Author - manara

لماذا رفض الأعلى للدولة اتفاق «4+4».. لأنه يعيد إنتاج المرحلة الانتقالية

فتح الله السريري

أعاد اتفاق «4+4» بشأن استكمال المسار السياسي في ليبيا فتح النقاش حول شكل المرحلة المقبلة ومدى قدرة التفاهمات الجديدة على إنهاء المراحل الانتقالية والوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية تنهي الانقسام، وبينما ينظر إلى الاتفاق باعتباره خطوة نحو تحريك العملية السياسية، تبرز في المقابل ملاحظات تتعلق بالقاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية وشكل السلطة التشريعية وشروط الترشح للرئاسة، فضلًا عن الضمانات اللازمة لضمان حياد المؤسسة العسكرية ونزاهة الاستحقاق الانتخابي.

مرحلة انتقالية جديدة بدل إنهاء المراحل الانتقالية

وقال عضو مجلس الدولة فتح الله السريري، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، إن من أبرز مفارقات «4+4» الدخول في مرحلة انتقالية جديدة لمدة عامين أو أكثر، بالرغم من مناداة الأطراف الموقعة على الاتفاق بإنهاء المراحل الانتقالية والذهاب إلى مرحلة دائمة، مشيرًا إلى أن ذلك كان ممكنًا عبر توحيد السلطة التنفيذية وفق ما حدث اليوم.

تجاهل مشروع الدستور وقانون الاستفتاء

وأشار السريري إلى ما وصفه بتجاهل مشروع الدستور المنجز من هيئة منتخبة مباشرة من الشعب عام 2017، موضحًا أن المفوضية العليا للانتخابات تسلمت قانون الاستفتاء في فبراير 2019، وهو القانون المتوافق عليه من مجلسي النواب والدولة وفق المادة 23 من الاتفاق السياسي الليبي.

ورأى أن تأجيل اعتماد هذا المسار إلى البرلمان القادم بعد ثلاث سنوات أو أكثر، بدل الاستفتاء على مشروع الدستور، يمثل إحدى المفارقات التي تثير التساؤلات حول المسار المقترح.

استبعاد القانون 27 لسنة 2023

ولفت السريري إلى استبعاد القانون رقم 27 لسنة 2023، المنجز من لجنة «6+6» بالتوافق التام بين مجلسي النواب والدولة، والنافذ بعد إصداره ونشره في الجريدة الرسمية.

وأوضح أن هذا القانون ارتكز على المساواة بين الليبيين في مجلس النواب بواقع نائب لكل 30 ألف مواطن، بما يعني، وفق رؤيته، أنه «لا منتصر ولا مهزوم ولا غالب و لا مغلوب»، وبما يحقق الوئام الاجتماعي والعدالة في المشاركة الفاعلة بالشأن السياسي وينهي التهميش الممنهج لبعض المدن والقرى.

وأضاف أن القانون يتضمن كذلك تمثيل الأحزاب بمقاعد تفوق الأفراد، ترسيخًا للمبدأ الدستوري الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، وهو مبدأ التعددية السياسية، المنصوص عليه في الإعلان الدستوري لعام 2011 والوثائق الدستورية المعاصرة.

وأشار إلى استبدال ذلك بالقانون رقم 10 لسنة 2014 القائم على النظام الفردي، والذي قال إنه «يكرس الجهوية والقبلية ويقلل أو يعدم التنافس الحزبي المنظم»، معتبرًا أن الواقع أثبت صعوبة العمل وفق نتائجه، وأن الواقع شاهد على صعوبة انعقاد جلسات مجلس النواب الحالي والتوافق حول القضايا المهمة.

إلغاء مجلس الشيوخ ومفارقة الغرفة التشريعية الثانية

ومن بين الملاحظات التي طرحها السريري إلغاء الغرفة التشريعية الثانية، أي مجلس الشيوخ، مشيرًا إلى بعده التاريخي في دستور عام 1951، والاتفاق السياسي الليبي عام 2015، ومشروع الدستور الليبي عام 2017، والإعلان الدستوري الثالث عشر.

وأوضح أن هذه الغرفة صارت مكرسة في كل هذه الوثائق الدستورية لأهميتها في خلق توازن تشريعي جغرافي، ولا سيما بعد التسوية العددية «30/30/30» في هذه الغرفة وفق نصوص التعديل الثالث عشر والقانون رقم 27 لسنة 2023، وبذات الاختصاصات الواردة في مشروع الدستور الليبي.

الجنسية الثانية.. ماذا لو رفضت الدولة المانحة التنازل عنها؟

وتوقف السريري عند مسألة التنازل عن الجنسية الثانية بعد الفوز في الانتخابات، متسائلًا: «من يضمن ذلك؟»، ولا سيما أن الجنسية، بحسب وصفه، رابطة قانونية ذات علاقة ثنائية بين حاملها والدولة المانحة.

وطرح تساؤلًا حول ما سيحدث إذا رفضت الدولة المانحة طلب التنازل عن الجنسية، مشيرًا إلى أن الانتخابات ستعاد وفق نصوص هذا الاتفاق حال فشل الفائز في ذلك، وفق الفقرة «1.2.2».

واعتبر أن ذلك يعني أن مصير الانتخابات الرئاسية الليبية ونجاحها من عدمه قد يصبح مرهونًا بإرادة وقرار الدولة الأجنبية المانحة للجنسية.

كما تساءل عن الضامن لعدم استمرارية ولاء الرئيس الفائز للدولة الأجنبية المانحة للجنسية، حتى في حال استجابتها لطلب التنازل، موضحًا أن الولاء القانوني قد ينتهي بالتنازل، لكن الولاء السياسي والمصلحي يظل دون أي ضمان فعلي، خاصة أن الجنسية في الغالب لا تقتصر على الرئيس، وإنما تتمتع بها زوجته وبناته وأحفاده وأقاربه.

وقال السريري إن هذا هو السبب الذي يجعل القوانين الانتخابية تحظر ازدواج الجنسية، وفق رؤيته.

السماح لمزدوج الجنسية بالترشح يفتح جدلًا بعد الفوز

وأضاف أن السماح لمزدوج الجنسية بالترشح للانتخابات الرئاسية ثم مطالبته بالتنازل عنها بعد الفوز يفتح إشكالًا آخر، متسائلًا: «لن يتنازل عنها لو انتخبه الشعب رئيسًا؟!».

وأوضح أنه إذا انتخب الشعب رئيسًا يحمل جنسية دولة أخرى، فإن الفائز سيكون قادرًا على الاستناد إلى إرادة الناخبين، باعتبار أن الشعب، بعلمه، انتخب رئيسًا مزدوج الجنسية ومنحه ثقته.

وأشار إلى أن الحجة التي قد يطرحها الفائز تتمثل في أن «الشعب يريد رئيسًا يحمل جنسية دولة أخرى»، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن إرادته التي عبر عنها في صناديق الانتخاب أعلى وأقوى من أي نص قانوني ومن الأيمان الدستورية، مضيفًا أنه سيجد بكل من يقتنع بذلك من يناصره ويؤيد موقف السيد الرئيس.

حياد المؤسسة العسكرية محل تساؤل

وفيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية، قال السريري إنه لا توجد ضمانات لحيادها، مشيرًا إلى أن الاتفاق سمح لها بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية كمرشحين وناخبين، إلا في عملية التصويت السري.

ورأى أن هذه المسألة تثير تساؤلًا حول مدى ضمان حياد المؤسسة العسكرية خلال العملية الانتخابية.

نقطة إيجابية تتعلق بالانتخابات الرئاسية

وفي المقابل، أشار السريري إلى أن النقطة الإيجابية تتمثل في التأكيد على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية وفق القانون رقم 28 لسنة 2023، مع بعض التعديلات المقبولة، كفك الارتباط الذي فرضته عدم الثقة بين الأطراف السياسية المتصارعة، وذلك لضمان إجراء ونجاح كلا الانتخابين التشريعية والرئاسية.

وأضاف أن نقطة التزامن تحتاج هي الأخرى إلى تعديل، معتبرًا أنها عمل فني يخص الأداة التنفيذية للانتخابات، وهي المفوضية العليا للانتخابات، مشيرًا إلى أن رئيس المفوضية صرح في آخر لقاء تلفزيوني بإمكانية ذلك فنيًا.

هل كان بالإمكان إجراء الانتخابات هذا العام؟

وطرح السريري تساؤلًا حول جدوى الاتفاق، قائلًا إنه مادام لدى البعثة والدول الداعمة لعملها المكنة والقدرة على جمع الفرقاء الأقوياء لتوقيع هذا الاتفاق أو فرضه، «أليس الأولى أن كان هذا الاتفاق يقضي بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية وفق القوانين النافذة وتنهى المراحل الانتقالية، ويكون للبلد رئيس منتخب مباشرة من الشعب وسلطة تشريعية جديدة خلال هذا العام؟».

وأوضح أن ذلك كان ممكنًا مع توفير رقابة دولية تضمن نزاهة الانتخابات وشفافيتها، وتلزم كل الأطراف بنتائجها والاعتراف بمخرجاتها، بما يسمح بـ«طوي صفحة الصراع والفوضى والانقسام»، وأن يكون الشعب مصدر السلطة والرقيب على أعمالها ومسؤولًا عن اختياراته، دون مصادرة حقه في ذلك.

وختم السريري بالقول: «ذاك ممكن وممكن».

________________

ما بعد اتفاق “4+4” في ليبيا.. مصادر تكشف عن تحركات مصرية وتحفظات روسية وعراقيل في التنفيذ


انتقل اتفاق 4+4 في ليبيا من معركة التوقيع إلى معركة التنفيذ، بعدما أصبح مصيره مرتبطاً ليس فقط بمستوى التأييد الذي حصل عليه داخل المؤسسات الليبية، وإنما أيضاً بالغطاء السياسي والمؤسسي المطلوب لتحويله إلى خطوات عملية، وفق ما كشفته مصادر خاصة لـ”عربي بوست”.

ففي الوقت الذي حصل فيه الاتفاق على تأييد واسع داخل مجلس النواب وترحيب من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، يواجه المسار اعتراضاً من رئاسة المجلس الأعلى للدولة، فيما تبحث البعثة الأممية تشكيل لجنة حوار وطني تضم نحو 47 عضواً للتعامل مع ملف السلطة التنفيذية إذا تعذر استكمال المسار عبر المؤسسات القائمة.

في الخلفية، تتقاطع حسابات القوى الإقليمية والدولية حول شكل المرحلة المقبلة؛ إذ تتحرك مصر لضمان أن تراعي الترتيبات السياسية والاقتصادية الجديدة مصالحها الاستراتيجية، بينما تتحفظ روسيا على بعض جوانب الاتفاق والغطاء السياسي والمؤسسي اللازم لتنفيذه، كما وضعت مصر وتركيا ضمن حسابات البيئة الإقليمية المحيطة بالمسار الليبي.

هكذا لم تعد المعركة الأساسية تدور حول اتفاق “4+4” وحده، ولا حول التحركات المصرية بمعزل عن بقية الأطراف، وإنما حول السؤال الأوسع: من يملك القدرة على تشكيل مرحلة ما بعد الاتفاق، ومن يستطيع توفير القاعدة السياسية والمؤسسية التي تحول التفاهم الموقع إلى سلطة تنفيذية ومسار انتخابي قابلين للتنفيذ؟

من اتفاق انتخابي إلى معركة على الشرعية

قد لا يكون مصطلح “4+4” مألوفاً للقارئ العربي خارج ليبيا، لكنه أصبح خلال أسابيع قليلة أحد أكثر المسارات السياسية حساسية في طريق حل الأزمة الليبية المستمرة منذ سنوات.

يشير المصطلح إلى الاجتماع المصغر الذي رعته بعثة الأمم المتحدة بمشاركة للتوصل إلى تفاهمات بشأن أول عقدتين في خارطة الطريق الأممية: إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، ومعالجة الخلافات العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.

انتهت هذه المشاورات إلى اتفاق وُقّع في طرابلس في 30 أغسطس/ آب 2026، ويتضمن ترتيبات لإجراء الانتخابات تحت سلطة تنفيذية موحدة خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. لكن أهمية “4+4” لا تكمن فقط في بنوده الانتخابية، بل في أنه أصبح اختباراً جديداً لمعضلة أقدم في ليبيا: من يملك شرعية تقرير قواعد المرحلة المقبلة؟

فقد رحبت الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالاتفاق، ثم أعلن مجلس النواب تأييده له، مستنداً أيضاً إلى دعم 103 من أعضائه، بينما بقي موقف المجلس الأعلى للدولة موضع خلاف. هنا انتقل الاتفاق من كونه تفاهماً حول الانتخابات إلى ساحة جديدة للصراع على الشرعية والنفوذ وشكل السلطة التي ستقود ليبيا إلى المرحلة التالية.

مجلس الدولة.. العقدة أمام التنفيذ

جاء تأييد مجلس النواب للاتفاق في وقت لم يُحسم فيه موقف المجلس الأعلى للدولة، الذي أصبح موقفه أحد أهم العوامل التي تحدد ما إذا كان اتفاق “4+4” سينتقل إلى مرحلة التنفيذ أم سيواجه انسداداً جديداً.

فقد كانت البعثة قد أرسلت الاتفاق إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة وأمهلتهما شهراً للموافقة عليه، فيما قالت تيتيه في تصريحات علنية إن البعثة لم تكن قد تلقت رداً من مجلس الدولة في ظل معارضة رئيسه محمد تكالة.

وأشارت تيتيه إلى الحاجة إلى البحث عن آليات بديلة إذا تعذر تنفيذ الاتفاق عبر المسار القائم، فيما ترى قيادة البعثة، بحسب مصادر الاجتماع، أن اعتماد مجلس النواب يمثل تقدماً مهماً، لكنه لا يحل وحده كل المعضلات المرتبطة بالتنفيذ.

وفي تطور يزيد من تعقيد المشهد، وجّه تكالة مراسلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اعترض فيها على المسار الذي أفضى إلى اتفاق “4+4”.

بحسب نص المراسلة الذي اطلع عليه معد التقرير، قال تكالة إن البعثة جمعت عدداً محدوداً من الأشخاص لا يملكون، بحسب موقفه، صفة تمثيلية تتيح لهم اتخاذ قرارات بشأن بنية العملية السياسية وإعادة تشكيل المؤسسات المرتبطة بالانتخابات.

اعتبر تكالة أن ما جرى يتجاوز الدور المنوط بالبعثة في التيسير والدعم، وتمسّك بأن الاختصاصات المتعلقة بهذه الملفات تعود إلى المؤسسات المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي والمرجعيات الدستورية القائمة.

كما رفض مخرجات المسار، ورأى أن التوافقات المحدودة لا تفرض التزامات قانونية أو سياسية على المؤسسات التي لم تشارك فيها، داعياً إلى البناء على التوافقات السابقة للجنة “6+6”.

طلب تكالة من غوتيريش ضمان التزام البعثة بنطاق ولايتها وعدم إضفاء شرعية على ما وصفه بمسارات محدودة التمثيل. وبذلك تحولت المسألة من مجرد تأخر مجلس الدولة في اعتماد الاتفاق إلى خلاف أعمق حول أصل المسار والجهة التي تملك صلاحية إنتاج قواعد المرحلة المقبلة.

لجنة الـ47″.. خيار أممي لتجاوز الانسداد

هنا تكتسب المعلومات الخاصة التي حصل عليها “عربي بوست” من داخل اجتماع عقدته تيتيه ونائبتها للشؤون السياسية ستيفاني خوري مع وفد من “تجمع الرؤية الوطنية” أهمية خاصة.

بحسب هذه المعلومات، تبحث البعثة حالياً تشكيل لجنة للحوار الوطني تضم في حدود 47 عضواً، يمكن أن تتولى معالجة ملف السلطة التنفيذية إذا تعذر استكمال المسار عبر المؤسسات القائمة.

لا تزال التفاصيل النهائية المتعلقة بتشكيلة اللجنة ومعايير اختيار أعضائها وصلاحياتها قيد البحث، إلا أن الحجم المقترح لها يشير إلى أن البعثة تفكر في جسم أوسع بكثير من لجنة “4+4”.

من شأن هذا التصور أن يسمح بإدخال طيف أكبر من القوى السياسية والاجتماعية والفاعلين المرتبطين بالمسار السياسي، بدلاً من حصر النقاش في المؤسسات والأجسام التي تشارك في المسارات القائمة.

وإذا استقر التصور على هذا العدد، فإن السؤال لن يتعلق فقط بتشكيل حكومة جديدة، بل بمن سيختار أعضاء اللجنة نفسها، وكيف ستوزع مقاعدها بين المناطق والتيارات والقوى السياسية.

كما سيكون مطروحاً تحديد ما إذا كانت اللجنة ستملك صلاحية اختيار السلطة التنفيذية مباشرة، أم ستقتصر مهمتها على التفاوض حول صيغة تقدم لاحقاً إلى المؤسسات القائمة.

تكتسب هذه التفاصيل أهمية، لأن لجنة من نحو 47 عضواً تعيد إلى الأذهان نماذج الحوارات السياسية الموسعة التي استخدمتها الأمم المتحدة سابقاً في ليبيا لإنتاج ترتيبات تنفيذية عندما تعذر التوافق عبر المؤسسات الموجودة.

وتتفق هذه الخطوة مع ما تحدثت عنه تيتيه داخل الاجتماع بشأن الصعوبات التي تواجه الانتقال من التأييد السياسي للاتفاق إلى وضعه موضع التنفيذ.

بحسب المصادر، أبلغت تيتيه المشاركين بأن البعثة لا تزال تواجه تحديات كبيرة في آلية تنفيذ اتفاق “4+4″، وأن القضية لم تعد تتعلق فقط بتوقيع الاتفاق أو دعم جزء من المؤسسات له، وإنما بتوفير قاعدة سياسية ومؤسسية أوسع تسمح بتنفيذ مخرجاته.

يتفق ذلك مع ما أعلنته تيتيه علناً في وقت سابق، عندما أكدت أن مسؤولية المرحلة التالية تتمثل في تحويل الاتفاق إلى خطوات عملية من خلال “الاعتماد الوطني” والتنفيذ وتهيئة الظروف المؤسسية والسياسية اللازمة للانتخابات.

مصر وروسيا وتركيا.. حسابات تتجاوز الاتفاق

لا تجري معركة تنفيذ اتفاق “4+4” داخل المؤسسات الليبية فقط، إذ تتقاطع معها حسابات إقليمية ودولية حول شكل الترتيبات السياسية والاقتصادية المقبلة.

وبحسب مصادر متطابقة، تعمل القاهرة على ضمان أن تراعي هذه الترتيبات مصالحها الاستراتيجية، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة بعدد من القوى والمؤسسات في شرق البلاد، وفي مقدمتها رئاسة مجلس النواب.

وقالت المصادر إن التحركات المصرية تتضمن اتصالات سياسية مرتبطة بمستقبل السلطة التنفيذية وترتيبات المرحلة المقبلة، بالتوازي مع اهتمام بملفات اقتصادية وسيادية، بينها قطاع النفط والموانئ وممرات التجارة والمشروعات الإقليمية المطروحة داخل ليبيا.

تشير المصادر إلى أن القاهرة تتابع بحساسية أي ترتيبات يمكن أن تغير موازين النفوذ الإقليمي في ليبيا، خصوصاً في ظل الحضور التركي السياسي والاقتصادي والأمني، إلى جانب تنامي الاهتمام الصيني والدولي بالبنية التحتية والطاقة والتجارة.

لا تنحصر الحسابات المصرية في هوية السلطة التنفيذية المقبلة، توضح المصادر، وإنما تمتد إلى طبيعة التحالفات الاقتصادية والسياسية التي قد تنتج عن أي تسوية جديدة وموقع ليبيا المستقبلي في شبكات التجارة والطاقة في شمال أفريقيا والبحر المتوسط.

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه الاتصالات أو مدى تأثيرها المباشر في مواقف الأطراف الليبية. وفي اجتماعها مع وفد “تجمع الرؤية الوطنية”، أشارت تيتيه كذلك إلى مصر وتركيا أثناء حديثها عن البيئة الإقليمية المحيطة بالمسار السياسي.

بحسب المصادر، لم تقدم مواقف القاهرة وأنقرة باعتبارها مماثلة للتحفظ الروسي، وإنما جاءت الإشارة إليهما ضمن الحديث عن الدول الأكثر تأثيراً في المشهد الليبي والحسابات الإقليمية التي تحيط بأي ترتيبات جديدة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية بالنظر إلى طبيعة نفوذ البلدين؛ إذ ترتبط مصر بعلاقات سياسية وأمنية وثيقة مع قوى ومؤسسات في شرق ليبيا، فيما تحتفظ تركيا بعلاقات وحضور واسع في غرب البلاد.

يتقاطع ذكر مصر في حديث تيتيه مع المعلومات التي كشفتها مصادر التقرير بشأن التحركات المصرية المتعلقة بترتيبات المرحلة المقبلة، لكن لا يوجد ما يكفي للقول إن القاهرة تتبنى الموقف الروسي نفسه من الاتفاق.

روسيا.. تحفظ على الغطاء المؤسسي

بحسب المصادر المطلعة على اجتماع تيتيه، أشارت الممثلة الخاصة كذلك إلى وجود تحفظ روسي يتعلق ببعض جوانب اتفاق “4+4” والغطاء السياسي والمؤسسي اللازم لتنفيذه.

وقالت المصادر إن جوهر الموقف الذي جرى الحديث عنه يتعلق بدور مجلسي النواب والأعلى للدولة والمرجعيات المنظمة للعملية السياسية الليبية. ولا ينبغي فهم ذلك باعتباره رفضاً روسياً معلناً للاتفاق من حيث المبدأ.

فمجلس الأمن، الذي تعد روسيا عضواً دائماً فيه، رحب بالإجماع في 8 سبتمبر/ أيلول بتوقيع اتفاق اللقاء المصغر، واعتبره خطوة مهمة نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية حصول الاتفاق على دعم الأطراف الليبية والعمل على تنفيذه.

وبالتالي، فإن التحفظ الروسي الذي تحدثت عنه المصادر يتعلق، وفق ما نُقل عن الاجتماع، بمرحلة الانتقال إلى التنفيذ وأساسه المؤسسي أكثر من كونه اعتراضاً معلناً على توقيع الاتفاق نفسه.

وقالت مصادر الاجتماع إن تيتيه تحدثت أيضاً عن صعوبة التعامل مع الاتفاق في مرحلته الحالية باعتباره إطاراً تنفيذياً مكتملاً قبل معالجة الخلافات السياسية والمؤسسية المحيطة به.

لا يعني ذلك أن الاتفاق لم يصل سياسياً إلى مجلس الأمن؛ فالمجلس سبق أن رحب به رسمياً في 8 سبتمبر/ أيلول ودعا الأطراف الليبية إلى دعمه والعمل من أجل تنفيذه.

والفارق هنا بين الترحيب السياسي الدولي باتفاق تم توقيعه وبين الانتقال لاحقاً إلى ترتيبات تنفيذية تحتاج إلى أن تدافع البعثة عن قدرتها على التطبيق وعن مستوى القبول الليبي الذي تستند إليه. وهذه النقطة باتت أكثر حساسية بعد تأييد مجلس النواب من جهة، واعتراض تكالة من جهة أخرى.

السلطة والمال.. معركة ما بعد الاتفاق

لم تقتصر النقاشات، بحسب المصادر، على المسار السياسي، إذ تحدثت تيتيه بقلق عن الوضع الاقتصادي. وأشارت المصادر إلى أن محاولات الوصول إلى إنفاق عام موحد لم تحقق النتائج المطلوبة حتى الآن، في ظل استمرار الانقسام المالي والمؤسسي.

كان مجلس الأمن قد دعا في بيانه الأخير بشأن ليبيا إلى خطوات إضافية لتعزيز تنفيذ إطار الإنفاق الموحد المعلن في أبريل/ نيسان 2026، بالتوازي مع المطالبة بتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية.

يجعل الملف الاقتصادي مسألة السلطة التنفيذية أكثر حساسية، لأن الخلاف لا يتعلق بالإشراف على الانتخابات فقط، وإنما أيضاً بإدارة المال العام والإنفاق وعائدات النفط والمؤسسات السيادية.

بذلك تتسع معركة ما بعد اتفاق “4+4” من قواعد الانتخابات إلى السؤال المتعلق بمن يملك أدوات إدارة الدولة ومواردها، ومن يمتلك الغطاء السياسي والمؤسسي لتولي السلطة التنفيذية.

من يملك مفاتيح المرحلة المقبلة؟

تظهر الصورة الكاملة أن اتفاق “4+4” حقق تقدماً سياسياً ملموساً؛ فقد رحبت به الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وحصل على تأييد مجلس النواب، مستنداً أيضاً إلى بيان وقعه 103 نواب.

لكن هذا التقدم لم يحسم معركة التنفيذ، إذ يعترض رئيس المجلس الأعلى للدولة على المسار نفسه، بينما تشير المعلومات الحصرية من اجتماع تيتيه إلى استمرار البحث عن غطاء سياسي ومؤسسي أوسع، وإلى تحفظ روسي يتعلق ببعض تفاصيل الانتقال إلى التنفيذ.

في الوقت نفسه، تتحرك القاهرة، بحسب مصادر التقرير، لحماية مصالحها ونفوذها في الترتيبات السياسية والاقتصادية المقبلة، بينما تظهر تركيا وروسيا ضمن الحسابات الإقليمية والدولية المحيطة بالمسار.

أما البعثة الأممية، فتضع أمامها خياراً يتجاوز المؤسسات القائمة إذا استمر الانسداد، عبر لجنة حوار وطني قد تضم نحو 47 عضواً، بالتوازي مع استمرار العمل على تنفيذ اتفاق “4+4”.

وهكذا لم تعد المعركة تدور فقط حول ما إذا كان الاتفاق يحظى بالدعم، وإنما حول الجهة التي تستطيع تحويله إلى واقع سياسي ومؤسسي.

فمجلس النواب يملك خطوة التأييد، ورئاسة مجلس الدولة تملك ورقة الاعتراض، والبعثة تملك خيار توسيع قاعدة الحوار، بينما تتحرك القوى الإقليمية والدولية لحماية مصالحها والتأثير في شكل الترتيبات المقبلة.

من هنا يصبح السؤال الأساسي في المرحلة التالية: من يملك القدرة على تشكيل السلطة التي ستنفذ اتفاق “4+4″، ومن يملك الشرعية لتحديد شكل ليبيا بعد الاتفاق؟

__________________

ليبيا بين مبادرة بولس وفوضى السلاح.. من يملك مفاتيح الاستقرار

حين سحبت شركة “جنرال إلكتريك” الأميركية طواقمها الفنية من محطة كهرباء في مدينة الزاوية، برز حجم الهشاشة الأمنية التي تهدّد بنسف مبادرة واشنطن لتثبيت الاستقرار في ليبيا.

هكذا وصف الصحفي المصري، خالد محمود، الأزمة في مقال نشرته مجلة “ريسبونسبل ستيتكرافت” الأميركية. مشيرا إلى أن سلسلة أزمات هزت البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، وقوّضت المبادرة الأميركية الرامية إلى حل معضلتها السياسية العميقة وفتح أسواقها أمام الاستثمار الأميركي.

وأوضح الكاتب أن احتجاجات عنيفة على تردي الأوضاع المعيشية تصاعدت في المدن الغربية الخاضعة لسيطرة رئيس الحكومة، عبد الحميد الدبيبة، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت الطاقة والنفط في الزاوية غربي طرابلس.

وأضاف أنه في الشرق، قرب بنغازي الخاضعة لسلطة الانقلابي خليفة حفتر، اغتال مجهولون اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية لدى حفتر، وهو ما دفع واشنطن إلى الإقرار متأخرة بأن تدهور الأمن قد يقوّض مبادرتها للسلام.

وضع هش

ونقل الكاتب عن مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، قوله: إن الهجمات “تؤكد الحاجة إلى مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية قادرة على توفير الأمن للشعب الليبي”.

ولفت إلى أن بولس نجح حتى الآن في جمع قادة عسكريين من شرق ليبيا وغربها في تدريبات مشتركة واجتماعات ثنائية، لكنه عدّ هذه الجهود الناشئة أبعد ما تكون عن توحيد فعلي للمؤسسات العسكرية، وأن الأمل يبقى ضئيلا في حل سياسي دائم من دونه.

وذكر المقال أن مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، قالت في إحاطة أخيرة أمام مجلس الأمن الدولي: إن انقطاعات الكهرباء الواسعة والاستياء الشعبي يكشفان عواقب “التشرذم المؤسسي”، وسوء إدارة الموارد، وضعف الاستثمار، وغياب التنسيق في صنع القرار.

ورأى أن تحذير تيتيه بشأن هشاشة الوضع على الساحل الغربي يعيد إلى الواجهة أسئلة لم تُطرح صراحة عن الميليشيات المسلحة المتنافسة على تهريب المخدرات والبشر والوقود، والتي باتت جزءا من المشهد الليبي الراهن.

وأشار إلى أن جانبا مهما من هذا التحذير يتعلق بمحاولة الدبيبة إعادة ترتيب قواته، تحسبا لعملية عسكرية محتملة لانتزاع السيطرة على الزاوية من المليشيات المحلية، وهو ما بات أولوية إستراتيجية بسبب مصفاة النفط الموجودة هناك.

غير أن محمد الحنيش، عضو مجلس النواب الليبي عن الزاوية، حذّر من أن اقتحام المدينة ليس مهمة سهلة، وقد تكون له كلفة أمنية وسياسية باهظة.

ورأى الحنيش أن نجاح أي تسوية سياسية يتوقف على قدرة الإدارة الأميركية على ممارسة ضغط قوي ومتوازن على جميع الأطراف، محذرا من أن الفشل قد يفتح الباب أمام تصعيد مسلح جديد وانقسام أسوأ من انقسام اليوم.

اختبار الزاوية

ويحمل مستقبل الوضع الأمني في الزاوية أهمية بالغة بالنسبة إلى بولس، وكذلك بالنسبة إلى “جنرال إلكتريك”، التي أعلنت إخلاء طواقمها الفنية من محطة الكهرباء هناك إلى حين تحسّن الوضع الأمني.

وأوضح محمود أن الزاوية، الواقعة على مسافة نحو 40 كيلومترا غربي طرابلس والتي تضمّ أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا، ليست مدينة مضطربة فحسب، بل تمثل في تقديره اختبارا محوريا لمبادرة بولس.

ورأى أن أي تصعيد فيها من شأنه إضعاف موقف الدبيبة، وزيادة هشاشة البيئة الأمنية في الغرب، وهو ما يهدد مباشرة المبادرة الأميركية القائمة أصلا على هشاشة الاستقرار في البلاد.

والهدف من منظور واشنطن هو فرض تسوية لتقاسم السلطة بين الشرق والغرب، توحّد المؤسسات وتهيئ الظروف للاستثمار في قطاع الطاقة.

وأضاف المقال أن الزاوية أثبتت أن البعد الأمني لمبادرة بولس ما زال متخلفا نسبيا، كما تجلى بوضوح في انسحاب “جنرال إلكتريك” السريع، مقدرا أن هذا الانسحاب ينبغي أن يكون جرس إنذار لبولس وهو يسعى لإقناع شركات أميركية أخرى بالعودة إلى ليبيا.

ولفت إلى أنه رغم نجاح بولس في توحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 عاما، لا يزال الصراع بين بنغازي وطرابلس على عائدات النفط وإدارة المصرف المركزي مستمرا، وأنه إذا حاول الدبيبة اقتحام الزاوية وفرض سيطرته عليها فستجد المبادرة نفسها تحت ضغط شديد.

وأضاف أن فشل الدبيبة المتوقع في هذه الحالة سيعني أنه ليس الطرف الموثوق لتحقيق الاستقرار. 

ونقل عن الخبير النفطي، أحمد الشحاتي، قوله: إن مبادرة بولس لم تُصمم لحل جذور الصراع الليبي، بل تهدف عمليا إلى تجميده مؤقتا وحماية تدفق النفط، وقد تنجح في منع مواجهات النخب وتثبيت تدفق الأموال، لكنها تبقى هشة على المدى الطويل.

وفي الشرق، وتحديدا في معقل حفتر ببنغازي، ثالث أكبر مدن ليبيا، لا يقل الوضع تعقيدا، فقد تلقى حفتر ضربة باغتيال المنصوري، أحد كبار مساعديه ورئيس استخباراته العسكرية، لكنه نجح في إبقاء الاهتمام منصبا على جهوده الدؤوبة للتقرب من الطرفين الأميركي والروسي معا، له ولابنه صدام.

وأوضح أن من بين هذه الجهود مساعدة حفتر في تأمين إطلاق سراح طيار أميركي ومقاتلين اثنين من فيلق إفريقيا الروسي من مالي، ورأى المقال أن حفتر يأمل، بتقربه من القوى الأجنبية، ضمان نفوذ عائلته في أي اتفاق مستقبلي.

أصوات حفتر

ولم يُكشف بعد عن تفاصيل اتفاق التسوية الذي أعدّه بولس، لكن تقارير تشير إلى أنه سيضع صدام حفتر على رأس المجلس الرئاسي، الذي سيحكم إلى جانب الدبيبة بصفته رئيسا للحكومة.

وأبرزت إحاطة تيتيه تباين الأولويات بين المبادرتين المتنافستين، فبينما تعمل الأمم المتحدة على توحيد المؤسسات الأمنية والتنفيذية تمهيدا لانتخابات طال تأجيلها، تكتفي مبادرة بولس بالسعي إلى توافق سياسي واقتصادي بين مراكز القوى الحالية.

ونقل المقال عن تيتيه، في انتقاد ضمني لمسار بولس، قولها: إن “إنشاء مسارات ومبادرات موازية قد يفتح الباب أمام إهدار الوقت والبحث عن منصات بديلة، وهو ما ينبغي تجنبه”.

وحذّر عبد الجليل معيوف، مستشار شؤون الطاقة في الحكومة الليبية السابقة، من أن ميزان القوى على الأرض تغيّر كليا مقارنة بعام 2015، حين فتح اتفاق الصخيرات الطريق أمام مفاوضات أممية مستمرة.

وأضاف أن المليشيات باتت اليوم أقوى بكثير وسيطرت على اقتصاد غرب ليبيا، متسائلا بتشاؤم عمّا إذا كانت مبادرة بولس تهدف أصلا إلى “تنصيب هذه المليشيات رسميا” قادة في المنطقة.

وتساءل محمود عمّا إذا كان بالإمكان حماية المبادرة الأميركية، وهل سيقبل بها الجميع، وما حدود القدرة الأميركية على فرضها وإبقائها حية دون أن تلقى موتا مفاجئا.

وختم بالقول: إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف خطورة سعي بولس إلى توحيد المؤسسات وصياغة اتفاق سياسي دون توفير البيئة الأمنية اللازمة أولا.

وأوضح محمود أن أحداث الزاوية مثّلت ثمنا باهظا لشركة أميركية، وسلّطت الضوء على حجم التهديدات الأمنية، تماما كما أعاد اغتيال مساعد حفتر في الشرق فتح جروح مكافحة الإرهاب التي ظن كثير من المراقبين أنها التأمت.

وأضاف أن بولس سيجد بالتأكيد شركاء لمبادرته، وقد يتوصل لاحقا إلى اتفاق، لكن معضلة ضمان تنفيذه تبقى قائمة.

ورغم أن المبادرة الأممية ليست فعالة تماما وتواجه صعوبة في إقناع الشركاء المحليين، رأى الكاتب أنها أكثر انتباها لخطورة الوضع الأمني، مستدركا أنها فشلت حتى الآن في تفكيك المليشيات وطرد المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.

وختم بالقول: إن بعض الليبيين ينظرون بريبة إلى مبادرة بولس، بوصفها وسيلة لإعادة تدوير النخب الحاكمة المسؤولة عن الفشل المؤسسي، والحفاظ على “ديناصورات” ترفض الانقراض.

لذلك، يتعين على بولس أن يولي الوضع الأمني والعسكري أهمية أكبر، فهو البعد الأكثر أهمية في مسعاه لتأمين حل سياسي للحرب، الذي لن ينجح بالتأكيد في غياب قوة تحميه.

_____________

ترامب يريد تحقيق الاستقرار في ليبيا. لكن للمسلحين خططًا أخرى

خالد محمود

الأزمات الأمنية المتواصلة تختبر مبادرة مسعد بولس للسلام

شهدت ليبيا خلال الشهر الماضي سلسلة من الأزمات التي هزّت البلاد، وقوّضت مبادرة تقودها الولايات المتحدة لمعالجة المأزق السياسي العميق الذي تعانيه، وفتح أسواقها أمام الاستثمارات الأمريكية.

فقد تصاعدت الاحتجاجات العنيفة على تدهور الظروف المعيشية في المدن الغربية الخاضعة لسيطرة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، بالتزامن مع سلسلة من ضربات الطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت للطاقة والنفط في مدينة الزاوية، غرب طرابلس. وفي الشرق، بالقرب من بنغازي الخاضعة لسلطة المشير خليفة حفتر، اغتال مجهولون اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية لدى حفتر. وقد دفعت هذه التطورات المضطربة الولايات المتحدة، وإن متأخرة، إلى الاعتراف بأن تدهور الوضع الأمني قد يقوّض مبادرتها للسلام.

وفي لهجة تعكس القلق إزاء تصاعد الوضع، قال مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، إن هذه الهجمات «تؤكد الحاجة إلى مؤسسات عسكرية وأمنية موحّدة ومهنية، قادرة على توفير الأمن للشعب الليبي».

وحتى الآن، نجح بولس في جمع قادة عسكريين من شرق ليبيا وغربها في تدريبات مشتركة، فضلًا عن عقد اجتماعات ثنائية بينهم. لكن هذه الجهود الناشئة لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق توحيد فعلي للمؤسسات العسكرية. ومن دون إحراز تقدم في هذا الجانب، لا يبدو أن هناك أملًا كبيرًا في تحقيق معالجة مستدامة للمأزق الأمني.

المعضلة الأمنية

في إحاطة حديثة أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قالت هانا تيته، المبعوثة الأممية إلى ليبيا، إن الانقطاعات الواسعة للكهرباء والاستياء الشعبي كشفا عواقب «التشظي المؤسسي، وسوء إدارة الموارد، وضعف الاستثمار، وانعدام التنسيق في صنع القرار».

ويعيد تحذير تيته بشأن هشاشة الوضع الأمني على طول الساحل الغربي، حيث تتنافس جماعات مسلحة مرتبطة بتهريب المخدرات والبشر والوقود، طرح أسئلة غير معلنة بشأن الميليشيات المسلحة التي أصبحت جزءًا من المشهد الليبي الراهن.

ومن الجوانب المهمة لهذا التحذير، محاولة الدبيبة إعادة ترتيب قواته استعدادًا لعملية عسكرية محتملة لانتزاع السيطرة على الزاوية من الميليشيات المحلية، وهي العملية التي أصبحت أولوية استراتيجية بسبب وجود مصفاة النفط هناك.

غير أن محمد الهنيش، عضو مجلس النواب الليبي عن الزاوية، يحذّر من أن اقتحام المدينة ليس مهمة سهلة، وأن مثل هذه الخطوة قد تترتب عليها تكاليف أمنية وسياسية باهظة.

ويقول الهنيش إن نجاح أي تسوية سياسية سيعتمد على قدرة الإدارة الأمريكية على ممارسة ضغط قوي ومتوازن على جميع الأطراف. وأضاف أن الفشل في هذا الجانب قد يفتح الباب أمام تصعيد مسلح جديد، يؤدي إلى انقسام أشد سوءًا مما هو قائم اليوم.

