Author - manara

تزاحم المبادرات السياسية في ليبيا… حل للأزمة أم تمديد لها؟

جاكلين زاهر

المعارضون للاقتراح الأميركي يرون أنه «مجرد صفقة جديدة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة.

يجد الليبيون أنفسهم أمام تعدد مبادرات متنافسة تطرحها أطراف دولية ومحلية، يروج كل منها لامتلاك مفتاح الحل، لكن مراقبين يرون أن تعددها لا يقود إلى انفراجة، بل ينذر بإطالة أمد الأزمة وتعميق الانقسام السياسي.

وبحسب هؤلاء المراقبين، فقد تحوَّلت المبادرات من أطروحات سياسية لإنقاذ البلاد إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ، وتثبيت موازين القوى بين الأطراف المتصدرة للمشهد، سواء للحفاظ على مواقعها أو لانتزاع مكاسب سياسية أكبر، «بما يجعل الوصول إلى توافق حقيقي أكثر صعوبة».

وتتصدَّر المشهد حالياً مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، التي أثارت جدلاً واسعاً، وهي تقوم على تقارب مباشر بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها. وفي المقابل، تواصل البعثة الأممية لدى ليبيا الدفع بآلية «الاجتماع المُصغَّر»، أو لجنة «4 + 4»، للتوافق حول الإطار القانوني للانتخابات، بينما أعلن رؤساء مجالس النواب عقيلة صالح، و«الرئاسي» محمد المنفي، و«الأعلى للدولة» محمد تكالة، خريطة طريق يقولون إنَّها تستهدف إنهاء المرحلة التمهيدية، وإجراء انتخابات قبل فبراير (شباط) المقبل.

إزاء هذا التزاحم في المبادرات، لم يخفِ عضو مجلس النواب الليبي محمد حنيش قلقه، وعدَّ كثرتها «خلطاً للأوراق وتعطيلاً للحل». وانتقد حنيش في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ما وصفها بـ«ضبابية المبادرات المطروحة». وقال إن «ما يرشح منها إعلامياً يقتصر غالباً على أسماء مَن سيتقاسمون السلطة؛ بينما لم تعرض تفاصيلها على المؤسسات الليبية، وفي مقدمتها البرلمان، لتقييم قدرتها على إنهاء الانقسام أو تعميقه».

وتعيش ليبيا حالة انقسام سياسي بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان بقيادة أسامة حماد، تدير الشرق وبعض مناطق الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وبخصوص لجنة «4 + 4»، يرى حنيش أنَّها «تقترب بدرجة ما من أهداف مبادرة بولس، وقد تمهِّد أيضاً لترتيبات قائمة على تقاسم السلطة بين الشرق والغرب»، مشيراً إلى أن «خريطة رؤساء المجالس الثلاثة لم تحظَ بدعم محلي ولا بدعم أممي ودولي كبير؛ مما يُشكِّك في استمراريتها».

وتضم لجنة «4 + 4» المُشكَّلة من قبل البعثة، 8 أعضاء مناصفة بين ممثلين عن شرق ليبيا وغربها.

وبحسب حنيش، فإنَّ غالبية المبادرات المطروحة حالياً «تتجاهل المسار» الذي يعدّه الحل الأمثل للأزمة، والمتمثل في الاستفتاء على مشروع الدستور المنجز منذ عام 2017، عادّاً أنه «يُمكِّن الليبيين فعلياً من اختيار مَن يحكم بالمستقبل».

بدوره، عدّ عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، أن «كثرة المبادرات المعبرة عن مصالح أطراف بعينها تجعل المشهد أكثر تعقيداً».

وأبدى السويح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استغرابه من صمت البعثة الأممية إزاء هذا التنافس، عادّاً أنَّها مطالَبة بتقييم أي «مبادرة وفق مصلحة الشعب الليبي، لا سيما بعد سنوات طويلة من تعثر جهودها».

وانضم السويح لأصوات سياسية تحذِّر من «فرض أي مبادرة تقوم على تقاسم السلطة بين القوى النافذة في الشرق والغرب»، عادّاً أنَّ ذلك قد يثير معارضةً واسعةً، وربما يقود إلى توترات أمنية.

ووفقاً للمُتدَاول حول مبادرة بولس، يحتفظ الدبيبة بموقعه رئيساً للحكومة، بينما يتولى صدام حفتر نائب القيادة العامة بـ«الجيش الوطني» رئاسة مجلس رئاسي جديد، بديلاً عن المنفي.

وتتباين المواقف بشأن هذه المبادرة الأميركية؛ إذ يرى مؤيدوها أنَّها «قد تسهم في توحيد البلاد»، مستفيدة من ثقل واشنطن، بينما يعدّها معارضوها «مجرد صفقة جديدة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة بالبلاد قد تؤجل الانتخابات بدلاً من تمهيد الطريق إليها».

وانتقد السويح «غياب الاهتمام في مختلف المبادرات المطروحة بالقضايا المعيشية، والأوضاع الاقتصادية، مثل تراجع قيمة العملة المحلية، وإهدار الثروة الوطنية، والفساد، وملفي التهريب والهجرة غير النظامية».

وعدّ أنَّ هذا التجاهل يؤكد أن «المواطن الليبي لا يزال الحلقة الأضعف، حيث توظِّف الأطراف المحلية تلك المبادرات لتعزيز مواقعها، وتتعامل معها قوى خارجية بوصفها مدخلاً لحماية مصالحها في بلد نفطي استراتيجي».

أما المحلل السياسي صلاح البكوش، فيرى أن ما يتردد بشأن مبادرة بولس يعزِّز الانطباع بأنها «صفقة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها»، على غرار تجارب سابقة وصفها بـ«الفاشلة»، مثل «اتفاقي الصخيرات عام 2015 وجنيف عام 2021».

ورغم تأكيده أنَّ البعثة الأممية تسعى رسمياً إلى مسار انتخابي، فإنَّ البكوش يرى أن «القوى الفاعلة عمدت بشكل منفرد إلى توظيف لجنة (4 + 4) بما يخدم تطبيق مبادرة بولس».

من جهته، عدّ عضو مجلس النواب الليبي، صالح إفحيمة، في إدراج له أن «أي مبادرة قد تُمثِّل خطوةً إيجابيةً إذا أسهمت في تقريب وجهات النظر، لكن نجاحها يبقى مرهوناً باحترام إرادة الليبيين، وعدم تحولها إلى بديل عن الاستحقاق الانتخابي».

________________

قطاع الغاز الطبيعي في ليبيا: بين الإمكانات الهائلة والمعوقات الهيكلية

وائل حامد أحمد

تُعد ليبيا واحدة من أهم منتجي الهيدروكربون في أفريقيا، ولها تاريخ طويل في استكشاف وتطوير النفط والغاز. ووفقاً لبيانات منظمة أوبك، بلغت احتياطيات ليبيا المؤكدة من الغاز الطبيعي 26 تريليون قدم مكعبة في عام 2025، مما يجعلها خامس أكبر دولة من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في أفريقيا، بعد نيجيريا والجزائر ومصر وموزمبيق، ولكنها تتفوق على الكاميرون وأنغولا.

الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو إمكانات ليبيا من الغاز غير التقليدي. تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية موارد البلاد من الغاز الصخري القابلة للاستخراج تقنياً بنحو 122 تريليون قدم مكعبة.

هذا الرقم أكبر بنحو خمسة أضعاف من احتياطياتها التقليدية المؤكدة. ولوضع هذا في منظور صحيح، فإن موارد الغاز الصخري القابلة للاستخراج تقنياً في ليبيا قابلة للمقارنة إلى حد كبير مع موارد الغاز المقدرة في حوض ليفانت، والتي تقدرها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بنحو 122 تريليون قدم مكعبة.

وقد أدت الاكتشافات في حوض ليفانت إلى تحويل شرق المتوسط إلى واحدة من أكثر مناطق الهيدروكربون جاذبية لشركات النفط الدولية في العالم.

على الرغم من مواردها الهائلة، تظل ليبيا واحدة من أقل مناطق الغاز استكشافاً وتطويراً في منطقة البحر المتوسط. وقد أدى عدم الاستقرار السياسي، والتحديات الأمنية، وسنوات من نقص الاستثمار بعد أحداث عام 2011 إلى تقييد أنشطة الاستكشاف والتطوير بشكل كبير، مما ترك الكثير من إمكانات الغاز في البلاد غير مستغلة.

إذا تم تطوير موارد الغاز التقليدية وغير التقليدية بنجاح، فقد تكون الآثار الاقتصادية وعلى قطاع الطاقة تحويلية. يمكن أن يساعد إنتاج الغاز الجديد في تلبية الطلب المحلي المتزايد بسرعة في ليبيا، والحد من نقص الكهرباء المزمن، وإحياء الاستثمار في المنبع، وربما إعادة البلاد كمورد أكثر أهمية للغاز إلى أوروبا. ومع ذلك، فإن تحقيق ذلك سيتطلب بيئة استثمارية مستقرة، وسياسات طاقة واضحة، وإنفاقاً رأسمالياً كبيراً، وتقنيات متقدمة، وإطاراً تنظيمياً قادراً على الموازنة بين التنمية الاقتصادية والاعتبارات البيئية والاجتماعية.

تقلبات العرض وضيق التوازن المحلي

من منظور الإنتاج، تظل ليبيا منتجاً متواضعاً نسبياً للغاز. بلغ إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي مستوى قياسياً بلغ حوالي 3400 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2019، لكن الإنتاج تذبذب منذ ذلك الحين بسبب الاضطرابات المتكررة في إنتاج النفط وعمليات المنبع. يمثل الغاز المصاحب حوالي 40% من إجمالي إنتاج الغاز، مما يربط إمدادات الغاز ارتباطاً وثيقاً بالاضطرابات في إنتاج النفط.

الأهم من ذلك، أن أقل من نصف إجمالي إنتاج الغاز في ليبيا يتم تسويقه للاستهلاك المحلي. يتم استهلاك كميات كبيرة من خلال إعادة الحقن في مكامن النفط لتعزيز استخلاص النفط، بينما يتم حرق كميات إضافية أو استخدامها في عمليات الحقول ومرافق المعالجة. ونتيجة لذلك، مثل الغاز المسوق المتاح للاستهلاك المحلي والتصدير حوالي 45% فقط من الإنتاج الإجمالي في عام 2025.

في حين أن إنتاج الغاز المسوق قد ركد إلى حد كبير خلال السنوات الخمس الماضية، استمر الطلب المحلي في الارتفاع، مدفوعاً في المقام الأول بقطاع الكهرباء. ارتفع استهلاك الغاز المحلي من حوالي 788 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2015 إلى أكثر من 1150 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2025، مما أدى إلى استيعاب حصة متزايدة باستمرار من العرض المتاح.

مع زيادة الطلب المحلي، تضاءلت الفجوة بين الإنتاج المسوق والاستهلاك المحلي بشكل كبير، مما قلل من الكميات المتاحة للتصدير. وبالتالي، انخفضت صادرات غاز “جرين ستريم” إلى إيطاليا من حوالي 700 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2015 إلى أقل من 100 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2025.

يمثل هذا الخلل المتسع بين العرض والطلب أحد أكثر التحديات خطورة التي تواجه قطاع الغاز في ليبيا. وبدون استثمار كبير في تطويرات الغاز الجديدة، ومشاريع الحد من الحرق، وتحديث البنية التحتية، قد لا يكون نمو الإنتاج المستقبلي كافياً لتلبية الطلب المحلي. قد يستلزم هذا الوضع استيراد الغاز الطبيعي المسال لسد فجوة العرض والطلب، أو ترك قطاع الكهرباء يعاني من انقطاعات مطولة في التيار.

استغلال الفاقد: استعادة غاز الحرق كمصدر للإمداد

لا يزال حرق الغاز مصدراً رئيسياً لعدم الكفاءة في قطاع الغاز الليبي. على الرغم من ارتفاع الطلب المحلي وانخفاض الصادرات، أحرقت البلاد بمعدل وسطي بلغ 614 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2024.

وإدراكاً للقيمة الاقتصادية لهذه الكميات المفقودة، أطلقت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مبادرات لاستعادة الغاز المحروق من خلال بنية تحتية جديدة للتجميع والمعالجة.

في عام 2025، نجحت المؤسسة الوطنية للنفط في تقليل حرق الغاز بنحو 100 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم من خلال سلسلة من مشاريع استعادة غاز الحرق التي تم تنفيذها بالتعاون مع شركاتها التابعة.

ساعد ذلك في خفض إجمالي الغاز المحروق إلى حوالي 514 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم. وبالنظر إلى المستقبل، تهدف المؤسسة إلى خفض الحرق بمقدار 120 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم إضافية في عام 2026 وتحقيق خفض بنسبة 60% من المستويات الحالية بحلول عام 2030، مما يوفر إمدادات غاز إضافية للاستهلاك المحلي والتصدير مع تحسين الكفاءة العامة لقطاع الهيدروكربون.

نهضة المنبع: استكشاف متجدد وزخم مؤسسي

بعد أكثر من عقد من نقص الاستثمار والاضطرابات المتقطعة، يُظهر قطاع الغاز في المنبع الليبي علامات على زخم متجدد. منذ عام 2024، كثفت المؤسسة الوطنية للنفط جهودها لجذب كبرى شركات النفط الدولية، وتسريع أنشطة الاستكشاف، وتسويق موارد الغاز غير المستغلة في البلاد.

ساعد رفع قيود الاستكشاف وإطلاق أول جولة تراخيص في ليبيا منذ ما يقرب من عقدين في استعادة اهتمام المستثمرين في واحدة من أكثر مناطق الغاز الواعدة ولكن غير المستكشفة في البحر المتوسط.

تشير النتائج المبكرة إلى انتعاش تدريجي في ثقة المستثمرين ونشاط الاستكشاف. في عام 2026، أعلنت شركة إيني عن ثلاثة اكتشافات للغاز في الكتلة D، جنوب حقل بحر السلام العملاق. وفقاً لإيني، يُقدر أن أول اكتشافين يحتويان على أكثر من 1 تريليون قدم مكعبة من الغاز القابل للاستخراج، بينما أُعلن عن اكتشاف ثالث بعد ذلك بوقت قصير، مما عزز قاعدة الموارد في حوض سرت البحري.

بالتوازي، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط مذكرة تفاهم مع شركة شيفرون تغطي فرص الاستكشاف في أحواض سرت ومرزق وغدامس، مما يسلط الضوء على تزايد الثقة بين شركات الطاقة الدولية في الإمكانات طويلة الأجل لليبيا.

على الرغم من أن هذه الاكتشافات وحدها لن تحول على الفور ميزان الغاز في ليبيا، إلا أنها تثبت أن قطاع المنبع في البلاد لا يزال واعداً للغاية وقادراً على تقديم كميات غاز تجارية. الأهم من ذلك، أنها توفر الأساس لنمو الإنتاج المستقبلي الذي يمكن أن يساعد في عكس تراجع توافر الصادرات الذي لوحظ خلال العقد الماضي.

الاستقرار المؤسسي والمشاريع العملاقة البحرية

حدثت نقطة تحول حاسمة لتسويق قاعدة الموارد الليبية في أبريل 2026، عندما وافقت الهيئات التشريعية المتناحرة في البلاد على ميزانية دولة موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي (29.95 مليار دولار). يمثل هذا الإنجاز أول إطار إنفاق وطني موحد منذ أكثر من 13 عاماً.

يخصص هذا الاختراق المالي 12 مليار دينار (1.9 مليار دولار) مباشرة للمؤسسة الوطنية للنفط، إلى جانب تخصيص رأسمالي أوسع بقيمة 40 مليار دينار مخصص للبنية التحتية للتنمية الاستراتيجية.

يوفر هذا الاستقرار المالي المعزز الأساس المالي الذي طال انتظاره لمشروع تطوير الغاز البحري الضخم “التركيبتان “. يُشغل هذا المشروع شركة ملّيتة للنفط والغاز، وهي مشروع مشترك بنسبة 50-50 بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني الإيطالية، وتبلغ قيمته 8 مليارات دولار، ويستهدف استخراج الغاز من الحقول البحرية العميقة في الكتلة D.

من المقرر أن يسلم المشروع أول غاز في عام 2027، ومن المتوقع أن يصل الإنتاج من التركيبتين إلى معدل هضبة مشترك يبلغ 750 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم. إلى جانب أهميته لقطاع المنبع، من المتوقع أن يلعب المشروع دوراً محورياً في تعزيز ميزان الغاز في البلاد من خلال توفير كميات إضافية للسوق المحلية، ودعم توليد الكهرباء، وربما زيادة توافر الصادرات عبر خط أنابيب غرين ستريم إلى أوروبا.

دور ليبيا في استراتيجية التنويع الأوروبية

تتجاوز أهمية انتعاش إنتاج الغاز الليبي سوقه المحلية. منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، اتخذ الاتحاد الأوروبي عدة إجراءات لتنويع مصادر إمدادات الغاز وتقليل الاعتماد على الواردات الروسية.

في حين لعب الغاز الطبيعي المسال دوراً حاسماً في تعويض الإمدادات الروسية المفقودة، يظل غاز خطوط الأنابيب خياراً جذاباً بسبب انخفاض تكاليف التوريد وتسليمه، وتقليل التعرض لتقلبات سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية.

تتمتع ليبيا بموقع فريد للمساهمة في استراتيجية التنويع الأوروبية من خلال خط أنابيب غرين ستريم الحالي، الذي يربط ليبيا مباشرة بإيطاليا وتبلغ طاقته 775 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم. ومع ذلك، يعمل الخط حالياً بأقل من طاقته التصميمية بسبب محدودية كميات الغاز المتاحة للتصدير.

يمكن لأي زيادة كبيرة في إنتاج الغاز الليبي أن توفر لأوروبا مصدراً إضافياً قريباً ومنخفض التكلفة نسبياً لإمدادات الغاز. بالنسبة لإيطاليا على وجه الخصوص، فإن زيادة الصادرات الليبية من شأنها أن تعزز طموحها لتصبح مركزاً للغاز في البحر المتوسط يربط منتجي شمال أفريقيا بالمستهلكين الأوروبيين.

في عام 2025، انخفضت حصة ليبيا من مزيج واردات الغاز للاتحاد الأوروبي إلى 0.3% فقط، مما يعكس الانخفاض الحاد في صادرات غرين ستريم ويؤكد مدى بقاء مستويات التصدير الحالية أقل بكثير من الكميات التاريخية.

فرصة العبور عبر الصحراء

بعيداً عن الصادرات المباشرة إلى أوروبا باستخدام قاعدة مواردها الخاصة، يمكن لليبيا أيضاً أن تلعب دوراً مهماً في مبادرات التكامل الإقليمي للغاز.

من أكثر المقترحات طموحاً هو خط أنابيب نيجيريا-النيجر-ليبيا، الذي يهدف إلى نقل احتياطيات الغاز النيجيرية عبر النيجر إلى ليبيا ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية.

على الرغم من أن المشروع ركز تقليدياً على الجزائر كبوابة للتصدير عبر خط أنابيب الغاز عبر الصحراء (TSGP)، إلا أن البنية التحتية الواسعة لخطوط الأنابيب في ليبيا، وموقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط، وقربها من الأسواق الأوروبية يمكن أن توفر طريقاً بديلاً للتصدير في المستقبل.

من شأن مشاركة ليبيا أن تعزز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة مع زيادة خيارات تنويع الإمدادات لأوروبا. ومع ذلك، لا يزال يتعين معالجة تحديات سياسية وأمنية وتمويلية وتجارية كبيرة قبل أن يتمكن مثل هذا المشروع من تجاوز مرحلة التخطيط.

الاستنتاج: مفارقة التسويق والطريق إلى الأمام

يمثل قطاع الغاز في ليبيا مفارقة مذهلة. تمتلك البلاد واحدة من أكبر قواعد موارد الغاز التقليدي في أفريقيا وإمكانات كبيرة من الغاز الصخري، ومع ذلك تظل منتجاً متواضعاً نسبياً ومصدراً صغيراً نسبياً مقارنة بإمكاناتها من الموارد.

لقد أدى ارتفاع الطلب المحلي، وقيود البنية التحتية، ومعدلات الحرق المرتفعة، وسنوات من نقص الاستثمار في قطاع المنبع إلى تقليل توافر الصادرات بشكل مطرد على الرغم من الموارد الوفيرة. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن القطاع قد يدخل مرحلة نمو جديدة. إن مبادرات الحد من الحرق الجارية، ونشاط الاستكشاف المتجدد، واكتشافات الغاز الكبرى، والاهتمام المتزايد من شركات النفط الدولية تخلق فرصاً لتوسيع العرض وتحسين ميزان الغاز في البلاد.

التحدي الرئيسي للبلاد ليس توافر الموارد، بل قدرتها على تحويل الإمكانات الجيولوجية إلى نمو إنتاجي مستدام وقابل للتسويق تجارياً. سيكون النجاح في هذا الصدد هو العامل المحدد في ما إذا كانت ليبيا ستبقى مركزة بشكل أساسي على تلبية الطلب المحلي أم ستعاود الظهور بين مصدري الغاز إلى أوروبا على المدى المتوسط.

على المدى المتوسط، من المتوقع أن يزيد إنتاج الغاز في ليبيا تدريجياً مع بدء تشغيل المشاريع الجديدة. من المتوقع أن يضيف تطوير التركيبتين وحده حوالي 750 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم من الإنتاج اعتباراً من عام 2027، بينما يمكن لمشاريع استعادة غاز الحرق الجارية أن توفر 200-300 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم إضافية بحلول عام 2030.

معاً، يمكن لهذه التطورات أن تحسن بشكل كبير ميزان الغاز في البلاد وتدعم انتعاشاً جزئياً في الصادرات عبر خط أنابيب غرين ستريم. ومع ذلك، من المرجح أن يستوعب الطلب المحلي المتزايد حصة كبيرة من الإمدادات الجديدة.

ونتيجة لذلك، من المتوقع أن تظل ليبيا مركزة في المقام الأول على تلبية الاحتياجات المحلية، على الرغم من أن كميات التصدير قد تتعافى من أقل من 100 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم في عام 2025 إلى حوالي 300-500 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم بحلول نهاية العقد، شريطة الحفاظ على الاستقرار السياسي وزخم الاستثمار.

_____________

الجنوب وجع لا يسمعه أحد وأنين في صميم الوطن

مصباح السنوسي

في عمق الجغرافيا الليبية حيث تتمدد الصحراء وتختزن الأرض كنوزًا من النفط والغاز وثروات طبيعية لا تُحصى يتردد صدى أنين خافت لإقليم بأكمله إقليم بدا وكأنه يعيش على هامش وطن لا يسمعه.

كان من المفترض لهذه الثروات أن تكون قاطرة للاقتصاد الوطني لكن الجنوب لم يكن يومًا سوى رقم مهمل في سجلات الدولة وعبء ثقيل في موازين السياسة.

تاريخ من التهميش

لعقود طويلة تعايش الجنوب مع التهميش كقدر محتوم وكأن قدره أن يبقى في الظل، ومع انهيار الدولة المركزية لم يجد الجنوب طريقه نحو البناء والتعافي بل تحول إلى ساحة مفتوحة للنفوذ وميدان خلفي لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

ولقد استدرجت مكوناته الاجتماعية وقبائله إلى أتون هذه الصراعات حيث سعى كل طرف في الشمال إلى مد يده عبر حلفاء محليين في محاولة لكسب جولة مؤقتة في معركة سلطوية طويلة دفع ثمنها أبناء الجنوب من أمنهم واستقرارهم ومن أحلامهم في غد أفضل.

ستة وعشرون بلدية جنوبية في خارطة وجع مشترك

معاناة موزعة على امتداد ستة وعشرين بلدية تمثل روح الإقليم وامتداده الاجتماعي والجغرافي من سبها إلى مرزق ومن غات إلى وادي عتبة حتى القطرون. كلها بلديات تُركت تواجه مصيرها وحدها. كل بلدية منها تروي قصة من الحرمان، ومن الانقطاع، ومن الغياب المتكرر للدولة، ومن الشعور المزمن بأن فزان ليست في حسابات من يحكم.

التدخل الخارجي بوابة للفوضى

وما يزيد الطين بلة أن الجنوب لم يعد مجرد ضحية للإهمال الداخلي المزمن بل غدا هدفًا مكشوفًا لتنافس القوى الخارجية، ولم يكن هذا التدخل وليد الصدفة بل جاء نتيجة مباشرة للفراغ الذي خلفه غياب الدولة.

فقد تحول الجنوب إلى بوابة استراتيجية للتغلغل في عمق الساحل والصحراء، ومسرح جديد للصراع الجيوسياسي المحتدم، صراع لا يجد فيه صوت الناس مكانًا، وقد وجدت مراكز النفوذ الأجنبية في هذا الفراغ بيئة خصبة للتحرك، وكلما تعمقت الفوضى اتسعت فرصها للعبث بمقدرات الإقليم.

جريمة سياسية مكتملة الأركان

إن ما يحدث في الجنوب ليس مجرد إهمال إداري بل هو جريمة سياسية مكتملة الأركان. جريمة صامتة اشترك في ارتكابها كل من تجاهل وكل من تواطأ وكل من صمت عن الظلم البين وكل من اعتلى مقعد المسؤولية ولم يحمل الجنوب أمانة في عنقه.

جريمة ارتُكبت باسم السيادة بينما تُعامل فزان كأنها عبء ثقيل على الجسد الوطني، وباسم الوحدة بينما يُقصى الجنوب عمدًا من معادلات القرار، وباسم العدالة بينما تُوزع الثروة الوطنية بميزان ظالم لا يرى إلا مصالح فئة دون أخرى.

إمكانات هائلة ومستقبل واعد ينتظر

لكن الجنوب ليس أرضًا قاحلة أو ميتة بل هو خزان هائل من الإمكانات الكامنة ففيه تكمن ثروات النفط والغاز، ويتمتع بموقع استراتيجي فريد وموارد طبيعية يمكنها أن تُغير وجه ليبيا بالكامل.

لو أن إرادة سياسية حقيقية تبلورت لكان الجنوب ركيزة أساسية للاستقرار الوطني لا عبئًا عليه. كان يمكن أن يكون منطلقًا للتنمية الشاملة، ونقطة انطلاق للتكامل الإقليمي مع دول الجوار، وكان من الممكن أن يُعاد دمجه في جسد الدولة الليبية بروح جديدة من الشراكة والعدالة.

رؤية وطنية شاملة السبيل الوحيد

إن ما يحتاجه الجنوب اليوم ليس مجرد ميزانيات تُصرف أو وعود تُطلق بل رؤية وطنية شاملة وعميقة:

  • يحتاج الجنوب إلى وجود حقيقي للدولة، وجود يعيد هيبتها ويُرسخ سيادتها.
  • يحتاج إلى مشروع تنموي مستدام يعيد بناء الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
  • يحتاج إلى أمن محلي يُبنى بسواعد أبنائه وإلى مصالحة وطنية حقيقية بين كافة مكوناته الاجتماعية.
  • يحتاج إلى من يَصْدق معه القول والفعل لا من يستخدمه كورقة تفاوضية في صراعات لا تنتهي
  • يحتاج إلى من يراه قلبًا نابضًا للوطن لا مجرد طرف بعيد أو منسي.

مسؤولية وطنية جامعة

إن قضية الجنوب اليوم ليست مسؤولية أهل الجنوب وحدهم بل هي مسؤولية وطنية جامعة تقع على عاتق كل من يطمح لنهضة ليبيا واستقرارها.

فلا يمكن لدولة أن تقوم وجزء أصيل منها يُترك للفراغ والعبث، ولا يمكن أن يتحقق الأمن الشامل وهناك رقعة واسعة من البلاد تُدار من خارج الحدود، ولا يمكن أن نبني سلامًا مستدامًا وهناك شعب بأكمله يشعر بالنسيان والتهميش

إننا اليوم أمام فرصة أخيرة لإعادة النظر، ولإعادة الاعتبار، ولإعادة رسم العلاقة مع هذا الإقليم الحيوي.

فإما أن يكون الجنوب رافعة للاستقرار والازدهار، أو أن يبقى جرحًا نازفًا في جسد وطن منهك يهدد بتقويض كل محاولات البناء.

***

مصباح السنوسي ـ عضو لجنة السياسات بالحزب الديمقراطى

_______________




اعتراف حكومة الدبيبة بالجنائية الدولية يرفع حدة الانقسام الليبي

لا يكاد الجدل السياسي في ليبيا يهدأ حتى يعود مجددًا وبحدة أكبر، في ظل استمرار الانقسام السياسي داخل البلاد وما يرافقه من تباين في وجهات النظر حول عدد من الملفات، من بينها مسألة التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية.

وتجدد الجدل أخيرا عقب توجيه رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة رسالة إلى رئيس المحكمة الجنائية الدولية، أكد فيها استمرار اعتراف ليبيا باختصاص المحكمة في الجرائم الدولية، وفقًا للإعلان الصادر عام 2011 والممتد حتى نهاية عام 2027.

وخاطب الدبيبة رئيس قلم المحكمة الجنائية الدولية، أوزغانك زقالا جايلر، عبر رسالة رسمية بتاريخ 21 مايو/أيار 2026، موضحًا أن هذا الاعتراف يقتصر على الجانب الجنائي فقط، ولا يشمل الاختصاص المدني أو قضايا التعويضات.

حفتر يتصدى

وبمجرد انتشار الخبر، سارعت حكومة الشرق الليبي التابعة للجنرال المتقاعد خليفة حفتر إلى توجيه مذكرة للمحكمة الجنائية الدولية، أكدت فيها أن ليبيا ليست دولة طرفا في نظام روما الأساسي، وأن أي قبول لاختصاص المحكمة يجب أن يصدر وفق إجراءات دستورية واضحة ومن خلال المؤسسات المخولة قانونا.

وترى حكومة أسامة حماد أن قرار الدبيبة يمثل محاولة لتجاوز السلطة التشريعية المنتخبة والتفريط في اختصاصات القضاء الليبي، في وقت تؤكد فيه المؤسسات الوطنية قدرة الأجهزة القضائية الليبية على التحقيق والمحاسبة وفق القوانين النافذة.

وشددت حكومة الشرق على أن السيادة القضائية ليست ملفا إداريا يمكن التصرف فيه بقرار تنفيذي، بل هي من صميم الاختصاصات السيادية للدولة التي لا يجوز التنازل عنها أو تقاسمها إلا وفق الأطر الدستورية والتشريعية المعتمدة.

ولم يتوقف الأمر عند الموقف السياسي، بل تطور إلى مسار قضائي بعد صدور أمر ولائي من محكمة جنوب بنغازي الابتدائية يقضي بإيقاف تنفيذ إعلان حكومة الوحدة الوطنية بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

ويرى موقع “ليبيا24” الداعم لحكومة الشرق، أن موقف الأخيرة يرتكز على مبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام المحكمة الجنائية الدولية، والذي يمنح الأولوية للقضاء الوطني متى كان قادرا وراغبا في مباشرة اختصاصاته.

وأوضح الموقع في 5 يونيو/حزيران 2026، أن حكومة حماد ترى أن القضاء الليبي ما زال يمارس مهامه ويصدر أحكامه ويباشر التحقيقات في مختلف القضايا الجنائية، الأمر الذي يجعل مبررات اللجوء إلى القضاء الدولي محل جدل واسع.

ورأى أن “الحفاظ على الاختصاص القضائي الوطني يمثل جزءا أساسيا من معركة استعادة الدولة الليبية لمؤسساتها وسيادتها بعد سنوات طويلة من الانقسام والفوضى”.

وشدد المصدر ذاته على تمسك حكومة حماد ومجلس النواب بخيار حماية القرار الوطني، ورفض أي خطوات تنتقص من سيادة الدولة أو تمنح أطرافا خارجية نفوذا إضافيا على الملف الليبي.

موقف قانوني

في خضم هذا النقاش، يرى أستاذ القانون الدستوري بجامعة سرت، عمر عبدالله، أن خطوة الدبيبة تستند إلى نص الفقرة (3) من المادة (12) من نظام روما الأساسي، غير أنها لا تمثل إجراء شكليا أو محدود الأثر، بل هي تصرف قانوني بالغ الخطورة تترتب عليه آثار واسعة قد تمتد لسنوات طويلة.

