوطنية على تجاوز فترات عدم اليقين، مع الحفاظ على الاستمرارية التشغيلية وحماية أحد أهم مصادر الدخل القومي لليبيا.

هذه الخبرة لا تزال ذات صلة اليوم.

المستثمرون الذين يقيمون آفاق ليبيا المستقبلية سيركزون بطبيعة الحال على أهداف الإنتاج، ومشاريع البنية التحتية، والطاقة التصديرية. ومع ذلك، فإن رأس المال البشري لا يقل أهمية. إن القدرة على الاحتفاظ بالمهنيين ذوي الخبرة والاستفادة من خبراتهم قد تثبت قيمتها بقدر جولة الاستثمار التالية.

كما جددت تبرئة عماد بن رجب الأخيرة النقاش حول أهمية الخبرة والمعرفة المؤسسية داخل قطاع الطاقة الليبي. وبينما تسعى ليبيا إلى تعزيز الإنتاج وجذب المزيد من الاستثمارات، فإن القدرة على الاستفادة من المهنيين المتمرسين ذوي الفهم العميق للصناعة قد تصبح ميزة مهمة.

لا يزال تعافي ليبيا عملاً قيد التقدم. فلا تزال التحديات قائمة، ولا تزال الإصلاحات مطلوبة، ولم يختفِ عدم اليقين السياسي.

ومع ذلك، لا تزال الأساسيات طويلة الأجل للبلاد من بين الأقوى في القارة. فاحتياطياتها الهائلة من الطاقة، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وقربها من الأسواق الأوروبية توفر مزايا لا يستطيع سوى القليل من الدول مجاراتها. إذا تمكنت ليبيا من الجمع بين هذه المزايا وبين مؤسسات فعالة، وقيادة متمرسة، واستثمارات مستدامة، فلديه القدرة على أن تصبح واحدة من قصص النجاح الاقتصادي الأكثر أهمية في أفريقيا.

لذلك، يجب أن يركز الحديث حول مستقبل ليبيا ليس فقط على براميل النفط أو مستويات الاستثمار الأجنبي. بل يجب أن يركز أيضاً على الأشخاص والخبرات اللازمة لتحويل تلك المزايا إلى ازدهار دائم.

بالنسبة لليبيا، فإن طريق التعافي الاقتصادي لن يتشكل فقط بما يقع تحت سطح الأرض، بل بالمهنيين القادرين على تحويل هذه الموارد إلى نمو وفرص وتنمية وطنية طويلة الأجل.

_______________


الحوار المهيكل … قفزة جديدة في الهواء

الحبيب الأسود

الحوار المهيكل ليس مجرد وثيقة جديدة بل محاولة لتصحيح مسار التجارب السابقة بوضع إطار زمني صارم وضمانات رقابية تمنع الانقسام وتفتح الطريق للانتخابات.

قفزة جديدة في الهواء جاءت هذه المرة من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عبر الإعلان عن مخرجات الحوار المهيكل الذي أدارت جلساته وأشرفت عليه في إطار خارطة طريقها لتأمين الحل السياسي.

كل المعطيات المتاحة تكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن حساب الحقل لا يتطابق مع حساب البيدر؛ فالاعتقاد بإمكانية تغيير مسارات الوضع الليبي يبقى وهمًا لدى الناشطين من خارج دائرة التأثير الفعلي في مجريات الأحداث، حيث تتقاطع مصالح الفرقاء الممسكين بخيوط اللعبة، الساعين إلى تحقيق أهدافهم الموضوعية، ومنها عرقلة أي مشروع للحل قد يهدد امتيازاتهم أو يبدد طموحاتهم في الاستمرار بالاستئثار بالسلطة.

رئيسة البعثة الأممية هانا تيتيه قالت: “على الرغم من اختلاف وجهات النظر والأولويات، أثبت الحوار المهيكل أن الحوار البنّاء عبر الانقسامات السياسية والجغرافية والجيلية والمؤسساتية لا يزال ممكنًا إلى حد كبير”، ووعدت بأن “المرحلة المقبلة من العملية السياسية في ليبيا ستظل قائمة على جهود يقودها الليبيون أنفسهم، وستُستخدم للدفع نحو تنفيذ التوصيات والإصلاحات الجوهرية التي بلورها الحوار المهيكل، سواء من قبل المؤسسات القائمة حاليًا أو في المرحلة التي تلي الانتخابات”.

عمليًا، لا شيء يدعم موقف السيدة تيتيه على أرض الواقع، بقدر ما تثبت الانقسامات داخل الحوار ذاته أن الجهود الأممية لا تزال تراوح مكانها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وأن وظيفتها لا تتجاوز إطفاء الحرائق الطارئة من دون الكشف عن أسبابها الحقيقية أو ملاحقة اللاعبين الذين يشعلونها بين براميل النفط.

من الصعب الاعتقاد أن السيدة تيتيه ومساعديها يجهلون الواقع أو يتجاهلونه؛ فليبيا اليوم منقسمة على نفسها وفق ما يخدم مصالح القوى الفاعلة على الأرض، والفرقاء يبدون مرتاحين للمشهد الحالي، خصوصًا بعد التخلص من سيف الإسلام القذافي باغتياله في الثالث من فبراير الماضي.

ما يهمهم هو تكريس سلطة التحالف القائم بين نفوذ الأسرة وقوة السلاح ومصالح اللوبيات، وقد تحقق ذلك بالفعل على الأرض ويجد طريقه نحو التثبيت بتوافق إقليمي ودولي. أما جهود الأمم المتحدة فليست لها آليات تفعيل مؤثرة على خارطة الأوضاع كما شكلتها إرادات المتصارعين ثم قررت اعتمادها في تقاسم المصالح.

إذا كان هناك ما يحتاج إلى قراءة متأنية من قبل البعثة الأممية، فهو الواقع كما فرضته التوازنات الميدانية والاجتماعية وحولته إلى معطى سياسي يصعب اختراقه أو تجاوزه، وإلى حالة مالية واقتصادية مرتبطة بخيارات الإدارتين المسيطرتين على مقاليد الشأن العام في طرابلس وبنغازي.

أما ما عدا ذلك، فهو مجرد إضاعة للوقت وتبرير لصرف المال واستنزاف للقدرات البشرية وتقليص للفرص، لاسيما وأن مخرجات الحوار المهيكل غير ملزمة، وبالتالي فهي مجرد مقترحات تُرفع إلى مجلس الأمن لتضاف إلى أرشيف الأزمة الليبية في المنتظم الأممي.

مخرجات الحوار اقترحت تشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين، على أن تناط بالرئيس مهام القيادة العليا للقوات المسلحة واعتماد الميزانية العامة وتعيين السفراء، بالإضافة إلى التكليف المباشر لوزيري الدفاع والخارجية والإشراف عليهما، بينما يشارك نائباه في إعلان حالة الطوارئ واتخاذ قرار الحرب والسلم.

مبدئيًا يسعى رئيس المجلس الحالي محمد المنفي إلى تتفيه أي مقترح يمكن أن يطيح به من منصبه الذي أصبح بالنسبة إليه غنيمة لا يمكن التفريط فيها. بالنسبة للمنطقة الشرقية التي يتحدر منها المنفي، فإن أبناءها لن يقعوا في الخطأ نفسه مرة أخرى، بعد أن انقلب عليهم وبات يمثل قوة منفصلة عن خارطة التوازنات التي جيء به للمساهمة في تفعيلها.

مختلف التسريبات تشير إلى أن الجانب الأميركي يسير في الاتجاه نفسه، ويقترح إسناد منصب رئيس المجلس الرئاسي إلى الفريق صدام حفتر نائب القائد العام للجيش الليبي، لكن ذلك يصطدم برفض مطلق من القوى الراديكالية في مصراتة وطرابلس التي لا تقبل بدخول صدام في صورة القائد الفاتح إلى العاصمة، ولا بما قد تمثله رمزية ذلك المشهد من تكريس واقع جديد يقلب موازين القوى الحالية ويطيح بحسابات المستفيدين من الوضع الراهن.

المخرجات دعت إلى تشكيل حكومة موحدة مؤقتة تنحصر مهامها في تهيئة البيئة الأمنية والسياسية لإجراء الانتخابات، مع التأكيد على عدم تمديد ولايتها أو توسيع صلاحياتها خارج الإطار المحدد لها.

هذه الدعوة تتكرر منذ سنوات ولا تجد آذانًا صاغية. بالنسبة للفريق الممسك بمقاليد الحكم في غرب البلاد وعلى رأسه إبراهيم الدبيبة ووالده الحاج علي وخاله عبد الحميد ومدير العمليات الخاصة وليد اللافي، فإنها مجرد نكتة لا تستحق الرد.

بالنسبة إليهم، تسليم السلطة غير وارد، وهم يملكون توافقًا على ذلك مع القوى الفاعلة في بقية مناطق البلاد، ويجيدون التفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية، ويمتلكون موهبة اللعب على التناقضات وإعطاء كل طرف ما يحتاج إليه من ضمانات لتأمين مصالحه.

أما الوضع في بنغازي فقد تشكّل وفق توازنات قبلية واجتماعية وميدانية على أساس نظام حكم الأسرة، في محاولة للعودة بالبلاد إلى إرهاصات ظهور الكيان الليبي بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، وذلك مع إعلان إدريس السنوسي إمارة برقة مستقلة بدستور مستقل في 1 مارس 1949 بدعم من المملكة المتحدة.

الثابت أن خليفة حفتر لم يعلن استقلال مناطق نفوذه التي تتجاوز 80% من مساحة البلاد، ولن يفعل ذلك، لكنه يطمح إلى ما هو أهم: بسط سيطرته على كامل الجغرافيا الليبية، سواء باتفاق سياسي شامل، أو بتنسيق مع القوى الأمنية والعسكرية في الغرب، أو بضوء أخضر إقليمي ودولي لتحقيق ذلك بقوة السلاح.

أوصت المخرجات بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ووضع آليات تضمن استقلاليتها وحمايتها من التجاذبات السياسية، إلى جانب التوافق على قاعدة دستورية واضحة تسبق الاستحقاق الانتخابي، مع طرح خيار “الاستفتاء التحكيمي” كأداة لتمكين الليبيين من حسم القضايا الدستورية العالقة.

هذه التوصيات لن تخرج بليبيا من مربع الخلافات حول المسارين الدستوري والانتخابي، وهي خلافات مرتبطة بالصراع السياسي الذي لا يمكن فصله عن الوضع الأمني والعسكري.

وإذا كانت تلك التوصيات قد كشفت عن حقيقة لا تقبل الجدل، فقد كشفت أيضًا عن عبثية القرارات الصادرة عن مجلسي النواب والدولة، اللذين سبق أن أعلنا انتخاب رئيس وأعضاء جدد للمفوضية دون تفعيل لذلك، باعتبار أن القرار الحقيقي يتجاوزهما، وهو ملك للقوى التي تفرض وصايتها من خلف الستار على القرار الليبي.

أن تكون مخرجات الحوار المهيكل قفزة جديدة في الهواء، فلأن ملامح الوضع النهائي في ليبيا بدأت تتشكل وفق رغبة من يرفع السلاح ويضع يده على الثروة، ومن قرأ تاريخ البلاد ويعمل بقوة على تجاوز نقاط ضعف النظامين الملكي و”الجماهيري”، حتى لا ينقلب عليه كما حدث للملك إدريس أو يُطاح به بتدخل خارجي كما حصل مع القذافي.

____________

شبكة المدفوعات الإلكترونية في ليبيا: الهشاشة البنيوية وحدود الإشراف

أسعد عون الله

لم يكن العطل الذي ضرب شبكة المدفوعات المحلية في ليبيا عشية عيد الأضحى 2026 مجرد خلل تقني عادي. بل كان اختبار إجهاد حقيقياً لنظام دفع أصبح محورياً في الحياة اليومية في ليبيا، وقد فشل في لحظة لم يكن ينبغي أن تفاجئ أحداً.

حجم ما كان على المحك

لفهم ما حدث، يجب أولاً استيعاب مدى تغلغل المدفوعات الإلكترونية في الاقتصاد الليبي. وفقاً للأرقام التي نشرتها وكالة الأنباء الليبية في فبراير 2026، بلغ عدد البطاقات المصرفية المُفعَّلة حوالي 5.5 مليون بطاقة، بينما وصل عدد المشتركين في تطبيقات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول إلى 4.29 مليون مستخدم، نفذوا مجتمعين أكثر من 200 مليون معاملة بقيمة إجمالية بلغت 313.6 مليار دينار.

كما بلغ عدد أجهزة نقاط البيع 165,313 جهازاً على مستوى البلاد، عالجت 288.6 مليون معاملة بقيمة 37.8 مليار دينار.

هذه ليست إحصائيات مشروع تجريبي أو مبادرة ناشئة. إنها تصف بنية تحتية اقتصادية أساسية يعتمد عليها ملايين الليبيين يومياً. وعندما تتعطل هذه البنية التحتية، فإن العواقب ليست تقنية فحسب، بل تترجم فوراً إلى خسائر في المبيعات، وطوابير مزدحمة، ونزاعات بين التجار والعملاء، وتآكل في الثقة العامة يصعب إصلاحه أكثر بكثير من أي خادم.

الاثنين 25 مايو: نقطة الانهيار

صادف 25 مايو 2026 ذروة موسم التسوق قبل العيد، وهو أكثر فترة نشاط استهلاكي ازدحاماً في التقويم الليبي. تعرضت أجهزة نقاط البيع في جميع أنحاء البلاد لضغط استثنائي. لم تتحمل البنية التحتية.

أين يقع الخلل حقاً

وجدت البنوك التجارية نفسها في مرمى الشكاوى، لأن المواطنين والتجار لديهم حساباتهم لديها. لكن الفشل التشغيلي نشأ في مكان آخر: مع شركة معاملات، مشغل الموزع الوطني وشبكة المدفوعات المحلية المعروفة باسم “نمو”.

ينص موقع خدمة (ليبيا دفع) صراحة على أن الخدمة مملوكة لمصرف ليبيا المركزي وتُشغَّل من قبل شركة معاملات ضمن إطار الموزع الوطني. وتؤكد شروط الخدمة أن النظام يشكل جزءاً من شبكة المدفوعات الوطنية “نمو”، تحت إدارة الشركة نفسها. لذلك، فإن أي قراءة للأحداث تضع المسؤولية الأساسية على عاتق البنوك التجارية هي قراءة ناقصة، وتُحرف الضغط بشكل مريح بعيداً عن الكيان الذي يسيطر على العقدة المركزية للنظام بأكمله.

الأكثر إثارة للقلق من العطل نفسه كانت الحالات التي تم فيها خصم رصيد العميل دون وصول المبلغ المقابل إلى التاجر. تحمل هذه الفئة من الأعطال ثقلاً يتجاوز مجرد خلل تقني. إنها انهيار في التسوية، واعتداء مباشر على الثقة الأساسية التي تعتمد عليها المدفوعات الإلكترونية. يرى العميل الأموال تغادر حسابه، ويرى التاجر عدم وصول شيء، ويغرق البنك في شكاوى يفتقر إلى السلطة المنفردة لحلها.

أرقام مبهرة، لا ضمان للجاهزية

في أكتوبر 2025، عقد محافظ مصرف ليبيا المركزي اجتماعاً مع مجلس إدارة شركة معاملات لمعالجة عطل سابق أثر على الموزع الوطني وخدمات نقاط البيع. وأعلن المصرف المركزي آنذاك أن الموزع الوطني هو “نظام سيادي والعمود الفقري لخدمات المدفوعات الإلكترونية”، وأن أي انقطاع “غير مقبول لأي فترة زمنية”، مع الاتفاق على تدابير لمنع التكرار ورفع جاهزية مراكز البيانات. بعد أقل من سبعة أشهر، تكرر العطل، في ذروة موسمية كانت متوقعة تماماً.

عند هذه النقطة، يتحول السؤال من الجانب التقني إلى الجانب التنظيمي: هل كانت التزامات شركة معاملات قابلة للقياس والتحقق؟ هل راقب المصرف المركزي تنفيذها؟ هل تم إجراء اختبارات تحمل على الشبكة قبل موسم العيد؟ وهناك معايير أداء واضحة، أو عقوبات ذات معنى، في حال الفشل؟

نجح المصرف المركزي في دفع الأرقام الرئيسية للتحول الرقمي في ليبيا إلى الأمام. لكن هذا العطل يكشف عن فجوة عميقة ومتسعة: نمو سريع في الاستخدام تقابله هشاشة مزمنة في الموثوقية التشغيلية، ونموذج إشرافي لم يواكب هذا التطور.

إن توسيع الشبكة لتشمل 165,000 جهاز وملايين المستخدمين يحمل قيمة حقيقية ضئيلة إذا كانت البنية التحتية التي تحمل هذا التوسع لا تستطيع الصمود في الأيام التي تكون هناك بأمس الحاجة إليها.

ما هو مطلوب فعلاً

لا يمكن أن يبدأ الرد على هذا الفشل باعتذار في بيان صحفي وينتهي باجتماع آخر. المطلوب هو إجراءات هيكلية على عدة مستويات:

  • الشفافية الفورية: يجب على المصرف المركزي وشركة معاملات نشر رواية رسمية واضحة تحدد سبب العطل ومدته وعدد المعاملات المتأثرة، والأهم، عدد المعاملات التي تم خصمها دون تسوية فورية، بالإضافة إلى جدول زمني لحلها. الحد الأدنى من الثقة العامة يبدأ بمعرفة المواطنين والتجار بما حدث فعلاً.
  • إطار تنظيمي ملزم: اتفاقية مستوى خدمة واضحة بين المصرف المركزي وشركة معاملات، تتضمن مؤشرات أداء محددة، ونسب تشغيل، وأوقات استجابة للأعطال، وأطر زمنية لعكس المعاملات الفاشلة، مع فرض عقوبات مالية حقيقية مقابل عدم الامتثال. يجب إجراء اختبارات تحمل إلزامية قبل رمضان، ومواسم العيد، وفترات صرف الرواتب. لا ينبغي اختبار تحمل الشبكة أمام الجمهور، في وسط السوق.
  • تقليل نقاط الفشل الفردية: لا يعني الملكية السيادية للموزع الوطني احتكار العمليات أو غياب البدائل. يمكن للنظام أن يظل تحت إشراف المصرف المركزي بينما يتم تطوير التوجيه الاحتياطي للحركة، ومراكز بيانات مستقلة، ومقدمي خدمات تقنيين داعمين، لتوزيع الحمل وتقليل المخاطر الوجودية للاعتماد الكلي على مشغل واحد.

الخلاصة

هذا العطل لم يكشف ضعف شركة معاملات وحدها. بل كشف حقيقة أن نموذج الإشراف في ليبيا لم يواكب سرعة توسعها. في بضع سنوات قصيرة، بنت ليبيا شبكة مدفوعات إلكترونية بأرقام مثيرة للإعجاب حقاً.

لكن قوة الشبكة لا تُقاس بحجم المعاملات في الأوقات العادية. بل تُقاس بقدرتها على إتمام معاملة في اليوم الذي يحتاج فيه مواطن أو تاجر إليها بشدة.

كان ذلك اليوم هو 25 مايو 2026. وفشلت الشبكة.

__________

ساتر التراب الليبي وفزّاعة التوطين

صلاح الهوني

الاتهام بالتوطين يجعل أيّ نشاط أممي مشبوهًا بذاته، فيما يصعب على المفوضية الردّ بفعالية في بيئة مؤسسية هشّة يستطيع أيّ طرف فيها توظيف الملف لمصلحته السياسية الخاصة.

حين أحاط محتجون ليبيون، مداخل مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج بسواتر ترابية، وحين اقتحم آخرون مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في جنزور، لم يكونوا يحتجّون على منظمة دولية فحسب.

كانوا يصرخون في مواجهة شعور أعمق: أن وطنهم يُدار عن بعد، وأن قرارات تمسّ هويته الديموغرافية تُتّخذ في أروقة لا يملكون مفاتيحها. هذا الشعور، صائبًا كان أم مُضخَّمًا، يكشف عن أزمة سيادة أخطر بكثير من أي موجة هجرة.

الشرارة كانت وسم “لا للتوطين”، انتشر بسرعة قياسية على منصات التواصل في أواخر أيار/مايو، مصحوبًا بوثائق ومنشورات تتحدث عن ترتيبات دولية لاستقرار دائم للمهاجرين في ليبيا. لم تؤكد أيّ جهة رسمية ليبية هذه المعلومات، ولا أيّ جهة أممية.

غير أن الإنكار وحده لم يكن كافيًا. في غياب سيناريو وطني موثوق ومؤسسات قادرة على الردّ بمصداقية، تملأ الشائعة الفراغ. وهذا بالضبط ما حدث.

لفهم ما جرى في طرابلس، لا بدّ من استيعاب السياق الذي أنتج هذا الخوف. ليبيا دولة لا تملك قانونًا للّجوء حتى اليوم. هذا الغياب القانوني فراغ يُغري بالتأويل: حين لا تحكم الدولةُ الملفَّ، تحكمه الشائعات.

وحين تُصدر مفوضية اللاجئين بطاقات إقامة لأشخاص على الأرض الليبية دون إطار قانوني وطني واضح، يتحوّل الفعل الروتيني إلى مادة دسمة للحديث عن مؤامرة “التوطين”.

تجدر الإشارة إلى أن المخاوف من التغيير الديموغرافي القسري مشروعة في جوهرها: لأيّ شعب الحق في تقرير تركيبته السكانية وهويته الوطنية. لكن الفارق الجوهري بين القلق المشروع وخطاب الكراهية المحرِّض يكمن بالضبط في وجود مؤسسة وطنية قادرة على معالجة هذا الملف بشفافية وسيادة.

والمفارقة أن ما يُغذّي الخوف من فقدان السيادة هو في حد ذاته أثرٌ من آثار غياب السيادة.

كيف وصلت ليبيا إلى هذا المشهد؟ تحوّلت البلاد تدريجيًا، كما يصفها خبراء شؤون المنطقة، من دولة عبور إلى بوابة رئيسية للهجرة غير النظامية نحو أوروبا. الموقع الجغرافي وحده لا يُفسّر ذلك؛ الجغرافيا لم تتغيّر. ما تغيّر هو قدرة الدولة على إدارة ما تملكه من أرض وحدود.

الحدود الجنوبية الليبية، الممتدة على آلاف الكيلومترات مع تشاد ونيجر والسودان والجزائر، ظلّت لعقود من الزمن في عهد القذافي خاضعة لمنطق سلطوي مركزي، سواء أُحبّ ذلك المنطق أم لا.

أما اليوم، فهي مساحة شبه خالية من حضور الدولة، تملأها شبكات تهريب البشر والبضائع والسلاح. وحين سُئل مسؤولون عن إمكانية التحكم بهذه الحدود، كان الجواب دومًا الإشارة إلى الانقسام السياسي وغياب الموارد المشتركة.

هنا يكمن جوهر المعادلة: ليبيا اليوم تعيش ازدواجية مؤسسية حادة بين غرب تحكمه حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وشرق يخضع فعليًا لسلطة المشير حفتر، مع تشابك أمني تزيده ميليشيات متعددة المرجعيات تعقيدًا. لا توجد سياسة هجرة وطنية واحدة. لا يوجد قرار موحّد. ما يوجد هو تنافس على الملف بين قوى تجد في ورقة الهجرة عملةً جيوسياسية نافذة – في الداخل وفي التعامل مع الضغط الأوروبي على حدٍّ سواء.

ثمة وجه آخر للأزمة؛ ليبيا دولة نفطية الثروة، لكن توزيع هذه الثروة بالغ الاختلال؛ البطالة مرتفعة بين الشباب، والخدمات العامة تتآكل، ومؤسسات الدولة تُعاني هشاشة هيكلية متراكمة. في هذا السياق، يُصبح وجود ما يقارب مليون مهاجر – كثيرون منهم في وضع غير نظامي – ضغطًا إضافيًا حقيقيًا على سوق عمل هشّ وخدمات صحية وتعليمية محدودة.

مصادر في وزارة الداخلية الليبية وصفت الأزمة بأنها باتت تُثير مخاوف جدّية من زعزعة التوازن الديموغرافي وإنهاك القدرة الاستيعابية للمؤسسات. هذا ليس خطابًا شعبويًا فارغًا – إنه انعكاس لواقع يشعر به المواطن يوميًا. ومع ذلك، فإن الاستجابة لهذا الواقع تبقى رهينة قدرة الدولة على ترجمة المخاوف إلى سياسات بدلًا من ترك الميدان لحملات التحريض وردود الفعل العاطفية.

لفهم موقف الأمم المتحدة، لا بدّ من فصل المؤسسة عن القصة المروجة عنها. لا يوجد أيّ دليل موثّق على أن المفوضية أو أيّ هيئة أممية تسعى فعليًا إلى “توطين” مهاجرين في ليبيا دون موافقة الدولة الليبية.

مهمة المفوضية المُعلنة هي توثيق أوضاع اللاجئين وتمكينهم من إيجاد حلول دائمة – سواء بالعودة إلى بلدانهم أو بإعادة التوطين في دول ثالثة، ليس في ليبيا. والمنظمة العربية لحقوق الإنسان طالبت من جهتها بحماية المقرات الدولية تجنّبًا للعزلة الدولية.

غير أن هذه الحقيقة تظل رهينة قدرة الدولة الليبية على إيصالها لمواطنيها بمصداقية.

وهنا يتجلى ما وصفه بعض المحللين بـ”حرب السرديات”: الاتهام بالتوطين يجعل أيّ نشاط أممي مشبوهًا بذاته، فيما يصعب على المفوضية الردّ بفعالية في بيئة مؤسسية هشّة يستطيع أيّ طرف فيها توظيف الملف لمصلحته السياسية الخاصة.

ولعل الباحث المتخصص في الشأن الليبي أنس القماطي لخّص المأزق حين لفت إلى أن أوروبا لا تستطيع تجاوز من يملك النفوذ الفعلي على مسارات الهجرة، بصرف النظر عمّن تعترف به رسميًا وهذا التناقض بين الشرعية الرسمية والنفوذ الفعلي هو جوهر الأزمة الليبية بكاملها.

ما جرى في طرابلس يومَ الرابع من حزيران/يونيو لم يكن في جوهره احتجاجًا على المهاجرين أو على الأمم المتحدة. كان تعبيرًا عن سؤال مزمن وملحّ:

  • من يمتلك قرار ليبيا؟
  • من يُجيب نيابةً عن دولة على تساؤل مواطنيها؟
  • من يصوغ سياسة هجرة وطنية تعكس المصلحة الليبية وتحمي الكرامة الإنسانية في آنٍ واحد؟

في غياب الجواب، تتشابك الأسئلة وتتصاعد حدّتها. الانقسام السياسي يجعل أيّ سياسة هجرة وطنية أمرًا شبه مستحيل: فما توافق عليه حكومة طرابلس لا يلزم الشرق، وما يفرضه الشرق لا يُعترف به في الغرب. وفي الفراغ بين السلطتين، تعمل شبكات تهريب البشر بحرية نادرة، وتتراكم أعداد المهاجرين، ويتصاعد الغضب الشعبي الذي لا يجد قناة مؤسسية تستوعبه.

هذا هو الاختبار الحقيقي للسيادة الليبية: ليس في قدرة محتجين على إغلاق مقرّ أممي بأكوام الرمال – هذا في المتناول – بل في قدرة الليبيين على بناء مؤسسة دولة قادرة على إدارة هذا الملف بسيادة وشفافية ومسؤولية. دولة لديها قانون لجوء واضح، ورقابة فعلية على الحدود، وبروتوكول منظّم للتعامل مع وجود مليون نسمة على أراضيها لا يملك أحدهم وضعًا قانونيًا محدّدًا.

الدعوة إلى مقاربة وطنية جماعية – تخرج من مؤسسات الدولة لا من قنوات التحريض الإلكتروني – ليست ترفًا فكريًا. إنها الشرط الوحيد لتحويل الغضب المشروع إلى سياسة مجدية. ليبيا اليوم تقف عند مفترق: إما أن تبني مؤسسات تُدير هذا الملف بسيادة وكفاءة، وإما أن تترك الملف رهينة انقسام يُفيد منه الجميع إلا الليبيين أنفسهم.

حين أُغلقت أبواب مفوضية اللاجئين بالرمال في طرابلس، وجدت الكاميرات مشهدًا لافتًا. لكن المشهد الأعمق – الأكثر إلحاحًا والأقل تصويرًا – هو الفراغ الهائل خلف تلك الأبواب المُغلقة: الفراغ الذي لا يملؤه غضب شعب، ولا يسدّه ساتر من التراب.

____________

رفض التوطين يُوحّد الشارع الليبي

متظاهرون ليبيون يغلقون مقرا أمميا في طرابلس بسواتر ترابية، احتجاجا على ما وصفوها ‘محاولات توطين’ مهاجرين غير نظاميين.

 أغلق متظاهرون ليبيون اليوم الخميس مقرا أمميا في العاصمة طرابلس بسواتر ترابية وطالبوا بإغلاقه نهائيا، احتجاجا على ما وصفوها “محاولات توطين” مهاجرين غير نظاميين في بلادهم، وهو ما نفته جهات رسمية في البلاد.

ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها “لا للتوطين” و”ليبيا لليبيين” و”أنا ليبي وضد التوطين” و”الأرض ليست للبيع”. ولا ينفصل هذا التحرك عن المخاوف المتزايدة من تداعيات الهجرة على التركيبة السكانية والأوضاع الأمنية، خاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي وضعف الرقابة على الحدود الجنوبية الشاسعة، ما جعل ليبيا خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم نقاط العبور نحو أوروبا عبر البحر المتوسط.

ويعكس هذا التطور حجم الحساسية التي يثيرها ملف الهجرة داخل ليبيا، خصوصا مع تزايد أعداد الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء ومن مناطق نزاع مختلفة، في وقت تعاني فيه الدولة من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرات الأمنية.

وقالت عضو تنسيقية حراك “لا للتوطين” سالمة الشعاب، في بيان وُزع خلال الفعالية “اليوم نعلن إقفال المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في كامل التراب الليبي”.

والاثنين، أكدت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية تمسكها بالثوابت الوطنية في التصدي للظاهرة وموقفها الرافض للتوطين، وشددت على “ضرورة تحري الدقة فيما تنشره بعض الصفحات على مواقع التواصل وعدم الانجرار وراء أي دعوات تحريضية أو شائعات”.

والثلاثاء، أعربت الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها “إزاء عودة انتشار معلومات خاطئة ومضللة وخطاب تحريضي على منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك محتوى يستهدف أفرادا أو فئات محددة”، في إشارة إلى المهاجرين.

وقالت إن “مثل هذه السرديات تنطوي على خطر تأجيج التوتر وانعدام الثقة والتمييز والعنف، بما يؤثر على كرامة الناس وأمنهم وحياتهم اليومية في مختلف أنحاء ليبيا”.

وأكدت الأمم المتحدة التزامها “بمواصلة العمل مع السلطات الوطنية والمحلية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمجتمعات المحلية لتعزيز الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة”.

وشددت على أنه “في وقت تواصل فيه ليبيا مواجهة تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، تقع على عاتق جميع الأطراف مسؤولية مشتركة في الامتناع عن الخطاب الذي قد يحرض على الكراهية أو التمييز أو العنف”.

وفي 2 أبريل/نيسان 2025 أعلن جهاز الأمن الداخلي بحكومة الوحدة الوطنية إغلاق مقار 10 منظمات إنسانية دولية وتعليق نشاطها، بدعوى “تورطها في مشروعات معادية لليبيا، منها توطين المهاجرين غير النظاميين، مستغلة حالة عدم الاستقرار في البلاد”.

وفي 2 ديسمبر/كانون الأول 2025، قدر وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية عماد الطرابلسي وجود نحو 3 ملايين مهاجر غير نظامي داخل البلاد، قدموا إليها بغرض الهجرة عبر البحر المتوسط نحو أوروبا.