الزاوية: بالون اختبار

يحظى مستقبل الوضع الأمني في الزاوية بأهمية كبيرة بالنسبة إلى بولس. كما أنه مهم بالنسبة إلى شركة جنرال إلكتريك الأمريكية، التي أعلنت إجلاء فرقها الفنية من محطة كهرباء في الزاوية إلى حين تحسن الوضع الأمني.

فالزاوية، الواقعة على بُعد نحو 25 ميلًا غرب طرابلس، والتي تضم أكبر مصفاة نفط ليبية عاملة، ليست مجرد مدينة مضطربة؛ بل أرى أنها تمثل اختبارًا رئيسيًا لمبادرة بولس.

وأي تصعيد هناك من شأنه أن يضعف موقف الدبيبة، ويزيد هشاشة البيئة الأمنية في الغرب. وهذا يهدد المبادرة الأمريكية بصورة مباشرة، لأنها تعتمد على الحفاظ على الاستقرار الهش في البلاد.

ومن المنظور الأمريكي، يتمثل الهدف في فرض تسوية لتقاسم السلطة بين الشرق والغرب، توحّد المؤسسات وتخلق الظروف الملائمة للاستثمار في قطاع الطاقة.

وقد أثبتت الزاوية أن البعد الأمني في مبادرة بولس لا يزال غير متطور بما يكفي، وهو ما أظهره بوضوح الانسحاب السريع لشركة جنرال إلكتريك من المحطة هناك. وينبغي أن يكون هذا الانسحاب بمثابة جرس إنذار لبولس، بينما يسعى إلى إقناع شركات أمريكية أخرى بالعودة إلى ليبيا.

وعلى الرغم من نجاح بولس في توحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 عامًا، فإن الصراع بين بنغازي وطرابلس بشأن عائدات النفط وإدارة المصرف المركزي لا يزال مستمرًا.

وإذا حاول الدبيبة اقتحام الزاوية وفرض سيطرته عليها، فستجد المبادرة نفسها تحت ضغط شديد؛ إذ إن فشله المتوقع سيعني بالضرورة أنه ليس الطرف الموثوق به لتحقيق الاستقرار.

ومن وجهة نظر الخبير النفطي أحمد الشحاتي، فإن مبادرة بولس لا تستهدف حل جذور الصراع الليبي، بل تهدف، بصورة براغماتية، إلى تجميد الصراع مؤقتًا وحماية تدفقات النفط.

ويرى الشحاتي أن هذا الترتيب قد ينجح في منع الاشتباكات العسكرية بين النخب، وتحقيق قدر من الاستقرار في تدفق الأموال، لكنه يظل هشًا على المدى الطويل.

عائلة حفتر متعددة الأصوات

في الشرق، وتحديدًا في معقل حفتر بمدينة بنغازي، ثالث أكبر مدن ليبيا، لا يبدو الوضع أقل تعقيدًا.

فقد تلقى حفتر ضربة باغتيال المنصوري، أحد أبرز مساعديه ورئيس استخباراته العسكرية. لكنه نجح في إبقاء معظم الاهتمام منصبًا على جهوده الحثيثة لتقديم نفسه وابنه صدام بصورة محببة لدى الأطراف الأمريكية والروسية على حد سواء، وذلك جزئيًا من خلال المساعدة في تأمين إطلاق سراح طيار أمريكي ومقاتلين اثنين من فيلق أفريقيا الروسي في مالي.

ومن خلال التقرب من القوى الأجنبية، يأمل خليفة حفتر في ضمان نفوذ عائلته في أي اتفاق مستقبلي. ولم يُعلن اتفاق التسوية الذي يقترحه بولس على الملأ، لكن تقارير تشير إلى أنه قد يضع صدام على رأس المجلس الرئاسي، الذي سيتولى الحكم بالتوازي مع الدبيبة بصفته رئيسًا للوزراء.

وتسلط إحاطة تيته الأخيرة الضوء على تباين الأولويات بين المبادرتين المتنافستين: ففي حين تعمل الأمم المتحدة على توحيد المؤسسات الأمنية والتنفيذية تمهيدًا لإجراء الانتخابات المؤجلة منذ فترة طويلة، يسعى بولس ببساطة إلى تحقيق توافق سياسي واقتصادي بين مراكز القوة الحالية.

وفي انتقاد ضمني لمسار بولس، رأت تيته أن «إنشاء مسارات ومبادرات موازية قد يفتح الباب أمام إضاعة الوقت والبحث عن منصات بديلة، وهو ما ينبغي تجنبه».

وحذّر عبد الجليل مايوف، مستشار شؤون الطاقة في الحكومة الليبية السابقة، من أن موازين القوى على الأرض تغيرت بالكامل مقارنة بعام 2015، عندما فتح اتفاق الصخيرات الطريق أمام المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة. فقد أصبحت الميليشيات اليوم أقوى بكثير، وبسطت سيطرتها على الاقتصاد في غرب ليبيا، إلى حد يدفع مايوف، بتشاؤم، إلى التساؤل عما إذا كانت مبادرة بولس تهدف أصلًا إلى «تنصيب هذه الميليشيات رسميًا» قادةً للمنطقة.

ماذا بعد؟

هنا تكمن المعضلة: هل من الممكن حماية المبادرة الأمريكية؟ وهل سيقبل بها الجميع؟ وما حدود القدرة الأمريكية على فرضها وضمان استمرارها من دون أن تتعرض لموت مفاجئ؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف خطورة أن يعمل بولس على توحيد المؤسسات وصياغة اتفاق سياسي، من دون توفير البيئة الأمنية الضرورية أولًا.

لقد مثّلت أحداث الزاوية ثمنًا باهظًا لشركة أمريكية، وسلّطت الضوء على حجم التهديدات الأمنية. وبالمثل، أعادت عملية اغتيال مساعد حفتر في الشرق فتح جراح مكافحة الإرهاب التي ظن كثير من المراقبين أنها التأمت.

ومن المؤكد أن بولس سيجد شركاء لمبادرته، وربما يتوصل إلى اتفاق في وقت لاحق، لكن معضلة ضمان تنفيذ هذا الاتفاق ستظل قائمة.

وعلى الرغم من أن المبادرة الأممية ليست فعالة تمامًا، وتواجه صعوبات في إقناع الشركاء المحليين، فإنها تولي، على الأقل، اهتمامًا أكبر بخطورة الوضع الأمني. غير أنها فشلت حتى الآن في تفكيك الميليشيات وإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.

وينظر بعض الليبيين بريبة إلى مبادرة بولس، باعتبارها وسيلة لإعادة تدوير النخب الحاكمة المسؤولة عن الفشل المؤسسي في البلاد، والإبقاء على «الديناصورات» التي ترفض الانقراض.

ولذلك، يتعين على بولس أن يمنح الوضعين الأمني والعسكري أهمية أكبر. فهما، في نهاية المطاف، البعد الأهم في مسعاه الطموح إلى تأمين حل سياسي للحرب، وهو حل لن ينجح بالتأكيد في غياب قوة تحميه.

***

خالد محمود ـ صحفي مصري وخريج جامعة القاهرة. متخصص في الشؤون العربية والسياسية، وتحظى تقاريره باستشهاد واسع من جانب وكالات الأنباء العالمية.

_______________

اتفاق سرت.. تقدم عسكري وتعثر سياسي في ليبيا

في وقت لا يزال فيه المسار السياسي في ليبيا يواجه خلافات مؤسسية وانقسامات داخل الأجسام السياسية، حقق المسار العسكري خطوة جديدة باتجاه تعزيز التنسيق بين الشرق والغرب بعد اتفاق رؤساء الأركان النوعية للقوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي في المنطقتين على برنامج للعمل المشترك.

واتفق رؤساء الأركان النوعية خلال اجتماع عقد في مدينة سرت، الأربعاء، على برنامج عمل يتضمن 4 محاور رئيسية لتعزيز التعاون والتكامل بين مكونات المؤسسة العسكرية.

ويشمل البرنامج التدريب والمناورات العسكرية المشتركة والتعاون في مجال التسليح وتحديث المعدات والتنسيق اللوجستي وتبادل قطع الغيار والإمدادات إلى جانب التأهيل العلمي والعسكري من خلال المؤسسات التعليمية والكليات والمدارس المتخصصة.

وتأتي هذه الخطوة في سياق سلسلة من اللقاءات العسكرية بين الشرق والغرب وبناء على نتائج الاجتماعات التي عقدها رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة شرق ليبيا خالد حفتر والفريق صلاح النمروش رئيس الأركان العامة التابعة للحكومة في طرابلس.

واتفق المشاركون على استمرار اللقاءات بين رؤساء الأركان النوعية والإدارات العامة وتعزيز التنسيق في القضايا المرتبطة بسيادة الدولة مع تولي كل رئاسة أركان إعداد خطتها التنفيذية لتطبيق المحاور الأربعة المتفق عليها.

المسار العسكري

وقال الخبير العسكري الليبي العميد شرف الدين العلواني في تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” إن الاجتماعات العسكرية في سرت تمثل “خطوة هامة” للدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية وتحمل رسائل إلى الدول الكبرى التي لديها مصالح مشتركة مع ليبيا وتبحث عن أمن واستقرار المنطقة.

وأضاف أن نجاح مشروع توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية مرتبط من وجهة نظره بمدى جدية الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا إلى جانب الدول الأخرى ذات المصالح في ليبيا في دعم هذا المسار.

ويرى العلواني أن توحيد الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والمؤسسات السيادية والاقتصادية سيكون اختبارًا حاسما للمشهد الليبي ككل بما في ذلك المسار السياسي محذرًا من أن فشل المشروع قد يدفع البلاد بحسب تقديره نحو مزيد من الصراع.

مساران لا يتحركان بالسرعة نفسها

وبينما يحقق المسار العسكري خطوات عملية لا يزال المسار السياسي يواجه أزمة جديدة خصوصا داخل المجلس الأعلى للدولة على خلفية الخلاف حول اتفاق “4+4” الذي يتضمن خارطة طريق للانتخابات الرئاسية والنيابية المرتقبة.

وتصاعد الخلاف عقب إسقاط عضوية العضوين عبد الجليل الشاوش وعلي عبد العزيز من المجلس على خلفية توقيعهما الاتفاق فيما أعلنت تنسيقية الكتل بالمجلس رفضها نتائج الجلسة الأخيرة وما شاب عملية التصويت من ملابسات مؤكدة رفضها قرار إسقاط العضوية.

ومنحت التنسيقية رئاسة المجلس فرصة لتدارك الوضع والعودة إلى الأطر القانونية والتوافقية محذرة من أن استمرار الأزمة قد يمس وحدة المجلس وهيبته واستقلال قراره.

ولم يتوقف الخلاف عند المجلس الأعلى للدولة إذ امتد إلى المجلس الرئاسي مع رفض رئيسه محمد المنفي الاتفاق مقابل دعمه من النائب بالمجلس موسى الكوني.

ويرى عضو مجلس الدولة الليبي أحمد أهمومة في تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” أن الخطوات التي بُذلت ولا تزال تُبذل لتوحيد المؤسسة العسكرية “ليس لها علاقة بالمسار السياسي” معتبرًا أن المسارين يسيران بصورة منفصلة.

وأوضح أهمومة أن الرعاية الأساسية للمسار العسكري بحسب تقديره تأتي من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” وأن المسار العسكري سابق للمسار السياسي فيما تمثل الولايات المتحدة الراعي الرئيسي له مع وجود دعم أممي.

وأشار إلى أن المسار العسكري قطع شوطًا طويلًا عبر اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” لافتًا إلى تنفيذ مناورة عسكرية مشتركة بين القوات في الشرق والغرب فضلًا عن تشكيل قوة مشتركة لتأمين الجنوب.

وأضاف أن تعثر المسار السياسي لن يكون بالضرورة مؤثرًا في المسار العسكري معتبرًا أن هذا المسار يستطيع مواصلة تقدمه بمعزل عن الأزمات السياسية.

في المقابل يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي في تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” أن اجتماعات رؤساء الأركان من الشرق والغرب في سرت “غاية في الأهمية” لأنها تضع أسسًا أكثر متانة وصلابة للتعاون العسكري.

وأوضح الأوجلي أن هذه الاجتماعات تسير في تقديره في السياق نفسه الذي حددته المبادرة الأميركية وما أُعلن خلال زيارة أعضاء من الكونغرس الأميركي إلى الرجمة وطرابلس معتبرا أن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها تبدو الآن في مرحلة الانتقال إلى التنفيذ.

ورفض اعتبار التحرك العسكري محاولة للتغطية على الفشل السياسي مؤكدًا أن المؤسسة العسكرية حققت تقدمًا منذ بدء عمل اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” في الوقت الذي ظل فيه المسار السياسي متعثرا.

وأضاف أن ما يميز المسار العسكري هو قدرته على الاستمرار بعيدًا عن تعقيدات السياسة معتبرًا أن الخطوة الأخيرة قد تفتح أبوابًا جديدة وربما تتحول إلى دافع للسياسيين من أجل إنتاج توافق.

وأشار إلى أن تحقيق توحيد فعلي للمؤسسة العسكرية قد يغير الحسابات السياسية في البلاد لأن وجود جيش ليبي موحد وقادر على الاضطلاع بمسؤولياته في مختلف أنحاء البلاد قد يفرض واقعًا جديدًا على القوى السياسية.

اختبار الفاعلية

لكن هذا التقدم لا يخلو من شكوك بشأن مدى قدرته على إحداث تحول فعلي في بنية المؤسسة العسكرية الليبية وقال المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ في تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” إن الاجتماعات التي تجمع القيادات العسكرية من الشرق والغرب مهمة، لكنه شكك في قدرتها وحدها على إحداث تغيير فعلي في المشهد العسكري.

وأوضح محفوظ أن الإشكال الليبي لا يتعلق بمجرد تنسيق فني أو قضايا لوجستية وإنما بوجود جيشين في الشرق والغرب إلى جانب تشكيلات وميليشيات عسكرية في المنطقة الغربية معتبرًا أن ذلك يجعل الحديث عن تنسيقات بين القيادات العسكرية غير كافٍ لمعالجة الوضع القائم.

وأضاف أن عقد مثل هذه الاجتماعات بصورة متكررة لا يعني بالضرورة أنها تمثل مؤشرًا حقيقيًا على قرب توحيد المؤسسة العسكرية لأن توحيد المؤسسة العسكرية يحتاج إلى قرار سياسي بين الأطراف المتنافسة ضمن عملية سياسية متكاملة.

وأشار محفوظ إلى تجربة اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” التي تشكلت عقب اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020 وضمت خمسة عسكريين من الشرق وخمسة من الغرب وحظيت بدعم دولي وقرارات من مجلس الأمن معتبرًا أنها رغم ذلك لم تتمكن من تحقيق الأهداف التي حددت لها.

بناء ثقة

ومن زاوية أخرى يرى المحلل السياسي الليبي فيصل الفيتوري رئيس الائتلاف الليبي-الأميركي في واشنطن أن ما يحدث لا يمثل نجاحًا عسكريًا لتعويض التعثر السياسي وإنما خطوة أولى في عملية طويلة لإعادة بناء الثقة بين المؤسسة العسكرية في الشرق والغرب.

وقال الفيتوري في تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” إن التدريب والمناورات والتنسيق والتأهيل تمثل مراحل ضرورية لكن توحيد الجيش فعليًا يبدأ عند حسم ملفات القيادة والسيطرة والتسلسل القيادي ودمج الوحدات وإدارة السلاح وصولًا إلى قرار عسكري وطني واحد.

_________________

ليبيا بين استعجال الانتخابات وخطر الاستقرار الهش

ابراهيم الأصيفر

إن أكثر ما يلفت الانتباه في النقاش الدائر حول مستقبل ليبيا هو أن الجميع تقريبا يتحدث عن الانتخابات باعتبارها المخرج الوحيد من الأزمة بينما لا أحد يريد أن يواجه السؤال الأكثر صعوبة وهو ماذا سيحدث في اليوم التالي للانتخابات.

وهل تمتلك البلاد بالفعل الشروط السياسية والأمنية والمؤسسية التي تجعل نتائج الصندوق قابلة للتنفيذ والاستمرار؟.

المواطن الليبي العادي الذي يتابع المشهد من خلال التصريحات والبيانات واللقاءات السياسية يرى أن الانتخابات تأخرت بما يكفي وأن استمرار المرحلة الانتقالية أصبح عبئا على الدولة والمجتمع، وأن إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن يمكن أن يعيد بعض الاستقرار إلى الحياة السياسية ويمنح الاقتصاد فرصة للخروج من حالة عدم اليقين ويفتح المجال أمام بناء مؤسسات شرعية تستطيع أن تتحمل مسؤولية إدارة البلاد.

وهذا التصور ليس خاطئا بل هو انعكاس طبيعي لرغبة مجتمع أنهكته سنوات الانقسام السياسي وتعدد الحكومات وتضارب المؤسسات وتراجع الثقة في النخب السياسية. لذلك فمن الطبيعي أن ينظر المواطن إلى الانتخابات باعتبارها باب الخروج الأقرب من هذه الحالة.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من زاوية المواطن إلى زاوية رجل الدولة الذي لا ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد يوم يذهب فيه الناس إلى صناديق الاقتراع وإنما باعتبارها عملية سياسية كاملة تبدأ قبل الاقتراع وتستمر بعد إعلان النتائج.

من هذه الزاوية فإن إجراء الانتخابات بسرعة في بيئة ما زالت فيها لغة المغالبة حاضرة وموازين القوة قادرة على التأثير في القرار السياسي قد يؤدي إلى إنتاج استقرار مؤقت وهش بدلا من إنتاج دولة مستقرة.

فالانتخابات لا تستطيع وحدها إنهاء الانقسام ولا تستطيع إجبار القوى التي ستخسر على قبول النتائج ولا تستطيع أن تمنع استخدام النفوذ السياسي أو الاقتصادي أو الأمني في مرحلة ما بعد الانتخابات إذا لم تكن هناك قواعد واضحة تحكم الجميع وتضمن أن الخلاف السياسي لن يتحول مرة أخرى إلى صراع على الأرض.

وهنا تحديدا يجب أن نفهم لماذا لم تصل ليبيا إلى الانتخابات حتى الآن.

فالمشكلة لم تكن في عدم معرفة الليبيين بأهمية الانتخابات ولا في عدم وجود مفوضية قادرة من الناحية الفنية على تنظيمها وإنما كانت في غياب التوافق السياسي حول القواعد التي ستجري وفقها الانتخابات وحول شكل السلطة التي ستنتج عنها وحول الضمانات التي يمكن أن تمنع إعادة إنتاج الصراع بعد إعلان النتائج.

انتخابات عام 2021 كانت المثال الأكثر وضوحا على ذلك، فقد وصلت البلاد إلى أعتاب الاقتراع لكنها لم تتمكن من عبور المرحلة الأخيرة لأن الخلافات حول القواعد والمرشحين والسلطة التي ستتولى إدارة البلاد بعد الانتخابات تحولت إلى خلافات سياسية وقانونية عميقة انتهت بإجهاض العملية برمتها.

ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الانتخابات في الخطاب السياسي الليبي حاضرة بقوة في البيانات والتصريحات لكنها بقيت غائبة عن الواقع لأن القوى المتنافسة لم تتمكن من الاتفاق على معادلة تضمن لها جميعا القدرة على الاستمرار في المشهد السياسي بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

وفي هذا السياق يأتي اتفاق 4+4 باعتباره محاولة جديدة لإعادة تحريك المسار السياسي ووضع إطار يمكن من خلاله معالجة بعض العقد التي عطلت الانتخابات طوال السنوات الماضية.

لكن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في الحديث عن الانتخابات وإنما في قدرته على خلق أرضية سياسية تسمح بإجراء انتخابات يمكن لجميع الأطراف التعامل مع نتائجها.

فإذا بقي الاتفاق مجرد تفاهم سياسي دون ترجمة مؤسسية وقانونية ودون معالجة حقيقية لمسألة السلطة التنفيذية والضمانات الأمنية والقبول بنتائج الاقتراع فإن ليبيا ستجد نفسها أمام المشكلة نفسها التي واجهتها في السابق ولكن بموعد انتخابي جديد.

وهذا هو السبب في أن النقاش حول اتفاق 4+4 يجب ألا ينحصر في السؤال عما إذا كان الاتفاق سيقود إلى الانتخابات أم لا وإنما يجب أن يتجه إلى السؤال الأكثر أهمية وهو هل يستطيع هذا الاتفاق تغيير طريقة إدارة الصراع السياسي في ليبيا.

فالانتخابات لا يمكن أن تكون نقطة نهاية إذا كانت الأطراف لا تزال تنظر إلى السلطة باعتبارها غنيمة سياسية واقتصادية وإذا كانت أدوات القوة قادرة على التدخل في تحديد موازين النفوذ.

الدولة الحديثة تقوم على قاعدة بسيطة وهي أن السلطة تنتقل عبر المؤسسات وأن الخلافات السياسية تحسم من خلال القواعد وليس من خلال القوة.

وفي ليبيا ما زال هذا المبدأ بحاجة إلى ترسيخ حقيقي قبل أن يصبح من الممكن الحديث عن انتخابات قادرة على إنهاء المرحلة الانتقالية.

إن الخطر الحقيقي لا يتمثل في أن يخسر طرف سياسي الانتخابات وإنما في أن يخسر ثم يرفض الاعتراف بالنتيجة ويمتلك في الوقت نفسه الأدوات التي تسمح له بتعطيل مؤسسات الدولة أو فرض واقع جديد.

في الدول المستقرة توجد مؤسسات قادرة على حماية نتائج الانتخابات من أي محاولة للانقلاب عليها سياسيا أو أمنيا. أما في ليبيا فما زالت الدولة نفسها جزءا من الصراع السياسي ولذلك فإن إجراء الانتخابات قبل معالجة هذه المسألة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماما.

يمكن أن ننتقل من انقسام سياسي قبل الانتخابات إلى انقسام سياسي أشد بعد الانتخابات إذا لم تكن هناك قواعد تجعل الجميع يدرك أن الصندوق هو الطريق الوحيد للوصول إلى السلطة وأن خسارة الانتخابات لا تعني خسارة الدولة ولا تعني إقصاء الطرف الخاسر من الحياة السياسية.

ولهذا فإن الدعوة إلى إجراء الانتخابات في أسرع وقت تحتاج إلى قدر من الواقعية السياسية.

نعم ليبيا بحاجة إلى انتخابات عاجلة لأنها لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية في المرحلة الانتقالية ولا يمكن بناء دولة مستقرة فوق مؤسسات مؤقتة ومتنازعة. لكن الاستعجال في حد ذاته ليس ضمانة للنجاح.

الانتخابات التي تأتي في بيئة غير مستقرة قد تمنح البلاد شرعية انتخابية مؤقتة لكنها قد لا تمنحها استقرارا دائما.

والمطلوب ليس تأجيل الانتخابات حتى الوصول إلى توافق كامل فهذا أمر غير واقعي وربما يتحول إلى ذريعة جديدة للتأجيل وإنما الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق الذي يجعل الانتخابات ممكنة وقابلة للاستمرار ويضمن أن جميع الأطراف ستتعامل مع نتائجها باعتبارها قاعدة جديدة لإدارة الدولة وليس مجرد نتيجة مؤقتة قابلة للطعن بالقوة.

ومن هنا أيضا يجب أن تتغير نظرة المجتمع الدولي إلى الملف الليبي. الضغط باتجاه الانتخابات أمر مهم لكنه لا يكفي.

المجتمع الدولي مطالب بأن يضغط بالقدر نفسه من أجل خلق البيئة السياسية والأمنية التي تحمي نتائج الانتخابات وأن يوضح للأطراف الليبية أن استخدام القوة أو المؤسسات أو المال العام لرفض نتائج الصندوق لن يكون مقبولا.

فالانتخابات التي لا تحظى بضمانات سياسية وأمنية حقيقية قد تتحول إلى مناسبة لإعادة إنتاج الأزمة بدلا من حلها.

وفي المقابل تتحمل النخب السياسية الليبية مسؤولية تاريخية أكبر من أي وقت مضى. لا يمكن لهذه النخب أن تستمر في الحديث عن الانتخابات بينما تبحث في الوقت نفسه عن الشروط التي تضمن بقاءها في السلطة أو تمنحها القدرة على تعطيل النتائج التي لا تتوافق مع مصالحها.

كما لا يمكن استخدام الحديث عن المخاطر الأمنية والسياسية ذريعة مفتوحة لتأجيل الانتخابات إلى أجل غير معلوم.

المطلوب هو التمييز بين التهيئة الضرورية للانتخابات وبين التعطيل المتعمد لها. التهيئة تعني بناء الضمانات والقواعد والمؤسسات أما التعطيل فهو إبقاء البلاد في حالة انتقالية لأن بعض الأطراف ترى أن مصالحها أفضل في ظل الوضع القائم.

في النهاية، ليبيا وصلت إلى لحظة لا ينبغي فيها أن يكون السؤال الأساسي هو متى ستجرى الانتخابات وإنما هل أصبحنا مستعدين للعيش مع نتائجها.

هذا هو الاختبار الحقيقي لأي اتفاق سياسي جديد بما في ذلك اتفاق 4+4.

فإذا كان الاتفاق قادرا على نقل البلاد من منطق المغالبة إلى منطق التنافس السياسي، ومن منطق القوة إلى منطق المؤسسات، ومن منطق الاحتفاظ بالسلطة إلى منطق تداولها، فإنه يمكن أن يمثل خطوة حقيقية نحو إنهاء الأزمة.

أما إذا بقيت المعادلة كما هي وظلت كل قوة سياسية تفكر في كيفية حماية مصالحها في حال خسارتها للانتخابات فإن تحديد موعد جديد للاقتراع لن يكون أكثر من تأجيل جديد للأزمة.

ليبيا لا تحتاج فقط إلى انتخابات سريعة وإنما تحتاج إلى انتخابات تستطيع أن تعيش نتائجها.

وهذه هي المسألة التي يجب أن ينظر إليها رجل الدولة قبل المواطن والسياسي والمجتمع الدولي.

فالاستقرار الحقيقي لا يبدأ من يوم الاقتراع وإنما يبدأ عندما تصبح إرادة الناخب أقوى من إرادة السلاح، وعندما يدرك الفائز أن عليه احترام قواعد الدولة، ويدرك الخاسر أن خسارته السياسية لا تعني نهايته ولا تمنحه الحق في إسقاط العملية برمتها.

عندها فقط يمكن أن تتحول الانتخابات من محطة جديدة في مسلسل الانتقال السياسي إلى بداية فعلية لبناء دولة مستقرة وقابلة للاستمرار.

***

إبراهيم الاصيفر ـ باحث ومستشار في الشؤون السياسية، ويختص في تحليل المشهد الليبي والإقليمي، مع تركيز على قضايا الحوكمة والتحولات في الأنظمة السياسية.

_________________

هل اقتربت نهاية الصراع المدمر على السلطة في ليبيا؟

كيرستن كنيب

دويتشه فيله

انقسمت الدولة الواقعة في شمال إفريقيا بين حكومتين متنافستين لأكثر من عقد من الزمان. وقد تضع الانتخابات على مستوى البلاد حدًا نهائيًا لهذا الانقسام وتعيد توحيد ليبيا.

لقد بُذلت محاولات أخرى في الماضي، لكن هذه المرة، يأمل المعنيون أن تكلل بالنجاح: بفضل وساطة الأمم المتحدة، اتفقت الحكومتان المتعارضتان في غرب ليبيا وشرقها على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية خلال العامين المقبلين.

وقالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (يونسميل) في بيان لها: “يمثل الاتفاق خطوة مهمة نحو دفع ليبيا نحو انتخابات وطنية وإنهاء الفترة الانتقالية”.

ومن بين الأمور الأخرى، ستتم إعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ووفقًا للأمم المتحدة، تم حل العديد من النقاط الخلافية السابقة المتعلقة بالإطار القانوني للانتخابات.

لكن ما إذا كان كل هذا سيسفر بالفعل عن انتخابات حرة ونزيهة في ليبيا، فلا يزال أمرًا غير مؤكد.

انقسام دامٍ لأكثر من عقد

بعد الإطاحة بالدكتاتور الليبي السابق معمر القذافي في عام 2011، انقسمت ليبيا إلى شطرين.

منذ عام 2014، أصبحت البلاد منقسمة بين حكومتين متعارضتين في شرق البلاد وغربها. تتمركز حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس غربًا، بينما يقع مقر منافستها، المعروفة بمجلس النواب، في الشرق، وتحديدًا في طبرق.

الزعيم العسكري السابق الذي تحول إلى سياسي، خليفة حفتر، يتخذ من الشرق مقرًا له، بينما يتولى رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة المسؤولية في الغرب.

يدعم كل منهما عدد من الميليشيات المحلية وقوى أجنبية، وحاول كل منهما انتزاع السيطرة من الآخر. وحتى الآن، باءت جميع محاولات إجراء انتخابات توحد البلاد بالفشل.

تغير في المواقف

يرى أندرياس ديتمان، الخبير في الصراعات الجغرافية وأستاذ في جامعة غيسن في هيسن بوسط ألمانيا، أن هذا الوحدة الظاهرية أمر إيجابي.

وقال لـ DW: “لم يكن من الممكن أن تستمر الأمور على ما هي عليه”.

بعد سنوات من الحرب الأهلية والانقسام السياسي، ازدادت رغبة العديد من الليبيين في إنهاء القتال بشكل دائم. ويعتقد ديتمان أن مواقف الفاعلين السياسيين تغيرت أيضًا في هذا الصدد.

في السابق، كانت القوى الخارجية تدعم حكومة ليبية واحدة فقط، لكن ذلك تغير أيضًا، وبات الرأي السائد هو أن ليبيا لا يمكن أن تتطور إلا إذا تم إدماج الطرفين في إدارة واحدة.

لهذا السبب، تحاول الأمم المتحدة تجاوز مجرد تحديد موعد للانتخابات، بل تريد أيضًا تعزيز مفوضية الانتخابات والعمل على القوانين الانتخابية. وستكون الحكومة الجديدة الموحدة مسؤولة عن تهيئة الظروف اللازمة لعملية انتخابية آمنة وموثوقة.

كما أنشأت الأمم المتحدة ما يسمى بـ”الحوارات المنظمة”، التي سعى خلالها إلى تحقيق توافق في الآراء بشأن قضايا القيادة والأمن والاقتصاد والمصالحة.

اتفاقيات سابقة لم تنجح

يرى مايكل باور، الذي يرأس مكتب تونس لمؤسسة كونراد أديناور الألمانية، أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة، وإن كانت محدودة. وأشار إلى أن نجاحها سيعتمد على مدى إلزامية أي قرارات يتم اتخاذها.

ففي النهاية، قال باور إنه كان هناك العديد من الاتفاقيات السياسية في ليبيا في الماضي القريب، لكن لم يتم تنفيذ أي منها فعليًا.

بالتوازي مع عملية الأمم المتحدة، تحاول الولايات المتحدة أيضًا العمل على جمع القيادة المتفرقة. فقد حاول مسعود بولس، المستشار البارز لإدارة ترامب لشؤون العرب والشرق الأوسط، التقريب بين عائلتي الدبيبة وحفتر.

وفي يونيو، كان نجل حفتر، سدام، في واشنطن حيث التقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.

قال باور إن الطريقة الأمريكية في التعامل مع ليبيا تختلف عن خطة الأمم المتحدة. وأوضح لـ DW: “بينما كانت بعثة الأمم المتحدة شاملة بشكل أساسي في رأيي، فإن البعثة الأمريكية تحاول إحداث نوع من الاتفاق بين نخب البلاد”.

ويتساءل عن مدى ملاءمة مثل هذا الاتفاق للانتخابات الحرة والنزيهة في ليبيا.

وأضاف باور: “لا يمكن للانتخابات أن تكون ذات معنى إلا إذا لم تكن نتيجتها محددة سلفًا”. وينطبق الشيء نفسه على أي توزيع مسبق للمناصب السياسية قبل الانتخابات.

صفقة النخب؟

حذرت مؤسسة تشاتام هاوس، وهي مؤسسة فكرية مقرها المملكة المتحدة، من أن صفقة من هذا النوع، حول الحقائب الوزارية والموارد، لن تؤدي إلا إلى إضفاء الطابع المؤسسي على التنافس القائم بين النخب الحاكمة في ليبيا. فبموجب مثل هذا الترتيب، سيقوم الفاعلون المتنافسون بتقسيم موارد الدولة فيما بينهم، وستستمر أنظمة الفساد والمحسوبية.

سيكون التغلب على انقسام البلاد إلى شرق وغرب أمرًا صعبًا. وسيتعين على الحكومة الموحدة الجديدة التعامل مع هياكل السلطة القائمة، بدلاً من البدء من الصفر.

تحديات إضافية

قال ديتمان إن هناك مشكلة إضافية، وهي أن غالبية السكان الليبيين يعيشون في المناطق الغربية، خاصة في منطقة طرابلس. وهذا يعني أن النصف الشرقي من البلاد سيخسر السلطة إذا أجريت الانتخابات.

وأوضح قائلاً: “إذا أجريت انتخابات، وإذا سارت هذه الانتخابات وفقًا للمبادئ الديمقراطية في الغالب، فإن الشرق سيخسر حتمًا”.

إضافة إلى ذلك، هناك فاعلون خارجيون يجب أخذهم في الاعتبار. فقد عززت روسيا انتشارها في الشرق بينما تدعم تركيا الحكومة في الغرب.

إلى جانب كل ذلك، هناك أيضًا مسألة ما يريده الشعب الليبي وما يتوقعه من حكومة موحدة. ويشك باور في أن الانتخابات وحدها يمكنها حل مشاكل ليبيا.

وقال: “الشعب لديه اهتمام خاص برؤية خلل عمل الدولة ينتهي”.

ليبيا غنية بالمواد الخام واحتياطيات الطاقة، لكنها تعاني أيضًا من مشاكل مثل انقطاع التيار الكهربائي وضعف الخدمات العامة. وإذا كان أداء الدولة يعمل بشكل صحيح، فمن المرجح أن يحد من سلطة أولئك الذين يستفيدون حاليًا أكثر من غيرهم من موارد البلاد، وكما قال باور: “لماذا يتخلون طواعية عن هذه الفرص؟”.

سيكون هذا هو السؤال الأصعب خلال العامين المقبلين. يجب على الاتفاق الجديد بين الخصوم السياسيين في ليبيا أن يفعل أكثر من مجرد رسم طريق نحو الانتخابات. بل يجب أن يخلق إطارًا يقبل فيه هؤلاء الخصوم بنتائج الانتخابات، وتعمل فيه المؤسسات العامة بشكل صحيح.

___________

اختراق في الملف الليبي

مصطفى الدحدوح

اتفاق تعتبره الأمم المتحدة بالغ الأهمية لكنه يثير خلافات داخل المؤسسات الليبية.

بعد سنوات من الانقسام وتعثر محاولات إجراء الانتخابات، عاد ملف الأزمة الليبية إلى واجهة التحركات الدولية مع توقيع المجموعة المصغرة “4+4” اتفاقا اعتبرته الأمم المتحدة اختراقا في معالجة القضايا التي عطلت الانتخابات.

الاتفاق، الذي حظي بدعم أميركي وأوروبي، يفتح الباب أمام تعديل الإطار الانتخابي وإعادة ترتيب المؤسسات المرتبطة بالاستحقاق المقبل.

لكنه يثير في الوقت نفسه خلافات داخل المؤسسات الليبية بشأن شرعية المجموعة وآلية اعتماد مخرجاتها، ومدى توافقها مع الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي.

وتضم مجموعة “4+4” ممثلين عن القيادة العامة للجيش وحكومة الوحدة ومجلسي النواب والدولة، وتشكلت ضمن خارطة الطريق التي أطلقتها البعثة الأممية.

ورحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتوقيع الاتفاق الذي يعالج أول مرحلتين من مراحل خارطة الطريق.

وتتعلق المرحلتان بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة القضايا الخلافية في الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.

واعتبرت الممثلة الخاصة لغوتيريش في ليبيا، هانا تيتيه، أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو تجاوز المأزق السياسي والمؤسسي الذي أعاق العملية الانتخابية.

بينما قال كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إنه يمثل خطوة مشجعة إلى الأمام في العملية السياسية الليبية.

ونص الاتفاق على إدخال تعديلات على الإطار الانتخابي، بما في ذلك ترتيبات إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية تحت سلطة تنفيذية واحدة، كما يلزم الأطراف بالعمل على إجراء الانتخابات خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً.

وتضمن السماح لمزدوجي الجنسية والعسكريين بالترشح للانتخابات الرئاسية، وإلغاء إلزامية الجولة الثانية في حال فوز أحد المرشحين بالأغلبية المطلقة.

كما نص على تحويل سلطة معالجة قضايا الدستور الدائم، بما في ذلك اعتماده، إلى البرلمان الجديد المنتخب، ومنح الأحزاب السياسية حق المشاركة في الانتخابات.

وفي قراءته للتطورات المرتبطة بالاتفاق، اعتبر أستاذ القانون الخاص، راقي المسماري، أن مبادرة مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي، التي أقرت موازنة وطنية موحدة وتوحيد المؤسستين العسكرية والأمنية، كانت بمثابة إنقاذ للبعثة من المأزق السياسي الذي واجهته في ليبيا.

وسبق أن شدد بولس في حوار سابق مع “الحرة” على أن تفاصيل اتفاقات توحيد المؤسسات تعود إلى الليبيين أنفسهم، بينما تبقى واشنطن على اتصال مع الأطراف الفاعلة لتسهيل جهودها.

ورحبت الحكومة الليبية بالتوقيع على مخرجات مجموعة “4+4″، معتبرة أن الاتفاق خطوة مهمة نحو كسر حالة الانسداد السياسي.

لكن عضو المجلس الأعلى للدولة وحيد برشا وصف الاتفاق، في تصريحات لـ “الحرة”، بأنه “عبث دولي”، معتبرا أنه يقصي المؤسسات التشريعية في ليبيا ولا يلتزم بالإعلان الدستوري ولا بالاتفاق السياسي.

وأشار إلى أن المجلس اتخذ قرارا بحق العضوين المشاركين منه في الاتفاق، وتم تجميد عضويتهما.

وفي المقابل قال عضو اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب، صالح افحيمة، إن الاتفاق جدي، لكنه ليس بديلاً عن المؤسسات، ولا يصبح نافذاً إلا من خلال المسار القانوني والتشريعي الصحيح.

واعتبر في تصريحات لـ”الحرة” أن المجالس الثلاثة، الرئاسي والنواب والدولة، تمسكت سابقا بمسارات لم تنجح في إنهاء الانسداد السياسي، مشدداً على ضرورة أن تكون هذه المجالس جزءاً من الحل لا سبباً في تعطيله.

ولفت إلى أن مجموعة “4+4” ضمت ممثلين عن مجلسي النواب والدولة، وأن أي اعتراض على تفويضهم كان يجب أن يتم فور تشكيلها، وليس بعد ظهور نتائجها.

وردا على الاعتراضات المتعلقة بشرعية المجموعة، أشار المسماري إلى أن مخرجات “4+4” تستند إلى نص المادة رقم 64 من الاتفاق السياسي، التي تنص على اللجوء إلى الحوار في حالة الانسداد السياسي أو الاختناق القانوني.

لكن الخلافات لم تقتصر على شرعية اللجنة، وإنما امتدت إلى آلية اعتماد الاتفاق خلال المهلة التي حددتها البعثة الأممية.

ويرى المسماري أن المدة التي منحتها البعثة للبرلمان ومجلس الدولة للتوافق بشأن التشريع الانتخابي، المقررة بشهر واحد، نقطة حساسة في حسم الملف. ويرجع ذلك في رأيه إلى عدم وجود وقت كاف أمام مجلس النواب، لمعالجة الملحوظات التي قد يبديها مجلس الدولة.