وأكد عبدالله لموقع “الساعة24” المحلي في 4 يونيو، أن الدولة التي تتقدم بإعلان قبول الاختصاص بإرادتها المنفردة، دون أن تكون طرفا في النظام الأساسي، إنما تمنح المحكمة سلطة مباشرة لممارسة ولايتها بشأن الجرائم الداخلة في اختصاصها ضمن النطاق المحدد في ذلك الإعلان.

وتابع: “بعد ذلك، لن يكون لها أي دور أو تأثير في التحكم في مسار التحقيقات أو تحديد الأشخاص الذين قد تشملهم إجراءات التحقيق والمحاكمة؛ إذ تصبح هذه المسائل خاضعة للنظام الأساسي للمحكمة ولصلاحيات أجهزتها المختلفة”.

ونوه إلى أن محاولة قصر الاختصاص على جانب دون آخر، أو فرض قيود تتعارض مع طبيعة الاختصاص الذي قرره نظام روما الأساسي، تثير إشكالات قانونية؛ لأن الدولة عند قبولها اختصاص المحكمة لا تعيد صياغة النظام الأساسي، وإنما تقبل الخضوع للمنظومة القانونية التي أنشأها ذلك النظام.

وأردف، ولذلك كان ينبغي التروي والدراسة الدقيقة قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة، موضحا أن “قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليس قرارا عابرا يمكن التراجع عن آثاره بسهولة، بل هو قرار سيادي ذو تبعات قانونية وسياسية قد تتجاوز ما تتوقعه الجهة التي اتخذته”.

جرائم موثقة

الجرائم المرتكبة من عناصر وجماعات مسلحة بليبيا وثقتها العديد من المنظمات الحقوقية والقانونية، ومنها “المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا”.

وفي هذا الصدد، ذكرت المؤسسة في منشورات عبر صفحتها على فيسبوك خلال شهر يونيو 2026، أنه تم اكتشاف مقبرة جديدة في مدينة ترهونة تُجدّد المطالب بكشف مصير المفقودين، وتحقيق العدالة ولإنصاف أسر الضحايا وملاحقة المتهمين المتورطين في ارتكاب هذه الجرائم من “مليشيا الكاني” التي كانت تسيطر على المدينة والتي كانت تحضي بشرعية القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبيّة.

وأوضحت المؤسسة أن هذه المليشيا شكلت الذراع الأساسية للقيادة العامة برئاسة الجنرال التقاعد خليفة حفتر في الحرب التي شنتها قوات القيادة العامة خلال سنة 2019م على مدينة طرابلس والمنطقة الغربية.

كما سجلت المؤسسة واقعة قيام عددا من العسكريين التابعين للواء 444 التابع للمنطقة العسكرية طرابلس التابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي بالهجوم على مركز شرطة سوق الخميس إِمسيحل وإخراج موقوفين بداخل المركز على ذمة النيابة العامة بقوة السلاح والاعتداء على ضباط وضباط صف الأمن بالمركز، مساء يوم الأربعاء 3-يونيو.

وشدد المصدر ذاته على أن هذه الممارسات الخارجة عن القانون، تقوض سيادة القانون والنظام العام والاعتداء على سلطات إنفاذ القانون والضرب بعرض الحائط بأوامر النيابة العامة من قبل وحدة عسكرية تابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي في خروج صريح عن القانون والإخلال بالنظام العام.

كما وثقت المؤسسة قيام عسكريين تابعين للواء 444 بالاعتداء الجسدي على أحد المواطنين وسط مدينة ترهونة مساء يوم الخميس 28 مايو 2026.

وفي هذا الصدد، دعت المؤسسة إلى فتح تحقيق في ملابسات وظروف الواقعة وضمان ضبط ومحاسبة مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة، وإنهاء الإفلات منّ العقاب حيال هذه الممارسات غير المشروعة والخارجة عن القانون والانتهاكات الجسيمة، وتعمّد الإساءة والاعتداءات على المواطنين من قبل المنتمين إلى بعض الجهات الأمنية والوحدات العسكرية الغير منضبطة والتي تُسئ استعمال سلطاتها الممنوحة لها.

في السياق، انتقدت المؤسسة تعرض المتهم المطلوب لدي المحكمة الجنائية الدولية المتهم (سيف النصر سليمان سنيدل) للقتل خارج نطاق القانون في ظروف غامضة بمدينة بنغازي بشرق البلاد خلال الفترة الماضية.

وأضافت، حيثُ جرى اختطافه منّ قبّل مسلحين ملثمين منّ أمام منزله الكائن في مدينة بنغازي، وبعد ذلك وجدّت جُثته في مستشفى 1200 بالمدينة، وسط استمرار الصمت حيال مقتله والغموض وعدم الإفصاح عن الواقعة من قبل السلطات في شرق البلاد.

يُذكر أن المحكمة الجنائية الدولية قد أعلنت على رفع السرية في أغسطس/آب 2025 عن مذكرة التوقيف الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بحق سيف النصر سليمان سنيدل، أحد قادة “مجموعة الـ 50” التابعة للقوات الخاصة ضمن القوات المسلحة العربية الليبية، والمتهم بارتكاب جرائم حرب تشمل القتل والتعذيب والاعتداء على الكرامة الإنسانية، والتي يُزعم ارتكابها في مدينة بنغازي وضواحيها خلال عامي 2016 و2017م.

وشددت المؤسسة على أن عمليات اغتيال مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، ما هي إلا خطوة استباقية لطمس أدلة الإثبات ضد كبار المجرمين وداعميهم، وهو الأمر الذي يُخشى أن يكون جزءا من مخطط ممنهج لتصفية شهود الإثبات ضد كبار المجرمين المطلوبين للعدالة، وللعبث بالأدلة والتحقيقات الجنائيّة.

وطالبت المؤسسة مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في حوادث الاغتيالات والقتل خارج نطاق القانون التي نالت المتهمين المشتبه بهم في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والمطلوبين لدي المحكمة الجنائيّة الدولية، وهو ما يُعد محاولة لتعطيل وعرقلة سير العدالة، والبحث في خلفيات الأطراف التي تقف وراء هذه العمليات.

إشكالات سياسية

من جانب آخر، يرى الكاتب الصحفي والناشط السياسي الليبي محمد ألامين، أن رسالة الدبيبة إلى المحكمة الجنائية الدولية ليست حدثا قانونيا معزولا، ولا تفصيلا إداريا في دفتر الحكومة، بل يعكس فشلها في ضبط السلاح المنفلت، مما يدفع بها لفتح نافذة نحو الخارج واستدعاء القانون الدولي.

وذكر ألامين لـ “الاستقلال” أن خوف حكومة الدبيبة من خصومها، والاتجاه نحو الجنائية الدولية، فيه توريط لحلفائها.

ورأى أن ما يجري يؤكد أن الملفات الكبرى في ليبيا تحولت إلى أدوات ابتزاز، ومنها ملف الميليشيات، السجون، الجرائم، العاصمة، النفط، الشرعية، الجنائية الدولية وغيرها، حيث ظاهرها قانون وباطنها صراع على البقاء.

وقال ألامين: إن الجنائية لا تدخل بلدا منقسما كضيف محايد، بل تدخل ومعها العواصم والسفارات والتقارير والضغوط والمساومات وخرائط النفوذ، محذرا من كون الخطوة قد تفتح بابا واسعا للتدخل الأجنبي في ليبيا.

وأبرز ألامين أن هناك مفارقة قاتلة قائمة، قوامها أن السلطة التي تغذت على المليشيات تريد اليوم تخويفها بالقانون الدولي، والمليشيات التي حمت السلطة قد تكتشف أنها أول من سيُقدم قربانا عند تبدل الموازين.

أما المواطن، يردف الكاتب الصحفي، “فيُراد له أن يرى المشهد كأنه معركة بين العدالة والجريمة، بينما الحقيقة أعمق: إنها معركة بين دولة غائبة، وسلاح حاضر، وخارج ينتظر لحظة الدخول من الباب الذي يفتحه أهل البيت بأيديهم”.

وذكر المتحدث ذاته أن ما يجري ينقل القرار الليبي من الشارع والمؤسسات إلى غرف التفاوض الدولية، مما يحوّل العدالة إلى ورقة ضغط، والضحايا إلى لافتة، والدم إلى مادة تفاوض.

ويرى ألامين أن المتضرر من خطورة حكومة الدبيبة هو الليبي العادي، من يريد دولة لا وصاية، وقضاء لا انتقام، وعدالة لا تُستخدم موسميا، وسيادة لا تُباع عند أول ارتباك.

واسترسل: “المتضرر هو كل من يفهم أن استدعاء الخارج لحل أزمة الداخل لا ينهي الأزمة، بل يمنحها عمرا أطول ومالكا جديدا”، مشيرا إلى أن استدعاء الجنائية الدولية قد تفتحه مراسلة من ورق، لكن إغلاق خذا الباب لن يكون بسهولة.

التزام رسمي

أكدت المحكمة الجنائية الدولية في تقريرها الـ31 المقدم إلى مجلس الأمن الدولي في مايو 2026، إحراز تقدم ملموس في مسار التحقيقات الخاصة بليبيا، مشيرة إلى أن تسليم المتهم خالد محمد علي الهيشري مثّل أول عملية تسليم فعلية منذ إحالة الملف الليبي إلى المحكمة عام 2011.

وأوضح التقرير الذي جاء عقب إحاطة نائبة المدعي العام نزهة شميم خان أمام مجلس الأمن، أن الهيشري يواجه 17 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سجن معيتيقة، تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي بحق ليبيين ومهاجرين بين عامي 2014 و2020.

كما كشفت المحكمة عن استمرار ملاحقة عدد من المطلوبين، بينهم أسامة المصري نجيم، مع الإشارة إلى وجود تسعة أوامر قبض لم تُنفذ بعد.

وانتقد التقرير ضعف تعاون مكتب النائب العام في ليبيا، مؤكدا عدم تلقي المحكمة ردودا كافية بشأن ملفات ترهونة وسجن معيتيقة ومكان وجود بعض المطلوبين.

وفي المقابل، أشادت المحكمة بتعاون حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، مقدرة أن إعلان ليبيا قبول اختصاص المحكمة حتى عام 2027 منح دفعة جديدة للتحقيقات.

التقرير أشار أيضا إلى توسع التحقيقات في الجرائم المرتكبة ضد المهاجرين، بالتعاون مع دول أوروبية ووكالة يوروبول، وسط تأكيد المحكمة أن طريق الهجرة عبر المتوسط ما يزال الأكثر فتكا في العالم، مع تسجيل مئات الوفيات منذ بداية العام الجاري.

وفي ختام التقرير، أكدت المحكمة أنها تتجه نحو تسريع المحاكمات وطلب أوامر قبض جديدة، مع التركيز على الجرائم المرتبطة بالسجون والانتهاكات ضد المهاجرين والعمليات العسكرية التي شهدتها ليبيا بين 2014 و2020.

وخلال الدورة نفسها، نقل مندوب ليبيا بمجلس الأمن الطاهر السني رسالة الدبيبة إلى المحكمة الجنائية الدولية، أكد فيها التزام حكومته بتنفيذ قرار توسيع صلاحيات المحكمة وتمديد ولايتها إلى 2027.

وشدد السني أن “هذا القرار أدى إلى تعزيز حقوق الإنسان في كل أنحاء ليبيا دون استثناء، فكلّ مجرم متحصّن بات يفكّر عشرات المرات قبل تجاوز حدود إنسانية ضحاياه”.

ونبه إلى أن حكومة الوفاق تعمل حثيثا لتفكيك المجموعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، وضمان تجنّب إفلاتها من العقاب، وأنها تعمل لتعزيز أداء مؤسسات الدولة التي تحفظ كرامة المواطن وتلتزم بالقانون.

وأدان المصدر ذاته كل الجرائم من قتل وتعذيـب وإخفاء قسري التي ارتكبت السنوات الماضية، وأن الحكومة لن تألُو جهدا في محاسبة مرتكبيها لضمان مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.

__________________

من طرابلس إلى بنغازي.. كيف تعيد تركيا هندسة نفوذها في ليبيا؟ (2)

زيد سليم

الإعمار والطاقة

يفتح الاقتصاد بابا آخر لفهم التحول التركي. فمدن الشرق الليبي، وفي مقدمتها بنغازي والبيضاء ودرنة وطبرق، تحتاج إلى مشاريع واسعة في الطرق والمطارات والمستشفيات والبنية التحتية بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام. وفي هذا المجال تمتلك الشركات التركية خبرة طويلة في السوق الليبية، تعود إلى عقود القذافي وتمتد إلى مشاريع متعثرة بعد 2011، ما يجعل عودتها إلى الشرق جزءا من ذاكرة اقتصادية قديمة لا مغامرة طارئة.

قاد صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي المرتبط ببلقاسم حفتر هذا المسار عبر توقيع عقود مع شركات تركية لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، شملت بنى تحتية ومرافق عامة ومستشفيات. كما وقع الصندوق عقودا مع شركة تركية لتطوير أنظمة الملاحة والاتصالات في 7 مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. وتمنح هذه المشاريع تركيا حضورا يوميا داخل مناطق كانت محسوبة لسنوات على خصومها المباشرين، وتخلق شبكة مصالح تربط المقاولين والمسؤولين المحليين والمؤسسات الاقتصادية بأنقرة.

يحمل ملف الطاقة وزنا إضافيا في هذه المقاربة. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن وزير النفط والغاز الليبي خليفة عبد الصادق، خلال مؤتمر طرابلس للطاقة، أن تركيا مؤهلة للعب دور مهم في مناقصات النفط والغاز الأولى منذ 17 عاما، مشيرا إلى تعاون مع شركة البترول التركية لتنفيذ مذكرة تفاهم وقعت في يونيو/حزيران 2025 بشأن المسوحات السيزمية والحفر في مناطق واعدة. وفي فبراير/شباط 2026، كشف وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن بلاده حصلت على حقوق استكشاف في حقلي نفط وغاز ليبيين بنسبة 40%، بالشراكة مع شركة ريبسول الإسبانية، ضمن استراتيجية تركية للتوسع الخارجي في قطاع الطاقة.

بهذا المعنى، لا تنفصل المصالح الاقتصادية عن الحسابات السياسية. فتركيا تعرض على الشرق الليبي حزمة تتجاوز الاتفاق البحري، تشمل شركات البناء وخطوط الطيران والحضور القنصلي والتعاون الأمني وفرص التدريب والتسليح والطاقة. أما معسكر حفتر، فيرى في هذه الحزمة فرصة لجذب استثمارات، وتنويع علاقاته، وتقديم نفسه كسلطة قادرة على إدارة مشاريع كبيرة، لا كقوة عسكرية فقط.

لكن هذا الباب يحمل مخاطر واضحة. فاقتصاد الإعمار في الشرق الليبي يتحرك داخل بيئة محدودة الشفافية، تتداخل فيها شبكات السلطة العائلية والعسكرية مع المال العام، وتضعف فيها الرقابة المؤسسية الموحدة. وإذا ارتبطت المشاريع التركية بمراكز نفوذ عائلية أكثر من ارتباطها بمؤسسات ليبية جامعة، فقد تتحول لاحقا إلى عبء سياسي على صورة تركيا لدى قطاعات ليبية واسعة.

الجيش والسياسة

تدرك تركيا أن ليبيا لا تدار بالدبلوماسية وحدها. فمنذ تدخلها العسكري عام 2020 إلى جانب حكومة الوفاق، بنت أنقرة حضورها عبر التدريب والتسليح والاستشارات والوجود العسكري القانوني المرتبط باتفاقات 2019. واليوم تستخدم الأدوات نفسها للانتقال من دعم طرف واحد إلى محاولة التأثير في بنية عسكرية ليبية أوسع.

حافظت أنقرة على قاعدة تموضعها في الغرب. ففي يوليو/تموز 2025، وقعت وزارة الدفاع التركية مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس اتفاقية تعاون عسكري تشمل التدريب وتبادل الخبرات والدعم اللوجستي بهدف تطوير قدرات الجيش. وفي يناير/كانون الأول 2025، وافق البرلمان التركي على تمديد تفويض وجود القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين ابتداء من يناير/كانون الثاني 2026. وتؤكد هذه الخطوة أن أنقرة لا تستبدل طرابلس ببنغازي، وإنما توسع هامشها الليبي مع تثبيت نقطة ارتكازها القديمة.

في الوقت نفسه، فتحت تركيا قنوات عسكرية مع الشرق. زار وفد عسكري من معسكر حفتر معرض الصناعات الدفاعية في إسطنبول، والتقى مسؤولين في قطاع الدفاع التركي، وتحدثت تقارير عن ترتيبات محتملة تشمل تدريب 1500 عنصر من قوات حفتر وتوفير معدات متطورة. كما أشارت تقارير أخرى إلى تسليم طائرات مسيرة تركية لقوات الشرق في صيف 2025، ضمن تحرك دبلوماسي أوسع يستهدف كسب تأييد أو حياد بنغازي في ملف الاتفاق البحري.


بلغ هذا المسار ذروته الرمزية في مناورات EFES 2026 على ساحل إيجة. شاركت قوات ليبية من الشرق والغرب في التدريبات تحت علم واحد، بواقع 331 جنديا من الشرق و171 من الغرب، ضمن مشاركة ليبية بلغت 502 عنصر. قدمت وزارة الدفاع التركية المناورات بوصفها تعبيرا عن رؤية “ليبيا واحدة وجيش واحد”، وهي صيغة تمنح أنقرة غطاء سياسيا للتعامل العسكري مع الطرفين من دون الظهور كقوة تدعم انقساما جديدا.

تكتسب هذه المحطة أهمية خاصة لأن فكرة جمع الشرق والغرب عسكريا بدأت تظهر أيضا في تدريبات أخرى مثل “فلينتلوك” بقيادة القيادة الأميركية في أفريقيا داخل ليبيا. لكن تركيا تمتلك ميزة مختلفة، فهي قوة لها وجود فعلي في ليبيا، وخبرة تدريب وتسليح، وعلاقات عملياتية مع الغرب، وبدأت في الوقت نفسه بناء قنوات مع الشرق. وإذا تطور هذا المسار، فقد تصبح أنقرة طرفا مؤثرا في أي ترتيبات مستقبلية لتوحيد المؤسسة العسكرية أو ضبط توازناتها.

يبقى الشق العسكري أكثر الملفات حساسية. فالطائرات المسيرة التركية ساهمت سابقا في وقف تقدم حفتر نحو طرابلس، وأي تعاون دفاعي مع معسكره سيحمل دلالة رمزية كبيرة لدى القوى الغربية الليبية. لذلك تحتاج أنقرة إلى توازن دقيق بين تطمين طرابلس، وإقناع بنغازي بجدية الانفتاح، وطمأنة مصر تجاه حدودها الغربية، وتقديم نفسها للغرب بوصفها قادرة على تقليص النفوذ الروسي والمساهمة في الاستقرار، لا تعميق الانقسام.

حسابات حفتر

من زاوية بنغازي، يحمل الانفتاح على تركيا قدرا كبيرا من البراغماتية. فخليفة حفتر، الذي تجاوز الثمانين، يدير مرحلة حساسة من ترتيب النفوذ داخل معسكره. صعود أبنائه صدام وخالد وبلقاسم إلى مواقع عسكرية واقتصادية يعكس اتجاها نحو توريث النفوذ داخل بنية شديدة القوة في الشرق الليبي، تجمع بين السلاح والمال والإدارة المحلية والعلاقات الخارجية.

يمثل صدام حفتر عنصرا مركزيا في هذا التحول. فهو أحد أبرز وجوه الجيل الصاعد داخل معسكر الشرق، وتحركاته الخارجية ولقاءاته في تركيا تعكس محاولة لتسويق قيادة جديدة قادرة على مخاطبة العواصم المؤثرة والتفاوض باسم القوة القائمة في بنغازي. بالنسبة إلى أنقرة، يتيح التعامل معه قناة مباشرة مع مركز قرار صاعد، وفرصة لاختبار حدود التعاون الدفاعي، ومدخلا مبكرا إلى ترتيبات ما بعد حفتر الأب.

تحمل هذه القناة إشكالاتها أيضا. فقد ارتبط اسم صدام حفتر بتشكيلات عسكرية متهمة بانتهاكات واسعة، كما يثير صعود أبناء حفتر مخاوف من تحويل شرق ليبيا إلى نظام عائلي مسلح. غير أن السياسة الخارجية في الساحات المنقسمة كثيرا ما تتحرك بين معيار الشرعية وموازين القوة. ومن هذا الباب تتعامل تركيا مع معسكر حفتر بوصفه واقعا لا يمكن تجاوزه في أي هندسة ليبية مقبلة.

يمنح الانفتاح على تركيا معسكر حفتر أوراقا متعددة. فهو يرسل رسالة إلى مصر والإمارات وروسيا بأنه قادر على تنويع خياراته، ويقول للعواصم الغربية إن بنغازي منفتحة على شريك من حلف الناتو، ويضغط على طرابلس عبر إظهار أن الحليف التركي التاريخي لم يعد محصورا في الغرب. كما يمنحه فرصة لتحسين موقعه في أي تسوية سياسية أو أمنية قادمة، خصوصا مع عودة الاهتمام الأميركي والأوروبي بترتيبات تقاسم السلطة وتوحيد المؤسسات.

روسيا والفراغ

يرتبط التحول التركي أيضا بتغير موقع روسيا في ليبيا. فقد ظلت موسكو لسنوات الداعم الخارجي الأبرز لمعسكر حفتر عبر مجموعة فاغنر ثم “الفيلق الأفريقي”، وعبر حضور عسكري ولوجستي جعل شرق ليبيا قاعدة مهمة لنفوذها في المتوسط والساحل الأفريقي. غير أن الحرب في أوكرانيا منذ 2022 استنزفت جزءا كبيرا من الموارد الروسية، ودفعت موسكو إلى إعادة ترتيب أولوياتها وانتشارها الخارجي.

تضيف التحولات في سوريا بعد سقوط النظام السابق هناك بعدا آخر لأهمية ليبيا في الحسابات الروسية. فموسكو باتت تنظر إلى الشرق الليبي بوصفه منصة عبور نحو أفريقيا والساحل، وورقة ضغط في المتوسط، ومجالا لتعويض ضغوط أو خسائر في ساحات أخرى. لذلك ما زال الحضور الروسي قائما ومؤثرا، حتى مع اتساع حالة عدم اليقين حول قدرته على احتكار نفوذ حفتر كما في السابق.

تفتح هذه الحالة مساحة أمام تركيا. فأنقرة لا تدخل شرق ليبيا لإزاحة روسيا مباشرة، وإنما لتقاسم المساحة معها أو موازنتها أو منعها من احتكار القرار في بنغازي. وهذا النمط مألوف في العلاقة التركية الروسية، حيث يتنافس الطرفان ويتفاهمان في الوقت ذاته، من سوريا إلى القوقاز والبحر الأسود وليبيا. وكلما امتلكت تركيا موطئ قدم داخل مناطق نفوذ روسية تقليدية، ازداد وزنها التفاوضي مع موسكو.

أما معسكر حفتر، فيستفيد من هذا التنافس لتعظيم هامش المناورة. فالعلاقة مع روسيا وفرت له دعما عسكريا مهما، لكنها لا تمنحه وحدها شرعية دولية أو مشاريع إعادة إعمار أو علاقات مريحة مع الغرب. أما تركيا فتقدم له شريكا من الناتو، وصناعة دفاعية صاعدة، واقتصادا مقاولاتيا واسع الخبرة، وعلاقة قائمة مع طرابلس يمكن توظيفها في المساومات الليبية الداخلية.

معادلة المتوسط

لا ينفصل الانفتاح التركي على بنغازي عن تحسن العلاقات بين أنقرة والقاهرة. فقد كانت مصر خلال سنوات الحرب أبرز داعم إقليمي لمعسكر حفتر، ونظرت إلى الوجود العسكري التركي في غرب ليبيا بوصفه تهديدا لأمنها القومي وحدودها الغربية. لكن مسار المصالحة التركية المصرية خفف حدة العداء، وفتح المجال أمام مقاربات أقل تصادمية في ليبيا.

تدرك تركيا أن أي تقارب جدي مع حفتر يحتاج إلى حد أدنى من عدم الاعتراض المصري. وتدرك مصر أن التواصل التركي مع بنغازي قد يكون وسيلة لضبط اندفاعة أنقرة بدل تركها خارج الحسابات، بشرط ألا يتحول إلى وجود عسكري يغير ميزان القوة قرب حدودها. ومن ثم تحاول أنقرة تقديم نفسها كفاعل قابل للتفاهم، لا كقوة اقتحامية كما ظهرت خلال ذروة معركة طرابلس.

أما اليونان، فهي الطرف الأكثر قلقا من أي تغير في موقف الشرق الليبي من مذكرة 2019. إذ بنت أثينا جزءا مهما من اعتراضها على أن الاتفاق التركي الليبي لا يحظى بموافقة مجلس النواب في طبرق. وإذا بدأ هذا المجلس بمراجعة موقفه أو بفتح نقاش فني حول المذكرة، فإن الحجة السياسية اليونانية ستتراجع، حتى مع استمرار الخلاف القانوني. لذلك تحاول اليونان بدورها تنشيط قنواتها مع الشرق والغرب الليبيين، وتستخدم ملفات الهجرة وخفر السواحل والطاقة لترميم موقعها.

حدود الاندفاع

تبدو الاندفاعة التركية نحو شرق ليبيا واسعة في أدواتها، لكنها تتحرك داخل حدود معقدة. فالانقسام الليبي ما زال قائما، وأي تفاهم مع بنغازي يبقى عرضة للاهتزاز إذا تغيرت موازين القوى داخل الشرق، أو انفجر التنافس بين أبناء حفتر وحلفائه، أو تبدلت حسابات القوى الخارجية الداعمة له. كما أن حكومة طرابلس، رغم ضعفها وصراعاتها الداخلية، تظل الحكومة المعترف بها دوليا، وتستند إليها الاتفاقات التي منحت تركيا حضورها القانوني والسياسي والعسكري في ليبيا. لذلك يصعب على أنقرة توسيع علاقتها بالشرق بطريقة تضعف الأساس الذي بنت عليه نفوذها في الغرب.

تفرض البيئة الإقليمية بدورها قيودا واضحة على الحركة التركية. فمصر تنظر إلى شرق ليبيا بوصفه امتدادا مباشرا لأمنها القومي وحدودها الغربية، وستتعامل بحذر مع أي حضور تركي واسع في بنغازي إذا بدا قادرا على تغيير توازن القوة قرب مجالها الحيوي. أما اليونان، فسترى في أي تقارب بين أنقرة وطبرق تهديدا مباشرا لموقفها في شرق المتوسط، خصوصا إذا اقترب مجلس النواب الليبي من مراجعة موقفه من مذكرة 2019 البحرية.

كما يصطدم شعار “ليبيا واحدة وجيش واحد” بواقع عسكري شديد التشظي. فالمؤسسة العسكرية الليبية ليست جسما موحدا ينتظر التدريب، وإنما شبكة واسعة من القوى المحلية والجهوية والقبلية والاقتصادية، تتداخل فيها مراكز التمويل والسلاح والولاءات الخارجية. ومن ثم، فإن جمع عناصر من الشرق والغرب في مناورات داخل تركيا يفتح قناة اتصال عملياتية مهمة، لكنه لا يكفي لصناعة جيش وطني جامع. يحتاج هذا المسار إلى إرادة ليبية أوسع، وتفاهمات دولية أكثر صلابة، وبيئة سياسية تسمح بتحويل التدريب المشترك إلى بناء مؤسسي مستدام.

تتحرك أنقرة فوق هذا الحقل الحساس بمنطق الموازنة. فهي تريد طمأنة طرابلس إلى أن حضورها في الغرب قائم، وإقناع بنغازي بأن الانفتاح عليها جدي، وتهدئة مخاوف القاهرة، والحد من اعتراض أثينا، وتقديم نفسها للغرب بوصفها قوة قادرة على موازنة النفوذ الروسي والمساهمة في ضبط المشهد الليبي. غير أن تعدد الرسائل يزيد صعوبة المهمة، لأن كل خطوة تركية تجاه طرف قد تقرأها الأطراف الأخرى باعتبارها خصما من رصيدها أو تهديدا لموقعها.

_______________

(الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون)!

فضيل الأمين 

عبارة تتكرر باستمرار… «الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون» يكررها الدبلوماسيون والمبعوثون والمندوبون والسفراء وحتى الزوار في بعض الأحيان عندما يزورون ليبيا أو يجتمعون لمناقشة ملف «ليبيا» فيما بينهم.

أما الليبيين فلهم تعبير آخر بنفس المعنى هو «الحل الليبي-الليبي».

ونحن بين العبارتين نسأل: ما معنى «يجب أن يقوده الليبيون»؟ ما هو معنى القيادة؟ ومن هم الليبيون الذين سيقودون؟ وهل سيقودون الحل أم سيقودون الليبيين؟

هل طرح مبادرات من بعض الدول بمسارات معينة وأدوات معينة تتجاوز المؤسسات الليبية يتماشى مع عبارة «الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون»،

أم يتماهي بدقة أكثر مع عبارة «الحل في ليبيا يجب أن يقوده ليبيون» بدون «أل» التعريف، أي يقوده بعض الليبيين بعينهم؟

وهل ذلك هو الحل فعلاً أم هو دفع غير مباشر أو مؤجل لصراع أو صدام دموي وخطير جديد كان يمكن تجاوزه أو كان مؤجلاً فقط.

وما معنى عبارة «الحل الليبي-الليبي» ولماذا تتكرر كلمة الليبي أكثر من مرة؟ ولماذا مرتان فقط؟ هل المشكلة هي أزمة بين طرفين ليبيين؟ أم صراع بين منطقتين أو إقليمين؟ ولماذا لا نقول «الحل الليبي» فقط؟

وما معنى الحل الليبي؟ هل هو حل تقوده مؤسسات الدولة المختصة بمعالجة الأزمات والمشاكل التي تحتاج إلى حلول؟ هل كلمة الليبي-الليبي تعني الرمزية فقط أم المؤسسات الليبية؟ أم تعني غياب الأجنبي أو استبعاده كائناً من كان؟

وماذا لو فشلت المؤسسات المعنية بالحلول في الحل الليبي بالقيام بمهمتها «الليبية-الليبية»؟ ماذا لو أصبحت هذه المؤسسات أو حتى الشخصيات هي فعلياً المعرقلة لـ«الحل الليبي-الليبي»؟

هل بعض الشخصيات التي تصرخ: نريد حلاً ليبياً-ليبياً، تعني المؤسسات الليبية أم تعني ذواتها بالتحديد؟

ولماذا فشل الليبيون في الوصول إلى حل خلال كل هذه السنوات، بل أصبح بعضهم هم الأزمة أو رجال الأزمة؟

هل سنضطر إلى أن نستنجد بالأجانب أو نطلب من الأمم المتحدة أن تلعب دور الوسيط؟
وهل عندما تلعب الأمم المتحدة دور الوسيط، هي تُفعّل «حلاً يقوده الليبيون» أم حلاً يقوده الأجانب عبر الأمم المتحدة، والليبيون سيكونون ضيوفاً على الوساطة؟

وهل إذا قاده الليبيون عبر وساطة الأمم المتحدة سيقبل به الليبيون ويعتبرونه حلاً ليبياً-ليبياً بوساطة أممية، أم سيطعنون فيه إذا لم يكن 100% يتماهى مع ما يريدون ويرغبون؟

نسبة معتبرة من الليبيين فقدت الأمل في قدرة الليبيين الذاتية على صناعة حل للأزمة الليبية من قِبل المؤسسات والسلطات الليبية المنقسمة.

ولهذا نجدهم يلقون باللائمة على «المجتمع الدولي». وعبارة المجتمع الدولي الفضفاضة أصبحت شعاراً لتنصل الليبيين من مسؤوليتهم تجاه أزمتهم.

فعلياً وعملياً ليس هناك مجموعة أو تكتل اسمه «المجتمع الدولي». هناك دول جوار ودول إقليمية ودول غير إقليمية ودول كبرى ودول أصغر، ودول متداخلة في الملف الليبي منذ 2011 بغض النظر عن حجمها أو قربها.

وهناك دول دخلت المشهد الليبي في 2014، وأخرى دخلت في 2019. ولكل منها مصالحها ومقارباتها التي قد تتماهى في لحظة مع دول أخرى أو تصطدم بها.

وهناك الأمم المتحدة التي يزداد تدخلها ودورها كلما يزداد الشقاق والصراع والحروب والانقسام بين الليبيين.

الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن لها ولاية محددة على ليبيا منذ 2011، وهذه الولاية ليست انتداباً ولا ولاية بقبعات زرقاء ولا تدخلاً عسكرياً مباشراً. ولايتها سياسية دبلوماسية للتيسير والمساعدة دون الفرض والإجبار.

ولهذا رفض بعض الليبيين حكومة السراج التي جاءت بتيسير من البعثة الأممية وقرارات مجلس الأمن، واستمر الرفض إلى حين اندلاع حرب 2019، دونما أن تتدخل الأمم المتحدة لفرض تلك المخرجات أو الحكومة على من رفضها.

كما لاحظنا أيضاً تقلباً في مواقف بعض الدول التي كانت مع مخرجات الأمم المتحدة في البداية ثم انقلبت عليها، ودولاً أخرى كانت ضد المخرجات ثم دعمتها.

اندلاع الحرب على طرابلس في 2019 استدعى تدخلاً دولياً بعد فترة طويلة عبر مسار برلين ومجلس الأمن، الذي ساهم في اتفاق وقف إطلاق النار بين الأطراف، والذي لا يزال سارياً حتى اليوم.

السؤال المحوري اليوم للجميع له شطران:

الشطر الأول: هل العبارة الدبلوماسية المتكررة من الأطراف الدولية بملكية الليبيين للحل وقيادتهم له يكمن وراءها إخلاص ويقين بذلك ممن تصدر منهم، أم أنها للاستهلاك المحلي والدبلوماسي من باب «لزوم الشغل» ليس إلا؟

وإذا كانت صدقية وإخلاصاً ويقيناً، فإلى أي حد قامت تلك الأطراف الدولية بدعم هذه العبارة أو المبدأ عملياً بالعمل المباشر مع المؤسسات الليبية ذات الشأن أو اتخذت بعض الإجراءات الضاغطة أو المواقف العقابية تجاه المعرقلين والمفسدين؟

أما الشطر الثاني: فهو لمن ينادي بالحل الليبي-الليبي.

هل يقصد بذلك المؤسسات الليبية على الرغم من كل علاتها؟ أم يقصد مجموعات وأفراداً من الليبيين ليسوا ذوي قرار أو سلطة حاكمة مبنية على المرجعية الدستورية التي تمنح المسؤولية والصلاحية لهذه المؤسسات لصناعة الحل الليبي-الليبي بناءً على المرجعيات الليبية؟

وإذا كان الجواب بنعم، ولكن المؤسسات تقاعست لسبب أو لآخر، هل قام هؤلاء بالضغط والتحريض والتشاور مع بقية القوى الليبية ليس من أجل استبدال أنفسهم بدل هذه المؤسسات، ولكن من أجل دفعها إلى الالتزام بمصلحة البلاد وتنفيذ الحل الليبي-الليبي؟

للأسف لم نشاهد اعتصامات أو مظاهرات أو حملات ضغط على هذه المؤسسات، أو على الأقل على المعرقل أو المتقاعس منها، من قبل دعاة الحل الليبي-الليبي.

بل ما وجدناه هو المسارعة في تجاوزها وطرح بدائل أخرى تعتمد كلها على شرعية وصلاحية الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا. حيث يطالبون البعثة بـ«لجنة حوار» جديدة تنشئها البعثة الأممية، وآخرون يطالبون بـ«مؤتمر تأسيسي» تؤسسه البعثة الأممية.

وهذه المطالبات كلها تصب خارج الحل الليبي-الليبي. ليس ذلك فحسب، بل حينها يبدأ الصراع والتطاحن على من يكون في لجان الحوار الأممية، وفي حالة الاتجاه نحو مؤتمر تأسيسي، من سيكون عضواً في هذا المؤتمر؟

وما إن تنطلق سوق عكاظ حتى تبدأ المساومات والصراعات والرشاوي من أجل شراء الكراسي.

ومن ينجح من هؤلاء المطالبين سَيُسبّح بحمد الأمم المتحدة، ومن يفشل في الوصول يتحول إلى سيف مسلط على البعثة والفكرة والمشروع، وسيرفض كل مخرجاته ويطعن في كل المشاركين بطريقة أو بأخرى.

وعلمتنا التجربة أيضاً أن مخرجات أي حوار أممي يقوده الليبيون وتديره الأمم المتحدة ستكون نتيجتها عند التنفيذ الفشل الجزئي في أفضل الأحوال.

كما فشل حوار الصخيرات في توحيد البلاد بعد رفض أطراف لمخرجاته، ثم عادت بعد سنوات واعترفت بها.

وكما فشل حوار جنيف في تحقيق الوحدة على الرغم من تسليم الشرق الليبي للسلطة الموازية وإنهائها، ولكن السلطة في طرابلس كانت تبحث عن نموذج حكومة سلطة في طرابلس كما كان الحال من قبل ولكن بطريقة محسنة، وانقلبت على شريكها في الشرق وعلى مجلس النواب الذي منحها الثقة.

كما فشلت في تحقيق الانتخابات التي كانت الجزء الأساسي من المهمة.

ماذا يعني ذلك؟ يعني أن المشكلة ليست في المصطلح الوهمي «المجتمع الدولي»، وليست في البعثة التي لا تملك آليات الفرض والإرغام والإلزام. والمعرقلون والفاسدون والمستفيدون من الأزمة يعرفون ذلك جيداً.

ويعني ذلك أن الحل الليبي-الليبي يجب أن يُعرّف بأنه حلّ تنتجه المؤسسات الليبية، وليس الأطراف الليبية، وليس الشخصيات الليبية، وليس القوى على الأرض، وليس المعرقلين.
إنها المؤسسات الليبية، على ضعفها وارتهان بعض من فيها لمراكز قوى معينة أو للمصالح الآنية، فهي لا تزال تملك الشرعية الدستورية والملكية القانونية والاعتراف الدولي بأنها صانعة القرار إلى يُجرى انتخابات وطنية رئاسية وتشريعية.

كما أن الحل الليبي-الليبي لا يمكن أن يكون حلاً لبعض الليبيين دون غيرهم.
فالوطن يتسع للجميع، والأزمة مست الجميع، وبالتالي فإن معالجتها تقتضي مشاركة الجميع.

لا إقصاء لأحد ولا احتكار لأحد ولا وصاية لأحد على ليبيا أو على الليبيين. وكل القوى والتيارات والمناطق والمكونات السياسية والاجتماعية مدعوة للمشاركة في صناعة الحل ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية.

فالقاعدة الصحيحة ليست من يحضر ومن يُقصى، بل أن يشارك الجميع إلا من قرر بنفسه أن يقصي نفسه من الحوار والمسار الوطني

السؤال هو: هل يمكن لهذه المؤسسات أن تعمل؟

نعم، إذا قام الشعب والناشطون والمؤمنون بالحل الليبي-الليبي بدورهم. دور الضاغط.
دور المُحرِّض. دور الغاضب. دور المهدِّد سياسياً وسلمياً لهذه المؤسسات. لا بد أن تسمع هذه المؤسسات صوت الشعب. لا بد أن تخاف وأن تُذعن لإرادة الشعب.

_______________

من طرابلس إلى بنغازي.. كيف تعيد تركيا هندسة نفوذها في ليبيا؟ (1)

زيد سليم

رست الفرقاطة التركية “قنالي أدا” في ميناء بنغازي، يوم أغسطس/آب 2025، فبدت الصورة القادمة من شرق ليبيا أقرب إلى إعلان سياسي مكثف منها إلى زيارة بحرية عابرة؛ سفينة من البحرية التركية، ووفد عسكري، واستقبال يتقدمه صدام حفتر، نجل خليفة حفتر وأحد أبرز وجوه الصعود داخل معسكر الشرق، في مدينة ارتبط اسمها لسنوات بمعسكر واجه أنقرة مباشرة على أبواب طرابلس.

بعد ساعات، اكتمل معنى المشهد بلقاء رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن مع خليفة حفتر في بنغازي، في أول اتصال بهذا المستوى بين أنقرة وقيادة الشرق الليبي منذ سنوات طويلة. كانت تركيا، قبل 5 أعوام فقط، قد تدخلت عسكريا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، وساهمت طائراتها المسيرة وخبراتها العسكرية ودعمها البحري في وقف هجوم قوات حفتر على طرابلس. أما بنغازي، التي كانت يومها في قلب المعسكر المناهض لأنقرة، فقد تحولت في 2025 إلى محطة اتصال سياسي وأمني وعسكري واقتصادي متدرج.

تكثف هذه الصورة ملامح التحول التركي الجديد في ليبيا. فأنقرة التي بنت حضورها الليبي الحديث على دعم حكومة طرابلس ومذكرتي التفاهم الأمنية والبحرية الموقعتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بدأت تعيد صياغة مقاربتها على قاعدة أوسع من الرهان على الغرب الليبي وحده. انتقلت تركيا من الارتكاز على شريك واحد إلى إدارة نفوذ موزع بين طرابلس وبنغازي، ومن حماية مكاسبها عبر حكومة الغرب إلى تثبيتها داخل معادلة ليبية أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية والموارد الاقتصادية والشرعية السياسية والقدرة على التعطيل.

تحتل مذكرة التفاهم البحرية موقعا مركزيا في هذا التحول. فقد منحت تلك الوثيقة أنقرة منفذا قانونيا وسياسيا واسعا في شرق المتوسط، وكسرت محاولات عزلها عن خرائط الغاز والطاقة التي دفعت بها اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل خلال العقد الماضي. ومع استمرار الانقسام الليبي بين مؤسسات الغرب والشرق، أدركت تركيا أن حماية هذا المكسب لا تستقر عبر طرابلس وحدها، ما دامت بنغازي وطبرق تمسكان بجزء مهم من الأرض والساحل والقرار العسكري والسياسي.

وتبدو ليبيا بالنسبة إلى تركيا ساحة لإعادة هندسة النفوذ أكثر من كونها ملفا للمصالحة الثنائية مع معسكر سابق الخصومة، فأنقرة تسعى إلى تثبيت ما ربحته في طرابلس عبر فتح أبواب بنغازي، وإلى تحويل حضورها الليبي من تحالف اضطراري فرضته الحرب إلى شبكة مصالح عابرة للانقسام الليبي. وبين الضفتين، تتحرك السياسة التركية اليوم بمنطق أكثر براغماتية، يربط الأمن بالبحر، والطاقة بالشرعية، والعلاقات مع الفاعلين المحليين بحسابات المنافسة الإقليمية والدولية.

تحول محسوب

منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، بقيت ليبيا ساحة مفتوحة لتنافس داخلي وخارجي متشابك، ومع انقسام البلاد بين سلطتين في الشرق والغرب منذ 2014، وجدت تركيا موقعها الأقرب إلى طرابلس، بينما تحرك خليفة حفتر ضمن شبكة دعم إقليمية ودولية ضمت مصر والإمارات وروسيا بدرجات متفاوتة. وحين أطلقت قواته هجومها على العاصمة في أبريل/نيسان 2019، تعاملت أنقرة مع المعركة بوصفها لحظة فاصلة تهدد حليفها الليبي ومصالحها الناشئة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.

جاء التدخل التركي مطلع 2020 ليقلب ميزان المعركة، إذ قدمت أنقرة لحكومة الوفاق دعمًا عسكريًا وتدريبيًا وتقنيًا، وأسهمت الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والخبراء العسكريون في وقف تقدم قوات حفتر نحو طرابلس. انتهى الهجوم إلى خطوط تماس جديدة، ثم إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2020. ومنذ تلك اللحظة، ثبتت تركيا حضورها في الغرب الليبي عبر التدريب والاستشارات والتعاون الأمني والحضور البحري والعسكري، مستندة إلى اتفاق أمني وعسكري ومذكرة بحرية استراتيجية وقعتها مع حكومة الوفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

غير أن التوازن الذي حمى طرابلس لم يُمكّن ليبيا من الوحدة، إذ بقيت البلاد مقسومة بين حكومتين ومؤسستين عسكريتين ونفوذين خارجيين متقابلين. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القسمة إلى معادلة ضاغطة على أنقرة. فحكومة طرابلس، رغم اعتراف المجتمع الدولي بها، ظلت محكومة بتحالفات محلية متغيرة وصراعات داخلية متكررة. أما الشرق الليبي، فقد احتفظ بكتلة عسكرية وسياسية متماسكة نسبيًا، وبنفوذ واسع في بنغازي وطبرق والجنوب ومحيط الهلال النفطي، وبقدرة عملية على تعطيل أي تسوية أو اتفاق جامع.

هنا بدأت تركيا تتعامل مع الواقع الليبي ببراغماتية أوسع؛ فالشرعية تمنح طرابلس الغطاء القانوني، لكن السيطرة على الأرض والموارد ومفاصل القرار في الشرق تمنح معسكر حفتر وزنًا لا يمكن تجاوزه. ومن ثم، بدت مكاسب تركيا في الغرب الليبي ناقصة ما دام الشرق خارج حساباتها. فمجلس النواب في طبرق لم يصادق على مذكرة 2019 البحرية، وقوات حفتر تسيطر على مساحات واسعة من الجغرافيا الليبية، وأي ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية طويلة الأمد تحتاج إلى قناة مفتوحة مع بنغازي وطبرق.

من هذا المدخل يمكن فهم التحرك التركي خلال 2025 و2026، فقد انتقلت أنقرة من إدارة خصومة صلبة مع الشرق إلى احتواء هذه الخصومة وفتح مسارات اتصال متدرجة معه. أرادت تركيا الحفاظ على طرابلس داخل دائرة نفوذها، وفي الوقت نفسه منع بنغازي من التحول إلى منصة دائمة لمعاداة مصالحها في شرق المتوسط. كما سعت إلى توسيع أدواتها من الدعم العسكري المباشر إلى شبكة أوسع تشمل الأمن والدفاع والطاقة وإعادة الإعمار والملاحة والتدريب، والاتصالات السياسية.

بدأت مقدمات هذا التحول قبل 2025. ففي فبراير/شباط 2024، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده ستعيد فتح قنصليتها في بنغازي، مؤكدًا رغبة أنقرة في العمل مع شرق ليبيا وغربها من أجل الاستقرار. وفي يناير/كانون الثاني 2025، استأنفت الخطوط الجوية التركية رحلاتها إلى بنغازي للمرة الأولى منذ 10 أعوام، بواقع 3 رحلات أسبوعيًا، في خطوة حملت بعدًا اقتصاديًا ورمزيًا يتجاوز حركة الطيران ذاتها. فالرحلات المنتظمة تعني إعادة وصل المدينة بالفضاء التركي، وفتح الباب أمام رجال الأعمال والوفود الفنية وشركات الإعمار.

في موازاة ذلك، ظل ملف الطاقة حاضرًا في خلفية التحرك التركي. فقد وقعت أنقرة مع طرابلس في أكتوبر/تشرين الأول 2022 مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الهيدروكربونات، بعد مذكرة ترسيم الحدود البحرية لعام 2019. رفض البرلمان الشرقي هذه التفاهمات واعتبرها غير ملزمة، غير أن أنقرة تعاملت مع الرفض بوصفه دافعًا إضافيًا لفتح قناة مع طبرق وبنغازي، لا سببًا للاكتفاء بالغرب. فحماية الاتفاقات البحرية والطاقة تحتاج إلى تهدئة الجبهة الشرقية، أو على الأقل تقليص قدرتها على إسقاط المكاسب التركية سياسيًا وقانونيًا.

في أبريل/نيسان 2025، دخل المسار مرحلة أكثر وضوحًا مع زيارة صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائب قائد قواته، إلى أنقرة. التقى صدام وزير الدفاع التركي يشار غولر وقائد القوات البرية الجنرال سلجوق بايراقدار أوغلو، وجرى الحديث في تقارير دفاعية عن تعاون عسكري محتمل يشمل الطائرات المسيّرة والتدريب والتجهيز. وفي الفترة نفسها، زار وفد من مجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح تركيا، في مؤشر على أن التواصل لم يعد مقتصرًا على القنوات الأمنية، إنما بدأ يمتد إلى الواجهة السياسية التي تملك مفتاحًا أساسيًا في ملف المصادقة على الاتفاقات.

بالتوازي، فتحت إعادة الإعمار بابا اقتصاديا واسعا أمام الشركات التركية في الشرق. ففي أبريل/نيسان 2025، أعلن صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي، الذي يديره بيلقاسم حفتر، توقيع عقود مع شركتين تركيتين لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، تشمل تطوير البنية التحتية وإنشاء مستشفيات. ووقع الصندوق لاحقًا عقودًا مع شركة تركية أخرى لتركيب أنظمة ملاحة واتصالات في 7 مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. منحت هذه العقود تركيا منفذًا اقتصاديًا داخل مناطق كانت حتى وقت قريب محسوبة على خصومها المباشرين.

وتظهر هذه المحطات أن السياسة التركية في ليبيا دخلت طورًا أكثر تعقيدا ومرونة، فأنقرة تحتفظ بقاعدتها الأساسية في طرابلس ومصراتة، وتواصل الاستفادة من اتفاقات 2019، لكنها توسع في الوقت ذاته هامش الحركة باتجاه بنغازي وطبرق. وتدرك أن تثبيت مصالحها في البحر والطاقة والإعمار والتدريب العسكري يحتاج إلى شبكة علاقات عابرة للانقسام الليبي، لا إلى تموضع أحادي داخل غرب البلاد.

ويمثل الانفتاح على معسكر حفتر تحولًا محسوبًا في أدوات السياسة التركية لا انقلابًا على مرتكزاتها. فتركيا تسعى إلى تحويل حضورها من اصطفاف فرضته معركة طرابلس إلى نفوذ موزع على الضفتين، ومن علاقة محكومة بمنطق الحرب إلى شبكة مصالح قادرة على الصمود وسط الانقسام الليبي. وبين طرابلس وبنغازي، تعمل أنقرة على حماية ما ربحته في الغرب عبر فتح أبواب الشرق، وعلى منع خصوم الأمس من امتلاك حق النقض الكامل على مستقبل مصالحها في ليبيا وشرق المتوسط.

دوافع التحول التركي

تتحرك تركيا في شرق ليبيا اليوم من موقع الدولة التي تريد حماية مكاسبها القديمة وفتح أبواب جديدة في الوقت نفسه، فقد دخلت أنقرة المعادلة الليبية الحديثة عبر طرابلس، وبنت حضورها على اتفاقات 2019 الأمنية والبحرية، ثم اكتشفت مع امتداد الانقسام أن الغرب الليبي يمنحها الشرعية والغطاء القانوني، بينما يمتلك الشرق قدرة واسعة على التعطيل والمساومة، ومن هنا جاءت المقاربة الجديدة التي تربط البحر بالطاقة والإعمار بالأمن والتوازنات الإقليمية بحسابات خلافة النفوذ داخل معسكر حفتر.

عقدة البحر

تقع مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 في قلب هذا التحول. فقد رسمت المذكرة إطارا لترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين السواحل التركية والليبية، وفتحت الباب أمام تعاون في استكشاف الطاقة شرق المتوسط. ومن وجهة النظر التركية، منحت الوثيقة أنقرة سندا قانونيا وسياسيا في مواجهة خرائط بحرية دفعت بها اليونان وقبرص ومصر، ومنحت الجزر اليونانية أثرا واسعا يحاصر المجال البحري التركي، خصوصا في محيط كريت.

أثارت المذكرة منذ لحظتها الأولى اعتراضات حادة من أثينا والقاهرة ونيقوسيا والاتحاد الأوروبي. رأت تلك الأطراف أن الاتفاق يتجاوز حقوق الجزر والمناطق الاقتصادية الخالصة، بينما تعاملت تركيا معه بوصفه جزءا من رؤيتها الأوسع للإنصاف في ترسيم الحدود البحرية، وامتدادا لعقيدة “الوطن الأزرق” التي تسعى إلى توسيع هامش الحركة التركية في البحار المحيطة. صادق البرلمان التركي على المذكرة في ديسمبر/كانون الأول 2019، فتحولت إلى ركيزة استراتيجية في سياسة أنقرة المتوسطية.

غير أن قوة المذكرة بقيت مرتبطة بعقدة ليبية داخلية. فقد وقعتها حكومة طرابلس المعترف بها دوليا، بينما رفضها مجلس النواب في طبرق ومعسكر حفتر، واستخدم خصوم تركيا هذا الرفض للطعن في شرعيتها الليبية. ومع استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، أدركت أنقرة أن حماية مكسبها البحري تحتاج إلى تخفيف قدرة بنغازي وطبرق على تعطيله في أي تسوية سياسية أو حكومة موحدة مقبلة.

من هنا حظي قرار مجلس النواب الليبي في يونيو/حزيران 2025 تشكيل لجنة فنية لدراسة الاتفاق التركي الليبي بمتابعة دقيقة في أنقرة وأثينا والقاهرة. القرار لم يمنح المذكرة تصديقا نهائيا، لكنه نقل العلاقة من خانة الرفض المغلق إلى خانة النقاش الفني والسياسي. وبالنسبة إلى تركيا، يكفي فتح هذا الباب لتوسيع هامش المساومة مع الشرق، وتحويل الاتفاق من وثيقة مرتبطة بطرابلس وحدها إلى ورقة قابلة للتفاوض داخل المعادلة الليبية الأوسع.

تعزز هذا الاتجاه مع توقيع المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مذكرة تفاهم مع شركة البترول التركية في يونيو/حزيران 2025، لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في 4 مناطق بحرية. هنا خرج اتفاق 2019 من مستوى الخرائط والبيانات السياسية إلى مستوى المسوح البحرية والبيانات الزلزالية واحتمالات التنقيب. صار البحر مدخلا إلى مصالح اقتصادية وطاقوية ملموسة، وصار تثبيت المذكرة مرتبطا بفرص تنقيب وعقود مستقبلية في منطقة شديدة الحساسية.

هذا المسار يفسر القلق اليوناني والمصري. فأي قبول أوسع داخل ليبيا بالاتفاق مع تركيا سيضعف قدرة أثينا على عزل أنقرة في شرق المتوسط، وسيضع القاهرة أمام توازن دقيق بين شراكتها البحرية مع اليونان وتحسن علاقاتها مع تركيا وحساسيتها تجاه شرق ليبيا بوصفه مجالا مباشرا لأمنها القومي.

يتبع

________________

صفقة يوليو في ليبيا: الدبيبة للحكومة وصدام حفتر للرئاسي وتفاهمات بشأن المصرف المركزي

كشفت مصادر ليبية خاصة لـ”عربي بوست” أن الوفد الأمريكي الذي زار طرابلس قبل يومين أبلغ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في اجتماع مغلق، بوجود مقترح أمريكي يقضي بإعادة تكليفه برئاسة الحكومة المقبلة، مقابل تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، ضمن ترتيبات سياسية يجري العمل عليها حالياً لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا.

وتسعى الأطراف المنخرطة في مسار المقترح الأمريكي إلى الوصول إلى مرحلة الإعلان السياسي مع نهاية شهر يوليو/ تموز 2026، في إطار مساعٍ أمريكية لإنتاج سلطة تنفيذية موحدة تنهي حالة الانقسام بين حكومتي الشرق والغرب، لكنها في جوهرها تقوم على تفاهم مباشر بين مركزي النفوذ الأبرز في البلاد: عائلة الدبيبة في طرابلس، وعائلة حفتر في الشرق.

وتتقاطع هذه المعلومات مع تسريبات وتقارير سابقة تحدثت عن مبادرة منسوبة إلى مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تقوم على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا عبر صيغة تبقي عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، وتطرح صدام حفتر داخل مجلس رئاسي جديد، في موازاة دفع واشنطن نحو ترتيبات مالية وسياسية أوسع.

وبينما تقدم واشنطن هذه الترتيبات باعتبارها مدخلاً لإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، تثير التسريبات المتداولة بشأنها تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية الليبية حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو تسوية انتقالية تمهد لانتخابات شاملة، أم نحو صفقة جديدة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الممسكة بالسلطة والمال والسلاح.

اجتماع أبوظبي لـهيكلةالمناصب

تشير معلومات متداولة في أوساط سياسية ليبية، تقاطعت مع ما أكدته مصادر متابعة لـ”عربي بوست”، إلى أن التفاهمات الجارية بين معسكري الشرق والغرب لا تتوقف عند إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، بل تمتد إلى عدد من المؤسسات السيادية والرقابية التي تمثل مفاتيح القرار المالي والإداري في البلاد.

وبحسب هذه المعلومات، شهدت أبوظبي خلال الفترة الماضية اجتماعاً جمع إبراهيم الدبيبة، مستشار رئيس حكومة الوحدة الوطنية، وصدام حفتر، نجل قائد قوات الشرق خليفة حفتر، تركز جانب منه على إعادة هيكلة عدد من المناصب السيادية ضمن ترتيبات أوسع يجري بحثها بالتوازي مع المقترح الأمريكي المتعلق بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا.

وبحسب المعلومات التي حصل عليها “عربي بوست” من مصادر فضلت عدم ذكر اسمها لحساسية الموضوع، جرى التفاهم على إعفاء رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، واستبدال محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى بعضو مجلس إدارة المصرف رضا قرقاب، مع الإبقاء على رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه دون تغيير.

وتشير هذه التفاهمات إلى أن الترتيب الجاري لا يستهدف فقط توزيع المواقع السياسية العليا بين الدبيبة وحفتر، بل يمتد إلى مفاصل الدولة المالية والرقابية، إذ إن المصرف المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية ليست مؤسسات هامشية في المشهد الليبي، بل تمثل مفاتيح التحكم في الإنفاق العام، ومراقبة المال العام، وإدارة العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات المالية.

كما تزداد حساسية هذه الترتيبات لأن مصرف ليبيا المركزي لا يزال يقدم ناجي عيسى رسمياً بصفته المحافظ ورئيس مجلس الإدارة، فيما يظهر رضا قرقاب ضمن أعضاء مجلس إدارة المصرف، ما يجعل طرح اسمه بديلاً محتملاً يحمل أبعاداً سياسية ومؤسسية تتجاوز مجرد تغيير إداري داخل المؤسسة.

غير أن تنفيذ أي تفاهمات من هذا النوع، في حال صحتها، لن يكون قراراً إدارياً بسيطاً أو قابلاً للتمرير بمجرد اتفاق بين طرفين، إذ إن المناصب السيادية والرقابية في ليبيا تخضع لتوازنات سياسية ومؤسسية معقدة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، كما أن أي تغيير في قيادة المصرف المركزي أو ديوان المحاسبة يحتاج إلى غطاء قانوني وسياسي أوسع، حتى لا يتحول إلى أزمة مؤسسية جديدة بدل أن يكون جزءاً من تسوية شاملة.

من صفقة حكم إلى صفقة مؤسسات

هذا البعد الجديد يغير زاوية قراءة “المسار الأمريكي” بأكمله، فالأمر لم يعد مجرد مقترح لتكليف الدبيبة برئاسة الحكومة وصدام حفتر برئاسة المجلس الرئاسي، بل يبدو كأنه محاولة لإعادة تركيب هرم السلطة من الأعلى إلى الأسفل: الحكومة، المجلس الرئاسي، المصرف المركزي، ديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية.

وبهذا المعنى، فإن الترتيب المحتمل لا يستهدف فقط إنهاء الانقسام بين حكومتين، بل إعادة توزيع مفاتيح القرار السياسي والمالي والرقابي بين الطرفين، إذ يحتاج الدبيبة إلى ضمان استمراره في السلطة التنفيذية، بينما يحتاج حفتر إلى اعتراف سياسي أعلى عبر صدام، فيما تحتاج أي تسوية من هذا النوع إلى ضبط المؤسسات التي تراقب المال وتتحكم في الإنفاق.

هنا تكمن حساسية التفاهمات، فإذا دخلت المناصب السيادية والرقابية ضمن تسويات سياسية مغلقة، فإن المؤسسات التي يفترض أن تكون أدوات مساءلة وضبط قد تتحول إلى جزء من معادلة تقاسم النفوذ. وهذا يعني أن التسوية، بدل أن تبني دولة مؤسسات، قد تعيد إنتاج نظام محاصصة جديد، لكن بواجهة أكثر تنظيماً.

الميزانية كمقدمة لإنهاء الانقسام

التحرك الأمريكي في ليبيا لا يبدأ من فراغ، إذ أُعلن في أبريل/ نيسان 2026، اعتماد أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ أكثر من عقد، بقيمة 190 مليار دينار ليبي، في خطوة قُدمت على أنها مدخل لإنهاء الانقسام المالي بين الشرق والغرب. وذكرت رويترز أن هذا الاتفاق جاء بعد أشهر من التيسير الأمريكي، بينما رحب به مسعد بولس باعتباره جزءاً من مسار أوسع نحو السلام والوحدة الوطنية.

كما أعلن مصرف ليبيا المركزي، في 11 أبريل/ نيسان 2026، أن المحافظ ناجي عيسى أعلن اعتماد أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، معتبراً أن الاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يمثل خطوة محورية نحو إنهاء الانقسام المالي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

لكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن الترتيبات السياسية الجارية تبدو قاصرة، إذ تتحرك واشنطن، وفق مصادر سياسية متابعة، عبر 3 سلال مترابطة: توحيد الإنفاق العام، ثم إعادة ترتيب المؤسسات المالية والرقابية، ثم إنتاج سلطة تنفيذية جديدة قادرة على إدارة هذا التوازن.

وبهذا المعنى، فإن الحديث عن تغيير محافظ المصرف المركزي أو إعفاء رئيس ديوان المحاسبة لا يبدو تفصيلاً إدارياً، بل جزءاً من صلب الترتيب السياسي. فالسيطرة على الحكومة دون ضبط المصرف المركزي وديوان المحاسبة تبقى سيطرة ناقصة، خصوصاً في بلد تُدار فيه القوة السياسية، إلى حد كبير، عبر المال العام وشبكات الإنفاق والولاءات.

هل يجري تسويق صدام حفتر دولياً؟

في موازاة التفاهمات السياسية المتداولة، برزت تحركات خارجية لافتة لصدام حفتر، كان أبرزها زيارته إلى العاصمة الفرنسية باريس ولقاؤه الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، وفق ما أوردته وسائل إعلام ليبية ودولية، وتركزت المباحثات، بحسب ما نُشر، على العلاقات الثنائية والملفات الأمنية والعسكرية وسبل دعم مسارات الاستقرار في ليبيا.

غير أن أهمية زيارة صدام حفتر إلى باريس لا ترتبط فقط بمضمون اللقاءات، بل أيضاً بتوقيتها، فهي تأتي في وقت تتزايد فيه المعلومات حول دور محتمل لصدام حفتر داخل أي سلطة تنفيذية جديدة، ما يمنحها بعداً سياسياً يتجاوز الطابع البروتوكولي أو الدبلوماسي التقليدي.

وتقرأ مصادر متابعة هذه التحركات باعتبارها جزءاً من اختبار أوسع لمستوى القبول الدولي بشخصية صدام حفتر كفاعل سياسي محتمل داخل مؤسسات الدولة الليبية، بعد سنوات ارتبط فيها اسمه بصورة أساسية بالموقع العسكري داخل معسكر والده في شرق البلاد.

كما تشير معلومات متداولة إلى احتمال قيامه بزيارة مرتقبة إلى العاصمة السعودية الرياض، فيما يبدو أنه مسعى للحصول على غطاء إقليمي موازٍ للقبول الدولي، أو على الأقل ضمان عدم وجود اعتراض من العواصم المؤثرة على أي دور سياسي قد يلعبه مستقبلاً.

لكن هذا المسار يثير في الوقت نفسه تساؤلات داخل الأوساط الليبية بشأن طبيعة التحول الجاري. فهل يتعلق الأمر بمحاولة لإدماج الشرق الليبي بصورة أكبر في مؤسسات الدولة الموحدة، أم أنه يمثل بداية انتقال النفوذ السياسي والعسكري داخل عائلة حفتر إلى جيل جديد من القيادات؟

اعتراضات ومخاوف من تجاوز المؤسسات

رغم الزخم الذي يحيط بالتفاهمات المتداولة، فإنها تواجه اعتراضات مبكرة داخل المشهد الليبي، خصوصاً من جانب المؤسسات التي تخشى أن تجد نفسها خارج ترتيبات يجري التفاوض بشأنها بعيداً عن الأطر السياسية القائمة.