وتنشط تجارة الهجرة غير النظامية في مناطق شمال غربي ليبيا المطلة على البحر المتوسط، لا سيما في مدن القره بوللي وصبراتة وزوارة، من قبل جماعات تستغل حالة الانقسام السياسي والفوضى الأمنية في البلاد.

***********

بعثة الأمم المتحدة في ليبيا: لا صحة لمزاعم توطين المهاجرين

نفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الخميس، صحة المزاعم المتداولة بشأن وجود برامج لتوطين المهاجرين داخل البلاد، مؤكدة أن جميع الادعاءات بهذا الشأن “عارية تماماً عن الصحة”.

وقالت البعثة، في بيان، إنها تابعت المظاهرات التي نُظمت أمام مقرها ومقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في طرابلس، مشددة على حق الليبيين في الحصول على معلومات دقيقة والتعبير عن آرائهم بصورة سلمية وفقاً للقوانين الوطنية والمواثيق الدولية.

تصاعد التوترات

كما أعربت عن قلقها إزاء ما وصفته بانتشار “المعلومات المضللة وخطاب الكراهية” المرتبط بعمل الأمم المتحدة في ليبيا، معتبرة أن ذلك ساهم في تصاعد التوترات والتحريض ضد موظفي المنظمة من الليبيين والدوليين، حسب وكالة الأنباء الألمانية.

كذلك أكدت الأمم المتحدة أن وكالاتها العاملة في ليبيا، بما في ذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لا تنفذ أي برامج تهدف إلى توطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية، لافتة إلى أن “عمل المفوضية يتركز، بالتنسيق مع السلطات الليبية والمجتمع الدولي، على إيجاد حلول للأشخاص الفارين من الحروب والنزاعات، من بينها الإجلاء إلى دول ثالثة أو تسهيل العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية عندما تسمح الظروف بذلك”.

وأدانت البعثة بشدة أي دعوات للعنف أو التهديدات الموجهة ضد موظفي الأمم المتحدة ومقارها وممتلكاتها، داعية جميع الأطراف إلى احترام حرمة منشآت المنظمة الدولية والعاملين فيها وفقاً لأحكام القانون الدولي.

فيما ثمّنت “جهود السلطات المختصة في طرابلس للحفاظ على النظام العام وضمان سلامة المتظاهرين، إلى جانب توفير الحماية لموظفي الأمم المتحدة ومرافقها”.

جماهير غاضبة

يأتي بيان البعثة الأممية في ظل تصاعد الجدل داخل ليبيا بشأن ملف الهجرة غير النظامية، وتزايد المطالبات الشعبية والرسمية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمعالجة الظاهرة.

وكانت جماهير غاضبة في العاصمة الليبية طرابلس قد تجمهرت ظهر الخميس أمام مقر منظمة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وطالبت بإقفالها على خلفية أخبار عن بطاقات توطين توزعها المنظمة على اللاجئين والمهاجرين غير القانونين في ليبيا، ما اعتبره البعض محاولة لتوطين الأعداد الغفيرة من الهجرة في ليبيا وإيقاف مدها إلى أوروبا.

كما اقتحم متظاهرون آخرون مقر البعثة الأممية في منطقة جنزور غرب طرابلس، قبل أن تتدخل قوات الأمن وتحاول منعهم من اقتحام المبنى الذي كان بداخله موظفو البعثة دوليون ومواطنون ليبيون.

___________

ليبيا بين ذاكرة الضحايا ومسار العدالة الدولية

كريم سلامة 

تشكل جلسات الاستماع والتحركات القضائية الدولية الجارية بشأن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في ليبيا واحدة من أكثر المحطات حساسية وأهمية في مسار العدالة والمساءلة منذ العام 2011.

فبعيداً عن البعد الإجرائي البحت للمحاكمات، تبرز هذه الإجراءات بوصفها لحظة تاريخية ينتقل فيها الألم الليبي من نطاق التوثيق الحقوقي المغلق إلى فضاء العدالة الدولية العلني في لاهاي؛ حيث تتحول الشهادات والروايات التي ظلت لسنوات حبيسة ملفات المنظمات وتقارير التوثيق إلى وقائع تخضع للفحص القضائي والمساءلة القانونية أمام المجتمع الدولي.

وعلى امتداد أكثر من عقد، عاش الضحايا والناجون وأسر المفقودين واقعاً معقداً اتسم بضعف مؤسسات العدالة الوطنية، واستمرار الانقسام السياسي والأمني، وتغلغل الجماعات المسلحة داخل المنظومة الأمنية، إلى جانب غياب المساءلة الفعلية عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة داخل أماكن الاحتجاز ومراكز السيطرة التابعة لتشكيلات مسلحة وأجهزة أمنية نافذة.

وفي ظل هذا الواقع، بقيت ملفات الانتهاكات الكبرى عالقة بين التوثيق الحقوقي والعجز القضائي، إلى أن أعادت التطورات القضائية الدولية الأخيرة فتح النقاش حول الانتقال من مرحلة تسجيل الانتهاكات إلى مرحلة مساءلة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي.

ولا تقتصر أهمية هذه التحركات على تحديد المسؤولية الجنائية الفردية للمتهمين؛ بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تثبيت مبدأ قانوني وأخلاقي أساسي، مفاده أن الجرائم الجسيمة ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وعلى رأسها القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي، لا يمكن أن تبقى خارج دائرة المحاسبة مهما طال الزمن أو تعقدت الظروف السياسية والأمنية.

من التوثيق إلى المساءلة: قضية الهيشري (البوتي) كمنعطف تاريخي

في البيئات التي تشهد نزاعات مسلحة أو انهياراً مؤسسياً، يبدأ مسار العدالة غالباً بمرحلة التوثيق الحقوقي، حيث تعمل المنظمات والباحثون والضحايا على جمع الإفادات وحفظ الأدلة والشهادات المتعلقة بالانتهاكات. غير أن الفجوة بين التوثيق وتحقيق العدالة الفعلية تبقى واسعة، خصوصاً عندما تغيب الإرادة السياسية أو تضعف المؤسسات القضائية المحلية عن ملاحقة المتورطين ذوي النفوذ.

وفي الحالة الليبية، مثَّلت هذه الفجوة أحد أبرز مظاهر الأزمة الممتدة منذ 2011. فرغم تراكم التقارير الحقوقية المحلية والدولية حول الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز، ظلت هذه الملفات لسنوات طويلة دون مسار قضائي فعلي.

في هذا السياق، يُعد اعتقال القيادي البارز في جهاز «الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة»، خالد محمد علي الهيشري، المعروف باسم «البوتي»، ثم تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، تطوراً مفصلياً في مسار العدالة الدولية المتعلقة بليبيا. إذ يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الملفات التي انتقلت من فضاء التقارير الحقوقية إلى أروقة القضاء الدولي في لاهاي، ضمن سياق تحقيقات المحكمة بشأن الانتهاكات المرتكبة في ليبيا منذ 2011.

ويكتسب هذا التطور دلالة رمزية وقانونية خاصة؛ إذ يواجه الهيشري اتهامات تتعلق بالإشراف والمسؤولية المباشرة والمشتركة عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب يُزعم أنها ارتُكبت داخل سجن معتيقة خلال الفترة الممتدة من 2014 إلى 2020، في إطار منظومة احتجاز ارتبطت بجهاز الردع الذي تولى إدارة مرافق أمنية وسجوناً في طرابلس.

وعندما تُعرض هذه الروايات أمام المحكمة الجنائية الدولية، فإنها لا تبقى مجرد شهادات فردية، بل تتحول إلى مادة قضائية خاضعة للفحص والتدقيق ضمن معايير الإثبات الجنائي الدولي.

الدقة الحقوقية وأهمية المصطلحات المحلية

من أبرز الجوانب اللافتة في التحقيقات والجلسات الجارية حجم الدقة التي يتعامل بها الادعاء الدولي مع الوقائع المرتبطة ببيئة الاحتجاز داخل معيتيقة. فبدلاً من السرد العام، يجري التركيز على تفاصيل لغوية ومكانية وأدوات وأساليب شكلت جزءاً من الحياة اليومية للمحتجزين، وتُعد عنصراً محورياً في إثبات الطابع الممنهج للانتهاكات.

وقد برز ذلك في التعامل مع مصطلحات محلية ليبية وردت في شهادات الضحايا والناجين، مع الحفاظ على معناها وسياقها:

البطانية: لم تعد مجرد غطاء للنوم داخل الزنازين، بل وردت في شهادات متعددة كوسيلة استُخدمت في لف ونقل جثث المحتجزين الذين قضوا تحت التعذيب أو نتيجة الإهمال الطبي.

البالة: أداة بناء تحولت في الإفادات إلى وسيلة للضرب والتنكيل وإحداث إصابات خطيرة بحق المعتقلين.

الحي الإسلامي و البلانكو: مصطلحات ارتبطت، بحسب شهادات متطابقة، بأساليب تعذيب داخل السجن شملت التعليق لفترات طويلة والصعق الكهربائي والمعاملة القاسية.

إن إدراج هذه التفاصيل في فضاء المحكمة الدولية لا يحمل فقط قيمة توثيقية، بل يكشف كيف جرى تحويل أدوات الحياة اليومية إلى وسائل ممنهجة للتعذيب والإذلال وكسر الكرامة الإنسانية.

الإفلات من العقاب في الوعي الليبي

في الوعي الاجتماعي الليبي، كثيراً ما يُستخدم المثل الشعبي: «اللي ضربته أمه باتت فيه»، في إشارة إلى حالة التعايش مع العنف أو اعتياده حتى يصبح جزءاً من الواقع اليومي غير المستنكر. ويعكس هذا التعبير، بصورة رمزية، تراكم ثقافة الإفلات من العقاب التي ترسخت عبر عقود، سواء خلال الحقبة السابقة لـ2011 أو خلال سنوات الانقسام والصراع اللاحقة.

ومع استمرار الانتهاكات دون مساءلة فعالة، ترسخ شعور عام بأن القوة المسلحة تتقدم على القانون، وأن الضحايا غالباً ما يُتركون دون إنصاف. من هنا، تكتسب المحاكمات الدولية الحالية أهميتها باعتبارها محاولة لكسر هذه القناعة التاريخية بأن الجرائم يمكن أن تمر دون حساب.

التأصيل القانوني للتعذيب والمنظومة الممنهجة

يعد حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية من القواعد الآمرة في القانون الدولي، التي لا يجوز انتهاكها أو تبريرها تحت أي ظرف، سواء في زمن السلم أو النزاعات المسلحة.

ووفقاً لاتفاقية مناهضة التعذيب للعام 1984، يتحقق وصف التعذيب عندما يُرتكب بموافقة أو سكوت جهة رسمية أو أشخاص يتصرفون بصفة رسمية. وفي القضية المرتبطة بالهيشري، لا تنظر المحكمة إلى وقائع فردية معزولة، بل إلى نمط واسع وممنهج من الانتهاكات داخل بيئة احتجاز خاضعة لهيكل أمني منظم، ما يفتح الباب أمام تطبيق مبدأ مسؤولية القائد وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل الجدل المستمر حول التزامات الدول بالتعاون مع المحكمة، خاصة فيما يتعلق بتسليم المطلوبين وعدم توفير ملاذ آمن للمشتبه بارتكابهم جرائم دولية.

العدالة وحقوق الدفاع

رغم جسامة الانتهاكات المزعومة، تقوم العدالة الدولية على ضمان محاكمة عادلة تستند إلى قرينة البراءة وفحص الأدلة واحترام حقوق الدفاع، وليس على الإدانة المسبقة أو الانتقام.

ولهذا يضمن نظام روما الأساسي للمتهم حقوقاً كاملة تشمل الاطلاع على الأدلة، واستجواب الشهود، وتقديم الدفوع القانونية بحرية. ورغم أن هذه الإجراءات قد تبدو بطيئة أو مؤلمة لبعض الضحايا، فإنها تمثل الضمانة الأساسية لصدور أحكام ذات شرعية قانونية وأخلاقية، قادرة على الصمود أمام الطعن أو التسييس.

حدود العدالة الجنائية وأفق العدالة الانتقالية

لا يمكن النظر إلى المحاكمات الدولية باعتبارها حلاً كاملاً للأزمة الليبية، أو بديلاً عن بناء مؤسسات قضائية وطنية مستقلة وموحدة. فالعدالة الجنائية الدولية تبقى محدودة النطاق، إذ تركز على ملاحقة المسؤولين الأعلى في هرم الجرائم.

لكن أهميتها الأعمق تكمن في بعدها الرمزي، وفي حفظ الذاكرة الجماعية من الإنكار. فاستماع المحكمة إلى الشهادات بلغتها المحلية يكسر جدار الصمت الذي فرضته سنوات السلاح والانقسام، ويمنح الضحايا اعترافاً قانونياً بأن ما تعرضوا له لم يكن أحداثاً عابرة بل جرائم جسيمة.

ومع ذلك، تظل العدالة القضائية خطوة أولى، ينبغي أن تتبعها عملية عدالة انتقالية شاملة تقوم على الإصلاح المؤسسي، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، وتفكيك منظومات الإفلات من العقاب.

الخاتمة

تمثل جلسات الاستماع والتحركات القضائية الجارية بشأن ملف معتيقة وقضية الهيشري (البوتي) لحظة فارقة في التاريخ الليبي المعاصر، لأنها لا تفتح فقط باب المساءلة بعد سنوات طويلة من الجمود، بل تعيد الاعتبار لأصوات الضحايا التي ظلت محاصرة بالخوف والصمت.

وفي بلد أنهكته سنوات الانقسام وضعف المؤسسات وتغول السلاح، يظل انتقال الذاكرة الليبية من التوثيق الحقوقي إلى السجل القضائي الدولي خطوة أساسية نحو كسر حلقة الإفلات من العقاب، وترسيخ مبدأ أن العدالة، مهما تأخرت، تظل ممكنة وملزمة.

__________

شبكات تهريب النفط الليبي .. نزيف اقتصادي وخسائر تلاحق الدولة

علاء فاروق

تعاني ليبيا من أزمات اقتصادية متتالية نتيجة لحالة الانقسام السياسي والحكومي وانتشار الفساد المالي والإداري، ما تسبب في حالة نزيف اقتصادي متتالي ومتكرر.

وتشكل جريمة تهريب النفط عبر شبكات ترتبط بؤسسات شبه رسمية وشخصيات نافذة في الدولة أكبر الأزمات التي تسبب حالة الضعف الاقتصادي وتفريغ خزينة الدولة الليبية التي تعتمد على النفط كعائد وحيد للدخل القومي.

“نزيف مالي لإيرادات سيادية”

يشكل ملف المحروقات في ليبيا بشكل عام أصبح أقرب إلى ثقب أسود يلتهم مقدرات الاقتصاد الوطني، حيث تبلغ فاتورة استهلاك الوقود مبالغ كبيرة، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، وصلت فاتورة الاستهلاك في شهر مايو الماضي حوالي 1.1 مليار دولارا، أي ما يعادل 12 مليار دولارا سنوياً، وهو نزيف مالي ضخم يستنزف الإيرادات النفطية السيادية للدولة. 

وتناولت عدة تقارير استقصائية ملف تهريب النفط والغاز في ليبيا، خًلُص أغلبها إلى وجود عمليات تهريب واسعة عبر شبكات نفوذ معقدة ومنظمة موزعة على الجغرافيا الليبية شرقا وغربا يساعدها أطرافا دولية وإقليمية تستغل حالة الانقسام والفوضى في ليبيا.

تثبيت الشرعية والنفوذ

وتحاول كل جهة استغلال العائد من عمليات تهريب النفط في تقوية وتثبيت شرعيتها وفرض وجودها عسكريا (مثال قوات حفتر في شرق البلاد) وكذلك فرض وجودها سياسيا ومناطقيا (حكومة الدبيبة ومن يساندها من مجموعات مسلحة غربا)، وكل ذلك تسبب في حالة نزيف اقتصادي وتراجع في إيرادات المصدر الوحيد للدخل القومي ما جعل المصرف المركزي يعاني من أزمة سيولة وعملة صعبة.

وذكرت تقارير متطابقة أن “القيادة العامة برئاسة المشير الليبي، خليفة حفتر تشكل الجانب الأكثر تنظيما ومأسسة لأنشطة التهريب في شرق البلاد وجنوبها، نظرا لسيطرة نجله نائب القائد العام الفريق، صدام حفتر  سيطرة عسكرية تامة ومباشرة على المنافذ والموانئ شرقا وجنوبا وأشهرها ميناء بنغازي القديم.

وذكر تقرير الخبراء للفريق التابع للأمم المتحدة حول ليبيا الأخير والذي نشر في إبريل الماضي أن “عمليات تهريب النفط في ليبيا وصلت إلى مستويات “غير مسبوقة” خلال العامين الماضيين، وأن شبكات مالية وشركات تُستخدم واجهة لتحويل عائدات غير مشروعة، وأن شبكات تهريب الوقود تعمل عبر موانئ ليبية وبمشاركة جهات نافذة”.

“الوجهة ومسارات التهريب وشبكات النفوذ”

كما ذكر فريق الخبراء المعني بليبيا أن “شبكة التهريب استطاعت تطوير قدراتها التشغيلية بشكل كبير، معتمدةً على بنية لوجستية تشمل مواني رئيسة وسفنًا متعددة لتسهيل التهريب، وأن عمليات التهريب لم تعد نشاطًا محدودًا، بل تحولت إلى منظومة عابرة للحدود، تمتد إلى 5 دول عربية وأوروبية، عبر استعمال أساليب متقدمة تشمل التمويه البحري وتزوير الوثائق وتغيير مسارات الشحن بشكل متكرر.

وكشفت التقارير الأممية أن “عمليات تهريب الوقود من ليبيا تتمّ عبر مواني ليبية رئيسية، أهمها: ميناء بنغازي وميناء رأس لانوف (الواقعة تحت سيطرة قوات المشير حفتر)، وأن عمليات التهريب يتم التمويه للتهرب من المراقبة والرصد عبر النقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر بهدف إخفاء مسار الشحنات، كون هذه الآلية تتيح تغيير وجهة شحنة الوقود دون تسجيل رسمي.

تهرب عبر وثائق مزورة

وتعليقا على هذه التقارير ذكرت منصة “الطاقة”، منصة متخصصة في النفط والغاز مقرها واشنطن، أن “عمليات التهريب تشمل تخزين الوقود داخل مواقع محددة في ليبيا، وكذلك بعض الموانئ القريبة ومنها ميناء مدينة بورسعيد المصرية، قبل إعادة تحميله، مع استعمال وثائق مزورة وشهادات منشأ غير دقيقة، بهدف تمرير الشحنات عبر المواني الدولية على أنها منتجات قانونية أو موجهة لأغراض مختلفة.

وذكرت المنصة المتخصصة أن البيانات الحديثة تشير إلى أن حجم الديزل المهرب من ميناء بنغازي بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026 بلغ نحو 578 ألف طن متري، ضمن إجمالي تدفقات تجاوزت 688 مليون لتر، وهو ما يعكس تصاعدًا لافتًا في عمليات تهريب الوقود من ليبيا.

كما رُصدت عمليات إضافية تضمنت ما لا يقل عن 50 شحنة من المنتجات المكررة غير القانونية، بما يعادل قرابة 636 ألف طن متري أو نحو 992 مليون لتر، نُقِلَت عبر مسارات بحرية معقدة، مع اعتماد مكثّف على تقنيات التمويه وإعادة الشحن في عرض البحر.

وفيما يتعلق بالبنية اللوجستية، وثّق التقرير استعمال ما لا يقل عن 99 حاوية و22 خزانًا عائمًا و24 ناقلة بحرية، إلى جانب 30 رحلة موثقة لنقل أكثر من 80 مليون كيلوغرام من الديزل، مع تخزين كميات في مواقع مثل بوسدرة قبل إعادة تصديرها.

وتعتمد شبكة التهريب على شركات واجهة ووسطاء دوليين لتنسيق عمليات النقل والتوزيع، ما يمنحها غطاءً قانونيًا ظاهريًا، رغم أن الأنشطة الفعلية تندرج ضمن الاقتصاد غير المشروع المرتبط بتهريب الموارد، وفق ما حللته منصة “الطاقة” بواشنطن.

رد رسمي متحفظ

وفي تعليقها على تقرير فريق الخبراء الأممي بخصوص أزمة تهريب النفط ذكرت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا “مؤسسة رسمية سيادية” أن “بعض المعلومات الواردة في التقرير لا تستند إلى مراجعة فنية مكتملة من مصادرها الرسمية، مؤكدة وجود قصور في عرض البيانات والأرقام المرتبطة بقطاع النفط والمنتجات المكررة.

لكن المتابع للشأن الليبي خاصة الاقتصادي منه يعلم جيدا أنه “منذ وصول حكومة الدبيبة إلى الحكم وعقد صفقات واتفاقات مع القيادة العامة برئاسة حفتر وعائلته شرقا ومؤسسة النفط تقع ضمن هذه التحالفات والصفقات، وأن المؤسسة خضعت إلى عملية إعادة هيكلة تهدف إلى إضعاف آليات الرقابة والتوازن الداخلي، وشمل ذلك إنشاء مكتب استراتيجي مستقل خارج المقر الرئيسي في “قصر النبأ الملكي” للموافقة على العقود والخدمات مع الشركات الخاصة دون المرور بالقنوات القانونية التقليدية.

وتعد شركة “أركنو”، وهي شركة بريطانية خاصة تدار عبر وكلاء لصدام حفتر وكذلك إبراهيم الدبيبة مستشار رئيس الحكومة الليبية، عبدالحميد الدبيبة وبموافقة الأخير أيضا، هي الواجهة التي يستغلها الطرفان في إنشاء مسار مواز لاقتصاد موازي في البلاد.

وأشارت تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة إلى أن “صدام حفتر يمارس سيطرة غير مباشرة على هذه الشركة عبر وكيله رفعت العبار (نائب وزير النفط السابق) وبلقاسم شنقير (عضو مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط السابق والمهندس التقني لتأسيس الشركة)، بإنشاء مسار موازي للتصدير والبيع.

حيث تعاقدت بشكل غير قانوني مع شركة الخليج العربي للنفط (أجوكو) التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط لرفع الإنتاج مقابل مدفوعات مباشرة عينية من النفط الخام.

وقامت بتصدير 7.6 مليون برميل نفط بقيمة 600 مليون دولار، ونجحت الشركة في تحويل أكثر من 3 مليارات دولار من عائدات النفط الليبي إلى حسابات مصرفية خارجية بين أكتوبر 2024 وفبراير 2026، وذلك بالتعاون مع شركات تجارية دولية مثل “بي جي إن إنرجي” الإماراتية، مما أدى إلى حرمان مصرف ليبيا المركزي من هذه العائدات الحيوية.

مسار عوائد تهريب النفط

وبحسب التقارير الأممية والمحلية فإن “العوائد المالية لتهريب الوقود تستخدم في تمويل صفقات الأسلحة والمعدات العسكرية ودفع مستحقات الشركاء الخارجيين، ناهيك عن تقوية اقتصاد مواز خارج رقابة وتصرف مصرف ليبيا المركزي ليكون بمثابة داعم لتثبيت شرعية وقوة وسيطرة كل طرف.

وفي محاولة لفهم تداعيات جريمة تهريب النفط والوقود من ليبيا.. التقت “عربي21” مع الخبير الاقتصادي الليبي، علي الصلح للوقوف على آثار هذه الأزمة، والذي أوضح أنه “يقف خلف شبكات تهريب الوقود منظومة جريمة منظمة وعابرة للحدود تتشارك فيها أطراف داخلية وخارجية مستغلةً غياب الرقابة التامة وثغرات منظومة التوزيع التقليدية؛ وتبرز في مقدمة هذه الشبكات واجهات تجارية ومحطات وقود قائمة ويتم تأجيرها للغير كغطاء قانوني لتسلم المخصصات المدعومة من شركة “البريقة” (شركة رسمية مقرها طرابلس) ثم تحويلها مباشرة إلى السوق السوداء ومنافذ التهريب بدلا من بيعها للمواطنين.

وأكد الخبير الليبي أن “هذه المجموعات المحلية ترتبط بشبكات تهريب دولية تتولى تنسيق عمليات الشحن والتفريغ غير القانونية عبر الموانئ البحرية والبرية لتصريف الوقود الليبي الرخيص في الأسواق الإقليمية والدولية”، وفق معلوماته.

وأضاف لـ”عربي21″: “كما يُعد الانقسام السياسي والمؤسسي البيئة المثالية التي تقتات عليها الأطراف المتنازعة والمجموعات المسلحة؛ إذ توفر لها عمليات تهريب الوقود والاستحواذ على عوائده مصدراً تمويلياً ضخماً ومستقلاً يضمن استدامة نفوذها وتمويل عملياتها وشراء الولاءات.

وتابع: “وتستفيد هذه الأطراف بشكل مباشر عبر فرض نفوذها على مسارات النقل العشوائي وموانئ التفريغ مستغلةً حالة الضعف الحاد في التمويل والحوكمة التي تواجهها المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة، لتمرير كميات وقود غير مبررة وإعادة تدويرها ماليا لتغذية نفوذها السياسي والعسكري على حساب قوت الشعب الليبي”، وفق تقديراته الاقتصادية.

_________________

العودة لقانون العدالة الانتقالية

عبدالله الكبير

صورتان متناقضتان للعدالة شاهدهما المواطن الليبي في شهر مايو 2026. ظهر في الأولي خالد الهيشري جلاد سجن معيتيقة أمام قضاة المحكمة الجنائية الدولية، تتلى عليه قائمة الاتهامات المثبتة والموثقة بالأدلة والشهادات المتطابقة للضحايا، مع ذكر أسماء أخري متورطة معه في هذه الجرائم وغيرها.

وفي الأخرى محكمة استئناف طرابلس تصدر حكمها في قضية قمع ثورة فبراير ببراءة عبدالله السنوسي ومعه عشرون متهما من قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، من تهمة ارتكاب جرائم مصنفة دوليا كجرائم ضد الإنسانية.

الأحكام الصادرة عن المحكمة السابقة في مايو 2015 تراوحت بين الإعدام والسجن المؤبد أو أقل، وبعد كل هذه السنوات، والتأجيل المتكرر من المحكمة، صدرت أحكام البراءة الصادمة للضحايا وذويهم، و قطاعات واسعة من الشعب، كانت شاهدا على الانتهاكات المروعة التي اقترفها نظام القذافي وجلاوزته، ضد المتظاهرين السلميين في عدة مدن ليبية عام 2011.

لا أحد ينكر أن المحاكم المحلية تعمل في زمن بالغ الصعوبة، بسبب الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية وضعف مؤسسات الدولة، والأدهى والأكثر مرارة من ذلك هو المرجعية القانونية  التي تستند لها المحكمة، والتي تعود إلى زمن النظام السابق حيث تصدر التشريعات لحماية النظام وتحصينه من أي تبعات، وإنزال أقصى العقوبات بكل من يناهضه، أو يرفض أو يتلكأ في تنفيذ أوامر رأس النظام أو أحد قيادات أجهزته القمعية. 

 على الفور انتشرت على وسائل التواصل مقاطع فيديو قديمة لعبد الله السنوسي وهو يدعو لسحق المتظاهرين، وشهادات بعض المسؤولين عن سلوكه وتوجيهاته في مواجهة المظاهرات، مشفوعة بتساؤلات مشروعة عن العدالة ودورها في إقامة المجتمعات الإنسانية.

 من النتائج المترتبة على هذا الحكم، هو تزايد قناعة المحكمة الجنائية الدولية، والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، في عدم قدرة القضاء المحلي على استيفاء شروط تحقيق العدالة بسبب الظروف الأمنية، وعدم مواكبة المدونة القانونية لأحكام القانون الدولي الخاص بجرائم الحرب ولجرائم ضد الإنسانية، مع الإشارة هنا إلى ورود هذه التصنيفات في التقارير الحقوقية، الصادرة عن منظمة هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية، عن عدد كبير من الجرائم والانتهاكات التي اقترفتها كتائب القذافي الأمنية والتشكيلات المسلحة بعد ثورة فبراير.

وهذا قد يدفع أسر الضحايا وذويهم وكافة المتضررين إلى اللجوء إلى القضاء الدولي، بحثا عن الإنصاف وتحقيق العدالة، بجمع الأدلة والشهادات وفتح قنوات اتصال مع الجنائية الدولية، وسوف يتعزز هذا الدافع مع تمكن المحكمة من إلقاء القبض على خالد الهيشري ومحاكمته.

 بالضرورة ستعود بنا الذاكرة إلى السنوات الأولى للثورة، وفشل المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب من بعده، في إصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية،  فهذا القانون أهمل ولم يتم التوافق عليه بين القوى السياسية الصاعدة، رغم أهميته في تصفية التركة الثقيلة للنظام السابق، عبر المكاشفة والاعتراف وإعلان الندم، من كل الذين استجابوا لأوامر القتل والتعذيب خشية من اتهامهم بالخيانة العظمى،  وتعريض حياتهم للخطر، لتعلو لغة الصفح والتسامح على لغة الانتقام، ويتم جبر الضرر الذي وقع على الضحايا.

إذا قدر لهذه المرحلة أن تنتهي بالانتخابات فإن العمل على إصدار هذا القانون ينبغي أن يكون من الأولويات، إذ لا يمكن المضي قدما قبل تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية،  ولن يملك أحد التفويض الصحيح لفتح هذا المسار مجددا سوى هيئة منتخبة، تملك الشرعية الكاملة لتحقيق هدف عزيز ظل عرضة للتجاذبات والحسابات السياسية الضيقة.

__________________ 

عبر إدارة الخصوم .. كيف غيرت تركيا إستراتيجيتها في ليبيا؟

نون إنسايت

لم تعد تركيا تتحرك في ليبيا بنفس الطريقة التي عملت بها عام 2019، فقد دعمت أنقرة وقتها حكومة طرابلس عسكريًا في مواجهة قوات اللواء الانقلابي المتقاعد خليفة حفتر، وأسهم تدخلها في منع سقوط العاصمة.

أما في 2026، فتظهر أداة أكثر مرونة: تدريب عسكري يفتح قنوات مع قوات من الشرق والغرب معًا، في محاولة من تركيا لتوسيع شبكة علاقاتها باتجاه بنغازي ومحيط حفتر، من دون التخلي عن حضورها في طرابلس.

هذا التقرير يرصد كيف تحوّل التدريب العسكري إلى أداة تركية للتواصل مع معسكري ليبيا المتنافسين، ولماذا توسّع أنقرة شبكتها شرقًا، وما إذا كان بمقدورها جمع الخصوم دون أن تدفع ثمنًا في توازناتها الإقليمية.

كيف تدخل تركيا إلى المعسكرين الليبيين؟

برزت مناورة EFES-2026 في مدينة أزمير التركية خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار، كأحدث تطور على عمل أنقرة مع معسكري الشرق والغرب في ليبيا.

شارك في المناورات 331 عنصرًا من قوات شرق ليبيا و171 عنصرًا من قوات الغرب، إلى جانب زورق هجومي ليبي، ضمن تدريبات شملت الإنزال البرمائي، والغطس القتالي، ونزع الألغام، والبحث والإنقاذ.

وجرت المشاركة تحت علم ليبي واحد في صورة أرادت أنقرة تقديمها بوصفها دعمًا لفكرة “ليبيا واحدة وجيش واحد”. لكن الأهم من الصورة هو معناها السياسي، فالمناورة لم توحّد المؤسسة العسكرية الليبية، ولم تُنهِ الانقسام بين الشرق والغرب.

ووفرت المناورة عمليًا قناة اتصال آمنة بين ضباط وجنود من معسكرين متنافسين، ومجالًا لاختبار قدرتهم على العمل جنبًا إلى جنب في بيئة تدريبية لا تتحول إلى مواجهة حقيقية.

ولم تأتِ التدريب التركي في فراغ، فقبلها بأسابيع، استضافت سرت جزءًا من تدريب فلينتلوك الذي تديره القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، بمشاركة دولية واسعة وتنسيق ليبي عبر ترتيبات اللجنة العسكرية المشتركة.