ويرى أن معالجة ذلك تقع على عاتق مجموعة “4+4” وليس مجلس النواب، ما يجعل البعثة أمام خيار المضي نحو خطوة اعتماد الاتفاق عن طريق حوار موسع يمثل كافة التركيبة الليبية.

وسبق أن أكد رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، استعداده للتعاطي الإيجابي مع من شأنه أن يسهم في إنهاء حالة الانقسام والخروج من الأزمة الراهنة، مشترطا أن تكون التوافقات ضمن إطار الإعلان الدستوري والتشريعات النافذة والاتفاق السياسي.

وفي شرق البلاد، اعتبر القائد العام خليفة حفتر الاتفاق خطوة مهمة نحو إزالة ما وصفها بالعراقيل التي حالت طويلاً دون تحقيق تطلعات الشعب الليبي نحو الوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في أقرب وقت ممكن.

ويمثل ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات مشكلة أخرى، إذ أصدر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، بالتزامن مع الاتفاق، مرسوماً بشأن إعادة تسمية عماد السايح رئيساً للمفوضية، بالإضافة إلى أعضاء مجلس إدارتها.

لكن ذلك أثار اعتراضاً داخل المجلس الرئاسي، إذ قال عضو المجلس موسى الكوني إن المرسوم لم يعرض عليه ولم يشارك في إصداره، واصفا الخطوة بأنها انفراد بالقرارات.

ويرى المسماري أن المجلس الرئاسي ليست له أي اختصاصات تتعلق بتعيين رئيس ومجلس إدارة مفوضية الانتخابات، وإن الاختصاص الأصيل يعود إلى مجلسي النواب والدولة، بحسب ما ورد في الاتفاق السياسي.

__________________

معركة سقف الإنفاق في ليبيا تختبر مسار توحيد السلطة

أحمد الخميسي

يضع المسار السياسي الليبي نحو تشكيل سلطة تنفيذية موحّدة وإجراء انتخابات خلال 24 شهراً، المالية العامة وثروات البلاد خاصة من قطاع الطاقة الحيوي، أمام اختبار حاسم، فهل يؤدي توحيد السلطة إلى توحيد القرار المالي، أم يستمر تعدّد مراكز الإنفاق والالتزامات الحكومية؟

وكانت لجنة الحوار الليبية المصغرة “4+4” قد أعلنت بمقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالعاصمة طرابلس، الأحد الماضي، التوقيع على مسودة الاتفاق النهائي لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز عامَين. وقرأ الاتفاق كل من رئيس وفد حكومة الوحدة الوطنية في لجنة “4+4” وليد اللافي، ورئيس وفد القيادة العامة لقوات شرق ليبيا في اللجنة الشيباني أبو همود، بحضور المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه.

يأتي ذلك التطور في وقت تحاول فيه ليبيا الخروج من سنوات الانقسام المالي والمؤسّسي، بينما يعتمد اقتصادها على النفط مصدراً رئيسياً للإيرادات والنقد الأجنبي، وتواجه المالية العامة ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع الإنفاق الجاري وتنامي الالتزامات الحكومية.

وقد يؤدي تشكيل حكومة واحدة إلى إنهاء الازدواجية التنفيذية، لكنه لا يعني بالضرورة إخضاع جميع الأموال العامة فوراً لقرار مالي موحد، فهناك مؤسسات وصناديق تتمتع بدرجات من الاستقلال المالي أو الإداري وتدير مشاريع ومخصصات كبيرة، ما يجعل توحيد السلطة السياسية مختلفاً عن توحيد إدارة المالية العامة، حسب مراقبين.

صعوبة الالتزام بسقف الإنفاق

عن هذه التطورات يقول مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية (مستقل)، أحمد أبو لسين، إن الوضع الاقتصادي والمعيشي في ليبيا “مرشح لمزيد من التدهور”، محذراً من أن توحيد السلطة قد لا يقود بالضرورة إلى خفض الإنفاق العام. ويضيف أبو لسين لـ”العربي الجديد” أنّ “الإنفاق العام قد يرتفع بعد التوحيد إذا صدقت التقديرات المطروحة”، مشيراً إلى احتمال تفاقم الخلاف حول توزيع الموارد بين المناطق والأطراف.

ويرى أن تجربة عام 2026 أظهرت صعوبة الالتزام بسقوف الإنفاق، في ظل زيادة المرتبات وظهور مطالب بتمويل مشاريع إضافية. ويقول إنّ التحدي أمام الحكومة الموحدة سيكون “ضمان الالتزام بسقف الإنفاق ومنع تعدد القرارات المالية”.

وفي المقابل، يرى المحلل المالي محمود سالم أن توحيد السلطة التنفيذية قد يوفر فرصة لتقليص بعض أوجه الازدواجية المالية وتعدد أوج الانفاق العام. ويقول سالم لـ”العربي الجديد” إن الحكومة الموحدة تستطيع “توحيد أولويات الإنفاق وتقليص النفقات المكررة وتحسين تخصيص الموارد”، لكنّه يشترط لتحقيق ذلك وجود قواعد ملزمة تمنع أي جهة من إنشاء التزامات خارج الموازنة، وتخضع جميع الجهات التي تدير المال العام للرقابة والإفصاح.

وحذر صندوق النقد الدولي من اختلالات كبيرة في المالية العامة الليبية إذ قال في تقييمه لعام 2026 إن المسار المالي الحالي “غير مستدام”، مشيراً إلى عجز مالي بلغ نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، ودين عام يقترب من 146% من الناتج.

ودعا الصندوق إلى ضبط الإنفاق وإعادة بناء الاحتياطيات، محذراً من استمرار الضغوط على التضخم وسعر الصرف والاحتياطيات. وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في اقتصاد يعتمد على النفط، إذ يمكن أن يتحول أي توسع في الإنفاق إلى زيادة في الطلب على السلع المستوردة والنقد الأجنبي.

موازنة موحدة واختبار التنفيذ

اعتمدت ليبيا في إبريل/ نيسان 2026 أول موازنة موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، بقيمة 190 مليار دينار (30 مليار دولار أميركي)، وفق سعر صرف يبلغ 6.3 دنانير للدولار، في خطوة هدفت إلى إنهاء الانقسام المالي ووضع إطار موحد للإنفاق. لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بإقرار الموازنة فحسب، بل بقدرة الدولة على تنفيذها وفرض سقف إنفاق ملزم ومنع إنشاء التزامات جديدة خارج الإطار المالي المعتمد.
ويقول المحلل المالي عبد الحكيم عامر غيث إنّ الموازنة الموحدة تفقد جزءاً من وظيفتها كأداة للسياسة المالية إذا لم تلتزم بها جميع الأطراف والمؤسّسات التي تدير المال العام، ويضيف لـ”العربي الجديد” أن تعدّد القرارات المالية خارج إطار الموازنة “يعيد إنتاج الانقسام بصورة مختلفة، حتى في ظل وجود وثيقة موازنة واحدة”.

ويرى غيث أن الاختبار الحقيقي لأي حكومة موحدة لن يكون في إعداد موازنة جديدة، وإنما في قدرتها على تحويلها إلى قاعدة ملزمة لجميع الجهات، بحيث لا تُنشأ التزامات أو مشاريع جديدة من خارجها، ولا تُصرف موارد عامة دون تحديد مصدر التمويل وأثر ذلك على العجز والدين والاحتياطيات.

ووفق أستاذ الاقتصاد في الجامعات الليبية عادل المقرحي فإنّ المرحلة الانتقالية المقبلة قد تشكل اختباراً صعباً للمالية العامة. ويقول لـ”العربي الجديد” إن “الخطر هو أن تستخدم المرحلة الانتقالية لزيادة الإنفاق بهدف تحقيق الاستقرار السياسي، بدلاً من استغلالها لإعادة هيكلة المالية العامة”، ويضيف أن نجاح المرحلة لا ينبغي أن يقاس بإجراء الانتخابات فحسب، بل أيضاً بـ”حجم الالتزامات المالية التي ستسلمها الحكومة الانتقالية إلى السلطة المنتخبة”.

قصة الانقسام المالي

دخلت ليبيا مرحلة الانقسام المؤسّسي منذ عام 2014، مع تفاقم الخلافات السياسية والأمنية، وانعكست على إدارة المالية العامة، مع ظهور حكومات وأجهزة تنفيذية متنافسة وتعدد مراكز اتخاذ القرار والإنفاق. وأدى ذلك إلى صعوبة وضع سياسة مالية موحدة، رغم بقاء الإيرادات النفطية المصدر الرئيسي لتمويل الإنفاق العام.

وخلال السنوات التالية، ارتفع الاعتماد على الإنفاق الجاري، ولا سيما تمويل المرتبات والدعم والتحويلات، مقابل محدودية الإنفاق الموجه إلى مشاريع التنمية وتنويع الاقتصاد وزيادة الإنتاج خارج قطاع النفط.

وفي ظل اعتماد المالية العامة على عائدات النفط، تظل قدرة الدولة على تمويل الإنفاق مرتبطة بدرجة كبيرة بمستويات الإنتاج والتصدير وأسعار الخام في الأسواق العالمية، ما يجعل الموازنة أكثر تعرضاً لتقلبات أسعار النفط وتعطل الإنتاج أو الصادرات، كما أدى الانقسام المؤسّسي إلى تراكم التزامات مالية ومشاريع موزعة بين جهات حكومية وصناديق ومؤسسات مختلفة، ما جعل ضبط الإنفاق وتحديد الأولويات أكثر تعقيداً.

ويبرز صندوق التنمية وإعادة الإعمار كأحد أبرز الاختبارات أمام أي ترتيب مالي جديد، نظراً إلى حجم المشاريع والموارد التي يديرها. فالصندوق، الذي أُنشئ بموجب قانون صادر عن مجلس النواب، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، ويتولى تنفيذ مشاريع في البنية التحتية والإسكان والصحة والتعليم والطرق وغيرها.

وأقر مجلس النواب خطة تنمية للصندوق بقيمة 69 مليار دينار للأعوام 2025 و2026 و2027. ويرى خبراء اقتصاديون أن التحدي لا يتعلق بالإنفاق على إعادة الإعمار في حد ذاته، وإنما بموقع إنفاق الصندوق والتزاماته داخل منظومة المالية العامة.

ويقول المحلل الاقتصادي بشير مصلح إنّ “وجود صندوق بحجم مالي كبير يعمل باستقلالية نسبية عن الموازنة يجعل من الصعب الحديث عن سياسة مالية موحدة ما لم تكن مشروعاته والتزاماته ومصادر تمويله واضحة ومحتسبة ضمن الإطار المالي العام.

ويضيف لـ”العربي الجديد” أنّ “الخطر ليس في الإنفاق على الإعمار، بل في غياب سقف مالي واضح لإجمالي الإنفاق العام، لأنّ توسيع الإنفاق الاستثماري بالتوازي مع الإنفاق الجاري قد يخلق التزامات يصعب تمويلها مستقبلاً، خصوصاً إذا تراجعت الإيرادات النفطية”.

ويرى أنّ المرحلة المقبلة تتطلب إخضاع جميع الإنفاقات العامة، بما فيها مخصّصات الصندوق، لمنظومة واحدة من الإفصاح والرقابة وتقييم الجدوى الاقتصادية، حتى لا يتحوّل الإعمار من أداة لتنويع الاقتصاد وتحفيز الإنتاج إلى قناة إضافية لتوسيع الإنفاق العام.

___________

إنتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

علاء حمودة

ضبط تحويلات مصرفية مشبوهة بأكثر من 24 مليون دينار

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي، الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا، في وقت تكشف فيه الأجهزة المختصة بصورة متكررة عن تدفقات مالية لا تتناسب مع طبيعة الأنشطة المعلنة لأصحابها، وتلاحق أصحابها قضائياً.

وتتجاوز دلالة هذه الواقعة حدود الحسابات المصرفية إلى ظاهرة أوسع، إذ يرى مراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، أن غسل الأموال أصبح «أحد الأوجه الخفية للثراء السريع في ليبيا»، معتبراً أن حالة الفوضى التي تشهدها البلاد وفّرت بيئة مواتية لهذه الممارسات.

وقال غيث لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الممارسات ارتبطت، بحسب تقديره، بزيادة الطلب على الدولار، واتساع أنشطة تجارة المخدرات والسلاح والهجرة غير النظامية، مشيراً إلى أن ظاهرة تبييض الأموال «ارتبطت بصورة أكبر بمرحلة ما بعد الانقسام السياسي والعسكري في عام 2014»، وأنها «لم تكن بهذا الشكل» خلال فترة عضويته في مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي.

ويحقق مكتب النائب العام حالياً مع متهم في واقعة رصد إيداعات وتحويلات مصرفية غير طبيعية، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار على حسابه الشخصي، بعدما لاحظ جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب حركة مالية لا تتناسب مع طبيعة النشاط المصرح به للحساب، فضلاً عن عدم وجود مستندات، أو مبررات تجارية تثبت مشروعية الأموال، بحسب بيان الجهاز، الثلاثاء.

غير أن هذه الواقعة لا تبدو معزولة؛ ففي 3 أغسطس (آب) الحالي، أعلنت الجهات المختصة ضبط المستفيد الحقيقي من تحويلات وإيداعات مالية تجاوزت قيمتها 4 ملايين دينار ليبي، فيما سبقتها في 22 يوليو (تموز) واقعة أخرى، بلغت قيمة التحويلات فيها نحو 3.8 مليون دينار.

وتكشف هذه الوقائع، بحسب غيث، أهمية تشديد الرقابة على التدفقات المالية، وربط حجم الأموال الداخلة إلى الحسابات بطبيعة النشاط والدخل المعلن. وقال بهذا الخصوص: «إذا كان هناك موظف يتقاضى راتباً قدره ألفا دينار، ثم دخل إلى حسابه فجأة 5 ملايين دينار، فلا بد أن يُسأل عن مصدر هذه الأموال، وكيف دخلت إلى حسابه».

مضيفاً أن الرقابة على التحويلات يجب ألا تقتصر على قيمة الأموال، بل يجب أن تمتد إلى صلة المرسل بالمستفيد ومصدر الأموال والغرض من التحويل، ومشيراً إلى أن بعض الدول العربية والغربية تطبق إجراءات أكثر صرامة في تتبع التدفقات المالية.

وتعيش ليبيا منذ أكثر من عقد على وقع انقسام سياسي وأمني، مع وجود حكومتين متنافستين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى في شرقها برئاسة أسامة حماد، وسط ترتيب متدنٍّ في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، التي أصدرتها «منظمة الشفافية الدولية».

ولا ينقطع حديث مدونين ليبيين عن تفشي الفساد في ليبيا، فعلى سبيل المثال تحدث المدون فوزي الشريف عما يصفه بأنه «صناعة المليونيرات» في ليبيا، مشيراً إلى أن الاستفادة من النفوذ أو الأموال العامة قد تتبعها محاولات لإخفاء مصادر الأموال، وإعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، من بينها شراء العقارات، وتحويل جزء من الأموال إلى الخارج، ثم إدخال أموال أخرى في مشروعات تجارية، بينها تجارة السيارات الفارهة.

ويصف عبد الباسط هارون، مدير مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، الفساد في ليبيا، ومن ضمنه جرائم غسل الأموال، بأنه «حرب مدمرة ضد المواطن الليبي»، داعياً الدول التي تستقبل هذه الأموال إلى تطبيق إجراءات صارمة لملاحقة ومساءلة الشخصيات الليبية المتورطة في هذه الممارسات.

ويقول هارون لـ«الشرق الأوسط» إن خطورة غسل الأموال تتجاوز إخفاء المصدر الأصلي للأموال، إلى إعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، بما يسمح بتحويل أموال، يُشتبه في أنها جاءت من مصادر غير قانونية، إلى ثروات يصعب تتبع أصلها.

وسبق أن حث صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) الماضي السلطات الليبية على اعتماد قانون لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يتوافق مع المعايير الدولية، بل وصفه بأنه يمثل «أولوية ملحة» لحماية نزاهة النظام المالي، مضيفاً أن توجيه عمليات الاستيراد عبر الجهاز المصرفي من شأنه تحسين الشفافية، والحد من التدفقات المالية غير المشروعة.

برلمانياً، لا تزال العقبة الرئيسية داخلية، إذ لم يُحسم مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب داخل مجلس النواب، ما يبقي المواجهة مع هذه الجرائم مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على تطوير الإطار التشريعي، وتعزيز التنسيق بين الجهات المصرفية والرقابية والقضائية.

_________________

إعدامات بنغازي: تحول في سياسة ليبيا أم استثناء؟

كريمة ناجي 

مخاوف من استغلالها ضد الخصوم السياسيين

تعد عقوبة الإعدام في ليبيا مقنّنة في التشريعات الليبية منذ صدور قانون العقوبات الليبي عام 1954، وبالعودة إلى تاريخ البلاد ضمن هذا المجال، تم تنفيذ أحكام الإعدام في فترة حكم القذافي التي امتدت أربعة عقود على غرار إعدام مهندس الطيران الصادق حامد الشويهدي عام 1984 حيث تم بث الإعدام على الهواء مباشرة، إضافة إلى إعدام الطلبة في ليبيا في السابع من أبريل عام 1976، حين أقدم نظام القذافي على شنق عدد من الطلاب والمعارضين علناً داخل جامعتي “طرابلس” و”بنغازي”.

طيف عقوبة الإعدام يحط برحاله في ليبيا للمرة الأولى منذ سقوط نظام الرئيس الراحل عمر القذافي عام 2011، وذلك بعد إعلان السلطات العسكرية في شرق ليبيا التابعة لقائد الجيش الليبي المشير خلفية حفتر تنفيذها يوم الإثنين الماضي حكم الإعدام في حق 10 مدانين بجرائم إرهابية وقضايا قتل وذبح في بنغازي و درنة شرق ليبيا وعدد من المناطق الأخرى، فيما تحدثت مصادر أخرى عن تحيين لقائمة عقوبة الإعدام شمل 14 مداناً بجرائم إرهابية وجنائية. 

تطورات أثارت جدلاً بين من يراها خطوة تأتي لإنصاف ضحايا الإرهاب، ومن يصنفها كتجاوز للمحاكمة العادلة، إذ رحب أهالي ضحايا الإرهاب في درنة وبنغازي بها، فيما اعترضت عليها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، مطالبة بفتح تحقيق عاجل ومستقل وشامل في جميع مراحل الإجراءات التي سبقت التنفيذ، والتحقق من استيفاء ضمانات المحاكمة العادلة.

 منظمة رصد الجرائم في ليبيا من جانبها طالبت بالتحقيق في ملابسات المحاكمات وما رافقها من انتهاكات محتملة لضمانات العدالة، ونادى المجلس الأعلى للدولة بالكشف عن الأسماء الكاملة وأرقام القضايا ومراحل التقاضي التي استندت إليها تنفيذ أحكام الإعدام.

مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من جهتها قالت في بيان لها، إنها “تشعر بالصدمة إزاء الإعدام الجماعي لـ11 رجلاً في شرق ليبيا بعد محاكمة معيبة أمام محكمة عسكرية”، وتابعت أن عمليات الإعدام هذه هي الأولى من نوعها منذ 15 عاماً وتمثل انتكاسة خطرة يجب وضع حد لها، مضيفة أن “عقوبة الإعدام تتعارض مع الحق في الحياة وتزيد من خطر إعدام الأبرياء”.

المسار التاريخي 

وتعد عقوبة الإعدام في ليبيا، عقوبة مقننة في التشريعات الليبية منذ صدور قانون العقوبات الليبي عام 1954، فبالعودة لتاريخ البلاد ضمن هذا المجال تم تنفيذ أحكام الإعدام في فترة حكم القذافي التي امتدت لأربعة عقود على غرار إعدام مهندس الطيران الصادق حامد الشويهدي في شهر رمضان عام 1984، إذ تم بث الإعدام على الهواء مباشرة، إضافة إلى إعدام الطلبة في ليبيا يوم السابع من أبريل (نيسان) 1976، حين أقدم نظام  القذافي على شنق عدد من الطلاب والمعارضين علناً داخل جامعتي طرابلس وبنغازي.

وتوقفت أحكام الإعدام في المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، على رغم استمرار المحاكم المدنية والعسكرية في إصدار مئات الأحكام من دون تنفيذها قانونياً.

وعاد حكم الإعدام لصدارة المشهد الليبي في أغسطس (آب) الجاري، إثر إعلان السلطات القضائية والعسكرية في شرق ليبيا تنفيذ أحكام إعدام في حق مدانين في قضايا إرهابية وجنائية، بعد فترة تجميد طويلة لأحكام الإرهاب، ناهزت 13 عاماً. 

ويملك المصادقة على حكم الإعدام الصادر عن المحكمة العسكرية العليا رئيس الدولة الليبية والقائد الأعلى للجيش الليبي، المتمثل حالياً في المجلس الرئاسي بموجب القانون رقم 11 لعام 2012.

وتطرح إعدامات بنغازي سؤالاً يتجاوز القضايا التي صدرت فيها الأحكام، إلى أسئلة حول ما إذا كانت ليبيا أمام تحول في سياسة تنفيذ عقوبة الإعدام، أم هي على على وقع إجراء استثنائي فرضته طبيعة قضايا الإرهاب والاغتيالات؟

خطوة جيدة 

وفي تعليقه على هذه الواقعة يقول رئيس الرابطة الليبية لضحايا الإرهاب عبدالله الغرياني، إنه يرحب بهذه الخطوة باعتبارها مسار من مسارات العدالة الانتقالية المبنية على مراحل عدة، من ضمنها المحاسبة وجبر الضرر وغيرها من النقاط.

ويؤكد في تصريح خاص لموقع “اندبندنت عربية” أن هذه المرحلة تعرف بتنفيذ الأحكام، وهي خطوة جيدة، مستدركاً أن رجال القانون هم من يمارسون نقدهم لهذا الحكم، مطالباً بأن تكون هذه العملية قانونية حتى لا يقع الاعتداء على الآخرين كما اعتدى عليهم، وفق وصفه. 

وعلاقة بمدى تحقيق هذه الأحكام العدالة لضحايا الإرهاب وعائلاتهم، يقول الغرياني إن العدالة بالنسبة إليهم كضحايا مدنيين لم يرفعوا السلاح وتم الاعتداء عليهم بناء على مواقفهم السياسية والمدنية تتجاوز عقوبة الإعدام، مشدداً أن الرابطة ترفض تنفيذ أي حكم خارج الأطر القانونية. 

ويطالب الدولة الليبية بتوفير غطاء قانوني لضحايا الإرهاب باعتبار أنها لا تعترف بهم إلى حد الآن، منوهاً أنهم أمام استحقاقات عدة، اقتصادية وصحية واجتماعية، فهناك أسر ومبتوري أطراف من دون موارد رزق. 

جريمة قتل

ويقول المتخصص بالشؤون السياسية والأمنية فيصل الشريف إن تنفيذ أحكام الإعدام غير دستوري، فمحاكمة مدنيين أمام محكمة عسكرية باطل بحكم صادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا باعتبار القانون رقم 4 لعام 2017 غير دستوري، أما قانونياً فيرى الشريف أن من يملك المصادقة على حكم الإعدام الصادر عن المحكمة العسكرية العليا هو رئيس الدولة الليبية والقائد الأعلى للجيش الليبي، وهو المجلس الرئاسي بموجب القانون رقم 11 لعام 2012، والمجلس الرئاسي لم يصادق على حكم الإعدام، وفق تأكيده.

ويصف المحلل السياسي محمد بويصير تطبيق أحكام الإعدام بـ”جريمة القتل العمد مع سابق الإصرار والترصد”، وهي لا تسقط بالتقادم، وعقابها الإعدام بحسب الماده 386 من قانون الجنايات الليبي.

الحكم قانوني

وعلاقة بمدى تمثيل إعدامات بنغازي تحولاً في تطبيق عقوبة الإعدام في ليبيا، أم أنها تأتي في إطار استثنائي مرتبط بطبيعة الجرائم التي صدرت فيها الأحكام، تؤكد أستاذة القانون الجنائي في قسم القانون بجامعة بنغازي والباحثة الرئيسة في مشروع تيسر العدالة في ليبيا جازية شعيتير أن الأمر متوافق مع القوانين والأحكام القضائية الصادرة، منوهة بأن عقوبة الإعدام لن تشهد أي تحول في ليبيا، لأنها موجودة ومعروفة في البلد وفق قانون العقوبات العام الصادر عام 1953، الذي يحتوي على كثير من الأحكام المتصلة بعدد من الجرائم التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، وأهمها جرائم أمن الدولة.

وتقول “صحيح إن قانون الإرهاب رقم 3 لعام 2014، لم ينص على عقوبة الإعدام، ولكنه نص صراحة في إحدى مواده على أن تطبيق أحكام هذا القانون لا تخل بأية عقوبة أشد منصوص عليها في قانون العقوبات العام أو أي قوانين عقابية خاصة”.

وبخصوص الإطار الاستثنائي المرتبط بطبيعة الجرائم التي صدرت فيها الأحكام القضائية ترى شعيتير أنها جرائم أمن دولة وجرائم الإرهاب من بينها، فحين يطبق عليها قانون الإرهاب ويحيل بعد ذلك إلى أشد عقوبة منصوص عليها نجد جرائم أمن الدولة وغالب جرائم الإرهاب هي جرائم أمن الدولة عقوبتها الإعدام.

وتتابع المتخصصة بالقانون الجنائي أن الضمانات التي يفرضها القانون الجنائي ومعايير المحاكمة العادلة منصوص عليها أيضاً منذ 1953، وإنهاء للجدل تقول إن القضاء العسكري ليس قضاء استثنائياً إنما هو قضاء خاص بفئة العسكريين، وأيضاً ينظر في بعض الفئات الأخرى من بينهم المدنيين  المعينين بالقانون نفسه، وهذه المعايير الموجودة في القضاء وفي القانون الليبي المدني والعسكري متوافقة مع هذه الأحكام، لأن القوانين الليبية وفق آخر تحديث لها في عام 2017 أعطت صلاحية النظر في قضايا الإرهاب للمحكام العسكرية، طبقاً لقانون الإجراءات العسكرية، بما في ذلك تمكين حق الدفاع، بما فيها الانتظار إلى أن يصبح الحكم نهائياً وتصادق عليه الجهة المختصة بالتصديق، وتؤكد أنه وفقاً للقوانين المعترف بها من البرلمان ومن المحكمة الدستورية الناشئة حديثاً، فإن حكم الإعدام متوافق مع القوانين والأحكام القضائية الصادرة في الدولة الليبية. 

رسائل أمنية 

وفي الصدد يقول المتخصص بالعلاقات الدولية خالد الحجازي إنه يمكن قراءة إعدامات بنغازي باعتبارها رسالة مباشرة وحازمة إلى الجماعات المتطرفة والخلايا المسلحة وشبكات الاغتيالات، مفادها بأن الدولة لن تتسامح معهم، ومن تثبت مسؤوليته أمام القضاء سيدفع ثمن جريمته، في بلد عانى لسنوات الاغتيالات والتفجيرات والفوضى الأمنية، منوهاً أن محاسبة المتورطين في جرائم خطرة تمثل من حيث المبدأ خطوة نحو استعادة هيبة القانون وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.

ويخشي الحجازي ألا تتوقف المسألة عند البعد الأمني وأن تتحول مستقبلاً إلى نهج أوسع في التعامل مع كل قضية تحمل طابعاً سياسياً أو أمنياً، ويؤكد أن الإرهابي الذي يقتل المدنيين أو ينفذ الاغتيالات أو يرتكب جرائم بحق الليبيين، وتثبت مسؤوليته أمام قضاء تتوافر فيه ضمانات المحاكمة العادلة يجب أن يحاسب من دون تردد.

ويقول إن  ذلك يختلف تماماً عن استخدام تهم الإرهاب لتصفية الخصوم السياسيين أو المعارضين أو المختلفين في الرأي، منوهاً إلى أنه  مع الإعدام كعقوبة لمن تثبت إدانته وفق القانون، لكنه ضد أن يتحول القانون نفسه إلى أداة للانتقام السياسي، فالقضية وفق رأيه ليست في شدة العقوبة، وإنما في نزاهة الطريق الذي يقود إليها، الذي يبدأ بطبيعة الجريمة، ومن يصنفها إرهابية وهل القضاء مستقل، ومدى حصول المتهم على حقه الكامل في الدفاع، وهل الأدلة واضحة وقابلة للمراجعة حتى لا يحدث لبس أو ظلم.

ويستدرك أن إعدامات بنغازي يمكن أن تكون رسالة ردع مهمة ضد الإرهاب والاغتيالات، إذا بقيت في إطار القانون والعدالة والضمانات القضائية، أما إذا أصبح “التهديد الأمني” عنواناً لتصفية الحسابات السياسية، فهنا تتحول العدالة من وسيلة لحماية الدولة إلى أداة لهدمها.

_____________

الجنوب الليبي ودوره الغائب في معادلة التسوية

صلاح الهوني

التسوية التي تنجح في طرابلس وبنغازي وتفشل في سبها و مرزق و الكفرة لن تكون تسوية وطنية؛ ستكون مجرد هدنة بين مركزين.

السياسة في ليبيا مباراة بين مدينتين: طرابلس وبنغازي. تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتعثر الانتخابات، لكن الخريطة السياسية تبقى أسيرة هذا الخط الساحلي. أما الجنوب، فيظهر غالبًا في الأخبار عندما يحدث إغلاق لحقل نفطي، أو اشتباك حدودي، أو أزمة هجرة، أو تحرك لجماعة مسلحة. وهذا غريب، لأن فزان ليست هامش ليبيا؛ إنها أحد مفاتيحها.

تقرير للأمم المتحدة صدر في 2025 وصف الجنوب الليبي بأنه غني بالموارد الطبيعية لكنه مهمّش سياسيًا واقتصاديًا. وفي 2026، واصلت الأمم المتحدة دفع مسار سياسي يركز على توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات ومعالجة جذور الصراع، لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل ذلك هو: أين الجنوب في هذه المعادلة؟

المشكلة ليست أن المجتمع الدولي لا يعرف بوجود فزان. المشكلة أنه يتعامل معها في كثير من الأحيان باعتبارها ملفًا تابعًا لملفات أخرى: الأمن حين يتعلق الأمر بالحدود، والطاقة حين يتعلق الأمر بالنفط، والهجرة حين يتعلق الأمر بأوروبا. أما أن تكون فزان شريكًا سياسيًا كاملًا في صياغة مستقبل ليبيا، فهذه فكرة لم تحصل بعد على ما يكفي من الاهتمام. وهذا خطأ في الحساب.

فالجنوب هو المكان الذي تلتقي فيه ثلاثة أشياء يصعب فصلها عن مستقبل الدولة الليبية: الموارد، والحدود، والتنوع الاجتماعي.

حقل الشرارة النفطي وحده يكفي لتذكير الجميع بأن الصحراء الليبية ليست فراغًا جغرافيًا. الحقل، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية نحو 300 إلى 320 ألف برميل يوميًا، كان في مارس الماضي عرضة لحريق أدى إلى إعادة توجيه التدفقات عبر مسارات بديلة، في مشهد يعكس هشاشة البنية النفطية أمام الاضطرابات التقنية والسياسية والمحلية.

لكن النفط ليس سوى نصف القصة.

النصف الآخر هو أن فزان تقع عند تقاطع ليبيا مع فضاء الساحل والصحراء. الحدود مع الجزائر والنيجر وتشاد تجعل الجنوب جزءًا من منظومة أمنية تمتد إلى ما وراء ليبيا نفسها. وفي هذه المساحة تتحرك التجارة المشروعة وغير المشروعة، وتتشابك مصالح المجتمعات الحدودية مع شبكات التهريب والهجرة والجريمة المنظمة، بينما تحاول قوى إقليمية ودولية فهم ميزان القوة المحلي والتأثير فيه.

النظر إلى الجنوب باعتباره “مشكلة أمنية” فقط هو نوع من الكسل الاستراتيجي. فالمشكلة الأمنية نفسها ناتجة جزئيًا عن غياب الدولة السياسية والاقتصادية.

تتمحور التسوية الليبية منذ سنوات حول السؤال: كيف يمكن جمع المؤسسات المنقسمة بين شرق وغرب؟ وهذا سؤال ضروري، لكنه ليس كافيًا.

الأمم المتحدة نفسها جعلت توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية أحد أهداف خارطة الطريق الحالية، إلى جانب الانتخابات والمصالحة الوطنية. كما أن الحوار المُهيكل الذي اختتم أعماله في حزيران/يونيو قدم أكثر من 525 توصية لمعالجة جذور الأزمة.

لكن الوحدة المؤسسية لا تعني فقط أن يجلس ممثلون عن طرابلس وبنغازي إلى طاولة واحدة. الوحدة تعني أن يشعر سكان مرزق وسبها وغات وأوباري والكفرة بأن المؤسسات التي يجري توحيدها تخصهم هم أيضًا.

والمفارقة أن الجميع يتحدث عن “توزيع عادل للموارد”، لكن المناطق التي تنتج جزءًا أساسيًا من هذه الموارد لا تتمتع بالضرورة بالنفوذ السياسي الذي يسمح لها بالمشاركة في تحديد كيفية توزيعها.

فإذا كان النفط يُستخرج من الجنوب، بينما تُتخذ القرارات المتعلقة بالميزانية والاستثمار في مراكز سياسية بعيدة عنه، فإن الحديث عن دولة موحدة سيظل ناقصًا. وإذا كانت الحدود الجنوبية تتحمل أعباء الهجرة والتهريب والجريمة العابرة للحدود، بينما تُناقش سياسات الأمن والهجرة من منظور طرابلس أو من منظور العواصم الأوروبية، فإن الجنوب سيظل ينظر إلى الدولة باعتبارها مستهلكًا لأمنه أكثر منها منتجًا له.

هناك طريقة أخرى للنظر إلى فزان: ليس بوصفها خزينة ينبغي اقتسامها، بل بوصفها منطقة تحتاج إلى عقد اقتصادي جديد مع الدولة.

ذلك يعني الاستثمار في البنية التحتية، والطرق، والطاقة، والمياه، والتعليم والصحة، وربط مدن الجنوب بشبكات التجارة الوطنية والإقليمية. ويعني أيضًا تحويل الحدود من خطوط أمنية إلى بوابات اقتصادية منظمة.

فالاقتصاد الموازي يزدهر عندما يفشل الاقتصاد الرسمي في تقديم بديل.

وحين لا يجد شاب في مدينة جنوبية وظيفة أو مشروعًا أو مسارًا واضحًا للحياة الاقتصادية، فإن السوق غير الرسمية تصبح أكثر جاذبية. وحين تصبح الدولة بعيدة، يصبح المهرب أو الوسيط أو صاحب النفوذ المحلي أقرب إلى المواطن من الموظف الحكومي.

لهذا فإن مكافحة التهريب لا يمكن أن تنجح بالوسائل الأمنية وحدها. يمكنك أن تغلق طريقًا صحراويًا اليوم، لكن إذا بقيت أسباب الاقتصاد الموازي غدًا، فسيفتح طريق آخر.

المطلوب هو أن تصبح الدولة نفسها البديل الاقتصادي.

وهذا يمكن أن يبدأ من إنشاء مناطق لوجستية وتجارية في الجنوب، وتطوير المعابر الحدودية، وتشجيع الاستثمار المحلي، وربط فزان بالأسواق الجزائرية والنيجرية والتشادية ضمن أطر قانونية، بدل ترك العلاقات التجارية تتحرك في الظل.

وهناك سبب آخر يجعل إشراك الجنوب في التسوية أكثر تعقيدًا، وأكثر ضرورة في الوقت نفسه.

فالجنوب ليس كتلة اجتماعية متجانسة. إنه فضاء تتعايش فيه مكونات عربية وتبو وطوارق ومجتمعات محلية ذات تاريخ ومصالح مختلفة. وقد نبه تقرير الأمم المتحدة إلى أن التبو والطوارق والأمازيغ، بوصفهم المكونات الأصلية غير العربية المعترف بها في ليبيا، لا يحظون بتمثيل كافٍ في مؤسسات الدولة.

أي تسوية تتجاهل هذه الحقيقة ستعيد إنتاج المشكلة على مستوى آخر.

لا يكفي أن يُقال إن الجنوب “ممثل”. السؤال هو: من يمثل الجنوب؟ وهل التمثيل سياسي فقط، أم اجتماعي أيضًا؟ وهل تشعر المجتمعات الحدودية، بأن صوتها مسموع عندما تُصاغ السياسات الوطنية؟

الدولة الحديثة لا تحتاج إلى إذابة التنوع. تحتاج إلى تنظيمه داخل مؤسسات عادلة.

وهنا قد يكون الجنوب فرصة لا مشكلة. فبدل أن تتحول التعددية المحلية إلى مصدر صراع، يمكن أن تصبح نموذجًا لنظام إداري أكثر لامركزية، يمنح البلديات والمناطق قدرة أكبر على إدارة شؤونها، مع إبقاء الموارد السيادية الكبرى مثل النفط والجيش والسياسة الخارجية ضمن إطار الدولة الوطنية.

ثمة طرف آخر يجب أن يعيد النظر في مقاربته للجنوب: أوروبا.

بالنسبة إلى بعض العواصم الأوروبية، يبدو الجنوب الليبي في كثير من الأحيان كجزء من معادلة الهجرة غير النظامية والأمن الحدودي. لكن اختزال فزان في هذا الملف يضر بالمصالح الأوروبية نفسها.

فإذا أرادت أوروبا تقليص الهجرة والتهريب والجريمة المنظمة، فإن أفضل استثمار طويل الأمد ليس فقط في الحواجز الأمنية، بل في الدولة الليبية.

الدولة التي تمتلك حدودًا مراقبة ومؤسسات محلية شرعية واقتصادًا قانونيًا نشطًا تكون أكثر قدرة على ضبط حدودها من دولة تعتمد على تفاهمات مؤقتة مع مجموعات مسلحة أو شبكات محلية.

وهذا يتطلب من الأوروبيين التعامل مع الجنوب باعتباره جزءًا من الحل الليبي لا مجرد خط دفاع متقدم عن أوروبا.

المسار السياسي الليبي الحالي يقترب من لحظة حاسمة. فالأمم المتحدة تعمل على إعادة تفعيل العملية الانتخابية وتوحيد المؤسسات، وقد انتهت في يونيو إلى توصيات واسعة تتعلق بالحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة. كما أن الخطوات الأخيرة ركزت على إصلاح المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والإطار القانوني للانتخابات.

لكن الانتخابات نفسها لن تحل مشكلة الجنوب إذا لم تُطرح أسئلة فزان داخل التسوية الوطنية.

من يملك الأمن في الجنوب؟ ومن يدير الحدود؟ وكيف توزع عائدات الموارد؟ وكيف يتم تمثيل المكونات المحلية؟ وكيف تدمج القوات والتشكيلات المسلحة في مؤسسة وطنية؟ وكيف تحصل البلديات الجنوبية على موارد كافية كي لا تبقى الدولة مجرد علم مرفوع فوق مبنى إداري؟

هذه ليست أسئلة جنوبية فحسب. إنها أسئلة الدولة الليبية.

لذلك، فإن أي اتفاق على حكومة موحدة يجب أن يترافق مع عقد تنموي للجنوب، وأي اتفاق عسكري يجب أن يتضمن ترتيبات واضحة للحدود الجنوبية، وأي اتفاق مالي يجب أن يربط توزيع الموارد بمؤشرات شفافة للسكان والحاجة والإنتاج والتنمية.

قد يكون من المفيد قلب المعادلة كلها. بدل أن نسأل: كيف نُخضع الجنوب للدولة؟

علينا أن نسأل: كيف نجعل الدولة حاضرة في الجنوب؟

إنه الفرق بين دولة ترى مواطنيها باعتبارهم مشكلة أمنية، ودولة ترى مواطنيها باعتبارهم شركاء في السيادة.