فقد أعلن المجلس الأعلى للدولة في أبريل/ نيسان 2026، رفضه أي تسوية سياسية تتم خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي، مؤكداً عدم اعتداده بأي تمثيل له في أي مفاوضات أو ترتيبات لا تستند إلى تفويض رسمي صادر عنه. وجاء هذا الموقف بالتزامن مع تداول معلومات عن مبادرة أمريكية يشرف عليها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وتستهدف إعادة ترتيب السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية ومعسكر حفتر.

وتكمن أهمية هذا الاعتراض في أن المجلس الأعلى للدولة كان شريكاً في التفاهمات التي أفضت إلى اعتماد الميزانية الموحدة، لكنه يرفض في المقابل أن تتحول التفاهمات المالية إلى مدخل لفرض تسوية سياسية مغلقة.

وهو ما يعكس انقساماً واضحاً بين من يرى في المقاربة الأمريكية فرصة لإنهاء حالة الانسداد السياسي، ومن يعتبرها تجاوزاً للمؤسسات الليبية وإعادة إنتاج للسلطة عبر تفاهمات بين مراكز النفوذ السياسية والعسكرية.

ولا تقتصر التحفظات على غرب ليبيا فقط، فقد تحدثت تقارير عن وجود تباينات داخل معسكر حفتر نفسه بشأن مبادرة بولس، خاصة أن الدفع بصدام حفتر إلى واجهة المجلس الرئاسي قد يعيد ترتيب موازين القوة داخل العائلة والمؤسسة العسكرية في الشرق الليبي.

بين خارطة الأمم المتحدة ومقاربة واشنطن

تأتي هذه التحركات القائمة على أساس المقترح الأمريكي، في وقت تواصل فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الترويج لخارطة طريق تنتهي بإجراء انتخابات وطنية خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً، بعد استكمال مجموعة من الترتيبات السياسية والمؤسسية والأمنية.

وتقوم المقاربة الأممية في ليبيا على حزمة مترابطة تشمل اعتماد إطار انتخابي قابل للتطبيق، وتوحيد المؤسسات تحت حكومة جديدة، وإطلاق حوار منظم حول قضايا الحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة، وصولاً إلى انتخابات تمنح الشرعية للسلطات الجديدة.

لكن المقترح الأمريكي بشأن ليبيا، كما تعكسه التسريبات والمعلومات المتداولة، يبدو أقرب إلى منطق مختلف يقوم على توحيد السلطة أولاً عبر تفاهم بين القوى الأكثر نفوذاً على الأرض، ثم الانتقال لاحقاً إلى بقية الاستحقاقات السياسية.

وهنا يبرز أحد أكثر الأسئلة حساسية في المشهد الليبي الحالي: هل تمثل هذه الترتيبات مرحلة انتقالية مؤقتة تمهد للانتخابات، أم أنها قد تتحول إلى بديل طويل الأمد عن المسار الانتخابي نفسه؟

فإذا جرى تمرير السلطة الجديدة قبل حسم القواعد الانتخابية والضمانات المرتبطة بها، فقد تتحول الانتخابات إلى استحقاق مؤجل مرة أخرى. أما إذا ارتبطت أي سلطة تنفيذية جديدة بجدول زمني واضح وضمانات ملزمة لإجراء الانتخابات، فقد يُنظر إليها باعتبارها مرحلة انتقالية محددة الأهداف لا صفقة سياسية دائمة.

الاختبار الحقيقي لأي تسوية

ورغم أهمية التفاهمات الدولية والإقليمية، يبقى نجاح أي ترتيب سياسي مرهوناً بقدرته على الصمود داخل ليبيا نفسها، وتحديداً في العاصمة طرابلس التي ظلت خلال السنوات الماضية العامل الحاسم في نجاح أو فشل أكثر من مبادرة سياسية.

إعادة تكليف عبد الحميد الدبيبة قد تمنح المقترح الأمريكي فرصة للمرور داخل جزء من مؤسسات الغرب الليبي، لكنها لا تضمن بالضرورة قبول جميع القوى السياسية والعسكرية الموجودة في العاصمة ومحيطها، والتي تمتلك بدورها حسابات ومصالح قد لا تتطابق مع الترتيب المطروح.

وفي المقابل، فإن وضع صدام حفتر على رأس المجلس الرئاسي قد يفتح باباً واسعاً للاعتراض داخل أوساط سياسية ومدنية تعتبر أن مثل هذا الخيار يكرس انتقال النفوذ داخل العائلة الواحدة أكثر مما يعبر عن انتقال نحو دولة مدنية تقوم على المؤسسات والانتخابات.

ولهذا، فإن نجاح الترتيب المطروح لن يتوقف فقط على موافقة الدبيبة أو حفتر، ولا على الدعم الأمريكي أو الفرنسي، بل على قدرته على تحييد القوى المسلحة المؤثرة في طرابلس، وطمأنة مجلسي النواب والدولة، والحصول على غطاء أممي وإقليمي يمنع ظهوره كصفقة مفروضة من الخارج.

ولم يتسنَّ لـ”عربي بوست” الحصول على تعليق فوري من حكومة الوحدة الوطنية أو القيادة العامة أو مصرف ليبيا المركزي أو ديوان المحاسبة بشأن هذه المعلومات حتى وقت النشر.

سلطة موحدة أم محاصصة أكثر تنظيماً؟

تتقاطع المعلومات الخاصة التي حصل عليها “عربي بوست” بشأن المقترح الأمريكي بشأن ليبيا مع سلسلة من المؤشرات السياسية المتسارعة: مبادرة مسعد بولس، اعتماد الميزانية الموحدة، زيارة صدام حفتر إلى باريس، ومعلومات متداولة عن تفاهمات تتعلق بالمناصب السيادية والرقابية.

والعنوان المعلن لكل هذه التحركات هو توحيد السلطة وإنهاء الانقسام المستمر منذ سنوات، لكن خلف هذا العنوان تبرز معركة أخرى تتعلق بإعادة توزيع مراكز النفوذ السياسي والعسكري والمالي داخل الدولة الليبية. فإذا نجح هذا الترتيب ضمن إطار زمني واضح يقود إلى الانتخابات ويضمن توحيد المؤسسات، فقد يشكل مدخلاً لإنهاء الانقسام المزمن.

أما إذا تحول إلى صفقة مغلقة بين مراكز القوة التقليدية تشمل الحكومة والمجلس الرئاسي والمؤسسات المالية والرقابية، فإن ليبيا قد لا تكون أمام نهاية للانقسام، بل أمام نسخة أكثر تنظيماً منه: سلطة موحدة في الشكل، ومحاصصة سياسية ومؤسسية في الجوهر.

_________________

حرب رسمية وشعبية ورفض واسع لتوطين المهاجرين في ليبيا

على وقع انتفاضة رسمية وشعبية ضد فكرة توطين المهاجرين غير النظاميين، تعيش ليبيا حالة من الاحتقان المتصاعد، وسط تحذيرات من انتهاكات حقوقية قد تنال هؤلاء المهاجرين.

الجدل في قضية الهجرة غير النظامية تضاعف بحدة بعد تداول وثائق ومعلومات نُسبت إلى “مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين”، قيل إنها تتعلق بإصدار بطاقات لجوء بالتزامن مع مزاعم بشأن منع إعادة مهاجرين غير نظاميين إلى بلدانهم الأصلية.

سيادة وطنية

على المستوى الرسمي، أكد المجلس الأعلى للدولة الليبي موقفه الثابت والرافض لأي مشاريع أو ترتيبات أو تفاهمات، تحت أي مسمى أو ذريعة، من شأنها أن تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى توطين المهاجرين داخل ليبيا أو إعادة توطينهم، أو فرض أي واقع ديموغرافي يمس هوية المجتمع وخصوصيته.

وأوضح عبر بيان في 3 يونيو/ حزيران 2026، أن إدارة هذا الملف ومعالجة آثاره تظل من صميم الاختصاصات السيادية للدولة، وأن أي سياسات أو إجراءات ذات صلة يجب أن تنطلق من احترام السيادة الوطنية والالتزام بالتشريعات الليبية النافذة، بما يكفل حماية الحدود وصون الأمن القومي والمحافظة على المصالح العليا للدولة.

ودعا المجلس المؤسسات الوطنية المختصة والشركاء الدوليين إلى دعم جهود الدولة الليبية في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، ومعالجة الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة، بما ينسجم مع القوانين الوطنية ويحترم إرادة الدولة الليبية وسيادتها.

وشدد على أن أمن ليبيا واستقرارها ووحدة نسيجها الاجتماعي وهويتها الوطنية ثوابت راسخة لا تقبل المساومة أو الانتقاص تحت أي ظرف أو مبرر، وأن أي مقاربة لهذا الملف يجب أن تراعي هذه الثوابت وتحفظ للدولة الليبية حقها الكامل في حماية مصالحها العليا ومستقبل أجيالها.

بدورها، أكدت الحكومة المكلفة من مجلس النواب، رفضها القاطع لأي محاولات أو برامج أو ترتيبات تستهدف توطين أو إعادة توطين المهاجرين غير النظاميين داخل الأراضي الليبية.

وأوضحت عبر بيان في 3 يونيو، أن إدارة ملف الهجرة والوجود الأجنبي داخل البلاد هي اختصاص أصيل للدولة الليبية، ويتم التعامل معه وفق القوانين والتشريعات الوطنية النافذة.

ودعت الحكومة الأجهزة الأمنية والعسكرية وجهاز مكافحة الهجرة غير النظامية إلى تكثيف حملات الضبط والحصر الميداني، ومراجعةِ أوضاع الأجانب المقيمين داخل البلاد، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، إضافة إلى ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.

على المستوى التشريعي، أكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب، فوزي النويري، رفض ليبيا لأي محاولات أو ترتيبات تستهدف توطين المهاجرين داخل أراضيها أو فرض واقع ديموغرافي جديد على الشعب.

وشدد النويري في كلمة للشعب، أن قضية الهجرة غير النظامية “تمثل تحديا يمس الأمن القومي والسيادة الوطنية”.

ونبه إلى أن ليبيا، رغم التزامها بالقيم الإنسانية والقانون الدولي، ترفض أي ترتيبات تمس سيادتها الوطنية أو تؤثر على تركيبتها السكانية.

من جانبها، أكدت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية، مطلع يونيو 2026، تمسكها بالثوابت الوطنية في التصدي للظاهرة وموقفها الرافض للتوطين.

وأعربت الخارجية في بيان عن التزامها بحماية الأمن القومي الليبي، وحقوق مواطنيها، واحترام التزاماتها الدولية، وأنها تراهن على وعي الشعب بحقه في حرية التعبير واحترام القانون.

احتجاج شعبي

على المستوى الشعبي، شهد عدد من المناطق بليبيا وقفات ومظاهرات ضد توطين المهاجرين، وضد بقاء مفوضية الهجرة في البلاد.

وفي هذا السياق، أصدر “المجلس الاجتماعي السراج” بيانا من موقع مظاهرة نظمها في 4 يونيو، أعلن فيه الإغلاق الرسمي لمقر مفوضية شؤون اللاجئين.

وأكد المجلس رفضه لاتفاقية توطين المهاجرين غير النظاميين في ليبيا، مطالبا باتخاذ إجراءات حازمة تجاه المتسللين وحماية السيادة الوطنية.

كما رفض البيان استيعاب أي عمالة أجنبية داخل ليبيا إلا عبر القنوات الرسمية المعتمدة، مستندا إلى القانون رقم 19 لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير النظامية والقانون رقم 2 لسنة 2004 المنظم لدخول وإقامة الأجانب.

كذلك اقتحم مواطنون ليبيون الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية للدعم في ليبيا بمدينة جنزور غربي البلاد، في 4 يونيو.

وخلال تصريح للصحافة، أكد رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، عبد المنعم الحر، أن حادث اقتحام مقر البعثة الأممية يمثل “تصعيدا خطيرا يتجاوز حدود التعبير السلمي عن الرأي”.

وقال الحر: إن ما وقع يمكن وصفه بـ”انتهاك الحصانات الدبلوماسية، إذ تشكل هذه الأفعال خرقا واضحا للقوانين والأعراف الدولية، لا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، واتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة”.

وشدد على أنه يقع على عاتق الدولة المضيفة التزام قانوني صارم بحماية مقرات البعثات وموظفيها، ومنع أي اقتحام أو إساءة لها.

تداعيات متعددة

ورأى الناشط السياسي، عبد الله الغرياني، أن الحراك الشعبي الرافض لتوطين المهاجرين في ليبيا، يختلف عن التحركات السابقة من حيث اتساع نطاقه وارتباطه بمخاوف متزايدة لدى المواطنين بشأن التداعيات الديموغرافية والسيادية للهجرة غير النظامية.

وشدد الغرياني وفق موقع “الساعة24” المحلي في 5 يونيو، أن القضية تجاوزت البعد الأمني وأصبحت مرتبطة بمستقبل الدولة الليبية وتركيبتها السكانية.

ويرى أن المطالب المطروحة تنطلق من ضرورة تنظيم ملف الهجرة وصون السيادة الوطنية والحفاظ على التوازن الديموغرافي بعيدا عن أي مسائل عنصرية أو تمييزية.

وأوضح الغرياني أن تنامي الرفض الشعبي للهجرة غير النظامية جاء نتيجة شعور متزايد لدى الليبيين بأن هذا الملف بات يتخذ مسارات تتجاوز الأطر المؤقتة المعروفة دوليا.

ولفت إلى أن منح بعض المهاجرين بطاقات تعريف أو وثائق انتظار من قبل جهات دولية معنية بشؤون اللاجئين أثار مخاوف واسعة بشأن إمكانية تحول الإقامة المؤقتة إلى واقع دائم ينعكس على البنية السكانية للدولة.

وأشار الغرياني إلى أن جذور الظاهرة تعود جزئيا إلى السياسات السابقة والانفتاح الليبي على العمق الإفريقي عبر مشاريع اقتصادية وسياسية واتحادية، وهو ما أسهم في ترسيخ صورة ليبيا لدى العديد من الشعوب الإفريقية بصفتها وجهة واعدة للهجرة والعمل.

ورأى أن التعامل مع ملف الهجرة، يجب أن ينطلق من تقديرات السيادة والأمن والتنظيم القانوني، لافتا إلى أن الاتهامات الموجهة للمجتمع الليبي بممارسة العنصرية تتجاهل التحديات الحقيقية المرتبطة بتدفقات المهاجرين واتساع نطاق الظاهرة خلال السنوات الأخيرة.

وأرجع الغرياني تفاقم أزمة الهجرة غير النظامية إلى غياب السيطرة الفعالة والتراخي في إدارة الملف خلال السنوات الماضية، مقدرا أن تراكم أعداد كبيرة من المهاجرين داخل المدن الليبية خلق تحديات أمنية واجتماعية وإنسانية متزايدة تتطلب معالجة عاجلة ومنظمة.

بدوره، حذر المستشار في الأمن القومي، فيصل بوالرايقة، من تداعيات التحركات الدولية المتزايدة المرتبطة بملف الهجرة في ليبيا، قائلا: إن بعض المقترحات المتداولة بشأن تخصيص مواقع أو تجمعات للمهاجرين قد تمهد لتحويل البلاد إلى مركز استقبال مؤقت يتحول بمرور الوقت لواقع دائم.

وأوضح بوالرايقة في حديث لتلفزيون “المسار” في 5 يونيو، أن عددا من الدول الغربية، من بينها إيطاليا وألمانيا وهولندا وكندا، إلى جانب جهات وشركات أخرى، تشارك في تمويل برامج ومشروعات مرتبطة بإدارة ملف الهجرة.

وأضاف أن هذه الدول تُعد من أكثر الأطراف المستفيدة من الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا عبر البحر المتوسط، الأمر الذي يدفع إلى طرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لبعض هذه البرامج وآثارها المستقبلية على ليبيا بصفتها دولة عبور رئيسة للمهاجرين.

وأشار إلى أن دولا أخرى، بينها أستراليا والنرويج والسويد، أبدت استعدادها للمساهمة في تمويل برامج مرتبطة بملف الهجرة، مقدرا أن تزايد هذا الدعم الدولي قد يؤدي تدريجيا إلى تكريس ليبيا كمحطة أو مقر مؤقت للمهاجرين، قبل أن يتحول ذلك إلى أمر واقع يصعب التعامل معه مستقبلا.

كما انتقد بوالرايقة غياب الشفافية وضعف الأداء المؤسسي في التعامل مع ملف الهجرة، مؤكدا أن المعلومة المتاحة للرأي العام الليبي ما تزال ناقصة ومحدودة مقارنة بحجم البيانات التي تمتلكها الجهات الدولية العاملة في هذا المجال.

وشدد على أن ملف الهجرة بات يشكل قضية ذات أبعاد إستراتيجية تمس مستقبل الدولة الليبية، داعيا إلى تبني مقاربة شاملة، بما يضمن حماية المصالح الوطنية وتعزيز قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة ومستندة إلى المعرفة الدقيقة بالواقع.

نماذج معاناة

ونشر حساب “اللاجئين السودانيين في شمال وشرق إفريقيا” عبر فيسبوك تعليقا في 5 يونيو 2026 على الأحداث الجارية بليبيا، مؤكدا أن المهاجرين السودانيين “وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع جديد لا يقل قسوة عن الواقع الذي فروا منه”.

وأضاف الحساب: “ففي ظل تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين واللاجئين في ليبيا، أصبح السودانيون هدفا للتمييز والتضييق والانتهاكات المختلفة”.

وسجل تكرر الشكاوى المتعلقة بالاعتقالات التعسفية والابتزاز وسوء المعاملة والاستغلال الاقتصادي، بينما يعيش آلاف اللاجئين في ظروف إنسانية هشة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

وشدد الحساب على أن “اللاجئ السوداني ليس مجرما ولا غازيا ولا عبئا يجب التخلص منه، بل هو إنسان اضطرته ظروف الحرب إلى البحث عن مأوى آمن”.

وأردف “ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتداء عليه بسبب جنسيته أو وضعه القانوني يمثل انتهاكا صريحا للمبادئ الأساسية التي قامت عليها منظومة حقوق الإنسان العالمية”.

وأكد المصدر ذاته أن “الصمت أمام الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون السودانيون لا يهدد حقوقهم وحدهم، بل يهدد مصداقية النظام الدولي بأكمله”.

في هذا السياق، قالت “منظمة رصد الجرائم في ليبيا” (رصد) إنها تتابع بقلق بالغ تصاعد الانتهاكات الجسيمة، وخطاب الكراهية، والتحريض على العنف التي تستهدف المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء والعمالة الوافدة في ليبيا، منذ بداية يونيو 2026.

وأضافت المنظمة في بيان، “بما في ذلك الاعتقالات التعسفية، واقتحام أماكن السكن والطرد منها، والاعتداءات الجسدية واللفظية، بالتزامن مع تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضدهم، في مختلف أنحاء البلاد”.

وذكرت المنظمة أنها رصدت حملات اعتقالات جماعية واسعة استهدفت مهاجرين وعمالة وافدة في شرق وغرب ليبيا، خاصة في مدن طرابلس وبنغازي وإجدابيا والبيضاء، بينهم نساء وأطفال.

واسترسلت: “كما وثّقت رصد مداهمة مساكن يقيم فيها مهاجرون وطردهم منها، إلى جانب تعرض عدد منهم لاعتداءات جسدية ولفظية، شملت نساء وأطفالا وأشخاصا يعانون من أوضاع صحية خاصة”.

وأشارت “رصد” إلى أن حملات الاعتقال تقودها أجهزة أمنية وجماعات مسلحة تابعة للسلطات في شرق وغرب ليبيا.

وطالبت السلطات في الشرق والغرب بوقف جميع الانتهاكات المرتكبة بحق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وضمان حمايتهم من الاعتداءات والطرد القسري وخطاب الكراهية، والامتناع عن أي عمليات ترحيل أو إعادة قسرية قد تعرّضهم لخطر الاضطهاد أو غيره من الانتهاكات.

مقاربة حقوقية

وقال الناشط الحقوقي الليبي المهتم بقضايا الهجرة، طارق لملوم، إنه وردت استغاثات من عدد من عائلات السودانيين التي تعرضت للطرد من مساكنها، وأن العديد من هذه العائلات اضطرت إلى الاختباء في أماكن مهجورة أو غرف مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش.

وأكد لملوم لـ”الاستقلال”، أن “هذه الأسر تعيش حالة من الخوف والقلق، ما يدفعها إلى تجنب الخروج والتنقل خشية التعرض للتوقيف أو الاستهداف، الأمر الذي انعكس سلبا على قدرتها على توفير الغذاء والمياه والاحتياجات الأساسية لأطفالها”.

وأضاف “كما تزداد المخاوف بشأن الأوضاع الإنسانية والصحية لهذه العائلات في ظل استمرار حالة المطاردة وانعدام البدائل الآمنة للسكن”.

وذكر لملوم أن “موجة العنف تطال حتى بعض المواطنين من ذوي البشرة السمراء”، مشيرا إلى مقطع فيديو منتشر لشاب ليبي يقول فيه: إنه اضطر إلى نشر صورة جواز سفره الليبي وإثبات هويته أمام الجميع، بسبب حملات أمنية وممارسات استهداف قائمة على لون البشرة والملامح.

وبشكل عام، أكد الناشط الحقوقي أن ما نشهده اليوم من مزايدات تحت شعار “رفض التوطين” يتجاهل الأسباب الحقيقية لتكدس المهاجرين في بعض المناطق.

وأشار إلى أن “الجميع يعلم من يدير شبكات التهريب، ومن يوفر الحماية، ومن يستفيد ماليا من استمرار هذه التجارة، وأن المشكلة لا تبدأ من الوكالات الدولية ولا من اللاجئين، بل من اقتصاد قائم على التهريب والاستغلال والابتزاز”.

وشدد لملوم أن من يريد مكافحة الهجرة غير النظامية فعليه أن يبدأ بمواجهة المهربين والمتاجرين بالبشر داخل مدينته، لا بإصدار بيانات شعبوية تستهدف الضحايا وتتجنب الحديث عن المتورطين الحقيقيين.

وعليه، يرى المتحدث ذاته، أن “مكافحة تهريب البشر تبدأ من كشف الشبكات التي تجني الملايين من هذه التجارة، لا من رفع الشعارات وإخفاء الحقائق”.

ولفت إلى أن ما يحدث اليوم في ليبيا هو في جوهره تصعيد ناتج عن التنافس على إدارة ملف الهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي. فبعد سنوات من احتكار حكومة طرابلس لهذا الملف، بدأت بنغازي تدخل بقوة على خط التعاون الأوروبي، بما يحمله ذلك من نفوذ سياسي ومشاريع ودعم مالي.

ورأى أن “الحملة الحالية ضد المفوضية والوكالات الدولية تبدو جزءا من صراع أوسع حول من سيكون الشريك الليبي الرئيس للاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة ومن سيحصل على النصيب الأكبر من الدعم والأموال الأوروبية”.

وقال لملوم: إن “من يعترض على وجود المهاجرين أو على سياسات الهجرة في ليبيا، فالأجدر به أن يوجه احتجاجه إلى الجهات التي تدير هذا الملف وتضع سياساته، لا إلى الجهة التي يفترض أن تقدم الحماية للفئات الأكثر ضعفا”.

_____________

«الوصوليّة» ظِلّ السُّلطة الفاسدة!

سالم الهنداوي

كثيراً ما تكثر المترادفات اللغوية حيال جملة الصفات السيئة النكراء في حياة البشر غير الأسوياء، وكثيرها نعتية، وغالبها «ماجنة» تخدش الحياء..

فبماذا إذاً نصف الشخص المرتشي والانتهازي والمنافق بغير كونه آفاقاً ومحتالاً ورخيصاً وبلا أخلاق؟..

ولا تنتهي هنا مفردات النعت إلى نابيات السب والشتم، وبما لا يسمح به النشر ومقام الطرح البَنّاء في حالة اجتماعية وغالبة ثقافية يهتز لها المجتمع، ومصدرها بالدرجة الأولى كان «أخلاقياً»..

ومن السقوط الأخلاقي يظهر الشخص «الوصولي» الذي بطبيعته يسعى إلى تحقيق مصالحه الشخصية بأي وسيلة ممكنة، ولو على حساب القيم والمبادئ والأخلاق..

وغالباً ما يُقترن مفهوم «الوصولية» بالنفاق والتملق والانتهازية، وكلها صفات نعتية سيئة تصاحب حياة الوصولي إلى مماته، وبعضها يلتصق به لقباً تحمله ذريته من بعده.

ليست «الوصولية» في هذا السياق حادثة طارئة في حياة المجتمعات، ولا انحرافاً أخلاقياً عابراً يمكن عزله في أفراد بعينهم، بل هي بنية خفية، تكاد تكون قانوناً غير مكتوب ينهض كلما اختل ميزان القيم واضطربت العلاقة بين السلطة والمعنى..

والوصولي هنا ليس مجرد شخص انتهازي، بل هو نتاج تاريخي كائن تشكل في الفراغات التي تركها العقل الجمعي حين عجز عن تحويل المبادئ إلى مؤسسات نافعة، والفضائل إلى نظام قائم على العدل.

منذ أن وُجدت «السلطة» بوصفها مركز جذب، وُجد من يتحلق حولها لا بدافع الخدمة، بل بدافع الصعود حيث يمتزج المقدس بالسياسي..

وتاريخياً كان الوصولي كاهناً أو عرافاً أو قريباً للحاكم، يقرأ الغيب كما ينبغي للسلطة أن تسمع، فلم يكن بحاجة إلى قوة السيف، بل إلى مرونة الضمير واللسان. وهنا وُلدت الوصولية بوصفها فناً مبكراً في تأويل الرغبة العليا، لا في قول الحقيقة المثلى.

في الإمبراطوريات القديمة، خصوصاً الرومانية والفارسية، تبلورت الوصولية كوظيفة غير معلنة، فالبلاط لم يكن فضاءً للكفاءة بل حلبة للنجاة، ومن لا يتقن الإيماء قبل الأمر، والابتسامة قبل القرار، يُقصى أو يُمحى من الوجود.

والوصولي في هذا السياق لم يكن شريراً بالضرورة، بل كان واقعياً حد القسوة، يدرك أن التاريخ لا يكافئ النبلاء دائماً، بل من يحسنون الوقوف في المكان المناسب لحظة الانهيار.. ومع العصور الوسيطة لبست الوصولية لباساً أكثر تعقيداً.

وفي ظل هيمنة الدين لم تعد الطريق إلى السلطة تمر فقط عبر الحاكم، بل عبر السماء نفسها، فصار الوصولي فقيهاً بلا تقوى وناسكاً بلا زهد.. وهنا حدث التحول الأخطر، فلم تعد الوصولية سلوكاً سياسياً فقط، بل أصبحت خيانة للمعنى، إذ حين تُستعمل القيم العليا كوسيلة لغاية تفقد قدرتها على النقد، وتتحول إلى مجرد وجوه مزيفة في مجتمع يعيش على الخديعة.

في عصر النهضة وبداية الدولة الحديثة لم تختفِ الوصولية، لكنها صارت مع الزمن أكثر وعياً بذاتها.. فميكيافيللي في كتابه «الأمير» لم يخلق الوصولي بل كشفه، ولم يدعُ إلى الانتهازية بقدر ما أزاح الستار عن منطق السلطة العاري..

ومنذ تلك اللحظة دخلت الوصولية مرحلة التبرير الفلسفي، فلم تعد رذيلة ساقطة بل ضرورة ملحة، ولم تعد انحرافاً أخلاقياً بل حنكة وشطارة.. وهنا انفتح الباب أمام أخطر أشكالها، وهي أن «الوصولي» الذي يؤمن أن الأخلاق ترف لا يليق بعالم الصراع المادي.

مع نشوء «الدولة البيروقراطية» الحديثة وانتشار الأحزاب والمؤسسات، ظن الإنسان أن الوصولية ستتراجع أمام سيادة القانون، لكنها لم تفعل، بل تحولت إلى خطر ساكن، حيث صار الوصولي ابن النظام لا نقيضه، يتقن لغة اللوائح ويجيد اللعب على حواف القوانين، وأصبح مع الممارسة يعرف كيف يصعد من داخل النص لا من خارجه.

وفي هذا السياق لم يعد الوصولي صاخباً في علاقاته أو فظاً في تعاملاته، بل مهذباً وأنيقاً، يحمل الشهادات المزورة ويتحدث باسم القيم التي لا يمارسها.

في المجتمعات الثورية تبلغ الوصولية ذروتها التراجيدية، فالثورة كونها لحظة أخلاقية كبرى تفتح أبوابها لمن يملك الشجاعة، ولمن يملك القدرة على الادعاء، فكثيراً ما يُقصى أصحاب التضحيات الوطنية ويصعد أولئك الذين أتقنوا لغة اللحظة بعد فواتها..

وهنا تحديداً يتحول الوصولي إلى وارث غير شرعي للتاريخ، يعيد كتابة السردية بما يخدم موقعه ويدعم مصلحته في السلطة.

في السياق العربي المعاصر لا يمكن فهم الوصولية دون فهم هشاشة الدولة وغياب العقد الاجتماعي وانكسار الثقة بين المواطن والمعنى العام، فالوصولي هنا ليس استثناءً بل قاعدة صامتة يتلون مع الأنظمة، يتنقل بين الشعارات ويعيش على فائض الخوف والالتباس، وهو بالتالي ابن الهزائم المؤجلة وحارس الرداءة المستقرة في زمن التفاهة.

فلسفياً يمكن القول إن «الوصولية» بشائعتها الراهنة هي الوجه العملي للعدمية حين يفقد الإنسان إيمانه بجدوى القيم، لكنه لا يملك شجاعة إعلان ذلك، فيتحول إلى وصولي انتهازي، لا يثور على الأخلاق بل يستخدمها لمصلحته، ولا ينكر المبادئ بل يعمل على تفريغها من محتواها، وهنا تكمن خطورة الوصولية، فهي لا تهدم المعنى علناً بل تتركه قائماً كواجهة فيما هو خاوٍ من الداخل.

إن تاريخ «الوصولية» هو في جوهره تاريخ فشل المجتمعات في حماية العلاقة بين الاستحقاق والمكانة، بين الفعل والاعتراف، فكلما اتسعت هذه الفجوة في العلاقة تكاثر الوصوليون مع الزمن وتطورت أدوات استغلالهم..

لذلك لا تُهزم الوصولية بالمواعظ ولا بالتشهير، بل ببناء مؤسسات عادلة ومعايير إدارية واضحة وثقافة لا تكافئ الذكاء الماكر على حساب النزاهة الصامتة.. وفي ذلك يمكننا القول إن الوصولي لا يصنع التاريخ لكنه يلوث صفحاته، ولا يؤسس لمستقبل مرجو بل يهدم الحاضر بالنفاق..

وحيثما كثر الوصوليون وتضخمت بهم السلطة فاعلم أن الحقيقة دائماً غائبة عن واقعها المؤلم، وأن لا مستقبل مشروعا للأجيال تحميه قيم الأخلاق والمبادئ..

ففي الحالة الليبية مثلاً سقط مشروع الدولة بعد سقوط النظام عام 2011 لأن مفهوم الكينونة في أساسه كان متشظياً، ولذلك انحرف أخلاقياً بفعل سطوة الوصولية الغالبة في ثقافة المجتمع، فبسبب الأطماع سقط نظام سبتمبر وبذات الأطماع تغوّلت سُلطة فبراير..

إنها قسمة الفساد العادلة بين نظامين تأسسا على مفهوم الغنيمة، نتاج مرحلة ما بعد الطفرة النفطية التي قوضت فكرة الإنتاج بالاستهلاك، ولذلك كانت ليبيا الدولة الريعية بامتياز، منهوبة الثروة في الحاضر وبلا مشروع تنمية، وبالتالي خاسرة للمستقبل.

____________

موقع ليبيا الجغرافي… عبء استراتيجي

كريمة ناجي 

 خبراء يقولون إن الانقسامات حولت البلاد إلى خط الدفاع الأول عن حدود أوروبا الجنوبية

موقع ليبيا الجغرافي منحها أهمية جيوسياسية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته جعلها ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، لذلك لم تعد الأزمة الليبية شأناً داخلياً فقط، بل أصبحت مرتبطة بحسابات الطاقة والهجرة والأمن وموازين القوى في البحر المتوسط وأفريقيا.

1800 كيلومتر هو إجمالي طول الساحل الليبي الذي يطل على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، ميزة جغرافية كانت كافية لاختيار المهاجرين غير النظاميين ليبيا كدولة عبور نحو القارة الأوروبية، خصوصاً أن الحدود الجنوبية الليبية تشترك مع دول تعاني صعوبات اقتصادية وأزمات سياسية وأمنية على غرار تشاد السودان والنيجر.