لكن الفارق أن فلينتلوك وضع التدريب الليبي في سياق دولي تقوده واشنطن، بينما منحت أنقرة منصة خاصة لتقديم نفسها طرفًا قادرًا على التعامل مع قوات من الشرق والغرب في الوقت نفسه.

ويستند هذا المسار إلى خبرة تركية أطول في ليبيا، فمنذ توقيع اتفاق التعاون الأمني والعسكري مع حكومة الوفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بنت تركيا برنامج تدريب واسعًا للقوات المرتبطة بالغرب الليبي داخل ليبيا وفي تركيا.

وبحلول 2021، كانت دفعات من الجنود الليبيين قد أنهت تدريبات بإشراف تركي، بينما واصل آخرون برامج تدريبية في مجالات قتالية وفنية، إلى جانب طلاب عسكريين في المؤسسات التركية.

وفي 2026، قدمت أنقرة أرقامًا أكبر عن حجم التدريب الذي وفرته لليبيين، بما يشير إلى أنه لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أداة نفوذ مستمرة.

فهو يمنح تركيا قناة للتعامل مع الضباط والجنود، ويسمح لها بتقديم التدريب والتأهيل الفني ورفع مستوى التنسيق، من دون حصر حضورها في الدعم العسكري المباشر أو الاصطفاف الحاد مع طرف ضد آخر.

لماذا توسّع أنقرة شبكة علاقاتها في ليبيا؟

حين تدخلت تركيا في حرب 2019، فعلت ذلك بوصفها حليفًا واضحًا لحكومة الوفاق آنذاك في مواجهة قوات حفتر. ومكّن هذا التدخل حكومة طرابلس من الصمود، ومنح أنقرة موطئ قدم عسكريًا وسياسيًا في الغرب الليبي.

وفي المقابل، حصلت تركيا على اتفاق أمني وعسكري، وآخر لترسيم الحدود البحرية عزز موقعها في شرق المتوسط، ثم دخلت لاحقًا في تفاهمات مرتبطة بالطاقة والاستثمار.

لكن الاعتماد الكامل على طرابلس بقي محفوفًا بالمخاطر، فالغرب الليبي نفسه يعاني تنافسًا بين القوى المسلحة، وتعثرًا سياسيًا، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض قرار موحد.

كما أن أي تسوية ليبية مقبلة لا يمكن أن تتجاهل البرلمان في طبرق، والقيادة العسكرية في الشرق، وشبكات النفوذ المحيطة بحفتر. ولهذا بدأت أنقرة سياسة انفتاح محسوبة، فهي لا تغادر طرابلس، لكنها لا تريد أن تبقى رهينة لها وحدها.

ومن هنا، فتحت قنوات مع بنغازي والشرق الليبي، مستفيدة من التهدئة الإقليمية مع مصر والإمارات، ومن الحاجة الليبية إلى الإعمار والعقود والشركات بعد سنوات الحرب.

وفتحت كارثة فيضانات درنة في سبتمبر/أيلول 2023، بابًا إضافيًا أمام الشركات التركية للعودة إلى الشرق تحت عنوان الإغاثة وإعادة الإعمار.

ثم تطورت الإشارات السياسية والعسكرية لاحقًا، مع زيارات واتصالات شملت صدام نجل خليفة حفتر ومسؤولين أتراكًا، وحديثًا عن تدريب وصيانة معدات وإزالة ألغام وتشغيل منظومات عسكرية.

صدام حفتر، قائد القوات البرية لجيش الشرق برفقة وزير الدفاع التركي يشار غولر في أنقرة، 4 أبريل/نيسان 2025

كما عكست زيارة سفينة عسكرية تركية إلى ميناء بنغازي لاحقًا انتقال التواصل من مستوى سياسي محدود إلى مجال عسكري وبحري أكثر رمزية.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن تركيا انقلبت على طرابلس، فما زال وجودها العسكري والفني في الغرب قائمًا، وما زالت الاتفاقات البحرية والأمنية مع سلطات طرابلس تمثل أصلًا استراتيجيًا مهمًا لأنقرة.

إذن، فالفكرة ليست استبدال طرابلس ببنغازي، بل بناء شبكة أوسع تضمن أن مصالح تركيا لن تسقط إذا تغيّر ميزان القوى أو فُرضت تسوية جديدة تشمل الشرق والغرب معًا.

هل تجمع تركيا الخصوم دون خسارة أحدهم؟

لا تخلو سياسة التوازن هذه من مخاطر، ففي طرابلس، قد تنظر بعض القوى السياسية والعسكرية بريبة إلى أي تقارب تركي مع حفتر أو محيطه.

فتركيا بالنسبة إلى كثيرين هناك ليست طرفًا خارجيًا عاديًا، بل الحليف الذي ساعد على وقف هجوم الشرق على العاصمة. لذلك، قد يُقرأ انفتاحها على بنغازي كتهديد لمكاسب حلفائها السابقين، أو كمدخل لمنح قوات الشرق تدريبًا وخبرات كانت حكرًا على الغرب.

في المقابل، لا يعني انفتاح حفتر أو محيطه على تركيا أن الشرق الليبي يغيّر تحالفاته جذريًا، فقد يستخدم ذلك تكتيكيًا للحصول على تدريب أو معدات أو اعتراف سياسي أوسع، دون التخلي عن علاقاته التقليدية مع مصر والإمارات وروسيا. لذلك يبقى الانفتاح التركي على الشرق محكومًا بحسابات متبادلة، لا ضمانات سياسية كاملة.

يزيد الأمر تعقيدًا أن تركيا لا تتحرك وحدها في ليبيا:

  • الولايات المتحدة دفعت في 2026 نحو خطوات لدعم التفاهم على ميزانية موحدة، ورعاية تدريبات مثل فلينتلوك عبر أفريكوم.
  • إيطاليا تسعى إلى استقرار الساحل وضمان مصالح الطاقة والهجرة.
  • أما مصر والإمارات فتبقيان لاعبين أساسيين في معادلة الشرق.
  • روسيا تعيد تموضعها بعد نهاية مرحلة مرتزقة فاغنر عبر شبكات عسكرية وأمنية لا تزال مؤثرة في الجفرة والهلال النفطي.
  • فرنسا واليونان تظلان على خلاف مع أنقرة بشأن الاتفاقات البحرية في شرق المتوسط.

وفوق هذه التوازنات الخارجية، يبقى الواقع الليبي نفسه متشظيًا، فالتدريب المشترك والميزانية الموحدة لا يخفيان أن ليبيا لا تزال بلا جيش موحد.

فهناك تشكيلات مسلحة متعددة، وشبكات ولاء وتمويل منفصلة، ومراكز قيادة متنافسة، ولا يوجد حتى الآن إطار واضح لتقاسم القيادة والسيطرة بين رئاسات الأركان في الشرق والغرب، أو لدمج السلاح والتمويل تحت سلطة واحدة.

كما أن خطاب التوحيد يجري بالتوازي مع استمرار سباق التسليح، فالتقارير عن حصول قوات حفتر على مسيّرات ومعدات رغم حظر السلاح تُظهر أن التدريب لا يلغي منطق القوة، بل قد يجري إلى جانبه. لذلك تبقى التمرينات قناة تواصل أكثر منه بداية مؤكدة لدمج المؤسسة العسكرية.

من هنا، لا يتوقف نجاح تركيا على قدرتها على جمع ضباط من الشرق والغرب في مناورة واحدة، بل على قدرتها على إدارة حساسيات الطرفين من دون الاصطدام باللاعبين الخارجيين الذين يملكون أوراقًا عسكرية واقتصادية داخل ليبيا.

______________

هل تاه العدل في ليبيا وأدركته المحاكم الدولية؟

كريمة ناجي 

حقوقيون: قراءة الواقع تكشف عن أن الكفة تميل عملياً نحو صورة من صور الوصاية القضائية المفروضة بحكم الانهيار الداخلي

تطرح قضية الهيشري سؤالاً عن السيادة القضائية الليبية في ظل مواصلة العدالة الدولية إدارة عدد من الملفات القضائية الليبية، “مما أضعف قدرة ليبيا على تأسيس نظام محاسبة وطني”، كما جاء على لسان مندوبة روسيا بمجلس الأمن الدولي خلال الشهر الجاري. 

بعد أحداث ثورة فبراير (شباط) عام 2011، تم تحويل ملف الدولة الليبية إلى محكمة الجنايات الدولية وفق القرار رقم 1970 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. ويمنح القرار المحكمة الولاية القضائية للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وأعلن القضاء الليبي بصفة رسمية قبول اختصاص محكمة الجنايات الدولية للنظر في الجرائم الواقعة بليبيا.

منذ 2011، بدأت محكمة الجنايات الدولية بممارسة ولايتها القضائية وأصدرت أوامر قبض بحق قيادات النظام السابق وعلى رأسهم الرئيس الأسبق معمر القذافي، غير أنها سقطت بوفاته، إضافة إلى نجله سيف الإسلام القذافي، ورئيس الاستخبارات الأسبق عبدالله السنوسي، وغيرهم من آمري التشكيلات المسلحة على غرار قيادات ميليشيات “الكانيات” المتورطين في جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب والمقابر الجماعية، وعلى رأسهم عبد الرحمن الكاني، وفق مذكرات قبض وصفت بـ”السرية”، وصدرت في الفترة بين عامي 2023 و2024.

وأنهت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي جلسات “تأكيد التهم” بحق القيادي الليبي والمدير السابق لسجن  النساء بمعيتيقة خالد الهيشري، الـ21 من مايو (أيار) 2026، وتستعد الدائرة التمهيدية لإصدار قرارها خلال 60 يوماً.

وانطلقت المحكمة الجنائية الدولية في محاكمة الهيشري على خلفية ارتكابه 17 جريمة تتوزع بين جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، في أواخر ديسمبر (كانون الأول) عام 2025. وطرحت محاكمة الهيشري سؤالاً عن السيادة القضائية الليبية في ظل مواصلة العدالة الدولية إدارة عدد من الملفات القضائية الليبية، “مما أضعف قدرة ليبيا على تأسيس نظام محاسبة وطني”، كما جاء على لسان مندوبة روسيا بمجلس الأمن الدولي خلال الشهر الجاري. 

شريك في العدالة

تقول القانونية الليبية خولة بن شعبان إن محكمة الجنايات الدولية ترى في تدخلها بليبيا تطبيقاً للعدالة الدولية، وإن الدولة الليبية هي صاحبة السيادة باعتبار أن جهازها القضائي مستقل، بالتالي فإن وجود محكمة الجنايات الدولية يعد جزءاً مكملاً لهذا الجهاز.

وأضافت أن توجه روسيا للقول على لسان مندوبتها لدى مجلس الأمن الدولي إن محكمة الجنايات تحول دون تمكن ليبيا من “بناء نظام محاسبة وطني”، فيه إيحاء بأن محكمة الجنايات الدولية ليست صاحبة الاختصاص الأصيل للتدخل في أية قضية تتعلق بليبيا.

وبخصوص تدخل محكمة الجنايات الدولية في الملف الليبي كشريك في العدالة لا للوصاية، تقول بن شعبان إن الدولة الليبية تتمتع باستقلال تام، ولا يحق لأية دولة أخرى أن تتدخل فيها، لذلك فإن وجود محكمة الجنايات الدولية يعد جزءاً رقابياً يتعلق بتطبيق القضاء بحذافيره، بالتالي ليبيا ليست قابعة تحت الوصاية القضائية الدولية.

وتضيف أن نظر محكمة الجنايات الدولية إلى ليبيا كشريك في العدالة مرتبط بشروط، أولها وجود قضاء نزيه قادر على ملاحقة ومحاسبة مرتكبي الجرائم وتطبيق القوانين بحذافيرها، ولكن إذا حدث العكس وفشلت الدولة الليبية في تطبيق أحكام القضاء تتوجه محكمة الجنايات الدولية إلى وضع الملف الليبي تحت الوصاية القضائية باعتبار أن الدولة تفتقر إلى جهاز قضائي مستقل.

وتؤكد المتخصصة في المجال القانوني، أنه لا وصاية قضائية لأية دولة على أخرى إلا إذا كان هناك سبب مباشر يحال فيه ملف الواقعة أو القضية إلى الجهاز القضائي الدولي، الذي ينظر إلى تلك الدولة على أنها ليست محلاً للثقة القضائية، ويكون هذا بخاصة في ظل وجود انقسامات سياسية وعدم توفر جهاز قضائي مستقل. 

وتوضح أن معاملة محكمة الجنايات الدولية لليبيا كشريك في العدالة مرتبط بنزاهة واستقلال القضاء وقدرته على تطبيق الأحكام بحق المجموعات الخارجة عن القانون، إضافة إلى تمتعه بمنظومة قانونية فعالة، ووقتها لا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية إضعاف القضاء المحلي، بل ستنظر إليه كشريك في العدالة الدولية، لأنه يطبق قوانينه داخل حدوده، ولا يمكن لأية جهة انتهاك أحكامه.

وتبرز بن شعبان أنه إذا حدث العكس ستفقد المحكمة الجنائية الدولية ثقتها في الجهاز القضائي الليبي، بالتالي سيكون تدخلها نوعاً من الوصاية غير المباشرة، مبينة أن اعتبار ليبيا دولة تحتاج إلى وصاية قضائية مرتبط بالانقسامات السياسية، ومشيرة إلى أن مندوبة روسيا بمجلس الأمن الدولي أرادت أن توضح أن محكمة الجنايات الدولية، ووفقاً للواقع الليبي المعاش، ترى أن ليبيا تحتاج إلى وصاية باعتبار أنها ما زالت تخشى عدم تطبيق بعض القوانين في ظل الانقسامات السياسية الحالية. 

وصاية بحكم الانهيار

من جانبه، يرى عضو مجلس الدولة عادل كرموس، أن الإفلات من العقاب سمة لا يمكن تجاهلها في ليبيا، فعديد الجرائم ترتكب كل يوم ولا يمكن للجهات الضبطية القبض على الفاعل، الأمر الذي يدفع إلى اللجوء للقضاء الدولي لأنه الملاذ الوحيد الذي يضمن معاقبة الجناة.

وتقول الحقوقية منى توكا إن العلاقة بين ليبيا ومحكمة الجنايات الدولية منذ صدور القرار رقم 1970 عام 2011 ظلت حائرة بين مفهومي الشراكة والوصاية، لكن قراءة الواقع تكشف عن أن الكفة تميل عملياً نحو صورة من صور الوصاية القضائية المفروضة بحكم الانهيار الداخلي.

وتتابع أنه من الناحية النظرية تأسست المحكمة على مبدأ التكامل، أي إنها لا تتدخل إلا عندما يكون القضاء الوطني غير قادر أو غير راغب في إجراء التحقيقات والمحاكمات، وبناءً على ذلك تصنف ليبيا قانونياً كدولة تعاني عجزاً مؤسسياً وأمنياً يمنعها من ممارسة العدالة بصورة كاملة، لا كشريك يمتلك قدرة فعلية على فرض سيادته القضائية.

وتستدرك الحقوقية الليبية أنه على مستوى الواقع ينظر إلى تحركات المحكمة الجنائية الدولية كوصاية “قضائية انتقائية”، فالإصرار على ملاحقة وتسليم شخصيات محددة فقط مقابل العجز عن الوصول إلى أطراف نافذة أخرى في البلاد خلق انطباعاً واسعاً بأن العدالة الدولية تتحرك أحياناً وفق توازنات سياسية دولية أكثر من تحركها وفق معيار موحد للعدالة.

وتذهب للقول إن المحكمة الجنائية لا تتعامل مع ليبيا كشريك متكافئ لأن الشراكة الحقيقية تفترض وجود دولة قادرة على تنفيذ أوامر القبض وحماية قضاتها ومؤسساتها، غير أنه وفي ظل سطوة المجموعات المسلحة والانقسام السياسي، فُرض واقع يمكن أن يسمى “الوصاية القضائية الاضطرارية” وإن ظلت هذه الوصاية محدودة التأثير على الأرض.

وتؤكد أن استمرار الانقسام السياسي في ليبيا يشكل عائقاً مباشراً أمام العدالة وحقوق الضحايا، ويتجلى ذلك في مستويات خطرة عدة وفق وصفها، أولها تعدد السلطات وتضارب الولاءات المسلحة، الأمر الذي أدى إلى خلق بيئات آمنة للإفلات من العقاب، إذ يمكن للمتهمين بانتهاكات حقوقية أن يجدوا الحماية بمجرد انتقالهم إلى منطقة نفوذ أخرى مما جعل تنفيذ أوامر القبض أو ملاحقة الجناة أمراً شديد التعقيد.

ثانيها، وفق توكا، تسييس ملف الضحايا بصورة واضحة، إذ أصبحت بعض الانتهاكات تحظى بالاهتمام لأنها تخدم خطاباً سياسياً معيناً، بينما يتم تجاهل ملفات أخرى لا تقل فداحة مثل قضايا المختفين قسرياً، والنازحين، وضحايا السجون السرية، والانتهاكات الواقعة في مناطق الهامش.

أما المستوى الثالث، فتؤكد الحقوقية الليبية أنه يتمحور حول الانقسام الذي تسبب في إضعاف المؤسسات القضائية والرقابية، سواء من خلال الانقسام الإداري أو عبر الضغوط والتهديدات التي يتعرض لها القضاة وأعضاء النيابة من قبل القوى المسلحة المسيطرة على الأرض، الأمر الذي قيد قدرة القضاء على العمل باستقلالية حقيقية، موضحة أن غياب الدولة الموحدة لا يحرم الضحايا فقط من العدالة الجنائية، بل ومن حقوقهم في جبر الضرر بما يشمل التعويضات والرعاية الصحية والنفسية وبرامج الإنصاف وإعادة الاعتبار وغيرها.

وحول مدى توفر عدالة حقيقية من دون استقرار سياسي، تقول توكا إن تحقيق عدالة شاملة ونهائية يبقى أمراً بالغ الصعوبة في ظل غياب الاستقرار السياسي والمؤسساتي، مشددة على أن من الخطأ أيضاً الاعتقاد بأن الاستقرار السياسي يمكن أن يتحقق أولاً ثم تأتي العدالة لاحقاً، لأن أية تسوية سياسية تقوم على تجاهل الانتهاكات أو دمج أمراء الحرب في السلطة من دون محاسبة حقيقية ستنتج استقراراً هشاً وقابلاً للانفجار في أية لحظة، فالعدالة ليست نتيجة للاستقرار فقط بل هي أحد شروطه الأساسية.

وتضيف أنه في ظل الواقع الليبي الحالي، تبدو العدالة الانتقالية الكاملة مؤجلة، لكن ذلك لا يعني توقف العمل الحقوقي، فالمعركة اليوم تتمثل في بناء “عدالة توثيقية” تقوم على توثيق الجرائم وحفظ الأدلة وتحديد المسؤولين ودعم المسارات القضائية الوطنية والدولية، حتى لا تضيع هذه الانتهاكات مع الزمن أو تتحول إلى جزء طبيعي من المشهد السياسي المقبل.

وتقول الحقوقية الليبية إن القضاء الليبي لا يزال يمتلك هامشاً للمناورة في بعض الملفات، لكنه يظل هامشاً هشاً ومقيداً بالواقع الأمني والسياسي، لذلك أصبحت المسارات الدولية على رغم جميع الملاحظات عليها (تؤجج الصراعات وتتدخل في السيادة القضائية) إحدى الأدوات الضرورية لحماية الحد الأدنى من إمكانية المحاسبة إلى حين استعادة الدولة الليبية مؤسساتها وسيادتها القانونية الكاملة.

تكامل الشراكة والتنسيق

يرى المتخصص في القانون الدولي أحميد الزيداني أن العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية والأجهزة القضائية في ليبيا مبنية على “الشراكة والتنسيق”، مشيراً إلى التعاون والتنسيق المشترك والزيارات المتكررة لفِرق مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية إلى ليبيا واللقاءات المتعددة مع مكتب النائب العام تحديداً، ولعل أبرزها زيارة المدعي العام بالمحكمة الجنائية في الـ18 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ولقائه بالنائب العام الليبي الصديق الصور، لإيجاد “السبل الفضلى التي تفضي إلى إنصاف الضحايا وعدم إفلات الجُناة من العقاب” وفق ما صرح به مكتب النائب العام وقتها. 

ويقول إن قرار الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2013، القاضي بأن تحقق السلطات الليبية المُختصة في قضية رئيس الاستخبارات الليبية الأسبق عبدالله السنوسي لأنها راغبة وقادرة على الاضطلاع بدورها في التحقيق معه، أدى إلى رفض المحكمة الدولية القضية المرفوعة ضد السنوسي أمامها عملاً بمبدأ التكامل القضائي، وهو أمر يبين أن التعامل بين المحكمة ودولة ليبيا مبني على أساس الشراكة والتكامل لا على أساس الوصاية القضائية، كما يقول البعض.

وفي ما يتعلق بفرضية أن القضاء الدولي يضعف القضاء المحلي أو يدعمه، يقول الزيداني إن قرار إحالة ملف قضية السنوسي إلى القضاء الوطني وفق بمبدأ التكامل، كان فرصة حقيقية لدولة ليبيا لكف الملاحقات القضائية الدولية ضد بعض من يزعم ارتكابهم جرائم حرب والجرائم ضد الإنسانية، وذلك عبر مباشرة إجراء محاكمات ضدهم. ولكن أموراً كالانقسام السّياسي، وتغول سيطرة المليشيات على مفاصل الدول، كانت سببًا في عدم المضي في إنجاز محاكمات يدان فيها الجناة وينصف فيها الضحايا عبر القضاء الوطني، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بعض الضحايا وذويهم يرون أن التأخر في تطبيق العدالة هو ظلم بحد ذاته، الأمر الذي يستوجب ضرورة اتخاذ خطوات عملية على أرض الواقع تطبيقاً للعدالة وإنصافاً لهم.

ويوضح أن مبدأ التكامل ينص على أن القضاء الوطني للدول هو المعني أساساً بالنظر والتحقيق في الجرائم الدولية ومقاضاة مرتكبيها، وفي حال عدم رغبة أو عجز الدول، وفقاً للمادة 17 من نظام روما الأساسي المُنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، فإن المحكمة تباشر اختصاصاتها.

ويشير الزيداني إلى أن المُلاحقات القضائية الدولية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية قد لا تكون من خلال المحكمة الجنائية الدولية فقط، فهناك ملاحقات من خلال مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، الذي يخول للدول أن تباشر النظر والتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بمعزل عن الدول التي كانت محلاً للجرائم المزعوم ارتكابها.

____________

مصيدة الدولار في ليبيا: عجز مالي وضغوط مستمرة على الدينار وسط اتساع السوق الموازية

أحمد الخميسي

تتواصل الضغوط على سوق الصرف الأجنبي في ليبيا مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدينار الليبي وسعره في السوق الموازية، في وقت تكثف فيه السلطات النقدية تدخلاتها للحد من التقلبات دون أن تنجح حتى الآن في كبح الاتجاه الصعودي للدولار.

ويصف خبراء اقتصاديون هذا الوضع بأنه أقرب إلى “مصيدة الدولار”، حيث تتراجع فعالية السياسة النقدية تدريجياً أمام توسع السوق السوداء، وارتفاع الطلب على العملة الصعبة بدافع الاكتناز والمضاربة، وليس لأغراض الاستيراد والتجارة الخارجية فقط.

وشرحوا أنه في هذه الحالة تتحول العملة الأجنبية من مجرد وسيلة للاستيراد إلى مخزن للقيمة وأداة للتحوط والمضاربة، بما يفقد السياسة النقدية فعاليتها تدريجياً، حتى مع استمرار ضخ النقد الأجنبي.

ويأتي ذلك في سياق اقتصادي يتسم باعتماد كبير على النفط مصدراً وحيداً للنقد الأجنبي، إلى جانب انقسام سياسي وإنفاق عام مرتفع، وهي عوامل يقول محللون إنها تعمّق هشاشة الدينار وتدفع المزيد من التعاملات نحو القنوات غير الرسمية.

ورأى الخبير الاقتصادي، محمد أبوسنينة، أن التغييرات المتكررة في ضوابط النقد الأجنبي والتعليمات المنظمة لبيعه “تعكس غياب رؤية مستقرة لإدارة السوق”، مضيفاً أن كثرة القيود عادة ما تؤدي إلى نتائج عكسية عبر تنشيط السوق السوداء بدلاً من احتوائها.

وأضاف لـ”العربي الجديد” أن السوق الموازية في ليبيا لا تعمل وفق آليات المنافسة الطبيعية، بل تهيمن عليها مجموعات مضاربة قادرة على توجيه الأسعار، مستفيدة من الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، ومن إدراكها أن هدف السلطات النقدية يتمثل أساساً بتقليص الفجوة، لا تثبيت السعر.

وقال أبوسنينة إن استمرار المصرف المركزي بوصفه “المصدر الوحيد للنقد الأجنبي” يجعل الاقتصاد عرضة للاهتزازات، داعياً إلى تطبيق أدوات رقابية تربط بين منظومات الدفع والتسويات لمنع استخدام الصكوك المصرفية في تغذية المضاربة على الدولار.

من جانبه، رأى أستاذ الاقتصاد بجامعة طرابلس، أحمد مبروك، أن الأزمة الحالية “ليست أزمة دولار بقدر ما هي أزمة ثقة”، موضحاً أن المواطن والتاجر باتا ينظران إلى العملة الأجنبية باعتبارها ملاذاً آمناً في مواجهة التضخم وتراجع القوة الشرائية للدينار.

وقال إن “أي اقتصاد يفقد فيه المواطن الثقة بعملته الوطنية، يتحول الدولار داخله إلى سلعة بحد ذاته، وليس مجرد وسيلة تبادل”، مشيراً إلى أن ارتفاع الطلب على الدولار في ليبيا لا يرتبط دائماً بالاستيراد، بل بالاكتناز والمضاربة والتحوط.

ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مصرف ليبيا المركزي ضخ الدولار نقداً عبر المصارف التجارية لتغطية الاستخدامات الشخصية عند سعر الصرف الرسمي، في محاولة لتلبية الطلب النظامي على النقد الأجنبي، فيما يستمر تداول الدولار في السوق الموازية عند مستويات مرتفعة تصل إلى نحو 8.3 دنانير للدولار، وفق تقديرات متداولة في السوق.

وفي تطور لافت، أعلن مصرف ليبيا المركزي أن استخدامات النقد الأجنبي خلال أول شهرين من عام 2026 تجاوزت الإيرادات النفطية المحوّلة إليه، ما أدى إلى عجز يناهز ملياري دولار، غُطِّي من عوائد استثمارات المصرف واحتياطياته المالية، في مؤشر يعكس استمرار اختلال التوازن بين الإيرادات والطلب على العملة الأجنبية.

وتواجه ليبيا ضغوطاً متزايدة على الطلب على النقد الأجنبي، مع اتساع الإنفاق بالعملة الصعبة مقارنة بتدفقات الإيرادات النفطية، واستمرار اعتماد المالية العامة والاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على عائدات النفط.

بدوره، اعتبر المحلل المالي، عبد الفتاح أبوقصة، أن الاقتصادات الريعية تكون أكثر عرضة للوقوع في ما يُعرف بـ “مصيدة الدولرة“، نتيجة اعتمادها شبه الكامل على مصدر وحيد للعملة الأجنبية، وهو ما يجعل أسواقها النقدية شديدة الحساسية تجاه أي اضطرابات سياسية أو مالية.

وأوضح لـ”العربي الجديد” أن هذا النمط الاقتصادي يؤدي تدريجياً إلى تآكل دور العملة المحلية داخل الاقتصاد، مع تحول العملة الأجنبية إلى أداة موازية للتسعير والادخار وحتى التبادل اليومي، خصوصاً في ظل ضعف الثقة بالمؤسسات المالية وتذبذب السياسات النقدية.

وأضاف أن استمرار هذا المسار يعمّق الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، ويقلص قدرة المصارف المركزية على التأثير الفعلي في سلوك السوق، حتى في حال زيادة المعروض من النقد الأجنبي أو تشديد القيود التنظيمية.

___________

إلى أي مدى يسهم التحرك التركي في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية؟

علاء حمودة

بعد أكثر من عقد على الانقسام العسكري والأمني في ليبيا، أعادت المناورات العسكرية التي استضافتها تركيا مؤخراً، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى واجهة المشهد العام، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرة تحركات أنقرة على دفع هذا المسار المعقّد إلى الأمام.

وشهدت مناورات «أفس – 2026»، التي أُجريت بمدينة إزمير غرب تركيا في 21 مايو (أيار) الحالي، مشاركة 331 عنصراً من شرق ليبيا التابعين لـ«الجيش الوطني الليبي»، و171 عنصراً من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب البلاد، ضمن تدريبات ضمّت وفوداً عسكرية من نحو 30 دولة.

وتؤكد أنقرة في خطابها الرسمي، دعمها لفكرة «ليبيا واحدة وجيش واحد»، عبر تعزيز التنسيق والتدريب المشترك بين الأطراف الليبية.

وتلقى المشاركون الليبيون تدريبات في مجالات القوارب والزوارق، والألغام والعبوات الناسفة، والتحصينات، وعمليات القوات الخاصة، ووحدات الدعم الجوي والبري، والإسعافات الأولية، والعمليات البرمائية، وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية، إضافة إلى مهام البحث والإنقاذ في ساحات المعارك.

غير أن دوائر بحثية تركية ترى أن الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية بشكل كامل «لا يزال مبكراً». وقال المحلل السياسي التركي الدكتور جواد جوك، إن تركيا تسعى إلى دعم التوافق السياسي والعسكري بين الطرفين عبر قيادات عسكرية مقبولة من الجانبين، والعمل على تعزيز العلاقات بين معسكري بنغازي وطرابلس، موضحاً أن المناورات «تفتح قنوات تواصل مباشرة بين العسكريين الليبيين من الشرق والغرب، وتدعم فكرة التدريب الموحد، وبناء قدر من الثقة بين الطرفين».

وأضاف جوك، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن استضافة تركيا لمناورات «أفس – 2026» تمثل «خطوة مهمة للغاية»، لكونها المرة الأولى منذ الانقسام السياسي والعسكري عام 2014 التي تُجرى فيها مناورات خارج الأراضي الليبية بمشاركة قوات من الجانبين. وأشار في الوقت نفسه، إلى أن أهداف هذه المناورات «تبدو سياسية أكثر منها عسكرية»، في إطار سعي أنقرة إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، خصوصاً في الملف الليبي.

وتقول تركيا، إنها دربت أكثر من 23 ألف عسكري ليبي، لا سيما من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب البلاد، داخل مراكز تدريب في تركيا وليبيا، إلى جانب استمرار برامج الدعم المتعلقة بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية والإرهاب.

وجاءت هذه المناورات بعد تمرين «فلينتلوك – 2026» متعدد الجنسيات، الذي استضافته مدينة سرت الليبية وكوت ديفوار الشهر الماضي، بمشاركة قوات ليبية مشتركة من الشرق والغرب، وبدعم من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).

من جانبه، رأى المحلل العسكري الليبي محمد الترهوني، أن «هناك توافقاً دولياً متزايداً خلال الفترة الأخيرة بشأن ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وإنهاء حالة الانقسام»، مشيراً إلى أن هذا المسار تدعمه، بحسب وصفه، «قوة عسكرية احترافية في الجيش الوطني الليبي».

وقال الترهوني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة الغربية لا تضم حتى الآن تكويناً عسكرياً مماثلاً من حيث الهيكلة والانضباط، رغم وجود بعض الأطراف التي يمكن البناء عليها مستقبلاً لتشكيل مؤسسة عسكرية موحدة».

وبحسب رؤيته، فإن العائق الرئيسي في غرب ليبيا يتمثل في «وجود تيار الإسلام السياسي المدعوم من مفتي غرب البلاد الصادق الغرياني»، لافتاً إلى أن التكتلات المسلحة في مدينتي مصراتة والزاوية «ترفض بصورة كبيرة مشروع توحيد الجيش»، باعتبار أن ذلك «يعني نهاية نفوذ الميليشيات التي سيطرت خلال السنوات الماضية على موارد الدولة ومفاصل الحكم ومعيشة المواطنين».