إذا نجحت ليبيا في ذلك، فقد يتحول الجنوب من أضعف حلقات الدولة إلى إحدى أقوى نقاطها. فالموقع الجغرافي الذي جعل فزان عرضة للتهريب يمكن أن يجعلها مركزًا للتجارة العابرة للصحراء. والموارد التي غذت الصراع يمكن أن تمول التنمية.

لكن ذلك يتطلب التخلي عن فكرة أن ليبيا يمكن أن تُبنى من الساحل إلى الداخل.

ليبيا تحتاج إلى أن تُبنى من الأطراف إلى المركز أيضًا.

فالجنوب ليس صندوقًا نفطيًا، ولا منطقة عازلة، ولا ممرًا للمهاجرين، ولا مساحة فارغة. إنه جزء من الدولة له مصالحه وذاكرته ومكوناته وموارده.

والتسوية التي تنجح في طرابلس وبنغازي وتفشل في سبها ومرزق والكفرة لن تكون تسوية وطنية؛ ستكون مجرد هدنة بين مركزين.

أما التسوية التي تضع فزان في قلب معادلة المال والأمن والانتخابات، فقد تكون أول تسوية تفهم ليبيا كما هي.

الطريق إلى ليبيا الموحدة لا يمر فقط بين طرابلس وبنغازي. بل يمر، على نحو أكثر أهمية، عبر الصحراء.

________________

ليبيا.. هل نضجت التسوية بين الشرق والغرب؟

تحرك أميركي وأممي وتركي يضغط لتوحيد المؤسسات، فيما يبقى النفط والأمن والانتخابات عقدة التسوية

تعيش ليبيا واحدة من أكثر لحظات المسار السياسي حساسية منذ سنوات. فبعد أكثر من عقد على الانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب، بدأت تتجمع مؤشرات توحي بأن القوى الدولية والإقليمية باتت تدفع باتجاه صيغة جديدة لتوحيد الدولة، لا تكتفي بإدارة الانقسام وإنما تحاول تحويل التفاهمات الاقتصادية والأمنية إلى مدخل لتسوية سياسية أوسع.

وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة هذا التحرك، مدفوعة برغبة واضحة في تثبيت ما تحقق خلال الأشهر الماضية، وفي مقدمته الاتفاق على أول موازنة وطنية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً. وفي أحدث موقف أميركي، أكد المستشار الرئاسي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس استمرار دعم واشنطن للاتفاق، معتبراً أن توحيد الموازنة يعزز قدرة مصرف ليبيا المركزي على حماية الاستقرار المالي والقوة الشرائية. كما جدد التزام بلاده بدعم توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

لكن أهمية التحرك الأميركي لا تكمن في الموازنة وحدها. فواشنطن تحاول، وفق تصريحات بولس، البناء على سلسلة من الخطوات التي بدأت منذ العام الماضي، بينها الموازنة الموحدة ومشاركة قوات من الشرق والغرب في تدريبات «فلينتلوك 26» التي أشرف عليها الجيش الأميركي. كما تؤكد واشنطن أن مبادرتها قصيرة المدى مكملة لخريطة الطريق الأممية التي تقودها المبعوثة الأممية هانا تيتيه، وليست بديلاً عنها.

المشكلة أن توحيد الإنفاق أسهل بكثير من توحيد السلطة. فليبيا لا تزال عملياً موزعة بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والسلطات المتمركزة في الشرق والمدعومة من مجلس النواب والقائد العسكري خليفة حفتر. وما زال الخلاف الأساسي يدور حول شكل السلطة الانتقالية التي ستقود البلاد إلى الانتخابات، ومن يملك حق إدارة المرحلة التي تسبق الاقتراع.

وهنا تظهر أهمية التحرك السياسي الأخير للجنة «4+4». فقد توصل ممثلو مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى مسودة اتفاق أولية تتعلق بالقوانين الانتخابية وإعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة اعتبرتها واشنطن تقدماً مهماً نحو مسار انتخابي قابل للتنفيذ.

لكن الاتفاق لم يتحول بعد إلى تسوية نهائية. فهناك اعتراضات داخل المؤسسات الليبية نفسها على مدى تمثيل اللجنة للأطراف السياسية، كما أن المسودة لا تحسم بالكامل السؤال الأكثر حساسية: من يدير ليبيا في الفترة الانتقالية إلى حين إجراء الانتخابات؟ وهذا تحديداً هو أحد أسباب تعثر الاستحقاق الانتخابي منذ تأجيل انتخابات ديسمبر 2021.

في موازاة واشنطن والأمم المتحدة، تتحرك تركيا باتجاه صيغة تقوم على الحفاظ على ليبيا موحدة، مع توسيع قنوات التواصل مع الشرق وعدم الاكتفاء بعلاقتها التاريخية بحكومة طرابلس.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن أنقرة كانت طرفاً مباشراً في الصراع الليبي خلال السنوات الماضية، بعدما دعمت حكومة طرابلس عسكرياً. لكن التحولات الأخيرة دفعتها إلى التواصل مع معسكر الشرق أيضاً، في محاولة للتعامل مع ليبيا باعتبارها دولة واحدة لا ساحة نفوذ مقسمة.

وقد التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مسؤولين في طرابلس وبنغازي، كما عقد لقاء مع صدام حفتر في أنقرة، في مؤشر على أن السياسة التركية تتجه نحو توسيع هامشها مع مختلف مراكز القوة الليبية. وفي الوقت نفسه، تتحرك مصر وقطر ودول أوروبية في اتجاه دعم المسار الأممي والتسوية السياسية.

وهذا التقاطع بين واشنطن وأنقرة والقاهرة والأمم المتحدة لا يعني بالضرورة وجود اتفاق كامل على تفاصيل التسوية، لكنه يعكس تحولاً مهماً: لم تعد الأولوية الدولية مجرد منع عودة الحرب، بل محاولة إنتاج صيغة أكثر استقراراً لإدارة الدولة.

وراء هذا التحرك السياسي يوجد عامل اقتصادي شديد الأهمية: النفط.

فليبيا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، لكن الانقسام السياسي والأمني حرم البلاد من استثمار كامل إمكاناتها. وتسعى المؤسسة الوطنية للنفط حالياً إلى جذب استثمارات تصل إلى نحو 40 مليار دولار بهدف رفع الإنتاج من قرابة 1.4 مليون برميل يومياً إلى مليوني برميل بحلول 2030.

وهنا يمكن فهم أحد دوافع الضغط الأميركي والدولي باتجاه توحيد المؤسسات. فاستقرار ليبيا لا يعني فقط إنهاء الانقسام السياسي، وإنما فتح الباب أمام استثمارات ضخمة في النفط والغاز والبنية التحتية، وضمان أن تكون عائدات الطاقة تحت إدارة مؤسسات وطنية أكثر توحيداً وشفافية.

وقد ربطت واشنطن بالفعل بين تنفيذ الموازنة الموحدة والاستقرار المالي وزيادة إنتاج الطاقة والاستثمار الدولي، مع التأكيد على أهمية المؤسسات السيادية، وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.

لكن النفط نفسه قد يتحول إلى عقبة إذا بقيت مسألة توزيع عائداته جزءاً من الصراع على السلطة. ولذلك فإن أي صفقة سياسية لن تكون مكتملة من دون اتفاق واضح على إدارة الإيرادات، والإنفاق، والرقابة، وآليات توزيع الموارد بين المناطق.

إذا كان الاقتصاد يمكن أن يشكل مدخلاً للتقارب، فإن الأمن يبقى الاختبار الأكثر صعوبة.

فلا يزال المشهد الليبي محكوماً بتعدد القوى المسلحة، فيما كشفت الهجمات الأخيرة على منشآت الطاقة والاضطرابات الأمنية عن هشاشة الترتيبات القائمة. وحذرت الأمم المتحدة من أن الانقسام المؤسساتي، وضعف التنسيق، واستمرار الضغط على الخدمات العامة كلها عوامل تهدد الاستقرار.

في المقابل، بدأت تظهر خطوات ذات دلالة، بينها اتفاق قيادات عسكرية من الشرق والغرب على إنشاء مركز عمليات مشترك في سرت، ومركز للتدريب الجوي في مصراتة، وقيادة مشتركة مدمجة. وإذا تحولت هذه التفاهمات إلى مؤسسات فعلية، فقد تكون مقدمة لمسار أوسع لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية.

لكن دمج القوى العسكرية يظل أكثر تعقيداً من مجرد إنشاء غرف عمليات مشتركة؛ لأن الأمر يتعلق بموازين القوة، وسلاسل القيادة، ومصالح مجموعات مسلحة، وموقع قوات حفتر، ومستقبل الترتيبات الأمنية في طرابلس والشرق والجنوب.

المؤشرات الحالية توحي بأن هناك فرصة حقيقية، لكنها لا تكفي بعد للحديث عن تسوية ناضجة.

فالولايات المتحدة تمتلك نفوذاً متزايداً، والأمم المتحدة توفر الإطار السياسي، وتركيا تتحرك بين الشرق والغرب، ومصر منخرطة في الاتصالات، فيما أصبح توحيد الموازنة سابقة يمكن البناء عليها. كما أن المصالح الاقتصادية الدولية تدفع باتجاه بيئة أكثر استقراراً تسمح باستثمار الثروة النفطية الليبية.

لكن العقبة الأساسية تبقى داخل ليبيا نفسها. فكل طرف يريد توحيد الدولة، ولكن من موقع يضمن له أكبر قدر ممكن من النفوذ. وكل طرف يدعم الانتخابات من حيث المبدأ، لكنه يخشى أن تؤدي قواعدها أو نتائجها إلى خسارة مكتسباته الحالية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تريد الأطراف الدولية توحيد ليبيا؟ بل: هل تستطيع تحويل الضغط الدولي والتقارب الإقليمي إلى اتفاق ليبي قابل للتنفيذ؟

إذا نجحت واشنطن والأمم المتحدة وتركيا وشركاؤها في ربط الملفات الثلاثة ــ المال والأمن والانتخابات ــ ضمن مسار واحد، فقد تدخل ليبيا مرحلة مختلفة تقوم على صفقة سياسية تدريجية بدلاً من انتظار تسوية شاملة يصعب الوصول إليها دفعة واحدة.

أما إذا بقي كل ملف منفصلاً عن الآخر، فقد تتحول الموازنة الموحدة والتفاهمات الأمنية والاتفاقات الانتخابية إلى مجرد إنجازات جزئية، من دون أن تنهي الانقسام الذي أصبح جزءاً من بنية الدولة نفسها.

وبين الاحتمالين، تبدو ليبيا اليوم أمام فرصة نادرة: إما أن تتحول التفاهمات المتراكمة إلى تسوية تعيد بناء الدولة، أو أن تضيع مرة أخرى داخل حسابات النفوذ والصراع على من يحكم ليبيا قبل أن يُسأل الليبيون عبر صناديق الاقتراع عمن يريدون أن يحكمهم.

_________________

نزوح العقول الليبية، بعد 15 عاماً من سقوط طرابلس

سنية أحمد بيرزادة

يقول مهنيون غادروا بلداً يعيش حالة من الفوضى إنهم من غير المرجح أن يعودوا قريباً، في وقت قد يخطط فيه آخرون في ليبيا للمغادرة أيضاً.

سارة ميزران، مهندسة معمارية تبلغ من العمر 32 عاماً، كانت مراهقة حين سقطت طرابلس في أغسطس/آب 2011، مع اقتحام المقاتلين المعارضين للعاصمة.

كانت تلك بداية النهاية للزعيم الليبي معمر القذافي. فبعد أن حكم لمدة 42 عاماً، سرعان ما أُسر وقُتل بالقرب من سرت.

قبل ثماني سنوات، غادرت مزران المدينة متجهة إلى المملكة المتحدة.

تقول ميزران للجزيرة: “تفقد ليبيا أكثر من مجرد مهارات حين يغادرها المهنيون الشباب. إنها تفقد الإحساس بالإمكانية عندما يكبر جيل كامل وهو يشعر أنه لا بد من الرحيل لبناء مستقبل، ويؤدي ذلك إلى فقدان الأمل في البلد نفسه”.

كانت ميزران مفتونة بالفكرة المتعلقة بالهندسة المعمارية المستدامة وما يمكن أن تعنيه لليبيا، فتابعت دراسة الماجستير في الهندسة المعمارية في جنوب إنجلترا. وقد أمضت السنوات الأخيرة في دراسة مواقع في طرابلس، محاولةً استكشاف ما قد يعنيه إعادة بناء المدينة بما يتجاوز مجرد تشييد مبانٍ جديدة.

تقول: “في النهاية، وكمعمارية، أريد أن أكون جزءاً من إعادة بناء المشهد المعماري الليبي. لا أعرف بالضبط كيف سيبدو ذلك العودة حتى الآن، لكنني أعلم أن ذلك لا يزال جزءاً من المستقبل الذي أسعى إليه”.

وتضيف: “إن وجود شعور بالاستقرار في البلاد سيدفع بموجة أكبر من المغتربين الراغبين في العودة”.

كان عمرها 24 عاماً حين وصلت إلى المملكة المتحدة بمنحة دراسية لدراسة في جامعة كينت.

تقول: “كان عليّ أن أتعلم ثقافة مهنية مختلفة، وأسلوب عمل مختلف، وبطرق عديدة، أن أجد مكاني مجدداً”. وهي ليست وحدها البتة.

نادر القاضي، 36 عاماً، كان يدير شركته الإعلامية الخاصة في طرابلس عندما اندلع القتال في أواخر عام 2014 حول مطار العاصمة خلال الحرب الأهلية الليبية الثانية.

كما جاء إلى المملكة المتحدة للحصول على درجة الماجستير وكان يخطط للعودة إلى الوطن، ولكن مع تصاعد التهديدات ضد الناشطين، فضّل البقاء بدلاً من ذلك.

يقول: “انتقلت من إدارة عملي الخاص والعيش براحة في ليبيا إلى بدء حياتي من الصفر في المملكة المتحدة. كانت السنتان الأوليتان صعبتين للغاية”.

أسس القاضي مؤسسة “ليبيا في المملكة المتحدة” عام 2018، وهي مؤسسة خيرية ثقافية تهدف إلى “خلق ليبيا التي كنا نريدها بعد أن تمكنا من إنهاء الديكتاتورية”.

تنظم المجموعة فعاليات لمجتمع المغتربين في محاولة لبناء “الإحساس بذلك البلد الذي طالما تمنيناه”.

الوطن، “شيء نخلقه مراراً وتكراراً

بعد 15 عاماً، يصف كلاهما المملكة المتحدة بأنها وطنهما، حتى مع بقاء ليبيا تجذبهما.
تقول مزران: “الوطن ليس شيئاً نجده مرة ونحتفظ به إلى الأبد. إنه شيء نخلقه مراراً وتكراراً”.

يصف القاضي نفسه بأنه “بدوي” توقف عن توقع العودة بشكل دائم، حتى مع استمرار عمل شركته الاستشارية مع عملاء ليبيين. أما إذا كان هذا تشتت المواهب قد أعاق تقدم ليبيا هو أمر قابل للنقاش.

يقول طارق المجريسي، الزميل الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن “عشرات الآلاف من الأشخاص المهرة تقنياً والكفؤين جداً” ما زالوا يعملون في الوزارات الليبية، لكنه يدعي أنهم مُمنعون من أداء مهامهم من قبل مسؤولين كبار لا يهتمون كثيراً بالحكم.

يعتقد المجريسي أن الكثير من ذلك ترسخ بعد الثورة بفترة وجيزة.

يقول المجريسي: “بعد الثورة، كانت هناك عودة جماعية لليبيين من جميع أنحاء العالم. كثير من المهنيين الشباب المهرة، ولكن أيضاً ليبيون أكبر سناً، كانت مؤهلاتهم وخبراتهم في كثير من الأحيان مبالغاً فيها بشكل كبير، استغلوا مكانتهم لتأمين مناصب سياسية ووعدوا بقيادة البلاد نحو الديمقراطية. وبدلاً من ذلك، تصرفوا بشكل أساسي كما كانت تفعل حكومة القذافي”.

ويقول إن الفساد يطغى على بعض الوزارات في بيئة أبعدت الجيل الذي نشأ بعد عام 2011.

يقول: “المهنيون الشباب الذين حصلوا على مؤهلات واكتسبوا خبرة مبكرة في العمل في المرحلة المتأخرة من حكم القذافي في ليبيا، والتي كانت أكثر انفتاحاً قليلاً”، كانوا متحمسين حقاً لأن الثورة قد تحفز مسارهم المهني. “كل ذلك قد وُضع في مستنقع (أي ضاع وعلق)”.

ويضيف: “من المحزن جداً رؤية… أن جميع الأجيال الشابة التي لديها أي طموح في حياتها، تريد فقط مغادرة البلاد”.

لخص المجريسي حكم ليبيا باقتباسه من قصيدة جبران خليل جبران “ويل للأمة”: “ويل للبلاد التي لها حكومتان ولا أحد يهتم بالحكم”.

يقول المجريسي إن الكفاءات “ستعود في غمضة عين إذا أتيحت فرصة حقيقية وصالحة وذات مصداقية”.

توبي تشيتاي، وهو مسؤول في شركة استشارية بريطانية للمخاطر، أكثر تشككاً في أن نزوح العقول يلحق ضرراً كبيراً.

في مقابل الانقسام بين شرق ليبيا وغربها، وتقلبات عائدات النفط، والفساد المستشري، يرى أن تأثير ذلك على الحوكمة أو ثقة المستثمرين “ضئيل نسبياً”، لكنه يعترف بأنه لا يزال “من السابق لأوانه بشكل كبير قول أي شيء حاسم بشأن احتمال الانخراط الجاد مع البلاد”.

_________________

الجنوب الليبي: ساحة نفوذ دولي وورقة تفاوض

صلاح الهوني

الصراع على الجنوب قد يكون في السنوات المقبلة أكثر أهمية من الصراع على بعض المدن الساحلية.

لسنوات طويلة ظل الجنوب الليبي خارج اهتمام الدولة أكثر مما يقع في قلبها. مساحة صحراوية شاسعة، مدن متباعدة، حدود طويلة مع تشاد والنيجر والجزائر والسودان، وكثافة سكانية محدودة جعلت فزان في المخيال السياسي الليبي أقرب إلى الأطراف منها إلى المركز. لكن ما يحدث اليوم يقول العكس تمامًا.

الجنوب لم يعد هامشًا في الجغرافيا السياسية الليبية، بل أصبح واحدًا من أكثر المواقع حساسية في الصراع على ليبيا، وربما في التنافس الأوسع على شمال أفريقيا والساحل.

التطورات الأخيرة تقدم دليلًا واضحًا على ذلك. فبحسب تحليل استخباراتي مفتوح المصدر نشره مشروع “تيرلاين” التابع لجامعة تكساس، جرى رصد أعمال تطوير في عدد من القواعد الجوية الليبية التي توجد فيها عناصر مرتبطة بـ”فيلق أفريقيا” الروسي، بينها تمرهند وبراك الشاطئ والسارة والجفرة.

وخلص التحليل إلى أن تطوير البنية التحتية في هذه القواعد يرجح أن يخدم تثبيت الوجود العسكري الروسي في شمال أفريقيا والساحل.

الأكثر دلالة أن تقارير لاحقة تحدثت عن إعادة تموضع بعض الأصول العسكرية الروسية من منطقة سرت باتجاه الجنوب، خصوصًا الجفرة وبراك الشاطئ. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المسألة تتجاوز مجرد تحريك قوات داخل الجغرافيا الليبية.

إنها تشير إلى أن الجنوب أصبح بالنسبة إلى موسكو جزءًا من شبكة أوسع تمتد من المتوسط إلى الساحل، وتمنح روسيا مجالًا للحركة في منطقة تشهد أصلًا تحولات أمنية عميقة. وهنا يصبح السؤال مختلفًا.

لم يعد السؤال فقط:

من يسيطر على طرابلس أو بنغازي؟ بل من يملك القدرة على التحكم في المساحات التي تربط ليبيا بجوارها الأفريقي؟

ومن يستطيع مراقبة الحدود والمسارات الصحراوية والقواعد الجوية وممرات الطاقة والهجرة؟

ومن يملك، في النهاية، ورقة الجنوب عندما تبدأ مفاوضات إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة الليبية؟

فالجنوب ليس مجرد صحراء. إنه منطقة تتقاطع فيها الحدود مع الأمن، والأمن مع الاقتصاد، والاقتصاد مع الهجرة، والهجرة مع السياسة الأوروبية، والسياسة الأوروبية مع التنافس الدولي. ومن هنا تأتي أهميته.

ليبيا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في أفريقيا، وجزء مهم من ثروتها الهيدروكربونية يوجد في مناطق الجنوب والوسط أو يرتبط بشبكات نقل تمر عبر هذه المناطق. وفي الوقت نفسه، فإن الجنوب هو بوابة ليبيا إلى الساحل، وهي منطقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أكثر مناطق العالم اضطرابًا، مع تمدد الجماعات المسلحة، وتراجع النفوذ الغربي التقليدي، وتصاعد الحضور الروسي، وانهيار أو ضعف بعض ترتيبات الأمن الإقليمي.

وهذا يجعل فزان بالنسبة إلى القوى الخارجية أكثر من منطقة ليبية نائية. إنها منصة.

  • روسيا تنظر إلى ليبيا ضمن حسابات أوسع تتصل بالمتوسط والساحل.
  • والولايات المتحدة تنظر إلى ليبيا من زاوية مكافحة الإرهاب ومراقبة التحركات الروسية وتعزيز الشراكات الأمنية.
  • وإيطاليا تنظر إليها من خلال الطاقة والهجرة وأمن المتوسط.
  • وتركيا بنت خلال السنوات الماضية حضورًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا قويًا في غرب ليبيا،
  • فيما حافظت دول إقليمية أخرى على علاقات مختلفة مع القوى الموجودة في الشرق.

ولذلك فإن الجنوب أصبح نقطة التقاء لهذه المصالح، حتى عندما لا تتطابق أهداف أصحابها.

المفارقة أن كل طرف يدخل ليبيا تقريبًا بلغة مختلفة. هناك من يتحدث عن مكافحة الإرهاب، ومن يتحدث عن حماية الحدود، ومن يتحدث عن مكافحة الهجرة غير النظامية، ومن يتحدث عن حماية الاستثمارات والطاقة، ومن يرفع شعار دعم الاستقرار. لكن النتيجة العملية قد تكون واحدة إذا لم تكن هناك دولة ليبية قادرة على إدارة هذه المصالح: يصبح الجنوب مساحة مفتوحة للتنافس.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالتدخل الخارجي لا يبدأ دائمًا بإنزال جنود أو إنشاء قاعدة معلنة. يمكن أن يبدأ بالمعلومات الاستخباراتية، ثم التدريب، ثم السلاح، ثم المستشارين، ثم الشراكات الأمنية، ثم يصبح وجود القوة الخارجية جزءًا من المعادلة المحلية.

وعندما يصبح لكل طرف ليبي تقريبًا شريك خارجي يحميه أو يدعمه، يتحول الدعم الخارجي من عامل مؤقت إلى جزء من بنية الصراع.

وهذا ما يجعل الحديث عن “السيادة الليبية” أكثر تعقيدًا من مجرد الدعوة إلى خروج القوات الأجنبية.

فالسيادة لا تتجسد بالتصريحات وحدها. إنها تحتاج إلى مؤسسة عسكرية واحدة، وجهاز أمني واحد، وإدارة موحدة للحدود، وقرار مركزي في السياسة الخارجية، ونظام مالي لا تستطيع الجماعات المحلية أو القوى الخارجية اختراقه عبر شبكات المصالح.

وقد أدركت الأمم المتحدة نفسها أن الجنوب لا يمكن أن يبقى خارج عملية بناء الدولة. ففي شباط/فبراير 2026، ناقشت مسارات الحوار الأمني الليبي ضرورة دمج الجنوب في الآليات الوطنية وتحسين أمن الحدود وانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة عندما تسمح الظروف، باعتبار ذلك جزءًا من بناء السلام المستدام.

لكن المشكلة أن الجنوب ليس فراغًا يمكن للدولة أن تستعيده بقرار إداري.

هناك مجتمعات محلية وقبائل وتوازنات تاريخية ومصالح اقتصادية وشبكات تهريب وقوى مسلحة. وفي فبراير ومارس 2026، ظهرت بوضوح توترات حول السيطرة على طرق الصحراء ونقاط التفتيش وموارد الاقتصاد غير الرسمي، فيما أعادت القيادة العسكرية في الشرق تنظيم قواتها في المنطقة الجنوبية.

ثم جاءت تطورات أكثر إثارة للقلق في يوليو، عندما تعرضت قاعدة قرب العوينات، في الجنوب الغربي على مقربة من حدود النيجر وتشاد، لهجوم من مجموعة مسلحة جديدة عرفت باسم “غرفة عمليات تحرير الجنوب”.

وقد كشفت التطورات هشاشة السيطرة على بعض المناطق الحدودية، وأهمية هذه المناطق بالنسبة إلى شبكات تهريب الوقود والسلاح والمخدرات.

وهذا هو الوجه الآخر للمشكلة.

عندما تضعف الدولة، لا يأتي الخارج وحده لملء الفراغ. تظهر أيضًا قوى محلية قادرة على التفاوض مع الخارج، أو استخدامه، أو التحرك في المساحة التي تركتها الدولة. وهكذا تصبح الحدود سلعة، والسلاح مصدر نفوذ، والتهريب اقتصادًا، والولاء السياسي قابلًا للتفاوض.

حتى الهجرة، التي تبدو في الخطاب الأوروبي قضية أمنية بامتياز، تكشف حجم هذا التعقيد. فبيانات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2026 تظهر أن الجنوب لا يزال جزءًا مهمًا من مسارات الحركة عبر الحدود، فيما تأتي أعداد كبيرة من المهاجرين من السودان والنيجر وتشاد ومصر.

لكن اختزال الجنوب في الهجرة سيكون خطأ استراتيجيًا.

فالجنوب أكبر من ملف الهجرة، كما أن فزان أكبر من كونها منطقة أمنية. هناك النفط، والمعادن، والمياه، والطرق العابرة للصحراء، والمطارات، والحدود، والمجتمعات المحلية، والموقع الذي يجعل ليبيا متصلة مباشرة بأزمات الساحل.

ولهذا فإن الصراع على الجنوب قد يكون في السنوات المقبلة أكثر أهمية من الصراع على بعض المدن الساحلية.

ولعل المفارقة الأكبر أن القوى الدولية نفسها تقول إنها تريد ليبيا موحدة. الولايات المتحدة، مثلًا، شاركت في تمرين فلنتلوك 2026 الذي استضافته سرت، بمشاركة ليبيا وإيطاليا وأكثر من ثلاثين دولة، وقدمت المناورات بوصفها دعمًا لبناء قدرات عسكرية ليبية موحدة وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب.

لكن السؤال الذي يجب أن تطرحه ليبيا على جميع شركائها هو: هل يساعد وجودكم على بناء مؤسسة ليبية، أم يصبح بديلًا عنها؟

ليس المطلوب من ليبيا أن تطرد العالم. ذلك غير واقعي وغير ضروري. ليبيا تحتاج إلى التعاون مع أوروبا وأميركا وتركيا ودول الجوار، وتحتاج إلى الاستثمار والخبرة والتدريب والتكنولوجيا. لكن الفرق كبير بين التعاون الدولي والاعتماد على الخارج في إدارة الدولة.

التعاون يبني قدرة الدولة. أما الاعتماد فيبني وكلاء داخلها. والجنوب يمكن أن يكون الاختبار الأكبر لهذا الفرق.

فبدل أن يكون فزان منطقة تتنافس عليها القوى الخارجية، يمكن أن يتحول إلى منطقة تعاون إقليمي حقيقية. يمكن بناء منظومة مشتركة لحماية الحدود، ولكن تحت قيادة ليبية. ويمكن تطوير البنية التحتية والمطارات والطرق، ولكن ضمن خطة وطنية.

ويمكن مكافحة الهجرة والتهريب، ولكن بالتوازي مع خلق اقتصاد قانوني يوفر لسكان الجنوب بدائل عن الاقتصاد الموازي. ويمكن استثمار الموارد، ولكن بطريقة تجعل السكان المحليين شركاء في التنمية لا مجرد حراس لمنشآت النفط والحدود.

المعادلة ليست مستحيلة. لكنها تحتاج إلى شيء واحد قبل كل شيء: أن يصبح الجنوب جزءًا من الدولة، لا ورقة تستخدمها الدولة أو القوى المتنافسة داخلها.

الجنوب ليس ورقة ضغط في يد الخارج، ولا جائزة للقوى المحلية، ولا منطقة عازلة بين ليبيا والساحل. إنه جزء من ليبيا، وربما الجزء الذي سيحدد أكثر من غيره ما إذا كانت ليبيا قادرة على استعادة سيادتها الفعلية.

________________




النخب الليبية والوساطة الدولية… اجتماعات كثيرة وإصلاحات غائبة

العرب

مسارات دولية متوازية.. لكن الانقسام الليبي يزداد تعقيداً

على مدى أكثر من عقد، لم تتوقف الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الانقسام السياسي في ليبيا، كما لم تتوقف اللقاءات والاجتماعات التي تجمع ممثلي المعسكرين المتنافسين في الشرق والغرب مع مسؤولين دوليين وإقليميين. غير أن كثافة الحراك الدبلوماسي لم تنعكس، حتى الآن، في صورة إصلاحات مؤسسية وسياسية ملموسة يشعر بها الليبيون في حياتهم اليومية، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة بشأن جدوى مسارات الوساطة الدولية، وما إذا كانت تخدم فعلاً هدف بناء الدولة أم تمنح النخب المتنافسة مزيداً من الوقت لإعادة ترتيب مواقعها ومصالحها.

وتتزامن هذه التساؤلات مع تحرك مسارين دوليين متوازيين في ليبيا؛ أولهما خارطة الطريق التي طرحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والثاني المبادرة الأميركية التي طرحها مسعد بولس، مستشار الشؤون العربية للرئيس الأميركي.

وبينما يعلن المساران أن هدفهما يتمثل في إنهاء المرحلة الانتقالية، وتوحيد المؤسسات، والوصول إلى انتخابات وطنية، وتعزيز الاستقرار، فإن الفجوة بين الخطاب الدولي والواقع السياسي الليبي لا تزال واسعة.

وتعود جذور المشكلة إلى طبيعة المشهد السياسي نفسه، حيث لم تنجح النخب الليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 في بناء مؤسسات مستقرة قادرة على تجاوز الحسابات الشخصية والمناطقية ومصالح شبكات النفوذ.

وعلى الرغم من تعاقب الحكومات والبرلمانات والمبادرات الانتخابية، بقيت ليبيا عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة، تتنافس فيها مراكز السلطة على الشرعية والموارد والنفوذ.

وتحاول خارطة الطريق الأممية، التي أُعلنت في أغسطس 2025، كسر هذه الحلقة من خلال ثلاثة مسارات رئيسية، تتعلق بوضع إطار انتخابي قابل للتطبيق، وتشكيل حكومة انتقالية موحدة ذات ولاية محددة، وإطلاق حوار سياسي موسع يشارك فيه الفاعلون السياسيون والمجتمع المدني والنساء والشباب ومختلف الأطراف الليبية.

لكن تطبيق هذه الرؤية اصطدم سريعاً بتضارب المصالح بين القوى السياسية، وبضعف قدرة البعثة الأممية على فرض مسار ملزم على الأطراف المتنافسة.

ومع تعثر خطوات تشكيل حكومة موحدة ووضع إطار انتخابي متفق عليه، انتقلت الجهود بصورة أكبر نحو الحوار المنظم، في محاولة لتجاوز الانسداد السياسي.

ولا تكمن المشكلة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الليبيين، فقط في طبيعة المقترحات المطروحة، وإنما في غياب النتائج. فالحوارات والمؤتمرات واللقاءات الدولية باتت مشهداً مألوفاً، لكن المواطن الليبي لا يرى بالقدر نفسه تقدماً في توحيد المؤسسات، أو تحسين الخدمات، أو تعزيز الشفافية، أو إنهاء الانقسام بين المؤسسات السياسية والعسكرية، أو تحديد موعد واضح لانتخابات تنهي المرحلة الانتقالية.

وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات المشهد الليبي: كلما تعثرت العملية السياسية، ازداد حضور النخب الليبية في الاجتماعات الدولية، وكأن المشاركة في اللقاءات الخارجية أصبحت بديلاً عن اتخاذ القرارات الصعبة داخل البلاد.

وخلال عام 2026، كثفت شخصيات بارزة من شرق ليبيا وغربها زياراتها إلى عواصم إقليمية ودولية، وحرصت على إبراز لقاءاتها مع مسؤولين كبار باعتبارها مؤشراً على تنامي الاعتراف الدولي بها. لكن هذه اللقاءات، على كثرتها، لم تنتج حتى الآن تسوية سياسية شاملة، ولم تدفع الأطراف المتنافسة إلى تقديم تنازلات جوهرية بشأن القضايا التي تعرقل توحيد الدولة.

وتتحول الدبلوماسية الخارجية، في هذا السياق، إلى جزء من المنافسة الداخلية. فاللقاء الذي يعقده مسؤول ليبي مع شخصية أميركية أو أوروبية بارزة يمكن أن يستخدم داخلياً باعتباره دليلاً على قوة نفوذه، في حين تنظر إليه الأطراف المنافسة باعتباره محاولة للحصول على دعم خارجي.

وهكذا يصبح التواصل الدولي أداة في الصراع السياسي بدلاً من أن يكون وسيلة لإنهائه.

وتكشف التحركات الأخيرة المرتبطة بالمبادرة الأميركية هذه المعضلة بوضوح. فقد حظيت مبادرة بولس باهتمام واسع من بعض القوى الليبية، باعتبار أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات نفوذ مؤثرة في الملف الليبي. إلا أن المبادرة تواجه في الوقت نفسه أسئلة حول مدى قدرتها على تحقيق توافق داخلي، خصوصاً أنها لا تتمتع بالتفويض الدولي الذي تستند إليه بعثة الأمم المتحدة.

كما أن توازي المسارين الأممي والأميركي يطرح سؤالاً آخر حول طبيعة العلاقة بينهما. فإذا كان الهدف هو استكمال جهود الأمم المتحدة، فإن المطلوب هو تنسيق واضح يمنع تضارب المسارات.

وأما إذا تحول الأمر إلى منافسة على النفوذ والوساطة، فقد تجد ليبيا نفسها أمام مبادرتين دوليتين، بينما يبقى جوهر الأزمة دون حل.

لكن الأزمة الأعمق تظل داخل ليبيا نفسها. فالنخب السياسية التي تشارك في هذه المسارات ليست بالضرورة مستعدة للتخلي عن الامتيازات التي يوفرها استمرار الوضع الانتقالي. فالانتخابات، رغم كونها المخرج المعلن من الأزمة، تعني بالنسبة إلى كثير من مراكز النفوذ احتمال فقدان مواقع سياسية واقتصادية وأمنية تراكمت خلال سنوات الانقسام.

ولهذا، فإن الحديث عن الانتخابات لا يمكن فصله عن سؤال أكثر حساسية يتعلق بقواعد اللعبة السياسية والاقتصادية التي ستنشأ بعدها. من سيسيطر على المؤسسات السيادية؟ كيف سيتم توزيع عائدات النفط؟ ما مصير الترتيبات الأمنية القائمة؟ وكيف ستُدمج القوى المسلحة؟ ومن يملك حق إدارة الموارد العامة؟ هذه الأسئلة هي جوهر الأزمة، وهي أيضاً من أكثر الملفات التي يصعب على النخب المتنافسة تقديم تنازلات بشأنها.

وتزداد حساسية المسألة مع استمرار النفط في احتلال موقع مركزي في الاقتصاد والسياسة الليبيين. فبدلاً من أن يكون النفط قاعدة لتمويل بناء مؤسسات الدولة، أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من معادلة النفوذ بين القوى المتنافسة، بينما تستقطب مشاريع الطاقة والاستثمار اهتماماً دولياً متزايداً.

وتثير الاتفاقات الاقتصادية والاستثمارية التي أُبرمت مع شركات دولية، ولا سيما في قطاعي النفط والطيران، تساؤلات لدى الليبيين بشأن الأولويات. فبينما تحتاج ليبيا بالفعل إلى استثمارات أجنبية وإعادة بناء قطاعاتها الاقتصادية، يخشى كثيرون من أن تتحول الصفقات الاقتصادية إلى وسيلة لتعزيز شرعية النخب القائمة قبل أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية تمنح هذه الشرعية أساساً شعبياً ومؤسسياً.

ومن هنا، فإن المشكلة ليست في الاستثمارات الأجنبية بحد ذاتها، بل في البيئة السياسية التي تجري فيها. فالاستثمار المستدام يحتاج إلى مؤسسات موحدة وقواعد قانونية واضحة وشفافية ومساءلة، وهي أمور لا تزال تعاني من الانقسام وضعف المؤسسات.

وفي الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل أن المجتمع الدولي نفسه يتحمل جزءاً من مسؤولية استمرار هذا الوضع. فقد تعاملت قوى دولية عديدة مع النخب الليبية باعتبارها بوابات لا غنى عنها للتعامل مع البلاد، ما منح هذه النخب قدرة إضافية على إعادة إنتاج نفوذها.

وكلما احتاج الخارج إلى وسيط محلي لتنفيذ ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو أمنية، حصلت القوى القائمة على مزيد من الأهمية، حتى وإن كانت عاجزة عن تقديم حلول للأزمة الداخلية.

ويؤدي ذلك إلى ما يمكن وصفه بـ”الأكسجين السياسي”؛ أي استمرار الاعتراف والتواصل الدولي مع شخصيات ومؤسسات لم تنجح في إنهاء الانقسام، ما يخفف الضغوط عليها ويمنحها فرصة إضافية للبقاء.

وفي المقابل، يتراجع شعور المواطن الليبي بأن العملية السياسية صُممت لخدمته، خصوصاً عندما يرى أن النخب تعود من الخارج محملة بصور اللقاءات والوعود، بينما تبقى المشكلات الأساسية على حالها.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه الفجوة إلى أزمة ثقة. فالليبيون لا يحتاجون إلى مزيد من الصور من قاعات المؤتمرات بقدر حاجتهم إلى مؤسسات تعمل، وقضاء مستقل، وإدارة موحدة، وانتخابات ذات مصداقية، واقتصاد أكثر شفافية، وترتيبات أمنية تنهي حالة تعدد مراكز القوة.

وهذا لا يعني أن الوساطة الدولية غير ضرورية. على العكس، تظل المشاركة الدولية مهمة في ظل عمق الانقسام الليبي وتشابك المصالح الإقليمية والدولية. لكن نجاحها يتوقف على قدرتها على الانتقال من إدارة الحوار إلى فرض معايير واضحة للنتائج، ومن رعاية الاجتماعات إلى ربط الدعم والاعتراف الدولي بإحراز تقدم حقيقي في الإصلاحات.

كما أن أي مسار سياسي مستدام يحتاج إلى إشراك المجتمع الليبي بصورة تتجاوز النخب التقليدية. فالمجتمع المدني والشباب والنساء والفعاليات المحلية يجب ألا يكونوا مجرد أطراف رمزية في الحوارات، بل شركاء في تحديد شكل الدولة وقواعد الحكم والرقابة على المؤسسات.

وفي النهاية، تكشف التجربة الليبية أن كثرة المبادرات لا تعني بالضرورة الاقتراب من الحل. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية عشرات الاجتماعات والمؤتمرات والاتفاقات، لكن جوهر المشكلة ظل قائماً: مؤسسات منقسمة، حكومات متنافسة، ترتيبات أمنية هشة، وطبقة سياسية تتمتع بقدرة كبيرة على الوصول إلى العواصم الدولية دون أن تقدم في المقابل ما يكفي من الإصلاحات.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام خارطة الطريق الأممية ومبادرة بولس لا يتمثل في تنظيم اجتماع جديد، بل في تحويل الاجتماعات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وتحويل الوعود إلى مؤسسات، وربط الاعتراف الدولي بالمساءلة والإصلاح.