وبينما تعول دول الاتحاد الأوروبي على ليبيا المنقسمة على نفسها منذ عام 2011 لمساعدتها على تقليص تنامي ظاهرة الهجرة غير النظامية تجاه حدودها الجنوبية، وجدت ليبيا نفسها وحيدة في مواجهة تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية فرضتها عليها الجغرافيا، لا سيما مع ارتفاع الخطاب المحلي الرافض للتوطين داخل الأراضي الليبية.

وغزى وسم “لا للتوطين” مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا التي شهدت تظاهرات رافضة لوجود الأجانب بصفة غير قانونية على ترابها، بخاصة أن وزير الداخلية بحكومة “الوحدة الوطنية” عماد الطرابلسي، سبق وأكد أن عدد المهاجرين غير النظاميين في ليبيا يقدر بنحو 3 ملايين مهاجر.

شبح التوطين

وتؤكد الأطراف الدولية المتداخلة في ملف الهجرة غير النظامية عدم وجود أي مشاريع لتوطين المهاجرين غير النظاميين في ليبيا، إذ نوه سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا نيكولا أورلاندو في ديسمبر (كانون الأول) 2025 خلال مؤتمر حول الهجرة غير النظامية نظمته وزارة الداخلية الليبية في طرابلس، أن “الاتحاد الأوروبي لا يستهدف توطين المهاجرين في ليبيا”، موضحاً أن التعاون الأوروبي مع ليبيا يستهدف إدارة الهجرة وحماية الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر ودعم برامج العودة الطوعية للمهاجرين. وفي الثاني من الشهر الحالي، نفى أورلاندو ما جرى تداوله بخصوص دعم أوروبي لإنشاء مراكز توطين للمهاجرين واللاجئين داخل ليبيا، مشدداً على أن ملف الهجرة يخضع للسيادة الليبية فقط.

وفي السياق ذاته، نوهت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا في الثالث من الشهر الجاري، أنه لا يوجد أي برنامج “توطين” داخل ليبيا، فالمفوضية لا تتولى إدارة استقرار المهاجرين داخل البلاد، بل يتمثل دورها فقط في “التسجيل والحماية الإنسانية” والإجلاء الإنساني إلى دول ثالثة أو العودة الطوعية إلى بلدان الأصل.

وعلى رغم كل هذه التطمينات الدولية، برزت مخاوف محلية من تنفيذ مشروع للتوطين داخل الأراضي الليبية، فهل تدفع ليبيا ثمن موقعها الجغرافي؟

أعباء متشابكة

وفي الصدد، يقول الباحث في نظم المعلومات الجغرافية حازم الرايس، إن ليبيا تحولت عملياً إلى خط دفاع أول عن الحدود الجنوبية لأوروبا نتيجة تداخل عاملين رئيسين، الجغرافيا والتحولات السياسية، موضحاً أن “عامل الجغرافيا وضعها بين مناطق الدفع في أفريقيا ومناطق الجذب في أوروبا، باعتبار أن البلد يحتل موقعاً جغرافياً استراتيجياً بين الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط والصحراء الكبرى ومنطقة الساحل الأفريقي، مما جعله نقطة عبور رئيسة في مسارات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا”.

أما من الناحية السياسية، فيرى الرايس أن تراجع قدرة الدولة الليبية على ضبط الحدود بعد عام 2011 أدى إلى تنامي نشاط شبكات تهريب البشر، وتحولت الأراضي الليبية إلى محطة رئيسة للهجرة غير النظامية.

ويضيف أنه في المقابل، يتعامل الاتحاد الأوروبي مع الهجرة غير النظامية باعتبارها قضية أمن حدودي بالدرجة الأولى، حيث يسعى إلى نقل خطوط المواجهة جنوباً عبر تعزيز التعاون مع ليبيا في مجالات مراقبة الحدود وخفر السواحل ومكافحة التهريب.

ويستدرك المتخصص في نظم المعلومات الجغرافية، في تصريح خاص أن المشكلة لا يمكن اختزالها في البعد الأمني فقط، لأن ليبيا ليست مصدر أزمة الهجرة، بل دولة عبور تتحمل أعباء أمنية واقتصادية متشابكة بسبب موقعها الجغرافي. ونوه أن تحميلها وحدها مسؤولية إدارة هذا الملف يمثل مقاربة غير واقعية، ما لم يقترن ذلك بدعم حقيقي للاستقرار الليبي ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة في دول المصدر الأفريقي.

منطقة احتواء

وفي ما يخص كيفية تحول ليبيا إلى خط الدفاع الأول عن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، يذهب عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني، إلى أن ليبيا لم تتحول طوعاً إلى خط الدفاع الأول عن حدود أوروبا الجنوبية، بل وجدت نفسها تؤدي هذا الدور بحكم موقعها الجغرافي وحالة الانقسام السياسي والأمني التي تعيشها منذ أعوام.

ويتابع أنه مع تصاعد موجات الهجرة غير النظامية القادمة من جنوب الصحراء الأفريقية، أصبحت السواحل الليبية أقرب نقطة عبور نحو القارة الأوروبية بالنسبة للمهاجرين غير النظاميين، الأمر الذي دفع الدول الأوروبية إلى نقل جزء كبير من مسؤولية إدارة ملف الهجرة إلى الأراضي الليبية.

وينتقد المتخصص بالعلوم السياسية، السياسات الأوروبية باعتبارها لم تركز على معالجة الأسباب الحقيقية للهجرة مثل الفقر والنزاعات المسلحة والتغيرات المناخية في دول المصدر، بقدر ما ركزت على منع وصول المهاجرين إلى الشواطئ الأوروبية، مما حول ليبيا إلى منطقة احتواء وحاجز أمني متقدم لحماية الأمن الأوروبي أكثر من كونها شريكاً متكافئاً في إدارة هذه الأزمة.

ويقول الباروني، إن هذا الواقع فرض على ليبيا أعباء أمنية واقتصادية واجتماعية متزايدة، لا سيما في ظل ضعف الإمكانات الوطنية واتساع الحدود البرية والبحرية وصعوبة السيطرة عليها بالكامل.

وينتقد التناقض الواضح، فبينما تطالب أوروبا ليبيا بتشديد الرقابة على الحدود، فإنها لا تقدم دائماً الدعم الكافي لبناء مؤسسات أمنية مستقرة وقادرة على إدارة هذا الملف، وفق رؤية وطنية شاملة، منوهاً أن ليبيا أصبحت عملياً جزءاً من منظومة الأمن الحدودي الأوروبي من دون أن تحصل على المكاسب السياسية والاقتصادية التي تتناسب مع حجم التحديات التي تتحملها.

الفراغ المؤسساتي

ويرى الباروني أن “ليبيا تدفع بالفعل جزءاً كبيراً من ثمن موقعها الجغرافي الاستراتيجي”، موضحاً أن المشكلة ليست في الموقع بل في غياب الدولة القوية القادرة على تحويل هذا الموقع إلى مصدر قوة ونفوذ، باعتبار أن ليبيا تقع عند نقطة التقاء ثلاث دوائر استراتيجية: البحر الأبيض المتوسط والدول العربية وعمق أفريقيا.

ويواصل حديثه قائلاً إن هذا الموقع يمنحها أهمية جيوسياسية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته يجعلها ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، لذلك لم تعد الأزمة الليبية شأناً داخلياً فقط، بل أصبحت مرتبطة بحسابات الطاقة والهجرة والأمن وموازين القوى في البحر المتوسط وأفريقيا.

وفي السياق ذاته يشدد الباروني على أن الدول التي تمتلك مواقع استراتيجية مشابهة تحقق مكاسب سياسية واقتصادية ضخمة بمجرد امتلاكها مؤسسات قوية ورؤية وطنية واضحة، أما في الحالة الليبية فيقول إن الانقسام السياسي وضعف المؤسسات أديا إلى تحويل الموقع الجغرافي من فرصة استراتيجية إلى نقطة استقطاب وتنافس خارجي، وبالتالي فإن ليبيا لا تدفع ثمن الجغرافيا بقدر ما تدفع ثمن الفراغ السياسي والمؤسساتي الذي سمح للقوى الإقليمية والدولية بالتعامل معها باعتبارها ساحة نفوذ وممراً للمصالح المتعارضة، وفق ما جاء على لسانه.

ويختم بقوله إن قضية الهجرة غير النظامية تكشف بوضوح كيف أصبحت ليبيا تؤدي وظيفة أمنية تتجاوز حدودها الوطنية، بينما يكشف الجدل حول الموقع الجغرافي أن المشكلة الحقيقية ليست في الجغرافيا نفسها، بل في غياب الاستقرار السياسي والمؤسسات القادرة على توظيف هذه الجغرافيا لمصلحة الدولة.

ويذهب إلى أن ليبيا تمتلك كل مقومات التحول إلى جسر للتعاون بين أوروبا وأفريقيا، لكنها لا تزال تُستنزف كمنطقة عازلة للصراعات والأزمات بسبب استمرار الانقسامات والتدخلات الخارجية، مؤكداً أن هذا هو التحدي الاستراتيجي الأكبر الذي يواجه الدولة الليبية في المرحلة الراهنة.

________________

مرحلة انتقالية جديدة من دون مسار واضح نحو الانتخابات

عبدالله الكبير

مع كل التقدير للجهود المبذولة من كل الشخصيات الوطنية المشاركة في الحوار المهيكل، وتثمين هذه الجهود الممتدة على مدى 6 أشهر عبر مسارات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة، حتى تم التوافق على التوصيات والمقترحات النهائية، لتصبح لدينا مرجعية ليبية خالصة يمكن لصناع القرار الاستنارة بها والاستناد عليها، وتطويرها إن لزم الأمر لتكون رافعة حقيقية لتفكيك الأزمة.

فالفصل بين المسارات الأربعة كان مقدمة مهمة ليبحث كل مسار على حدة، ويشخّص الخبراء مواطن الخلل في مسيرة التحول الليبية في أهم الملفات، ثم أقتراح الحلول المناسبة للتنفيذ لتجاوز كل معوقات الإنجاز والتحول.

ورغم إعلان البعثة، وتصريحات المبعوثة الأممية السيدة حنه تيته بأن توصيات ومقترحات الحوار المهيكل غير ملزمة، ولن تفرض على السلطات الحاكمة، غير أن هذه التصريحات لا تعني نفي أي اعتبار لهذا الجهد، أو اعتباره عمل هامشي لن يحدث أي تأثير، ولن تكون مجرد ورقة ضغط على الأطراف الفاعلة لتسرع في تنفيذ بقية الاستحقاقات المطلوبة.

هذه الجهود هي جزء أساسي من المبادرة الأممية، ويمكن أن تحصل توصيات الحوار المهيكل على الدعم من مجلس الأمن، لتكون منهج عمل لأي ملتقى حوار سياسي أو هيئة تأسيسية، لوضع قواعد للإنطلاق نحو التنفيذ في كل المسارات.

غير أن اللافت في مخرجات المسار الأول الخاص بالحوكمة، وهو الملف الأكثر أهمية وعليه تبنى بقية المسارات، اقتراحه مرحلة انتقالية جديدة يعاد فيها تشكيل السلطة التنفيذية بنفس تركيبتها الحالية التي انشأها ملتقي جنيف، مع صلاحيات أوسع لرئيس المجلس الرئاسي، بمنحه سلطة إقرار الميزانية، وحق تكليف شخصيتان لوزارتي الدفاع والداخلية، بالتشاور مع رئيس الحكومة، واستمرار مجلسي النواب والدولة ومن يتبعهما لمدة 18 عشر شهرا أو 24 شهرا على أقصى تقدير !

وكأنني أرى مبادرة مسعد بولس مبعوث الرئيس الأمريكي تعود تحت عباءة الحوار المهيكل، لأن مبادرته في جانبها السياسي تقترح إعادة تشكيل المجلس الرئاسي ومنحه رئاسته لابن حفتر، واستمرار الدبيبة رئيسا للحكومة، أي تمديد المرحلة الانتقالية، ولم يأت على ذكر الانتخابات أو السبيل إليها في تصريحاته عن مبادرته، وقد رُفضت المبادرة على كل حال من أغلب المؤسسات السياسية والمدنية.

بالتوازي تستمر البعثة الأممية في رعاية الحوار الرُّباعي المُصغّر مؤملة حدوث اختراق في ملفي مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، والقاعدة الدستورية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، في إصرار غريب من البعثة على عدم النظر في مقترحات اللجنة القانونية الأخرى، مع أنها قابلة للتنفيذ أكثر من مقترح الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة.

لا تبدو ملامح المسار الأممي واضحة تماما، ولكن هذا لا يعني أنها لم تحرز أي تقدم على طريق الحل السياسي، فنجاح الحوار المهيكل وتوصياته المهمة في ملفات الأمن والاقتصاد والمصالحة لا ينبغي تجاهله.

ولكن مقترح إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في الملف السياسي يتعذر قبوله من القوى الفاعلة، ومن قطاعات واسعة من الشعب، لأنه ينقل البلاد إلى مرحلة انتقالية جديدة، من دون أفق واضح نحو الانتخابات، بل هو انتقال يبدو أقرب إلى تثبيت الأمر الواقع وفرض استقرار توافقي هشّ، لتهيئة البلاد لاستثمارات شركات النفط الأمريكية التي يسعى إليها المبعوث الأمريكي بولس.

الإصرار على تكرار حلول التجارب السابقة لن ينهي الأزمة، بل يعيد إنتاجها عبر نفس القوى المسيطرة على المشهد، بينما يستمر تجاهل الشعب ومطالبه، و يستمر تجاهل مشروع الدستور.

لقد قام اتفاق الصخيرات على تأسيس سلطة مؤقتة لمدة عام أو عامين ثم تجرى الانتخابات، واستمرت السلطة المنبثقة عنه خمس سنوات انتهت بحرب عنيفة في طرابلس.

وبعد عدوان حفتر على طرابلس وهزيمته وتقويض مشروعه في السيطرة على البلاد بقوة السلاح، رفضت السلطات القائمة حسم الصراع عبر الانتخابات أو الاستفتاء على مسودة الدستور، وأصرّت على الذهاب إلى مرحلة انتقالية جديدة تمهد للانتخابات.

 ما تزال السلطة الناتجة عن اتفاق تونس جنيف مستمرة حتى اليوم ولم تقع الانتخابات، فما الذي سيجعل التجربة المكررة مختلفة هذه المرة؟

وما هي الضمانات التي يمكن أن تقدمها الأمم المتحدة أو أي دولة وسيطة في إجراء الانتخابات عقب هذه المرحلة الانتقالية الجديدة؟

اعتبار مفتاح حل الأزمة الليبية هو تغيير السلطة التنفيذية توجه أثبت فشله، لأنه ينتج سلطة مؤقتة جديدة تتقاسمها السلطات التشريعية القائمة والفواعل العسكرية صاحبة النفوذ والتأثير، ليبدو أن هناك تغييرا قد وقع، ولكن آليات اقتسام المناصب والموارد تستمر دونما تغيير.

لذلك تبقى الأزمة في حركة دائرية تعود فيها بعد بضع سنوات إلى نفس نقطة انطلاقها الأولى، وكسر هذه الدائرة يستلزم إعادة بناء المشهد السياسي بهيئة تأسيسية جديدة منتخبة أو العودة للمسار الدستوري كما اعتمد في الإعلان الدستوري بالاستفتاء على مسودة الدستور.

________________

كيف أصبح المهاجر عدو ليبيا المُفضّل؟

علي العسبلي


خلال الأسابيع الأخيرة شهدت ليبيا تصاعداً غير مسبوق في حملات التحريض ضدّ المهاجرين واللاجئين. لم تعد المسألة تقتصر على منشورات غاضبة هنا أو مقاطع فيديو عنصرية هناك، بل تحوّلت إلى موجة واسعة شاركت فيها شخصيات عامة وصنّاع محتوى ووسائل إعلام وجهات رسمية، ترافقها دعوات إلى طرد المهاجرين وإغلاق المنظّمات الإنسانية، ووقف عمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وسط خطاب مُتزايد عن “التوطين” و”التغيير الديمغرافي”.

في خضم هذه الحملة، صار من السهل أن يعتقد المرء أنّ المهاجرين هم المشكلة الأكبر التي تواجه ليبيا اليوم، وأنّ العامل السوداني أو التشادي الذي يبحث عن فرصة عمل أصبح خطراً يفوق الفساد المُستشري، والانقسام السياسي، والمليشيات المُتناحرة، والانهيار المُزمن للخدمات العامة والفشل الكامل لمؤسّسات الدولة.

ربّما لهذا السبب لا يُثير قلقي حجم الكراهية الموجّهة ضدّ المهاجرين بقدر ما يثير قلقي الاتجاه الذي تسلكه هذه الكراهية. فحين يبدأ مجتمع غاضب ومُحبط بتوجيه غضبه نحو الفئة الأضعف فيه، يصبح من الضروري أن نسأل: كيف أصبح المهاجر عدو ليبيا المُفضّل؟

تحوّل المهاجر في الخطاب العام الليبي بصورته النمطية إلى شماعة جاهزة لكلّ مشكلة تقريباً

خلال السنوات الماضية تحوّل المهاجر في الخطاب العام الليبي بصورته النمطية إلى شماعة جاهزة لكلّ مشكلة تقريباً. المخدرات تُلصق بالمهاجرين، والجريمة تُلصق بالمهاجرين، والأمراض والبطالة وحتى تدهور الأوضاع الأمنية تُلصق بالمهاجرين. وكأنّ المليشيات المُتناحرة والفساد الذي التهم الدولة والانقسام السياسي والاقتصاد الريعي وانتشار السلاح والتصحّر المؤسساتي، كلّها تفاصيل هامشية أمام عامل جاء يبحث عن لقمة عيش.

ما يحصل ليس مصادفة. فعندما تفشل السلطات في تقديم حلول حقيقية للناس، وعندما تريد التهرّب من مسؤولياتها، تُسارع دائماً إلى اختراع عدو أضعف يمكن تحميله المسؤولية. إنّها لعبة مكشوفة تمارسها السلطات المُتنافسة في شرق البلاد وغربها، وغالباً ما تشارك في إنتاج سردية شيطنة المهاجرين والاستفادة منها.

فكلّما ارتفعت الأسعار، أو تردّت الأوضاع المعيشية أو تعرقلت الخدمات، أو تفاقمت الأزمات السياسية، عاد ملف الهجرة فجأة إلى الواجهة من حيث لا ندري. تتحوّل الكاميرات نحو المهاجرين وتبدأ الحملات الأمنية والاستعراضات الإعلامية، وتُختزل مشكلات ليبيا في وجود عمال أفارقة في الشوارع.

لكن نجاح هذه الدعاية لا يعتمد على السلطة وحدها. فلكي تتحوّل الأكاذيب إلى قناعات شعبية، لا بُدّ من وجود بيئة اجتماعية حاضنة ومستعدّة لتلقيها وإعادة إنتاجها وترويجها.

في بلد منكوب مثل ليبيا، اعتاد الناس فيه رؤية التعذيب والاختفاء القسري والحروب والانتهاكات بشكل يومي، ومن دون محاسبة، ليس مستغرباً أن يصبح العنف ضدّ المهاجرين أمراً عادياً أيضاً. فعندما يجري تطبيع العنف ضدّ فئة معينة، يصبح من السهل توسيع الدائرة لتشمل فئات أخرى، حتى يتحوّل ذلك إلى ثقافة سائدة تجعل من إذلال الإنسان أمراً مقبولاً ما دام أنّه أضعف منك.

ربّما لهذا السبب تحديداً، يبدو المجتمع الذي يكرّر باستمرار أنّه مجتمع محافظ وكريم ومُتديّن ومضياف، غير حريص كثيراً على تطبيق هذه القيم عندما يتعلّق الأمر بالمهاجرين. نحن نحبّ الحديث عن إكرام الضيف، لكنّنا ننسى أنّ كثيراً من هؤلاء لم يأتوا للسياحة أصلاً. فقد وصل أغلبهم بعد أن دفعتهم الحروب أو الفقر أو القمع إلى الرحيل.

ننسى أنّ كثيراً من هؤلاء لم يأتوا للسياحة أصلاً. فقد وصل أغلبهم بعد أن دفعتهم الحروب أو الفقر أو القمع إلى الرحيل

قبل أن تشتم مُهاجراً أو تطالبه بالرحيل، فكّر للحظة في طول الطريق الذي أوصله إلى هنا. فكّر في الصحراء القاحلة التي عبرها. في المهرّبين وتجّار البشر المُجرمين الذين استغلوه، والذين يجدر بك لومهم. في مراكز الاحتجاز المروّعة التي قد يكون سُجن فيها. في التعذيب أو الابتزاز أو الاستغلال الذي ربّما تعرّض له. كثير من هؤلاء عاشوا من الأهوال ما يكفي لعدّة أعمار فوق أعمارهم.

أقول هذا أيضاً انطلاقاً من تجربة شخصية، كوني أعيش مُهاجراً منذ أكثر من عقد من الزمن. أعرف جيداً معنى أن تضطر إلى حزم حقائبك والرحيل، وأن تعيش بعيداً عن مسقط رأسك. أعرف معنى أن تكون غريباً وسط وجوه لا تعرفها، وثقافة لم تنشأ فيها، وربّما لغة لم تعتد عليها. أحياناً تكفي ابتسامة من شخص عابر لتجعل يومك أفضل، وأحياناً تكفي نظرة أو كلمة لتُذكّرك بأنّك في مكان ليس مكانك.

لهذا أجد قدراً كبيراً من السخرية في رؤية بعض الليبيين المُهاجرين في أوروبا وبريطانيا وهم ينشرون يومياً منشورات تطالب بطرد المهاجرين من ليبيا، وفي الوقت ذاته يشتكون من سياسات الهجرة المُتشدّدة في البلدان التي يعيشون فيها، ثم يطالبون بتطبيق ما هو أكثر قسوة على أشخاص يعيشون الظروف نفسها التي مرّوا بها.

النقاش الحقيقي لا يتعلّق بالمهاجرين أصلاً، بل بثقافة تبحث دائماً عن ضحية جديدة تحملها أوزار فشلها وأزماتها وعقدها واضطراباتها

السخرية تصبح أكبر عندما نستمع إلى من يردّدون، عن غير وعي، الحديث عن التوطين ويحوّلون هذه الفزاعة إلى تفسير جاهز لكلّ شيء. فجأة أصبح الجميع خبراء في الديمغرافيا، يتحدّثون عن مؤامرات عالمية لتغيير هُويّة ليبيا واستبدال سكّانها، رغم أنّ معظم من يردّدون هذه المصطلحات لا يعرفون حتى معناها.

الواقع أنّ ليبيا اليوم ليست وجهة يحلم الناس بالاستقرار فيها، فهي بلد يعيش أزمة مُزمنة مُستمرّة منذ أكثر من عقد، ولا تلوح في الأفق نهاية قريبة لها. ومع ذلك يجري تصويرها وكأنّها الهدف النهائي لمؤامرة ديمغرافية كونية.

أمّا الحديث عن “حماية العادات والتقاليد” فيبدو غريباً بدوره، لأنّ العادات والتقاليد ليست قطعاً أثرية محفوظة داخل متحف، فكلّ ثقافة في العالم هي نتاج تفاعل مستمر بين البشر والهجرات والتجارة والحروب والأفكار. وهذا ماحدث دائماً وسيستمر في الحدوث مهما قاومناه.

في جوهر الأمر، تكشف موجة الكراهية المُستمرّة والمُتصاعدة ضدّ المهاجرين في ليبيا عن أزمة أعمق من ملف الهجرة نفسه. إنّها ليست أزمة حدود أو قوانين أو تشريعات فحسب، بل أزمة هوية وثقة بالنفس. فالمجتمع الواثق بنفسه لا يخاف من وجود المُختلف، ولا يرى في كلّ غريب مشروع تهديد. أمّا المجتمعات المُضطربة في حاضرها والقلقة بشأن مستقبلها فتميل إلى البحث عن أعداء في كلّ اتجاه.

نحن أفارقة. أصلنا من أفريقيا ونعيش في أفريقيا. ونتعامل أحياناً مع الأفارقة القادمين إلينا وكأنّهم غرباء عن القارة نفسها. وهذه المفارقة تكشف عن أزمة الهوية الليبية أكثر مما تكشف أيّ شيء آخر.

وربما في نهاية المطاف ما يُثير استغرابنا ليس ما يقوله الكبار، بل ما يتعلّمه الأطفال وهم يشاهدون كلّ ذلك. فالطفل لا يولد وهو يكره شخصاً بسبب لونه أو جنسيته أو عرقه، بل يتعلّم ذلك من محيطه. وحين يصبح رجم إنسان بالحجارة مشهداً مضحكاً أمام الكاميرا، فالمشكلة لم تعد في الجاني أو الضحية، بل في مجتمع بدأ يفقد قدرته على رؤية إنسانية الآخرين.

لهذا لا يتعلّق النقاش الحقيقي بالمهاجرين أصلاً، بل بثقافة تبحث دائماً عن ضحية جديدة تحمّلها أوزار فشلها وأزماتها وعقدها واضطراباتها.

_______________

تعافي قطاع الطاقة في ليبيا يحتاج إلى خبرات بقدر ما يحتاج إلى استثمار

ما قد يعنيه عودة عماد بن رجب لقطاع الطاقة الليبي

على مدى العقد الماضي، عمل قطاع الطاقة الليبي في ظل ظروف كانت كفيلة باختبار حتى أقوى المؤسسات. ورغم عدم اليقين السياسي وفترات الاضطراب، استمرت الصناعة في توليد الإيرادات التي يعتمد عليها اقتصاد البلاد.

عندما ينظر المستثمرون إلى ليبيا، غالباً ما يركزون على المزايا الطبيعية الاستثنائية التي تمتلكها البلاد. تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، وموارد غازية كبيرة، وموقعاً استراتيجياً على البحر المتوسط يجعلها على مسافة قريبة من الأسواق الأوروبية.

ومع ذلك، ورغم هذه المزايا، لا يزال التعافي الاقتصادي للبلاد غير مكتمل.

لا يكمن التحدي في نقص الموارد. فليبيا لا تعاني من شح في النفط. بل يكمن التحدي في تحويل هذه الموارد إلى نمو مستدام، وجذب الاستثمار، وبناء القدرات المؤسسية اللازمة لتعظيم القيمة على المدى الطويل.

تتطلب هذه العملية أكثر من مجرد رأس المال. إنها تتطلب أشخاصاً ذوي خبرة.

خلال العقد الماضي، أثبت جيل من المتخصصين في الطاقة قدرتهم على إدارة أحد أكثر القطاعات أهمية استراتيجية في أفريقيا في ظروف صعبة بشكل استثنائي. وبينما تسعى ليبيا إلى زيادة الإنتاج، وتحديث البنية التحتية، وجذب شركاء دوليين، تصبح هذه الخبرة ذات قيمة متزايدة.

تدخل البلاد هذه الفترة وفي جعبتها فرص كبيرة. فالطلب العالمي المتزايد على الطاقة، والبحث الأوروبي المستمر عن مصادر إمداد متنوعة، وقرب ليبيا من الأسواق الرئيسية، كلها عوامل تهيئ ظروفاً يمكن أن تدعم نمواً كبيراً إذا ما توافرت السياسات والقيادة المناسبة.

وفي الوقت نفسه، تواجه ليبيا تحديات مألوفة. فالبنية التحتية تحتاج إلى استثمارات. ويجب توسيع الطاقة الإنتاجية وتحديثها. ويحتاج المستثمرون الدوليون إلى ضمانات بأن المشاريع يمكن أن تمضي قدماً بشكل يمكن التنبؤ به وبكفاءة. وسيعتمد التغلب على هذه التحديات ليس فقط على التمويل، بل أيضاً على توفر المهنيين ذوي الخبرة القادرين على الإبحار في قطاع شديد التعقيد.

لذلك، جذبت التطورات الأخيرة التي تخص عماد بن رجب، الرئيس التنفيذي السابق لمؤسسة النفط الوطنية، انتباهاً يتجاوز الأوساط القانونية. فقد أيدت المحكمة العليا الليبية مؤخراً تبرئة عماد بن رجب بشكل كامل، بعد قضية طويلة أبعدت فعلياً أحد أبرز شخصيات قطاع الطاقة في البلاد.

إن أهمية هذا الأمر تتجاوز الحكم الفردي بحد ذاته.

فقد وجدت مراجعة المحكمة، وفقاً لما هو مُعلن، أن الأدلة الفنية الرئيسية التي استندت إليها الاتهامات الأصلية كانت معيبة. ووفقاً للنتائج التي قُدمت أثناء الإجراءات، فإن التحليل المخبري الذي شكل أساس الادعاءات قد أُجري في منشأة لم تكن حاصلة على الاعتماد المناسب للاختبارات المطلوبة. كما خلص المحققون إلى أن مشاكل جودة الوقود كانت مرتبطة بأوجه قصور في الصيانة وظروف التخزين، وليس بسوء تصرف متعمد.

علاوة على ذلك، لم تجد التقييمات الفنية أي دليل على وجود خسائر فادحة كما كان يُزعم سابقاً. ويُقال إن شحنة الوقود التي كانت محور القضية عولجت من خلال إجراءات مزج قياسية، ولم تسفر عن ضرر مالي جسيم كما ادُعي في البداية. قادت هذه النتائج المحاكم إلى استنتاج مختلف بشكل ملحوظ عن ذلك الذي تم التوصل إليه خلال المراحل السابقة من القضية.

بالنسبة للكثيرين داخل قطاع الطاقة الليبي، فإن هذه النتيجة مهمة لأنها تفتح إمكانية أن يساهم المهنيون ذوو الخبرة مرة أخرى في صناعة لا تزال محورية للمستقبل الاقتصادي للبلاد.

هذا الأمر لا يهم ليبيا فحسب، بل أفريقيا على نطاق أوسع.

ففي جميع أنحاء القارة، تواجه الاقتصادات الغنية بالموارد تحدياً مشتركاً. فالموارد الطبيعية وحدها لا تولد الازدهار. فالنمو يعتمد على المؤسسات، والبنية التحتية، والاستثمارات، والأشخاص القادرين على إدارتها بفعالية.

يُظهر قطاع الطاقة الليبي هذه الحقيقة بوضوح. فالبلاد تمتلك الاحتياطيات بالفعل. ما تحتاجه هو مزيج من الخبرات والاستثمارات والاستقرار اللازم لإطلاق قيمتها الكاملة.

لذا، ينبغي النظر إلى عودة الشخصيات ذات الخبرة إلى الحياة العامة والمهنية من خلال عدسة اقتصادية وليست سياسية. فالقطاعات الناجحة في الطاقة تُبنى على مدى عقود. لا يمكن استبدال المعرفة المؤسسية (التراكمية) بين عشية وضحاها، خاصة في الصناعات المعقدة تقنياً مثل النفط والغاز.

طوال مسيرته المهنية، بنى عماد بن رجب سمعة كشخصية مطلعة وقادرة داخل قطاع الطاقة الليبي. وقد أشار مراقبو الصناعة مراراً إلى فهمه للتحديات التشغيلية والتجارية والاستراتيجية التي تواجه البلاد في وقت كان فيه الحفاظ على الإنتاج والصادرات يتطلب غالباً الإبحار في ظروف صعبة للغاية.

يعتقد الكثيرون داخل القطاع أن متخصصين مثل عماد بن رجب لعبوا دوراً مهماً في مساعدة مؤسسة النفط الوطنية على تجاوز فترات عدم اليقين، مع الحفاظ على الاستمرارية التشغيلية وحماية أحد أهم مصادر الدخل القومي لليبيا.

هذه الخبرة لا تزال ذات صلة اليوم.

المستثمرون الذين يقيمون آفاق ليبيا المستقبلية سيركزون بطبيعة الحال على أهداف الإنتاج، ومشاريع البنية التحتية، والطاقة التصديرية. ومع ذلك، فإن رأس المال البشري لا يقل أهمية. إن القدرة على الاحتفاظ بالمهنيين ذوي الخبرة والاستفادة من خبراتهم قد تثبت قيمتها بقدر جولة الاستثمار التالية.

كما جددت تبرئة عماد بن رجب الأخيرة النقاش حول أهمية الخبرة والمعرفة المؤسسية داخل قطاع الطاقة الليبي. وبينما تسعى ليبيا إلى تعزيز الإنتاج وجذب المزيد من الاستثمارات، فإن القدرة على الاستفادة من المهنيين المتمرسين ذوي الفهم العميق للصناعة قد تصبح ميزة مهمة.