ولم تحظَ المناورات التركية باهتمام واسع من وسائل الإعلام التابعة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا، التي ركزت بصورة أكبر على مناورات «درع الكرامة 2» التي أُقيمت مؤخراً في شرق البلاد بمشاركة أكثر من 25 ألف جندي، في حين لاقت «أفس – 2026» اهتماماً ملحوظاً في غرب البلاد، خصوصاً مع مشاركة رئيس أركان قوات «الوحدة» الفريق أول صلاح الدين النمروش، على رأس وفد من الضباط الليبيين.

ووفق هذه المعطيات، يعتقد مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية شريف بوفردة، أن المؤسسة العسكرية الليبية «لا تزال بعيدة عن التوحيد وفق المعايير المهنية والاحترافية». وعزا ذلك إلى «الخلل البنيوي القائم على مستوى تسلسل القيادة، وطبيعة العلاقة بين القيادات السياسية والعسكرية، فضلاً عن التباين في العقيدة العسكرية والمرجعية الشرعية بين الشرق والغرب».

وقال بوفردة لـ«الشرق الأوسط»، إن المكون العسكري الموجود حالياً في شرق وغرب ليبيا، يمثل «إطاراً لمؤسسة عسكرية» أكثر من كونه مؤسسة عسكرية مكتملة بالمعنى الاحترافي، مشيراً إلى أن الانقسام السياسي والأمني انعكس بصورة مباشرة على بنية التشكيلات المسلحة وآليات عملها.

وأضاف أن المناورات والتدريبات المشتركة؛ سواء عبر «فلينتلوك – 2026» أو التدريبات التي استضافتها تركيا، تستهدف أساساً تطوير بعض الوحدات العسكرية في المؤسستين بالشرق والغرب، وتهيئتها للعمل ضمن غرف عمليات مشتركة للتعامل مع ملفات أمنية وعسكرية محددة.

وخلص بوفردة إلى أن هذه الجهود تتركز بصورة رئيسية على مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومواجهة الإرهاب، والحد من الهجرة غير النظامية، عادّاً محاولات توحيد المؤسسة العسكرية لا تزال تصطدم بتحديات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز البعد العسكري وحده.

_______________

الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

يرفضون مخرجات لجنة «4+4» ويهددون بمقاطعة

الانتخابات

يشتكي الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا من «الإقصاء السياسي» منذ دخول البلاد مرحلةَ البحث عن صيغة جديدة للاستقرار في أعقاب سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عام 2011.

وعلى أثر اجتماعات أحدث اللجان التي شكّلتها البعثة الأممية، والممثلة في لجنة «4+4» المعروفة بـ«المجموعة المصغرة»، لتجاوز خلافات مجلسي النواب و«الدولة» بشأن إيجاد مقاربة للخروج من حالة الانسداد الراهنة، عبّرت ما تعرف بـ«تنسيقية الشعوب الأصلية الليبية» المتحدثة عن الأمازيغ والطوارق والتبو عن انزعاجها من تشكيل اللجنة.

وعبّرت التنسيقية، الممثلة للمجلسين الأعلى للأمازيغ والطوارق و«التجمع الوطني التباوي»، في مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مساء السبت، عن «قلقها ورفضها» لما وصفته بـ«المسار الإقصائي الخطير» الذي قالت إنه «جرى من خلاله تشكيل لجنة (4+4) المصغرة المعنية بمناقشة القضايا المصيرية المتعلقة بمستقبل ليبيا وشعبها».

وسبق أن أرجعت نائبة المبعوثة الأممية للشؤون السياسية ستيفاني خوري، إطلاق «المجموعة المصغرة» إلى استمرار الخلافات بين «مجلس النواب» و«المجلس الأعلى للدولة»، وقالت إنهما «لم يحرزا تقدماً كافياً نحو الخطوات اللازمة لخريطة الطريق، منذ إعلان المبعوثة هانا تيتيه عنها أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) من العام الماضي».

ورأت التنسيقية أن «هندسة هذه اللجنة جاءت بصورة تعكس هيمنة مكوّن واحد، والاستمرار المتعمد في تغييب وإقصاء بقية الشعوب الأصلية، مما يعد انحرافاً خطيراً عن مبادئ الشمولية والشراكة الوطنية، ويمثل تهديداً مباشراً لمصداقية العملية السياسية التي ترعاها البعثة الأممية».

وذهبت إلى أن «محاولات فرض هيمنة أحادية على هيكلية المفوضية، وتوزيع مقاعدها وفق محاصصات ضيقة ومغلقة، تمثل مساساً خطيراً بمبدأ الحياد والاستقلالية الواجب توافرهما في هذا الجسم السيادي، وتحوله من مؤسسة وطنية جامعة إلى ساحة صراع سياسي فاقدة للثقة والقبول».

وعقدت لجنة «4+4» اجتماعها الثاني في 12 مايو (أيار) الحالي بمكتب البعثة الأممية في تونس، وقالت إنها «تناولت، عقب نقاشات بنّاءة، الأطر الدستورية والقانونية للانتخابات العامة؛ واتفق المشاركون على الحفاظ على هذا الزخم الإيجابي، واستئناف اللقاء مطلع شهر يونيو (حزيران) المقبل».

وتشدد البعثة عادةً على ضرورة مشاركة جميع الأطياف الليبية في صناعة مستقبلهم السياسي، لكن الأمازيغ والطوارق والتبو أبدوا تخوفهم من مخرجات اللجنة. وقال أعضاء اللجنة إن «الانفراد بصياغة النصوص الدستورية والتشريعية الخلافية، بما في ذلك شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، وتزامن الاستحقاقات، والنصوص المتعلقة بالمكونات الثقافية، دون مشاركة فعلية للشعوب الأصلية، يعد انتهاكاً لحقوقنا السياسية والدستورية، ومحاولة لفرض ترتيبات مفصلة لخدمة قوى بعينها على حساب مبدأ الشراكة الوطنية المتكافئة».

ويضيف أعضاء اللجنة أن «استمرار إقصاء الشعوب الأصلية من هذه الترتيبات المصيرية يرسّخ ثقافة التهميش، ويمنح غطاءً سياسياً لطرف واحد يتجاوز شركاءه في الوطن، الأمر الذي يقوض أسس التوافق الوطني ويهدد مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد».

وكان عميد بلدية نالوت، عبد الوهاب الحجام، قد استقبل هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري، في 12 يونيو (حزيران) 2025، إثر زيارة رسمية إلى مدينة نالوت الواقعة في المنطقة الغربية من ليبيا.

وصعّد الأمازيغ والطوارق والتبو في مواجهة البعثة، وقالوا: «نعلن بوضوح فقداننا الثقة في حياد البعثة الأممية، التي بات دورها للأسف أقرب إلى رعاية ترتيبات المحاصصة السياسية، بدلاً من حماية مبادئ العدالة والشمولية والتوازن الوطني، خلافاً لما تنص عليه المواثيق والمعاهدات الدولية».

وطالب الأمازيغ والطوارق والتبو بـ«الوقف الفوري والكامل» لجميع التفاهمات والمخرجات الأحادية الصادرة عن لجنة «4+4»، والمتعلقة بإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أو تعديل القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، مهددين بمقاطعة الانتخابات العامة حال إجرائها.

كما شددوا على ضرورة «إعادة هيكلة المسار التوافقي والسياسي بشكل عاجل، بما يضمن تمثيلاً مباشراً وكاملاً ومستقلاً للأمازيغ والتبو والطوارق، باعتبارهم شركاء أصيلين في صياغة الحل الوطني»، مؤكدين أهمية «الالتزام الصريح بعدم اعتماد أو تمرير أي نصوص أو ترتيبات سياسية أو قانونية لا تستند إلى مبدأ الشراكة الوطنية الشاملة والتمثيل العادل».

واختتموا «مؤكدين بشكل قاطع أن أي وثيقة، أو قانون، أو تشكيل للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ينتج عن سياسة الإقصاء وهيمنة المكوّن الواحد، لن يحظى بأي شرعية سياسية أو قانونية أو قبول مجتمعي من قبلنا، وسنعتبره كأن لم يكن».

وفي السابع من الشهر الحالي، استقبل رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، في العاصمة طرابلس، اللجنة الاستشارية للمجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، وتطرقت المناقشات إلى ملف حقوق المكونات الثقافية والاجتماعية في ليبيا، حيث جرى التأكيد على أهمية حماية التنوع الوطني باعتباره إحدى ركائز الوحدة الوطنية، مع ضمان مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبل البلاد دون تهميش أو إقصاء.

_________________

حفتر يفاوض بالقوة: كيف تحولت مناورات “دروع الكرامة” إلى رسالة للمسار الأمريكي في ليبيا؟

صابر بن عامر

بينما كانت الولايات المتحدة تدفع نحو إدخال ليبيا في مسار جديد للسلطة التنفيذية عبر توحيد الإنفاق العام، كان خليفة حفتر يبعث برسالة موازية من شرق البلاد عبر “مناورات دروع الكرامة”.

هذه التحركات العسكرية لم تكن مجرد تدريب ميداني أو إحياء لذكرى عملية الكرامة، بل استعراضاً للقوة يهدف إلى تثبيت حضور المؤسسة العسكرية في أي ترتيبات مقبلة.

وفي بلد ما تزال موازين القوة فيه تتقدم على النصوص السياسية، جاء تحريك الدبابات ومنظومات الدفاع الجوي كتأكيد على أن أي مسار للتسوية سيظل هشّاً إذا تجاهل النفوذ العسكري المسيطر على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، إذ إن معسكر حفتر يواصل تقديم نفسه باعتباره “جيشاً وطنياً“، بينما ينظر إليه خصومه قوةَ أمر واقع تعمل خارج سلطة مدنية موحدة.

وشارك أكثر من 25 ألف (!!) عنصر في المناورات التي وُصفت بأنها أكبر استعراض عسكري في تاريخ الجيش بقيادة حفتر، غير أن الرسالة لم تكن موجهة إلى الداخل الليبي أو واشنطن فقط، بل حملت أيضاً إشارة إلى سياسة حفتر القائمة على موازنة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، ما يسمح له بالحفاظ على هامش سياسي وعسكري مستقل.

رسائل مناورات دروع الكرامة

تمنح تفاصيل “مناورات دروع الكرامة” معنى يتجاوز الاستعراض العسكري، إذ تأتي في لحظة تفاوضية حساسة تحاول فيها واشنطن إعادة ترتيب العلاقة بين مؤسسات الشرق والغرب، ليس عبر بوابة الانتخابات أو الدستور، بل من مدخل أكثر مباشرة يتعلق بتوحيد الإنفاق العام وإدارة المال السيادي.

وفي هذا السياق، أشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن الولايات المتحدة، عبر المستشار الأمريكي مسعد بولس، تدفع نحو تقارب بين السلطات الليبية المتنافسة، بعدما وقعت الهيئات التشريعية في الشرق والغرب اتفاقاً بوساطة أمريكية لتوحيد الإنفاق العام للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.

كما نقلت الوكالة عن أحد القيادات المشرفة على “مناورات دروع الكرامة” وصفها بأنها “رسالة للأصدقاء والأعداء”، في إشارة إلى أن العرض العسكري صُمِّم ليُقرأ داخلياً وخارجياً، من قبل الخصوم والحلفاء والوسطاء الدوليين على حد سواء.

فيما قال الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية شريّف بوفردة إن المناورات تأتي في إطار “تثبيت صورة ذهنية لدى المواطن الليبي والمجتمع الدولي” بأن قوات القيادة العامة تمثل “القوة العسكرية والمؤسسة العسكرية الحقيقية” في ليبيا، من حيث الانضباط والتسليح والقدرات التي يمكن الاعتماد عليها.

وأوضح بوفردة لـ”عربي بوست” أن جزءاً أساسياً من رسائل “مناورات دروع الكرامة” موجه إلى المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية والفاعلين المعنيين بالملف الليبي، لإظهار أن قوات الشرق يمكن أن تكون “شريكاً في أي مشروع قادم بالنسبة لليبيا”.

واعتبر الباحث الليبي أن المناورات لا تنفصل عن التعبئة العسكرية السابقة التي شهدتها مناطق مثل سرت، لكنها حملت هذه المرة طابعاً أكثر وضوحاً بسبب حجم القوات ونوعية التسليح المستخدم، ويرى أن للمناورات بعداً داخلياً أيضاً، يتعلق بإعادة تشكيل صورة القيادة داخل معسكر حفتر.

كما أشار بوفردة إلى أن بروز خالد حفتر خلال المناورات يأتي في مقابل الصورة التي ترسخت سابقاً حول صدام حفتر باعتباره الواجهة الأبرز داخل المعسكر الشرقي، وقال: “التنافس الحاصل بين خالد حفتر وصدام حفتر قد يكون أحد العوامل التي دفعت نحو هذا الظهور العسكري المكثف، سواء من حيث عدد القوات أو طبيعة الرسائل الموجهة للداخل والخارج”.

وفي تقييمه للطابع العسكري للمناورات، قال بوفردة إنها تحمل بعداً “دفاعياً وردعياً” أكثر من كونها مؤشراً مباشراً على استعداد للتصعيد، معتبراً أنه من غير المرجح أن يقدم أي طرف ليبي، في المرحلة الحالية، على تحرك عسكري واسع من دون ضوء أخضر من القوى الدولية المؤثرة في الملف الليبي.

وأضاف أن المجتمع الدولي “لا يستطيع أن يتحمل أي مغامرة عسكرية من أي طرف“، خصوصاً مع استمرار ترتيبات وقف إطلاق النار وخطوط التماس، وعمل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، إلى جانب المسار الأمريكي الهادف إلى تقريب المواقف بين الأطراف الليبية.

لكن المناورات، وفق الباحث الليبي، قد لا تغيّر جذرياً ميزان القوة بين الشرق والغرب، لأن قوات القيادة العامة تمتلك بالفعل تفوقاً واضحاً في التسليح والتدريب، يشمل السلاح الجوي ومنظومات الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، فضلاً عن برامج التدريب والعلاقات العسكرية الخارجية.

إلا أن بوفردة شدد على أن الفارق الأهم لا يرتبط بحجم السلاح فقط، بل بوجود “تسلسل قيادة واحد” داخل معسكر الشرق، مقابل تعدد التشكيلات والمسارات العسكرية في غرب ليبيا.

تبدو “مناورات دروع الكرامة” محاولة لإعادة تثبيت “القيادة العامة” طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مقبلة، فالرسالة لا تستهدف طرابلس وحدها، بل الوسطاء الدوليين أيضاً: “أي صيغة سياسية لا تمنح القوة العسكرية في الشرق موقعاً مقرراً ستظل معرضة للتعطيل“.

غير أن هذه الرسالة تحمل في الوقت نفسه مفارقة واضحة، فالقيادة العامة تقدم نفسها باعتبارها قوة دولة، بينما يأتي أكبر استعراض عسكري لها في لحظة يُفترض أنها مخصصة للحديث عن التهدئة والتوحيد.

ومن هنا يبرز السؤال الأعمق: هل تستعد هذه القوة للاندماج ضمن مؤسسات وطنية موحدة، أم أنها تسعى لدخول المرحلة المقبلة من موقع الفرض لا الشراكة؟

توحيد الميزانيةبداية حل أم غطاء جديد؟

في أبريل/ نيسان 2026، وافقت الهيئتان التشريعيتان المتنافستان في ليبيا على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، في خطوة دعمتها واشنطن باعتبارها مدخلاً لتقليص الانقسام المالي بين الشرق والغرب، لكن الميزانية في ليبيا لا تُقرأ كوثيقة مالية فقط، بل كخريطة نفوذ تتحكم في توزيع المشاريع والعقود ومراكز القوة.

وفي 15 مايو/ أيار 2026، أعلن مصرف ليبيا المركزي بدء التنفيذ الفعلي لاتفاق الإنفاق الموحد، خلال اجتماع ضم مسؤولين ماليين ليبيين بحضور القائم بالأعمال الأمريكي جيريمي برنت، حيث نوقشت آليات مراقبة الإنفاق والإيرادات النفطية وضمان صرف الأموال وفق الترتيبات المتفق عليها.

ورغم ترحيب بعثة الأمم المتحدة بالاتفاق، مع التشديد على الرقابة والحوكمة، فإن الأطراف الليبية تنظر إليه من زاوية النفوذ وتقاسم الحصص أكثر من كونه إصلاحاً إدارياً، إذ إن الإشراف على الإنفاق يعني عملياً التحكم في التنمية وشبكات الولاء داخل الدولة.

وقال المحلل السياسي الليبي صلاح البكوش إن مناورات حفتر لا تشكل تهديداً عسكرياً، لكنها رسالة سياسية تهدف إلى تحسين موقعه التفاوضي، وأضاف أن توحيد الإنفاق قد يخفف الانقسام المالي، لكنه “لن يتحول تلقائياً إلى تسوية سياسية، لأن جوهر الأزمة ما يزال مرتبطاً بالسلطة والأمن وتقاسم النفوذ“.

لا اندماج بل ترهيب سياسي

في غرب ليبيا، لا تُقرأ “مناورات دروع الكرامة” بمعزل عن ذاكرة هجوم 2019 على طرابلس، فرغم تغير التوازنات العسكرية والإقليمية وارتفاع كلفة الحرب الشاملة، فإن أي استعراض واسع لقوات حفتر يعيد تلقائياً استحضار منطق القوة الذي طبع تلك المرحلة، ويجعل الرسالة تُقاس ليس فقط بما أراد حفتر قوله، بل بكيفية تلقيها داخل طرابلس والقوى المناهضة له.

وقال المحلل السياسي الليبي أنس القماطي إن “حفتر لم يتغير، رغم أشهر من الكوريغرافيا الدبلوماسية حوله، وذكرى عملية الكرامة منحته مسرحاً”، وأضاف: “الأداء يتحدث عن نفسه: هذا ترهيب سياسي، وليس اندماجاً، جيش يستعد فعلاً للاندماج في مؤسسات وطنية موحدة لا ينظم أكبر مناورة له على الإطلاق خلال محادثات سلام. إنه يعلن عن نفسه بطريقة مختلفة“.

وبحسب القماطي، فإن الرسالة التي وصلت إلى طرابلس يمكن تلخيصها في عبارة: “نحن لا نتفاوض، نحن نرهب“، واعتبر أن “مناورات دروع الكرامة” موجهة مباشرة إلى القوى الرافضة للمسار المنسوب إلى مسعد بولس، بوصفها “تذكيراً بما يوجد على الجانب الآخر من الطاولة إذا استمروا في الرفض”.

وأضاف القماطي: “إنها معاينة مسبقة. هذا هو شكل الحياة السياسية تحت حكم آل حفتر في غرب ليبيا: ليس سلاماً، ولا حتى تعايشاً، بل إكراهاً“.

ولا يفصل القماطي بين العرض العسكري والمسار المالي، بل يراهما جزءاً من استراتيجية واحدة، ويقول: “لم تكن هناك ثقة من البداية. ميزانية أبريل لم تبنِها، بل اشترت الوقت”.

وحسب القماطي، فإن تنظيم أكبر مناورة عسكرية في تاريخ الجيش الوطني الليبي بعد شهر واحد من توقيع اتفاق الإنفاق الموحد “ليس تناقضاً، بل هو الاستراتيجية، الميزانية تمنح حفتر شرعية دولية، والمناورات تذكّر الجميع في الداخل بأنه لا يحتاج فعلياً إلى الاتفاق كي يأخذ ما يريد”.

“هذا هو النمط الذي تعلّمت غرب ليبيا قراءته”، يضيف القماطي، ويوضح أن كل محطة دبلوماسية مع حفتر تتبعها إشارة عسكرية: “الاتفاق ليس الوجهة، بل الغطاء. وما دام أن المسارات المدعومة أمريكياً تتعامل مع تعاونه باعتباره تقدماً بينما تتجاهل الرسائل المحيطة به، فهي لا تجسر الانقسام بين الشرق والغرب. إنها تؤسسه داخل المؤسسات”.

المسار المالي ومكافأة القوة

في تقييمه للمسار الأمريكي، يرى القماطي أن الإشكال لا يتعلق بمحاولة معالجة الخلل العسكري، بل بتكريسه سياسياً ومالياً، ويقول: “هذا هو الموضع الذي تقلب فيه معظم التحليلات المسألة رأساً على عقب، لا أحد يحاول معالجة التوازن العسكري، إنهم يحاولون مكافأته سياسياً ومالياً“.

وبحسب هذه القراءة، فإن “مناورات دروع الكرامة” لا تبدو تهديداً خارجياً للمفاوضات، بل جزءاً من الرافعة التي تمنح حفتر موقعاً تفاوضياً أقوى. لذلك، فإن التحرك الأمريكي الذي يُقدَّم كخطوة تقنية لتوحيد الإنفاق، قد يُقرأ في طرابلس باعتباره مساراً يمنح حفتر شرعية سياسية ومالية من دون أن يفرض عليه تفكيك بنية القوة العسكرية التي يستند إليها.

في المقابل، يرى داعمو اتفاق الإنفاق الموحد أن توحيد الميزانية قد يشكل خطوة ضرورية لتخفيف الانقسام المالي الذي غذّى الانقسام السياسي لسنوات، خصوصاً مع الدعم الدولي للمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة.

غير أن الحديث الدولي عن الحاجة إلى مؤسسات اقتصادية وعسكرية موحدة يكشف أن الملف الحقيقي لم يُحسم بعد: من يملك القرار الأمني، وهل يمكن دمج القوة العسكرية في سلطة مدنية موحدة؟

هنا يقدّم القماطي خلاصة أكثر حدة، إذ يقول إن حفتر “لن يكون خاضعاً لأي سلطة مدنية، منتخبة أو غير منتخبة“، وأضاف: “هذا جيشه العائلي الشخصي. إنه ليس موقعاً يبحث عن إرفاق شروط به؛ وهو خطوة نحو الوجهة نفسها، وهي أخذ السلطة السياسية من داخل الدولة أو من خارجها باستخدام السلاح“.

سياسة الولاءات غير الحصرية

لا يمكن فصل مناورات الشرق عن الحضور المتزايد لصدام حفتر داخل المشهد السياسي والعسكري، إذ لم يعد ظهوره مجرد تفصيل بروتوكولي، بل جزءاً من إعادة تشكيل بنية القوة داخل معسكر الشرق، وأصبح مرتبطاً أيضاً بمنظومة نفوذ عائلية يبدو أنها ترتب انتقالاً تدريجياً للثقل السياسي والعسكري داخل عائلة حفتر نفسها.

الباحث المتخصص في الشأن الليبي جليل حرشاوي قال لـ”عربي بوست” إن المناورات العسكرية في شرق ليبيا بدأت في طبرق ودرنة قبل أسابيع من ذكرى عملية الكرامة، وتزامنت إلى حد بعيد مع مناورات “فلينتلوك” التي رعتها الولايات المتحدة في سرت.

واعتبر حرشاوي أن هذا التوقيت “لم يكن عابراً”، إذ حرص معسكر حفتر، بحسبه، على تقديم استعراض يرضي واشنطن عبر المشاركة في المناورات التي نظمها البنتاغون، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش عسكري مستقل يتيح له التحرك وفق شروطه الخاصة.

وحملت زيارة صدام حفتر إلى موسكو الرسالة نفسها، يقول حرشاوي موضحاً إن جيش حفتر “يمضي في بناء عدة شراكات ثنائية بالتوازي”، وإن العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم الترحيب بها، “ليست علاقة حصرية”.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو التقارب مع موسكو أو استخدام السلاح الروسي تناقضاً مع الانفتاح على واشنطن، بل جزءاً من سياسة تقوم على تنويع التحالفات ورفع كلفة الضغط على معسكر حفتر. ويضيف حرشاوي أن ذكرى عملية الكرامة هذا العام عكست هذه المقاربة بوضوح، مع الحضور البارز لصدام وخالد وخليفة حفتر معاً.

بحسب الباحث المتخصص في الشأن الليبي، فإن الرسالة الضمنية تتمثل في أن قوى دولية وإقليمية متعددة تسعى إلى استمالة عائلة حفتر، وأن هذا السعي يرقى عملياً إلى “شكل من أشكال الاعتراف الدبلوماسي”.

ويختصر هذه العقيدة بعبارة: “لا ولاءات حصرية“، موضحاً أن العائلة قادرة على الحفاظ على علاقات متوازية مع الإمارات والسعودية، ومع الولايات المتحدة وروسيا، وحتى مع تركيا ومصر في آن واحد.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما أشار إليه الباحث شريّف بوفردة بشأن التنافس الداخلي بين خالد وصدام حفتر، إذ إن المناورات لا توجّه رسائل إلى الخارج فقط، بل تعيد أيضاً توزيع الصورة داخل بيت القيادة العامة.

وإذا كان صدام قد تصدر سابقاً واجهة التحركات السياسية والأمنية والعلاقات الخارجية، فإن بروز خالد حفتر في هذا الاستعراض العسكري الواسع يمنحه صورة القائد الميداني والمؤسسي داخل هيئة الأركان.

ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية لأن أي ترتيبات سياسية مقبلة لن تتعامل فقط مع خليفة حفتر، بل مع الدائرة العائلية والعسكرية التي تشكلت حوله، إذ بات صدام يظهر في موقع يتجاوز الدور العسكري التقليدي، عبر حضوره في ملفات الأمن والتسليح والعلاقات الخارجية، بينما يتقدم خالد داخل البنية العسكرية النظامية.

كما أن ظهور منظومات روسية مثل “بانتسير” أضفى على “مناورات دروع الكرامة” بعداً خارجياً واضحاً، فالرسالة لم تكن موجهة إلى طرابلس وحدها، بل إلى واشنطن أيضاً: معسكر حفتر يدخل مرحلة الترتيبات الأمريكية وهو يمتلك أوراقاً عسكرية وتحالفات متعددة، ويقدّم نفسه قوةً يصعب الضغط عليها أو تجاوزها.

توحيد المال قبل توحيد السلاح

تلتقي القراءات المختلفة حول فكرة واحدة: “مناورات دروع الكرامة” ليست إعلان حرب، لكنها أيضاً ليست تدريباً عادياً، فهي محاولة لتحويل التفوق العسكري والتنظيم الداخلي والعلاقات الخارجية المتعددة إلى رأسمال تفاوضي قبل اكتمال المسار الأمريكي الخاص بتوحيد الإنفاق العام.

فمن زاوية شريّف بوفردة، تبدو المناورات محاولة لتقديم قوات الشرق باعتبارها المؤسسة العسكرية الأكثر تنظيماً وتسلسلاً في القيادة مقارنة بتعدد التشكيلات المسلحة في الغرب.

أما المحلل السياسي صلاح البكوش، فيرى أن العرض العسكري لا يشكل تهديداً مباشراً بقدر ما يمثل رسالة لتحسين الموقع التفاوضي، معتبراً أن توحيد الإنفاق قد يخفف الانقسام المالي لكنه لا يعالج جوهر الأزمة المرتبط بالسلطة والأمن وتقاسم النفوذ.

في المقابل، يقرأ أنس القماطي “مناورات دروع الكرامة” باعتبارها امتداداً للمسار المالي لا منفصلة عنه، حيث تمنح الميزانية شرعية دولية، بينما يفرض العرض العسكري ميزان القوة على الأرض.

أما جلال حرشاوي فيضيف بعداً خارجياً أوسع، يتمثل في قدرة عائلة حفتر على إدارة شبكة علاقات متوازية مع واشنطن وموسكو وعواصم إقليمية، وتحويل هذا التعدد إلى شكل من أشكال الاعتراف السياسي غير المعلن.

وبهذه الطريقة، تبدو الدبلوماسية والسلاح مسارين متوازيين لا متناقضين، فالقيادة العامة تعرض نفسها شريكاً يمكن الاعتماد عليه في أي ترتيبات مقبلة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ ببنية عسكرية مستقلة وغير خاضعة لسلطة مدنية موحدة، وتحكمها أيضاً توازنات عائلية داخلية يصعب تجاهلها.

في النهاية، لم تكن مناورات الشرق مجرد استعراض عسكري في ذكرى عملية الكرامة، بل بياناً سياسياً بصوت المدرعات، إذ يسعى حفتر إلى دخول المرحلة المقبلة لا باعتباره طرفاً قابلاً للدمج، بل قوةً لا يمكن تجاوزها.

وبينما تحاول الولايات المتحدة تنظيم المال العام، يواصل معسكر الشرق بقيادة خليفة حفتر التذكير بأن السلاح ما زال قادراً على إعادة تعريف شروط السياسة وحدود التسوية الممكنة.

__________________

ليبيا على أعتاب التغيير… لكن نجاحه مرهون بالتعاون

مارتن رينولدز

شكّلت عودتي إلى ليبيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بصفتي السفيرَ البريطاني فرصةً للتأمل في حجم التغييرات التي شهدتها البلاد منذ زيارتي الأولى عام 2010 ضمن الوفد البريطاني إلى القمة الأوروبية – الأفريقية.

وكانت تلك فرصةً قصيرة، لكنَّها مرحّب بها، للتجوّل في أزقة المدينة القديمة بطرابلس، وتأمل قوسِها الروماني المذهل العائد إلى القرن الثاني الميلادي، ومزيجها الغني من العمارة الإسلامية والطراز الإيطالي.

وفي السنوات التالية، زرت ليبيا مرتين وسط مشهد سريع التغيّر شمل حربين أهليتين، وصعود تنظيم «داعش»، ثم سقوطه، ومحاولات متعددة لتوحيد البلاد.

وقد سُررت بالعودة بصفتي سفيراً في وقت أصبح فيه السفر خارج العاصمة أكثر سهولة. وأثناء سفري على الطريق الساحلي إلى بنغازي ومصراتة، وزيارتي المواقع التاريخية في صبراتة ولبدة الكبرى وقورينا، رأيت حجم التغيّر منذ ذروة النزاع.

فطرابلس وبنغازي باتتا شبه مختلفتين تماماً، وتمتلئان بمشروعات بناء جديدة. كما شهدت سرت، التي كانت قبل سنوات قليلة مركزاً لمعارك ضارية، تحولاً بدورها. لكن الأسس السياسية والاقتصادية في ليبيا لا تزال هشّة.

فالفساد المتجذّر وغياب الشفافية يعنيان أن جزءاً كبيراً من موارد الدولة الهائلة الناتجة من احتياطات النفط يُساء استخدامه. ولا تزال الاشتباكات مستمرة في أنحاء البلاد بين الميليشيات المسلحة والعصابات الإجرامية.

كما أن مؤسسات سيادة القانون ليست مخوّلة بما يكفي لمحاسبة مرتكبي أعمال العنف. وتبقى الحياة صعبة بالنسبة إلى كثير من الليبيين، في ظل تراجع قيمة العملة.

ويقف خلف كل ذلك انقسام سياسي عميق بين شرق ليبيا وغربها، كرّس أنظمة حكم غير مستدامة، وجعل من الصعب تحقيق الإمكانات الكاملة للبلاد.

وإمكانات ليبيا هائلة بالفعل؛ فهي تتمتع بموقع استراتيجي في قلب البحر الأبيض المتوسط وعلى امتداد القارة الأفريقية، إضافة إلى احتياطاتها الضخمة من النفط والغاز، وسكانها المتنوعين والموهوبين وذوي التعليم العالي.

ويمكن لليبيا بل ينبغي لها أن تكون مزدهرة مثل أي دولة أخرى في المنطقة.

تلتزم المملكة المتحدة بدعم ليبيا لاتخاذ خطوات حاسمة نحو دولة موحدة ذات حكومة فعالة تخدم جميع مواطنيها. وكان هذا الهدف المشترك لكثير من الأطراف الليبية والشركاء الدوليين على مرّ السنوات.

ومع ذلك، ظل التقدم نحو حل سياسي مستدام بعيد المنال. لكن في ظل اقتصاد عالمي يزداد تقلباً، فإن التغيير قادم إلى ليبيا. والسؤال هو ما إذا كان القادة الليبيون مستعدين لتوجيه هذا التغيير نحو تقدم دائم.