وبدون ذلك، ستبقى ليبيا عالقة في الحلقة نفسها: النخب تتفاوض، والوسطاء يتغيرون، والعواصم الدولية تستضيف المزيد من اللقاءات، بينما يظل المواطن الليبي ينتظر الدولة التي وُعد بها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.

___________________

تحوّل نفطي لترامب لمواجهة حرب إيران يتعرض للنيران في ليبيا

جاك ويرتشافتَر

هجمات بطائرات مسيّرة واغتيال واستقالة محافظ المصرف المركزي تختبر خطة واشنطن لفتح إمدادات النفط الليبية

ما الذي ينبغي معرفته؟

  • تواجه المبادرة النفطية لإدارة ترامب في ليبيا تحديات كبيرة.
  • استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة مؤخرًا البنية التحتية للطاقة في ليبيا وسط الصراع المستمر.
  • أدى انفجار في مجمع الزاوية النفطي إلى انقطاع الكهرباء عن عدة مدن ليبية.

***

تواجه مساعي إدارة ترامب لفتح قطاع النفط الليبي بوصفه بديلًا لإمدادات الخليج خلال الحرب مع إيران خطر التعثر، بعد اغتيال، وتحرك محافظ المصرف المركزي نحو الاستقالة، وأسبوع من هجمات الطائرات المسيّرة والانفجارات التي استمرت حتى يوم الأحد.

وأدى انفجار وقع خلال عطلة نهاية الأسبوع في محطة فرعية للكهرباء داخل مجمع الزاوية النفطي إلى انقطاع التيار الكهربائي عن طرابلس والزاوية وصبراتة وصرمان وغريان، وفقًا للشركة العامة للكهرباء في ليبيا. وكان المسؤولون يحققون فيما إذا كان الحادث مرتبطًا بسلسلة من هجمات الطائرات المسيّرة المسلحة.

واستهدفت هجمات الطائرات المسيّرة خلال الأيام الأخيرة منشآت للبنية التحتية للطاقة في غرب ليبيا، الذي تسيطر عليه الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس. أما النصف الشرقي من البلاد فتسيطر عليه قوات المشير خليفة حفتر، الذي يتخذ من بنغازي مقرًا له.

وتعرضت محطة الكهرباء نفسها التي استُهدفت يوم الأحد لهجوم قبل أربعة أيام بواسطة طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء ودفع الشركة العامة للكهرباء إلى تعليق أعمالها وسحب فرقها الفنية من المحطة القريبة التي تعوّل عليها شركتا شيفرون وإكسون موبيل مع دخولهما السوق الليبية.

وخلال الأسبوع الماضي، استهدفت ما لا يقل عن ست هجمات بطائرات مسيّرة مصفاةً ومصنعًا للكهرباء ومحطات فرعية وخزانات تخزين بالقرب من مدينة الزاوية الساحلية، التي تقع على بعد نحو 30 ميلًا غرب طرابلس. وجاءت هذه الهجمات عقب تفجير سيارة في بنغازي في 10 أغسطس/آب، أدى إلى مقتل أحد كبار ضباط الاستخبارات التابعين للمشير حفتر. وفي اليوم السابق، قدم محافظ مصرف ليبيا المركزي، الذي يتعامل مع قادة طرفي الدولة المنقسمة، خطاب استقالته، لكن بنغازي وطرابلس رفضتا الاستقالة.

وخلال أقل من أسبوعين، تعرضت البنية التحتية للطاقة في ليبيا، والمنظومة الأمنية، والمؤسسة الاقتصادية الرئيسية التي تربط شرق البلاد بغربها، لضغوط متزامنة. وهذه هي الركائز الثلاث نفسها التي حددها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترامب للشؤون العربية والأفريقية، في واشنطن في أبريل/نيسان، باعتبارها أساسًا لإعادة توحيد ليبيا وفتح المزيد من نفطها أمام الشركات الأمريكية. وأدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى خنق طريق بحري يمر عبره عادةً نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وتُعد ليبيا جزءًا من رد واشنطن على طهران.

وقال بولس في أبريل/نيسان إن ليبيا ستصل إلى إنتاج قدره 1.6 مليون برميل نفط يوميًا على المدى القصير، وإلى ما بين مليوني وثلاثة ملايين برميل يوميًا بحلول نهاية العقد. وكانت عودة شيفرون إلى ليبيا أكبر تحرك أمريكي في قطاع النفط الليبي منذ عقود. فقد فازت الشركة في وقت سابق من هذا العام بعقد في حوض سرت، تلاه توقيع إكسون موبيل اتفاقية تغطي أربع رقع بحرية. وتملك ليبيا 41% من احتياطيات النفط المؤكدة في أفريقيا، وهي النسبة الأكبر بين دول القارة.

وضخت ليبيا 1.44 مليون برميل يوميًا في يونيو/حزيران، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2013، لكنه لا يزال أقل من مستوى 1.6 مليون برميل يوميًا الذي كانت تنتجه قبل انتفاضة عام 2011 التي أدت في نهاية المطاف إلى انقسام البلاد. وتعالج مصفاة الزاوية، القريبة من طرابلس، نحو 120 ألف برميل يوميًا، تصل إليها من حقل الشرارة عبر مسافة تقارب 450 ميلًا. ويُشغّل الحقل تحالف يضم شركة ريبسول الإسبانية، وتوتال إنرجيز الفرنسية، وOMV النمساوية، وإكوينور النرويجية، والمؤسسة الوطنية للنفط الليبية.

لكن حالة عدم الاستقرار في ليبيا تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة الأوسع، وفقًا لفولفغانغ بوسْتاي، المحلل الأمني النمساوي الذي عمل ملحقًا دفاعيًا في ليبيا ويرأس المجلس الاستشاري للمجلس الوطني للعلاقات الأمريكية-الليبية. وقال بوسْتاي لصحيفة واشنطن تايمز إن أهداف واشنطن تتمثل في تحقيق الاستقرار في البلاد، ومواجهة الوجود العسكري الروسي في أفريقيا، وزيادة إنتاج ليبيا من النفط، والسيطرة على الهجرة إلى أوروبا، ومواجهة النفوذ الصيني في المعادن الموجودة جنوب ليبيا. وأضاف: «مبادرة بولس هي في الأساس فرصة لمواصلة تعزيز المصالح الأمريكية انطلاقًا من الوضع القائم حاليًا». وأدان بولس هجمات المصفاة والاغتيال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء، داعيًا إلى إجراء تحقيقات وحاثًا الأطراف الليبية على «مضاعفة جهودها للتغلب على الانقسامات».

وقال هاني العاصر، المدير التنفيذي للمركز القومي للدراسات في مصر: «لا يمكننا التعامل مع الأحداث الثلاثة باعتبارها ثلاث حوادث منفصلة، كما لا يمكننا القفز إلى استنتاج مفاده أن مؤامرة واحدة تقف وراءها جميعًا». وأضاف أن المهم هو أن مؤسسات ليبيا الأمنية والطاقة والاقتصاد تعرضت للضغط في الوقت نفسه الذي كانت فيه واشنطن تحاول ربط هذه المؤسسات ببعضها البعض. وقال عمر ختالي، وهو مستشار ليبي-أمريكي كان يدير سابقًا صندوق العقارات التابع لصندوق الثروة السيادي الليبي وزار طرابلس في أواخر يوليو/تموز: «من حيث منفذي الهجمات، فإن الضربات الثلاث غير مرتبطة ببعضها. لكنها مرتبطة من خلال البنية الضعيفة للدولة الليبية في الوقت الحالي. الأمر كله يتعلق بالمال والنفوذ والسيطرة».

بلد منقسم

تنقسم ليبيا منذ عام 2014. ويتولى رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة إدارة الغرب، من خلال حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. أما المشير حفتر، البالغ من العمر 82 عامًا، والذي يحمل الجنسيتين الليبية والأمريكية وعاش عقدين من الزمن في ولاية فرجينيا، فيقود الشرق وجزءًا كبيرًا من الجنوب عبر الجيش الوطني الليبي. ولم يخضع أي من الرجلين لانتخابات. وتدعم تركيا الدبيبة بقوات وطائرات مسيّرة، بينما دعمت مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا حفتر. ولا يزال فيلق أفريقيا الروسي يحتفظ بمواقع في الصحراء الشرقية، فيما تتنافس شركات صينية على امتيازات التعدين في الجنوب.

ويعود الانقسام الحالي إلى تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2011، الذي أطاح بمعمر القذافي. وكان الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما، الذي انضمت إدارته إلى فرنسا وبريطانيا في قيادة الحملة الجوية، قد وصف لاحقًا عدم التخطيط لمرحلة ما بعد القذافي في ليبيا بأنه أسوأ خطأ في سياسته الخارجية. وبعد مرور 15 عامًا، تحاول إدارة ترامب صياغة تسوية من الأجزاء التي خلفها ذلك التدخل.

ويقضي الترتيب قيد النقاش بالإبقاء على نفوذ الدبيبة في طرابلس من خلال منح ابن شقيقه دورًا محوريًا، بالتزامن مع رفع نجل حفتر، صدام حفتر، البالغ من العمر 35 عامًا، إلى قيادة مجلس تنفيذي وطني جديد. وستقدم واشنطن استثمارات أمريكية في قطاع النفط، وستضغط من أجل الإفراج عن الأصول الليبية المجمدة. أما الانتخابات فستأتي في مرحلة لاحقة، إن حدثت أصلًا. وجاء أوضح دليل على إمكانية نجاح هذا النهج في 11 أبريل/نيسان، عندما وافق المجلسان التشريعيان المتنافسان في شرق البلاد وغربها على ميزانية وطنية موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي، أي نحو 30 مليار دولار، وهي الأولى منذ عام 2013.

تحت الهجوم

بدأت الضربات على الزاوية في الساعة 3:45 صباحًا يوم 8 أغسطس/آب، عندما اخترقت طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات خزانًا لتخزين الوقود. وتوالت الهجمات يوميًا. وحذرت المؤسسة الوطنية للنفط من أنها قد توقف عمليات التكرير إذا استمرت الهجمات. وقالت حرس المنشآت النفطية إن النتائج الأولية تشير إلى استخدام طائرات مسيّرة من طراز FPV، أي الطائرات التي يتحكم فيها المشغّل عبر منظور الشخص الأول، وأنها أُطلقت من داخل ليبيا.

ويرى بعض المحللين أن الصراع الأساسي يدور بين ميليشيتين تتبعان، من الناحية الرسمية، لحكومة طرابلس: قوة الدعم الأولى التابعة لوزارة الداخلية، والكتيبة 103 المنافسة التابعة لوزارة الدفاع. ونفى محمد بحرون، قائد قوة الدعم الأولى، مسؤولية قواته عن هجمات الطائرات المسيّرة ووصفها بأنها «عمل إرهابي». أما استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، المؤرخة في 9 أغسطس/آب، فقد وُجهت إلى مجلس النواب في الشرق والمجلس الأعلى للدولة في الغرب. ورفض المجلسان قبولها، وبقي عيسى في منصبه حتى نهاية الأسبوع.

وكان عيسى أول محافظ لمصرف ليبيا المركزي يحظى بالموافقة من مختلف أطراف الانقسام السياسي، كما أن المصرف الذي يديره واحد من المؤسسات الوطنية القليلة التي يقبل بها الطرفان. ويتولى المصرف توزيع عائدات النفط بين الشرق والغرب، ويقع محافظه في قلب ترتيبات تقاسم الإيرادات التي تقوم عليها المبادرة الأمريكية. وربط محللون ليبيون محاولة عيسى الاستقالة بخلافات حول اتفاق الإنفاق الموحد الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، إضافة إلى الضغوط الناجمة عن ضعف الدينار. ولم يقل عيسى سوى إن أسباب قراره حساسة للغاية بحيث لا يمكن الكشف عنها.

وكان بولس قد خصّ عيسى بالثناء في خطابه في أبريل/نيسان، معتبرًا أنه من الجدير بالإشادة أن «ممثلين من كلا الجانبين وضعوا خلافاتهم جانبًا من أجل مصلحة البلاد، ولا سيما محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى». وقُتل اللواء فوزي المنصوري بقنبلة زُرعت في سيارته بعد أداء صلاة العشاء في منطقة الهواري بمدينة بنغازي. وكان المنصوري يتولى قيادة الاستخبارات العسكرية لقوات حفتر. وكان من المتوقع أن يرثه صدام حفتر بوصفه شخصية محورية في المنظومة الأمنية بشرق البلاد. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم. وقال بوسْتاي: «إن اختيار رئيس من الشرق ورئيس وزراء من الغرب لتشكيل حكومة موحدة هو نهج معقول. لكنني أشك في أن المرشحين المتداولين — صدام حفتر للرئاسة وعبد الحميد الدبيبة لرئاسة الوزراء — سيحظيان بقبول واسع».

التفاوض على إعادة التوحيد

قبل ستة أسابيع، التقى صدام حفتر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن لمناقشة إعادة توحيد ليبيا بقيادة ليبية. وقبل ذلك بأربعة أيام، التقى عبد السلام الزوبي، نائب وزير الدفاع في حكومة طرابلس، بولس ومسؤولين كبارًا في وزارة الخارجية الأمريكية. وقد رفضت مصراتة، أقوى مدن غرب ليبيا خارج العاصمة والقوة التي أوقفت تقدم قوات حفتر نحو طرابلس عام 2019، هذا الإطار. وقال الشيخ محمد الرجوب، رئيس مجلس أعيان وحكماء المدينة، لقناة الجزيرة العربية إن المجلس لم يتلق أي مقترح مكتوب من بولس رغم أشهر من المشاورات.

ووصل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى الساحل المصري على البحر المتوسط يوم الأربعاء، بعد زيارات إلى جانبي ليبيا. وكان قد التقى الدبيبة في طرابلس قبل ذلك بيوم، ثم توجه إلى بنغازي للقاء صدام حفتر ووالده. كما تتشاور مصر وتركيا والسعودية وباكستان ضمن ما يُعرف بـ«الرباعية الإقليمية»، التي عقد وزراء خارجيتها اجتماعًا في القاهرة في يونيو/حزيران بالتزامن مع محادثات مع بولس. وقبل أيام من زيارة فيدان إلى ليبيا، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع ثلاثية في مكة.

ويقدم كل عضو في الرباعية ما تحتاجه واشنطن. فتركيا تتمتع بتفوق عسكري في غرب ليبيا بفضل الطائرات المسيّرة والقدرات البحرية، ضمن انتشار مددت تركيا تفويضه برلمانيًا حتى أوائل عام 2028. أما مصر فتدعم أمن الشرق من خلال المنظومة التي كان اللواء المنصوري يساعد في إدارتها. وتوفر السعودية التمويل، في حين وقعت باكستان اتفاقًا للأسلحة بقيمة 4 مليارات دولار مع قوات حفتر

. ويمثل التقارب المصري-التركي النقطة المضيئة في حسابات واشنطن بشأن ليبيا. فقد أمضت القاهرة وأنقرة عام 2019 في تسليح طرفين متعارضين في الحرب الأهلية الليبية، وقطعتا العلاقات الدبلوماسية لعقد كامل. ويشير تنسيقهما بشأن إطار بولس — بما في ذلك لقاء فيدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في العلمين بعد جولته المكوكية بين طرابلس وبنغازي — إلى أن أيًا من العاصمتين لا تعتزم اتخاذ خطوات مضادة لمصالح الأخرى أو لوكلائها الليبيين. ومن دون هذا الضبط المتبادل، ستنهار المبادرة الأمريكية وتعود ليبيا إلى حرب بالوكالة.

أما الإمارات العربية المتحدة، التي دعمت حفتر لعقد من الزمن، فلم تعلق علنًا على هجمات الزاوية. وقال العاصر: «إن التوافق المصري-الأمريكي بشأن الملف الليبي ضرورة استراتيجية للجانبين». ولا تريد واشنطن أن تصبح ليبيا ساحة تنافس مع روسيا، في وقت قد ترغب فيه الولايات المتحدة في استغلال انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا. وقد فضّلت إدارة ترامب بشكل متزايد اتفاقات تقاسم السلطة المبنية على أطراف تسيطر بالفعل على أراضٍ. وقد شكلت أطر مماثلة السياسة الأمريكية في غزة وسوريا والمراحل الأولى من الدبلوماسية مع الأكراد.

وكان من المفترض أن تكون ليبيا قصة النجاح الأولى، لأن نفطها يوفر مردودًا سريعًا في اللحظة نفسها التي كانت فيها حرب إيران تغلق مصادر أخرى. وبعد أربعة أشهر من عرض بولس مساراته الثلاثة في واشنطن، أصبحت المسارات الثلاثة جميعها تحت الضغط. وقال ختالي: «على الأرض، يرى الليبيون بولس وسيطًا يسعى إلى تحقيق مكاسب مالية من عقود النفط المحتملة مستقبلًا، ويفضلون مشاركة مباشرة أكبر من وزير الخارجية الأمريكي ووزارة الخارجية».

_____________

لماذا قد يُحدث خط أنابيب النفط الليبي القادم تحولاً جيوسياسياً كبيراً


سيريل ويدرشوفن

ملخص

  • تستأنف ليبيا ومصر مشروع خط أنابيب نفط بطول 800 كيلومتر يربط طبرق بالإسكندرية، على أن تبدأ طاقته الابتدائية بـ 150–250 ألف برميل يومياً.
  • تحصل مصر بموجبه على نفط خام يتجاوز مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، بينما تحصل ليبيا على منفذ تصدير بديل.
  • قد تتراوح التكاليف بين 1.5-2 مليار دولار، مع توقّع وصول أولى شحنات النفط بحلول عام 2030 في سياق واقعي.
  • ***

دخل مشروع خط أنابيب النفط الخام المقترح بين ليبيا ومصر، وبشكل مفاجئ وسريع، مرحلة تجري فيها القاهرة وطرابلس مناقشات فعّالة بشأنه. من المتوقع أن يبلغ طول الخط 800 كيلومتر، ليربط بين طبرق في شرق ليبيا وميناء الإسكندرية المصري، مما يسمح بتدفق الخام الليبي مباشرة إلى منظومة التكرير المصرية على البحر المتوسط.

ومع تجاوز التكلفة المتوقعة مليار دولار، فإنه يمثل فرصة استراتيجية كبرى. غير أن السعة النهائية، وهيكل التمويل، وقرار الاستثمار النهائي لم تُحسم بعد.

وهذا أمر مهم، لأن المشروع لم يحظ بعد بتمويل كامل. تشير التحليلات الحالية إلى أن مصر وليبيا تتباحثان في آليات التمويل، وترتيبات التنفيذ، والطاقة الإنتاجية النهائية. بيد أن هناك عقبات كبيرة في الطريق، إذ لم يلتزم أي بنك دولي، أو صندوق سيادي، أو شركة نفط عالمية بالمشروع علناً.

ينبغي اعتبار التكاليف الحالية مجرد تقدير مبدئي، وليس تقديراً هندسياً قابلاً للتمويل المصرفي. ويُعتبر تحقيق الاستقرار الجيوسياسي أمراً حاسماً لنجاح المشروع وتخفيف المخاطر.

المشروع ليس جديداً، إذ درست كل من مصر وليبيا نفس المسار قبل أكثر من عقدين. ففي عام 2002، كانت الدولتان تُطوّران خطي أنابيب مزدوجين للنفط والغاز بين طبرق والإسكندرية، عبر الشركة العربية لخطوط البترول والغاز، وهو مشروع مشترك بنسبة 50:50 بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية والهيئة المصرية العامة للبترول/جاسكو.

وكان الطول المتوقع آنذاك 620 كم، وبطاقة ابتدائية 150 ألف برميل يومياً، ويُذكر أنه تم إجراء عمليات تمشيط للألغام على طول المسار. أما المقترح الحالي، فهو فكرة جيوسياسية جديدة تماماً، لكنها في جوهرها إحياء وتوسيع كبير لفكرة قديمة.

التقييم – أغسطس 2026البند الخاص بالخط
منطقة طبرق/الحريقة – الحدود المصرية – ممر مطروح – الإسكندريةالمسار المقترح
نحو 800 كمالطول المُبلغ عنه
أكثر من مليار دولارالتكلفة الأولية الرسمية
مليار دولار، وقد تزيد مع التخزين/الضخ/تكامل المصافيالنطاق الواقعي لتكاليف رأس المال
لم تُحدد رسمياً بعدالطاقة قيد المناقشة
مائة وخمسون ألف برميل يومياًالتصميم التاريخي
مائة وخمسون ـ مائتان ألف برميل يومياًالمرحلة الأولى – تقدير
ثلاث مائة إلى أربعة مائة ألف برميل يومياً، رهن بالإنتاج الليبيإمكانية التوسع
المؤسسة الوطنية للنفط والهيئة المصرية العامة للبترول؛ واحتمال انضمام مستثمرين في البنية التحتية أو رؤوس أموال خليجيةالمالكون/الداعمون المحتملون
التكرير المحلي، تعويض الواردات، المخزون الاستراتيجي، تصدير المنتجاتاستخدام مصر
ممر تصدير بديل وتكرير الخام الليبي في مصراستخدام ليبيا
2027أقرب موعد لقرار الاستثمار النهائي واقعياً
2029–2030أقرب موعد للتشغيل واقعياً
يشكّل الانقسام السياسي والأمني المخاطر الرئيسية، متفوقاً على التحديات الهندسية، ومؤكداً التعقيد الجيوسياسي الذي قد يؤثر في جدوى المشروع واستقرارهالمخاطر الأساسية

تدعم التطورات الجيوسياسية وسوق النفط في عام 2026 المنطق الاقتصادي للمشروع. فقد ازدادت مصر تعرضاً للاضطرابات البحرية في الشرق الأوسط.

وبعد انقطاع الإمدادات الكويتية بسبب مضيق هرمز، تحركت القاهرة بالفعل لشراء ما لا يقل عن مليون برميل شهرياً من الخام الليبي.

وفي الوقت نفسه، واصلت ليبيا ومصر تطوير اتفاق التعاون الطاقة الموقع في يناير، والذي يدرس نقل النفط الخام والغاز بين البلدين. وتسعى القاهرة حالياً إلى توسيع مخزونها الاستراتيجي من النفط، إذ كشفت اضطرابات مضيق هرمز عن هشاشة الإمدادات المعتمدة على الناقلات.

وبالنظر إلى وضع مصر، فإن هذا المشروع يتجاوز كونه مجرد خط أنابيب آخر، إذ يُنشئ مصدراً لإمدادات الخام في البحر المتوسط بعيداً تماماً عن هرمز وباب المندب والسويس. فكل برميل يدخل عبر طبرق لن يتعرّض لأي من هذه النقاط الحرجة، مما يوفر مرونة طويلة الأمد وأماناً للسوق لأصحاب المصلحة.

وفي الوقت نفسه، تبقى حجة التكرير مقنعة بنفس القدر. فالإسكندرية تُعد بالفعل المجمع التكريري الرئيسي في مصر، حيث تعمل شركة ميدور بطاقة تبلغ نحو 160–170 ألف برميل يومياً بعد توسعة كلفت 2.7 مليار دولار، وقد قامت بتكرير أكثر من 49 مليون برميل خلال 2025.

كما تضيف مصافي الإسكندرية والأميرية طاقات إضافية. وتتجاوز الطاقة الاسمية للتكرير في مصر تاريخياً 760 ألف برميل يومياً، لكن الإنتاج الفعلي أقل بكثير ويختلف حسب كل مصفاة.

من المتوقع أن يضخ خط أنابيب ليبي بطاقة 150 ألف برميل يومياً نحو 55 مليون برميل سنوياً. وإذا بلغت الطاقة 250 ألف برميل يومياً، فسيصل الإجمالي إلى 91 مليون برميل، وعند 300 ألف يصبح نحو 110 ملايين برميل. وبالتالي، فإن حجم الخط صغير نسبياً مقارنة بقيمة التدفقات السلعية التي يمكن أن يدعمها.

بالنسبة لمصر، يعني ذلك عدة خيارات:

يمكن للخام الليبي أن يحل محل البراميل المستوردة الأغلى ثمناً أو الأكثر عرضة للخطر، ويغذي ميدور ومصافي الإسكندرية الأخرى، وتُستهلك المنتجات المكررة محلياً (بنزين، ديزل، وقود طائرات).

وفي الوقت نفسه، يمكن تصدير فائض المنتجات ذات القيمة الأعلى من الإسكندرية والدخيلة إلى أسواق المتوسط. وتربط ميدور خطوط أنابيب بالدخيلة لتصدير المنتجات. وهذا يمكّن القاهرة من تحويل القرب الجغرافي من الخام الليبي إلى هوامش تكرير، وفرص عمل، وتوفير في النقد الأجنبي، وفي فترات الفائض، إيرادات تصديرية.

بالنسبة ليبيا، المنطق مختلف لكنه لا يقل إثارة.

تستهدف المؤسسة الوطنية للنفط زيادة كبيرة في الإنتاج الوطني من مستواه الحالي البالغ نحو 1.4–1.5 مليون برميل يومياً. ويرتبط هذا الهدف باتفاق موقع في يناير 2026 مع توتال إنرجي وكونوكو فيليبس باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار، مع احتمال حدوث زيادات كبيرة جداً في طاقة حقل الواحة. وإذا سار كل شيء كما هو مخطط، ستحتاج ليبيا إلى بناء مرونة إضافية في البنية التحتية للإخلاء والتخزين والتسويق، وهنا يأتي دور مصر.

يُعد شرق ليبيا مناسباً بشكل خاص للارتباط بمصر. فخام السرير يسافر بالفعل مئات الكيلومترات نحو نظام تصدير طبرق/الحريقة.

ويُظهر التقرير السنوي للمؤسسة الوطنية للنفط لعام 2025 استمرار الاستثمار في استبدال أجزاء من خط السرير–طبرق (قطر 34 بوصة)، مع برنامج استبدال بطول 100 كم. وإعداد النظام للارتباط شرقاً نحو مصر سيخلق بديلاً عن الصادرات عبر الناقلات من الحريقة.

وبأخذ ذلك في الاعتبار، فإن 150–250 ألف برميل يومياً هي النطاق الابتدائي المنطقي تجارياً. أما البناء الفوري لطاقة 400–500 ألف برميل يومياً فسيحمل حالياً مخاطر إنشاء طاقة عاطلة. ولن تصبح هذه المستويات الأعلى واقعية إلا إذا نجحت ليبيا في دفع الإنتاج الوطني نحو 2 مليون برميل يومياً.

تقنياً، لا يزال هناك مجال لتصميم النظام هيدروليكياً بحيث يسمح بتوسع لاحق، إذ يمكن لمضخات أكبر ومحطات ضخ إضافية أن تزيد الطاقة دون مضاعفة مسار الحق بالكامل.

عند النظر إلى التكلفة المعلنة البالغة مليار دولار، يبدو الرقم طموحاً. لكن خط أنابيب خام عابر للحدود بطول 800 كم سيحتاج إلى: الخط نفسه، محطات ضخ، قياس، نظام تحكم وإدارة، طاقة، مرافق حدودية، تخزين، أنظمة أمن، حماية كاثودية، بنية استقبال في الإسكندرية، ووصلات بمصافي مصر.

ورغم أن الإنشاء في الصحراء أسهل تقنياً مقارنة بالخطوط الجبلية أو البحرية، إلا أن أقساط الأمن والخدمات اللوجستية كبيرة. وبالنظر إلى الاحتياجات العالمية وتطورات السوق، فمن الأكثر واقعية توقع نطاق تخطيط يتراوح بين 1.3 و2.2 مليار دولار.

وإذا تم النظر في مرافق تخزين وتعديلات في المصب، فسنكون أمام 2.5 مليار. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام ليست مبنية على ميزانية مشروع مُعلنة.

سيكون التمويل هو الاختبار الحاسم. فالمؤسسة الوطنية للنفط/أجوكو والهيئة المصرية العامة للبترول هما المشاركان الأساسيان الطبيعيان، وربما يعيدان خلق هيكل مشابه للمشروع المشترك الثنائي الأصلي.

من الممكن تماماً توقع رؤوس أموال خليجية سيادية أو استثمارية، خاصة وأن مصر لديها تاريخ طويل من الاستثمار العربي المشترك في البنية التحتية للطاقة.

ويعد خط أنابيب سوميد النموذج الواضح: تديره مصر بالاشتراك مع مساهمين خليجيين، وقد نقل نحو 50 مليون طن من الخام في 2025.

وبالنظر إلى صناديق البنية التحتية الدولية، ووكالات ائتمان الصادرات، والتمويل المدعوم من مقاولي الهندسة والتوريد والإنشاء، سيكون ذلك ممكناً. غير أن المقرضين سيطلبون ضمانات سيادية قوية وحماية من الاضطرابات السياسية في ليبيا.

وفي النهاية، لا بد من معالجة القضية السياسية أو الجيوسياسية.

تقع طبرق ومعظم شرق ليبيا في نطاق النفوذ السياسي–الأمني المرتبط بخليفة حفتر والسلطات الشرقية. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن المناقشات الحالية حول الخط ركزت على التواصل بين القاهرة وعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس.

وطالما بقيت ليبيا منقسمة بين مراكز قوى متنافسة، فسيظل أي خط أنابيب أداة من أدوات سياسات القوة، ولا يمكن أن يصبح بأمان أصلاً سياسياً يخص طرفاً واحداً فقط، بينما تظل عائدات المؤسسة الوطنية للنفط حساسة وطنياً.

أظهرت الهجمات بالطائرات المسيرة في أغسطس حول الزاوية، والتي دمّرت مرافق تخزين النفط، أن المخاطر الأمنية حقيقية.

وفي الوقت نفسه، تسللت احتجاجات مؤخراً إلى مجمع ملّيتة للطاقة. وسيحظى الاهتمام الأكبر بحقيقة أن خط أنابيب دولياً جديداً يحمل مليارات الدولارات من الخام سنوياً سيصبح حتماً أصلاً استراتيجياً وهدفاً قابلاً للابتزاز في آنٍ معاً.

لكن هذا هو بالضبط سبب استحقاق المشروع للاهتمام. إن خط أنابيب ليبيا–مصر أكثر جدوى تجارياً اليوم مما كان عليه قبل عشرين عاماً، وسيستفيد الطرفان منه، وفي الوقت نفسه، تسعى الحكومتان إلى تعميق التكامل الاقتصادي، في حين أن المسافة الجغرافية قابلة للإدارة.

بالنسبة للمحللين، سيكون الخطأ الأكبر مرة أخرى هو الحكم على المشروع فقط من خلال ما إذا كان خط أنابيب بقيمة مليار دولار يمكنه تحقيق عائدات من رسوم النقل.

فالقيمة الاستراتيجية للمشروع أكبر بكثير. فإضافة إلى أن 200–250 ألف برميل يومياً ستدعم تدفقات خام سنوية بقيمة 5–7 مليارات دولار، فإنها ستقلل من تعرض مصر للإمدادات البحرية، وتحقق عوائد من الإنتاج الليبي الإضافي، وتجعل الإسكندرية مركزاً أقوى للنفط الخام والمنتجات في المتوسط.

بيد أن المشروع حالياً قابل للتنفيذ تقنياً بدرجة كبيرة، ومقنع استراتيجياً، لكنه شديد المخاطر سياسياً.

تذكروا أن قرار الاستثمار النهائي في 2027، متبوعاً بالبناء خلال 2028–2029، يمكن أن يوصل أول نفط نظرياً حوالي 2029. لكن الواقع سيكون أقرب إلى 2030. وينبغي افتراض تصاعد التكاليف نحو 1.5–2+ مليار دولار.

تقنياً، لا توجد عقبات. أما القلق الحقيقي فهو ما إذا كانت ليبيا قادرة على ضمان أن الخام الذي يدخل ذلك الخط اليوم سيظل متاحاً سياسياً وقانونياً ومادياً بعد عشرين عاماً من الآن.

_________________

استهداف نفط ليبيا واقتصادها وأمنها… من المستفيد؟

سهام معط الله

في مشهد معقَّد تتشابك فيه خيوط المؤامرة، توالت على ليبيا خلال ساعات معدودة ضربات موجعة استهدفت أعمدة الدولة الثلاثة: النفط، والأمن، والمال. إنّها لحظة فارقة تتعرَّض فيها البلاد لاختبار حقيقي، في وقت كانت تُبشِّر فيه بمستقبل واعد بعد سنوات من الجمود السياسي والاقتصادي، وتحديداً بعد أن عوَّلت عليها مصر وأوروبا بديلاً استراتيجياً لإمدادات الخليج النفطية عقب إغلاق مضيق هرمز. ففي تزامن غريب، ضُربت أكبر مصفاة نفطية ليبية بطائرات مسيَّرة مجهولة، واغتيل رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الليبية في عقر داره، وقدَّم محافظ البنك المركزي الليبي استقالته لأسباب يلفّها الغموض.

ثلاث ضربات في آن واحد، كفيلة بأن تهزّ أيّ دولة، لكن الأغرب أنّها جاءت في توقيت دقيق، بالتزامن مع نقاشات حول مشروع استراتيجي عملاق يربط شرق ليبيا مباشرة بالسواحل المصرية. إنّه مشهد يكشف عن خيوط خفيّة تشير أصابع الاتِّهام فيها إلى جهات خبيثة تسعى بكل قوّة لإبقاء ليبيا في دائرة الفوضى المفتوحة، وكسر أيّ محاولة للنهوض الاقتصادي الليبي- المصري المشترك.

بدأت العملية في مدينة الزاوية الواقعة غربي ليبيا، حيث تحوَّلت مصفاة الزاوية للنفط إلى هدف لطائرات مسيَّرة مجهولة في هجوم متعدِّد المراحل. فبعد استهداف خزان النافتا ومنشأة تحلية المياه، جاءت الضربة الأعنف يوم العاشر من أغسطس/ آب الجاري، حين اصطدمت طائرة مسيَّرة بخزّان بنزين تابع لشركة البريقة يحتوي على نحو 4.5 ملايين ليتر من البنزين، ما أشعل نيراناً هائلة أدّت إلى انهيار الخزّان بالكامل. ولم تتردد المؤسّسة الوطنية للنفط، التابعة للدولة، في إعلان حالة الطوارئ القصوى، محذِّرة من أنّ استمرار هذه الهجمات يهدِّد قطاعاً حيوياً هو الطاقة الذي يشكِّل العمود الفقري للاقتصاد الليبي والإيرادات الدولارية.

فمصفاة الزاوية، التي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 120 ألف برميل يومياً، تعتبر حالياً أكبر المصافي العاملة في البلاد، ويأتي هذا الاعتداء عليها في وقت تسجِّل فيه ليبيا أعلى مستويات الإنتاج النفطي منذ عام 2013 بنحو 1.44 مليون برميل يومياً. إنّه نجاح تحاول أيادٍ خفيّة تخريبه وإجهاضه، خصوصاً أن لا جهة تتبنّى الهجوم حتى الآن، ما يزيد من غموض المشهد ويعزِّز فرضية وجود أجندة خفيّة وراء هذه العمليات التخريبية، كأنّما هي رسائل واضحة بأنّ أيّ نهضة نفطية في المنطقة لن تمرّ دون ثمن. 

وتحديداً في قلب مدينة بنغازي التي تُعدّ معقلاً للقيادة العسكرية في الشرق، وقعت الصدمة الثانية التي حملت طابعاً أكثر جرأة واستهدافاً للأمن الوطني. ففي منطقة الهواري، قُتل مدير جهاز الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة اللواء فوزي المنصوري، إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت في سيارته بجوار منزله. وهنا يكمن السؤال الصادم: كيف تمكّن الجناة من اغتيال شخص من المفترض أن يتمتَّع بأعلى مستويات الحماية الأمنية؟

في الواقع، يكشف هذا الخرق الأمني الفادح عن وجود أيادٍ قادرة على الوصول إلى قمّة الهرم العسكري في أهمّ معاقل النفوذ. وإذا كانت الاستخبارات العسكرية هي عين الدولة وأذنها، فإنّ اغتيال قائدها يشبه إصابتها بالعمى في لحظة هي بأمسّ الحاجة إلى الرؤية الواضحة، خصوصاً مع التعقيدات السياسية والأمنية الراهنة، حيث تبقى هويّة الفاعل طيّ الكتمان، وكأنّها جزء من لعبة أكبر تهدف إلى تدمير الثقة وإشعال الفتن الداخلية. 

مصفاة الزاوية التي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 120 ألف برميل يومياً تم الاعتداء عليها في وقت تسجِّل فيه ليبيا أعلى مستويات الإنتاج النفطي منذ عام 2013

وفي تطوُّر لا يقلّ خطورة، انتقلت الضربة الثالثة من هجمات الطائرات المسيَّرة والاغتيالات إلى الغرف المغلقة لأهمّ المؤسّسات المالية في ليبيا، حيث فاجأ ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي، الأوساط السياسية بتقديم استقالته لكلّ من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، مكتفياً بالتصريح بحساسية الدوافع التي لا يمكن البوح بها. حملت هذه الاستقالة غموضاً لم يسبق له مثيل، فقد ضربت رأس المال والمالية العامة للدولة الليبية في وقت عصيب، فالمحافظ ناجي عيسى لم يكن شخصاً عادياً، بل كان ثمرة تسوية نادرة وصعبة للغاية بين حكومتي الشرق والغرب، بعد أزمة مريرة حول السيطرة على البنك المركزي وتبعيته، وصلت إلى حدّ تعطيل الإنتاج النفطي وشلّ الصادرات.

في الواقع، تخطِّط الأيادي الخفية المتسبِّبة برحيل المحافظ ناجي عيسى لتفجير التوافق الهشّ الذي جرى التوصُّل إليه بشقّ الأنفس، ونسف أي جهد للوحدة المالية والسياسية، في وقت يتطلَّب فيه الاستقرار الاقتصادي بالبلاد أعلى درجات التنسيق بين مختلف الأطراف الليبية. وإذا كانت هذه الأحداث الثلاثة تشكِّل مأساة بحدّ ذاتها، فإنّ أبعادها الخطيرة تتَّضح عندما نربطها بحدث آخر لم يحظ بزخم إعلامي كبير، وتحديداً المشروع العملاق الذي كان على وشك رؤية النور. ففي التوقيت نفسه تقريباً، وتحديداً يوم العاشر من أغسطس الجاري، أجرى الجانبان المصري والليبي مباحثات مكثّفة حول مشروع حيويّ يتمثّل بإنشاء خطّ أنابيب نفطي بين مدينة طبرق الليبية ومدينة الإسكندرية المصرية لتغذية مصافي التكرير المصرية المطلّة على البحر المتوسّط بكلفة تتجاوز مليار دولار.

يهدف هذا المشروع الاستراتيجي إلى نقل الخام الليبي إلى المصافي المصرية، ما يخلق تحالفاً اقتصادياً رابحاً للطرفين؛ فمصر تحصل على مصدر بديل وآمن للطاقة يعوِّضها عن اضطرابات إمدادات الخليج الناجمة عن أزمات الملاحة في ظلّ الحرب المستعرة بين أميركا وإيران، فيما ترفع ليبيا القيمة المضافة لنفطها من خلال تكريره وتصنيع مشتقّاته وتصديرها بأسعار أعلى، بدلاً من بيعه خاماً. لذلك، يصبح واضحاً للقاصي والداني أنّ خطّ الأنابيب الجديد شريان حياة واعد ومشروع يعيد هندسة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ويخلق مصالح مشتركة تجعل استقرار ليبيا ضرورة ملحّة لمصر والعكس، وهو ما لا يُرضي بالطبع من يحرصون على بقاء المنطقة في حالة صراع دائم.