لا يزال تعافي ليبيا عملاً قيد التقدم. فلا تزال التحديات قائمة، ولا تزال الإصلاحات مطلوبة، ولم يختفِ عدم اليقين السياسي.

ومع ذلك، لا تزال الأساسيات طويلة الأجل للبلاد من بين الأقوى في القارة. فاحتياطياتها الهائلة من الطاقة، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وقربها من الأسواق الأوروبية توفر مزايا لا يستطيع سوى القليل من الدول مجاراتها. إذا تمكنت ليبيا من الجمع بين هذه المزايا وبين مؤسسات فعالة، وقيادة متمرسة، واستثمارات مستدامة، فلديه القدرة على أن تصبح واحدة من قصص النجاح الاقتصادي الأكثر أهمية في أفريقيا.

لذلك، يجب أن يركز الحديث حول مستقبل ليبيا ليس فقط على براميل النفط أو مستويات الاستثمار الأجنبي. بل يجب أن يركز أيضاً على الأشخاص والخبرات اللازمة لتحويل تلك المزايا إلى ازدهار دائم.

بالنسبة لليبيا، فإن طريق التعافي الاقتصادي لن يتشكل فقط بما يقع تحت سطح الأرض، بل بالمهنيين القادرين على تحويل هذه الموارد إلى نمو وفرص وتنمية وطنية طويلة الأجل.

_______________


الحوار المهيكل … قفزة جديدة في الهواء

الحبيب الأسود

الحوار المهيكل ليس مجرد وثيقة جديدة بل محاولة لتصحيح مسار التجارب السابقة بوضع إطار زمني صارم وضمانات رقابية تمنع الانقسام وتفتح الطريق للانتخابات.

قفزة جديدة في الهواء جاءت هذه المرة من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عبر الإعلان عن مخرجات الحوار المهيكل الذي أدارت جلساته وأشرفت عليه في إطار خارطة طريقها لتأمين الحل السياسي.

كل المعطيات المتاحة تكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن حساب الحقل لا يتطابق مع حساب البيدر؛ فالاعتقاد بإمكانية تغيير مسارات الوضع الليبي يبقى وهمًا لدى الناشطين من خارج دائرة التأثير الفعلي في مجريات الأحداث، حيث تتقاطع مصالح الفرقاء الممسكين بخيوط اللعبة، الساعين إلى تحقيق أهدافهم الموضوعية، ومنها عرقلة أي مشروع للحل قد يهدد امتيازاتهم أو يبدد طموحاتهم في الاستمرار بالاستئثار بالسلطة.

رئيسة البعثة الأممية هانا تيتيه قالت: “على الرغم من اختلاف وجهات النظر والأولويات، أثبت الحوار المهيكل أن الحوار البنّاء عبر الانقسامات السياسية والجغرافية والجيلية والمؤسساتية لا يزال ممكنًا إلى حد كبير”، ووعدت بأن “المرحلة المقبلة من العملية السياسية في ليبيا ستظل قائمة على جهود يقودها الليبيون أنفسهم، وستُستخدم للدفع نحو تنفيذ التوصيات والإصلاحات الجوهرية التي بلورها الحوار المهيكل، سواء من قبل المؤسسات القائمة حاليًا أو في المرحلة التي تلي الانتخابات”.

عمليًا، لا شيء يدعم موقف السيدة تيتيه على أرض الواقع، بقدر ما تثبت الانقسامات داخل الحوار ذاته أن الجهود الأممية لا تزال تراوح مكانها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وأن وظيفتها لا تتجاوز إطفاء الحرائق الطارئة من دون الكشف عن أسبابها الحقيقية أو ملاحقة اللاعبين الذين يشعلونها بين براميل النفط.

من الصعب الاعتقاد أن السيدة تيتيه ومساعديها يجهلون الواقع أو يتجاهلونه؛ فليبيا اليوم منقسمة على نفسها وفق ما يخدم مصالح القوى الفاعلة على الأرض، والفرقاء يبدون مرتاحين للمشهد الحالي، خصوصًا بعد التخلص من سيف الإسلام القذافي باغتياله في الثالث من فبراير الماضي.

ما يهمهم هو تكريس سلطة التحالف القائم بين نفوذ الأسرة وقوة السلاح ومصالح اللوبيات، وقد تحقق ذلك بالفعل على الأرض ويجد طريقه نحو التثبيت بتوافق إقليمي ودولي. أما جهود الأمم المتحدة فليست لها آليات تفعيل مؤثرة على خارطة الأوضاع كما شكلتها إرادات المتصارعين ثم قررت اعتمادها في تقاسم المصالح.

إذا كان هناك ما يحتاج إلى قراءة متأنية من قبل البعثة الأممية، فهو الواقع كما فرضته التوازنات الميدانية والاجتماعية وحولته إلى معطى سياسي يصعب اختراقه أو تجاوزه، وإلى حالة مالية واقتصادية مرتبطة بخيارات الإدارتين المسيطرتين على مقاليد الشأن العام في طرابلس وبنغازي.

أما ما عدا ذلك، فهو مجرد إضاعة للوقت وتبرير لصرف المال واستنزاف للقدرات البشرية وتقليص للفرص، لاسيما وأن مخرجات الحوار المهيكل غير ملزمة، وبالتالي فهي مجرد مقترحات تُرفع إلى مجلس الأمن لتضاف إلى أرشيف الأزمة الليبية في المنتظم الأممي.

مخرجات الحوار اقترحت تشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين، على أن تناط بالرئيس مهام القيادة العليا للقوات المسلحة واعتماد الميزانية العامة وتعيين السفراء، بالإضافة إلى التكليف المباشر لوزيري الدفاع والخارجية والإشراف عليهما، بينما يشارك نائباه في إعلان حالة الطوارئ واتخاذ قرار الحرب والسلم.

مبدئيًا يسعى رئيس المجلس الحالي محمد المنفي إلى تتفيه أي مقترح يمكن أن يطيح به من منصبه الذي أصبح بالنسبة إليه غنيمة لا يمكن التفريط فيها. بالنسبة للمنطقة الشرقية التي يتحدر منها المنفي، فإن أبناءها لن يقعوا في الخطأ نفسه مرة أخرى، بعد أن انقلب عليهم وبات يمثل قوة منفصلة عن خارطة التوازنات التي جيء به للمساهمة في تفعيلها.

مختلف التسريبات تشير إلى أن الجانب الأميركي يسير في الاتجاه نفسه، ويقترح إسناد منصب رئيس المجلس الرئاسي إلى الفريق صدام حفتر نائب القائد العام للجيش الليبي، لكن ذلك يصطدم برفض مطلق من القوى الراديكالية في مصراتة وطرابلس التي لا تقبل بدخول صدام في صورة القائد الفاتح إلى العاصمة، ولا بما قد تمثله رمزية ذلك المشهد من تكريس واقع جديد يقلب موازين القوى الحالية ويطيح بحسابات المستفيدين من الوضع الراهن.

المخرجات دعت إلى تشكيل حكومة موحدة مؤقتة تنحصر مهامها في تهيئة البيئة الأمنية والسياسية لإجراء الانتخابات، مع التأكيد على عدم تمديد ولايتها أو توسيع صلاحياتها خارج الإطار المحدد لها.

هذه الدعوة تتكرر منذ سنوات ولا تجد آذانًا صاغية. بالنسبة للفريق الممسك بمقاليد الحكم في غرب البلاد وعلى رأسه إبراهيم الدبيبة ووالده الحاج علي وخاله عبد الحميد ومدير العمليات الخاصة وليد اللافي، فإنها مجرد نكتة لا تستحق الرد.

بالنسبة إليهم، تسليم السلطة غير وارد، وهم يملكون توافقًا على ذلك مع القوى الفاعلة في بقية مناطق البلاد، ويجيدون التفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية، ويمتلكون موهبة اللعب على التناقضات وإعطاء كل طرف ما يحتاج إليه من ضمانات لتأمين مصالحه.

أما الوضع في بنغازي فقد تشكّل وفق توازنات قبلية واجتماعية وميدانية على أساس نظام حكم الأسرة، في محاولة للعودة بالبلاد إلى إرهاصات ظهور الكيان الليبي بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، وذلك مع إعلان إدريس السنوسي إمارة برقة مستقلة بدستور مستقل في 1 مارس 1949 بدعم من المملكة المتحدة.

الثابت أن خليفة حفتر لم يعلن استقلال مناطق نفوذه التي تتجاوز 80% من مساحة البلاد، ولن يفعل ذلك، لكنه يطمح إلى ما هو أهم: بسط سيطرته على كامل الجغرافيا الليبية، سواء باتفاق سياسي شامل، أو بتنسيق مع القوى الأمنية والعسكرية في الغرب، أو بضوء أخضر إقليمي ودولي لتحقيق ذلك بقوة السلاح.

أوصت المخرجات بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ووضع آليات تضمن استقلاليتها وحمايتها من التجاذبات السياسية، إلى جانب التوافق على قاعدة دستورية واضحة تسبق الاستحقاق الانتخابي، مع طرح خيار “الاستفتاء التحكيمي” كأداة لتمكين الليبيين من حسم القضايا الدستورية العالقة.

هذه التوصيات لن تخرج بليبيا من مربع الخلافات حول المسارين الدستوري والانتخابي، وهي خلافات مرتبطة بالصراع السياسي الذي لا يمكن فصله عن الوضع الأمني والعسكري.

وإذا كانت تلك التوصيات قد كشفت عن حقيقة لا تقبل الجدل، فقد كشفت أيضًا عن عبثية القرارات الصادرة عن مجلسي النواب والدولة، اللذين سبق أن أعلنا انتخاب رئيس وأعضاء جدد للمفوضية دون تفعيل لذلك، باعتبار أن القرار الحقيقي يتجاوزهما، وهو ملك للقوى التي تفرض وصايتها من خلف الستار على القرار الليبي.

أن تكون مخرجات الحوار المهيكل قفزة جديدة في الهواء، فلأن ملامح الوضع النهائي في ليبيا بدأت تتشكل وفق رغبة من يرفع السلاح ويضع يده على الثروة، ومن قرأ تاريخ البلاد ويعمل بقوة على تجاوز نقاط ضعف النظامين الملكي و”الجماهيري”، حتى لا ينقلب عليه كما حدث للملك إدريس أو يُطاح به بتدخل خارجي كما حصل مع القذافي.

____________

شبكة المدفوعات الإلكترونية في ليبيا: الهشاشة البنيوية وحدود الإشراف

أسعد عون الله

لم يكن العطل الذي ضرب شبكة المدفوعات المحلية في ليبيا عشية عيد الأضحى 2026 مجرد خلل تقني عادي. بل كان اختبار إجهاد حقيقياً لنظام دفع أصبح محورياً في الحياة اليومية في ليبيا، وقد فشل في لحظة لم يكن ينبغي أن تفاجئ أحداً.

حجم ما كان على المحك

لفهم ما حدث، يجب أولاً استيعاب مدى تغلغل المدفوعات الإلكترونية في الاقتصاد الليبي. وفقاً للأرقام التي نشرتها وكالة الأنباء الليبية في فبراير 2026، بلغ عدد البطاقات المصرفية المُفعَّلة حوالي 5.5 مليون بطاقة، بينما وصل عدد المشتركين في تطبيقات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول إلى 4.29 مليون مستخدم، نفذوا مجتمعين أكثر من 200 مليون معاملة بقيمة إجمالية بلغت 313.6 مليار دينار.

كما بلغ عدد أجهزة نقاط البيع 165,313 جهازاً على مستوى البلاد، عالجت 288.6 مليون معاملة بقيمة 37.8 مليار دينار.

هذه ليست إحصائيات مشروع تجريبي أو مبادرة ناشئة. إنها تصف بنية تحتية اقتصادية أساسية يعتمد عليها ملايين الليبيين يومياً. وعندما تتعطل هذه البنية التحتية، فإن العواقب ليست تقنية فحسب، بل تترجم فوراً إلى خسائر في المبيعات، وطوابير مزدحمة، ونزاعات بين التجار والعملاء، وتآكل في الثقة العامة يصعب إصلاحه أكثر بكثير من أي خادم.

الاثنين 25 مايو: نقطة الانهيار

صادف 25 مايو 2026 ذروة موسم التسوق قبل العيد، وهو أكثر فترة نشاط استهلاكي ازدحاماً في التقويم الليبي. تعرضت أجهزة نقاط البيع في جميع أنحاء البلاد لضغط استثنائي. لم تتحمل البنية التحتية.

أين يقع الخلل حقاً

وجدت البنوك التجارية نفسها في مرمى الشكاوى، لأن المواطنين والتجار لديهم حساباتهم لديها. لكن الفشل التشغيلي نشأ في مكان آخر: مع شركة معاملات، مشغل الموزع الوطني وشبكة المدفوعات المحلية المعروفة باسم “نمو”.

ينص موقع خدمة (ليبيا دفع) صراحة على أن الخدمة مملوكة لمصرف ليبيا المركزي وتُشغَّل من قبل شركة معاملات ضمن إطار الموزع الوطني. وتؤكد شروط الخدمة أن النظام يشكل جزءاً من شبكة المدفوعات الوطنية “نمو”، تحت إدارة الشركة نفسها. لذلك، فإن أي قراءة للأحداث تضع المسؤولية الأساسية على عاتق البنوك التجارية هي قراءة ناقصة، وتُحرف الضغط بشكل مريح بعيداً عن الكيان الذي يسيطر على العقدة المركزية للنظام بأكمله.

الأكثر إثارة للقلق من العطل نفسه كانت الحالات التي تم فيها خصم رصيد العميل دون وصول المبلغ المقابل إلى التاجر. تحمل هذه الفئة من الأعطال ثقلاً يتجاوز مجرد خلل تقني. إنها انهيار في التسوية، واعتداء مباشر على الثقة الأساسية التي تعتمد عليها المدفوعات الإلكترونية. يرى العميل الأموال تغادر حسابه، ويرى التاجر عدم وصول شيء، ويغرق البنك في شكاوى يفتقر إلى السلطة المنفردة لحلها.

أرقام مبهرة، لا ضمان للجاهزية

في أكتوبر 2025، عقد محافظ مصرف ليبيا المركزي اجتماعاً مع مجلس إدارة شركة معاملات لمعالجة عطل سابق أثر على الموزع الوطني وخدمات نقاط البيع. وأعلن المصرف المركزي آنذاك أن الموزع الوطني هو “نظام سيادي والعمود الفقري لخدمات المدفوعات الإلكترونية”، وأن أي انقطاع “غير مقبول لأي فترة زمنية”، مع الاتفاق على تدابير لمنع التكرار ورفع جاهزية مراكز البيانات. بعد أقل من سبعة أشهر، تكرر العطل، في ذروة موسمية كانت متوقعة تماماً.

عند هذه النقطة، يتحول السؤال من الجانب التقني إلى الجانب التنظيمي: هل كانت التزامات شركة معاملات قابلة للقياس والتحقق؟ هل راقب المصرف المركزي تنفيذها؟ هل تم إجراء اختبارات تحمل على الشبكة قبل موسم العيد؟ وهناك معايير أداء واضحة، أو عقوبات ذات معنى، في حال الفشل؟

نجح المصرف المركزي في دفع الأرقام الرئيسية للتحول الرقمي في ليبيا إلى الأمام. لكن هذا العطل يكشف عن فجوة عميقة ومتسعة: نمو سريع في الاستخدام تقابله هشاشة مزمنة في الموثوقية التشغيلية، ونموذج إشرافي لم يواكب هذا التطور.

إن توسيع الشبكة لتشمل 165,000 جهاز وملايين المستخدمين يحمل قيمة حقيقية ضئيلة إذا كانت البنية التحتية التي تحمل هذا التوسع لا تستطيع الصمود في الأيام التي تكون هناك بأمس الحاجة إليها.

ما هو مطلوب فعلاً

لا يمكن أن يبدأ الرد على هذا الفشل باعتذار في بيان صحفي وينتهي باجتماع آخر. المطلوب هو إجراءات هيكلية على عدة مستويات:

  • الشفافية الفورية: يجب على المصرف المركزي وشركة معاملات نشر رواية رسمية واضحة تحدد سبب العطل ومدته وعدد المعاملات المتأثرة، والأهم، عدد المعاملات التي تم خصمها دون تسوية فورية، بالإضافة إلى جدول زمني لحلها. الحد الأدنى من الثقة العامة يبدأ بمعرفة المواطنين والتجار بما حدث فعلاً.
  • إطار تنظيمي ملزم: اتفاقية مستوى خدمة واضحة بين المصرف المركزي وشركة معاملات، تتضمن مؤشرات أداء محددة، ونسب تشغيل، وأوقات استجابة للأعطال، وأطر زمنية لعكس المعاملات الفاشلة، مع فرض عقوبات مالية حقيقية مقابل عدم الامتثال. يجب إجراء اختبارات تحمل إلزامية قبل رمضان، ومواسم العيد، وفترات صرف الرواتب. لا ينبغي اختبار تحمل الشبكة أمام الجمهور، في وسط السوق.
  • تقليل نقاط الفشل الفردية: لا يعني الملكية السيادية للموزع الوطني احتكار العمليات أو غياب البدائل. يمكن للنظام أن يظل تحت إشراف المصرف المركزي بينما يتم تطوير التوجيه الاحتياطي للحركة، ومراكز بيانات مستقلة، ومقدمي خدمات تقنيين داعمين، لتوزيع الحمل وتقليل المخاطر الوجودية للاعتماد الكلي على مشغل واحد.

الخلاصة

هذا العطل لم يكشف ضعف شركة معاملات وحدها. بل كشف حقيقة أن نموذج الإشراف في ليبيا لم يواكب سرعة توسعها. في بضع سنوات قصيرة، بنت ليبيا شبكة مدفوعات إلكترونية بأرقام مثيرة للإعجاب حقاً.

لكن قوة الشبكة لا تُقاس بحجم المعاملات في الأوقات العادية. بل تُقاس بقدرتها على إتمام معاملة في اليوم الذي يحتاج فيه مواطن أو تاجر إليها بشدة.

كان ذلك اليوم هو 25 مايو 2026. وفشلت الشبكة.

__________

ساتر التراب الليبي وفزّاعة التوطين

صلاح الهوني

الاتهام بالتوطين يجعل أيّ نشاط أممي مشبوهًا بذاته، فيما يصعب على المفوضية الردّ بفعالية في بيئة مؤسسية هشّة يستطيع أيّ طرف فيها توظيف الملف لمصلحته السياسية الخاصة.

حين أحاط محتجون ليبيون، مداخل مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج بسواتر ترابية، وحين اقتحم آخرون مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في جنزور، لم يكونوا يحتجّون على منظمة دولية فحسب.

كانوا يصرخون في مواجهة شعور أعمق: أن وطنهم يُدار عن بعد، وأن قرارات تمسّ هويته الديموغرافية تُتّخذ في أروقة لا يملكون مفاتيحها. هذا الشعور، صائبًا كان أم مُضخَّمًا، يكشف عن أزمة سيادة أخطر بكثير من أي موجة هجرة.

الشرارة كانت وسم “لا للتوطين”، انتشر بسرعة قياسية على منصات التواصل في أواخر أيار/مايو، مصحوبًا بوثائق ومنشورات تتحدث عن ترتيبات دولية لاستقرار دائم للمهاجرين في ليبيا. لم تؤكد أيّ جهة رسمية ليبية هذه المعلومات، ولا أيّ جهة أممية.

غير أن الإنكار وحده لم يكن كافيًا. في غياب سيناريو وطني موثوق ومؤسسات قادرة على الردّ بمصداقية، تملأ الشائعة الفراغ. وهذا بالضبط ما حدث.

لفهم ما جرى في طرابلس، لا بدّ من استيعاب السياق الذي أنتج هذا الخوف. ليبيا دولة لا تملك قانونًا للّجوء حتى اليوم. هذا الغياب القانوني فراغ يُغري بالتأويل: حين لا تحكم الدولةُ الملفَّ، تحكمه الشائعات.

وحين تُصدر مفوضية اللاجئين بطاقات إقامة لأشخاص على الأرض الليبية دون إطار قانوني وطني واضح، يتحوّل الفعل الروتيني إلى مادة دسمة للحديث عن مؤامرة “التوطين”.

تجدر الإشارة إلى أن المخاوف من التغيير الديموغرافي القسري مشروعة في جوهرها: لأيّ شعب الحق في تقرير تركيبته السكانية وهويته الوطنية. لكن الفارق الجوهري بين القلق المشروع وخطاب الكراهية المحرِّض يكمن بالضبط في وجود مؤسسة وطنية قادرة على معالجة هذا الملف بشفافية وسيادة.

والمفارقة أن ما يُغذّي الخوف من فقدان السيادة هو في حد ذاته أثرٌ من آثار غياب السيادة.

كيف وصلت ليبيا إلى هذا المشهد؟ تحوّلت البلاد تدريجيًا، كما يصفها خبراء شؤون المنطقة، من دولة عبور إلى بوابة رئيسية للهجرة غير النظامية نحو أوروبا. الموقع الجغرافي وحده لا يُفسّر ذلك؛ الجغرافيا لم تتغيّر. ما تغيّر هو قدرة الدولة على إدارة ما تملكه من أرض وحدود.

الحدود الجنوبية الليبية، الممتدة على آلاف الكيلومترات مع تشاد ونيجر والسودان والجزائر، ظلّت لعقود من الزمن في عهد القذافي خاضعة لمنطق سلطوي مركزي، سواء أُحبّ ذلك المنطق أم لا.

أما اليوم، فهي مساحة شبه خالية من حضور الدولة، تملأها شبكات تهريب البشر والبضائع والسلاح. وحين سُئل مسؤولون عن إمكانية التحكم بهذه الحدود، كان الجواب دومًا الإشارة إلى الانقسام السياسي وغياب الموارد المشتركة.

هنا يكمن جوهر المعادلة: ليبيا اليوم تعيش ازدواجية مؤسسية حادة بين غرب تحكمه حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وشرق يخضع فعليًا لسلطة المشير حفتر، مع تشابك أمني تزيده ميليشيات متعددة المرجعيات تعقيدًا. لا توجد سياسة هجرة وطنية واحدة. لا يوجد قرار موحّد. ما يوجد هو تنافس على الملف بين قوى تجد في ورقة الهجرة عملةً جيوسياسية نافذة – في الداخل وفي التعامل مع الضغط الأوروبي على حدٍّ سواء.

ثمة وجه آخر للأزمة؛ ليبيا دولة نفطية الثروة، لكن توزيع هذه الثروة بالغ الاختلال؛ البطالة مرتفعة بين الشباب، والخدمات العامة تتآكل، ومؤسسات الدولة تُعاني هشاشة هيكلية متراكمة. في هذا السياق، يُصبح وجود ما يقارب مليون مهاجر – كثيرون منهم في وضع غير نظامي – ضغطًا إضافيًا حقيقيًا على سوق عمل هشّ وخدمات صحية وتعليمية محدودة.

مصادر في وزارة الداخلية الليبية وصفت الأزمة بأنها باتت تُثير مخاوف جدّية من زعزعة التوازن الديموغرافي وإنهاك القدرة الاستيعابية للمؤسسات. هذا ليس خطابًا شعبويًا فارغًا – إنه انعكاس لواقع يشعر به المواطن يوميًا. ومع ذلك، فإن الاستجابة لهذا الواقع تبقى رهينة قدرة الدولة على ترجمة المخاوف إلى سياسات بدلًا من ترك الميدان لحملات التحريض وردود الفعل العاطفية.

لفهم موقف الأمم المتحدة، لا بدّ من فصل المؤسسة عن القصة المروجة عنها. لا يوجد أيّ دليل موثّق على أن المفوضية أو أيّ هيئة أممية تسعى فعليًا إلى “توطين” مهاجرين في ليبيا دون موافقة الدولة الليبية.

مهمة المفوضية المُعلنة هي توثيق أوضاع اللاجئين وتمكينهم من إيجاد حلول دائمة – سواء بالعودة إلى بلدانهم أو بإعادة التوطين في دول ثالثة، ليس في ليبيا. والمنظمة العربية لحقوق الإنسان طالبت من جهتها بحماية المقرات الدولية تجنّبًا للعزلة الدولية.

غير أن هذه الحقيقة تظل رهينة قدرة الدولة الليبية على إيصالها لمواطنيها بمصداقية.

وهنا يتجلى ما وصفه بعض المحللين بـ”حرب السرديات”: الاتهام بالتوطين يجعل أيّ نشاط أممي مشبوهًا بذاته، فيما يصعب على المفوضية الردّ بفعالية في بيئة مؤسسية هشّة يستطيع أيّ طرف فيها توظيف الملف لمصلحته السياسية الخاصة.

ولعل الباحث المتخصص في الشأن الليبي أنس القماطي لخّص المأزق حين لفت إلى أن أوروبا لا تستطيع تجاوز من يملك النفوذ الفعلي على مسارات الهجرة، بصرف النظر عمّن تعترف به رسميًا وهذا التناقض بين الشرعية الرسمية والنفوذ الفعلي هو جوهر الأزمة الليبية بكاملها.

ما جرى في طرابلس يومَ الرابع من حزيران/يونيو لم يكن في جوهره احتجاجًا على المهاجرين أو على الأمم المتحدة. كان تعبيرًا عن سؤال مزمن وملحّ:

  • من يمتلك قرار ليبيا؟
  • من يُجيب نيابةً عن دولة على تساؤل مواطنيها؟
  • من يصوغ سياسة هجرة وطنية تعكس المصلحة الليبية وتحمي الكرامة الإنسانية في آنٍ واحد؟

في غياب الجواب، تتشابك الأسئلة وتتصاعد حدّتها. الانقسام السياسي يجعل أيّ سياسة هجرة وطنية أمرًا شبه مستحيل: فما توافق عليه حكومة طرابلس لا يلزم الشرق، وما يفرضه الشرق لا يُعترف به في الغرب. وفي الفراغ بين السلطتين، تعمل شبكات تهريب البشر بحرية نادرة، وتتراكم أعداد المهاجرين، ويتصاعد الغضب الشعبي الذي لا يجد قناة مؤسسية تستوعبه.

هذا هو الاختبار الحقيقي للسيادة الليبية: ليس في قدرة محتجين على إغلاق مقرّ أممي بأكوام الرمال – هذا في المتناول – بل في قدرة الليبيين على بناء مؤسسة دولة قادرة على إدارة هذا الملف بسيادة وشفافية ومسؤولية. دولة لديها قانون لجوء واضح، ورقابة فعلية على الحدود، وبروتوكول منظّم للتعامل مع وجود مليون نسمة على أراضيها لا يملك أحدهم وضعًا قانونيًا محدّدًا.

الدعوة إلى مقاربة وطنية جماعية – تخرج من مؤسسات الدولة لا من قنوات التحريض الإلكتروني – ليست ترفًا فكريًا. إنها الشرط الوحيد لتحويل الغضب المشروع إلى سياسة مجدية. ليبيا اليوم تقف عند مفترق: إما أن تبني مؤسسات تُدير هذا الملف بسيادة وكفاءة، وإما أن تترك الملف رهينة انقسام يُفيد منه الجميع إلا الليبيين أنفسهم.

حين أُغلقت أبواب مفوضية اللاجئين بالرمال في طرابلس، وجدت الكاميرات مشهدًا لافتًا. لكن المشهد الأعمق – الأكثر إلحاحًا والأقل تصويرًا – هو الفراغ الهائل خلف تلك الأبواب المُغلقة: الفراغ الذي لا يملؤه غضب شعب، ولا يسدّه ساتر من التراب.

____________

رفض التوطين يُوحّد الشارع الليبي

متظاهرون ليبيون يغلقون مقرا أمميا في طرابلس بسواتر ترابية، احتجاجا على ما وصفوها ‘محاولات توطين’ مهاجرين غير نظاميين.

 أغلق متظاهرون ليبيون اليوم الخميس مقرا أمميا في العاصمة طرابلس بسواتر ترابية وطالبوا بإغلاقه نهائيا، احتجاجا على ما وصفوها “محاولات توطين” مهاجرين غير نظاميين في بلادهم، وهو ما نفته جهات رسمية في البلاد.

ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها “لا للتوطين” و”ليبيا لليبيين” و”أنا ليبي وضد التوطين” و”الأرض ليست للبيع”. ولا ينفصل هذا التحرك عن المخاوف المتزايدة من تداعيات الهجرة على التركيبة السكانية والأوضاع الأمنية، خاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي وضعف الرقابة على الحدود الجنوبية الشاسعة، ما جعل ليبيا خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم نقاط العبور نحو أوروبا عبر البحر المتوسط.

ويعكس هذا التطور حجم الحساسية التي يثيرها ملف الهجرة داخل ليبيا، خصوصا مع تزايد أعداد الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء ومن مناطق نزاع مختلفة، في وقت تعاني فيه الدولة من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرات الأمنية.

وقالت عضو تنسيقية حراك “لا للتوطين” سالمة الشعاب، في بيان وُزع خلال الفعالية “اليوم نعلن إقفال المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في كامل التراب الليبي”.

والاثنين، أكدت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية تمسكها بالثوابت الوطنية في التصدي للظاهرة وموقفها الرافض للتوطين، وشددت على “ضرورة تحري الدقة فيما تنشره بعض الصفحات على مواقع التواصل وعدم الانجرار وراء أي دعوات تحريضية أو شائعات”.

والثلاثاء، أعربت الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها “إزاء عودة انتشار معلومات خاطئة ومضللة وخطاب تحريضي على منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك محتوى يستهدف أفرادا أو فئات محددة”، في إشارة إلى المهاجرين.

وقالت إن “مثل هذه السرديات تنطوي على خطر تأجيج التوتر وانعدام الثقة والتمييز والعنف، بما يؤثر على كرامة الناس وأمنهم وحياتهم اليومية في مختلف أنحاء ليبيا”.

وأكدت الأمم المتحدة التزامها “بمواصلة العمل مع السلطات الوطنية والمحلية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمجتمعات المحلية لتعزيز الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة”.

وشددت على أنه “في وقت تواصل فيه ليبيا مواجهة تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، تقع على عاتق جميع الأطراف مسؤولية مشتركة في الامتناع عن الخطاب الذي قد يحرض على الكراهية أو التمييز أو العنف”.

وفي 2 أبريل/نيسان 2025 أعلن جهاز الأمن الداخلي بحكومة الوحدة الوطنية إغلاق مقار 10 منظمات إنسانية دولية وتعليق نشاطها، بدعوى “تورطها في مشروعات معادية لليبيا، منها توطين المهاجرين غير النظاميين، مستغلة حالة عدم الاستقرار في البلاد”.

وفي 2 ديسمبر/كانون الأول 2025، قدر وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية عماد الطرابلسي وجود نحو 3 ملايين مهاجر غير نظامي داخل البلاد، قدموا إليها بغرض الهجرة عبر البحر المتوسط نحو أوروبا.

وتنشط تجارة الهجرة غير النظامية في مناطق شمال غربي ليبيا المطلة على البحر المتوسط، لا سيما في مدن القره بوللي وصبراتة وزوارة، من قبل جماعات تستغل حالة الانقسام السياسي والفوضى الأمنية في البلاد.

***********

بعثة الأمم المتحدة في ليبيا: لا صحة لمزاعم توطين المهاجرين

نفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الخميس، صحة المزاعم المتداولة بشأن وجود برامج لتوطين المهاجرين داخل البلاد، مؤكدة أن جميع الادعاءات بهذا الشأن “عارية تماماً عن الصحة”.

وقالت البعثة، في بيان، إنها تابعت المظاهرات التي نُظمت أمام مقرها ومقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في طرابلس، مشددة على حق الليبيين في الحصول على معلومات دقيقة والتعبير عن آرائهم بصورة سلمية وفقاً للقوانين الوطنية والمواثيق الدولية.

تصاعد التوترات

كما أعربت عن قلقها إزاء ما وصفته بانتشار “المعلومات المضللة وخطاب الكراهية” المرتبط بعمل الأمم المتحدة في ليبيا، معتبرة أن ذلك ساهم في تصاعد التوترات والتحريض ضد موظفي المنظمة من الليبيين والدوليين، حسب وكالة الأنباء الألمانية.