وهناك مؤشرات مشجعة؛ إذ اتفق مجلسا النواب و«الدولة» الليبيان مؤخراً على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، ما يعزز الآمال ببدء مرحلة جديدة من الانضباط المالي.

كما ينخرط الفرقاء الليبيون بشكل بنّاء مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بقيادة هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام، سعياً إلى حل سياسي مستدام. وينبغي للمجتمع الدولي البناء على هذا الزخم، وتعزيز دعمه الكامل لجهود الأمم المتحدة، فضلاً عن المبادرات الأخرى الهادفة إلى تحقيق تقدم سياسي واقتصادي.

وبصفتها حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن ليبيا، تظل المملكة المتحدة ملتزمة بتوحيد الجهود الدولية رغم التحديات. ويتمثل جزء مهم من دوري في تعزيز الانخراط البريطاني مع مختلف مكونات المجتمع الليبي.

وخلال الأشهر الستة الأولى لي في ليبيا، كان من المستحيل تجاهل الإمكانات غير المستغلة للتعاون في مجالات التعليم والتدريب والخبرات التقنية. وهذه من نقاط القوة التقليدية للمملكة المتحدة، وهي مطلوبة بشدة. وهناك فرصة حقيقية للمساعدة في تعزيز المؤسسات الليبية ورعاية الكفاءات المحلية.

ويتعين على ليبيا وشركائها الأوروبيين أيضاً العمل معاً لتفكيك شبكات العائدات غير المشروعة التي تثري المجرمين داخل مجتمعاتنا جميعاً.

والأولوية التي هي أكثر إلحاحاً تتمثل في مكافحة شبكات تهريب البشر والاتجار بالبشر التي تشجع تدفق المهاجرين إلى ليبيا، ومنها إلى أوروبا. فالتكلفة الإنسانية لهذه التجارة مروعة، والعبء الذي تفرضه على المجتمعات الليبية المحلية لا يمكن تحمله.

ونحن ملتزمون بالعمل مع ليبيا للمساعدة في تعزيز قدراتها على إدارة الحدود، والحد من تدفق المهاجرين إلى هذا البلد وما بعده.

وفي بلد ديناميكي وغني بالموارد مثل ليبيا، فإن التغيير أمر لا مفر منه. لكن التقدم المستدام لن يتحقق إلا من خلال تعاون الليبيين مع بعضهم، والعمل إلى جانب شركاء دوليين داعمين.

وأنا مصمم على استغلال فترة عملي في ليبيا للإسهام في هذا المسار، وأؤمن بقوة بأن ليبيا قادرة على تجاوز تحديات العقود الماضية والمضي قدماً.

***

مارتن رينولدز ـ سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا

___________

“ملك الموت” أمام الجنايات الدولية بتهم جرائم حرب بسجن ليبي

خالد سلامة

باشرت المحكمة الجنائية الدولية جلسات استماع تستمرّ على مدى ثلاثة أيام بحقّ مدير سابق لسجن ليبي سيئ السمعة يُعرف بلقب “ملك الموت”، لتأكيد التهم الموجّهة إليه وتشمل جرائم حرب وقتل واغتصاب وتعذيب، وليس محاكمته.

قال مدعون عامون لقضاة المحكمة الجنائية الدولية اليوم الثلاثاء (19 مايو/أيار 2026) إن المتهم بالإشراف على أحد أسوأ السجون سمعة في ليبيا كان معروفاً بأنه يعذب بلا رحمة. وذكر المدعون العامون أن خالد الهيشري (47 عاماً) كان ‌يشرف على جناح ⁠النساء ⁠في سجن معيتيقة الذي يديره جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في غرب ليبيا. وأضاف المدعون أن آلاف الضحايا اعتقلوا واحتجزوا دون ​أساس قانوني في ظروف غير إنسانية وتعرضوا للإساءة والتعذيب على نحو ممنهج.

وقالت نزهت ​شميم خان نائبة المدعي العام في بداية الجلسات التي تستمر ​ثلاثة ‌أيام والمقرر أن تحدد التهم التي ستوجه للمشتبه به “كان خالد (محمد علي) الهيشري معروفاً على نطاق واسع بأنه (رجل) سيئ السمعة يمارس التعذيب ‌وهو من أكبر المسؤولين في سجن معيتيقة”.

ونقلت عن أحد الشهود قوله إن الهيشري كان “من أسوأ المحرّضين على العنف”، فيما أشار شاهد آخر إلى أنه كان يُلقَّب بـ”ملك الموت”. ولفتت شميم خان إلى أن “إحدى طرق التعذيب المفضّلة لديه، بحسب الشهادات، كانت إطلاق النار على الأشخاص خصوصا في الساق والركبة”. كما كان “يعلّق الأشخاص وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم ويضربهم بالمجارف”، وفق الادعاء.

وتحدّثت نزهت ​شميم خان عن ظروف “لا يمكن تصوّرها” داخل السجن، مشيرة إلى أن الهيشري الذي كان مسؤولاً عن سجن النساء استخدم الأمراض “كسلاح” من خلال وضع المعتقلين في زنازين يُحتمل أن يُصابوا فيها بعدوى. وبيّنت أن المتهم كان يرتكب بنفسه عمليات اغتصاب وقتل وتعذيب بحقّ السجناء.

وقال المدعون إن ‌الهيشري ​اعتدى شخصياً على سجينات وعذبهن واغتصبهن في إطار نمط من التعذيب الجنسي. وطلبوا من القضاة تأكيد 17 تهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، منها ​القتل والاغتصاب والاضطهاد والاستعباد من فبراير/شباط 2015 حتى أوائل 2020.

أول مشتبه فيه ليبي أمام الجنائية الدولية منذ 2011

في المقابل، جلس الهيشري الذي ارتدى سترة وربطة عنق زرقاوين من دون إبداء تأثر يُذكر، مكتفياً أحياناً بالإيماء برأسه.

وكشفت وثائق المحكمة أن الهيشري لم يقدم رداً رسمياً بعد على التهم المذكورة، ⁠لكن ​محاميه طلبوا من القضاة رفض التهم ​وطعنوا على اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية. وأًلقي القبض عليه في ألمانيا في يوليو/​تموز 2025.

وتُعقد الجلسات التي تستمر حتى الخميس في مقر المحكمة في لاهاي، في إطار “تأكيد التهم” الموجهة إلى الهيشري، وليس لمحاكمته. وسينظر القضاة في ما إذا كانت الأدلة كافية للمضيّ قُدماً في محاكمة كاملة، إذ لا يزال أمام هيئة المحكمة 60 يوماً لاتخاذ القرار إمّا بتأكيد التهم أو إسقاط القضية والإفراج عن الهيشري، أو تعديل التهم الموجهة إليه.

وإذا أكد ‌القضاة التهم، فقد تصبح قضية الهيشري أول محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تركز على ليبيا. وتنظر المحكمة الجنائية ​الدولية في مزاعم ⁠جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي ⁠القضية إلى المحكمة في ​2011.

واعتقلت إيطاليا في يناير/كانون الثاني 2025 لفترة وجيزة شخصاً آخر، وهو أسامة المصري نجيم،تشتبه المحكمة الجنائية الدولية بارتكابه جرائم حرب على صلة بسجن معيتيقة، لكنها أطلقت سراحه وعاد إلى ليبيا، مما أثار استنكاراً.

__________________

هل يفتح الحكم ببراءة رموز النظام السابق الباب أمام مصالحة تاريخية في ليبيا

الحبيب الأسود

المتهمون واجهوا تهما، من بينها التحريض على إثارة الحرب الأهلية والإبادة الجماعية، وإساءة استخدام السلطة وإصدار أوامر بقتل المتظاهرين والإضرار بالمال العام.

أعلن في العاصمة الليبية طرابلس عن قرار الدائرة الجنائية الثالثة بمحكمة الاستئناف، القاضي ببراءة 31 من أبرز قيادات نظام الراحل معمر القذافي، من تهمة قمع المتظاهرين إبان أحداث الثورة الليبية التي اندلعت عام 2011، وذلك بعد مسار قضائي معقد ومطول استمر لنحو 12 عاما.

وترى أوساط ليبية أن الحكم الجديد، جاء ليفسح المجال أمام مصالحة وطنية شاملة وتاريخية بعد 15 عاما على الإطاحة بالنظام الجماهيري بعد حرب لا تزال تثير جدلا حادا بخصوص تقييم أبعادها السياسية والإستراتيجية، ودور القوى الخارجية والجماعات المتطرفة والإرهابية في تفجيرها.

وتشير الأوساط إلى أن اغتيال سيف القذافي، وإخراجه قسرا من خارطة التنافس السياسي بصفته ممثلا لرموز النظام السابق، ساعد على بلورة رؤية جديدة لحلحلة الصراع السياسي مع اتباع سبتمبر وتيارهم العقائدي. 

وشمل حكم البراءة أسماء بارزة، في مقدمتهم رئيس المخابرات الأسبق عبدالله السنوسي، وآخر رئيس وزراء في ذلك العهد البغدادي المحمودي، وسيف الإسلام القذافي الذي تعرض لعملية اغتيال في الثالث من فبراير الماضي، بالإضافة إلى منصور ضوء، ومحمد بالقاسم الزوي، ومحمد أحمد الشريف.

وقررت المحكمة إسقاط الدعوى الجنائية والجريمة بحق عدد من المسؤولين السابقين ممن توفوا قبل صدور الحكم بالإدانة، ومن بينهم رئيس جهاز الأمن الخارجي الأسبق أبوزيد دوردة، ونائب رئيس الوزراء الأسبق عبد الحفيظ الزليطني.

 وكان 38 شخصاً من رموز النظام الليبي السابق، مثلوا أمام غرفة الاتهام لمحكمة استئناف طرابلس، في سبتمبر 2014 لمواجهة الاتهامات الموجهة إليهم المتعلقة بتورطهم بشكل مباشر في محاولة إجهاض ثورة 17 فبراير وارتكاب جريمة الإبادة الجماعية والنهب والتخريب وإصدار الأوامر بإطلاق النار على المدنيين وجلب المرتزقة وإثارة الفتن والتحريض وتشكيل ميليشيات مسلحة لقتل الأبرياء.

وفي 28 يوليو 2015 قضت محكمة استئناف العاصمة الليبية طرابلس في جلسة الحكم على 37 متهما من رموز نظام القذافي بإعدام ثلاثة من رموز هذا النظام، وواجه المتهمون تهما، من بينها التحريض على إثارة الحرب الأهلية والإبادة الجماعية، وإساءة استخدام السلطة وإصدار أوامر بقتل المتظاهرين والإضرار بالمال العام وجلب مرتزقة لقمع ثورة فبراير.

وبحسب مراقبين، فإن الأحكام كانت منتظرة نظرا للخلفية السياسية للاتهامات في ظل سعي لإعادة قراءة الأحداث والنظر إليها بموضوعية أكبر، لاسيما أن أغلب المتهمين إما غادروا الحياة أو تم إطلاق سراحهم لأسباب صحية.

لكن ملف مدير الاستخبارات العسكرية بالنظام السابق، اللواء عبدالله السنوسي يبقى الأكثر تعقيدا بسبب أهمية وحساسية المراكز السيادية التي عمل بها والمعلومات التي يمتلكها، إلى جانب أنه مطلوب من محكمة الجنايات الدولية. 

وقال أحمد نشاد، محامي السنوسي، إن ملف القضية 630 بُني على العدم، وتم تفنيد كافة الإدعاءات والمزاعم في المرافعات، مشيرا إلى أن حكم استئناف طرابلس يسقط عن موكله الاتهامات في القضية رقم 630، فيما لا يزال هناك ملف آخر مفتوح بشأن قضية سجن بوسليم. وأوضح نشاد أن حكم البراءة لا يعني الإفراج الفوري عن عبدالله السنوسي.

 وتابع “لا يمكن الطعن في الحكم الصادر إلا من خلال النائب العام، لأنه هو من أصدر الدعوى العمومية فيما قبل، وخسرها الآن، وأعتقد أنه عليه التريث جيدًا قبل الطعن لو كان يهدف إلى المصلحة العامة للمجتمع الليبي ككل”.

مردفا أن الحكم صدر بالبراءة وليس لعدم كفاية الأدلة مثلا، أي أن المتهمين كافة تحصلوا على البراءة وليس لهم أي مسؤولية عن ارتكاب جرائم، وأنه لا توجد أي مسؤولية جنائية على المتهمين.

وأضاف “المتهمون كانوا يؤدون أعمالهم وفق القوانين وقت اندلاع فبراير 2011، وأي تقصير فيها كانوا سيحاسبون عليه قانونًا، وهم تعاملوا مع مجموعة مسلحة تمردت على الدولة بقوة السلاح، وكانوا ينفذون القانون”، مشددا على أن جميع التهم الموجهة للمتهمين لا أساس لها من الصحة وناقضت الواقع، حيث وجهت إلى عبدالله السنوسي اتهامات بتفجير محطة وقود وهي واقعة لم تحدث أصلاً ولم يتم تسجيلها بالأساس. 

وكانت الحكومة الليبية أعلنت في مارس 2012 أنها كلفت لجنة برئاسة النائب العام عبد العزيز الحصادي وعضوية عدد من المسؤولين بالوزارات المختصة بمتابعة رموز النظام السابق الموجودين بالخارج وملاحقتهم.

وطلبت من اللجنة العمل على تفعيل الوثائق الثانوية من اتفاقيات ثنائية وإقليمية ودولية المتعلقة بتسليم المطلوبين وتحديد القنوات سواء كانت سياسية أو قانونية أو عن طريق الشرطة الدولية (الإنتربول). 

وفي سبتمبر من ذلك العام، بادرت موريتانيا بتسليم عبدالله السنوسي لسلطات بلاده، قبل أن توجه إليه جملة من الاتهامات، من بينها قمع المتظاهرين العزل وإصدار أوامر بالقتل المباشر، وجلب وتجهيز المرتزقة الأجانب وتسهيل منحهم الجنسية الليبية للقتال ضد الثوار، وإشعال الحرب الأهلية وتشكيل جماعات قبلية مسلحة، وتخريب المنشآت العامة، والنهب، وتفخيخ المركبات بالمواد المتفجرة وغيرها.

___________

إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر.. رهان الولايات المتحدة لتوحيد ليبيا؟

ْ

أحد أبرز أهداف واشنطن يتمثل في تقليص النفوذ العسكري الروسي

تدفع التطورات المتعلقة بإيران إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تكثيف تحركاتها الرامية إلى توحيد ليبيا التي تعاني انقساما بسبب الحرب الأهلية. 

وأشارت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” إلى أنه “وفق التصور المطروح داخل البيت الأبيض، فإن ليبيا السابقة (الموحدة) يُفترض أن تسهم جزئيا في تعويض الخسائر التي لحقت بالسوق العالمية نتيجة أزمة مضيق هرمز”.

في هذا السياق، ذكرت الصحيفة الروسية أن “واشنطن تسعى إلى توحيد الهياكل المؤسسية لكل من حكومتي غرب ليبيا (طرابلس) وشرق ليبيا (برقة)، مع الإبقاء في الوقت نفسه على مناطق النفوذ القائمة ونموذج انتقال السلطة القائم على الطابع العائلي”.

واعتمدت في ذلك على إبراهيم الدبيبة ابن شقيق رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوفاق الليبي المعترف بها دوليا، وعلى صدام حفتر نجل الجنرال الانقلابي خليفة حفتر.

رجل ظل

وبحسب مصادر منصة “ميدل إيست آي”، فإن إدارة ترامب كثفت جهودها بشأن الملف الليبي في ظل الحرب مع إيران.

ونقلت المنصة عن مصدر أميركي قوله: “هذه فكرة شاملة على مستوى الحكومة، والهدف هو جعل ليبيا متاحة أمام الشركات النفطية الأميركية”.

وأضاف المصدر: “لنكن واقعيين، إن المسار الانتخابي تحت رعاية الأمم المتحدة في ليبيا لم ينجح”.

وأشار إلى أن “جميع الشركاء الدوليين لم يعودوا يصرون على إجراء انتخابات عامة في البلاد، مفضلين بدلا من ذلك التعامل مع شبكات النفوذ العائلية.

ووفقا للمعلومات ذاتها، يشرف على هذه المبادرة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون إفريقيا والدول العربية والشرق الأوسط مسعد بولس.

وبحسب الصحيفة الروسية، “تهدف الخطة الأميركية إلى دفع طرفي البلاد، برقة وطرابلس، إلى توقيع اتفاق يوحد المؤسسات بشكل رسمي، مع الإبقاء فعليا على موازين القوى الحالية”.

وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن “أبرز القوى الفاعلة هي حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة الدبيبة، والجيش الوطني الليبي في الشرق بقيادة حفتر”.

وتابعت: “بموجب الشرط الأميركي، يتعين على الدبيبة نقل السلطة إلى نائبه ووريثه السياسي ابن شقيقه إبراهيم، فيما يقوم حفتر بتسليم موقعه إلى نائبه وابنه صدام”.

ووفقا لها، فإن “الواقع على الأرض يشير إلى أن إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر عززا بالفعل موقعيهما في غرب وشرق البلاد خلال السنوات الماضية، بل وخاضا تجارب تعاون ظرفية بينهما”.

واستطردت: “وهذا ما أكده تقرير حديث صادر عن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن ليبيا”.

وجاء في التقرير الأممي أن “نفوذ إبراهيم تجاوز المجموعات المسلحة، إذ تحول، عبر أدواره الأمنية والسياسية والاقتصادية، إلى رجل ظل مؤثر”.

وأكد أنه “لعب دورا محوريا في عدد من التطورات المهمة داخل ليبيا”.

كما أشار التقرير الأممي إلى أن “إبراهيم، شأنه شأن صدام، متورط في شبكات اقتصادية غير رسمية، وأن (تأثيره في القطاعات الاقتصادية الرئيسة استند إلى تحالفه مع قادة مجموعات مسلحة مختلفة)”.

أكثر نفوذا

وفي المقابل، “يبرز الاتجاه نفسه في شرق ليبيا، حيث تمكن صدام من السيطرة على عدد كبير من الملفات الحيوية، ما جعله أكثر نفوذا من بقية أبناء خليفة حفتر”، تقول الصحيفة.

وأردفت: “يشير تقرير الأمم المتحدة إلى أن قوات حفتر تعقد اتفاقات أمنية مع دول مختلفة لتقديم نفسها كطرف شرعي في المجال الأمني، وكشريك يشبه الدول”.

كما أضاف التقرير أن “هذه القوات، تحت قيادة صدام حفتر، باتت تقدم نفسها بشكل متزايد كضامن إقليمي للأمن، خصوصا في مجالات مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، وضبط حركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود”.

وتابعت الصحيفة: “أما الاهتمام الأميركي بالنفط الليبي فليس جديدا، فليبيا، رغم الحرب الأهلية، لا تزال عضوا في منظمة الدول المصدرة للنفط، وتمتلك أكبر احتياطات النفط في إفريقيا”.

وأضافت أنه “قبل اندلاع الربيع العربي عام 2011 وسقوط نظام معمر القذافي، كانت البلاد تحتل المرتبة الثانية عشرة عالميا في صادرات النفط، بإنتاج يقارب 1.6 مليون برميل يوميا”.

في هذا الصدد، ذكرت الصحيفة أن ليبيا بدأت تدريجيا في استعادة مستويات إنتاجها، إذ بلغ الإنتاج في أبريل/ نيسان 2026 نحو 1.43 مليون برميل يوميا، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من عشر سنوات، بحسب رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مسعود سليمان.

واستدركت: “لكن نشاط المؤسسة الوطنية للنفط لا يمكن وصفه بالشفافية الكاملة، سواء من حيث الجهة التي تخضع لها أو من حيث آليات توزيع العائدات النفطية”.

تأثير مزدوج

في هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة قوله إن “أطرافا مرتبطة بالمجموعات المسلحة، وعلى رأسها إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر، طورت قدرتها على التحكم في المؤسسة الوطنية للنفط على مختلف مستويات صنع القرار”.

وأضاف الفريق: “كان لهذا أثر مزدوج، إذ لم يقتصر الأمر على تمكين الجماعات المسلحة من توسيع نفوذها وتعزيز قدراتها العسكرية، بل امتد أيضا إلى الإضرار بالمصلحة العامة”.

وأردفت: “وفقا للمحللين الأمميين، فقد نشأت (منظومة إفلات من العقاب) داخل القطاع، حيث تُعتمد صفقات التصدير والاستيراد وعقود التطوير والمقاولات بشكل منهجي دون مراجعة كافية، لصالح شبكات متنافسة مرتبطة بالمجموعات المسلحة”.

وفي سياق متصل، شددت الصحيفة على أن “أحد أبرز أهداف واشنطن يتمثل في تقليص النفوذ العسكري الروسي في ليبيا، حيث لا يزال (فيلق إفريقيا) التابع لوزارة الدفاع الروسية ينشط في البلاد”.

واستطردت: “وفقا لمصادر نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال، فإن مشروع توحيد ليبيا يهدف بالأساس إلى تقليص فاعلية الوجود الروسي الذي اعتمد لسنوات على الجيش الوطني الليبي وشرق البلاد”.

من هنا، “ترى الإدارة الأميركية أن المناورات العسكرية متعددة الجنسيات (فلينتلوك 2026) التي جرت في أبريل/ نيسان 2026 تحت إشراف الولايات المتحدة تمثل خطوة في هذا الاتجاه”.

واستندت الصحيفة في هذا التقييم إلى حدث لافت شهدته تلك المناورات، إذ جرى لأول مرة منذ فترة طويلة تبادل مصافحة علنية بين ممثلين عن قيادات شرق ليبيا وغربها، وهو ما عدته “مؤشرا رمزيا على تقارب سياسي محدود بين الجانبين”.

________________

من الاعتمادات إلى البطاقات.. كيف تمددت إمبراطورية «المضاربة بالدولار» في ليبيا؟

الدينار الليبي يتعرض منذ سنوات لضغط من المضاربين والسوق الموازية

فتح خبيران اقتصاديان ملف تجارة الدولار والسوق الموازية من جديد، عبر تحذيرات لافتة من استمرار المضاربة بالعملة الأجنبية واتساع نشاط السماسرة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الدينار الليبي والأسواق المحلية.

وقال الخبير الاقتصادي ناظم الطياري، عبر منشور على حسابه في فيسبوك، إن شراء الدولار في السابق كان مرتبطًا بأغراض طبيعية ومنطقية تشمل الدراسة والعلاج والسياحة واستيراد البضائع، موضحًا أن المواطن الليبي كان يلجأ إلى شراء العملة الأجنبية فقط عند الحاجة الفعلية.

وأشار الطياري إلى أن التحولات الكبرى بدأت بين نهاية عام 2016 وخلال عامي 2017 و2018، وهي الفترة التي وصفها بمرحلة جريمة الاعتمادات والحاويات الفارغة، إلى جانب اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية.

وأوضح أن المصارف كانت تبيع الدولار عبر الاعتمادات وغيرها بسعر يقارب 1.40 دينار، بينما تجاوز سعره في السوق السوداء آنذاك 10 دنانير، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من المضاربة والتجارة بالعملة الأجنبية وتحقيق ثروات ضخمة في فترة قصيرة.

وأضاف الطياري أن تلك المرحلة رسخت ثقافة الاتجار بالدولار داخل المجتمع، بعدما تحول من وسيلة لتغطية الاحتياجات إلى سلعة تباع وتشترى بشكل يومي، لافتًا إلى أن السوق السوداء باتت تطلق على الدولار اسم بضاعة، في إشارة إلى حجم التداول والمضاربة التي اجتاحت السوق.

وأكد أن مليارات الدولارات كانت تخرج خلال شهر واحد عبر الاعتمادات وبطاقات الدولار والأغراض الشخصية، مبينًا أن ذلك لم يكن كافيًا نتيجة توسع النشاط الموازي وتحول الدولار إلى أداة للربح السريع والتجارة غير المنظمة.

وتحدث الطياري عن ما وصفه بحجم العدوانية في التعليقات والهجوم الذي يرافق أي أخبار تتعلق بانخفاض الدولار، معتبرًا أن ذلك يعكس اتساع شريحة المضاربين والمستفيدين من استمرار ارتفاع سعر العملة الأجنبية.

ودعا الخبير الاقتصادي إلى تبني حلول أمنية حاسمة لمواجهة السوق السوداء، مشيرًا إلى أن التجربة المصرية في تجريم بيع وشراء الدولار خارج القنوات الرسمية حققت نتائج قوية في كبح نشاط السوق الموازية، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي سيجعل السوق السوداء كابوسًا دائمًا يهدد الدينار الليبي والاقتصاد الوطني.

وفي سياق آخر، كشف الطياري أن منحة الأبناء بدأت منذ أمس تدخل تدريجيًا إلى حسابات المواطنين في المصارف، مؤكدًا استمرار توزيع السيولة النقدية في مختلف المصارف التجارية حتى فترة العيد.

كما أشار إلى وجود عمل خلال شهر مايو على ملفات مالية أخرى، معربًا عن أمله في إنجازها وصرفها قبل العيد.

من جانبه، دعا الخبير الاقتصادي مختار الجديد إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمحاربة السوق الموازية، معتبرًا أن البداية يجب أن تكون عبر استهداف سماسرة بطاقات الأغراض الشخصية وإيقاف بيع الدولار من خلالها.

وأوضح الجديد، في منشور عبر حسابه على فيسبوك، أن البديل أصبح متاحًا عبر البيع النقدي المباشر، والذي يشترط الحضور الشخصي لاستلام الدولار، بدلًا من البطاقات التي قال إن أصحابها لا يشاهدونها أصلًا، بينما يتولى السماسرة استلامها بالعشرات والمئات نيابة عن المواطنين من داخل المصارف.

وأكد أن ملف بطاقات الأغراض الشخصية تجاوز كل الحدود، مشددًا على ضرورة إيقاف هذه الآلية لما تسببه من توسع في المضاربة وتسرب العملة الأجنبية إلى السوق السوداء.

هذا وتشهد ليبيا منذ سنوات أزمة متواصلة في سوق الصرف نتيجة الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، ما أدى إلى اتساع نشاط المضاربة والاتجار بالعملة الأجنبية، خاصة خلال فترات الاعتمادات والبطاقات المصرفية المدعومة.

وتواجه السلطات النقدية في ليبيا ضغوطًا متزايدة لإيجاد حلول فعالة للحد من نشاط السوق السوداء والحفاظ على استقرار الدينار الليبي، وسط مطالب متكررة بتشديد الرقابة على آليات بيع العملة الأجنبية داخل المصارف التجارية.

_________________

المسار الأمني والعسكري في ليبيا.. بين مقاربتي بولس والبعثة الأممية

أسامة علي

لا يزال المساران الأممي والأميركي للحل في ليبيا يعملان بشكل غير واضح، فبينما تبدو الجهود متماهية في الظاهر، إلا أن البعثة الأممية تبرز استقلالها في تنفيذ خريطتها التي أعلنتها في 23 أغسطس/ آب الماضي، بينما تحاول المقاربة الأميركية، التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، التذكير بأن الخطوات التي تُيسرها البعثة مبنية على نجاحاتها السابقة في تقريب السلطتين في طرابلس وبنغازي.

وبعد ظهور انعكاس واضح للمقاربة الأميركية في المسار السياسي، الذي تشكل في “الطاولة المصغرة” التي رعتها البعثة في جلستين، الأولى في روما في الأول من مايو/ أيار الجاري، والثانية في تونس في 12 مايو الجاري، بمشاركة ممثلي الحكومة في طرابلس وبنغازي، وهما الطرفان الأساسيان في مقاربة بولس، ظهر تعارض جديد في المسار الأمني أيضا.

إذ أشار بولس إلى أن الاجتماع الذي يسرته البعثة الأممية بين ضباط من شرق ليبيا وغربها، في مدينة سرت الخميس الماضي، لمناقشة الأمن الحدودي، جاء بعد مشاركة الطرفين في “تمرين فلينتلوك 2026 العسكري” منتصف الشهر الماضي، فيما أكدت البعثة أن الاجتماع جاء نتيجة إنشاء “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود” بدعم منها منذ يناير/ كانون الثاني 2025.

والخميس الماضي أعلنت البعثة الأممية عن تنظيمها اجتماعاً في سرت، لتعزيز التنسيق الأمني الحدودي، بمشاركة “كبار الضباط العسكريين والأمنيين” من قيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ووزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية.

وأوضحت البعثة أن “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود” اتفق على “خطوات عملية لتعزيز التنسيق الأمني الحدودي، بما في ذلك إجراء عملية تعايش بين وحدات حرس الحدود لتنفيذ مهام بشكل متكامل ومشترك في مناطق حدودية محددة”، إضافة إلى “تفعيل عمل المراكز المشتركة لأمن الحدود التي سبق استحداثها في بنغازي وطرابلس”.

وأشارت إلى أن الفريق أُنشئ بدعمها منذ يناير 2025 “لتعزيز الجهود الليبية المبذولة في تأمين الحدود وحمايتها باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي الليبي”، معتبرة أن المبادرة “تمثل علامة فارقة في تطوير التنسيق المؤسسي، وخطوة هامة نحو توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وبناء الثقة، وتهيئة بيئة مواتية للعملية السياسية”.

من جهته، نشر مسعد بولس تدوينة على منصاته الإلكترونية اليوم الاثنين، رحب فيها بالاجتماع بين الفريقين الأمنيين من شرق ليبيا وغربها، مؤكدا الاتفاق على “تعزيز التعاون المشترك في أمن الحدود” و”تفعيل مراكز الأمن الحدودي المشتركة في بنغازي وطرابلس”.

وأشار بولس إلى أن ذلك يأتي بعد المشاركة في “تمرين فلينتلوك 2026 العسكري” بمدينة سرت منتصف الشهر الماضي، وتوقيع “الميزانية الوطنية الموحدة” في العاشر من أبريل، في ما يعكس استمرار الجهود العملية على الأرض لدعم تقدم ليبيا نحو الوحدة.

وفي منتصف الشهر الماضي، شهدت مدينة سرت، التي تعد منطقة تماس بين معسكري شرق البلاد وغربها ومقرا للجنة العسكرية المشتركة الليبية 5+5، تمرينات “فلينتلوك 2026” برعاية القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، بمشاركة نخبة من قوات قيادة حفتر ووزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، بحضور صدام حفتر، بصفته نائبا لما يعرف بــ”القيادة العامة للجيش الوطني”، وعبد السلام زوبي نائب وزير الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، في أول اجتماع عسكري علني بين الطرفين منذ سنوات طويلة من الانقسام والصراع.

وجاء هذا التمرين ضمن الجهود الأميركية التي يقودها بولس، في عدة مسارات، بينها المسار العسكري لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وعقب هذا الحدث العسكري، عقدت البعثة الأممية سلسلة اجتماعات مع قادة عسكريين خارج الإطار التقليدي للقيادات الرئيسية لطرفي معسكري شرق وغرب ليبيا. وعلى الرغم من رعاية البعثة للحوار المهيكل، الذي يتضمن 120 شخصية ليبية في أربعة مسارات: الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية، لم يشارك ممثلو مسار الأمن في اجتماع الخميس.

على ماذا تقوم مقاربتا بولس والبعثة الأممية؟

وتقوم مقاربة بولس، التي بدأت منذ منتصف العام الماضي، على بناء تقارب تدريجي بين سلطتي طرابلس ممثلة في حكومة الوحدة الوطنية، وبنغازي ممثلة في قيادة حفتر، وقد أفضت إلى خطوات ملموسة أبرزها التمرين العسكري المشترك في سرت، إضافة إلى الاتفاق على الميزانية الموحدة بين الجانبين.

في المقابل، يرى مراقبون أن البعثة الأممية تعمل على احتواء هذا المسار من خلال توسيعه عبر إدماج أطراف ومكونات إضافية؛ ففي المسار السياسي ضمت “الطاولة المصغرة” ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى جانب ممثلي سلطتي طرابلس وبنغازي.