هنا تبرز أسئلة أكثر إلحاحاً وإثارة للقلق، وهي الأسئلة ذاتها التي تربط كل هذه الأحداث المتناثرة في خيط واحد: من المستفيد الحقيقي من استمرار عدم الاستقرار واستدامة الصراع بليبيا؟ ومن الذي لا يصبّ في مصلحته قيام تعاون ليبي-مصري مثمر يقلِّص الاعتماد على طرق الإمداد التقليدية المحفوفة بالمخاطر؟ ومن الذي يحرص على إبقاء مصر في دائرة البحث الدائم عن مصادر الطاقة بعيداً عن جارتها الغربية الغنية باحتياطيات النفط؟
خلاصة القول: ما حدث في ليبيا ليس مجرّد حوادث منفصلة، بل مخطّط متكامل الأركان يستهدف إجهاض أيّ فرصة للتقارب المصري-الليبي والاستقرار والنمو المشترك. لقد أكَّدت هذه الضربات المتزامنة وجود أيادٍ خفيّة تمتلك قدرات تكنولوجية واستخباراتية متقدِّمة وتسعى لإبقاء المنطقة في مستنقعٍ من الصراع والفوضى.

_______________

بعد اغتيال مدير الاستخبارات.. من يدير منظومة الأمن في شرق ليبيا؟

أعاد اغتيال فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا، فتح ملف البنية الأمنية التي رسخها اللواء الانقلابي خليفة حفتر في المنطقة، بعد عامين شهدا انتقال اثنين من أبنائه إلى أعلى المواقع في هرم قواته، واتساع نفوذ ابن ثالث عبر ملف الإعمار والمشاريع العامة.

فقد أصبح صدام حفتر نائبًا للقائد العام ضمن الهيكل القيادي الذي يعتمده مجلس النواب في الشرق، وتولى شقيقه خالد رئاسة الأركان العامة، فيما يدير شقيقهما الثالث بلقاسم صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، مع بقاء والدهم في قمة منظومة القرار والتعيينات العليا.

تعمل تحت هذه الطبقة أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي ووزارة الداخلية التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب ومديريات الأمن والشرطة العسكرية ورئاسات الأركان والتشكيلات الميدانية، ويقود معظمها ضباط من خارج عائلة حفتر.

وتشير التعيينات منذ 2024 إلى انتقال أبناء حفتر من قيادة تشكيلات ومراكز نفوذ منفصلة إلى مواقع رسمية في قمة منظومة الشرق، مع بقاء المستويات التشغيلية والإقليمية في أيدي شبكة أوسع من الضباط وتمركز القرار الأعلى داخل دائرة العائلة.

وتظل هذه البنية جزءًا من انقسام عسكري وسياسي مستمر، إذ تحدثت بعثة الأمم المتحدة للدعم بليبيا في مايو/أيار 2026 عن “هياكل مسلحة موازية” ضمن العقبات التي تعترض توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، فيما ترى منظمة هيومن رايتس ووتش أن السلطات التي تدير شرق البلاد وغربها بأنها “متنافسة”، وتصف قوات حفتر والأجهزة والتشكيلات المرتبطة بها بأنها تسيطر فعليًا على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب.

ماذا كان موقع المنصوري في شبكة الأمن؟

اغتيل اللواء فوزي المنصوري مساء 10 أغسطس/آب 2026 إثر تفجير استهدف سيارته في بنغازي. ووفق رواية “القيادة العامة” التابعة لخليفة حفتر، استخدم المنفذون “لاصقة متفجرة” وضعت في السيارة واستهدفته بعد خروجه من صلاة العشاء في منطقة الهواري.

وحملت الروايات اختلافات بشأن الموقع الدقيق للحادث وتسلسل اللحظات السابقة للتفجير، وحتى الآن بقيت التحقيقات في مرحلة جمع المعلومات، وظلت هوية المنفذين والجهة التي تقف خلف العملية مجهولة، لتزداد التكهنات التي تربط الاغتيال بصراع داخلي أو ترتيبات الخلافة.

شكّل خليفة حفتر في اليوم التالي لجنة أمنية ضمت قيادات عسكرية وأمنية للتحقيق في العملية، وأسند الإشراف المباشر عليها إلى ابنه صدام بصفته نائب القائد العام.

وقالت بوابة الوسط المحلية إن اللجنة ناقشت المعلومات المتوافرة وسير التحقيقات والإجراءات المتخذة، فيما طالب صدام بتكثيف العمل لتحديد المسؤولين عن الاغتيال. ويضع تكليفه بهذه المهمة واحدًا من أكثر الملفات الاستخبارية حساسية تحت إشراف نائب القائد العام مباشرة، بعد أقل من عام على استحداث المنصب وتثبيت صدام فيه.

كان المنصوري قد انتقل إلى إدارة الاستخبارات العسكرية في مايو/أيار 2024 بعد سنوات من العمل داخل قوات حفتر، بينها قيادة المنطقة العسكرية في سبها منذ أغسطس/آب 2021.

وتحمل تحركاته خلال الأشهر الأخيرة أهمية أكبر لفهم موقع الجهاز الذي كان يديره، فقد ظهر في 4 مايو/أيار 2026 داخل اجتماع أمني موسع ترأسه خالد حفتر في بنغازي، وشارك فيه عصام أبوزريبة وزير الداخلية في حكومة أسامة حماد، ونجيب محمد مدير إدارة الشرطة والسجون العسكرية، وصلاح هويدي مدير أمن بنغازي الكبرى.

وقال المركز الليبي للدراسات الاستراتيجية، إن اللقاء تناول تعزيز التنسيق بين القوات التابعة لحفتر والأجهزة التابعة لوزارة الداخلية ورفع مستوى الاستجابة الأمنية.

جاء الاجتماع بعد يومين من تحرك آخر قاده صدام حفتر في الملف نفسه، ففي 2 مايو/أيار اجتمع أبوزريبة بفريق أمني كلفه صدام بإعداد هيكلة جديدة لوزارة الداخلية التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، تتضمن مراجعة اختصاصات الإدارات والأجهزة ودراسة دمج بعضها وإعادة توزيع مهامها ضمن ما تسميه سلطات الشرق “رؤية 2030”.

ويظهر اجتماعا مايو/أيار صورة عملية لتوزيع الأدوار قبل اغتيال المنصوري، إذ كان صدام يتحرك من موقعه القيادي في إعادة ترتيب وزارة الداخلية، فيما يجمع خالد كبار مسؤولي الجيش والأمن حول رئاسة الأركان، كما كان مدير الاستخبارات العسكرية حاضرًا داخل حلقة التنسيق بين الجانبين.

جاء الاغتيال بعد ثلاثة أشهر من هذه الاجتماعات، بعدما ظهر المنصوري ممثلًا للاستخبارات العسكرية داخل آلية التنسيق التي ترأسها خالد حفتر وضمت قيادات من الجيش والداخلية وأمن بنغازي.

وبعد مقتله تولى صدام الإشراف على التحقيق، فيما بقيت إدارة الاستخبارات العسكرية في انتظار تسمية قيادة جديدة، لتفتح الواقعة السؤال عن توزيع الأدوار بين الأجهزة والقيادات التي تدير منظومة حفتر في الشرق.

من يمسك مفاصل الأمن والجيش في شرق ليبيا؟

يبدأ هرم هذه القوات من منصب “القائد العام” الذي يشغله خليفة حفتر ضمن الهيكل الذي يعتمده مجلس النواب في الشرق.

وفي 18 أغسطس/آب 2025 أصدر المجلس القانون رقم 5 لسنة 2025 لإعادة تنظيم المستويات القيادية في القوات التابعة له، ومنح القائد العام صلاحيات واسعة في التعيينات العليا وإعادة الهيكلة وإنشاء القوات واعتماد الترقيات وعقود التسليح.

ويضع القانون خليفة حفتر في رأس سلسلة القرار، ثم منصب نائب القائد العام الذي يشغله ابنه صدام، ورئاسة الأركان العامة التي يتولاها ابنه خالد.

عيّن خليفة حفتر صدام نائبًا للقائد العام في 11 أغسطس/آب 2025، ثم أُدخل المنصب إلى الإطار القانوني الذي يعتمده مجلس النواب بعد أسبوع، وأدى صدام اليمين في 23 أغسطس/آب.

وخلال العام التالي ظهر دوره في ملفات تتجاوز قيادة تشكيل عسكري بعينه، من الإشراف على مشروع إعادة هيكلة وزارة الداخلية التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب إلى إدارة لجنة التحقيق في اغتيال فوزي المنصوري.

وفي المستوى الموازي داخل الهرم، تولى خالد حفتر رئاسة الأركان العامة في أغسطس/آب 2025 خلفًا لعبد الرازق الناظوري، وأظهرت اجتماعاته خلال 2026 دورًا مباشرًا في جمع قيادات الاستخبارات والداخلية والشرطة العسكرية وأمن بنغازي ضمن آلية تنسيق مشتركة.

وتوضح الخريطة التالية توزيع المواقع الرئيسية داخل هذه المنظومة في أغسطس/آب 2026. فهي تضع خليفة حفتر في قمة الهيكل الذي يعتمده معسكر الشرق، وصدام وخالد في الطبقة القيادية التالية، ثم الأجهزة والفروع التي يقودها ضباط آخرون، بما يوضح الفارق بين مركز القرار الأعلى وبين المستويات التنفيذية التي تدير العمل الأمني والعسكري اليومي.

وبالتوازي مع هذا الهيكل العسكري، تعمل وزارة الداخلية التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، وهي سلطة موازية لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. يقود الوزارة عصام أبوزريبة، وتتبع لها مديريات الأمن وأجهزة الشرطة، فيما تولى صدام متابعة مشروع إعادة هيكلتها خلال 2026.

وفي جهاز الأمن الداخلي تولى صلاح العقيلي الرئاسة في مارس/آذار بقرار من حماد بعد نقل أسامة الدرسي إلى جهاز الشرطة القضائية، بينما عيّن حفتر عبد السلام الحاسي رئيسًا لأركان القوات البرية، وأحمد سالم الدرسي قائدًا للمنطقة الجنوبية، والمبروك سحبان للمنطقة الوسطى. وتظهر هذه التعيينات تمركز أفراد العائلة في مستويات القيادة الأعلى، مع استمرار إدارة الأجهزة والفروع والمناطق بواسطة ضباط آخرين.

وتبقى هذه الخريطة جزءًا من انقسام عسكري وأمني مستمر على مستوى ليبيا. ففي الشرق تعمل قوات حفتر والأجهزة التابعة للسلطات الموازية في بنغازي، وفي الغرب توجد رئاسة أركان وقوى أمنية مرتبطة بالسلطات في طرابلس، بينما تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مسارًا لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية.

ويعني ذلك أن المسميات المستخدمة في الشرق، من “القائد العام” إلى “رئيس الأركان”، تعكس الهيكل الذي رسخه مجلس النواب ومعسكر حفتر في مناطق سيطرته، ضمن بلد ما تزال فيه منظومات القوة موزعة بين مراكز متنافسة.

كيف انتقلت مفاتيح القوة إلى أبناء حفتر؟

بدأ المسار قبل تعيينات 2025، ففي 8 يوليو/تموز 2023 أصدر خليفة حفتر القرار رقم 220 بإنشاء “رئاسة أركان الوحدات الأمنية” وربطها مباشرة بما يسمى “القيادة العامة”، وعيّن ابنه خالد على رأسها، كما ضم إليها اللواء 106 مجحفل الذي كان خالد يقوده ولواء خالد بن الوليد.

تأسس اللواء 106 عام 2015 وتحول إلى أحد أبرز تشكيلات قوات حفتر، ومثّل القرار خطوة مبكرة لنقل قاعدة القوة المرتبطة بخالد إلى إطار رسمي جديد داخل المنظومة العسكرية في الشرق.

كان مسار صدام يجري من بوابة أخرى، فإلى جانب ارتباطه بلواء طارق بن زياد، انتقل في مايو/أيار 2024 إلى رئاسة أركان القوات البرية وتسلم مهامه رسميًا في يونيو/حزيران.

في الفترة نفسها عُيّن فوزي المنصوري مديرًا للاستخبارات العسكرية، بينما بقي خالد رئيسًا لأركان الوحدات الأمنية. وبحلول منتصف 2024 أصبح اثنان من أبناء حفتر يقودان قطاعين عسكريين رئيسيين هما القوات البرية والوحدات الأمنية، قبل انتقالهما معًا إلى مناصب أعلى في العام التالي.

في المسار المدني، أنشأ مجلس النواب في فبراير/شباط 2024 صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، ونقل إليه عشر جهات تنفيذية، ثم أدى بلقاسم حفتر اليمين مديرًا عامًا للصندوق أمام رئيس البرلمان عقيلة صالح في 19 فبراير/شباط.

وأصبح الصندوق قناة رئيسية لإدارة مشاريع الإعمار والبنية التحتية في مناطق سيطرة حفتر، ليمنح ابنًا ثالثًا موقعًا واسع التأثير خارج السلسلة العسكرية.

جاءت القفزة الأكبر في أغسطس/آب 2025، عندما انتقل صدام من رئاسة أركان القوات البرية إلى منصب نائب القائد العام، بينما انتقل خالد خلال الشهر نفسه إلى رئاسة الأركان العامة خلفًا لعبد الرازق الناظوري الذي حصل بعدها على منصب مستشار الأمن القومي. وبذلك أصبح ابنا حفتر يشغلان خلال أيام الموقعين العسكريين الأكثر أهمية بعد والدهما في البنية المعتمدة لدى سلطات الشرق.

تواصلت إعادة ترتيب المستويات الأدنى خلال 2026 مع تعيين صلاح العقيلي في الأمن الداخلي ونقل أسامة الدرسي إلى الشرطة القضائية، ثم تعيين عبد السلام الحاسي في رئاسة القوات البرية ونقل أحمد الدرسي إلى المنطقة الجنوبية والمبروك سحبان إلى الوسطى.

وتبرز هذه التعيينات نمطًا استقر تدريجيًا داخل منظومة حفتر، حيث تتركز مواقع الأبناء في طبقة القرار الأعلى، ويشغل ضباط آخرون المواقع التنفيذية والأمنية والإقليمية تحتها.

وتذهب دراسة نشرها معهد تشاتام هاوس في 11 يونيو/حزيران 2025 إلى أن أفراد عائلة حفتر طوروا دوائر نفوذ مختلفة، ووصفت صدام بأنه الأكثر ظهورًا بينهم وصاحب نفوذ على تشكيلات رئيسية ومصالح اقتصادية، وبلقاسم بأنه يقود طفرة البناء، فيما حافظ خالد على علاقات وثيقة مع روسيا.

كما رصد المعهد توجه واشنطن نحو توسيع علاقتها بصدام في سياق موازنة العلاقات المتنامية بين عائلة حفتر وموسكو.

وتعزز هذا المسار في 29 يونيو/حزيران 2026 عندما التقى صدام وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية  إن اللقاء تناول جهود توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية والتعاون الثنائي.

وقال تشاتام هاوس في 20 يوليو/تموز 2026، إن زيارة صدام إلى واشنطن جاءت في وقت تدفع فيه الإدارة الأمريكية باتجاه تفاهم لتقاسم السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والحكومة الموازية في بنغازي المرتبطة بقوات حفتر.

ويمنح هذا النشاط صدام حضورًا يتجاوز الوظيفة العسكرية الداخلية، بينما يحتفظ خالد بمركزه في رئاسة الأركان وبلقاسم بملف الإعمار، فيما أثار تركيز هذه المواقع منذ 2025 نقاشًا متزايدًا حول ترتيب خلافة خليفة حفتر.

ويمنح القانون الصادر عن مجلس النواب صدام موقعًا متقدمًا بوصفه نائب القائد العام والشخص الذي يحل محل القائد عند غيابه، بينما يملك خالد سلطة مؤسسية واسعة من موقع رئاسة الأركان، ويدير بلقاسم واحدًا من أكبر أجهزة الإنفاق والتنفيذ في الشرق.

وتظل هوية الخليفة النهائي لحفتر مفتوحة سياسيًا، فيما تشير التعيينات إلى عملية واضحة لمأسسة نفوذ أبنائه داخل مفاصل عسكرية واقتصادية كانت قبل سنوات أكثر اعتمادًا على تشكيلاتهم وشبكاتهم الخاصة.

وقع اغتيال فوزي المنصوري في قلب هذه المرحلة، بعد انتقال صدام وخالد إلى أعلى موقعين عسكريين بعد والدهما واتساع تدخلهما في الملفات الأمنية.

فمشاركة المنصوري في اجتماعات التنسيق التي ترأسها خالد، ثم تولي صدام الإشراف على التحقيق في اغتياله، تكشف اتساع دور الابنين في ملفات تتقاطع فيها رئاسة الأركان والاستخبارات ووزارة الداخلية.

وستحمل هوية من يتولى إدارة الاستخبارات العسكرية بعده مؤشرًا إضافيًا إلى اتجاه توزيع النفوذ داخل المنظومة، خصوصًا إذا جاء التعيين ضمن سلسلة التحولات التي نقلت مواقع القرار الأعلى إلى دائرة العائلة.

_______________

تركيا وإدارة الخروج من الانقسام!

المهدي هندي

لم يعد السؤال المطروح في ليبيا  كيف يمكن إدارة الانقسام السياسي إلى أجل غير مسمى؟ بل كيف يمكن الخروج منه؟ 
وهذه ليست مسألة لغوية، وإنما تحوّل في طبيعة الأزمة نفسها؛ فبعد أكثر من عقد من الحكومات الانتقالية والمؤسسات الموازية، أصبح واضحًا أن استمرار إدارة الانقسام قد يكون أسهل سياسيًّا من إنهائه، لكنه أكثر كلفة على الدولة والمجتمع.

في هذا المشهد، تبرز تركيا بصورة مختلفة عن السنوات الماضية. فزيارة وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” إلى طرابلس وبنغازي، وتأكيد أنقرة دعم التعاون بين شرق ليبيا وغربها، يطرحان سؤالًا يتجاوز حدود الزيارة نفسها: هل يمكن أن يتحول النفوذ التركي من جزء من معادلة التوازن الليبي إلى أداة تساعد في إدارة الخروج من هذا التوازن؟

لا يمكن، بطبيعة الحال، التعامل مع تركيا كوسيط محايد. لأنقرة مصالح واضحة في ليبيا، تتعلق بالأمن والطاقة والاتفاقيات البحرية والاستثمارات، فضلًا عن حضورها العسكري والسياسي في الغرب الليبي. لكن هذا لا يلغي أهمية دورها؛ ففي السياسة لا تكون قيمة الدولة بالضرورة في حيادها، وإنما أحيانًا في قدرتها على التأثير في الأطراف التي لا تستطيع أطراف أخرى الوصول إليها.

وتكمن خصوصية الدور التركي هنا في امتلاك أنقرة علاقة عميقة مع القوى المؤثرة في غرب ليبيا، محاولةً في الوقت نفسه توسيع قنوات التواصل مع شرق البلاد خلال الفترة الأخيرة. وهذا يمنحها، نظريًّا على الأقل قدرة على لعب دور مختلف: ليس دور الوسيط الذي يقف خارج المشهد، وإنما دور الطرف القادر على نقل بعض التفاهمات من المستوى السياسي إلى ترتيبات عملية على الأرض.

لكن نجاح هذا الدور سيبقى دائماً مرهونًا بسؤال أكثر أهمية: ما الذي تريد تركيا أن تساعد ليبيا على الوصول إليه؟

إذا كان الهدف هو إنتاج توازن جديد بين القوى الموجودة، فلن تكون النتيجة مختلفة كثيرًا عن المراحل السابقة؛ ستظهر حكومة جديدة، وتتوزع المناصب، وتُعاد صياغة التحالفات، ثم تبدأ مرحلة انتقالية أخرى. أما إذا كان الهدف هو إنهاء منطق المراحل الانتقالية نفسها، فإن الدور التركي يمكن أن يصبح أكثر أهمية.

وهنا يتقاطع الحراك التركي مع التحركات الأمريكية والمصرية والأممية. فلكل طرف أدواته وحساباته، لكن القاسم المشترك بينها ينبغي أن يكون الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنتاج مخرج منها.

والاختبار الحقيقي يبدأ عند تشكيل السلطة التنفيذية المقبلة.

لقد أثبتت التجربة الليبية أن الحكومات الانتقالية الواسعة تتحول بسهولة من وسيلة إلى غاية. فكلما زاد عدد الأطراف المشاركة فيها، اتسعت شبكة المصالح المرتبطة ببقائها، وأصبح الحديث عن الانتخابات أكثر صعوبة. 

لذلك قد يكون من المفيد التفكير في صيغة مختلفة تمامًا: حكومة تكنوقراط مصغرة، من أربعة أو خمسة وزراء، بولاية محددة لا تتجاوز عامًا واحدًا، ومهمة واضحة لا تتوسع إلى إعادة توزيع السلطة والثروة.
حكومة كهذه لا تحتاج إلى تمثيل كل القوى السياسية والمناطق والتيارات داخلها، بقدر حاجتها إلى القدرة على إنجاز عدد محدود من المهام: ضبط الإنفاق العام، معالجة الاختناقات الاقتصادية والخدمية، حماية المؤسسات السيادية، وتهيئة الظروف السياسية والأمنية لإجراء الانتخابات.

فالمشكلة في ليبيا لم تعد نقص المبادرات، بل غياب نقطة نهاية حقيقية للمراحل الانتقالية. وكل حكومة جديدة تُقدم باعتبارها “مؤقتة” من دون موعد ملزم للانتهاء تحمل معها احتمال أن تصبح جزءًا جديدًا من المشكلة.

ومن هنا يمكن قياس جدوى النفوذ التركي.

إذا استخدمته أنقرة لتثبيت نفوذها داخل معادلة المحاصصة، فلن تكون قد ساعدت ليبيا على الخروج من الانقسام، بل ستساهم في إدارة نسخة أكثر استقرارًا منه. أما إذا استخدمته لدفع الأطراف التي تستطيع التأثير فيها نحو تسوية تقود إلى مؤسسات موحدة وانتخابات، فإن الدور التركي يمكن أن يتحول من عنصر في معادلة الصراع إلى عنصر في معادلة الانتقال.

وهذا لا يعني أن تركيا قادرة وحدها على حل الأزمة؛ فالقاهرة تملك تأثيرًا مهمًّا في الشرق، وواشنطن تمتلك أدوات ضغط مختلفة، والبعثة الأممية توفر الإطار الدولي، بينما يبقى العامل الحاسم في النهاية هو “استعداد القوى الليبية نفسها للتخلي عن جزء من المكاسب التي راكمتها خلال سنوات الانقسام”.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل تستطيع تركيا حل الأزمة الليبية؟

السؤال الأكثر واقعية هو: هل تستطيع تركيا أن تساعد في جعل الخروج من الأزمة أقل كلفة على الأطراف التي استفادت من استمرارها؟

إذا كان الجواب نعم، فإن النفوذ التركي قد يكون جزءًا من لحظة سياسية مختلفة وقد تكون مفصلية في تاريخ الدولة الليبية أو ما تبقى منها.

أما إذا انتهى الحراك الإقليمي والدولي إلى مجرد صفقة جديدة لتوزيع المناصب والنفوذ، فإن ليبيا لن تكون قد غادرت الانقسام.. ستكون فقط قد أعادت ترتيب مقاعده.

المطلوب هذه المرة ليس إدارة الانقسام بصورة أفضل، وإنما إدارة الخروج منه وبأسرع الآجال.

__________________

من خصومة السلاح إلى شراكة المصالح… لماذا تتقارب تركيا مع معسكر حفتر في شرق ليبيا؟

كرست زيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى بنغازي، ولقاؤه خليفة حفتر وعدداً من أبرز أركان معسكره، تحولاً متسارعاً في سياسة أنقرة تجاه شرق ليبيا، بعد سنوات كان فيها الطرفان على طرفي مواجهة عسكرية انتهت بتدخل تركي مباشر ساهم في وقف هجوم قوات حفتر على طرابلس وإجبارها على التراجع من محيط العاصمة عام 2020.

وجاءت محطة بنغازي ضمن جولة ليبية شملت طرابلس أيضاً، حيث التقى فيدان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ومسؤولين أمنيين وعسكريين، قبل أن ينتقل إلى الشرق ويلتقي حفتر ونائبه صدام حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح ومدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر.

«ليبيا واحدة» وعدم التمييز بين غرب البلاد وشرقها وجنوبها، مؤكدا استمرار أنقرة في دعم الحوار والتعاون بين الطرفين.

غير أن أهمية الزيارة تتجاوز خطاب توحيد ليبيا، إذ تكشف عن انتقال تركيا تدريجياً من سياسة الاصطفاف شبه الكامل مع القوى الحاكمة في طرابلس إلى استراتيجية أكثر براغماتية تقوم على الاحتفاظ بنفوذها القوي في الغرب، وفي الوقت نفسه فتح قنوات سياسية واقتصادية وعسكرية مع معسكر حفتر.

ويأتي ذلك بينما تشهد ليبيا توترات أمنية متجددة في الغرب، بالتزامن مع استمرار الانقسام السياسي بين حكومتين ومؤسسات متنافسة، ما يجعل الرهان التركي على طرف واحد أكثر كلفة وأقل ضماناً على المدى الطويل.

ورغم رمزية استقبال حفتر لفيدان في بنغازي، فإن التقارب بين الجانبين لم يبدأ بهذه الزيارة. فقد شهدت الأشهر والسنوات الماضية توسعاً تدريجياً في الاتصالات مع أبناء حفتر، وخصوصاً صدام وبلقاسم، بالتوازي مع دخول الشركات التركية بصورة متزايدة إلى مشروعات إعادة الإعمار في الشرق.

وقبل أقل من ثلاثة أسابيع من زيارة بنغازي، استقبل فيدان صدام حفتر في أنقرة في 24 يوليو/ تموز، في مؤشر واضح على انتقال العلاقة إلى مستوى سياسي وعسكري أكثر انتظاماً.

كما أخذ البعد العسكري في العلاقة اهتماماً متزايداً، خصوصاً بعدما كشفت تقارير حديثة عن ظهور طائرات مسيرة تركية من طراز «بيرقدار تي بي 2» في قاعدة الخادم الواقعة ضمن مناطق سيطرة قوات حفتر، في تحول لافت بالنظر إلى أن الطائرات التركية نفسها كانت من أبرز أدوات التصدي لقواته خلال حرب طرابلس. ولم تعلن أنقرة تقديم هذه الطائرات إلى قوات الشرق أو توضح طبيعة وجودها هناك.

المصالح قبل التحالفات

ويرى مراقبون أن العامل الأساسي وراء التحول التركي هو محاولة حماية مصالح أنقرة من تقلب موازين القوى الليبية، وليس الانتقال من تحالف مع الغرب إلى تحالف مع الشرق.

ويقول الباحث والكاتب محمد عمران كشادة إن التحركات التركية تستهدف بالدرجة الأولى ضمان النفوذ والمصالح التركية، مشيراً إلى أن أنقرة تخلت منذ فترة عن سياسة الاصطفاف الكامل مع حلفائها في الغرب وفتحت قنوات مباشرة مع حفتر.

وحسب كشادة، فإن النشاط التركي في الشرق لا ينفصل عن توسع الشركات التركية في مشروعات الإعمار، إلى جانب سعي أنقرة للحصول على اعتراف أوسع باتفاقاتها مع طرابلس، وعلى رأسها مذكرة ترسيم الحدود البحرية الموقعة عام 2019.

وتدرك أنقرة، وفق هذه القراءة، أن استمرار الانقسام يعني أن أي اتفاق طويل الأمد يتعلق بالطاقة أو البحر أو الاستثمارات سيظل معرضاً للطعن ما لم تحصل تركيا على درجة من القبول في شرق البلاد أيضاً.

اتفاق 2019 في قلب الحسابات

ويشكل الاتفاق البحري أحد أهم مفاتيح فهم التقارب. فقد وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 مذكرة لترسيم مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط، أثارت اعتراض اليونان ومصر، بينما رفضها مجلس النواب في شرق ليبيا آنذاك.

لكن الموقف الشرقي بدأ يظهر قدراً أكبر من المرونة خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع تحسن العلاقات مع أنقرة، وهو تطور يكتسب أهمية بالنسبة لتركيا في ظل استمرار الخلافات بشأن الحدود البحرية وموارد الطاقة جنوب جزيرة كريت.

كما أبدت تركيا اهتماماً بالتنقيب عن الطاقة قبالة السواحل الليبية باستخدام سفن المسح الزلزالي التابعة لها، ما يجعل بناء علاقة مع الشرق أكثر أهمية، خصوصاً أن مناطق واسعة من الساحل والحقول النفطية تخضع عملياً لنفوذ قوات حفتر.

الإعمار بوابة أنقرة إلى بنغازي

ولا يقل الاقتصاد أهمية عن ملف البحر، فقد تحولت إعادة إعمار بنغازي ومدن الشرق إلى سوق واسعة للشركات الأجنبية، وتسعى الشركات التركية إلى الحصول على نصيب منها، مستفيدة من خبرة طويلة في ليبيا وقرب جغرافي وقدرات كبيرة في قطاعات الإنشاء والبنية التحتية.

ويتيح التعاون مع بلقاسم حفتر، الذي يدير صندوق التنمية وإعادة الإعمار، لأنقرة، مدخلاً مباشراً إلى هذه السوق، بينما يستفيد معسكر الشرق من الشركات التركية في تنفيذ مشروعات يسعى من خلالها إلى تقديم نفسه باعتباره سلطة قادرة على إعادة البناء وإدارة المدن الواقعة تحت سيطرته.

وماذا يستفيد حفتر؟

في المقابل، فإن المكاسب ليست تركية فقط. فبالنسبة إلى حفتر، يمثل فتح العلاقة مع أنقرة فرصة للخروج من دائرة الاعتماد على الحلفاء التقليديين، وتوسيع شبكة علاقاته مع قوة إقليمية تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً مباشراً داخل غرب ليبيا.
كما يمنحه استقبال وزير الخارجية التركي في بنغازي قدراً إضافياً من الاعتراف السياسي، بعد سنوات كانت فيها أنقرة تنظر إلى قواته باعتبارها تهديداً للحكومة المعترف بها دولياً.
ويأتي هذا التقارب كذلك في مرحلة يتزايد فيها حضور صدام حفتر داخل المعسكر الشرقي، ما يجعل بناء علاقات مبكرة معه ذا أهمية بالنسبة إلى تركيا في أي ترتيبات مستقبلية داخل قيادة الشرق.

تفاهمات إقليمية أوسع

ولا يمكن فصل التحول التركي عن تحسن العلاقات بين أنقرة والقاهرة، التي تعد أحد أبرز الداعمين التقليديين للشرق الليبي. وبعد جولته في ليبيا، انتقل فيدان إلى مصر، في وقت تتحدث فيه الدولتان بصورة متزايدة عن وحدة ليبيا وإنهاء الانقسام.
ويخفف التقارب المصري التركي من حدة الاستقطاب الذي ساد خلال حرب طرابلس، عندما كانت القاهرة وأنقرة تقفان على طرفي المعادلة الليبية، ويفتح المجال أمام تفاهمات تسمح لتركيا بتوسيع وجودها شرقاً دون الدخول في مواجهة مباشرة مع مصر.

لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن تركيا أصبحت وسيطاً محايداً بين الطرفين، فهي لا تزال صاحبة وجود عسكري واتفاقات استراتيجية عميقة في الغرب، في حين تبني في الشرق شبكة مصالح جديدة مع سلطة عسكرية وسياسية تسيطر عليها عائلة حفتر بدرجة واسعة.

ومن هنا، يبدو أن سياسة «ليبيا الواحدة» التي تطرحها أنقرة تجمع بين هدف معلن يتمثل في دعم توحيد المؤسسات، وحساب أكثر براغماتية يقوم على التعامل مع مراكز القوة القائمة بدلاً من الرهان على اختفائها.
ويحذر مراقبون من أن نجاح هذه السياسة في حماية مصالح تركيا لا يعني بالضرورة مساهمتها في حل الأزمة، إذ إن توسيع العلاقات الخارجية مع السلطتين المتنافستين قد يمنحهما قدرة أكبر على الاستمرار إذا لم يتحول النفوذ التركي وغيره من النفوذ الإقليمي إلى ضغط جدي باتجاه الانتخابات وتوحيد المؤسسات.

وبذلك، فإن التقارب الجاري بين أنقرة ومعسكر حفتر يبدو حتى الآن أقرب إلى تفاهم مصالح متبادلة: تركيا تريد ضمان اتفاقاتها البحرية والطاقة وحصة من إعادة الإعمار وعدم ترك شرق البلاد لمنافسيها، بينما يسعى معسكر حفتر إلى اعتراف سياسي أوسع، وشركاء اقتصاديين وعسكريين جدد، ومساحة أكبر للمناورة بين القوى الخارجية. أما مدى قدرة هذه العلاقة الجديدة على دفع ليبيا نحو تسوية، بدلاً من التكيف مع الانقسام القائم، فسيظل الاختبار الأهم للمرحلة المقبلة.

________________

ليبيا شبعت قتالا فهل كانت تنقصها المُسيّرات؟

زايد هدية 

تكشف عن تحول في أدوات المواجهة يهدد بنقل الصراع إلى مستوى أكثر خطورة وأصعب على الاحتواء

***

طائرات صغيرة وكلفة محدودة وقدرة على الوصول إلى أهداف بملايين الدولارات، هكذا يطرح دخول مسيرات إلى صراعات المجموعات المسلحة في غرب ليبيا أسئلة عن مصادرها والجهات التي تمتلكها، وما إذا كانت الزاوية بداية لانتشار سلاح جديد في النزاعات المحلية؟

لم تعد أصوات الرصاص والقذائف وحدها ما يثير القلق في مدينة الزاوية الليبية كما جرت العادة في الأعوام الماضية، فمن سمائها جاء هذه المرة تهديد أصغر حجماً وأقل ضجيجاً، لكنه ربما يكون أكثر قدرة على تغيير قواعد الاشتباك في غرب البلاد، بعدما دخلت الطائرات المسيرة الصغيرة على خط المواجهات، واستخدمت في ضرب منشآت نفطية وكهربائية، لتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الصراع بين المجموعات المسلحة.

فخلال أيام قليلة تعرضت منشآت حيوية في الزاوية لسلسلة هجمات بطائرات مسيرة طاولت خزانات وقود ومرافق مرتبطة بمجمع الزاوية النفطي، قبل أن يمتد الاستهداف إلى قطاع الكهرباء، مما أدى إلى توقف عمليات المصفاة بصورة موقتة قبل استئنافها، وسط تحذيرات من إمكان إعلان حال القوة القاهرة في حال استمرار الهجمات.

وتكتسب هذه التطورات خطورتها من أهمية الزاوية نفسها، إذ تحتضن واحدة من أهم المنشآت النفطية في غرب ليبيا ومصفاة تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بحقل الشرارة الذي يعد من أكبر حقول البلاد، وبذلك فإن ضربة تنفذها طائرة صغيرة لا يتجاوز ثمنها جزءاً ضئيلاً من قيمة المنشأة المستهدفة يمكن أن تكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية تتجاوز المدينة ومجموعاتها المسلحة.

من الرشاش إلى الطائرة

وشهدت ليبيا منذ عام 2011 انتشاراً واسعاً للأسلحة الثقيلة والمتوسطة بين الجماعات المسلحة، وتحولت مدن غرب البلاد مراراً إلى ساحات لمعارك استخدمت خلالها المدفعية والأسلحة المضادة للطائرات والمدرعات.

لكن دخول مسيرات “إف بي في” إلى المواجهة المحلية يمثل تطوراً مختلفاً، ليس بسبب قدرتها التدميرية، بل لأنها تغير العلاقة بين المهاجم والهدف، فبدلاً من تحريك قوة مسلحة واقتحام موقع أو إطلاق قذائف من مناطق يمكن تحديدها، أصبح في الإمكان توجيه طائرة صغيرة نحو هدف محدد من مسافة آمنة نسبياً، مع تقليل احتمالات كشف الجهة التي أطلقتها.

وتكمن الخطورة الأكبر في أن هذه التكنولوجيا لم تعد حكراً على الجيوش، فطائرات “FPV” تعتمد في أصلها على تكنولوجيا مدنية متاحة تجارياً، ويمكن تعديل بعض أنواعها للاستخدام العسكري، مما جعلها خلال الأعوام الأخيرة واحدة من أبرز أدوات الحروب غير المتكافئة.

وفي أحداث الزاوية الأخيرة، تحدثت تقارير محلية عن استخدام طائرات انقضاضية في بعض الهجمات، فيما أكدت المصادر الرسمية وقوع هجمات بالطائرات المسيرة من دون إعلان نتائج تحقيق فني نهائي يحدد منشأ الطائرات أو الجهة التي شغلتها.

من أين جاءت؟

السؤال الملح الذي تطرحه هجمات الزاوية هو: كيف وصلت هذه القدرات إلى المجموعات المسلحة المحلية؟

الباحث والأكاديمي محمد العنيزي، يقول “لم تبدأ قصة الطائرات المسيرة في ليبيا من الزاوية، فقد دخلت البلاد منذ أعوام عصر حرب الطائرات من دون طيار، وبصورة أكثر وضوحاً خلال حرب طرابلس بين عامي 2019 و2020، عندما استخدمت طائرات تركية الصنع من طراز (بيرقدار) في غرب البلاد، مقابل استخدام طائرات أخرى في الجانب المقابل، ومنذ ذلك الحين أصبحت البنية التحتية للمسيرات جزءاً من المشهد العسكري الليبي.

وأفادت تقارير متخصصة خلال عام 2026 بوجود منشآت للتحكم وإيواء الطائرات المسيرة في مطاري معيتيقة ومصراتة، وقال فريق خبراء الأمم المتحدة إن منشآت من هذا النوع صممت لاستيعاب طائرات من دون طيار، في مؤشر إلى أن تكنولوجيا المسيرات لم تعد عنصراً طارئاً في المشهد العسكري الليبي”.

وأضاف “لكن من الضروري التمييز بين تلك الطائرات المسيرة الكبيرة وبين الطائرات المستخدمة في الهجمات التكتيكية، فالأخيرة أصغر وأرخص وأسهل في النقل والتجميع، ولا تحتاج إلى المطارات ومحطات التحكم المعقدة التي تحتاج إليها الطائرات العسكرية من فئة (بيرقدار)، ومن هنا تبرز مسارات محتملة عدة لوصولها إلى الجماعات المسلحة، مثل شراء مكونات مدنية من الأسواق الخارجية وتجميعها أو تعديلها محلياً، وانتقال المعرفة والخبرات التقنية بين التشكيلات المسلحة، أو وصول معدات جاهزة عبر شبكات الإمداد غير الرسمية التي ازدهرت في ليبيا خلال أعوام الانقسام”.

لكنه أشار إلى أن “تحديد أي من هذه المسارات هو الذي استخدم في الزاوية يحتاج إلى تحقيق فني في حطام الطائرات ومكوناتها وأرقامها التسلسلية، ولا تكفي الصور أو الاتهامات السياسية وحدها لإثبات مصدرها”.

إرث أعوام التسليح

ونوه العنيزي إلى أنه “على رغم أن ليبيا لا تزال خاضعة لحظر دولي على توريد السلاح فرضه مجلس الأمن منذ عام 2011، لكن تقارير دولية متعاقبة وثقت خلال أعوام الحرب وصول أسلحة ومعدات عسكرية إلى أطراف ليبية مختلفة، وبذلك فإن السؤال الذي تطرحه الزاوية يتجاوز هوية من ضغط على جهاز التحكم في الطائرة، إلى مصير ترسانة وتقنيات عسكرية تراكمت في ليبيا خلال أكثر من عقد من الحرب.