كذلك أكدت الأمم المتحدة أن وكالاتها العاملة في ليبيا، بما في ذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لا تنفذ أي برامج تهدف إلى توطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية، لافتة إلى أن “عمل المفوضية يتركز، بالتنسيق مع السلطات الليبية والمجتمع الدولي، على إيجاد حلول للأشخاص الفارين من الحروب والنزاعات، من بينها الإجلاء إلى دول ثالثة أو تسهيل العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية عندما تسمح الظروف بذلك”.

وأدانت البعثة بشدة أي دعوات للعنف أو التهديدات الموجهة ضد موظفي الأمم المتحدة ومقارها وممتلكاتها، داعية جميع الأطراف إلى احترام حرمة منشآت المنظمة الدولية والعاملين فيها وفقاً لأحكام القانون الدولي.

فيما ثمّنت “جهود السلطات المختصة في طرابلس للحفاظ على النظام العام وضمان سلامة المتظاهرين، إلى جانب توفير الحماية لموظفي الأمم المتحدة ومرافقها”.

جماهير غاضبة

يأتي بيان البعثة الأممية في ظل تصاعد الجدل داخل ليبيا بشأن ملف الهجرة غير النظامية، وتزايد المطالبات الشعبية والرسمية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمعالجة الظاهرة.

وكانت جماهير غاضبة في العاصمة الليبية طرابلس قد تجمهرت ظهر الخميس أمام مقر منظمة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وطالبت بإقفالها على خلفية أخبار عن بطاقات توطين توزعها المنظمة على اللاجئين والمهاجرين غير القانونين في ليبيا، ما اعتبره البعض محاولة لتوطين الأعداد الغفيرة من الهجرة في ليبيا وإيقاف مدها إلى أوروبا.

كما اقتحم متظاهرون آخرون مقر البعثة الأممية في منطقة جنزور غرب طرابلس، قبل أن تتدخل قوات الأمن وتحاول منعهم من اقتحام المبنى الذي كان بداخله موظفو البعثة دوليون ومواطنون ليبيون.

___________

ليبيا بين ذاكرة الضحايا ومسار العدالة الدولية

كريم سلامة 

تشكل جلسات الاستماع والتحركات القضائية الدولية الجارية بشأن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في ليبيا واحدة من أكثر المحطات حساسية وأهمية في مسار العدالة والمساءلة منذ العام 2011.

فبعيداً عن البعد الإجرائي البحت للمحاكمات، تبرز هذه الإجراءات بوصفها لحظة تاريخية ينتقل فيها الألم الليبي من نطاق التوثيق الحقوقي المغلق إلى فضاء العدالة الدولية العلني في لاهاي؛ حيث تتحول الشهادات والروايات التي ظلت لسنوات حبيسة ملفات المنظمات وتقارير التوثيق إلى وقائع تخضع للفحص القضائي والمساءلة القانونية أمام المجتمع الدولي.

وعلى امتداد أكثر من عقد، عاش الضحايا والناجون وأسر المفقودين واقعاً معقداً اتسم بضعف مؤسسات العدالة الوطنية، واستمرار الانقسام السياسي والأمني، وتغلغل الجماعات المسلحة داخل المنظومة الأمنية، إلى جانب غياب المساءلة الفعلية عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة داخل أماكن الاحتجاز ومراكز السيطرة التابعة لتشكيلات مسلحة وأجهزة أمنية نافذة.

وفي ظل هذا الواقع، بقيت ملفات الانتهاكات الكبرى عالقة بين التوثيق الحقوقي والعجز القضائي، إلى أن أعادت التطورات القضائية الدولية الأخيرة فتح النقاش حول الانتقال من مرحلة تسجيل الانتهاكات إلى مرحلة مساءلة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي.

ولا تقتصر أهمية هذه التحركات على تحديد المسؤولية الجنائية الفردية للمتهمين؛ بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تثبيت مبدأ قانوني وأخلاقي أساسي، مفاده أن الجرائم الجسيمة ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وعلى رأسها القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي، لا يمكن أن تبقى خارج دائرة المحاسبة مهما طال الزمن أو تعقدت الظروف السياسية والأمنية.

من التوثيق إلى المساءلة: قضية الهيشري (البوتي) كمنعطف تاريخي

في البيئات التي تشهد نزاعات مسلحة أو انهياراً مؤسسياً، يبدأ مسار العدالة غالباً بمرحلة التوثيق الحقوقي، حيث تعمل المنظمات والباحثون والضحايا على جمع الإفادات وحفظ الأدلة والشهادات المتعلقة بالانتهاكات. غير أن الفجوة بين التوثيق وتحقيق العدالة الفعلية تبقى واسعة، خصوصاً عندما تغيب الإرادة السياسية أو تضعف المؤسسات القضائية المحلية عن ملاحقة المتورطين ذوي النفوذ.

وفي الحالة الليبية، مثَّلت هذه الفجوة أحد أبرز مظاهر الأزمة الممتدة منذ 2011. فرغم تراكم التقارير الحقوقية المحلية والدولية حول الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز، ظلت هذه الملفات لسنوات طويلة دون مسار قضائي فعلي.

في هذا السياق، يُعد اعتقال القيادي البارز في جهاز «الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة»، خالد محمد علي الهيشري، المعروف باسم «البوتي»، ثم تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، تطوراً مفصلياً في مسار العدالة الدولية المتعلقة بليبيا. إذ يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الملفات التي انتقلت من فضاء التقارير الحقوقية إلى أروقة القضاء الدولي في لاهاي، ضمن سياق تحقيقات المحكمة بشأن الانتهاكات المرتكبة في ليبيا منذ 2011.

ويكتسب هذا التطور دلالة رمزية وقانونية خاصة؛ إذ يواجه الهيشري اتهامات تتعلق بالإشراف والمسؤولية المباشرة والمشتركة عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب يُزعم أنها ارتُكبت داخل سجن معتيقة خلال الفترة الممتدة من 2014 إلى 2020، في إطار منظومة احتجاز ارتبطت بجهاز الردع الذي تولى إدارة مرافق أمنية وسجوناً في طرابلس.

وعندما تُعرض هذه الروايات أمام المحكمة الجنائية الدولية، فإنها لا تبقى مجرد شهادات فردية، بل تتحول إلى مادة قضائية خاضعة للفحص والتدقيق ضمن معايير الإثبات الجنائي الدولي.

الدقة الحقوقية وأهمية المصطلحات المحلية

من أبرز الجوانب اللافتة في التحقيقات والجلسات الجارية حجم الدقة التي يتعامل بها الادعاء الدولي مع الوقائع المرتبطة ببيئة الاحتجاز داخل معيتيقة. فبدلاً من السرد العام، يجري التركيز على تفاصيل لغوية ومكانية وأدوات وأساليب شكلت جزءاً من الحياة اليومية للمحتجزين، وتُعد عنصراً محورياً في إثبات الطابع الممنهج للانتهاكات.

وقد برز ذلك في التعامل مع مصطلحات محلية ليبية وردت في شهادات الضحايا والناجين، مع الحفاظ على معناها وسياقها:

البطانية: لم تعد مجرد غطاء للنوم داخل الزنازين، بل وردت في شهادات متعددة كوسيلة استُخدمت في لف ونقل جثث المحتجزين الذين قضوا تحت التعذيب أو نتيجة الإهمال الطبي.

البالة: أداة بناء تحولت في الإفادات إلى وسيلة للضرب والتنكيل وإحداث إصابات خطيرة بحق المعتقلين.

الحي الإسلامي و البلانكو: مصطلحات ارتبطت، بحسب شهادات متطابقة، بأساليب تعذيب داخل السجن شملت التعليق لفترات طويلة والصعق الكهربائي والمعاملة القاسية.

إن إدراج هذه التفاصيل في فضاء المحكمة الدولية لا يحمل فقط قيمة توثيقية، بل يكشف كيف جرى تحويل أدوات الحياة اليومية إلى وسائل ممنهجة للتعذيب والإذلال وكسر الكرامة الإنسانية.

الإفلات من العقاب في الوعي الليبي

في الوعي الاجتماعي الليبي، كثيراً ما يُستخدم المثل الشعبي: «اللي ضربته أمه باتت فيه»، في إشارة إلى حالة التعايش مع العنف أو اعتياده حتى يصبح جزءاً من الواقع اليومي غير المستنكر. ويعكس هذا التعبير، بصورة رمزية، تراكم ثقافة الإفلات من العقاب التي ترسخت عبر عقود، سواء خلال الحقبة السابقة لـ2011 أو خلال سنوات الانقسام والصراع اللاحقة.

ومع استمرار الانتهاكات دون مساءلة فعالة، ترسخ شعور عام بأن القوة المسلحة تتقدم على القانون، وأن الضحايا غالباً ما يُتركون دون إنصاف. من هنا، تكتسب المحاكمات الدولية الحالية أهميتها باعتبارها محاولة لكسر هذه القناعة التاريخية بأن الجرائم يمكن أن تمر دون حساب.

التأصيل القانوني للتعذيب والمنظومة الممنهجة

يعد حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية من القواعد الآمرة في القانون الدولي، التي لا يجوز انتهاكها أو تبريرها تحت أي ظرف، سواء في زمن السلم أو النزاعات المسلحة.

ووفقاً لاتفاقية مناهضة التعذيب للعام 1984، يتحقق وصف التعذيب عندما يُرتكب بموافقة أو سكوت جهة رسمية أو أشخاص يتصرفون بصفة رسمية. وفي القضية المرتبطة بالهيشري، لا تنظر المحكمة إلى وقائع فردية معزولة، بل إلى نمط واسع وممنهج من الانتهاكات داخل بيئة احتجاز خاضعة لهيكل أمني منظم، ما يفتح الباب أمام تطبيق مبدأ مسؤولية القائد وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل الجدل المستمر حول التزامات الدول بالتعاون مع المحكمة، خاصة فيما يتعلق بتسليم المطلوبين وعدم توفير ملاذ آمن للمشتبه بارتكابهم جرائم دولية.

العدالة وحقوق الدفاع

رغم جسامة الانتهاكات المزعومة، تقوم العدالة الدولية على ضمان محاكمة عادلة تستند إلى قرينة البراءة وفحص الأدلة واحترام حقوق الدفاع، وليس على الإدانة المسبقة أو الانتقام.

ولهذا يضمن نظام روما الأساسي للمتهم حقوقاً كاملة تشمل الاطلاع على الأدلة، واستجواب الشهود، وتقديم الدفوع القانونية بحرية. ورغم أن هذه الإجراءات قد تبدو بطيئة أو مؤلمة لبعض الضحايا، فإنها تمثل الضمانة الأساسية لصدور أحكام ذات شرعية قانونية وأخلاقية، قادرة على الصمود أمام الطعن أو التسييس.

حدود العدالة الجنائية وأفق العدالة الانتقالية

لا يمكن النظر إلى المحاكمات الدولية باعتبارها حلاً كاملاً للأزمة الليبية، أو بديلاً عن بناء مؤسسات قضائية وطنية مستقلة وموحدة. فالعدالة الجنائية الدولية تبقى محدودة النطاق، إذ تركز على ملاحقة المسؤولين الأعلى في هرم الجرائم.

لكن أهميتها الأعمق تكمن في بعدها الرمزي، وفي حفظ الذاكرة الجماعية من الإنكار. فاستماع المحكمة إلى الشهادات بلغتها المحلية يكسر جدار الصمت الذي فرضته سنوات السلاح والانقسام، ويمنح الضحايا اعترافاً قانونياً بأن ما تعرضوا له لم يكن أحداثاً عابرة بل جرائم جسيمة.

ومع ذلك، تظل العدالة القضائية خطوة أولى، ينبغي أن تتبعها عملية عدالة انتقالية شاملة تقوم على الإصلاح المؤسسي، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، وتفكيك منظومات الإفلات من العقاب.

الخاتمة

تمثل جلسات الاستماع والتحركات القضائية الجارية بشأن ملف معتيقة وقضية الهيشري (البوتي) لحظة فارقة في التاريخ الليبي المعاصر، لأنها لا تفتح فقط باب المساءلة بعد سنوات طويلة من الجمود، بل تعيد الاعتبار لأصوات الضحايا التي ظلت محاصرة بالخوف والصمت.

وفي بلد أنهكته سنوات الانقسام وضعف المؤسسات وتغول السلاح، يظل انتقال الذاكرة الليبية من التوثيق الحقوقي إلى السجل القضائي الدولي خطوة أساسية نحو كسر حلقة الإفلات من العقاب، وترسيخ مبدأ أن العدالة، مهما تأخرت، تظل ممكنة وملزمة.

__________

شبكات تهريب النفط الليبي .. نزيف اقتصادي وخسائر تلاحق الدولة

علاء فاروق

تعاني ليبيا من أزمات اقتصادية متتالية نتيجة لحالة الانقسام السياسي والحكومي وانتشار الفساد المالي والإداري، ما تسبب في حالة نزيف اقتصادي متتالي ومتكرر.

وتشكل جريمة تهريب النفط عبر شبكات ترتبط بؤسسات شبه رسمية وشخصيات نافذة في الدولة أكبر الأزمات التي تسبب حالة الضعف الاقتصادي وتفريغ خزينة الدولة الليبية التي تعتمد على النفط كعائد وحيد للدخل القومي.

“نزيف مالي لإيرادات سيادية”

يشكل ملف المحروقات في ليبيا بشكل عام أصبح أقرب إلى ثقب أسود يلتهم مقدرات الاقتصاد الوطني، حيث تبلغ فاتورة استهلاك الوقود مبالغ كبيرة، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، وصلت فاتورة الاستهلاك في شهر مايو الماضي حوالي 1.1 مليار دولارا، أي ما يعادل 12 مليار دولارا سنوياً، وهو نزيف مالي ضخم يستنزف الإيرادات النفطية السيادية للدولة. 

وتناولت عدة تقارير استقصائية ملف تهريب النفط والغاز في ليبيا، خًلُص أغلبها إلى وجود عمليات تهريب واسعة عبر شبكات نفوذ معقدة ومنظمة موزعة على الجغرافيا الليبية شرقا وغربا يساعدها أطرافا دولية وإقليمية تستغل حالة الانقسام والفوضى في ليبيا.

تثبيت الشرعية والنفوذ

وتحاول كل جهة استغلال العائد من عمليات تهريب النفط في تقوية وتثبيت شرعيتها وفرض وجودها عسكريا (مثال قوات حفتر في شرق البلاد) وكذلك فرض وجودها سياسيا ومناطقيا (حكومة الدبيبة ومن يساندها من مجموعات مسلحة غربا)، وكل ذلك تسبب في حالة نزيف اقتصادي وتراجع في إيرادات المصدر الوحيد للدخل القومي ما جعل المصرف المركزي يعاني من أزمة سيولة وعملة صعبة.

وذكرت تقارير متطابقة أن “القيادة العامة برئاسة المشير الليبي، خليفة حفتر تشكل الجانب الأكثر تنظيما ومأسسة لأنشطة التهريب في شرق البلاد وجنوبها، نظرا لسيطرة نجله نائب القائد العام الفريق، صدام حفتر  سيطرة عسكرية تامة ومباشرة على المنافذ والموانئ شرقا وجنوبا وأشهرها ميناء بنغازي القديم.

وذكر تقرير الخبراء للفريق التابع للأمم المتحدة حول ليبيا الأخير والذي نشر في إبريل الماضي أن “عمليات تهريب النفط في ليبيا وصلت إلى مستويات “غير مسبوقة” خلال العامين الماضيين، وأن شبكات مالية وشركات تُستخدم واجهة لتحويل عائدات غير مشروعة، وأن شبكات تهريب الوقود تعمل عبر موانئ ليبية وبمشاركة جهات نافذة”.

“الوجهة ومسارات التهريب وشبكات النفوذ”

كما ذكر فريق الخبراء المعني بليبيا أن “شبكة التهريب استطاعت تطوير قدراتها التشغيلية بشكل كبير، معتمدةً على بنية لوجستية تشمل مواني رئيسة وسفنًا متعددة لتسهيل التهريب، وأن عمليات التهريب لم تعد نشاطًا محدودًا، بل تحولت إلى منظومة عابرة للحدود، تمتد إلى 5 دول عربية وأوروبية، عبر استعمال أساليب متقدمة تشمل التمويه البحري وتزوير الوثائق وتغيير مسارات الشحن بشكل متكرر.

وكشفت التقارير الأممية أن “عمليات تهريب الوقود من ليبيا تتمّ عبر مواني ليبية رئيسية، أهمها: ميناء بنغازي وميناء رأس لانوف (الواقعة تحت سيطرة قوات المشير حفتر)، وأن عمليات التهريب يتم التمويه للتهرب من المراقبة والرصد عبر النقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر بهدف إخفاء مسار الشحنات، كون هذه الآلية تتيح تغيير وجهة شحنة الوقود دون تسجيل رسمي.

تهرب عبر وثائق مزورة

وتعليقا على هذه التقارير ذكرت منصة “الطاقة”، منصة متخصصة في النفط والغاز مقرها واشنطن، أن “عمليات التهريب تشمل تخزين الوقود داخل مواقع محددة في ليبيا، وكذلك بعض الموانئ القريبة ومنها ميناء مدينة بورسعيد المصرية، قبل إعادة تحميله، مع استعمال وثائق مزورة وشهادات منشأ غير دقيقة، بهدف تمرير الشحنات عبر المواني الدولية على أنها منتجات قانونية أو موجهة لأغراض مختلفة.

وذكرت المنصة المتخصصة أن البيانات الحديثة تشير إلى أن حجم الديزل المهرب من ميناء بنغازي بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026 بلغ نحو 578 ألف طن متري، ضمن إجمالي تدفقات تجاوزت 688 مليون لتر، وهو ما يعكس تصاعدًا لافتًا في عمليات تهريب الوقود من ليبيا.

كما رُصدت عمليات إضافية تضمنت ما لا يقل عن 50 شحنة من المنتجات المكررة غير القانونية، بما يعادل قرابة 636 ألف طن متري أو نحو 992 مليون لتر، نُقِلَت عبر مسارات بحرية معقدة، مع اعتماد مكثّف على تقنيات التمويه وإعادة الشحن في عرض البحر.

وفيما يتعلق بالبنية اللوجستية، وثّق التقرير استعمال ما لا يقل عن 99 حاوية و22 خزانًا عائمًا و24 ناقلة بحرية، إلى جانب 30 رحلة موثقة لنقل أكثر من 80 مليون كيلوغرام من الديزل، مع تخزين كميات في مواقع مثل بوسدرة قبل إعادة تصديرها.

وتعتمد شبكة التهريب على شركات واجهة ووسطاء دوليين لتنسيق عمليات النقل والتوزيع، ما يمنحها غطاءً قانونيًا ظاهريًا، رغم أن الأنشطة الفعلية تندرج ضمن الاقتصاد غير المشروع المرتبط بتهريب الموارد، وفق ما حللته منصة “الطاقة” بواشنطن.

رد رسمي متحفظ

وفي تعليقها على تقرير فريق الخبراء الأممي بخصوص أزمة تهريب النفط ذكرت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا “مؤسسة رسمية سيادية” أن “بعض المعلومات الواردة في التقرير لا تستند إلى مراجعة فنية مكتملة من مصادرها الرسمية، مؤكدة وجود قصور في عرض البيانات والأرقام المرتبطة بقطاع النفط والمنتجات المكررة.

لكن المتابع للشأن الليبي خاصة الاقتصادي منه يعلم جيدا أنه “منذ وصول حكومة الدبيبة إلى الحكم وعقد صفقات واتفاقات مع القيادة العامة برئاسة حفتر وعائلته شرقا ومؤسسة النفط تقع ضمن هذه التحالفات والصفقات، وأن المؤسسة خضعت إلى عملية إعادة هيكلة تهدف إلى إضعاف آليات الرقابة والتوازن الداخلي، وشمل ذلك إنشاء مكتب استراتيجي مستقل خارج المقر الرئيسي في “قصر النبأ الملكي” للموافقة على العقود والخدمات مع الشركات الخاصة دون المرور بالقنوات القانونية التقليدية.

وتعد شركة “أركنو”، وهي شركة بريطانية خاصة تدار عبر وكلاء لصدام حفتر وكذلك إبراهيم الدبيبة مستشار رئيس الحكومة الليبية، عبدالحميد الدبيبة وبموافقة الأخير أيضا، هي الواجهة التي يستغلها الطرفان في إنشاء مسار مواز لاقتصاد موازي في البلاد.

وأشارت تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة إلى أن “صدام حفتر يمارس سيطرة غير مباشرة على هذه الشركة عبر وكيله رفعت العبار (نائب وزير النفط السابق) وبلقاسم شنقير (عضو مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط السابق والمهندس التقني لتأسيس الشركة)، بإنشاء مسار موازي للتصدير والبيع.

حيث تعاقدت بشكل غير قانوني مع شركة الخليج العربي للنفط (أجوكو) التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط لرفع الإنتاج مقابل مدفوعات مباشرة عينية من النفط الخام.

وقامت بتصدير 7.6 مليون برميل نفط بقيمة 600 مليون دولار، ونجحت الشركة في تحويل أكثر من 3 مليارات دولار من عائدات النفط الليبي إلى حسابات مصرفية خارجية بين أكتوبر 2024 وفبراير 2026، وذلك بالتعاون مع شركات تجارية دولية مثل “بي جي إن إنرجي” الإماراتية، مما أدى إلى حرمان مصرف ليبيا المركزي من هذه العائدات الحيوية.

مسار عوائد تهريب النفط

وبحسب التقارير الأممية والمحلية فإن “العوائد المالية لتهريب الوقود تستخدم في تمويل صفقات الأسلحة والمعدات العسكرية ودفع مستحقات الشركاء الخارجيين، ناهيك عن تقوية اقتصاد مواز خارج رقابة وتصرف مصرف ليبيا المركزي ليكون بمثابة داعم لتثبيت شرعية وقوة وسيطرة كل طرف.

وفي محاولة لفهم تداعيات جريمة تهريب النفط والوقود من ليبيا.. التقت “عربي21” مع الخبير الاقتصادي الليبي، علي الصلح للوقوف على آثار هذه الأزمة، والذي أوضح أنه “يقف خلف شبكات تهريب الوقود منظومة جريمة منظمة وعابرة للحدود تتشارك فيها أطراف داخلية وخارجية مستغلةً غياب الرقابة التامة وثغرات منظومة التوزيع التقليدية؛ وتبرز في مقدمة هذه الشبكات واجهات تجارية ومحطات وقود قائمة ويتم تأجيرها للغير كغطاء قانوني لتسلم المخصصات المدعومة من شركة “البريقة” (شركة رسمية مقرها طرابلس) ثم تحويلها مباشرة إلى السوق السوداء ومنافذ التهريب بدلا من بيعها للمواطنين.

وأكد الخبير الليبي أن “هذه المجموعات المحلية ترتبط بشبكات تهريب دولية تتولى تنسيق عمليات الشحن والتفريغ غير القانونية عبر الموانئ البحرية والبرية لتصريف الوقود الليبي الرخيص في الأسواق الإقليمية والدولية”، وفق معلوماته.

وأضاف لـ”عربي21″: “كما يُعد الانقسام السياسي والمؤسسي البيئة المثالية التي تقتات عليها الأطراف المتنازعة والمجموعات المسلحة؛ إذ توفر لها عمليات تهريب الوقود والاستحواذ على عوائده مصدراً تمويلياً ضخماً ومستقلاً يضمن استدامة نفوذها وتمويل عملياتها وشراء الولاءات.

وتابع: “وتستفيد هذه الأطراف بشكل مباشر عبر فرض نفوذها على مسارات النقل العشوائي وموانئ التفريغ مستغلةً حالة الضعف الحاد في التمويل والحوكمة التي تواجهها المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة، لتمرير كميات وقود غير مبررة وإعادة تدويرها ماليا لتغذية نفوذها السياسي والعسكري على حساب قوت الشعب الليبي”، وفق تقديراته الاقتصادية.

_________________

العودة لقانون العدالة الانتقالية

عبدالله الكبير

صورتان متناقضتان للعدالة شاهدهما المواطن الليبي في شهر مايو 2026. ظهر في الأولي خالد الهيشري جلاد سجن معيتيقة أمام قضاة المحكمة الجنائية الدولية، تتلى عليه قائمة الاتهامات المثبتة والموثقة بالأدلة والشهادات المتطابقة للضحايا، مع ذكر أسماء أخري متورطة معه في هذه الجرائم وغيرها.

وفي الأخرى محكمة استئناف طرابلس تصدر حكمها في قضية قمع ثورة فبراير ببراءة عبدالله السنوسي ومعه عشرون متهما من قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، من تهمة ارتكاب جرائم مصنفة دوليا كجرائم ضد الإنسانية.

الأحكام الصادرة عن المحكمة السابقة في مايو 2015 تراوحت بين الإعدام والسجن المؤبد أو أقل، وبعد كل هذه السنوات، والتأجيل المتكرر من المحكمة، صدرت أحكام البراءة الصادمة للضحايا وذويهم، و قطاعات واسعة من الشعب، كانت شاهدا على الانتهاكات المروعة التي اقترفها نظام القذافي وجلاوزته، ضد المتظاهرين السلميين في عدة مدن ليبية عام 2011.

لا أحد ينكر أن المحاكم المحلية تعمل في زمن بالغ الصعوبة، بسبب الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية وضعف مؤسسات الدولة، والأدهى والأكثر مرارة من ذلك هو المرجعية القانونية  التي تستند لها المحكمة، والتي تعود إلى زمن النظام السابق حيث تصدر التشريعات لحماية النظام وتحصينه من أي تبعات، وإنزال أقصى العقوبات بكل من يناهضه، أو يرفض أو يتلكأ في تنفيذ أوامر رأس النظام أو أحد قيادات أجهزته القمعية. 

 على الفور انتشرت على وسائل التواصل مقاطع فيديو قديمة لعبد الله السنوسي وهو يدعو لسحق المتظاهرين، وشهادات بعض المسؤولين عن سلوكه وتوجيهاته في مواجهة المظاهرات، مشفوعة بتساؤلات مشروعة عن العدالة ودورها في إقامة المجتمعات الإنسانية.

 من النتائج المترتبة على هذا الحكم، هو تزايد قناعة المحكمة الجنائية الدولية، والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، في عدم قدرة القضاء المحلي على استيفاء شروط تحقيق العدالة بسبب الظروف الأمنية، وعدم مواكبة المدونة القانونية لأحكام القانون الدولي الخاص بجرائم الحرب ولجرائم ضد الإنسانية، مع الإشارة هنا إلى ورود هذه التصنيفات في التقارير الحقوقية، الصادرة عن منظمة هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية، عن عدد كبير من الجرائم والانتهاكات التي اقترفتها كتائب القذافي الأمنية والتشكيلات المسلحة بعد ثورة فبراير.

وهذا قد يدفع أسر الضحايا وذويهم وكافة المتضررين إلى اللجوء إلى القضاء الدولي، بحثا عن الإنصاف وتحقيق العدالة، بجمع الأدلة والشهادات وفتح قنوات اتصال مع الجنائية الدولية، وسوف يتعزز هذا الدافع مع تمكن المحكمة من إلقاء القبض على خالد الهيشري ومحاكمته.

 بالضرورة ستعود بنا الذاكرة إلى السنوات الأولى للثورة، وفشل المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب من بعده، في إصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية،  فهذا القانون أهمل ولم يتم التوافق عليه بين القوى السياسية الصاعدة، رغم أهميته في تصفية التركة الثقيلة للنظام السابق، عبر المكاشفة والاعتراف وإعلان الندم، من كل الذين استجابوا لأوامر القتل والتعذيب خشية من اتهامهم بالخيانة العظمى،  وتعريض حياتهم للخطر، لتعلو لغة الصفح والتسامح على لغة الانتقام، ويتم جبر الضرر الذي وقع على الضحايا.

إذا قدر لهذه المرحلة أن تنتهي بالانتخابات فإن العمل على إصدار هذا القانون ينبغي أن يكون من الأولويات، إذ لا يمكن المضي قدما قبل تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية،  ولن يملك أحد التفويض الصحيح لفتح هذا المسار مجددا سوى هيئة منتخبة، تملك الشرعية الكاملة لتحقيق هدف عزيز ظل عرضة للتجاذبات والحسابات السياسية الضيقة.

__________________ 

عبر إدارة الخصوم .. كيف غيرت تركيا إستراتيجيتها في ليبيا؟

نون إنسايت

لم تعد تركيا تتحرك في ليبيا بنفس الطريقة التي عملت بها عام 2019، فقد دعمت أنقرة وقتها حكومة طرابلس عسكريًا في مواجهة قوات اللواء الانقلابي المتقاعد خليفة حفتر، وأسهم تدخلها في منع سقوط العاصمة.

أما في 2026، فتظهر أداة أكثر مرونة: تدريب عسكري يفتح قنوات مع قوات من الشرق والغرب معًا، في محاولة من تركيا لتوسيع شبكة علاقاتها باتجاه بنغازي ومحيط حفتر، من دون التخلي عن حضورها في طرابلس.

هذا التقرير يرصد كيف تحوّل التدريب العسكري إلى أداة تركية للتواصل مع معسكري ليبيا المتنافسين، ولماذا توسّع أنقرة شبكتها شرقًا، وما إذا كان بمقدورها جمع الخصوم دون أن تدفع ثمنًا في توازناتها الإقليمية.

كيف تدخل تركيا إلى المعسكرين الليبيين؟

برزت مناورة EFES-2026 في مدينة أزمير التركية خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار، كأحدث تطور على عمل أنقرة مع معسكري الشرق والغرب في ليبيا.

شارك في المناورات 331 عنصرًا من قوات شرق ليبيا و171 عنصرًا من قوات الغرب، إلى جانب زورق هجومي ليبي، ضمن تدريبات شملت الإنزال البرمائي، والغطس القتالي، ونزع الألغام، والبحث والإنقاذ.

وجرت المشاركة تحت علم ليبي واحد في صورة أرادت أنقرة تقديمها بوصفها دعمًا لفكرة “ليبيا واحدة وجيش واحد”. لكن الأهم من الصورة هو معناها السياسي، فالمناورة لم توحّد المؤسسة العسكرية الليبية، ولم تُنهِ الانقسام بين الشرق والغرب.

ووفرت المناورة عمليًا قناة اتصال آمنة بين ضباط وجنود من معسكرين متنافسين، ومجالًا لاختبار قدرتهم على العمل جنبًا إلى جنب في بيئة تدريبية لا تتحول إلى مواجهة حقيقية.

ولم تأتِ التدريب التركي في فراغ، فقبلها بأسابيع، استضافت سرت جزءًا من تدريب فلينتلوك الذي تديره القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، بمشاركة دولية واسعة وتنسيق ليبي عبر ترتيبات اللجنة العسكرية المشتركة.

لكن الفارق أن فلينتلوك وضع التدريب الليبي في سياق دولي تقوده واشنطن، بينما منحت أنقرة منصة خاصة لتقديم نفسها طرفًا قادرًا على التعامل مع قوات من الشرق والغرب في الوقت نفسه.

ويستند هذا المسار إلى خبرة تركية أطول في ليبيا، فمنذ توقيع اتفاق التعاون الأمني والعسكري مع حكومة الوفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بنت تركيا برنامج تدريب واسعًا للقوات المرتبطة بالغرب الليبي داخل ليبيا وفي تركيا.

وبحلول 2021، كانت دفعات من الجنود الليبيين قد أنهت تدريبات بإشراف تركي، بينما واصل آخرون برامج تدريبية في مجالات قتالية وفنية، إلى جانب طلاب عسكريين في المؤسسات التركية.

وفي 2026، قدمت أنقرة أرقامًا أكبر عن حجم التدريب الذي وفرته لليبيين، بما يشير إلى أنه لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أداة نفوذ مستمرة.

فهو يمنح تركيا قناة للتعامل مع الضباط والجنود، ويسمح لها بتقديم التدريب والتأهيل الفني ورفع مستوى التنسيق، من دون حصر حضورها في الدعم العسكري المباشر أو الاصطفاف الحاد مع طرف ضد آخر.

لماذا توسّع أنقرة شبكة علاقاتها في ليبيا؟

حين تدخلت تركيا في حرب 2019، فعلت ذلك بوصفها حليفًا واضحًا لحكومة الوفاق آنذاك في مواجهة قوات حفتر. ومكّن هذا التدخل حكومة طرابلس من الصمود، ومنح أنقرة موطئ قدم عسكريًا وسياسيًا في الغرب الليبي.