أما في المسار الأمني والعسكري، فقد أكدت البعثة أن اجتماع الخميس الماضي، الذي شهد تمثيلا واضحا للسلطتين في طرابلس وبنغازي، جاء في إطار “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود” الذي أُنشئ في يناير 2025، بالتوازي مع تكثيف التواصل مع قادة عسكريين خارج البنية التقليدية في طرابلس وبنغازي، بما يعكس سعيا أمميا لصياغة مسار أكثر شمولا وتعددا في التمثيل.

فروق المقاربتين الأميركية والأممية

وبرأي ناجي بوسيف، الخبير في الشأن العسكري والأمني، فإن المقاربة الأميركية نجحت في قطع أشواط في مسارها وفرضها واقعاً، بينما البعثة الأممية تحاول اللحاق بها من زاوية “مواكبتها وإدخالها في الأطر المؤسسية” لخريطتها.

ويرى بوسيف أن تدوينة بولس جاءت في سياق التذكير بأن المقاربة الأميركية “ليست فاعلا جانبيا، وإنما أساسي ولا يمكن تجاوزه، أو التفريط في مكتسباته”.

وإلى جانب جهود البعثة في احتواء المسار الأمني من خلال آليات سابقة مثل “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود”، يلفت بوسيف في حديثه لـ”العربي الجديد” إلى أنها تحاول إدماج بعد دولي من خلال استضافتها، مطلع الشهر الجاري، اجتماع مجموعة العمل الأمنية، المنبثقة عن مسار برلين الأممي، بمشاركة تركيا ومصر والاتحاد الأوروبي، مما يعكس سعيها “لتعدد” الأطراف الإقليمية والدولية، وعدم ترك الفاعلية لمقاربة واشنطن لوحدها في المشهد.

ويعتبر الخبير الليبي أن هذا السلوك يعكس “العقيدة الأممية التقليدية القائمة على توسيع المشاركة وتفكيك مراكز القرار الصلبة”، بهدف ضمان عدم انهيار أي تسوية مستقبلية، خصوصا أن الهدف النهائي للبعثة هو إجراء الانتخابات الوطنية، وليس تركيز التواصل على أطراف السلطة المتنفذة على الأرض، في طرابلس وبنغازي كما هي المقاربة الأميركية.

وفي السياق الأمني، يشير بوسيف إلى أن تركيز اجتماع بنغازي، الخميس الماضي، على “أمن الحدود” يمثل “تحولا مهما في بنية التعاطي الدولي مع ليبيا، فقد يكون بمثابة اختراق أوروبي للمسار الأمني، فملف الحدود نقطة التقاء بين مصالح أوروبية مرتبطة بالهجرة غير النظامية، لكنه أيضا ملف يمثل هاجسا مشتركا مع واشنطن أيضا، من ناحية أن الجنوب الليبي مجالا مفتوحا أمام تمدد النفوذ الروسي عبر معسكر حفتر”.

ورغم ذلك، يؤكد بوسيف أن البعثة الأممية ما تزال متأخرة في “قراءة البنية الحقيقية للصراع”، إذ يرى أنها بنت خريطتها منذ البداية بشكل منقوص، بأن جعلت المسار العسكري والأمني، ضمن هامش داخل “الحوار المهيكل”، وهو “الجانب الذي أحدث منه بولس اختراقه وحقق نجاحاته وفرضها، فجاءت البعثة الآن تحاول اللحاق وتعيد تموضعها بدل أن تكون هي المبادرة”.

ويخلص بوسيف إلى أن المقاربة الأميركية “تبدو مؤقتة لتحقيق مصالح آنية، لأنها قابلة للتفعيل السريع”. فالتحدي أمام البعثة، بحسب بوسيف، كون المقاربة الأميركية “تفتقر إلى عناصر الاستدامة، وعليها دفع المشهد من زاوية التقارب السطحي” إلى تفاهمات أمنية وعسكرية “مستدامة، قادرة على الصمود أمام الانقسامات الداخلية داخل كل معسكر”، وهو ما يفسر توجهها نحو توسيع قاعدة المشاركين المحليين والدوليين “بهدف إنتاج إطار أمني أكثر ثباتا يتجاوز منطق التفاهمات المؤقتة”.

__________________




ليبيا في المنتصف: هل تستطيع تحركات اليونان منافسة استراتيجية تركيا الممتدة منذ سنوات؟

تقوم تركيا بتدريب قوات ليبية متنافسة ضمن مناورات إيفس-2026، بينما تدفع اليونان نحو لجان قانونية ورسائل إلى الأمم المتحدة.

في السادس من مايو، استضافت إسطنبول نائب وزير الدفاع الليبي عبد السلام الزوبي ضمن فعاليات أحد أكبر معارض الصناعات الدفاعية في المنطقة. ولم يكن حضوره إلى إسطنبول مجرد زيارة بروتوكولية.

فقد جاء ذلك بعد أيام قليلة من إكمال عسكريين ليبيين من الشرق والغرب مرحلة مشتركة من مناورات إيفس-2026 على الأراضي التركية، وهي المرة الثانية خلال فترة قصيرة التي تتدرب فيها فصائل ليبية متنافسة معًا تحت تنسيق أنقرة. وعند النظر إلى هذه التطورات مجتمعة، فإنها لا تبدو أحداثًا منفصلة.

ما يجعل التوقيت بالغ الأهمية هو السياق المحيط به. فقبل أيام فقط من ظهور الزوبي في إسطنبول، كان وزير الخارجية اليوناني في طرابلس، حيث التقى مسؤولي حكومة الوحدة الوطنية ودفع باتجاه تفعيل لجنة فنية مشتركة لترسيم الحدود البحرية.

وصفت أثينا ذلك بأنه خطوة نحو “اتفاقيات جديدة”، لكن جوهر الرسالة لم يكن يتعلق ببدايات جديدة بقدر ما كان محاولة للتراجع عن أمر قديم، وتحديدًا مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وليبيا الموقعة عام 2019، والتي أمضت اليونان سنوات وهي تصفها بأنها غير قانونية.

في الواقع، تتبنى العاصمتان نهجين مختلفين تمامًا. فالمنافسة لم تعد تتركز أساسًا على السلاح أو عقود النفط أو القواعد العسكرية، بل أصبحت تدور حول البنية القانونية، والحضور الدبلوماسي، ومن يمتلك القدرة على التأثير في شروط إعادة دمج ليبيا تدريجيًا وبشكل غير مؤكد ضمن النظام الإقليمي.

أوراق قانونية أم حضور ميداني؟

كانت أثينا منهجية في تحركاتها، إذ حملت زيارة وزير الخارجية إلى طرابلس عدة خطوات متزامنة. فقد جاءت بمقترح لتشكيل لجنة فنية مشتركة لترسيم الحدود البحرية، وتدريب خفر السواحل، وإرسال إشارة أوسع بأن اليونان تريد إعادة بناء الروابط المؤسسية مع حكومة الوحدة الوطنية.

ويتضمن المقترح تدريب عناصر خفر السواحل والضباط العسكريين على مراقبة الهجرة وعمليات البحث والإنقاذ، ودعم إصلاح السفن والزوارق الدورية، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الأوروبية في إدارة الحدود. وهذه العروض تكشف الكثير عن الجهة التي صُممت أساسًا لخدمتها.

بعبارة أخرى، تقول أثينا إن الفاعلين الليبيين إذا اقتربوا أكثر من اليونان في القضايا البحرية، فسيكونون في موقع أفضل داخل الشبكات التي تشكل سياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالهجرة والتمويل. ومع ذلك، فإن هذه العروض مؤطرة بشكل كبير بما تريد أوروبا أن توقفه ليبيا، وليس بما تحاول ليبيا نفسها بناءه.

ولم تتوقف أثينا عند ذلك. فقبل الزيارة بفترة قصيرة، أرسلت اليونان رسالة رسمية إلى الأمم المتحدة تؤكد فيها مجددًا أن اتفاق 2019 غير منسجم جغرافيًا بسبب وجود الجزر اليونانية بين البلدين، وأن هذا الواقع يجعل وجود حدود بحرية مشتركة أمرًا مستحيلًا من الناحية القانونية.

لكن السجل القانوني شيء، والحضور الميداني شيء آخر. ففي الوقت الذي كانت فيه اليونان تقترح لجنتها في طرابلس، كان عسكريون ليبيون من بنغازي وطرابلس موجودين بالفعل في إزمير وإسطنبول على متن طائرات تابعة لسلاح الجو التركي للمشاركة في تدريب مشترك، وهو أمر يتطلب بطبيعته قبول الطرفين لأنقرة كمنسق موثوق.

هذه العلاقة ليست نتيجة لجنة فنية أنشئت حديثًا، بل هي حصيلة سنوات من الخبرة المتراكمة التي اختُبرت تحت الضغط.

كما أن محدودية الاستراتيجية القائمة على الأوراق القانونية ليست مجرد فرضية نظرية. فالانقسامات الداخلية في ليبيا لم تلتئم بعد، وأي طرف خارجي يعتمد أساسًا على الحجج القانونية والمقترحات الرسمية سيكتشف سريعًا أن هذه الأدوات تفقد فعاليتها عندما يتغير المشهد السياسي.

حتى لو قدمت اليونان حججًا قانونية متقدمة، فإن هذا النهج الورقي نادرًا ما يتحول إلى نفوذ فعلي على الأرض.

الجلوس مع جميع الأطراف

لسنوات، كانت سياسة تركيا تجاه ليبيا تكاد تكون مرادفة لطرابلس. فقد كانت العلاقة مع حكومة الوحدة الوطنية عميقة ومؤسساتية ومحمّلة سياسيًا، بُنيت خلال الحرب الأهلية التي اتخذت فيها أنقرة خيارات حاسمة.

كان هذا العمق حقيقيًا، لكن العلاقة المرتبطة بالكامل بطرف واحد في بلد منقسم لها حدود واضحة.

ما تغير مؤخرًا هو اتساع نطاق اتصالات أنقرة. فقد رست سفن حربية تركية في بنغازي، وأجرى وزير الدفاع التركي غولر محادثات مباشرة مع صدام حفتر، نائب القائد العام، في أنقرة.

والآن، جمعت مناورات إيفس-2026 جنودًا من جانبي الانقسام الليبي في التدريب ذاته للمرة الثانية.

وفي مناورات هذا العام، شارك 331 عنصرًا من شرق ليبيا و177 من غربها في التدريب المشترك إيفس-2026، الذي شمل أيضًا قطعًا بحرية ليبية مثل زورق الهجوم السريع “شفق”.

تكمن الفكرة في إخضاع جنود من معسكرات متنافسة للتدريبات نفسها، وتركهم يتشاركون قاعات الطعام وغرف التخطيط، ثم يعودون إلى بلادهم بشيء لا تستطيع أي لجنة فنية تصنيعه.

إن تنسيق فصائل عسكرية متنافسة ضمن تدريب مشترك يتطلب ثقة من الطرفين، واستثمارًا لوجستيًا، واستعدادًا لتحمل المخاطر السياسية إذا فشل الأمر. والنجاح في القيام بذلك مرتين خلال فترة قصيرة يكشف الكثير عن موقع أنقرة الحقيقي داخل المشهد الأمني الليبي.

فهي ليست مجرد الشريك المفضل لمعسكر واحد، بل تحاول — ويبدو أنها تنجح — في أن تكون فاعلة بالنسبة إلى ليبيا بأكملها.

وهذا هو النفوذ الحقيقي، وهو موقع لا تمتلك اليونان طريقًا واقعيًا لتكراره قريبًا. وبالنسبة للقادة الليبيين الذين يحاولون إعادة ترميم قطاع أمني متصدع، فإن الأمر ليس مجرد نظرية، بل تجربة معاشة لوحدات تسافر وتتدرب وتأكل معًا تحت رعاية شريك يتحدث إلى المعسكرين.

ما الذي يميز أنقرة؟

يجب التوقف عند عدم التوازن بين النهجين. فاستراتيجية اليونان تجاه ليبيا ذات طابع دفاعي في أصلها. لقد بُنيت لمواجهة مذكرة 2019، والحد من النفوذ البحري التركي في شرق المتوسط، وإدارة تدفقات الهجرة عبر المسار الأوسط.

إنها استراتيجية تتمحور أساسًا حول ما لا تريده اليونان أن يحدث، أكثر من تركيزها على ما تريد بناءه.

أما اهتمام تركيا بليبيا فيسير في اتجاه مختلف. فأنقرة تسعى إلى البقاء منخرطة داخل القطاع الأمني الليبي، والحفاظ على وصول عملياتي إلى وسط البحر المتوسط، ودعم مسار سياسي لا يستبعدها، وهو ما يتطلب حضورًا طويل الأمد لا مجرد دفعة دبلوماسية مؤقتة.

إن تزويد المعدات، والتدريب الميداني، والمناورات المشتركة، والحوار العسكري رفيع المستوى، والانفتاح على الكتلتين السياسيتين، يشكل نموذجًا يتراكم تأثيره بمرور الوقت.

وعلى الصعيد المدني، تربط أنقرة بين التعاون الأمني وإعادة الإعمار عبر الطرق والمستشفيات والبنية التحتية.

وقد وقعت شركات تركية بالفعل اتفاقيات تطوير في مدن شرقية هي بنغازي والبيضاء وطبرق، تشمل الطرق والمرافق والمستشفيات العامة. ومع تجاوز حجم المشاريع التركية التراكمي في ليبيا 30 مليار دولار، يتجه التركيز الآن نحو المطارات ومنشآت الطاقة والبنية التحتية المعيارية.

أما برامج التدريب، فهي مصممة بحيث تبقى القيادة والعقيدة العسكرية بيد الليبيين، بينما تركز الفرق التركية على التأهيل والتخطيط المشترك والدعم الفني والصيانة. وقد وصف مسؤول ليبي هذا النموذج بأنه يقوم على سعي أنقرة إلى أن تكون داخل البنية الأمنية الليبية، لا فوقها.

لقد تصاعد التنافس على ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة. وأصبحت أثينا أكثر نشاطًا من أي وقت منذ توقيع مذكرة 2019. فالرسالة الموجهة إلى الأمم المتحدة، وزيارة طرابلس، ومقترح اللجنة المشتركة، كلها تعكس الجهود اليونانية.

ومع ذلك، لا تزال المذكرة قائمة. ولم تُظهر حكومة الوحدة الوطنية أي رغبة حقيقية في الابتعاد عنها رغم الضغوط اليونانية المستمرة. كما أن لحكومة طرابلس أسبابها الخاصة للحفاظ على استقرار هذه العلاقة، ولا يمكن للجنة فنية مستحدثة أن تتفوق عليها.

وبالنسبة لدولة تحاول أن تصبح موحدة من جديد، فإن الشريك الذي يدرب ويعيد البناء ويبقى حاضرًا، سيكون صوته دائمًا أعلى من الشريك الذي يكتفي بتقديم الاعتراضات.

_________________

كيف تُعيد الفوضى تلميع الطغاة؟

عماد المدولي

كيف يمكن لشعوب عانت من الاستبداد أن تعيد تأهيل جلاديها بهذه السرعة؟

الكثير منا قد يتعجب من ذلك الحنين الغريب الذي تبديه بعض الشعوب تجاه شخصيات وأنظمة كانت تُوصَف لعقود بالقمع والبطش والاستبداد. شخصيات كانت مكروهة ومذمومة أثناء وجودها في السلطة، ثم ما إن تسقط تلك الأنظمة حتى يبدأ الترحم عليها، ويتحول بعض رموزها إلى شخصيات تحظى بالاحترام والتقدير وربما الاستقبال الشعبي أيضا.

رأينا ذلك في أكثر من دولة عربية بعد سقوط الأنظمة السلطوية. في ليبيا مثلا عاد الحنين إلى نظام العقيد معمر القذافي لدى شريحة من الناس، كما حدث بدرجات مختلفة في العراق بعد سقوط صدام حسين، وفي مصر بعد مرحلة ما بعد يناير، وغيرها من الدول التي دخلت في اضطرابات سياسية وأمنية عميقة عقب انهيار السلطة المركزية.

لكن ما يحدث في ليبيا يبدو أكثر تعقيدا وحدة من مجرد “حنين للاستقرار”، فالأمر لم يعد مقتصرا على الترحم على رأس النظام السابق بسبب ما تعيشه البلاد من فوضى وانقسام، إنما امتد إلى إعادة تلميع شخصيات كانت مجرد أدوات قمعية صريحة للنظام.

شخصيات ارتبط اسمها بالقتل والتعذيب والتهديد والتحريض العلني ضد المدنيين أثناء الثورة، وبعض تسجيلاتها ما تزال متداولة حتى اليوم وهي تدعو للعنف والانتقام وتهدد الليبيين بشكل مباشر.

ورغم ذلك، نجد بعض هؤلاء يُستقبلون اليوم استقبال الفاتحين في بعض المدن، ويُعتذر لهم عمّا بدر من الناس ضدهم أثناء الثورة، وكأن الذاكرة الجمعية بدأت تفقد حساسيتها تجاه الجرائم نفسها.

ولعل ما شهدناه أخيرا في طرابلس خلال مراسم الإعلان عن التقرير السنوي لهيئة الرقابة الإدارية كان من أكثر المشاهد صدمة ودلالة على هذا التحول الخطير. فقد جرى تكريم شخصيات لا يمكن وصفها حتى بالشخصيات “الجدلية”، إنما هي شخصيات ارتبطت بصورة مباشرة بتاريخ دموي خلال حقبة القذافي، وتم تقديمها باعتبارها “رموزا وطنية” أو شخصيات ساهمت في إدارة مؤسسات الدولة.

من بين تلك الأسماء عبد القادر البغدادي، المتورط في قمع الحركة الطلابية خلال سبعينيات القرن الماضي، والمتهم بالمساهمة في سياسات السجن والترهيب والإقصاء لسنوات طويلة.

أما الصدمة الأكبر فكانت في تكريم هدى بن عامر، المعروفة بلقب “الشنّاقة”، بسبب دورها الشهير في أحداث الإعدامات العلنية التي شهدتها مدينة بنغازي وعدد من المدن الليبية خلال الثمانينيات، وخاصة مشهد تعلقها بجسد الشهيد الصادق الشويهدي أثناء تنفيذ حكم الإعدام شنقا، وهي الصورة التي بقيت محفورة في الذاكرة الليبية لعقود باعتبارها أحد أكثر رموز القمع بشاعة في تاريخ النظام السابق.

كيف يمكن أن نصل بعد ثورة أطاحت برأس النظام إلى تكريم إحدى أكثر الشخصيات التصاقا بآلة القمع..؟ بالتأكيد لا يمكن اعتبارها مجرد حادثة بروتوكولية عابرة، إنما هي مؤشر نفسي واجتماعي وسياسي بالغ الخطورة.

لتفسير هذا المؤشر نحتاج أولا للإجابة عن كيف يمكن لشعوب عانت من الاستبداد أن تعيد تأهيل جلاديها بهذه السرعة؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها ترتبط غالبا بطبيعة المراحل التي تعقب سقوط الأنظمة السلطوية. فحين يفشل البديل في بناء دولة مستقرة وعادلة، يبدأ الناس تدريجيا في إعادة النظر إلى الماضي، لا من زاوية الحرية أو العدالة، لكن من زاوية الأمن والاستقرار.

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة.. الناس لا يقارنون بين “الاستبداد” و”الديمقراطية”، بل يقارنون بين “الفوضى” و”الدولة”. ومع استمرار الانقسام، وغياب القانون، وتدهور الاقتصاد، وانتشار السلاح، تصبح ذاكرة الناس انتقائية. تبدأ الجرائم القديمة بالتراجع أمام ضغط الأزمات اليومية. فيتذكر المواطن الكهرباء المستقرة وينسى السجون، ويتذكر الأمان النسبي وينسى الإعدامات، ويتذكر هيبة الدولة وينسى كيف كانت تُدار بالخوف.

هذا النمط ليس جديدا تاريخيان فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ظهر الحنين إلى حقبة ستالين لدى بعض الروس رغم حملات القتل والتطهير الشهيرة. وفي العراق أعاد كثيرون تقييم فترة صدام حسين بعد سنوات الحرب الطائفية والفوضى. وحتى في بعض دول أمريكا اللاتينية عاد الحنين إلى فترات الحكم العسكري بعد تعثر التجارب الديمقراطية اقتصاديا وأمنيا.

غير أن في الحالة الليبية لم يعد مجرد حنين للدولة المركزية فقط، فقد بدأ يتحول أحيانا إلى نوع من التطبيع الأخلاقي مع شخصيات مرتبطة مباشرة بالعنف السياسي والقمع الدموي.

وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة جدا: فشل المرحلة التي تلت سقوط النظام لا يجعل جرائم النظام السابق أقل فظاعة، كما أن فساد الحاضر لا يبرئ استبداد الماضي. المشكلة الكبرى أن كثيرا من الشعوب العربية تقع دائما في فخ المقارنة الخاطئة؛ فهي تقارن بين “الدولة الفاشلة” و”الدولة المستبدة”، بينما المقارنة الحقيقية يجب أن تكون بين “الدولة المستبدة” و”الدولة الناجحة العادلة”.

على الناس أن يستوعبوا أن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس فقط بغياب الفوضى، بل بوجود العدالة، وحرية الإنسان، واحترام القانون، وعدم تحويل الوطن إلى مزرعة خوف يديرها الجلادون.

وحين تفشل المجتمعات في بناء نموذج ناجح بعد سقوط الطغيان، فإنها تمنح الاستبداد فرصة ثانية للعودة، ليس بالضرورة عبر الدبابات، إنما حتى عبر الحنين الشعبي وإعادة تلميع الذاكرة.

__________________

مصفاة وميناء نفطيان وطريق تونس.. ماذا وراء اشتباكات “الزاوية” الليبية؟

أزمة مدينة الزاوية غربي ليبيا تمثل نموذجا واضحا لتداخل أمن الطاقة مع الاقتصاد غير المشروع والصراع على النفوذ داخل هذا البلد العربي الغني بالنفط. بحسب  معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي.

وذكر المعهد، في تقرير نشره حديثا إلى أن الاشتباكات المسلحة التي شهدتها المدينة في 8 مايو/أيار 2026 لا يمكن اختزالها في كونها مواجهة بين جماعات مسلحة.

بل تعكس تصادما يرتبط بالبنية التحتية الحيوية للطاقة، وعائدات الوقود المدعوم، ومسارات التهريب نحو الحدود التونسية، إلى جانب هشاشة سلطة الدولة.

ليبيا مصغرة

و”الزاوية” هي مدينة تقع غرب طرابلس على شريط ساحلي تتداخل فيه مدينة كثيفة السكان مع مصفاة نفط كبرى وميناء نفطي والطريق المؤدي إلى الحدود التونسية.

هذا التشابك، في ظل مؤسسات منقسمة ومليشيات شبه مستقلة، يجعل من البنية التحتية للطاقة أداة ذات أبعاد سياسية وجنائية في آن واحد، بحسب المعهد.

ونقلت وكالة رويترز أن أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا أُغلقت في 8 مايو/أيار 2026 عقب اشتباكات اندلعت قربها. ذلك أن شركة تكرير نفط الزاوية، المشغلة للمصفاة، أوقفت عملياتها بالكامل وأجلت السفن من الميناء بعد تعرض أجزاء من المجمع لقصف مدفعي.

بدورها، أفادت وكالة الأناضول بأن المؤسسة الوطنية للنفط تحدثت عن إغلاق احترازي وإجلاء للعاملين وسط قصف كثيف نال مناطق متفرقة من المنطقة النفطية.

ولفت المعهد إلى أن هذه التطورات تكشف، عند وضعها في سياقها الأوسع، حجم هشاشة البنية التحتية للطاقة في ظل تشتت سيطرة الدولة.

كما أشار التقرير إلى أن البعد التونسي في الأزمة ليس تفصيلا ثانويا؛ إذ تحولت الزاوية منذ سنوات إلى مركز رئيس لشبكات تهريب الوقود والبضائع نحو الحدود.

وأوضح أن الفارق الكبير بين أسعار الوقود المدعوم داخل ليبيا والأسعار في الخارج يخلق حافزا اقتصاديا ضخما للتهريب، في حين يوفر الساحل والحدود منافذ بديلة، ويُخفض ضعف مؤسسات الدولة من كلفة المخاطرة.

وأشار التقرير إلى أن الطاقة الإنتاجية لمصفاة الزاوية تبلغ نحو 120 ألف برميل يوميا، وهي مرتبطة بحقل الشرارة، أحد أبرز حقول النفط الليبية، الذي ينتج قرابة 300 ألف برميل يوميا.

وأوضح أن توقف منشأة بهذا الحجم لا يقتصر أثره على تعطيل الإنتاج التقني، بل يمتد إلى تهديد شبكة التوزيع المحلية، والميناء، والعمال، والشركات المرتبطة بالقطاع، فضلا عن المساس بمصداقية إدارة قطاع النفط في البلاد.

كذلك، رأى أن قرار إجلاء السفن والعاملين يعكس أن الخطر وصل إلى مستوى تهديد مباشر لسلامة المجمع النفطي نفسه.

واستنتج أن قطاع الطاقة الليبي لا يزال غير قادر على عزل منشآته الحيوية بصورة كاملة عن تداعيات النزاعات المسلحة داخل المدن.

خسائر التهريب

وقدّرت منظمة “ذا سنتري” أن توسع تهريب الوقود خلال الفترة بين 2022 و2024 تسبب في خسائر تُقدّر بنحو 20 مليار دولار للشعب الليبي.

وفي هذا السياق، أوضح المعهد الإيطالي أن هذا الرقم يوفّر خلفية مهمة لفهم طبيعة الاقتصاد المرتبط بالوقود في ليبيا؛ حيث يتحول الدعم الداخلي وغموض آليات التوزيع ووجود منافذ خارجية إلى مصادر ريع واسعة.

وأشار التقرير إلى أن أهمية الزاوية تكمن في كونها مساحة تتولد فيها القيمة أيضا من الفارق بين الأسعار المدعومة، وإمكانية الوصول إلى قنوات التوزيع، وقدرات التصدير غير الرسمية.

وأضاف أن قرب المدينة من الحدود التونسية يعزز هذه المعادلة؛ إذ تنتقل عوائد هذا النشاط عبر مسارات متعددة تشمل البر والبحر والتجارة وشبكات الوسطاء والحماية المسلحة.

ولفت المعهد إلى أن وصف المشهد في الزاوية بأنه صراع بين “عصابات متنافسة” يبقى تبسيطا غير كاف لفهم التعقيدات القائمة.

وبدلا من ذلك، طرح مفهوم “النظام البيئي الريعي”؛ حيث تتداخل أدوار الجماعات المسلحة والمسؤولين المحليين والوسطاء التجاريين وشبكات الحدود وبعض الجهات الرسمية، ضمن بيئة تصبح فيها السيطرة على مستودع أو طريق أو معبر حدودي أو حي سكني مصدرا للقيمة الاقتصادية والنفوذ السياسي.

وأوضح التقرير أن سلطات غرب ليبيا قدّمت العملية الأمنية في الزاوية بوصفها حملة تستهدف الملاذات الإجرامية والعناصر المطلوبة، وربطتها بجرائم القتل والخطف والابتزاز وتهريب المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.

ورأى المعهد أن هذا الخطاب يندرج ضمن محاولة لتحويل الأزمة المسلحة المحلية إلى معركة لاستعادة الشرعية.

غير أن التقرير حذّر من أن الفاصل بين فرض النظام العام وإعادة ترتيب موازين القوة في ليبيا غالبا ما يكون ضبابيا؛ إذ قد تؤدي أي عملية أمنية إلى جانب احتواء تهديد مباشر، إلى إعادة توزيع النفوذ بين الشبكات المسلحة والبلديات والأجهزة الأمنية ومراكز القرار السياسي.

واستنتج المعهد أن الأزمة تمثل أيضا فرصة لإعادة تشكيل موازين السيطرة؛ حيث إن الدولة قد تسعى إلى إضعاف شبكات بعينها، لكنها في المقابل قد تواجه ردود فعل إذا جرى النظر إلى العملية بصفتها انتقائية أو محاولة لنقل الريع من طرف إلى آخر.

وأفادت وكالتا “رويترز” و”أسوشيتد برس” في ديسمبر/كانون الأول 2024 باندلاع اشتباكات مسلحة في الزاوية تسببت في حرائق وأضرار داخل المصفاة.

ولذلك، لفت المعهد إلى أن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطا متواصلا؛ حيث يتحول الصراع، بمجرد امتداده إلى المجال الحضري والصناعي، إلى تهديد ذي أبعاد تقنية وبيئية وتجارية.

وأوضح التقرير أن المشهد المؤسسي لحوكمة الطاقة في ليبيا يكشف عن قطاع يحاول الاستمرار في التشغيل والتخطيط واستقطاب الكفاءات رغم البيئة الأمنية الهشة.

وأشار إلى أن المواد الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط بشأن الاجتماع الفني والمالي مع مصفاة الزاوية عام 2024 أظهرت الجوانب الإدارية والصناعية للمصفاة، من خطط الإنتاج والصيانة إلى الاستثمارات والتطوير.

اختبار لسلطة الدولة

لكن المعهد الإيطالي أوضح، في المقابل، أن المصفاة نفسها تبقى مكشوفة بشكل مباشر أمام تداعيات البيئة المسلحة المحيطة بها.

وأشار المعهد إلى أن التفسير الأكثر ترجيحا لأزمة الزاوية يتمثل في عدّها شكلا من أشكال التفاوض العنيف حول مصادر الريع المرتبطة بالوقود المدعوم، والسلع التجارية، والوصول إلى الميناء، والسيطرة على الأحياء، ومسارات العبور نحو تونس، والحماية غير الرسمية لسلاسل التوريد.

وأوضح أن تعطيل البنية التحتية النفطية ينعكس بصورة غير مباشرة على الوضع الحدودي مع تونس، كما يفرض على حكومة طرابلس إظهار قدرتها على فرض السيطرة، ويدفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى طمأنة المشغلين والعاملين.

وختم المعهد بأن أزمة الزاوية تكشف بصورة مكثفة صعوبة الفصل في ليبيا بين الطاقة والأمن والريع.

وأكد أن الحقيقة الثابتة تتمثل في أن الاشتباكات بلغت مستوى كافيا لإجبار المصفاة على الإغلاق وإخلاء الميناء. مشيرا إلى أن المدينة تُعد مركزا وطنيا للطاقة والخدمات اللوجستية، يرتبط بحدود حساسة واقتصادات غير رسمية راسخة.

وأوضح أنه على المدى القريب، يبقى الأمن المادي للمجمع العامل الحاسم، من حيث منع الهجمات الجديدة، وعودة العاملين، واحتواء الحرائق، واستعادة عمل الميناء.

أما على المدى المتوسط، فتكتسب استجابة الشبكات المحلية أهمية مركزية؛ إذ إن نجاحها في التكيف دون تصعيد قد يفتح مسار احتواء الأزمة، بينما قد يؤدي اللجوء إلى أساليب بديلة إلى إعادة توزيع المخاطر واتساع نطاقها.

______________________

المبادرة الأمريكية واضطرابات غرب ليبيا

 جمال طه 

الفوضى أسقطت مؤسسات الدولة الليبية، أنهكها ازدواج السلطة، وفرقها الانقسام الحكومي، وفشلت محاولات التوافق والوحدة، فمصالح الأجسام السياسية المؤقتة تجذّرت وكرّست التقسيم، أمريكا لم تهتم بها، بل اعتمدت على «إيطاليا وتركيا» كوكلاء، لكن تضارب مصالحهما ضيع فرص حل الأزمة، تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة عززت المخاوف من نقص الإمدادات، وأعادت الاهتمام الأمريكى بليبيا، كأحد البدائل التعويضية باحتياطاتها النفطية الضخمة.