فالأسلحة التي تصل إلى بلد منقسم لا تبقى بالضرورة تحت سيطرة الطرف الذي حصل عليها أول مرة، والخبرات تنتقل والمقاتلون يغيرون ولاءاتهم والأسواق غير الرسمية تعيد توزيع المعدات، مما يجعل ضبط التكنولوجيا العسكرية أصعب مع مرور الوقت”.

من جانبه يرى الصحافي المختص في الشؤون الأمنية خالد البدري، أن “أخطر ما تكشف عنه الزاوية هو اختلال المعادلة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع، فالمهاجم لا يحتاج بالضرورة إلى صاروخ باهظ الثمن لتدمير منشأة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، يكفي أن تصل طائرة صغيرة محملة بعبوة إلى نقطة حساسة لتوقف منشأة كاملة، وتضاعف طبيعة الأهداف التي ضربت أخيراً في ليبيا من الخطر، فالبلاد تعتمد بصورة شبه كاملة على قطاع النفط في إيراداتها العامة، بينما تعاني شبكة الكهرباء أساساً مشكلات فنية ونقصاً في القدرة الإنتاجية والصيانة”.

وتابع “في الزاوية وحدها، قالت الشركة العامة للكهرباء إن محطة المدينة تفقد أكثر من 700 ميغاوات من قدرتها الإجمالية البالغة نحو 1300 ميغاوات، وأدى تدهور الوضع الأمني إلى توقف شركة (جي إي) الأميركية عن العمل داخل المحطة وسحب فرقها الفنية إلى حين توفير بيئة آمنة، وهنا لا تعود المسيرة سلاحاً ضد مجموعة مسلحة منافسة، بل تتحول إلى وسيلة تستطيع من خلالها الأطراف المتصارعة تعطيل خدمات عامة وإلحاق خسائر بالدولة واستخدام البنية التحتية ورقة ضغط في النزاع”.

وإذا اختلفت الآراء في شأن مصدر توريد الطائرات التي استهدفت مصفاة الزاوية في اليومين الماضيين فإنه لا خلاف تقريباً على أن هذه الهجمات تضع السلطات الليبية أمام اختبار أمني جديد، فحماية المنشآت الحيوية لم تعد تقتصر على نشر الحراس وإقامة الحواجز وتأمين محيط المواقع، وإنما تتطلب أنظمة للكشف المبكر عن الطائرات الصغيرة وقدرات للتشويش عليها واعتراضها، إلى جانب رقابة على تداول المكونات التي يمكن تحويلها إلى منصات هجومية.

وهكذا تكون الرسالة الأخطر التي جاءت من سماء الزاوية أن ليبيا لا تواجه مجرد سلاح جديد، بل تواجه تحولاً في طبيعة القوة نفسها، فالمسيرة الصغيرة التي يمكن حملها في سيارة وإطلاقها بعيداً من الهدف باتت تمنح جماعات مسلحة قدرة تدميرية كانت تحتاج قبل أعوام إلى طائرة حربية وقاعدة جوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استقالة مفاجئة لمحافظ “مصرف ليبيا”.. ما تفاصيل الضغوطات وتأثير الخطوة؟

علاء فاروق

في خطوة مفاجئة ومربكة.. قدم محافظ المصرف المركزي في ليبيا، ناجي عيسى استقالته من منصبه، مطالبا مجلسي النواب والدولة بإعفائه من الاستمرار في مهامه، مؤكدا أنه لن يعلن عن أسباب اتخاذ الخطوة لحساسية هذه الأسباب، وفقا لرسالة رسمية وجهها إلى رئاسة مجلس النواب ورئاسة المجلس الأعلى للدولة.

وجاءت الرسالة، التي وصلت “عربي21” نسخة منها في توقيت شديد الحساسية اقتصاديا وسياسيا، مع تراجع القوة الشرائية للدينار وأزمة الإنفاق العام وبدء تنفيذ اتفاق الميزانية الموحدة.

رفض وصلاحيات منقوصة

وفي أول رد فعل على هذه الخطوة، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه طلب الاستقالة، مطالبا المحافظ ونائبه بمواصلة أداء المهام المنوطة بهما كاملة لحين البت في طلب الاستقالة، متعللا بالظروف التي تمر بها البلاد وضرورة الحفاظ على استقرار الأوضاع المالية والنقدية وضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة.

في حين لم يعلق مجلس النواب الليبي على الخطوة ولم يعقد أي جلسة طارئة بالخصوص، لكن لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة بالمجلس طالبت محافظ مصرف ليبيا المركزي بالعدول عن استقالته والاستمرار في مهامه، كون قبول الاستقالة في هذا التوقيت الحرج قد ينعكس سلبا على استقرار سوق الصرف وثقة المؤسسات المالية الدولية والوضع الاقتصادي العام.

ولم يعلق المجلس الرئاسي الليبي، الذي قام بإقالة المحافظ السابق الصديق الكبير، على طلب الاستقالة، لكن عضو المجلس، موسى الكوني تحدث بصفة شخصية وطالب المحافظ باستمرار قيادة المصرف وانتظام عمله، مؤكدا أن هذا الأمر ضرورة وطنية لحماية استقرار المنظومة المالية والنقدية، وتفادي فراغ مؤسسي قد تكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية واسعة.

مصرفية متراكمة

وجاءت خطوة الاستقالة من قبل المحافظ ونائبه في توقيت شديد الصعوبة كون المؤسسة المالية السيادية “المصرف” تواجه أزمات متتالية ومتراكمة تتعلق بسعر الصرف والسياسة النقدية والإنفاق العام، كما أن العملة المحلية “الدينار الليبي” يتعرض للكثير من الضغوط حيث وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى 9 دنانير لأول مرة في تاريخ ليبيا وذلك بعد ساعات من خبر استقالة المحافظ.

لكن الغريب في الخطوة أنها جاءت بعد حدث مالي كبير في ليبيا حيث نجحت الإدارة الأميركية في إقناع الأطراف المتنازعة محليا بالاتفاق حول ميزانية موحدة لليبيا لأول مرة منذ 13 عاما من الميزانيات المنقسمة، لتطرح الاستقالة في هذا التوقيت مزيدا من التساؤلات حول الأسباب والضغوط التي يتعرض لها المصرف ومحافظه وجدية تطبيق الموازنة الموحدة في ظل استمرار الانقسام الحكومي والمؤسسي في البلاد.

أرقام مفزعة وتهديد الاستقرار النقدي

وتتلخص تحديات المصرف المركزي في ليبيا في: تضاعف العجز المالي وارتفاع الدين العام الخارجي وكذلك توسع الإنفاق العام، إضافة إلى ضغوط سياسية وعسكرية على المحافظ والمصرف بسبب تسييل أموال لدعم كل مؤسسة على حدة “حكومتين، جيشيين”.

وفي نيسان/ أبريل من عام 2026، صدر تقرير لخبراء صندوق النقد الدولي وفي الجزء الخاص بليبيا ذكر التقرير أن الدين العام في ليبيا ارتفع إلى نحو 146% بينما بلغ العجز المالي نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وأن الإنفاق العام توسع إلى مستويات غير مستدامة، خاصة الإنفاق الحكومي الذي توسع إلى مستويات تتجاوز قدرة الاقتصاد على التحمل، واستمرار هذا المسار يفرض ضغوطاً متزايدة على سعر صرف الدينار والاحتياطيات الأجنبية والتضخم، وفق التقرير الدولي.

تعيين بصفقة سياسية

وفي نهاية أيلول/ سبتمبر 2024، عين مجلس النواب الليبي، ناجي عيسى محافظا للمصرف المركزي خلفا للمحافظ السابق، الصديق الكبير وذلك بموافقة 108 من أعضاء البرلمان، وتم التعيين إثر صفقة سياسية بين حكومة الدبيبة والرئاسي من جانب وقوات حفتر والبرلمان من جانب آخر بعد أزمة إقالة “الصديق الكبير” التي رفضها حفتر والبرلمان وأغلقوا الحقول النفطية كرد فعل، لكن تعيين ناجي عيسى جاء لينهي الأزمة وكذلك إغلاق المنشآت النفطية شرقا والتي استمرت لأكثر من شهر.

ضغوط سياسية وتساؤلات

مراقبون رأوا أن الاستقالة جاءت بعد ضغوط سياسية وربما أمنية على المحافظ والمؤسسة، كون كل جهة تريد ميزانية كبيرة لها دون محاسبة أو تقدير للظروف الاقتصادية للدولة، وأن المصرف عجز عن توفير كل هذه الميزانيات فقرر محتافظه الاستقالة لإحراج هؤلاءـ، لكنه نظرا للظروف الأمنية لا يستطيع المحافظ ذكر هذه الأسباب، وفق كلامهم.

لذا يطرح “عربي21” بعض التساؤلات حول الخطوة ومنها: ما الكواليس والأسباب الحساسة وراء الاستقالة التي امتنع المحافظ عن ذكرها؟.. وكيف يؤثر ذلك على الوضع المالي والاقتصادي في ليبيا؟

أزمة تسييس المؤسسات السيادية

وجهنا تساؤلاتنا لعضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، إبراهيم صهد والذي أكد أنه “من الصعب الجزم بالأسباب الحقيقية التي دفعت المحافظ ونائبه إلى الاستقالة، ما لم تتضح بصورة رسمية، لكن من الطبيعي أن تطرح هذه الخطوة تساؤلات حول طبيعة الخلافات التي كانت قائمة، وما إذا كانت هناك تدخلات أو ضغوط سياسية أثرت في عمل المصرف أو في قراراته.

وأكد في رده على تساؤلات “عربي21”: “الحديث عن وجود علاقة بين الاستقالة وميزانية المخابرات العامة، يحتاج إلى معلومات دقيقة ووثائق، ولا ينبغي أن نبني حكماً على مجرد تداول أخبار أو تكهنات.

لكن إذا كانت هناك بالفعل خلافات حول أوجه الإنفاق العام أو اعتماد بنود مالية معينة، فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعة هذه الخلافات، لأن المال العام لا ينبغي أن يكون موضوعاً مغلقاً أمام المؤسسات الرقابية والرأي العام”، حسب رأيه.

وأوضح المسؤول الليبي أن “السؤال الأهم الآن هو: هل أصبح مصرف ليبيا المركزي قادراً على ممارسة دوره باستقلالية بعيداً عن التجاذبات السياسية، فقد أثبتت التجربة الليبية أن تسييس المؤسسات السيادية وإخضاعها لضغوط الأطراف السياسية المتصارعة يؤدي في النهاية إلى إضعاف الدولة وإرباك الاقتصاد.

ومصرف ليبيا المركزي تحديداً يحتاج إلى الاستقرار والاستقلال والوضوح في اتخاذ القرار، لأن أي اهتزاز في الثقة به يمكن أن ينعكس على سعر الصرف والسيولة والإنفاق العام والاحتياطيات والعلاقة مع المؤسسات المالية الدولية.

وختم حديثه لنا بالقول: “المطلوب الآن هو كشف الحقائق للرأي العام، وليس الاكتفاء بالحديث عن “أسباب حساسة” أو ما يدور في الكواليس. فإذا كانت هناك ضغوط سياسية أو خلافات حول الإنفاق العام أو تجاوزات في الصلاحيات، فينبغي أن تكون هناك مؤسسات رقابية وقضائية قادرة على التحقيق فيها”، كما طالب.

قراءة اقتصادية متخصصة

وفي محاولة لتقديم قراءة متخصصة للخطوة وكشف بعض الكواليس والتفاصيل تحدث “عربي21” مع الصحفي الاستقصائي الليبي المتخصص في الاقتصاد، محمد القرج، بصفته من المتابعين لأزمة المصرف المركزي منذ بدايتها، والذي أكد أن “استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي في هذا التوقيت لها دلالة كبيرة، لأنها تأتي في ظرف اقتصادي شديد الحساسية، ومعها رسالة واضحة بأن هناك أزمة أعمق داخل إدارة السياسة النقدية والعلاقة مع بقية مؤسسات الدولة، أما الحديث عن «أسباب حساسة»، فأعتقد أنه يشير إلى خلافات وضغوط مرتبطة بإدارة الملف المالي والنقدي والشفافية أكثر من كونه مرتبطا بملف أمني بعينه.

وحول ما تردد عن علاقة الاستقالة بقرار تغيير رئيس المخابرات العامة في ليبيا، قال القرج لـ”عربي21″: “في تقديري، لا توجد علاقة مباشرة بين الاستقالة وملف المخابرات العامة، هذا الملف ما يزال له شق قضائي وسياسي ومداولات أمام المحاكم، ولا أرى أن المصرف المركزي كان تحت ضغط حقيقي بسببه يفسر قرار الاستقالة.

نشر بيانات خطيرة في سبتمبر

وحول كواليس الاستقالة وما سبقها من خطوات، أكد الصحفي الليبي المطلع على ملف المصرف المركزي منذ سنوات أن “المصرف خلال الفترة الماضية استخدم في أحيان كثيرة سياسة إعلامية ودفاعية بدلاً من تقديم سياسة نقدية واضحة وشفافة، وكانت هناك محاولات من أطراف على صلة بالمصرف لإزالة منشورات ومقالات تنتقد أداءه، بل وإغلاق حسابات لصحفيين واقتصاديين انتقدوا غياب البيانات وغياب الشفافية.

وأضاف: “الضغط الحقيقي كان يتجه نحو كشف البيانات التي ظل المصرف يحجبها أو يتأخر في نشرها، خصوصاً بيانات الإيرادات والإنفاق واستخدامات النقد الأجنبي والجهات المستفيدة منه، وقبل الاستقالة بفترة قصيرة أعلن المحافظ أن هذه البيانات ستُنشر في سبتمبر المقبل، ثم جاءت الاستقالة بعد ذلك مباشرة.

لذلك أعتقد أن هذه النقطة مهمة جداً لفهم الكواليس: هناك ضغط متزايد لإجبار المصرف على كشف الصورة المالية الحقيقية، بينما كان المصرف يحاول إدارة الأزمة إعلامياً أكثر من معالجتها نقديا”، وفق معلوماته.

ضغوط سياسية وخروج آمن

طرحنا سؤالا حول الضغوط السياسية التي يمكن أن يكون تعرض لها المحافظ، وأوضح القرج أنه “من الطبيعي أن يكون منصب المحافظ عرضة لضغوط من أطراف سياسية وتنفيذية مختلفة، خصوصاً في دولة تعاني انقساماً مؤسسياً وإنفاقاً عاماً مرتفعاً وتنافساً على الموارد.

لكن لا أعتقد أن القضية يمكن اختزالها في ضغوط من سياسي أو جهة واحدة، بل هي أزمة أوسع بين السياسة النقدية والسياسة المالية وإدارة الإنفاق العام.

وتابع: أما اقتصاديا، فالاستقالة خطيرة لأنها تضرب الثقة في أهم مؤسسة مالية في البلاد. وإذا لم تتم إدارة الانتقال بسرعة ووضوح، فقد نشهد زيادة في الطلب على النقد الأجنبي، مزيداً من الضغط على سعر الصرف، توسعاً في المضاربة، وارتفاعاً إضافياً في الأسعار.

وختم الصحفي الاقتصادي الاستقصائي حديثه لـ”عربي21″ بالقول: “السؤال الأهم الآن ليس فقط لماذا استقال المحافظ؟، بل: ما الذي كان سيظهر في البيانات التي وعد بنشرها ناجي عيسى؟ وهل كانت الاستقالة محاولة للخروج الآمن قبل لحظة كشف الصورة المالية كاملة؟”، بحسب تساؤلاته وتصريحاته.

_____________

مبادرة بولس .. الفخ الأمريكي الثاني لليبيا

د. إسماعيل علي الشريف

” معظم محطات التغيير السياسي الكبرى في ليبيا يشكلها العامل الخارجي مستغلاً ومستثمراً في تعقيدات الوضع الداخلي نتيجة حالة غير مفهومة في ليبيا من الجهوزية للاستعمار.. ولا تنتبه النخبة ويدرك الشعب الليبي الأمر إلا متأخراً “.

مبادرة صهر الرئيس الأميركي ترامب ومستشاره للشئون الأفريقية مسعد بولس لحل الأزمة السياسية في ليبيا ليست استثناءًا من محطات استغفال ليبيا.. ظاهرها تسوية وخروج من المأزق لكن باطنها (فخاً) سيسقط الجميع من أطراف الصراع إلى النخبة إلى عموم الشعب في وحله لاحقاً.

فمقترح بولس هو إعادة ترسيم لدولة ليبية جديدة تُلغي الصيغة التأسيسية الثلاثية التاريخية (طرابلس وبرقة وفزان) وتُنهي دولة المركز في طرابلس وسيكون ثمن هذا التحول باهظاً ليس أقله حرباً وتفكيكاً لتماسك الدولة والأمة الليبية.

الوصفة الأميركية لليبيا: (1963) النفط مقابل الاحتواء

ما أن انتهى العِقد الأول لتأسيس الدولة الليبية أواخر العام عام 1951 حتى كان للولايات المتحدة الأميركية رأياً وقولاً ثقيلاً في إعادة هيكلة النظام السياسي آنذاك .. ففي عام 1963 وعلى وقع انضمام ليبيا لمنظمة (أوبك) كمُصدِّر للنفط كان الثمن لإعادة هيكلة قطاع النفط توافقاً مع رؤية ومصالح شركات النفط الأميركية وعلى رأسها شركة (ايسّو) هو الإجهاز على النظام الاتحادي وتقويض التجربة الفيدرالية والضغط باعتماد نظام سياسي وإداري شديد المركزية باحتواء المكونات الجغرافية الثلاث لليبيا.

وذلك بدعوى توحيد ليبيا وتهييج عواطف شعب قليل العدد والتجربة.. فلم تلبث ليبيا أن نزعت ثوب تصنيفها كأحد أفقر دول العالم حينها ولم يشتد عود مؤسساتها بعد للبدء في بناء الدولة حتى وقعت المملكة الليبية في الفخ الأميركي بتحويلها لدولة شديدة المركزية تعيد تشكيل حوكمة قطاعها النفطي ليتوافق مع رغبة الشريك النفطي الأميركي على حساب التوازن التنموي والإداري والعدالة الاجتماعية والشراكة السياسية المتوازنة بين أقاليمها التاريخية التي أنتجها تاريخ نضالي مشترك بين مكونات ليبيا الثلاث.

الوصفة الأميركية لليبيا (2026): النفط مقابل البقاء

للمفارقة.. الآن بعد 63 عاماً من فخ عام 1963 الأميركي تتربص الإدارة الأميركية مجدداً بالكيان الليبي بتصميم (الفخ) الثاني لليبيا في صورة مبادرة للحل وإنهاء الانسداد السياسي.

هذه المرة تبدو الإدارة الأميركية أكثر نعومة في المقاربة السياسية للحل عبر تسويق فرضية توحيد السلطة والتمهيد لتنظيم الانتخابات المؤجلة كطريق لاستقرار ليبيا ولكنها في الحقيقة أكثر توحشاً في تغليب حسابات المصالح الضيقة والفئوية وحتى (العائلية) بشكل غير مسبوق لسادة البيت الأبيض .

فقد ضربت عُصبة (ترامب) بعرض الحائط حاجة الدولة الليبية المفككة وشعبها المنهك للسلام والاستقرار أمام مغريات الصفقات والبِزنس ونهب الأموال والموارد.

تبدلت ليبيا كثيراً بين 1963 واليوم من حيث تماسك الدولة ووحدة الشعب وتطلعات الأمة.. لكن النوايا الأميركية تجاهها لم تتبدل فالحسابات الجيوسياسية والأمنية لم تبتعد عن ملف الطاقة والموارد والمعادن.

هذا النفط الذي كان وسيظل مصدر حياة ووحدة الليبيين ومصدر رخائهم سيظل أيضاً مصدر شقائهم وتفرقهم وحروبهم .. إنتاج النفط أنتج معادلة قاسية على الليبيين المنهكين فرضتها الطبيعة (المافيوزية) للمرحلة الانتقالية حيث تزاوجت الأدوات المنحرفة داخل السلطات المتعاقبة في ليبيا مع مصالح شبكات الفساد العالمي خلف صفقات ومبادرات وتسويات سياسية مزعومة في غياب أي تقدير وطني للمآلات الكارثية لهذا التزاوج.

العالم تحكمه المصالح وحينما تخفق دولة في حسابات السيادة فتلك مسئولية حكامها ونخبها وشعبها.. ليبيا اليوم (المترنحة) والمنقسمة والهشّة والعاجزة عن تقرير مصيرها صارت سهلة التشكيل والتوجيه حسب أهواء وأجندات القوى الدولية النافذة ذات الماضي الاستعماري والإمبريالي.

هناك حالة غريبة ومؤسفة للنخب الحاكمة في ليبيا من (الجهوزية) للاستعمار عبر البقاء في السلطة بأي ثمن.. ومن هذه الثغرة وبخلفيته التجارية وجذوره (الأوسطية) وفهمه للسلوك السياسي الليبي اخترق بولس الملف الليبي وصمم خطته بوسم إنهاء الانقسام وتوحيد السلطة التنفيذية والتمهيد لإنجاز الاستحقاقات الانتخابية.

خلق بولس الشرعية لخطته من مرتكز إخفاق كل المسارات لحل الأزمة سواء المحلية أو الإقليمية أو حتى مقترحات وخطط البعثة الأممية للدعم وهذا يحسب له.. لكن تقييم وفلترة مقترحاته من منظور وطني وواقعي يقود إلى جملة من الصعوبات الفنية والتحديات الإستراتيجية لتمريرها ويقوض فرص نجاحها.

فمبادرة بولس اصطدمت أولاً مع التاريخ والجغرافيا الليبية حيث أغفلت التأسيس ثلاثي الأقاليم للدولة الليبية الحديثة واستبدلت تلك الحقيقة بتحول بنيوي (راديكالي) بطرح صيغة ثنائية للحكم (مجلس رئاسي للشرق وحكومة للغرب) وطمس للجنوب وذلك تماهياً مع رغبات القوة الرئيسية المسيطرة على القرار الوطني في شرق ليبيا وغربها مقابل صفقات ومشروعات استثمارية وعقود تجارية ضخمة.

مبادرة بولس تبدو في ظاهرها قابلة للتطبيق بشكل أو آخر.. بالعصا أو الجزرة.. لكن المآلات ستكون وخيمة.. فصيغة بولس لم تعتمد مشاركة متعددة للأطراف السياسية والأخطر أنها لم تنتج عبر تفاهمات قطبي السلطة بل تم نسجها وتصميمها في غياب أي مستوى من الثقة والضمانات.

وبالتالي لن ينتظر أحد الطرفين طويلاً للانقضاض على الآخر ومحاولة الاستحواذ على السلطة واندلاع نزاع غير محكوم بأجل أو نتيجة وستدخل ليبيا مجدداً في فوضى أشرس من تجربة 2011.. وستكون فزان بما تملكه من جغرافيا وتاريخ وموارد مجرد مُكمِل (عددي) ضمن حسابات التسوية المحلية والدولية.

____________

القوانين أم الحسابات السياسية… من يعطل الانتخابات في ليبيا؟

كريمة ناجي

عضو مجلس الدولة “قوى الشرق والغرب لا رغبة لديها في انتخابات تنهي المراحل الانتقالية”.

في ظل تصاعد الحديث عن انتقال القرار الانتخابي إلى مسارات سياسية تتجاوز اختصاصات لجنة “4+4″، يقول المتخصص بالشؤون السياسية إن الانتخابات في ليبيا لم تعد مجرد استحقاق دستوري، بل أصبحت مشروعاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً متكاملاً، يرتبط بجملة من التفاهمات المعقدة، منها:

  • شكل السلطة التنفيذية المقبلة وتوزيع المناصب السيادية،
  • مستقبل القيادات العسكرية،
  • إدارة الموارد النفطية والضمانات الدولية المقدمة للأطراف المتنافسة،

وهذا يعني أن لجنة “4+4” أصبحت جزءاً من المشهد، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد فيه.

في الوقت الذي تتظافر فيه الجهود المحلية والأممية لتجاوز الخلافات حول القوانين الانتخابية بين مجلس الدولة ومجلس النواب،أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التوصل إلى اتفاق بشأن آلية تعيين رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وذلك خلال اللقاء السابع للاجتماع المصغر لمعالجة خريطة الطريق الأممية، والذي عُقد في العاصمة التونسية برئاسة الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه، التي أكدت أنه تمت مناقشة بنود مسودة الاتفاق النهائي، على أن تُستأنف المشاورات الأسبوع المقبل لاستكمال التفاهمات.

برزت تساؤلات حول مدى قدرة اللجنة المصغرة “4+4″على إنتاج تسوية سياسية تقود إلى عملية انتخابية، أم أن الأزمة الليبية جعلت القرار الانتخابي رهين توافقات داخلية ودولية تتجاوز صلاحيات هذه اللجنة؟

تفاهمات سياسية 

 وحول ما إذا كانت هذه اللجنة قادرة على إنهاء الانسداد السياسي في البلد المنقسم إلى سلطتين بسبب فشل الذهاب إلى انتخابات وطنية تقول عضو اللجنة الاستشارية لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عبير امنينة، إن المسار الانتخابي في ليبيا لم يعد محكوماً فقط بما تنتجه اللجان الفنية أو التشريعية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتفاهمات السياسية بين الفواعل الرئيسية. 

وتواصل امنينة حديثها مع “اندبندنت عربية” أنه من بين هذه التفاهمات، تلك التي تُجرى  بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والقيادة العامة في شرق البلاد، معتبرة أن الكل يعي أن أي تقدم في الملف السياسي أو الأمني أو الاقتصادي يتطلب قدراً من التنسيق بين هذين الطرفين، لأنهما يمثلان مركزين رئيسيين للقوة والنفوذ. 

وتوضح امنينة أن نجاح الانتخابات لن يعتمد فقط على جاهزية القوانين، وإنما على قدرة هذه القيادات على التوصل إلى تفاهمات تضمن قبول نتائج الانتخابات وعدم العودة إلى الانقسام أو الصراع.

تدوير الأزمة 

وبخصوص مدى قدرة مجلسي النواب والأعلى للدولة على لعب دور حاسم في إنهاء الانسداد الانتخابي عبر التوافق على القوانين، أم أن الملف أصبح يتطلب  تفاهمات تتجاوز المؤسسة التشريعية، يرى عضو مجلس الدولة عادل كرموس، أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا تسعي لحل الإشكالية الليبية إنما هي تسعي لكسب الوقت لحقيق أكبر استفادة من بقاء الأزمة. 

ويضيف أن البعثة تحاول تمديد دائرة المشاركة بتوسيع الحوار لكي تفقد المخرجات أي أساس دستوري نتيجة عدم إشراك الأجسام الشرعية بشكل مباشر، والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل الحوار المهيكل ونتائجه التى ستعرض على المجلسين، مشيراً أنه بهذا عدنا للنقطة صفر.

ويضيف عضو مجلس الدولة أن عضوي المجلس الأعلى للدولة في لجنة “4+4” ذكرا أنهما لا يمثلان المجلس، فيما ستعرض مخرجات اللجنة في ما بعد على المجلسين للموافقة، فالناتج في كل هذه اللقاءات هو المماطلة لأن قوى الأمر الواقع شرقاً وغرباً لا ترغب في حصول انتخابات تنهي المراحل الانتقالية وفق ما جاء على لسانه. 

صراع البقاء 

ويرى عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني، أن الإعلان عن توصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى اتفاق بشأن آلية تعيين رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، خلال الجولة السابعة من اجتماعات لجنة “4+4″، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تقدم إجرائي أو إنجاز تقني يتعلق بإدارة العملية الانتخابية، بل إنه يمثل حلقة جديدة في الصراع الدائر حول سؤال أكثر تعقيداً، وهو؛ من يملك حق صياغة المرحلة المقبلة في ليبيا، ومن يملك ضمانات البقاء فيها؟.

والأهمية التي تحظي بها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في عمل هذه اللجنة المصغرة يقول الباروني إنه في الظروف الطبيعية، يُنظر إلى المفوضية الانتخابية بوصفها مؤسسة فنية مستقلة تتولى تنظيم العملية الانتخابية والإشراف عليها.

لكن في الحالة الليبية، أصبحت هذه المؤسسة تمثل أحد أهم مفاتيح السلطة، لأن من يتحكم في قواعد العملية الانتخابية يمتلك تأثيراً مباشراً في نتائجها ومخرجاتها.

ويشير إلى أن الصراع حول رئاسة المفوضية لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بخمس قضايا رئيسية على رأسها تحديد معايير الترشح للانتخابات، وإدارة سجل الناخبين والإشراف على مراحل العملية الانتخابية، وإعلان النتائج النهائية، والتعامل مع الطعون والنزاعات القانونية، منوهاً إلى أن السيطرة على مفاصل العملية الانتخابية أصبحت جزءاً من الصراع على السلطة نفسها.

وفي ما يخص قدرة لجنة “4+4” على إنتاج تسوية سياسية، يقول المتخصص بالشؤون السياسية إنه للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى طبيعة هذه اللجنة وأهدافها، حيث أُنشئت اللجنة بوصفها آلية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية بشأن القوانين الانتخابية.

لكنها وجدت نفسها أمام أزمة أكبر بكثير من نطاق اختصاصها فالأزمة الليبية اليوم تتجاوز قضية الانتخابات إلى مجموعة من الملفات المعقدة، من بينها؛ توحيد المؤسسة العسكرية وإعادة توزيع الموارد النفطية ومعالجة الانقسام الحكومي وتحديد شكل النظام السياسي ومعالجة قضية الوجود العسكري الأجنبي وإعادة هيكلة المؤسسات السيادية، ومن هنا، فإن قدرة اللجنة على تحقيق اختراق سياسي حقيقي تبدو محدودة للغاية.

تعطل الاتفاقات 

ويربط الباروني تعثر المسارات السابقة واستمرار الأزمة بمجموعة من الأسباب الجوهرية من أبرزها؛ غياب الثقة المتبادلة، فكل طرف ينظر إلى الانتخابات بوصفها وسيلة لتعزيز نفوذه السياسي، وليس باعتبارها آلية للتداول السلمي على السلطة.

ويضيف أن تضارب المصالح الداخلية له تداعيات أيضاً على فشل الانتخابات، فالقوى السياسية والعسكرية الموجودة حالياً تخشى أن تؤدي الانتخابات إلى إعادة تشكيل موازين القوى القائمة. ويعتبر أن تعدد مراكز النفوذ هو الآخر من أبرز العوامل المساهمة في تعطيل الاتفاقات.

فالمشهد الليبي لم يعد قائماً على طرفين رئيسيين فقط، بل أصبح يضم شبكة واسعة من القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية.

أما العامل الرابع فيقول الباروني إنه يتمحور حول تضارب المصالح الدولية، باعتبار أن لكل دولة فاعلة في الملف الليبي أولوياتها الخاصة، سواء تعلق الأمر بالطاقة أو الأمن أو النفوذ الجيوسياسي أو الهجرة غير النظامية.

وإجابة على سؤال ما الذي تحاول بعثة الأمم المتحدة تحقيقه، يقول عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إن البعثة الأممية تسعى إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية :

منع انهيار العملية السياسية،

والحفاظ على الحد الأدنى من التوافق بين الأطراف المتنازعة

وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات

وبناء إطار سياسي جديد لإدارة المرحلة المقبلة.

ويستدرك الباروني أن المشكلة الأساسية تكمن في أن البعثة لا تمتلك أدوات تنفيذية حقيقية، بل تعتمد أساساً على قدرة الأطراف الليبية على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه.

السيناريوهات 

في ظل تصاعد الحديث عن انتقال القرار الانتخابي إلى مسارات سياسية تتجاوز اختصاصات لجنة “4+4″، يقول المتخصص بالشؤون السياسية إن الانتخابات في ليبيا لم تعد مجرد استحقاق دستوري، بل أصبحت مشروعاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً متكاملاً، يرتبط بجملة من التفاهمات المعقدة، منها:

شكل السلطة التنفيذية المقبلة وتوزيع المناصب السيادية، مستقبل القيادات العسكرية، إدارة الموارد النفطية والضمانات الدولية المقدمة للأطراف المتنافسة، وهذا يعني أن لجنة “4+4” أصبحت جزءاً من المشهد، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد فيه.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يلفت الباروني إلى أن:

السيناريو الأول يتمحور حول نجاح المسار السياسي، إذ يقضي هذا السيناريو بالتوصل إلى اتفاق شامل يمهد لإجراء الانتخابات، وهو الاحتمال الأقل ترجيحاً في الوقت الراهن.

السيناريو الثاني يتمثل في استمرار حالة الجمود، إذ تستمر فيه الاجتماعات والتفاهمات الجزئية من دون الوصول إلى حل نهائي، وهو السيناريو الأكثر احتمالاً وفق كلامه.

السيناريو الثالث، يكون عبر الانتقال إلى صيغة سياسية جديدة، ويتضمن إعادة تشكيل المؤسسات الحالية أو إنشاء أجسام سياسية جديدة تتولى إدارة المرحلة الانتقالية، بحسب رأيه. 

ويختم الباروني قائلاً بأن، الجولة السابعة للجنة “4+4” تؤكد أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة قوانين انتخابية أو ترتيبات إدارية، وإنما أصبحت أزمة تتعلق بطبيعة الدولة الليبية نفسها، وبشكل السلطة فيها، وبحدود النفوذ المحلي والدولي داخلها، مشدداً أنه في الحالة الليبية، لا تبدو الانتخابات بداية الحل، بل تبدو في كثير من الأحيان النتيجة النهائية لتسوية سياسية شاملة لم تتشكل ملامحها الكاملة بعد.

________________

الجنوب الليبي بعد سنوات من قبضة حفتر: أسئلة السيطرة والتحالفات

أسامة علي

يعيش الجنوب الليبي منذ مطلع العام الحالي على وقع توتر أمني متصاعد، أعاد إلى الواجهة أسئلة بدت محسومة قبل أشهر: من يسيطر فعلياً على هذه المنطقة الشاسعة؟ وهل تعكس الهجمات التي سجّلت خلال العام الحالي، تحديات أمنية فقط، أم أنها تكشف حدود السيطرة التي تعلنها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وسط بروز أصوات قبلية واجتماعية معارضة لسياساته في الجنوب؟

وحتى نهاية عام 2025، كان الخطاب الرسمي لـ”القيادة العامة” التابعة لحفتر يقدّم الجنوب الليبي باعتباره منطقة مستقرة أمنياً وخاضعة بالكامل لسيطرته، عقب حملة عسكرية واسعة قادها نجله صدام حفتر في فبراير/ شباط من العام ذاته استهدفت مدينة القطرون، معقل قبائل التبو المتاخم للحدود مع النيجر، وانتهت بإخضاع المدينة لسيطرة قواته وإنهاء آخر بؤر التوتر في الجنوب الليبي.

غير أن هذه الصورة سرعان ما تعرضت للاهتزاز مع مطلع عام 2026، عندما أعلنت مجموعات مسلحة من قبائل التبو ظهورها تحت مسمى “غرفة عمليات تحرير الجنوب”، وتمكنت في أول تحرك لها من السيطرة لساعات على منفذ التوم الحدودي مع النيجر، الخاضع لسيطرة حفتر، وواصلت خلال الأشهر التالية تنفيذ هجمات خاطفة على مواقع عسكرية، آخرها مهاجمة حاجز أمني شمال قاعدة لويغ الجوية، في يوليو/ تموز الماضي، والسيطرة عليه لساعات. وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة التي أجرتها قيادة حفتر لتعزيز وجودها العسكري في الجنوب الليبي وإعادة تنظيم انتشارها في المنطقة، أبرزها إنشاء تشكيل جديد حمل اسم “اللواء 18 مشاة”، واتخذ من مدينة مرزق، الأقرب إلى الجنوب الغربي، مقراً رئيسياً له وضمّ إليه جميع كتائب القيادة في المنطقة، فإن استمرار نشاط مقاتلي “الغرفة” وقدرتهم على الحركة وتنفيذ الهجمات أظهر أن إعادة الهيكلة العسكرية لم تنه حالة الهشاشة الأمنية. استعان حفتر في سيطرته على الجنوب الليبي بقبيلتي التبو وأولاد سليمان

غرفة عمليات تحرير الجنوب الليبي

ويقود هذه “غرفة عمليات تحرير الجنوب” محمد وردقو، وهو ضابط سابق من قبائل التبو، أنشأ منذ عام 2012 كتائب عدة شاركت في تأمين الجنوب، قبل أن ينضم إلى اللواء 128 مشاة، الذي تشكل مع اتجاه حفتر لبناء تحالفات قبلية في جنوب ليبيا عام 2016. وشارك وردقو من خلال اللواء في عمليات قتالية لمصلحة حفتر في سبها وعلى الحدود الجنوبية، وظلّ فاعلاً إلى أن أصدر حفتر قراراً بحل اللواء 128 مشاة في يناير/ كانون الثاني 2025، وإقالة قائده حسن الزادمة، الذي مثّل لسنوات أبرز أذرعه العسكرية القبلية في الجنوب.

وتكشف الانتماءات القبلية للضابطين، دردقو والزادمة، عن خلفية اجتماعية أكثر تعقيداً، إذ شكلت قبيلة التبو (مجموعة قبائل عرقية هي من إحدى أبرز قبائل ليبيا القديمة) التي ينتمي إليها وردقو، وقبيلة أولاد سليمان (من كبرى القبائل العربية في ليبيا) التي ينتمي إليها الزادمة، ركناً أساسياً في تحالفات حفتر داخل الجنوب الليبي خلال السنوات الماضية. وبعد إقالته، لجأ الزادمة إلى القطرون، وكان وجوده هناك أحد دوافع الحملة العسكرية التي قادتها قوات حفتر على المدينة في فبراير 2025، لإنهاء أي محاولة منه لبناء تحالفات جديدة، بما يعكس أن التحديات التي باتت تواجه حفتر تجاوزت البعد العسكري وامتدت إلى البنية الاجتماعية التي كان قد استند إليها في ترسيخ نفوذه خلال السنوات الماضية.

خزّان الاقتصاد الموازي

ولا تنبع أهمية الجنوب الليبي من اعتبارات الأمن والعسكر وحدها، بل أيضاً من ثقله الاقتصادي والاستراتيجي. فالإقليم، الذي يشكل نحو ثلث مساحة ليبيا، لا يتجاوز عدد سكانه نصف مليون نسمة، ويضم أكبر الحقول النفطية في البلاد (منها حقلا الفيل والشرارة). كذلك تنتشر بمحاذاة حدوده مع تشاد والنيجر والسودان مكامن ذهب يستخرج معظمها خارج الأطر الرسمية، لتغذي اقتصاداً موازياً ينمو منذ سنوات. وتبدو هذه الاعتبارات مجتمعة وراء سعي حفتر، بالتوازي مع تعزيز حضوره العسكري، إلى ترسيخ خطاب التنمية والإعمار عبر إطلاق سلسلة من المشاريع في الجنوب الليبي تحت عنوان “المبادرة التنموية لتعزيز استقرار الجنوب”.

ويوضح الخبير العسكري والمستشار السابق للقائد الأعلى للجيش الليبي، عبد الكافي، أن خريطة الانتشار العسكري في الجنوب تقوم على عدد من القواعد الرئيسية، أبرزها قاعدة الجفرة التي تمثل مركز الثقل العسكري واللوجستي في وسط البلاد، وقاعدة براك الشاطئ القريبة من سبها، أكبر مدن الجنوب، وقاعدة السارة المحاذية للحدود مع تشاد والسودان، إضافة إلى قاعدة لويغ الجوية في أقصى الجنوب الغربي.