موقع «ذا هيل» الأمريكي اعتبر ليبيا «فرصة نادرة للتوافق بين الفرص والجدوى، فهي ليست خصمًا كإيران، ولا رافضة للدور الأمريكي كنظام مادورو بفنزويلا، لكنها دولة مقسمة يجمع فصائلها المتنافسة حافز مشترك، وهو استعادة إنتاج النفط وعائداته»، وفوق هذا وذاك تتصدر الدول الأفريقية باحتياطات نفطية مؤكدة «٤٨.٣٦ مليار برميل»، ولا تزال تكشف عن أسرارها؛ شركات طاقة إيطالية وإسبانية وجزائرية أعلنت عن ثلاثة اكتشافات جديدة للنفط والغاز في أبريل.

أمريكا تحركت تجاه ليبيا على ثلاثة محاور:

الأول احتضان قادة المؤسستين العسكريتين في الشرق والغرب وتهيئة المناخ المناسب للتعايش فيما بينهم، ومحاولة ربطهم بالمصالح الأمريكية،

الثاني حث بعثة الأمم المتحدة على تبنى رؤى للحل تطيح بالقوى الفاعلة على الأرض وبأصحاب النفوذ والمصالح والجماعات المسلحة،

الثالث طرح مبادرات متدرجة لإنهاء الأزمة تلقى قبولًا واسعًا كبديل لإجراءات بعثة الأمم المتحدة الباترة.

خلال إحاطتها لمجلس الأمن فبراير ٢٠٢٦، أكدت «حنا تيتيه» رئيسة بعثة الأمم المتحدة أن مجلسي النواب والأعلى للدولة يعرقلان إنجاز المرحلة الأولى من الخريطة الأممية الخاصة بتعديل القوانين الانتخابية وإعادة هيكلة مفوضية الانتخابات، أمريكا والمجلس دعماها لإعادة ترتيب الأولويات قبل اختتام أعمالها في يونيو، ببلورة توصيات تمهد لإجراء الانتخابات.

«تيتيه» تجاهلت تفاهمات مجلسي النواب والأعلى للدولة حول إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، وشكلت [اللجنة الاستشارية للحوار المهيكل ٤+٤] بطريقة أحادية، بدعوى نقل الحوار من النخب إلى مشاركة أوسع، واختارت أعضاءها بمعايير غير شفافة، بل إنها ضمت أعضاء من الأجسام السياسية القائمة دون الرجوع لها، فحولت اللجنة لكيان موازٍ يفتقر للغطاء القانوني والشرعي، ويحمل شبهة السعي لتمرير صفقات سياسية مشبوهة..

اللجنة اجتمعت في روما ٢٩ أبريل لاختيار النظام الانتخابي الأنسب، وبحث شروط الترشح للمناصب، وضوابط مشاركة العسكريين وأصحاب الجنسية المزدوجة، وإعداد الأطر القانونية، واستكمال تشكيل مجلس المفوضية. المجلسان التشريعيان رفضا تشكيل اللجنة ومخرجاتها، و«مصراتة» عارضتها لخشيتها من فقدان خصوصية الثقل الذي فرضته بقوتها العسكرية منذ سقوط الدولة..

«محمد المنفى» رئيس المجلس الرئاسي استقبل «تيتيه» مؤكدًا تحفظه على اللجنة، وتمسكه بالمرجعيات الدستورية والسيادة الوطنية، رافضًا أي مسارات سياسية موازية أو تجاوز لاختصاصات المؤسسات الشرعية، وشدد على أن ما يتعلق بإعداد القوانين الانتخابية وهيكلة المفوضية، اختصاص حصري للمؤسسات التشريعية.. النفور العام من حلول البعثة الأممية تحقق بالفعل.

مبادرة «مسعد بولس» مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية، تضمنت إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي لليبيا الموحدة، بترؤس «صدام حفتر» نائب القائد العام للجيش الوطني لمجلس رئاسي جديد لشطري البلاد، وتشكيل «حكومة موحدة» جديدة برئاسة «عبد الحميد الدبيبة»، الذي وقع للتو اتفاقًا لتطوير قطاع النفط يغطى ٢٥ عامًا مع شركتي «كونوكو فيليبس» الأمريكية و«توتال إنرجيز» الفرنسية بعائدات ١٥ مليار دولار/عام، مما يفسر تمسك واشنطن باعتماده طرفًا أصيلًا ضمن أي تسوية، خاصة أن هذه الاتفاقيات تلقى معارضة داخلية..

بولس قدر تحفظات الرأي العام على الاتفاقيات، وعدم تفاؤله بصيغة تجمع صدام والدبيبة، لذلك جمع قادة حكومة طرابلس وقيادة الجيش ببنغازي في تركيا ثم فرنسا، للبدء بملفات توحيد المالية العامة وإدارة الموارد والعائدات النفطية والمؤسسة العسكرية.

بولس حقق التوافق بين ممثلي مجلسي النواب والأعلى للدولة على إطار مالي وسياسي شامل لتوحيد الميزانية العامة، بقيمة ٢٦ مليار دولار، تغطى «المرتبات، نفقات التسيير، الدعم، والتنمية»، ما أنهى انقسامًا ماليًّا استمر ١٣ عامًا، إنتاج النفط انتظم ووصل لأعلى معدلاته خلال عشر سنوات، وتم توزيع العائدات بانسيابية غير مسبوقة، ما فرض وضع آليات تنفيذ مستقرة وتعزيز سلطة البنك المركزي وأجهزة الرقابة المالية ضمانًا لنجاح الخطة.

القيادة الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» نظمت مناورات «فلينتلوك ٢٠٢٦» السنوية للعمليات الخاصة بمحيط «سرت» يوم ١٤ أبريل ولأسبوعين بمشاركة ٣٠ دولة، مستهدفة تعزيز القدرات في مجال مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، بعض المحللين اعتبروا أن مشاركة تشكيلات عسكرية من الشرق ومن الغرب خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية.

لكن الحقيقة أن كل تشكيل شارك مستقلًا عن الآخر، لا كتشكيل موحد، أما الحميمية التي لفتت الأنظار بين أعضاء التشكيلين فهي حنين طبيعي، لأنهما كانا ينتميان إلى مؤسسة دولة واحدة قبل التقسيم، وكلاهما يتوق لاستعادة وحدة الجيش، لكن المشكلة تكمن في الجماعات المسلحة النافذة في الغرب، التي تعرقل أي اتفاق عسكري أو سياسي يحرمها مما اكتسبته من نفوذ إبان غياب الدولة، ناهيك عن السياسيين فى الشرق والغرب الساعين للاستمرار في مناصبهم.

الخطة الأمريكية هددت أصحاب المناصب والمصالح المستقرة، لذلك تعددت جهات معارضتها خاصة من جانب الميليشيات المسلحة والقوى السياسية المتضررة «الجهاز الوطني للقوة المساندة فى طرابلس، «كتائب وسرايا ثوار الزاوية، المجلس العسكري بمرزق جنوب ليبيا..»، مما يفسر ما شهدته مدينة «الزاوية» غرب ليبيا من اشتباكات خلال مايو ٢٠٢٦، أشعلت النار في إحدى المصافي بالمجمع النفطي بالمدينة، فتم إخلاء الميناء من الناقلات وتعطيل المصفاة.. «الزاوية» نقطة محورية لتهريب الوقود والمهاجرين، والمصفاة هدف حيوي لسيطرة المجموعات المسلحة، ضمن صراعاتها على النفوذ والمال ومسارات التهريب.

________________

من طبرق إلى كريت.. رحلات هجرة لا تتوقف

مهاجر نيوز 

نفّذت السلطات اليونانية عدة عمليات إنقاذ جنوب جزيرتي كريت وغافدوس أسفرت عن إنقاذ والعثور على مئات المهاجرين خلال اليومين الماضيين. وأفاد معظمهم بأنهم انطلقوا من طبرق الليبية قبل أيام قليلة، فيما تشير تقديرات رسمية يونانية إلى وجود نحو 500 ألف مهاجر في ليبيا ينتظرون فرصة العبور إلى أوروبا.

تم رصد سلسلة من القوارب التي تقل مهاجرين جنوب جزيرتي كريت وغافدوس خلال اليومين الماضيين. وأكدت تقارير في الصحف اليونانية وبيان صحفي صادر عن خفر السواحل اليوناني وصول عدد من القوارب. وأنقذ زورق دورية تابع لوكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس” 56 مهاجرًا من قارب جنوب شرق منطقة “كالو ليمنس” وفي عملية منفصلة، انتشل زورق إنقاذ يوناني 44 شخصًا من قارب كان يقع على بعد نحو ثمانية أميال بحرية قبالة بساري فورادا، بحسب ما أفادت صحيفة “كاثيميريني” اليونانية.

وذكرت الصحيفة أن إجمالي 100 مهاجر وصلوا يوم الاثنين (11 مايو/أيار) إلا أن خفر السواحل اليوناني يبدو أنه أبلغ عن قوارب مشابهة من حيث العدد والمواقع وصلت يوم الأحد.

ولم تُحدَّث بعد بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الخاصة بأعداد الوافدين لهذا الأسبوع، لكن إضافة أعداد الوافدين المُبلّغ عنها خلال عطلة نهاية الأسبوع ترفع إجمالي عدد المهاجرين الذين وصلوا منذ يوم السبت إلى ما لا يقل عن 281 شخصًا.

عمليات إنقاذ متتالية قبالة سواحل كريت

في الساعات الأولى من صباح الأحد، أعلن خفر السواحل اليوناني في بيان رسمي العثور على 85 مهاجرًا (84 رجلًا وامرأة واحدة) على بُعد نحو 26 ميلًا بحريًا جنوب جزيرة غافدوس. وبحسب السلطات، كان القارب قد انطلق من مدينة طبرق في شرق ليبيا. وتم توقيف رجل يبلغ من العمر 27 عامًا من جنوب السودان للاشتباه بتورطه في تهريب المهاجرين.

وفي اليوم نفسه (10 مايو)، تم رصد مجموعة ثانية تضم 44 مهاجرًا (41 رجلًا وثلاثة قاصرين) على بُعد نحو ستة أميال بحرية قبالة منطقة “كالا ليميناس” جنوب جزيرة كريت. وأفادت السلطات بأن مهاجرين تعرفوا على شابين من جنوب السودان، يبلغان 20 عامًا، باعتبارهما المهربين الذين نقلوهما من طبرق مقابل المال، ليتم توقيفهما على الفور.

ووفق إفادات المجموعة، فقد انطلقت الرحلة مساء السبت 9 مايو، حيث دفع كل مهاجر ما بين 1747 و1881 يورو مقابل العبور.

كما عُثر على مجموعة ثالثة تضم 43 مهاجرًا (38 رجلًا وخمسة قاصرين) على بعد نحو 45 ميلًا بحريًا جنوب “كالا ليميناس”، وتم نقلهم بواسطة زورق دورية إلى أحد موانئ كريت. وأفاد المهاجرون أنهم غادروا طبرق أيضًا في 9 مايو، لكن في وقت مبكر من اليوم، وأنهم دفعوا مبالغ بعملات ليبية ومصرية، بتكاليف مشابهة للمجموعة السابقة.

وفي هذه الحالة، تم توقيف مهاجر سوداني يبلغ من العمر 19 عامًا بعد أن حدده أفراد المجموعة باعتباره مهربًا مشتبهًا به.

كما أكد خفر السواحل اليوناني أن سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس” أُرسلت ظهر الأحد لمساعدة قارب كان يواجه صعوبات على بُعد نحو 45 ميلًا بحريًا جنوب غافدوس، وعلى متنه 56 مهاجرًا جميعهم رجال. وتم نقلهم لاحقًا إلى ميناء أغيا غاليني في كريت، ثم إلى مركز إيواء في ريثيمنو.

وفي حادثة أخرى يوم 10 مايو، تم رصد قارب يقل 40 مهاجرًا جنوب غافدوس، حيث جرى توقيف رجل سوداني يبلغ من العمر 31 عامًا بعد أن اتهمه الركاب بقيادة عملية التهريب.

القبض على مشتبه به متورط بعمليات التهريب

أعلنت قوات خفر السواحل اليونانية، ظهر السبت 9 مايو/أيار ، أن زورق دورية رصد قاربًا سريعًا يحمل مهاجرين وكان متجهًا نحو جزيرة كوس. وبحسب السلطات، كان على متن القارب ثمانية أشخاص، بينهم رجلان وثلاث نساء وثلاثة قاصرين. وتم نقلهم إلى ميناء الجزيرة، فيما أكدت السلطات أن جميعهم كانوا “بصحة جيدة”.

كما أوقفت السلطات مواطنًا إيرانيًا يبلغ من العمر 37 عامًا، وهو أحد الرجلين على متن القارب، للاشتباه بتورطه في تسهيل “الدخول والخروج غير القانوني من البلاد”. وقالت السلطات إن بقية الركاب تعرفوا عليه باعتباره المهرب.

وفي اليوم نفسه، عثرت سلطات ميناء غافدوس على 40 مهاجرًا على أحد شواطئ منطقة “تريبيتيس”. وذكرت التقارير أن المجموعة ضمت 33 رجلًا وست نساء وقاصرًا واحدًا، وكانوا جميعًا “بصحة جيدة”. وتم نقلهم إلى الميناء تمهيدًا لتحويلهم إلى جزيرة كريت القريبة.

من جهة أخرى، أفادت صحيفة “كاثيميريني” اليونانية بأنه تم العثور على 13 مهاجرًا “محشورين داخل سيارات” قرب الحدود البرية بين اليونان وتركيا في منطقة إيفروس شمال شرقي البلاد.

وبحسب السلطات اليونانية، تم توقيف شخصين يُشتبه بانتمائهما إلى شبكات تهريب البشر. وقالت الشرطة إن عمليتي التوقيف جرتا بشكل منفصل يوم السبت 9 مايو/أيار. وذكرت التقارير أن إحدى السيارتين كانت تقل سبعة مهاجرين، فيما كانت السيارة الثانية تقل ستة أشخاص.

ليبيا\اليونان: طريق الهجرة الجديد نحو أوروبا يزداد نشاطًا

تُظهر بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي تم تحديثها في 3 مايو/أيار، أن أكثر من 1974 مهاجرًا دخلوا اليونان عبر الحدود البرية مع تركيا منذ بداية العام الجاري، بينما وصل أكثر من 5615 شخصًا عن طريق البحر. وتشير الأرقام إلى أن الغالبية، وعددهم 2916 شخصًا، وصلوا إلى جزيرة كريت وجزيرتها التابعة غافدوس.

وفي مقابلة مع التلفزيون اليوناني يوم الأحد، قال وزير الهجرة اليوناني ثانوس بليفريس إنه يعتقد أن أكثر من نصف مليون مهاجر ولاجئ ينتظرون حاليًا في ليبيا فرصة لعبور البحر نحو أوروبا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية.

وأضاف بليفريس أن تقديراته تشير إلى وجود نحو 550 ألف شخص، مؤكدًا أن السلطات اليونانية تنسق مع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية فرونتكس والسلطات الليبية لمحاولة استهداف شبكات تهريب البشر ومنع انطلاق القوارب من السواحل الليبية.

ويشهد المسار البحري بين ليبيا وجنوب اليونان نشاطًا متزايدًا خلال الفترة الأخيرة، بعد سلسلة اتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي والسلطات الليبية ساهمت في تراجع عمليات العبور الناجحة من غرب ليبيا باتجاه إيطاليا، ما دفع مزيدًا من المهاجرين إلى سلوك طرق بديلة نحو اليونان.

كيف يتحول طريق ليبيا إلى كابوس للمهاجرين؟

تشهد ليبيا حالة من الانقسام السياسي والأمني، في ظل وجود إدارتين متنافستين وانتشار جماعات مسلحة وشبكات تهريب تنشط في مناطق مختلفة من البلاد. وأصبح أحد مسارات الهجرة الرئيسية ينقل مهاجرين من دول بعيدة مثل بنغلادش، مرورًا بدول الخليج ومصر، وصولًا إلى شرق ليبيا. وتشير تقارير إلى أن كثيرًا من هؤلاء يحصلون على تأشيرات دخول من السلطات في شرق ليبيا الخاضعة لسيطرة حفتر.

ويعتقد بعض المهاجرين عند وصولهم أنهم قدموا للعمل داخل ليبيا، بينما يسعى آخرون إلى متابعة الرحلة نحو أوروبا. لكن بعد وصولهم إلى مدينة بن غازي، يروي كثيرون أنهم يُحتجزون داخل مراكز أو أماكن إيواء مختلفة، ويتم نقلهم بين مجموعات متعددة، حيث يتعرضون للاعتقال والابتزاز وسوء المعاملة، قبل السماح لهم في نهاية المطاف بالصعود إلى قوارب تتجه نحو أوروبا، سواء من شرق ليبيا أو غربها.

وتكون معظم القوارب التي يستخدمها المهربون مكتظة بالمهاجرين، فيما يفتقر كثير منها إلى شروط السلامة الأساسية أو حتى إلى كمية وقود كافية للوصول إلى وجهتها. وتشير تقديرات إلى أن آلاف الأشخاص فقدوا حياتهم هذا العام على طرق الهجرة البحرية نحو أوروبا، رغم صعوبة تحديد الأرقام بدقة بسبب اعتماد المعلومات غالبًا على شهادات الناجين أو العثور على جثث على السواحل.

وغالبًا ما تنطلق هذه القوارب ليلًا أو في ساعات الفجر الأولى، وقد تمر أسابيع أو حتى أشهر قبل اكتشاف اختفائها، إما بعد لفظ الجثث إلى الشواطئ أو عندما تبلغ العائلات عن فقدان الاتصال بأقاربها.

__________________

الزحف جنوبًا: تمرّد الساحل يصل إلى غرب إفريقيا الساحلي

سالم أ. سالم

تتوسع الجماعات المتمردة في منطقة الساحل نحو غرب إفريقيا الساحلي، كاشفةً فجوات الحوكمة ومفاقمة المخاطر على الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي.

ما كان يُعتبر يومًا أزمة محصورة في منطقة الساحل، بات يتقدم تدريجيًا نحو خليج غينيا. فالجماعات المتطرفة لم تعد تكتفي بشن هجمات عابرة للحدود، بل أصبحت تتغلغل داخل المجتمعات المحلية، وتبني شبكات إمداد، وتستغل الإخفاقات المزمنة في الحوكمة. وأصبحت دول ساحلية مثل بنين وتوغو وغانا أكثر عرضة للخطر، إذ تواجه الهشاشة البنيوية نفسها التي غذّت الصراع في الشمال. وتتزايد المخاطر: فمن دون تحرك مبكر ومنسق، قد تواجه المنطقة تمردًا أعمق وأكثر تعقيدًا. ومنع هذا السيناريو لن يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على معالجة أوجه القصور في الحوكمة التي تسمح لهذه الجماعات بالترسخ.

في لقاءات مع الحكومة البنينية خلال يوم رطب وغائم من يوليو 2023، بدا المسؤولون مطمئنين بشكل لافت حيال الخطر الكامن خلف حدودهم. لكن مؤشرات الإنذار المبكر كانت تتزايد يومًا بعد يوم، دالةً على أن العنف المتطرف القادم من الساحل بدأ يمتد إلى أراضيهم.

في ذلك الوقت، كانت الحوادث العنيفة في شمال بنين وتوغو نادرة نسبيًا. أما اليوم، فيصف السكان المحليون نمطًا أصبح مألوفًا في أنحاء الساحل: غارات ليلية، رجال مسلحون يظهرون على الطرقات الحرجية، وقوات أمن تكافح لحماية المجتمعات النائية قرب الحدود مع بوركينا فاسو. وقد كشفت وتيرة تلك الحوادث وحجمها أن التمرد المتطرف المستشري في الساحل يتحرك جنوبًا نحو خليج غينيا.

على مدى أكثر من عقد، كانت منطقة الساحل بؤرة العنف الإرهابي عالميًا. فما بدأ عام 2012 كتمرد في شمال مالي، تطور إلى صراع إقليمي معقد يضم متطرفين إسلاميين وميليشيات محلية وشبكات إجرامية تمتد عبر مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد وشمال نيجيريا. واليوم، تمثل المنطقة أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالميًا، في زيادة هائلة منذ عام 2019.

لم يعد السؤال ما إذا كان الصراع سينتشر خارج الساحل، لأنه انتشر بالفعل. السؤال الحقيقي هو: هل ستعالج دول غرب إفريقيا الساحلية فجوات الحوكمة التي سمحت بتفاقم أزمة الساحل، أم ستكرر الأخطاء نفسها؟

توسع أزمة الساحل

لسنوات، كان يُنظر إلى دول غرب إفريقيا الساحلية باعتبارها محصنة نسبيًا من اضطرابات الساحل. لكن هذا الافتراض بات يصعب الدفاع عنه. فقد وسّعت الجماعات المسلحة المرتبطة بـ«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل عملياتها تدريجيًا نحو خليج غينيا. وبحلول عام 2021، كان مقاتلو «نصرة الإسلام والمسلمين» يشنون هجمات انطلاقًا من شرق بوركينا فاسو وجنوب غرب النيجر باتجاه شمال بنين. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت الهجمات في المناطق الحدودية لكل من بنين وتوغو بشكل حاد.

وعبر غرب إفريقيا الساحلي، ارتفعت الحوادث الإرهابية بصورة كبيرة بين عامي 2022 و2024، خصوصًا في المناطق الحدودية الشمالية حيث يظل حضور الدولة محدودًا. وكانت بنين من أكثر الدول الساحلية تضررًا، إذ ارتفعت أعداد القتلى بشكل ملحوظ في عام 2025، حتى وإن بقيت الأرقام أقل بكثير من مثيلاتها في بوركينا فاسو أو مالي.

وشهدت توغو مسارًا مشابهًا. فقد أعلنت «نصرة الإسلام والمسلمين» مسؤوليتها عن أول هجوم لها هناك عام 2022، واستمرت الهجمات منذ ذلك الحين في منطقة سافان، مستهدفة المدنيين والمواقع العسكرية على حد سواء.

ولا تمثل هذه الحوادث مجرد غارات حدودية معزولة. فكما تشير تحليلات وتقارير حديثة، تعمل «نصرة الإسلام والمسلمين» وغيرها من التنظيمات المسلحة عمدًا على اختبار الأطراف الشمالية للدول الساحلية. وتعتمد استراتيجيتها على التغلغل التدريجي بدلًا من السيطرة السريعة على الأراضي: الاندماج داخل المجتمعات، وإنشاء طرق إمداد، واستغلال ثغرات الحوكمة.

نظام إقليمي للصراع

لفهم هذا التوسع، من المفيد النظر إلى صراع الساحل ليس كسلسلة من التمردات المنفصلة، بل كنظام صراع إقليمي متطور.

فعلى مدى العقد الماضي، تحولت جماعات مثل «نصرة الإسلام والمسلمين» من تكتيكات الإرهاب التقليدية إلى نمط تمرد هجين؛ إذ باتت تسعى بصورة متزايدة إلى السيطرة على الأراضي، وتنظيم الاقتصادات المحلية، وإنشاء هياكل حكم موازية بدلًا من الاكتفاء بالهجمات السرية. ففي أجزاء من مالي وبوركينا فاسو، قامت الجماعات المسلحة بجمع الضرائب، وتسوية النزاعات، وفرض أنظمة العدالة الخاصة بها.

وقد أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها في المناطق التي تكون فيها مؤسسات الدولة ضعيفة أو غائبة. فبالنسبة لمجتمعات طالما أهملتها الحكومات المركزية، قد يبدو حكم الجماعات المسلحة — رغم طابعه القسري — أكثر قابلية للتنبؤ من حكم الدولة.

وفي الوقت نفسه، ترتبط الشبكات المسلحة بعمق بالجريمة المنظمة. إذ توفر طرق التهريب التي تربط غرب إفريقيا بشمال إفريقيا والبحر المتوسط عبر الساحل مصادر تمويل وبنية لوجستية للجماعات المسلحة. وتشمل هذه الأنشطة تهريب الماشية والوقود والتعدين غير القانوني، وغيرها من عناصر اقتصاد الصراع.

كما يتطور التمرد تقنيًا. فالجماعات المسلحة التي اعتمدت سابقًا بشكل أساسي على الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة، بدأت بشكل متزايد في استخدام الطائرات المسيّرة، ووسائل الاتصال المشفرة، والأدوات المالية الرقمية.

نيجيريا: منطقة التقاء

توضح التطورات الأخيرة في شمال نيجيريا كيف تتقاطع هذه الديناميات عبر الحدود. فبحسب تحليلات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، تصاعد العنف في المثلث الحدودي بين بنين والنيجر ونيجيريا. وتستغل الجماعات المسلحة الطرق الحرجية والمناطق المحمية التي تربط بوركينا فاسو والنيجر وبنين ونيجيريا لنقل المقاتلين والإمدادات. ويبدو أن هدفها طويل المدى يتمثل في إنشاء ممرات تربط عمق المنطقة بالساحل الأطلسي.

وقد أصبحت هذه المنطقة نقطة التقاء تتداخل فيها شبكات التطرف القادمة من الساحل مع الجماعات المسلحة النيجيرية وشبكات اللصوصية الإجرامية.

وأصبحت تداعيات ذلك أوضح في أكتوبر 2025 عندما أعلنت «نصرة الإسلام والمسلمين» مسؤوليتها عن أول هجوم لها داخل الأراضي النيجيرية قرب حدود بنين. ورغم صغر حجم الهجوم، فإنه كان ذا دلالة رمزية مهمة: فقد أشار إلى طموح الجماعة للتوسع داخل أكبر دول غرب إفريقيا.

وتواجه نيجيريا بالفعل أزمات أمنية متعددة، من التمردات المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في حوض بحيرة تشاد إلى شبكات اللصوصية المسلحة في الشمال الغربي. ويثير التداخل المتزايد بين اللصوصية والجريمة المنظمة والتطرف الإسلامي احتمال أن تصبح نيجيريا أكثر شبهًا بحركات التمرد الهجينة التي تزعزع استقرار أجزاء من الساحل.

الساحل المعرّض للخطر

تمثل غانا مثالًا على قدرة بعض الدول الساحلية على الصمود، وفي الوقت نفسه على الطموحات الاستراتيجية للجماعات المسلحة القادمة من الساحل. فعلى الرغم من عدم تعرضها لهجمات إرهابية واسعة النطاق، استُخدم شمال غانا بشكل متزايد كمنطقة لوجستية واستشفائية للمقاتلين العاملين عبر الحدود في بوركينا فاسو.

وبحسب تقارير، يعبر المقاتلون إلى الأراضي الغانية للحصول على الإمدادات، ونقل المعدات، وتلقي العلاج الطبي قبل العودة شمالًا إلى ساحات القتال. ويعكس هذا النمط استراتيجية متعمدة: فبدلًا من شن الهجمات فورًا، تعمل جماعات مثل «نصرة الإسلام والمسلمين» على بناء شبكات وسلاسل إمداد يمكن أن تدعم لاحقًا توسعًا أعمق نحو خليج غينيا.

ويرى محللون أن الاستقرار النسبي في غانا — بفضل مؤسساتها الأقوى، وأجهزتها الأمنية الفاعلة، وتراجع حدة المظالم المحلية — حدّ حتى الآن من تغلغل الجماعات المسلحة. لكن دور البلاد كقاعدة خلفية لوجستية يؤكد الطبيعة الإقليمية للصراع.

ومع انتشار هذه الشبكات عبر الدول الساحلية، يزداد قلق صناع القرار الغربيين من أن يتمكن تمرد الساحل في نهاية المطاف من تهديد طرق التجارة الرئيسية والموانئ والبنية التحتية للطاقة على الساحل الأطلسي. وتعكس هذه المخاوف إدراكًا متزايدًا بأن دوافع التطرف في غرب إفريقيا الساحلي تشبه إلى حد كبير الديناميات البنيوية التي غذّت الصراع في الساحل.

في العديد من الدول، تظل الفرص الاقتصادية والنفوذ السياسي متركزة في المراكز الحضرية الجنوبية، بينما تعاني المناطق الحدودية الشمالية من تهميش مزمن وضعف حضور الدولة. وتوفر هذه الفجوات بيئة خصبة للتجنيد.

كما تصاعدت التوترات بين المزارعين والرعاة، خصوصًا بين جماعات الفولاني الرعوية، خلال السنوات الأخيرة. وأدت القيود المفروضة على الهجرة الموسمية والمواجهات مع قوات الأمن إلى تعميق المظالم في بعض المناطق.

وتبرز أبحاث مجموعة الأزمات الدولية كيف تستغل جماعات مثل «نصرة الإسلام والمسلمين» هذه التوترات المحلية عمدًا، عبر تقديم نفسها كحامية للمجتمعات المهمشة، مع تقويض سلطة الدولة في الوقت نفسه.

وفي بعض المناطق، أدت الاستجابات الأمنية إلى تفاقم هذه الديناميات. فقد وُجهت اتهامات لميليشيات محلية جرى حشدها لمحاربة المتطرفين باستهداف مدنيين من الفولاني، مما عزز دوائر الانتقام والمظلومية.

وقف المرحلة التالية

تُظهر تجربة الساحل أن الإرهاب يزدهر حيث تفشل الحوكمة. فالقوة العسكرية ضرورية لاحتواء الجماعات العنيفة، لكنها لا تستطيع معالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار. وعندما تُنفذ العمليات الأمنية دون مساءلة، فإنها قد تعمق المظالم ذاتها التي تستغلها الجماعات المسلحة.

ولهذا، يظل تعزيز سيادة القانون، والمساءلة القضائية، والرقابة المدنية على الأجهزة الأمنية عنصرًا محوريًا لتحقيق الاستقرار طويل الأمد. فالمجتمعات تكون أكثر استعدادًا للتعاون مع السلطات عندما تثق بأن الانتهاكات سيتم التحقيق فيها وتحقيق العدالة بشأنها.

إن انتشار العنف الإرهابي نحو خليج غينيا ليس أمرًا حتميًا. لكن منع اندلاع أزمة إقليمية أوسع يتطلب التحرك قبل أن تترسخ شبكات التمرد. وستحتاج الحكومات الساحلية إلى الاستثمار بشكل أكبر بكثير في المناطق الحدودية الشمالية، ليس فقط في القوات الأمنية، بل أيضًا في الحوكمة، وأنظمة العدالة، والفرص الاقتصادية.

وسيكون التعاون الإقليمي ضروريًا كذلك. فالشبكات المسلحة تعمل عبر الحدود، وبالتالي يجب أن تكون الاستجابات الفعالة عابرة للحدود أيضًا، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدوريات المشتركة، والتنسيق في إنفاذ القانون. كما ينبغي للشركاء الدوليين، بما في ذلك الأمم المتحدة، إعطاء الأولوية لتعزيز المؤسسات بدلًا من الاكتفاء بتوسيع المساعدات العسكرية. فالاستثمار في القدرات القضائية، ومكافحة الفساد، وإصلاح القطاع الأمني بشكل خاضع للمساءلة، قد يحقق أثرًا طويل الأمد أكبر بكثير.

تقف بنين وتوغو اليوم على خط المواجهة في صراع بدأ بعيدًا في الشمال. وما إذا كانتا ستصبحان المسرح التالي لتمرد متسع، أو المكان الذي تبدأ فيه المنطقة بعكس مسار الأزمة، فسيتوقف بدرجة أقل على الانتصارات العسكرية، وبدرجة أكبر على ما إذا كانت الحكومات ستعالج فجوات الحوكمة والأسباب الجذرية التي سمحت لأزمة الساحل بالنمو منذ البداية.

سالم أ. سالم (المعروف أيضًا باسم سالم الحاسي) محلل سياسي واستراتيجي وناشط حقوقي يمتلك أربعة عقود من الخبرة في شؤون الأمن والاستخبارات والجغرافيا السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. شغل مناصب قيادية في حركات المعارضة الليبية، ومؤسسات الدولة، والمنظمات الحقوقية الدولية، والأوساط الأكاديمية. ويُعرف بتحليلاته الدقيقة ذات الصلة بصنع السياسات حول الديناميات الإقليمية، وتسوية النزاعات، والتحديات الأمنية.

_________________

الدبيبة وإخوان ليبيا… ما وراء السخرية من حلفاء الأمس

زايد هدية

هجوم الدبيبة اللاذع على الجماعة يكشف عن حجم التوتر داخل معسكر الغرب مع تصاعد الحديث عن صفقة أميركية لإعادة ترتيب السلطة.