عبد الكافي: قواعد الجنوب الليبي تشغلها قوات روسية إلى جانب كتائب محدودة تابعة لحفتر

ويشير الكافي، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن هذه القواعد تشغلها قوات روسية إلى جانب كتائب محدودة تابعة لحفتر تتولى مهام الحماية والتأمين، باستثناء قاعدة لويغ، معتبراً أن “الوجود الروسي يمثّل عنصر الثقل العسكري لحفتر، ولذلك كان سهلاً على قوة غرفة عمليات الجنوب استهداف بوابة شمال قاعدة لويغ لعدم قدرة حفتر على تعزيز قوته في هذه القاعدة الخالية من الوجود الروسي”.

ويرى عبد الكافي أن حفتر حاول معالجة هذا الضعف عبر جعل اللواء 18 مشاة يتمركز في مرزق للإشراف على الجنوب الغربي، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن “غرفة تحرير الجنوب” نجحت في فرض وجود ميداني عبر اعتمادها على الهجمات الخاطفة، وأظهرت هشاشة سيطرة حفتر على الجنوب الغربي، وفق رأيه.

ويرجح الخبير العسكري أن تزداد قدرة “الغرفة” على الحركة بسبب عاملين رئيسيين: أولهما معرفتها بجغرافيا الصحراء ومسالكها ونقاط الضعف في الانتشار العسكري، وثانيهما امتلاكها امتدادات اجتماعية على جانبي الحدود الجنوبية. كذلك يستند في تقديره هذا إلى ضعف علاقات حفتر مع دول الجوار، موضحاً أن “علاقته مع تشاد شهدت تطوراً خلال الفترة الأخيرة مع تعدد زيارات صدام حفتر لأنجامينا، لكن العلاقة مع السودان سيئة بسبب دعمه قوات الدعم السريع، وتوترت مع النيجر أخيراً بعد إفراج قيادة حفتر عن المعارض النيجري محمود صالح” منتصف يونيو/ حزيران الماضي.

حالة أوسع من الاعتراض

ويتقارب الصحافي الليبي المتخصص في شؤون الجنوب، موسى تيهوساي، مع تقدير الخبير العسكري عبد الكافي بشأن قدرة “غرفة تحرير الجنوب” على فرض نفسها ميدانياً، لكنه يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أنها أصبحت تمثل “خطراً حقيقياً” على نفوذ حفتر في الجنوب، ومشيراً إلى أن البعد الاجتماعي لحراكها لا يقل أهمية عن بعدها العسكري.

وفي حديثه لـ”العربي الجديد”، يشرح تيهوساي أن تحرك وردقو، قائد الغرفة، “يعكس حالة أوسع” لدى قبائل وشخصيات عسكرية ترى أنها تعرضت لـ”ظلم وقع عليها، بعدما شعرت بأن حفتر استغلها لتوسيع نفوذه ثم أقصاها، ولهذا فإن نجاح وردقو في فرض نفسه قد يشجع آخرين على الانضمام إليه”. ويلفت إلى أن وردقو “حرص منذ البداية على إضفاء بعد اجتماعي على الغرفة عندما اختار اسمها، بل إن بيانها التأسيسي أكد أنها تُعبّر عن مظالم فئات اجتماعية واسعة في الجنوب ترى أنها مهمشة أو مضطرة إلى الصمت أمام السلاح والقوة”.

ويلفت تيهوساي إلى أن “هذه الخلفية ترتبط أساساً بطبيعة التركيبة القبلية في الجنوب، التي ترفض الهيمنة الكاملة وتطالب بالمشاركة في إدارة مناطقها”، معتبراً أن هذه الطبيعة الاجتماعية كانت أحد أسباب تراجع العلاقة بين تلك المكونات وحفتر.

موسى تيهوساي: نجاح وردقو في فرض نفسه قد يشجع آخرين على الانضمام إليه

ويرى تيهوساي أن الغرفة نجحت “في كسر الصورة النمطية التي سعت قيادة حفتر لترسيخها بشأن إحكام السيطرة على الجنوب”، معتبراً أن خطاب الغرفة “قد يتجاوز حدود المجموعة المسلحة، إذا استمر تعنت حفتر، ليتحول إلى صوت لحالة أوسع من الاعتراض على إدارة الجنوب بمنطق الهيمنة العسكرية الكاملة”.

ويلفت إلى متانة العلاقات القبلية في المنطقة، مستشهداً بمحاولة حفتر محاصرة تحركات الغرفة عبر تشجيع بعض الأطراف المعارضة في النيجر، ومن بينها محمود صالح، الذي كان معتقلاً لدى قواته قبل أن يطلق سراحه، في يونيو الماضي، ويزوده بالسلاح، إلا أن الأخير لم ينخرط في مواجهتها، لكونه ينتمي أيضاً إلى التبو. ويشير إلى محاولات أخرى قام بها حفتر لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية في الجنوب، من بينها إنشاء “لجنة إعادة تنظيم الجنوب” نهاية العام الماضي، وتكليف ضابط باختيار قيادات قبلية جديدة موالية له، معتبراً أن هذه المحاولة لم تنجح بسبب مقاومة البنية القبلية التقليدية لهذا النوع من التدخل.

وعلى الرغم من إقراره بأن الغرفة تواجه تحديات تتعلق بضعف مصادر الإمداد والقدرات العسكرية، يرى تيهوساي أنها باتت تشكل “خطراً محدقاً” على حفتر من خلال “النصر التكتيكي القصير” الذي تحرزه. ويعرب عن اعتقاده، في هذا السياق، بأن استمرار التوتر الأمني قد يكشف بصورة أكبر حدود السيطرة التي تعلنها قيادة حفتر، خصوصاً في ظل مساعي المبادرة الأميركية الرامية، في مسارها العسكري، إلى إنشاء قوة أمنية مشتركة بين الشرق والغرب لتأمين الجنوب، بما قد يضع حفتر في موقف حرج إذا استمر عجزه عن فرض سيطرة كاملة على المنطقة.

_________________

أحزاب ليبيا بعد 15 عاما من سقوط القذافي .. ما دورها وقدرتها على التغيير؟

علاء فاروق

بعد أحداث 2011 في ليبيا صدر قانون ينظم الحياة الحزبية في ليبيا ويسمح بتشكيل أحزاب سياسية، وبعدها نشأت عشرات الأحزاب ذات توجهات مختلفة وظهر تنافسهم خلال أول انتخابات أجريت في ليبيا للمؤتمر الوطني العام. 

ثم توسعت الحياة الحزبية ووصل عدد الأحزاب، طبقا لإحصاءات غير رسمية، إلى 95 حزبا سياسيا رسميا، لكن رغم هذا العدد الكبير لا يوجد دور فاعل وواضح لكل هذه الأحزاب، وينشط في الساحة السياسية والتنافسية والحكومية عدد قليل من الأحزاب يكاد ينحصر بين حزبين فقط، الأول ذو توجه إسلامي وهو حزب العدالة والبناء والآخر ليبرالي تحت مسمى تحالف القوى الوطنية والباقي مجرد أحزاب صورية لا مقرات ولا قوة حقيقية. 

الأحزاب في عصر القذافي 

وفي عهد القذافي لم تعرف الدولة الليبية العمل الحزبي ولم تمارسه، بل تم تجريم الحزبية في ليبيا عبر قرار رسمي من القذافي تحت شعار “من تحزب خان”، وحتى قبل القذافي وفي عهد الملك محمد إدريس السنوسي لم تكن هناك حياة حزبية. 

وفي عهد القذافي الذي امتد 42 عاما تم رفض التعددية الحزبية واعتبار الانتماء للحزب خيانة للوطن وللإرادة الشعبية المباشرة، وفق ما ورد في الجزء الأول من “الكتاب الأخضر” للقذافي، والذي اعتبر أن الحزب السياسي هو أداة ديكتاتورية مقنعة تمزق المجتمع وتخدم مصالح ضيقة على حساب الشعب، وأن البديل المناسب لليبيا هو الدعوة إلى “سلطة الشعب” عبر المؤتمرات الشعبية الأساسية واللجان الشعبية بدلا من البرلمانات. 

بداية العمل الحزبي قانونيا 

وبعد مقتل القذافي وانتهاء عصره، وفي فترة المجلس الوطني الانتقالي المؤقت صدر قانون رقم (29) لسنة 2012 بشأن تنظيم الأحزاب السياسية، ونص في المادة (2) من مواده على أن “الحزب هو كل تنظيم سياسي، يتألف باتفاق بين جماعة من الليبيين، يؤسس وفقاً لأحكام هذا القانون، ويدير نشاطه بشكل علني بالوسائل السلمية والديمقراطية بهدف المساهمة في الحياة السياسية، لتحقيق برامج محددة ومعلنة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بقصد المشاركة في مسؤوليات الحكم وتداول السلطة وفقاً لقانون الانتخابات العامة. 

وفي المادة (3) نص على: للمواطنين الليبيين حق تأسيس الأحزاب السياسية والانتساب إليها وفقا لأحكام هذا القانون، ولا يجوز للمواطن أن يكون عضوا في أكثر من حزب في الوقت ذاته. 

أما مادته الـ(4) فنصت على: “تسهم الأحزاب السياسية في تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وتعمل على توعية المواطنين وتمثيلهم سياسيّا”. 

ومنذ إصدار هذا القانون بدأت الأحزاب في الظهور والمشاركة جزئيا في الحياة السياسية، لكنها ليست بالقوة ولا القدرة على التغيير أو المعارضة، وظلت الحياة الحزبية لسنوات مقتصرة على حزبي: العدالة والبناء (إسلامي) وحزب تحالف القوى الوطنية (ليبرالي)، لكن مع بداية الترشح للانتخابات الرئاسية ظهرت أحزاب أخرى قدمت مرشحا باسمها. 

“عربي21” تحاول تقديم قراة وتحليل للتجربة الحزبية في ليبيا من حيث قوة وتواجد الأحزاب فعليا وتوجهاتها، ومدى قدرة هذه الأحزاب على إحداث تغيير في التجربة السياسية سواء بالمعارضة أو المساهمة في تشكيل الحكومات وغيرها من المناصب، وذلك عبر استعراض أشهر الأحزاب المتصدرة للمشهد في ليبيا حاليا. 

الأحزاب.. أعداد كبيرة وتأثير ضعيف 

تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد الأحزاب المتحصلة على إذن مزاولة العمل السياسي يقارب 86 حزبا حتى 2025، لكن جزء كبير منها غير مفعل في الوقت الحالي، وأغلبها تأسس على عجل في 2012 للمشاركة في الانتخابات حينها، وبعد تعثر الانتخابات توقف كثير من هذه الأحزاب ليصل عدد الأحزاب النشطة فعليا حوالي 20 حزبا، شارك بعضها في الانتخابات السابقة، بينما انخرط آخرون في ترتيبات الاستحقاق الانتخابي الذي كان مقررًا في 24 ديسمبر 2021، قبل أن تؤجل العملية حتى وقتنا الحالي، ثم اقتصر العمل الحزبي على عدد قليل جدا من الأحزاب التي لا زالت تنشط في المشهد.

وبعد تفعيل قانون الأحزاب وتشكيلها.. شهدت ليبيا تأسيس عشرات الأحزاب ذات مرجعيات مختلفة متنوعة بين إسلامي، ومدني، وليبرالي، مستقل.. ومن أبرز هذه الأحزاب التي لا زال لها نشاطات وفاعليات ومشاركة في الحياة السياسية: 

حزب تحالف القوى الوطنية 

وهو تحالف سياسي ليبي ذو توجه مدني ليبرالي، تأسس في فبراير 2012 بقيادة رئيس الوزراء الأسبق، محمود جبريل، ويضم مجموعة من الأحزاب والمنظمات، وتصدّر انتخابات المؤتمر الوطني العام عام 2012، متقدما على حزب العدالة والبناء ذو التوجه الإسلامي.

ويدعم الحزب الدولة المدنية الديمقراطية، ويتبنى اقتصاد السوق والخصخصة ويدعو إلى “لامركزية” الإدارة وتوزيع صلاحيات أوسع للمجالس المحلية. 

وظل الحزب لسنوات متصدرا المشهد في ليبيا عبر ممثليه في المؤتمر الوطني ثم المجلس الأعلى للدولة وكذلك المجالس المحلية إلا أنه تراجعت شعبيته جدا بعد وفاة مؤسسه ورئسيه “محمود جبريل”، وانعدمت نشاطاته حتى توارى تماما عن المشهد ولم يُرى له أية فاعليات خلال السنوات الماضية إلا مشاركات متواضعة في ندوات أو مؤتمر الأحزاب الأخير.

حزب العدالة والبناء 

وهو حزب سياسي ليبي قُدم في بدايته بأنه ذو مرجعية إسلامية وأنه الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، تأسس في مارس 2012، وانُتخب محمد صوان رئيساً أولاً له حتى عام 2021، ثم خلفه عماد البناني، ليصبح فيصل الصافي رئيساً للحزب في يوليو 2025، ويُصنف كحزب إسلامي سياسي، رغم إصرار قياداته على هويته المدنية المنظمة وأنه حزب مدني مفتوح للجميع، ومنفصل إداريا وتنظيميا وماليا عن الإخوان الذين يمثلون في عضوية الحزب نسبة لا تزيد على 15%، وأن الحزب يضم مستقلين لا يحملون أي توجهات أيديولوجية معينة، ويهدف إلى دعم الاستقرار السياسي وبناء مؤسسات الدولة والمشاركة في الانتخابات العام.

وينطلق الحزب، وفق قرار تأسيسه، من مبادئ عامة أهمها الالتزام بالقيم والمبادئ الإسلامية وبالشريعة الإسلامية بصفتها المصدر الرئيسي للتشريع، ويؤكد انحيازه للوسطية والاعتدال وتجنب كل أسباب الغلو في الفكر والسلوك. ويؤكد على إرساء قواعد دولة الدستور والمؤسسات، وتأسيس مبادئ العدل والمساواة بين أفراد الشعب، وترسيخ منهج التوافق السياسي والمجتمعي.

وشارك الحزب بقوة في انتخابات المؤتمر الوطني العام التي جرت في يوليو/تموز 2012، وجاء في المرتبة الثانية بحصوله على 17 مقعدا من أصل 80 مخصصة للأحزاب السياسية، وذلك بعد تحالف القوى الوطنية الذي حل في المرتبة الأولى بحصوله على 39 مقعدا. 

حزب ليبيا الكرامة 

وهو تنظيم سياسي اعتمد اسمه من العملية العسكرية التي أطلقها المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا، وهو حزب داعم لحفتر والقيادة العامة، وتم الإعلان رسمياً عن تأسيس الحزب في أغسطس عام 2021 خلال مؤتمر إشهار عُقد في مدينة بنغازي شرق ليبيا، ويرفع شعار: “استقرار – عدالة – تنمية”.

ومن الأهداف الأساسية للحزب: ترسيخ الديمقراطية كونها الركيزة الأساسية للحكم، وأن تكون ليبيا دولة ذات نظام إداري لامركزي أساسها التوازن بين مختلف المناطق، وليبيا دولة واحدة كاملة السيادة، ويؤكد الحزب على أحقية الأفراد في التعبير عن آرائهم بما ينص عليه الدستور وأن لكل فرد في المجتمع حق المشاركة في الحياة السياسية، ويؤمن الحزب بالحقوق والحريات السياسية الهادفة إلى المشاركة الشعبية في الشأن العام. 

حزب الجبهة الوطنية 

وهو حزب سياسي ليبرالي ديمقراطي تأسس في مايو 2012 كامتداد لـ “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” المعارضة لحكم القذافي سابقا، ويقع مقره الرئيسي في مدينة طرابلس، وتأسس الحزب عندما قررت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا (المؤسسة عام 1981) الانتقال إلى حزب سياسي في مايو 2012 خلال مؤتمرها بمدينة بنغازي، وترأس الحزب تأسيسياً “محمد المقريف”، الذي انتخب لاحقاً رئيساً للمؤتمر الوطني العام في عام 2012.

ويتبنى الحزب توجها سياسيا ليبراليا وتقدميا وسطيا، ويدعم إقامة دولة ديمقراطية حديثة ونظاماً برلمانياً مع درجة من اللامركزية، ويرفض النظام الفيدرالي، ويركز على دعم الأمن، والتنمية الاقتصادية، وحقوق المرأة، ومحاسبة رموز النظام السابق كشرط للمصالحة الوطنية. 

حزب الوطن 

 هو حزب سياسي ليبي يصنف على أنه ذو مرجعية إسلامية، تأسس رسمياً في العاصمة طرابلس في منتصف عام 2012، ويقوده عبد الحكيم بلحاج، وهو قائد عسكري سابق ورئيس المجلس العسكري لطرابلس سابقا، ويضم في عضويته نشطاء سياسيين وأعضاء سابقين في الجماعة الليبية المقاتلة وتيارات إسلامية ومدنية أخرى.

ويعرّف الحزب نفسه بأنه حزب مدني وطني ذو مرجعية إسلامية، ويدعو إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، كما يدعم قيام نظام ديمقراطي معتدل يحمي حقوق ومكتسبات جميع المواطنين ويضمن التعددية السياسية. 

حزب السلام والازدهار 

حزب السلام والازدهار يعرف نفسه بأنه حزب سياسي وطني، مقره الرئيسي بمدينة طرابلس، وتأسس في عام 2021 وحدد الحزب رؤيته المستقبلية، في أن تكون ليبيا دولة حديثة ترقى إلى مصافي الدول المتقدمة بأبنائها متسلحين بالعلم والمعرفة، ومن ضمن أهدافه: خلق مناخ من السلام والاستقرار معززا محليا بشرعية الإنجاز، والعمل بشكل مهني محترف لتحقيق الأهداف المرسومة في إطارها الزمني بمشاركة مجتمعية واسعة، وكذلك العمل على أن تحقق ليبيا أعلى مؤشرات الاستقرار والأمان والنمو والتنمية والحوكمة وسيادة القانون، وفق صفحته الرسمية.

حزب التغيير 

تأسس عام 2012 ويرأسه الناشط، جمعة القماطي، ويهدف الحزب إلى دعم المسار الديمقراطي وبناء دولة مؤسسات حديثة في ليبيا، ومقره العاصمة ويشارك الحزب في الحوارات السياسية ومنتديات الأحزاب الليبية ويسعى لإيجاد حلول سلمية للانسداد السياسي، وفق مؤسسوه.

أما باقي الأحزاب فلم تتوفر لها معلومات كافية ولا أنشطة، كما أن بعضها انخرط في تحالفات شملت عدة أحزاب، ففي عام 2022 مثلا انخرط 14 حزباً سياسياً في تحالف جديد تحت اسم “الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية”، وإلى جانب هذا الاتحاد يوجد في ليبيا 6 تحالفات، هي:

  • الحراك الوطني للأحزاب الليبية
  • رابطة الأحزاب الليبية
  • التجمع الوطني للأحزاب الليبية
  • تنسيقية الأحزاب السياسية الليبية
  • تجمع الأحزاب الليبية
  • شبكة الأحزاب الليبية

وكلها عبارة عن أحزاب صغيرة ليس لها دور نشط في المشهد العام.

التجربة الحزبية

وفي محاولة للوقوف على التجربة الحزبية في ليبيا ومستقبل العمل الحزبي هناك، التقت “عربي21” مع شخصيتين من حزبين مختلفين:

الأول هو رئيس حزب إعمار ليبيا، عبد الحكيم بعيّو والذي أكد أنه “بعد 15 عاما من الثورة يمكن القول إن التجربة الحزبية في ليبيا حققت بعض النضج وبدأ يتشكل وعي لدى جزء من المواطنين بأهمية العمل الحزبي ودوره في بناء الدولة، لكن هذا النضج لا يزال دون المستوى المطلوب بسبب الانقسام السياسي وغياب الاستقرار وضعف البيئة التي تمكن الأحزاب من العمل بحرية”.

وأضاف بعيو لـ”عربي21″: “الأحزاب الليبية قادرة على المساهمة في صناعة الرأي العام والمعارضة متى توفرت المنافسة العادلة واحترام القانون والإرادة الشعبية وما تحتاجه ليبيا اليوم هو تعزيز الثقافة الحزبية لأنها جزء أساسي من أي دولة ديمقراطية مستقرة”، وفق كلامه.

صراع خشن وشيطنة للأحزاب 

الثاني هو رئيس المكتب السياسي لحزب التغيير الليبي، موسى تيهوساي وأكد فيه أنه “لم تكن الأحزاب جزء من السلطة الحاكمة في ليبيا منذ العام 2015 بعد تحول الخلافات إلى صراع خشن على السلطة بدعم خارجي سخي كان يهدف إلى تعطيل أي تجربة ديمقراطية في البلاد بما في ذلك التجربة الحزبية”.

ورأى في حديثه لـ”عربي21″ أن “مراكز القرار وأدوات التغيير تحولت إلى القوة الخشنة ما أدى إلى تراجع دور الأحزاب إلى شبه مجمدة باستثناء بيانات سياسية لا يسمعها أحد مع ترحيل حكومات الأمر الواقع فشلها إلى التجربة الحزبية الوليدة التي كانت مؤثرة فقط لمدة سنتين تقريبا من بعد الثورة”.

وتابع: “تم شيطنة الأحزاب بشكل ممنهج فضلا عن عدم وجود أي تجربة سابقة للأحزاب في ليبيا، لذلك لا يمكن الحكم على التجربة الحزبية في ليبيا بشكل دقيق في ظل الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد، والطريقة الوحيدة للحكم عليها هي وجود الانتخابات وإعطاء الأحزاب مساحتها الطبيعية لما في ذلك من ضمان تكافؤ الفرص أمام انتشار المال الفاسد بين مختلف النخب الحاكمة في ليبيا منذ عقد من الزمان، ويمكن فعلا للأحزاب أن تكون مؤثرة وتلعب دورا محوريا في حل الأزمة السياسية في البلاد لأنها الوحيدة التي يوجد فيها تنوع طبيعي وليست مبنية على أساس قبلي وجهوي”، وفقا لتقديراته.

____________

صفقة مشبوهة: جهود أميركية لتوحيد مؤسسات ليبيا تواجه مقاومة متصاعدة

ادريس رجيحي


تصاعدت المعارضة للزعيمين المتنافسين المدعومين من واشنطن، عائلتي الدبيبة وحفتر، مما زاد من حالة عدم الثقة تجاه مبادرة المبعوث الأميركي مسعود بولس.

بعد مرور شهر على ما قد تكون أهم مهمة دبلوماسية إلى ليبيا منذ توليه منصبه في المنطقة، لا يزال المبعوث الأميركي مسعود بولس يثير تساؤلات حول أهداف واشنطن.

في وقت سابق من هذا الشهر، التقى المستشار البارز للرئيس دونالد ترامب لشؤون العرب والشرق الأوسط بعشرات المسؤولين الليبيين من مختلف الفصائل المتناحرة في البلاد، خلال جولة دبلوماسية كان من المتوقع على نطاق واسع أن تمهد الطريق لإعلانات كبرى.

وبعد لقاءاته مع الدوائر المقربة منهم في مالطا يوم 6 يوليو/تموز، عقد بولس محادثات وجهاً لوجه مع القادة المتنافسين في ليبيا: رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة في طرابلس يوم 7 يوليو/تموز، والمشير خليفة حفتر في بنغازي في اليوم التالي.

والجدير بالذكر أن مبعوث الرئيس الأميركي التقى أيضاً بعدد من اللاعبين الأقوياء غير المنتمين لأي من المعسكرين، مثل محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، وأعضاء مجلس الحكماء في مدينة مصراتة الغربية ذات النفوذ.

ومع ذلك، لم تظهر أي خريطة طريق واضحة لما وصفه الدبلوماسي الأميركي مراراً بـ”جهود التوحيد” خلال زيارته، وهي خطة باتت تعرف الآن باسم “مبادرة بولس”.

في سبتمبر/أيلول الماضي، صرح بولس علناً بأن واشنطن ستعمل بنشاط على تعزيز توحيد المؤسسات الليبية، المنقسمة منذ اندلاع الحرب الأهلية الثانية في البلاد عام 2014، في أعقاب الإطاحة بالحاكم طويل الأمد معمر القذافي عام 2011 بدعم من الناتو.

يخضع شرق ليبيا لسيطرة حفتر وحلفائه، بينما تدير حكومة برئاسة الدبيبة مدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس غرب البلاد. منذ انتهاء الحرب الأهلية في 2020، قادت بعثة الأمم المتحدة للدعم عملية السلام. ورغم عدم استئناف المعارك واسعة النطاق، لا تزال البلاد منقسمة.

بعد ما يقرب من عام من المفاوضات والاجتماعات المنتظمة مع المسؤولين الليبيين، لم يكن الإنجاز الملموس الوحيد لبولس سوى اعتماد ميزانية موحدة للحكومتين المتنافستين في أبريل/نيسان.

ومنذ ذلك الحين، لم يُحرَز أي تقدم إضافي. وفي 19 يوليو/تموز، أكد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أن الهيئة التشريعية، ومقرها مدينة طبرق الشرقية والمتحالفة مع مواقف حفتر، “لم تتلق حتى الآن أي شيء رسمي بخصوص [مبادرة] بولس”.

ومن الأسباب التي أدت إلى تباطؤ المبعوث الأميركي في تحقيق التقدم، الانتقادات المتصاعدة من عدة فصائل ليبية.

تعيين حفتر في منصب رئيسي

تصاعدت التوترات في يونيو/حزيران بعد أن ذكرت صحيفة فايننشال تايمز، نقلاً عن “أشخاص مطلعين على الأمر”، أن واشنطن تدفع باتجاه اتفاق يتولى بموجبه صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، وهو أعلى هيئة تنفيذية في ليبيا، التي يترأسها حالياً شخصية محايدة نسبياً هي محمد المنفي.

ويُنظر إلى صدام، وهو أحد أبناء خليفة حفتر الستة، على نطاق واسع على أنه المرشح الأوفر حظاً لخلافة والده البالغ من العمر 82 عاماً.

وعندما بدأ بولس زيارته في 7 يوليو/تموز في مصراتة، على بعد 100 كيلومتر شرق طرابلس، استُقبل في المطار من قبل العشرات من المحتجين الذين عارضوا زيارته ونددوا بما وصفوه بـ”صفقة مشبوهة”.

لطالما كانت مصراتة، المركز التجاري لليبيا، ونخبها التجارية والعسكرية، معادية لعائلة حفتر. وكانت ميليشيات المدينة في طليعة المقاومة ضد هجوم حفتر على غرب ليبيا في الفترة 2019-2020.

وقال يونس الصالحي، الناطق باسم المجلس العسكري لمصراتة، أحد أكبر تشكيلات المقاتلين في ليبيا، لميدل إيست آي: “المجرم حفتر مسؤول عن كل ما يحدث اليوم”، معتبراً أن “هذا سبب كافٍ لرفض أي حل” يمنح صدام منصباً رسمياً.

كرر أحدث تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني بليبيا، الادعاءات بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان وفساد تشمل جماعات مسلحة وفصائل متحالفة مع عائلتي حفتر والدبيبة.

واتُهم حفتر بشكل خاص بارتكاب جرائم حرب من قبل منظمات مثل هيومن رايتس ووتش، كما قضت محكمة أميركية بمسؤوليته عن أعمال التعذيب والإعدامات خارج القضاء التي ارتكبتها قواته.

ومصراتة ليست الفصيل الوحيد الذي يعارض مبادرة بولس على أساس أنها ستعزز عائلة حفتر.

في جنوب ليبيا الصحراوي، قال زعيم المتمردين محمد ورداقو، الذي تشن جماعته المسلحة تمرداً ضد قوات حفتر منذ يناير/كانون الثاني، لميدل إيست آي: “لا يمكن لأحد أن يقبل بأن يتولى حفتر وأبناؤه مناصب سيادية رئيسية داخل الدولة الليبية”.

وأضاف ورداقو: “لسوء الحظ، سمعنا أيضاً عن هذه المبادرة الأميركية لجعل صدام رئيساً للمجلس الرئاسي”.

وأكد جلال حرشاوي، المحلل المتخصص في شمال إفريقيا، أن هذا هو “العنصر الرئيسي في الصفقة”.

ويرى حرشاوي أنه على الرغم من أن صلاحيات رئيس المجلس الرئاسي لم تُحدد بوضوح من قبل أي إطار دستوري، فإن تعيين صدام قد يوسع نفوذ المكتب ويعيد “تشكيل الدور”، بالنظر إلى “السلطة التي يمتلكها بالفعل، مع وحدات تحت قيادته”.

دعوات للاستقالة

غير أن تعيين صدام حفتر المحتمل ليس مصدر التوتر الوحيد الذي أحدثته مبادرة بولس.

تشير تقارير، بما في ذلك مقال فايننشال تايمز في يونيو/حزيران، إلى أن رئيس الوزراء الدبيبة سيظل أيضاً في منصبه في طرابلس.

على الرغم من علاقات واشنطن الطويلة مع خليفة حفتر، وهو مواطن أميركي، حافظت وزارة الخارجية أيضاً على اتصالات مباشرة مع الدبيبة. وقد وصفت آخر مكالمة هاتفية بينهما، التي أجريت في 26 يوليو/تموز، من قبل بولس بأنها “مثمرة”.

وقد تعرض رئيس الوزراء، الذي عُين من قبل المنتدى السياسي الليبي برعاية الأمم المتحدة في عام 2021 وليس عبر انتخابات مباشرة، لتدقيق متزايد على مر السنين.

ومنذ مايو/أيار 2025، طالب المحتجون مراراً باستقالته. وبلغت حدة التوتر ذروتها مجدداً في نهاية يوليو/تموز، عندما حول محتجون في غرب ليبيا، تحركوا في البداية بسبب انقطاع التيار الكهربائي، غضبهم نحو رئيس الوزراء وحاولوا اقتحام مكتبه في طرابلس.

وفي الأيام الأخيرة، أغلق محتجون مكاتب خمس وزارات وهيئة مكافحة الفساد للتنديد بتدهور الخدمات العامة وأزمة الكهرباء المستمرة وتدهور الأوضاع المعيشية.

وهذا يجعل احتمال صفقة مدعومة من الولايات المتحدة تبقي الدبيبة في السلطة أكثر حساسية سياسية في نظر الرأي العام، بينما تقدم لرئيس الوزراء شريان حياة.

وقال حرشاوي لميدل إيست آي: “سيكتسب الدبيبة اعترافاً على مستوى البلاد وسيكون قادراً للمرة الأولى على السفر إلى بنغازي”.

“كل من صدام والدبيبة سيكتسبان شرعية وطنية، مع إمكانية البقاء في السلطة دون انتخابات لمدة سنة على الأقل، وربما أكثر.”

النفط والأمن يتجاوزان الديمقراطية

على الرغم من أن الانتخابات لا تزال أولوية رسمية للأمم المتحدة، مع تكرار مجلس الأمن الشهر الماضي دعوته لإجرائها، إلا أنها نادراً ما ظهرت بين أهداف بولس المعلنة ولا تبدو جزءاً من مبادرته.

ويشدد الصالحي على أن مصراتة تدعم حلاً يقوم على “تنظيم استفتاء دستوري وانتخابات”، بينما طالب المحتجون الذين نزلوا إلى شوارع طرابلس في يوليو/تموز مراراً بـ”إسقاط جميع المؤسسات السياسية، دون استثناء”، واستبدالها من خلال عملية انتخابية.

أجرى بولس، المتحدث بالعربية، سلسلة من المقابلات مع وسائل إعلام إقليمية في الأسابيع الأخيرة للترويج لجهود واشنطن في ليبيا.

وفي مقابلة مع الشرق الأوسط في 27 يوليو/تموز، صرح المبعوث الأميركي بأن “الوحدة هي أساس الشرعية والانتخابات الديمقراطية”، مما يشير إلى أن خارطة طريقه تتصور إجراء انتخابات فقط بعد التوصل إلى اتفاق لتوحيد المؤسسات.

وذلك لأن أهداف البيت الأبيض في ليبيا تتطلب شركاء مستقرين وموثوقين بدلاً من مؤسسات ديمقراطية.

منذ يناير/كانون الثاني 2025 والإعلانات عن فتح أول جولات تراخيص النفط في ليبيا منذ ما يقرب من عقدين، سعت الولايات المتحدة لدفع شركاتها للاستثمار في قطاع النفط الليبي. تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا.

وفي الوقت نفسه، كان هدف أميركي رئيسي آخر هو تعزيز التعاون الأمني مع الجيش الليبي المجزأ، ولا سيما الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر.

تلقى الجيش الوطني الليبي دعماً مباشراً من روسيا وشركاتها العسكرية الخاصة منذ الحرب الأهلية الليبية الثانية.

وفي المقابل، حصلت موسكو على حق الوصول إلى المطارات والموانئ في شرق وجنوب البلاد، وهي مناطق يسيطر عليها الجيش الوطني الليبي، مما يسهل عملياتها العسكرية في جميع أنحاء إفريقيا.

وقال حرشاوي لميدل إيست آي: “تعتقد البنتاغون أن توحيد القيادات العسكرية سيجعل من الصعب على روسيا الحفاظ على وجودها”.

وكان أحد النجاحات الأميركية الملموسة القليلة في الأشهر الأخيرة هو تمرين فلينتلوك 2026، الذي عُقد في أبريل/نيسان، وهي المرة الأولى التي تتدرب فيها وحدات من الجيش الوطني الليبي ووحدات طرابلس معاً على الأراضي الليبية.

وخلال زيارته في يوليو/تموز، كان بولس حريصاً أيضاً على لقاء الجهات الأمنية الرئيسية في البلاد: ليس فقط عائلة حفتر في بنغازي، ولكن أيضاً وزير الداخلية عماد الطرابلسي ونائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي في طرابلس، وكلاهما يقود جماعات مسلحة قوية في الغرب.

ومع ذلك، فشلت عدة أشهر من الدبلوماسية رفيعة المستوى حتى الآن في توضيح ما ستسفر عنه مبادرته بالضبط، بما في ذلك بشأن إعادة التوحيد العسكري.

وقبل كل شيء، أدى هذا الافتقار إلى الوضوح إلى تغذية الشكوك المتزايدة بشأن خطط واشنطن، على الرغم من التأييد الشعبي الواسع لتوحيد المؤسسات الليبية.

***

ادريس رجيحي – صحفي مستقل مقيم في تونس، يغطي شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. يركز عمله على الأمن والهجرة والديناميكيات الجيوسياسية في المنطقة، مع اهتمام خاص بالوجود الروسي المتزايد في إفريقيا.

__________________

صفقة محلية المنشأ أم مبادرة أمريكية؟

عبدالله الكبير

تشير بعض التحليلات السياسية لمقاربة مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي ترامب لحل الأزمة الليبية، أن مصدرها ليس بولس أو الإدارة الأمريكية، بل هي اتفاق تم داخل دائرة صغيرة في جناحي السلطة في ليبيا، وليقينهم باستحالة تسويقها و تمريرها بشكل مباشر، سواء عن طريق المؤسسات الرسمية، أو عبر حملات شعبية وإعلامية، عرضت على بولس ليتبناها ويطلقها كمبادرة أمريكية لتوحيد المؤسسات السيادية والسلطة التنفيذية، بأي صيغة مناسبة لا تشي بشكل مباشر أنها تقاسم للسلطة. 

كل الصفقات والتفاهمات السابقة بين حكومة الدبيبة ومعسكر عائلة حفتر جرت سرا برعاية أبوظبي، اتفقا على تغيير رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، بإعفاء مصطفى صنع الله وتكليف بن قدارة، ومرر الأخير عقد شركة أركنو للإستثمار في قطاع النفط، واقتطاع حصة من العائدات لمصلحة الطرفين، وتمت إزاحة محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير وتكليف ناجي عيسى بالتراضي بينهما.

لذلك فإن فرضية إعداد المقترح محليا ليقدمه بولس على أنه مبادرة أمريكية، وليست مقترحا من طرفي السلطة للاستحواذ على السلطة بشرعية دولية، يحمل بعض الوجاهة، ولكن تبني بولس لها والسعي لتسويقها، لم يخفف من حدة الإعتراض والرفض لها، ولا يتوقف الإعتراض عند مكونات وشخصيات سياسية وعسكرية على غرب ليبيا فحسب، فحتى داخل معسكر حفتر تبرز بعض التحفظات عند الأخوة حفتر، خشية على سلطاتهم ونفوذهم وتهميش أدوارهم، إذا ما صعد أحدهم في سلم السلطة، وتولى رئاسة المجلس الرئاسي كما تذهب الصفقة حسب التسريبات والتحركات. 

الكثير من الغموض يحيط بالصفقة، وهو بالتأكيد غموض مقصود لتجنب أي مؤثرات قد تساهم في عرقلتها أو تقويضها، ولكن رغم عدم الإفصاح عن الكثير من التفاصيل حول الاجتماعات السرية والمعلنة، فإن التعثر واضح وجولات التفاوض لا تتوقف، واستمرار الاختلافات حول توزيع الأدوار في السلطة التنفيذية المزمع تشكيلها، هو سيد الموقف حتى الآن، وقد انعكس هذا التعثر كما يبدو في اجتماعات لجنة 4+4، فبعد الإعلان عن حسم الجزء الأكبر من الخلافات، وقرب التوصل إلى اتفاق نهائي بحل كل نقاط الخلاف في مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات والقاعدة القانونية للانتخابات، أعلنت البعثة بشكل موارب عن الاخفاق، واستمرار التشاور في اجتماع قادم خلال اغسطس المقبل. 

يعزز فرضية المنشأ المحلي للصفقة تصريحات بولس في لقاءاته بمصراتة، فعندما طلب منه تقديم نص المبادرة مكتوبا للإطلاع عليها، رد بأنه لاتوجد مبادرة جاهزة مكتوبة لمناقشتها، وإنما يريد الاستماع لأي مقترحات أو رؤى مناسبة للتشاور بشأنها، وقبل أيام قليلة صرح عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أن مجلسه لم يستلم أي مبادرة من بولس. 

والحاصل أن بولس ألقى حجرا في المياه السياسية الليبية الراكدة منذ سنوات، دافعا كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، إلى تحسس كراسيهم ومصالحهم ونفوذهم، فتعددت وتنوعت اللقاءات والاتصالات، ولا يبدو أن ثمة ما يمضي من المبادرة أو الصفقة سوى الجانب العسكري الأمني، لأن بعض ما تم الاتفاق عليه يجري بالفعل تنفيذه، بتشكيل غرفة عمليات مشتركة ودمج قوات عسكرية برية وجوية من الشرق والغرب في سرت ومصراتة، ولكن الطريق مايزال طويلا والتحديات كبيرة، نظرا لاختلاف رؤية الجانبين في طبيعة دور القوات المسلحة ومهامها، السلطة العسكرية لعائلة حفتر في الشرق تستخدم فائض القوة في الهيمنة على كل القطاعات، وتقليص دور المجال المدني العام، بينما تؤكد القيادات العسكرية في الغرب على خضوع المؤسسة العسكرية إلى السلطة المدنية، باعتبارها إحدى أدوات هذه السلطة في عدة مهام مؤطرة بمواد محددة في الدستور. 

وبينما يتراجع زخم البدايات عن صفقة بولس، تضرب البعثة الأممية موعدا خلال شهر أغسطس لجولة جديدة للجنة 4+4، لمواصلة العمل على تحقيق توافق حول مفوضية الانتخابات والقاعدة القانونية للانتخابات، من دون أمل كبير في إحراز أي تقدم ملموس.

استمرار حالة الانسداد، ومحاولة فرض حلول خارجية لا تلبي تطلعات الشعب، قد تؤدي إلى تفجير الاوضاع وتعميق الأزمة، خاصة مع حالة الغضب السائدة حاليا بسبب تردي الخدمات، وانقطاعات الكهرباء وسط موجة حر غير مسبوقة، كما أن استمرار الوضع الحالي غير مقبول ويمكن أن يفجر الموقف إذا لم تعالج أزمة قطاع الكهرباء وباقي الخدمات، وعودتها إلى مستوى مقبول يخفف قليلا من حالة الاحتقان.

_______________