هل بدأ الدبيبة يشعر بأن ترتيبات دولية تطبخ لإبعاده من المشهد؟

وهل هي رسالة استباقية في معركة معركة مقبلة للبقاء داخل السلطة؟

شن رئيس حكومة “الوحدة الوطنية” الليبية في طرابلس عبدالحميد الدبيبة هجوماً حاداً على جماعة “الإخوان المسلمين”، مثيراً مخاوف من صدام مقبل قد يخلط أوراق المشهد السياسي في غرب ليبيا، فالرجل الذي استفاد خلال السنوات الماضية من شبكة تحالفات مرنة داخل العاصمة، بينها أطراف ذات صلة بالتيار الإسلامي، خرج بخطاب غير مسبوق يتهم فيه شخصيات إخوانية بمحاولة استغلال وعكته الصحية الأخيرة للتواصل مع أطراف خارجية، والبحث عن بديل له في رئاسة الحكومة.

هذا التصعيد لا يمكن قراءته كخلاف عابر، بل يأتي في لحظة حساسة تتزامن مع حديث متزايد عن مقترح أميركي يقوده مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، ليس قيد البحث والتشاور بل قيد التنفيذ، ويهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية، وربما تغيير مواقع أساسية بينها رئاسة الحكومة، ودمج الحكومتين المتنافستين أو إنتاج صيغة تقاسم سلطة جديدة، وبعضها هذه المقترحات رفض من المجلس الأعلى للدولة والرئاسي باعتباره تسوية خارج الأطر الرسمية.

هجوم لاذع

بدأ التصعيد من تصريحات للدبيبة في منطقة “قصر الخيار” شرق طرابلس، إذ هاجم جماعة “الإخوان” بلهجة ساخرة وحادة، وقال إنهم “لم يعد لهم وجود في ليبيا”، ولن تكون لهم فرصة للعودة للمشهد السياسي. وكذا اتهم شخصية إخوانية معروفة بأنها “سارعت خلال وعكته الصحية إلى التواصل مع جهات خارجية والقول إن الدبيبة لم يعد قادراً على الاستمرار، في محاولة لترتيب خلافته”.

الصحافي الليبي سراج الفيتوري يرى أن “خطورة التصريح لا تكمن في الهجوم اللفظي فقط، بل في أنه ينقل العلاقة من مستوى الخلافات المكتومة إلى مستوى الاتهام السياسي المباشر، باستغلال المرض، والتواصل مع الخارج، وترتيب بديل للحكومة، وهذه مفردات في البيئة الليبية تعني الاتهام بمحاولة انقلاب سياسي ناعم، لا مجرد منافسة داخلية”.

وأضاف “التوقيت هو مفتاح الفهم، فالدبيبة يهاجم الإخوان في ظل ثلاثة معطيات متزامنة: الأول عودته من وعكة صحية أثارت إشاعات حول قدرته على الاستمرار، قبل أن ينفي بنفسه تدهور حاله الصحية ويقول إن الفحوص والعلاجات كانت ناجحة، والثاني تحرك أميركي متزايد عبر مسعد بولس في الملف الليبي بدأ علناً من بوابة توحيد الموازنة والمؤسسات المالية والعسكرية”.

أما المعطى الثالث، وفق الفيتوري، فهو الحديث عن صفقة سياسية أكبر تتجاوز الموازنة إلى إعادة تشكيل السلطة، فقد كشفت تقارير عن مقترح منسوب لبولس لدمج الحكومتين، بينما تحدثت مصادر إعلامية عن صيغ تشمل إعادة توزيع مناصب في المجلس الرئاسي والحكومة، وربما إزاحة الدبيبة أو استبداله بشخصية من داخل العائلة السياسية نفسها.

علاقة مصلحة

والخلاف الحالي بين رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة و”الإخوان” ليس مفاجئاً، بل هو نهاية طبيعية لعلاقة لم تشكل يوماً حال اندماج أيديولوجي، بل تحالف مصلحة هش، في قراءة للباحث الأكاديمي محمد العنيزي لهجوم الدبيبة على التنظيم.

يقول العنيزي إن “الدبيبة احتاج إلى مظلات سياسية داخل غرب ليبيا، والإخوان احتاجوا إلى سلطة تنفيذية قادرة على حمايتهم من التراجع الشعبي والسياسي الذي أصابهم بعد سنوات من الاستقطاب، لكن هذا التحالف كان هشاً منذ البداية، الدبيبة رجل سلطة ومصالح وشبكات مالية وأمنية، لا رجل مشروع حزبي، أما الإخوان فتعاملوا معه باعتباره مرحلة يمكن استخدامها أو تجاوزها عند تبدل الظروف”.

ويتابع “خلاصة ما سبق أنه عندما ظهرت مؤشرات على مبادرة أميركية قد تعيد ترتيب السلطة تحركت أطراف عديدة لحجز مقاعدها في المرحلة المقبلة، وهنا شعر الدبيبة أن بعض حلفائه السابقين بدأوا التفكير في من يخلفه”.

أما عن ارتباط تصريحات الدبيبة التي هاجم فيها جماعة “الإخوان المسلمين” بالمقترح الأميركي الذي يشغل الساحة السياسية الليبية في الفترة الحالية، الذي يقوم على فكرة إنهاء الانقسام عبر صيغة تقاسم سلطة بين معسكري الشرق والغرب، مع توحيد المؤسسات المالية والعسكرية والتنفيذية، فيشير العنيزي إلى أن “اتفاق الموازنة الموحدة كان أول اختبار عملي لهذه الصفقة، إذ وافقت أطراف سياسية من الشرق والغرب على موازنة موحدة للمرة الأولى منذ عام 2013، واعتبرها المصرف المركزي خطوة نحو الاستقرار المالي، لكن المشكلة أن ما يبدو اقتصادياً في الظاهر يحمل أبعاداً سياسية عميقة”.

وأوضح أن “توحيد الإنفاق يعني تحديد من يقرر، ومن يمول، ومن يدير مشاريع التنمية، ومن يملك شرعية التوقيع باسم الدولة، لذلك قوبل مسار بولس بالرفض من أطراف سياسية في طرابلس، خصوصاً المجلس الأعلى للدولة والرئاسي، بسبب الخشية من تمرير تسوية خارج المسار الأممي والاتفاق السياسي”.

مناورة أم قطيعة؟

والسؤال الأكبر الذي يدور حوله النقاش في ليبيا حالياً بخصوص هجوم عبدالحميد الدبيبة على “الإخوان المسلمين”: هل يصنف كمناورة وورقة ضغط، أم بداية لقطيعة تامة بين الطرفين؟

الإعلامية والناشطة السياسية الليبية إهداء مكراز، ترجح أنه مزيج من الاثنين، “فمن جهة يوجه الدبيبة رسالة للإخوان مفادها: لن أسمح لكم بالبحث عن بديل من وراء ظهري، ومن جهة ثانية يوجه رسالة للولايات المتحدة والأطراف الدولية بأنه ما زال الرقم الأقوى في طرابلس، وأي ترتيب يتجاوزه سيصطدم بتوازنات الغرب الليبي”.

وتنوه إلى أن خطاب رئيس حكومة الوحدة ضد “الإخوان” يمنحه فرصة لإعادة التموضع أمام قوى داخلية وخارجية تتحفظ على الجماعة، فهو يحاول أن يقول إنه ليس أسيراً للتيار الإسلامي، وإن بقاءه قد يكون أقل كلفة من بدائل قد تفتح صراعاً جديداً داخل طرابلس.

وتخلص إلى أن “هذا لا يعني أن القطيعة باتت كاملة بين الجانبين، فالدبيبة يعرف أن الإخوان، على رغم تراجع حضورهم الشعبي، ما زالوا يملكون امتدادات سياسية وإعلامية وعلاقات داخل مؤسسات وشخصيات مؤثرة، لذلك قد يرفع السقف علناً، ثم يترك باب التسوية مفتوحاً خلف الكواليس”.

انزعاج إخواني

في المقابل، عكست ردود الفعل من البيئة القريبة من التيار الإسلامي انزعاجاً واضحاً من تصريحات عبدالحميد الدبيبة، فقد انتقد المفتي العام للجماعات الإسلامية في طرابلس الصادق الغرياني تعميم الدبيبة الذي أطلقه على جماعة “الإخوان”، ورأى أن الهجوم عليهم بهذه الطريقة خطأ سياسي، محذراً “من التعامل معهم كمرادف للإرهاب”.

محللون اعتبروا أن هذا الرد مهم لأنه يكشف عن أن المواجهة المحتملة لن تكون فقط بين الدبيبة وتنظيم سياسي أو جماعة بعينها، بل بين الدبيبة وشبكة أوسع داخل غرب ليبيا تضم شخصيات دينية وسياسية وإعلامية وكتائب مسلحة توالي كل هؤلاء.

وبصورة عامة يمكن تلخيص آراء المراقبين للمشهد السياسي التي علقت وحللت تصريحات عبدالحميد الدبيبة تجاه “الإخوان” وتداعياتها في سيناريوهين محتملين: الأول يرجح أن يلجأ الدبيبة إلى إبعاد شخصيات محسوبة على التيار الإخواني أو تقليص نفوذها في الإعلام والهيئات والملفات المالية، وإذا شعر “الإخوان” أن الدبيبة قرر التخلص منهم، فقد يدعمون مساراً بديلاً داخل المجلس الأعلى للدولة، أو عبر دعم شخصيات في الغرب لخلافته، وربما يتقاطعون تكتيكياً مع معارضي الدبيبة داخل طرابلس، وفي كلتا الحالتين يبدو أن الساحة السياسية وحتى الأمنية في العاصمة ستتأثر بلا شك بمستجدات هذا الخلاف الخطر بين أقوى طرفين وأكثرهما تأثيراً فيها.

___________________

بغطاء أميركي .. هذه هي أدوات حفتر لحكم ليبيا على غرار القذافي

أطلقت الولايات المتحدة مناوراتها العسكرية السنوية “فلينتلوك” في ليبيا للمرة الأولى؛ حيث تمثل هذه المناورات متعددة الجنسيات بالنسبة لواشنطن، فرصة للحد من النفوذ الصيني والروسي في البلد العربي.

كما تعدها خطوة هامة نحو التكامل العسكري في ليبيا التي انقسمت إلى حكومتين متناحرتين في الشرق والغرب على مدى العقد الماضي.

ويأمل الانقلابي خليفة حفتر الرجل المسيطر في شرق ليبيا وعميل وكالة المخابرات المركزية الأميركية السابق، في استغلال هذه اللحظة لترسيخ قبضته على السلطة.

وفي مقال نشرته مجلة “ريسبونسبل ستيتكرافت” الأميركية، قال الصحفي المصري، خالد محمود رمضان: إن “أمير الحرب الليبي يُحكم قبضته على السلطة، بموافقة أميركية”.

وأضاف: “مع بلوغه الـ82 من عمره، يقتصر دور حفتر على صناعة القرار من وراء الكواليس؛ حيث يُهيئ أبناءه لمواصلة إرثه وتوطيد سيطرة العائلة على ليبيا. وإذا نجح، فقد يُكرر تجربة سلفه ومنافسه، العقيد الراحل معمر القذافي الذي قاد البلاد لأكثر من 40 عاما قبل الإطاحة به وقتله عام 2011”.

مناورات فلينتلوك

وفي أبريل/نيسان 2026، نجح كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب لشؤون العرب والشرق الأوسط، مسعد بولس، في إقناع الليبيين بالتوصل إلى إنهاء مؤقت للتنافس بين شرق ليبيا وغربها.

وجاء ذلك من خلال اتفاق على توحيد الإنفاق بين الحكومتين المتنافستين، حكومة الوحدة الوطنية في العاصمة طرابلس برئاسة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وحكومة الاستقرار الموازية برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من حفتر.

ولأول مرة، جمعت مناورات “فلينتلوك 2026″، التي ترعاها القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) وتضم نحو 1500 جندي من 30 دولة، قوات من شرق ليبيا وغربها.

وقد وضع بولس هذه المناورات (التي أجريت خلال الفترة ما بين 13 و30 أبريل 2026) في صميم العملية السياسية، واصفا إياها بأنها فرصة “لرفع مستوى كفاءة الضباط الليبيين”.

وعمليا، يمثل هذا دعما أميركيا لترسيخ دور حفتر المهيمن في السياسة الليبية، ورفع مستوى عائلته من أمراء حرب إلى شركاء أمنيين دوليين، وفق رمضان. فقد كان صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائبه، جالسا بجوار نائب قائد “أفريكوم”، الفريق جون برينان، خلال المناورات.

وشكك العديد من الليبيين في جدوى هذه المبادرات؛ إذ يرونها مجرد مسكن مؤقت، ودليلا على أن الجهود الأميركية ليست حلا للأزمة، بل مجرد وسيلة لإدارتها، ورغم أن جهود توحيد ميزانية الدولة وفرت هدنة مؤقتة، إلا أنها لم تعالج الأسباب الجذرية للصراع على السلطة.

وتابع المقال: “يبدو أن إرث التاريخ لا يزال يُهيمن على نظرة واشنطن إلى ليبيا. فبعد عبارة (إلى شواطئ طرابلس) التي تتردد في نشيد مشاة البحرية الأميركية، عادت القوات الأميركية مجددا إلى خليج سرت”.

وقال رمضان: “سرت التي قصفتها إدارة ريغان عام 1986 بذريعة إسقاط نظام القذافي، تستقبل ضباطا من أفريكوم لتدشين سلالة عسكرية جديدة بقيادة أبناء حفتر”.

ولأول مرة، تظهر ليبيا بصفتها الدولة المضيفة الرسمية لهذه العمليات المشتركة، وقد وصف برينان هذه الخطوة بأنها تجسد “رؤية قادة الجانبين”.

إلا أن المفارقة، بحسب المقال، تكمن في تحويل سرت من “خط موت” جيوسياسي للنظام الليبي السابق إلى محاولة لإعادة إنتاج نموذج “الرجل القوي” الذي لطالما زعمت واشنطن أنها تسعى لتفكيكه.

عودة من المنفى

ويرى وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، أن المشهد يحمل في طياته تناقضات كثيرة. وفي مقابلة صحفية، قال: “رغم أننا نشعر بالسرور لرؤية الضباط الليبيين يجتمعون، إلا أننا نتألم بشدة لأن هذه الدعوة تُقام على أرضهم وتحت إدارة جهة خارجية، بذريعة توحيد المؤسسة العسكرية”.

وفي السياق نفسه، شكك البرغثي في ​​مصداقية واشنطن، مستذكرا وعودا سابقة من وزراء الدفاع الأميركيين بتركيب أنظمة مراقبة إلكترونية على الحدود الجنوبية، وتسليم أربع طائرات ليبية محتجزة لدى الولايات المتحدة منذ انقلاب عام 1969 الذي أوصل القذافي إلى السلطة.

وأضاف بمرارة: “لقد أصبحت تلك الطائرات اليوم خردة عسكرية بعد عقود من انتهاء عمرها التشغيلي، ولم تتجاوز الوعود الأميركية مجرد كلمات لم تُنفذ على أرض الواقع”.

وبرز حفتر كواحد من أهم الفاعلين السياسيين في ليبيا منذ أن أطلق “عملية الكرامة” عام 2014؛ حيث شن هجوما عسكريا أطاح بحكومة في بنغازي، أكبر مدينة شرق ليبيا.

وبحسب المقال، تحالف حفتر مع مجلس نواب طبرق، لكن الآن، وبعد مرور 12 عاما على صعوده، وست سنوات على فشله في السيطرة على العاصمة طرابلس، امتزجت طموحات حفتر وعائلته في السلطة والثروة من خلال نموذج السيطرة غير المباشرة، وفق المقال.

ولا يقتصر نفوذ حفتر على الشؤون العسكرية فحسب، بل يعتمد أيضا على شبكة اقتصادية مرتبطة بالجيش والعائلة، مصممة لتعزيز نفوذه السياسي والعسكري. وفق المقال.

كما يستفيد من الصادرات غير الرسمية عبر شركات مرتبطة بابنه صدام، والتي صدّرت نحو 7.6 ملايين برميل من النفط، بقيمة 600 مليون دولار، خارج القنوات الرسمية بين مايو/أيار وديسمبر/كانون الأول 2024.

وفي عام 2025، بلغ متوسط ​​الإنتاج 1.37-1.375 مليون برميل يوميا، وهو أعلى مستوى له منذ 12 عاما، مع عائدات نفطية بلغت نحو 22 مليار دولار، بزيادة قدرها 15 بالمئة عن العام السابق.

ويستخدم حفتر سيطرته للتهديد بإغلاق حقول النفط للحصول على حصة أكبر من العائدات أو تنازلات سياسية؛ إذ تعتمد قوته الاقتصادية بشكل كبير على سيطرته على حوض سرت.

طموحات عائلية

وأشارت الدراسات إلى أن قوات حفتر تُشكّل تحالفا واسعا من الجماعات المسلحة المرتبطة أيضا بمصالح اقتصادية في شرق ليبيا.

وأصبح صدام نائبا لوالده بعد أن قاد وحدات عسكرية تلعب دورا محوريا في بنية السلطة وتؤثر على الصفقات الاقتصادية المتعلقة بإعادة الإعمار.

وقال قائد عسكري رفيع المستوى في قوات حفتر: إن ترقية أبناء حفتر تُمثّل محاولة لترسيخ السلطة بين القيادات العليا والدنيا في الجيش.

وقال ضابط آخر، فضّل عدم الكشف عن اسمه: إن الوضع يبدو مستقرا داخل الجيش في الوقت الراهن، لكنه قد يتغير بسرعة إذا تضاءل نفوذ حفتر بأي شكل من الأشكال.

واتهم تقرير صادر عن لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، صدام حفتر ، بإدارة نظام غير مسبوق من “الفساد المؤسسي” في قطاع الطاقة، وذلك باستغلال نفوذه لتوفير غطاء سياسي وأمني مكّن الشبكات الإجرامية من الإفلات من العقاب تماما.

ويشغل خالد حفتر منصب رئيس أركان الجيش الذي يضم نحو 90 ألف مقاتل، بميزانية غير رسمية تُقدّر بنحو 5 مليارات دينار (800 مليون دولار) للرواتب والعمليات، ناهيك عن قيمة الأسلحة وصفقاتها السرية، التي تتجاوز هذا المبلغ بكثير.

لكن أهم أبناء حفتر -وفق المقال- هو الابن الأكبر “الصديق” الذي يُشبه والده في المظهر والشخصية؛ حيث تجاوز دور المساعد المخلص ليصبح حافظ أسرار والده ووزير خارجيته الفعلي.

وقال رمضان: “أخبرني الصديق ذات مرة في حديث خاص بالقاهرة أنه يحلم برئاسة الحكومة، لكنه ينزعج من الادعاءات بأن عائلته ستصبح مثل عائلة القذافي”.

ونقل الصحفي المصري ما قاله له الصديق بشكل شخصي في 2024، حيث قال: “نحن عائلة مختلفة، وتجربتنا لا تمثل بالضرورة تجارب الآخرين”.

وكان الصديق هو الوحيد الذي رافق حفتر عندما دخل المستشفى العسكري في باريس لتلقي العلاج إثر أزمة صحية ألمّت به خلال زيارة للقاهرة قبل سنوات.

وقال رمضان: إن “المسار الذي تسلكه عائلة حفتر اليوم يتجاوز الطموح العسكري التقليدي؛ فهو محاولة لإضفاء الشرعية على نفوذ العائلة عبر مؤسسات موازية تضمن الاستدامة المالية والأمنية”.

ومع تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير مسمى، لم يعد بإمكان حفتر المطالبة بعرش البلاد، لكنه أصبح الآن، بالضرورة، صانع ملوك جدد يحملون اسمه.

وتساءل رمضان: “هل ستكرر واشنطن خطأها الكلاسيكي بدعم (الرجل القوي) للحفاظ على استقرار مؤقت، لتستيقظ لاحقا على دكتاتورية عائلية أكثر تعقيدا وفسادا؟”

وختم بالتأكيد على أن “الحديث عن (توحيد المؤسسات) يُنذر بخطر التحول إلى خصخصة شاملة للجيش والنفط لصالح عائلة واحدة، بمباركة أميركية”.

_____________________

صفقة كبرى: كيف تخطط الولايات المتحدة لتوحيد ليبيا عبر عائلتين

ميدل إيست آي

تتراجع روسيا، فيما ترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد. وقد منح هذان التطوران دفعة جديدة للمساعي الأمريكية لتوحيد ليبيا دون موافقة شعبية.

تعمل الولايات المتحدة على صياغة اتفاق لتوحيد ليبيا الغنية بالنفط حول العائلتين الأقوى في البلاد، وذلك في وقت تؤدي فيه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إلى خنق تدفقات الطاقة العالمية، بحسب ما أفاد به مسؤولون غربيون حاليون وسابقون، ومصادر عربية مطلعة على الملف، ومحللون لموقع “ميدل إيست آي”.

ويهدف اتفاق تقاسم السلطة إلى توحيد ليبيا عبر عائلة الدبيبة في غرب البلاد وعائلة حفتر في شرقها، مع استبدال قادة العائلتين الحاليين بجيل جديد.

ورغم أن هذا المسعى جارٍ منذ فترة، إلا أنه اكتسب زخماً جديداً مع ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب على إيران، ما أعاد شركات الطاقة الأمريكية إلى ليبيا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في إفريقيا.

وتعيش العائلتان الحاكمتان في ليبيا حالة من الانتعاش المالي مع ارتفاع خام برنت. فقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن إيراداتها بلغت 2.9 مليار دولار في أبريل، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في بداية العام. كما زار وزير النفط الليبي واشنطن الأسبوع الماضي.

وقال ريكاردو فابياني، مدير شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، لـ”MEE”: “هذا الأمر قيد الإعداد منذ عدة أشهر. الولايات المتحدة تحاول تهيئة الأرضية لهذه الصفقة الكبرى بين العائلتين.”

وأضاف: “هناك أموال طائلة يمكن جنيها من عمليات الاستكشاف النفطي الجديدة. الأمريكيون لديهم مصلحة ضخمة في كل ذلك، خاصة الآن مع الحرب على إيران.”

استبدال رئيس الوزراء الليبي

يقود مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إفريقيا، هذا التوجه.

ورغم أن الاتفاق الدبلوماسي جرى الحديث عنه علناً ويواجه معارضة من كثير من الليبيين، إلا أنه مرّ دون اهتمام واسع في الغرب بسبب تركيز الأنظار على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.

وتريد إدارة ترامب أن يتولى إبراهيم الدبيبة، وهو أحد رجال النفوذ الليبيين، رئاسة الحكومة بدلاً من ابن عمه رئيس الوزراء الحالي عبد الحميد الدبيبة، الذي يعاني من مشكلات صحية.

وبحسب مصدر عربي مطلع ومسؤول غربي سابق رفيع، فإن بولس دفع بهذا التغيير بالتنسيق مع تركيا خلال منتدى أنطاليا في أبريل الماضي، والذي حضره وفد ليبي.

وكان إبراهيم الدبيبة قد أقام علاقة وثيقة بشكل خاص مع بولس، حيث ناقشا بشكل خاص إمكانية الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الليبية المجمدة، وهو ما كشفه “ميدل إيست آي” سابقاً وأكدته صحيفة “نيويورك تايمز”.

وعلى الجانب الآخر، من المتوقع أن يُعيَّن صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر البالغ من العمر 35 عاماً والذي يسيطر على شرق ليبيا، رئيساً للدولة.

وقد عقد إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر اجتماعات في قصر الإليزيه بباريس في وقت سابق من هذا العام ضمن جهود بولس.

ويشغل صدام منصب نائب قائد “الجيش الوطني الليبي”، وقد عمل على تنويع علاقات عائلة حفتر مع خصوم سابقين مثل تركيا، كما بات يُنظر إليه باعتباره المرشح المفضل لدى الولايات المتحدة لخلافة والده البالغ من العمر 82 عاماً.

كما التقى صدام حفتر نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خلال زيارة إلى واشنطن العام الماضي، بحسب المصدر العربي. وليست هذه أول محاولة لتوحيد ليبيا.

“تقاسم الغنائم”

انزلقت ليبيا إلى حرب أهلية عام 2011 بعد انتفاضة مدعومة من حلف الناتو أطاحت بمعمر القذافي. وعلى مدى أكثر من عقد، انقسمت البلاد إلى سلطتين: حكومة معترف بها دولياً في طرابلس، وأخرى في الشرق يقودها خليفة حفتر.

وخاض الطرفان حرباً دامية عام 2019 حاول خلالها حفتر السيطرة على طرابلس. وتحولت المعركة إلى حرب بالوكالة، حيث دعمت تركيا الحكومة المعترف بها أممياً، بينما دعمت روسيا ومصر والإمارات حفتر.

وفي عام 2021، جرى تعيين عبد الحميد الدبيبة رئيساً للوزراء ضمن مسار أممي كان يهدف إلى قيادة البلاد نحو انتخابات ديمقراطية.

وقال مسؤول غربي سابق رفيع لـ”MEE”: “كل القوى الخارجية، بما فيها الولايات المتحدة، تخلت عملياً عن فكرة الانتخابات الديمقراطية في ليبيا.”

وأضاف: “الخيار المفضل لديهم الآن هو العمل مع العائلات المترسخة وتقاسم الغنائم بين الطرفين الأكثر فساداً.”

وتابع: “لكن حفتر شخصية مرفوضة في غرب ليبيا، والدبيبة لا يسيطر بالكامل على الغرب. هذا يتجاوز الشعب الليبي تماماً وقد يرتد بنتائج عكسية.”

وقد أقامت عائلة الدبيبة تحالفات مع ميليشيات نافذة في غرب ليبيا، لكنها تواجه معارضة من جماعات أخرى. كما أن أي تقاسم للسلطة مع صدام حفتر لن يحظى بقبول في مصراتة، المدينة الساحلية التي تضم طبقة نشطة من العائلات التجارية.

وكان مفتي ليبيا الصادق الغرياني قد أعلن معارضته لأي اتفاق لتقاسم السلطة بين الطرفين أواخر الشهر الماضي.

وفي حين تفرض عائلة حفتر سيطرة أقوى على شرق ليبيا، إلا أن العائلة نفسها تعاني انقسامات داخلية. فصدام يعزز سيطرته على المؤسسة العسكرية، لكنه في صراع مع إخوته، خاصة بلقاسم حفتر الذي يدير صندوق التنمية وإعادة الإعمار في بنغازي.

وقال جلال حرشاوي، الباحث المتخصص في الشأن الليبي لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة، لـ”MEE”: “لا عائلة الدبيبة ولا عائلة حفتر تشكلان وحدة متماسكة حالياً.”

وأضاف: “وهذا قد يجعل التغيير ممكناً بالفعل. الوضع القائم غير قابل للاستمرار، وإذا أُعلن عن حكومة جديدة فسيكون ذلك بداية لمسار جديد.”

هل تستطيع ليبيا تعويض نفط الخليج؟

قال مسؤول أمريكي سابق مطلع على الملف الليبي لـ”MEE” إن إدارة ترامب تواصل عملياً سياسة إدارة بايدن القائمة على التقريب التدريجي بين العائلات الحاكمة في ليبيا، إلا أن استعدادها للحديث عن الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة وعقد صفقات تجارية قد سهّل التحركات الدبلوماسية.

وأضاف: “هذا ليس مجرد تحرك يقوده بولس، بل هو مبادرة تشمل مؤسسات الدولة الأمريكية بأكملها، بهدف جعل ليبيا متاحة لشركات النفط الأمريكية وخلق فرص لليبيين.”

وتابع: “دعونا نواجه الحقيقة: مسار الانتخابات الذي تقوده الأمم المتحدة لم ينجح.”

وقد تحققت بعض النجاحات التكتيكية. ففي أوائل أبريل أعلن مصرف ليبيا المركزي عن أول ميزانية موحدة للبلاد منذ أكثر من عقد.

وفي خطوة فاجأت بعض المراقبين، تدربت قوات من شرق وغرب ليبيا معاً في سرت ضمن مناورات “فلينتلوك” العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة الشهر الماضي.

وكانت شركات الطاقة الأمريكية تستكشف الفرص في ليبيا حتى قبل الحرب على إيران.

فقد حصلت شركة “شيفرون” على ترخيص استكشاف في حوض سرت في فبراير، بينما وقعت “إكسون موبيل” مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط للعودة إلى ليبيا في أغسطس.

وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن صادرات البلاد بلغت 1.2 مليون برميل يومياً في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ عشر سنوات. لكن بعض المحللين يشككون في دقة هذه الأرقام، ويرون أن الحرب على إيران لم تغيّر فعلياً بيئة الاستثمار.

فمعظم البنية التحتية النفطية الليبية يعود عمرها إلى نصف قرن، كما أن البيانات في البلاد غامضة بسبب افتقار الحكومة للشفافية.

وقال جيسون باك، مؤسس “ليبيا-أناليسيس” ومؤلف كتاب “ليبيا والفوضى العالمية المستدامة”، إن الولايات المتحدة وحلفاءها سيصابون بخيبة أمل إذا اعتقدوا أن ليبيا قادرة على تعويض النفط المفقود من الخليج.

وأضاف: “عجز الليبيين عن إنتاج مزيد من النفط مرتبط بعدم كفاءتهم الداخلية، وليس بحجم الدعم الأمريكي أو الخارجي.”

وتابع: “فكرة أن ليبيا تستطيع توفير كميات مؤثرة عالمياً من النفط خلال فترة قصيرة بسبب حرب إيران هي فكرة مضحكة.”

وأشار إلى أن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 أثار نقاشاً مشابهاً حول إمكانية أن تحل ليبيا محل روسيا كمصدر للغاز إلى أوروبا.

وقال: “في بداية الحرب الأوكرانية، كان الناس يقولون إن ليبيا ستكون الجزائر الجديدة، لكن الليبيين فشلوا في ذلك، وسيفشلون مجدداً.”

دعم تركي

لكن خبراء يرون أن فكرة تقارب العائلتين الليبيتين لتقاسم عوائد الطاقة الحالية تحت الرعاية الأمريكية تبدو أكثر قابلية للتحقق، خصوصاً أن القوى الخارجية التي حولت ليبيا سابقاً إلى ساحة حرب بالوكالة باتت تنوع علاقاتها.

فصدام حفتر يغازل تركيا، وبدأ يتلقى بعض الأسلحة من باكستان برعاية سعودية، بحسب ما كشفه “ميدل إيست آي” سابقاً.

وفي الوقت نفسه، عززت مصر، التي كانت تعارض حكومة طرابلس سابقاً، علاقاتها بالحكومة، كما تعمل على تحسين علاقاتها مع أنقرة، خصمها القديم في ليبيا.

وقال جيسون باك: “الأتراك والمصريون مستعدون لتعاون الطرفين لأن السياق السياسي اليوم مختلف تماماً عن السابق. هذا لا علاقة له بترامب.”

أما حرشاوي فقال إن الولايات المتحدة تحظى بدعم تركيا، التي تعد من أقوى الأطراف الفاعلة ميدانياً في ليبيا.

وأضاف: “هناك مؤشرات على أن تركيا ربما راضية عن أي إعلان كبير يجري التحضير له. وهذا مهم.”

وتابع: “أعتقد أن السعوديين سيدعمون ما توافق عليه تركيا، بسبب السودان.”

وقد ترى الولايات المتحدة أيضاً فرصة لإبعاد عائلة حفتر عن روسيا، التي نشرت مرتزقة في شرق ليبيا وسعت سابقاً للحصول على موطئ قدم بحري هناك.

كما أن الحكومة المدعومة من روسيا في مالي المجاورة تواجه خطر الانهيار بسبب هجمات جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة.

وختم حرشاوي بالقول: “ليست الأموال وحدها ما يدفع الدولة العميقة الأمريكية نحو ليبيا. روسيا تتراجع في مالي، وليس من المستبعد أن يحدث لها شيء مشابه في ليبيا أيضاً.”

__________________