وفي المقابل، حصلت تركيا على اتفاق أمني وعسكري، وآخر لترسيم الحدود البحرية عزز موقعها في شرق المتوسط، ثم دخلت لاحقًا في تفاهمات مرتبطة بالطاقة والاستثمار.

لكن الاعتماد الكامل على طرابلس بقي محفوفًا بالمخاطر، فالغرب الليبي نفسه يعاني تنافسًا بين القوى المسلحة، وتعثرًا سياسيًا، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض قرار موحد.

كما أن أي تسوية ليبية مقبلة لا يمكن أن تتجاهل البرلمان في طبرق، والقيادة العسكرية في الشرق، وشبكات النفوذ المحيطة بحفتر. ولهذا بدأت أنقرة سياسة انفتاح محسوبة، فهي لا تغادر طرابلس، لكنها لا تريد أن تبقى رهينة لها وحدها.

ومن هنا، فتحت قنوات مع بنغازي والشرق الليبي، مستفيدة من التهدئة الإقليمية مع مصر والإمارات، ومن الحاجة الليبية إلى الإعمار والعقود والشركات بعد سنوات الحرب.

وفتحت كارثة فيضانات درنة في سبتمبر/أيلول 2023، بابًا إضافيًا أمام الشركات التركية للعودة إلى الشرق تحت عنوان الإغاثة وإعادة الإعمار.

ثم تطورت الإشارات السياسية والعسكرية لاحقًا، مع زيارات واتصالات شملت صدام نجل خليفة حفتر ومسؤولين أتراكًا، وحديثًا عن تدريب وصيانة معدات وإزالة ألغام وتشغيل منظومات عسكرية.

صدام حفتر، قائد القوات البرية لجيش الشرق برفقة وزير الدفاع التركي يشار غولر في أنقرة، 4 أبريل/نيسان 2025

كما عكست زيارة سفينة عسكرية تركية إلى ميناء بنغازي لاحقًا انتقال التواصل من مستوى سياسي محدود إلى مجال عسكري وبحري أكثر رمزية.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن تركيا انقلبت على طرابلس، فما زال وجودها العسكري والفني في الغرب قائمًا، وما زالت الاتفاقات البحرية والأمنية مع سلطات طرابلس تمثل أصلًا استراتيجيًا مهمًا لأنقرة.

إذن، فالفكرة ليست استبدال طرابلس ببنغازي، بل بناء شبكة أوسع تضمن أن مصالح تركيا لن تسقط إذا تغيّر ميزان القوى أو فُرضت تسوية جديدة تشمل الشرق والغرب معًا.

هل تجمع تركيا الخصوم دون خسارة أحدهم؟

لا تخلو سياسة التوازن هذه من مخاطر، ففي طرابلس، قد تنظر بعض القوى السياسية والعسكرية بريبة إلى أي تقارب تركي مع حفتر أو محيطه.

فتركيا بالنسبة إلى كثيرين هناك ليست طرفًا خارجيًا عاديًا، بل الحليف الذي ساعد على وقف هجوم الشرق على العاصمة. لذلك، قد يُقرأ انفتاحها على بنغازي كتهديد لمكاسب حلفائها السابقين، أو كمدخل لمنح قوات الشرق تدريبًا وخبرات كانت حكرًا على الغرب.

في المقابل، لا يعني انفتاح حفتر أو محيطه على تركيا أن الشرق الليبي يغيّر تحالفاته جذريًا، فقد يستخدم ذلك تكتيكيًا للحصول على تدريب أو معدات أو اعتراف سياسي أوسع، دون التخلي عن علاقاته التقليدية مع مصر والإمارات وروسيا. لذلك يبقى الانفتاح التركي على الشرق محكومًا بحسابات متبادلة، لا ضمانات سياسية كاملة.

يزيد الأمر تعقيدًا أن تركيا لا تتحرك وحدها في ليبيا:

  • الولايات المتحدة دفعت في 2026 نحو خطوات لدعم التفاهم على ميزانية موحدة، ورعاية تدريبات مثل فلينتلوك عبر أفريكوم.
  • إيطاليا تسعى إلى استقرار الساحل وضمان مصالح الطاقة والهجرة.
  • أما مصر والإمارات فتبقيان لاعبين أساسيين في معادلة الشرق.
  • روسيا تعيد تموضعها بعد نهاية مرحلة مرتزقة فاغنر عبر شبكات عسكرية وأمنية لا تزال مؤثرة في الجفرة والهلال النفطي.
  • فرنسا واليونان تظلان على خلاف مع أنقرة بشأن الاتفاقات البحرية في شرق المتوسط.

وفوق هذه التوازنات الخارجية، يبقى الواقع الليبي نفسه متشظيًا، فالتدريب المشترك والميزانية الموحدة لا يخفيان أن ليبيا لا تزال بلا جيش موحد.

فهناك تشكيلات مسلحة متعددة، وشبكات ولاء وتمويل منفصلة، ومراكز قيادة متنافسة، ولا يوجد حتى الآن إطار واضح لتقاسم القيادة والسيطرة بين رئاسات الأركان في الشرق والغرب، أو لدمج السلاح والتمويل تحت سلطة واحدة.

كما أن خطاب التوحيد يجري بالتوازي مع استمرار سباق التسليح، فالتقارير عن حصول قوات حفتر على مسيّرات ومعدات رغم حظر السلاح تُظهر أن التدريب لا يلغي منطق القوة، بل قد يجري إلى جانبه. لذلك تبقى التمرينات قناة تواصل أكثر منه بداية مؤكدة لدمج المؤسسة العسكرية.

من هنا، لا يتوقف نجاح تركيا على قدرتها على جمع ضباط من الشرق والغرب في مناورة واحدة، بل على قدرتها على إدارة حساسيات الطرفين من دون الاصطدام باللاعبين الخارجيين الذين يملكون أوراقًا عسكرية واقتصادية داخل ليبيا.

______________

هل تاه العدل في ليبيا وأدركته المحاكم الدولية؟

كريمة ناجي 

حقوقيون: قراءة الواقع تكشف عن أن الكفة تميل عملياً نحو صورة من صور الوصاية القضائية المفروضة بحكم الانهيار الداخلي

تطرح قضية الهيشري سؤالاً عن السيادة القضائية الليبية في ظل مواصلة العدالة الدولية إدارة عدد من الملفات القضائية الليبية، “مما أضعف قدرة ليبيا على تأسيس نظام محاسبة وطني”، كما جاء على لسان مندوبة روسيا بمجلس الأمن الدولي خلال الشهر الجاري. 

بعد أحداث ثورة فبراير (شباط) عام 2011، تم تحويل ملف الدولة الليبية إلى محكمة الجنايات الدولية وفق القرار رقم 1970 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. ويمنح القرار المحكمة الولاية القضائية للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وأعلن القضاء الليبي بصفة رسمية قبول اختصاص محكمة الجنايات الدولية للنظر في الجرائم الواقعة بليبيا.

منذ 2011، بدأت محكمة الجنايات الدولية بممارسة ولايتها القضائية وأصدرت أوامر قبض بحق قيادات النظام السابق وعلى رأسهم الرئيس الأسبق معمر القذافي، غير أنها سقطت بوفاته، إضافة إلى نجله سيف الإسلام القذافي، ورئيس الاستخبارات الأسبق عبدالله السنوسي، وغيرهم من آمري التشكيلات المسلحة على غرار قيادات ميليشيات “الكانيات” المتورطين في جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب والمقابر الجماعية، وعلى رأسهم عبد الرحمن الكاني، وفق مذكرات قبض وصفت بـ”السرية”، وصدرت في الفترة بين عامي 2023 و2024.

وأنهت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي جلسات “تأكيد التهم” بحق القيادي الليبي والمدير السابق لسجن  النساء بمعيتيقة خالد الهيشري، الـ21 من مايو (أيار) 2026، وتستعد الدائرة التمهيدية لإصدار قرارها خلال 60 يوماً.

وانطلقت المحكمة الجنائية الدولية في محاكمة الهيشري على خلفية ارتكابه 17 جريمة تتوزع بين جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، في أواخر ديسمبر (كانون الأول) عام 2025. وطرحت محاكمة الهيشري سؤالاً عن السيادة القضائية الليبية في ظل مواصلة العدالة الدولية إدارة عدد من الملفات القضائية الليبية، “مما أضعف قدرة ليبيا على تأسيس نظام محاسبة وطني”، كما جاء على لسان مندوبة روسيا بمجلس الأمن الدولي خلال الشهر الجاري. 

شريك في العدالة

تقول القانونية الليبية خولة بن شعبان إن محكمة الجنايات الدولية ترى في تدخلها بليبيا تطبيقاً للعدالة الدولية، وإن الدولة الليبية هي صاحبة السيادة باعتبار أن جهازها القضائي مستقل، بالتالي فإن وجود محكمة الجنايات الدولية يعد جزءاً مكملاً لهذا الجهاز.

وأضافت أن توجه روسيا للقول على لسان مندوبتها لدى مجلس الأمن الدولي إن محكمة الجنايات تحول دون تمكن ليبيا من “بناء نظام محاسبة وطني”، فيه إيحاء بأن محكمة الجنايات الدولية ليست صاحبة الاختصاص الأصيل للتدخل في أية قضية تتعلق بليبيا.

وبخصوص تدخل محكمة الجنايات الدولية في الملف الليبي كشريك في العدالة لا للوصاية، تقول بن شعبان إن الدولة الليبية تتمتع باستقلال تام، ولا يحق لأية دولة أخرى أن تتدخل فيها، لذلك فإن وجود محكمة الجنايات الدولية يعد جزءاً رقابياً يتعلق بتطبيق القضاء بحذافيره، بالتالي ليبيا ليست قابعة تحت الوصاية القضائية الدولية.

وتضيف أن نظر محكمة الجنايات الدولية إلى ليبيا كشريك في العدالة مرتبط بشروط، أولها وجود قضاء نزيه قادر على ملاحقة ومحاسبة مرتكبي الجرائم وتطبيق القوانين بحذافيرها، ولكن إذا حدث العكس وفشلت الدولة الليبية في تطبيق أحكام القضاء تتوجه محكمة الجنايات الدولية إلى وضع الملف الليبي تحت الوصاية القضائية باعتبار أن الدولة تفتقر إلى جهاز قضائي مستقل.

وتؤكد المتخصصة في المجال القانوني، أنه لا وصاية قضائية لأية دولة على أخرى إلا إذا كان هناك سبب مباشر يحال فيه ملف الواقعة أو القضية إلى الجهاز القضائي الدولي، الذي ينظر إلى تلك الدولة على أنها ليست محلاً للثقة القضائية، ويكون هذا بخاصة في ظل وجود انقسامات سياسية وعدم توفر جهاز قضائي مستقل. 

وتوضح أن معاملة محكمة الجنايات الدولية لليبيا كشريك في العدالة مرتبط بنزاهة واستقلال القضاء وقدرته على تطبيق الأحكام بحق المجموعات الخارجة عن القانون، إضافة إلى تمتعه بمنظومة قانونية فعالة، ووقتها لا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية إضعاف القضاء المحلي، بل ستنظر إليه كشريك في العدالة الدولية، لأنه يطبق قوانينه داخل حدوده، ولا يمكن لأية جهة انتهاك أحكامه.

وتبرز بن شعبان أنه إذا حدث العكس ستفقد المحكمة الجنائية الدولية ثقتها في الجهاز القضائي الليبي، بالتالي سيكون تدخلها نوعاً من الوصاية غير المباشرة، مبينة أن اعتبار ليبيا دولة تحتاج إلى وصاية قضائية مرتبط بالانقسامات السياسية، ومشيرة إلى أن مندوبة روسيا بمجلس الأمن الدولي أرادت أن توضح أن محكمة الجنايات الدولية، ووفقاً للواقع الليبي المعاش، ترى أن ليبيا تحتاج إلى وصاية باعتبار أنها ما زالت تخشى عدم تطبيق بعض القوانين في ظل الانقسامات السياسية الحالية. 

وصاية بحكم الانهيار

من جانبه، يرى عضو مجلس الدولة عادل كرموس، أن الإفلات من العقاب سمة لا يمكن تجاهلها في ليبيا، فعديد الجرائم ترتكب كل يوم ولا يمكن للجهات الضبطية القبض على الفاعل، الأمر الذي يدفع إلى اللجوء للقضاء الدولي لأنه الملاذ الوحيد الذي يضمن معاقبة الجناة.

وتقول الحقوقية منى توكا إن العلاقة بين ليبيا ومحكمة الجنايات الدولية منذ صدور القرار رقم 1970 عام 2011 ظلت حائرة بين مفهومي الشراكة والوصاية، لكن قراءة الواقع تكشف عن أن الكفة تميل عملياً نحو صورة من صور الوصاية القضائية المفروضة بحكم الانهيار الداخلي.

وتتابع أنه من الناحية النظرية تأسست المحكمة على مبدأ التكامل، أي إنها لا تتدخل إلا عندما يكون القضاء الوطني غير قادر أو غير راغب في إجراء التحقيقات والمحاكمات، وبناءً على ذلك تصنف ليبيا قانونياً كدولة تعاني عجزاً مؤسسياً وأمنياً يمنعها من ممارسة العدالة بصورة كاملة، لا كشريك يمتلك قدرة فعلية على فرض سيادته القضائية.

وتستدرك الحقوقية الليبية أنه على مستوى الواقع ينظر إلى تحركات المحكمة الجنائية الدولية كوصاية “قضائية انتقائية”، فالإصرار على ملاحقة وتسليم شخصيات محددة فقط مقابل العجز عن الوصول إلى أطراف نافذة أخرى في البلاد خلق انطباعاً واسعاً بأن العدالة الدولية تتحرك أحياناً وفق توازنات سياسية دولية أكثر من تحركها وفق معيار موحد للعدالة.

وتذهب للقول إن المحكمة الجنائية لا تتعامل مع ليبيا كشريك متكافئ لأن الشراكة الحقيقية تفترض وجود دولة قادرة على تنفيذ أوامر القبض وحماية قضاتها ومؤسساتها، غير أنه وفي ظل سطوة المجموعات المسلحة والانقسام السياسي، فُرض واقع يمكن أن يسمى “الوصاية القضائية الاضطرارية” وإن ظلت هذه الوصاية محدودة التأثير على الأرض.

وتؤكد أن استمرار الانقسام السياسي في ليبيا يشكل عائقاً مباشراً أمام العدالة وحقوق الضحايا، ويتجلى ذلك في مستويات خطرة عدة وفق وصفها، أولها تعدد السلطات وتضارب الولاءات المسلحة، الأمر الذي أدى إلى خلق بيئات آمنة للإفلات من العقاب، إذ يمكن للمتهمين بانتهاكات حقوقية أن يجدوا الحماية بمجرد انتقالهم إلى منطقة نفوذ أخرى مما جعل تنفيذ أوامر القبض أو ملاحقة الجناة أمراً شديد التعقيد.

ثانيها، وفق توكا، تسييس ملف الضحايا بصورة واضحة، إذ أصبحت بعض الانتهاكات تحظى بالاهتمام لأنها تخدم خطاباً سياسياً معيناً، بينما يتم تجاهل ملفات أخرى لا تقل فداحة مثل قضايا المختفين قسرياً، والنازحين، وضحايا السجون السرية، والانتهاكات الواقعة في مناطق الهامش.

أما المستوى الثالث، فتؤكد الحقوقية الليبية أنه يتمحور حول الانقسام الذي تسبب في إضعاف المؤسسات القضائية والرقابية، سواء من خلال الانقسام الإداري أو عبر الضغوط والتهديدات التي يتعرض لها القضاة وأعضاء النيابة من قبل القوى المسلحة المسيطرة على الأرض، الأمر الذي قيد قدرة القضاء على العمل باستقلالية حقيقية، موضحة أن غياب الدولة الموحدة لا يحرم الضحايا فقط من العدالة الجنائية، بل ومن حقوقهم في جبر الضرر بما يشمل التعويضات والرعاية الصحية والنفسية وبرامج الإنصاف وإعادة الاعتبار وغيرها.

وحول مدى توفر عدالة حقيقية من دون استقرار سياسي، تقول توكا إن تحقيق عدالة شاملة ونهائية يبقى أمراً بالغ الصعوبة في ظل غياب الاستقرار السياسي والمؤسساتي، مشددة على أن من الخطأ أيضاً الاعتقاد بأن الاستقرار السياسي يمكن أن يتحقق أولاً ثم تأتي العدالة لاحقاً، لأن أية تسوية سياسية تقوم على تجاهل الانتهاكات أو دمج أمراء الحرب في السلطة من دون محاسبة حقيقية ستنتج استقراراً هشاً وقابلاً للانفجار في أية لحظة، فالعدالة ليست نتيجة للاستقرار فقط بل هي أحد شروطه الأساسية.

وتضيف أنه في ظل الواقع الليبي الحالي، تبدو العدالة الانتقالية الكاملة مؤجلة، لكن ذلك لا يعني توقف العمل الحقوقي، فالمعركة اليوم تتمثل في بناء “عدالة توثيقية” تقوم على توثيق الجرائم وحفظ الأدلة وتحديد المسؤولين ودعم المسارات القضائية الوطنية والدولية، حتى لا تضيع هذه الانتهاكات مع الزمن أو تتحول إلى جزء طبيعي من المشهد السياسي المقبل.

وتقول الحقوقية الليبية إن القضاء الليبي لا يزال يمتلك هامشاً للمناورة في بعض الملفات، لكنه يظل هامشاً هشاً ومقيداً بالواقع الأمني والسياسي، لذلك أصبحت المسارات الدولية على رغم جميع الملاحظات عليها (تؤجج الصراعات وتتدخل في السيادة القضائية) إحدى الأدوات الضرورية لحماية الحد الأدنى من إمكانية المحاسبة إلى حين استعادة الدولة الليبية مؤسساتها وسيادتها القانونية الكاملة.

تكامل الشراكة والتنسيق

يرى المتخصص في القانون الدولي أحميد الزيداني أن العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية والأجهزة القضائية في ليبيا مبنية على “الشراكة والتنسيق”، مشيراً إلى التعاون والتنسيق المشترك والزيارات المتكررة لفِرق مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية إلى ليبيا واللقاءات المتعددة مع مكتب النائب العام تحديداً، ولعل أبرزها زيارة المدعي العام بالمحكمة الجنائية في الـ18 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ولقائه بالنائب العام الليبي الصديق الصور، لإيجاد “السبل الفضلى التي تفضي إلى إنصاف الضحايا وعدم إفلات الجُناة من العقاب” وفق ما صرح به مكتب النائب العام وقتها. 

ويقول إن قرار الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2013، القاضي بأن تحقق السلطات الليبية المُختصة في قضية رئيس الاستخبارات الليبية الأسبق عبدالله السنوسي لأنها راغبة وقادرة على الاضطلاع بدورها في التحقيق معه، أدى إلى رفض المحكمة الدولية القضية المرفوعة ضد السنوسي أمامها عملاً بمبدأ التكامل القضائي، وهو أمر يبين أن التعامل بين المحكمة ودولة ليبيا مبني على أساس الشراكة والتكامل لا على أساس الوصاية القضائية، كما يقول البعض.

وفي ما يتعلق بفرضية أن القضاء الدولي يضعف القضاء المحلي أو يدعمه، يقول الزيداني إن قرار إحالة ملف قضية السنوسي إلى القضاء الوطني وفق بمبدأ التكامل، كان فرصة حقيقية لدولة ليبيا لكف الملاحقات القضائية الدولية ضد بعض من يزعم ارتكابهم جرائم حرب والجرائم ضد الإنسانية، وذلك عبر مباشرة إجراء محاكمات ضدهم. ولكن أموراً كالانقسام السّياسي، وتغول سيطرة المليشيات على مفاصل الدول، كانت سببًا في عدم المضي في إنجاز محاكمات يدان فيها الجناة وينصف فيها الضحايا عبر القضاء الوطني، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بعض الضحايا وذويهم يرون أن التأخر في تطبيق العدالة هو ظلم بحد ذاته، الأمر الذي يستوجب ضرورة اتخاذ خطوات عملية على أرض الواقع تطبيقاً للعدالة وإنصافاً لهم.

ويوضح أن مبدأ التكامل ينص على أن القضاء الوطني للدول هو المعني أساساً بالنظر والتحقيق في الجرائم الدولية ومقاضاة مرتكبيها، وفي حال عدم رغبة أو عجز الدول، وفقاً للمادة 17 من نظام روما الأساسي المُنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، فإن المحكمة تباشر اختصاصاتها.

ويشير الزيداني إلى أن المُلاحقات القضائية الدولية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية قد لا تكون من خلال المحكمة الجنائية الدولية فقط، فهناك ملاحقات من خلال مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، الذي يخول للدول أن تباشر النظر والتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بمعزل عن الدول التي كانت محلاً للجرائم المزعوم ارتكابها.

____________

مصيدة الدولار في ليبيا: عجز مالي وضغوط مستمرة على الدينار وسط اتساع السوق الموازية

أحمد الخميسي

تتواصل الضغوط على سوق الصرف الأجنبي في ليبيا مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدينار الليبي وسعره في السوق الموازية، في وقت تكثف فيه السلطات النقدية تدخلاتها للحد من التقلبات دون أن تنجح حتى الآن في كبح الاتجاه الصعودي للدولار.

ويصف خبراء اقتصاديون هذا الوضع بأنه أقرب إلى “مصيدة الدولار”، حيث تتراجع فعالية السياسة النقدية تدريجياً أمام توسع السوق السوداء، وارتفاع الطلب على العملة الصعبة بدافع الاكتناز والمضاربة، وليس لأغراض الاستيراد والتجارة الخارجية فقط.

وشرحوا أنه في هذه الحالة تتحول العملة الأجنبية من مجرد وسيلة للاستيراد إلى مخزن للقيمة وأداة للتحوط والمضاربة، بما يفقد السياسة النقدية فعاليتها تدريجياً، حتى مع استمرار ضخ النقد الأجنبي.

ويأتي ذلك في سياق اقتصادي يتسم باعتماد كبير على النفط مصدراً وحيداً للنقد الأجنبي، إلى جانب انقسام سياسي وإنفاق عام مرتفع، وهي عوامل يقول محللون إنها تعمّق هشاشة الدينار وتدفع المزيد من التعاملات نحو القنوات غير الرسمية.

ورأى الخبير الاقتصادي، محمد أبوسنينة، أن التغييرات المتكررة في ضوابط النقد الأجنبي والتعليمات المنظمة لبيعه “تعكس غياب رؤية مستقرة لإدارة السوق”، مضيفاً أن كثرة القيود عادة ما تؤدي إلى نتائج عكسية عبر تنشيط السوق السوداء بدلاً من احتوائها.

وأضاف لـ”العربي الجديد” أن السوق الموازية في ليبيا لا تعمل وفق آليات المنافسة الطبيعية، بل تهيمن عليها مجموعات مضاربة قادرة على توجيه الأسعار، مستفيدة من الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، ومن إدراكها أن هدف السلطات النقدية يتمثل أساساً بتقليص الفجوة، لا تثبيت السعر.

وقال أبوسنينة إن استمرار المصرف المركزي بوصفه “المصدر الوحيد للنقد الأجنبي” يجعل الاقتصاد عرضة للاهتزازات، داعياً إلى تطبيق أدوات رقابية تربط بين منظومات الدفع والتسويات لمنع استخدام الصكوك المصرفية في تغذية المضاربة على الدولار.

من جانبه، رأى أستاذ الاقتصاد بجامعة طرابلس، أحمد مبروك، أن الأزمة الحالية “ليست أزمة دولار بقدر ما هي أزمة ثقة”، موضحاً أن المواطن والتاجر باتا ينظران إلى العملة الأجنبية باعتبارها ملاذاً آمناً في مواجهة التضخم وتراجع القوة الشرائية للدينار.

وقال إن “أي اقتصاد يفقد فيه المواطن الثقة بعملته الوطنية، يتحول الدولار داخله إلى سلعة بحد ذاته، وليس مجرد وسيلة تبادل”، مشيراً إلى أن ارتفاع الطلب على الدولار في ليبيا لا يرتبط دائماً بالاستيراد، بل بالاكتناز والمضاربة والتحوط.

ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مصرف ليبيا المركزي ضخ الدولار نقداً عبر المصارف التجارية لتغطية الاستخدامات الشخصية عند سعر الصرف الرسمي، في محاولة لتلبية الطلب النظامي على النقد الأجنبي، فيما يستمر تداول الدولار في السوق الموازية عند مستويات مرتفعة تصل إلى نحو 8.3 دنانير للدولار، وفق تقديرات متداولة في السوق.

وفي تطور لافت، أعلن مصرف ليبيا المركزي أن استخدامات النقد الأجنبي خلال أول شهرين من عام 2026 تجاوزت الإيرادات النفطية المحوّلة إليه، ما أدى إلى عجز يناهز ملياري دولار، غُطِّي من عوائد استثمارات المصرف واحتياطياته المالية، في مؤشر يعكس استمرار اختلال التوازن بين الإيرادات والطلب على العملة الأجنبية.

وتواجه ليبيا ضغوطاً متزايدة على الطلب على النقد الأجنبي، مع اتساع الإنفاق بالعملة الصعبة مقارنة بتدفقات الإيرادات النفطية، واستمرار اعتماد المالية العامة والاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على عائدات النفط.

بدوره، اعتبر المحلل المالي، عبد الفتاح أبوقصة، أن الاقتصادات الريعية تكون أكثر عرضة للوقوع في ما يُعرف بـ “مصيدة الدولرة“، نتيجة اعتمادها شبه الكامل على مصدر وحيد للعملة الأجنبية، وهو ما يجعل أسواقها النقدية شديدة الحساسية تجاه أي اضطرابات سياسية أو مالية.

وأوضح لـ”العربي الجديد” أن هذا النمط الاقتصادي يؤدي تدريجياً إلى تآكل دور العملة المحلية داخل الاقتصاد، مع تحول العملة الأجنبية إلى أداة موازية للتسعير والادخار وحتى التبادل اليومي، خصوصاً في ظل ضعف الثقة بالمؤسسات المالية وتذبذب السياسات النقدية.

وأضاف أن استمرار هذا المسار يعمّق الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، ويقلص قدرة المصارف المركزية على التأثير الفعلي في سلوك السوق، حتى في حال زيادة المعروض من النقد الأجنبي أو تشديد القيود التنظيمية.

___________

إلى أي مدى يسهم التحرك التركي في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية؟

علاء حمودة

بعد أكثر من عقد على الانقسام العسكري والأمني في ليبيا، أعادت المناورات العسكرية التي استضافتها تركيا مؤخراً، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى واجهة المشهد العام، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرة تحركات أنقرة على دفع هذا المسار المعقّد إلى الأمام.

وشهدت مناورات «أفس – 2026»، التي أُجريت بمدينة إزمير غرب تركيا في 21 مايو (أيار) الحالي، مشاركة 331 عنصراً من شرق ليبيا التابعين لـ«الجيش الوطني الليبي»، و171 عنصراً من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب البلاد، ضمن تدريبات ضمّت وفوداً عسكرية من نحو 30 دولة.

وتؤكد أنقرة في خطابها الرسمي، دعمها لفكرة «ليبيا واحدة وجيش واحد»، عبر تعزيز التنسيق والتدريب المشترك بين الأطراف الليبية.

وتلقى المشاركون الليبيون تدريبات في مجالات القوارب والزوارق، والألغام والعبوات الناسفة، والتحصينات، وعمليات القوات الخاصة، ووحدات الدعم الجوي والبري، والإسعافات الأولية، والعمليات البرمائية، وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية، إضافة إلى مهام البحث والإنقاذ في ساحات المعارك.

غير أن دوائر بحثية تركية ترى أن الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية بشكل كامل «لا يزال مبكراً». وقال المحلل السياسي التركي الدكتور جواد جوك، إن تركيا تسعى إلى دعم التوافق السياسي والعسكري بين الطرفين عبر قيادات عسكرية مقبولة من الجانبين، والعمل على تعزيز العلاقات بين معسكري بنغازي وطرابلس، موضحاً أن المناورات «تفتح قنوات تواصل مباشرة بين العسكريين الليبيين من الشرق والغرب، وتدعم فكرة التدريب الموحد، وبناء قدر من الثقة بين الطرفين».

وأضاف جوك، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن استضافة تركيا لمناورات «أفس – 2026» تمثل «خطوة مهمة للغاية»، لكونها المرة الأولى منذ الانقسام السياسي والعسكري عام 2014 التي تُجرى فيها مناورات خارج الأراضي الليبية بمشاركة قوات من الجانبين. وأشار في الوقت نفسه، إلى أن أهداف هذه المناورات «تبدو سياسية أكثر منها عسكرية»، في إطار سعي أنقرة إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، خصوصاً في الملف الليبي.

وتقول تركيا، إنها دربت أكثر من 23 ألف عسكري ليبي، لا سيما من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب البلاد، داخل مراكز تدريب في تركيا وليبيا، إلى جانب استمرار برامج الدعم المتعلقة بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية والإرهاب.

وجاءت هذه المناورات بعد تمرين «فلينتلوك – 2026» متعدد الجنسيات، الذي استضافته مدينة سرت الليبية وكوت ديفوار الشهر الماضي، بمشاركة قوات ليبية مشتركة من الشرق والغرب، وبدعم من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).

من جانبه، رأى المحلل العسكري الليبي محمد الترهوني، أن «هناك توافقاً دولياً متزايداً خلال الفترة الأخيرة بشأن ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وإنهاء حالة الانقسام»، مشيراً إلى أن هذا المسار تدعمه، بحسب وصفه، «قوة عسكرية احترافية في الجيش الوطني الليبي».

وقال الترهوني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة الغربية لا تضم حتى الآن تكويناً عسكرياً مماثلاً من حيث الهيكلة والانضباط، رغم وجود بعض الأطراف التي يمكن البناء عليها مستقبلاً لتشكيل مؤسسة عسكرية موحدة».

وبحسب رؤيته، فإن العائق الرئيسي في غرب ليبيا يتمثل في «وجود تيار الإسلام السياسي المدعوم من مفتي غرب البلاد الصادق الغرياني»، لافتاً إلى أن التكتلات المسلحة في مدينتي مصراتة والزاوية «ترفض بصورة كبيرة مشروع توحيد الجيش»، باعتبار أن ذلك «يعني نهاية نفوذ الميليشيات التي سيطرت خلال السنوات الماضية على موارد الدولة ومفاصل الحكم ومعيشة المواطنين».

ولم تحظَ المناورات التركية باهتمام واسع من وسائل الإعلام التابعة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا، التي ركزت بصورة أكبر على مناورات «درع الكرامة 2» التي أُقيمت مؤخراً في شرق البلاد بمشاركة أكثر من 25 ألف جندي، في حين لاقت «أفس – 2026» اهتماماً ملحوظاً في غرب البلاد، خصوصاً مع مشاركة رئيس أركان قوات «الوحدة» الفريق أول صلاح الدين النمروش، على رأس وفد من الضباط الليبيين.

ووفق هذه المعطيات، يعتقد مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية شريف بوفردة، أن المؤسسة العسكرية الليبية «لا تزال بعيدة عن التوحيد وفق المعايير المهنية والاحترافية». وعزا ذلك إلى «الخلل البنيوي القائم على مستوى تسلسل القيادة، وطبيعة العلاقة بين القيادات السياسية والعسكرية، فضلاً عن التباين في العقيدة العسكرية والمرجعية الشرعية بين الشرق والغرب».

وقال بوفردة لـ«الشرق الأوسط»، إن المكون العسكري الموجود حالياً في شرق وغرب ليبيا، يمثل «إطاراً لمؤسسة عسكرية» أكثر من كونه مؤسسة عسكرية مكتملة بالمعنى الاحترافي، مشيراً إلى أن الانقسام السياسي والأمني انعكس بصورة مباشرة على بنية التشكيلات المسلحة وآليات عملها.

وأضاف أن المناورات والتدريبات المشتركة؛ سواء عبر «فلينتلوك – 2026» أو التدريبات التي استضافتها تركيا، تستهدف أساساً تطوير بعض الوحدات العسكرية في المؤسستين بالشرق والغرب، وتهيئتها للعمل ضمن غرف عمليات مشتركة للتعامل مع ملفات أمنية وعسكرية محددة.

وخلص بوفردة إلى أن هذه الجهود تتركز بصورة رئيسية على مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومواجهة الإرهاب، والحد من الهجرة غير النظامية، عادّاً محاولات توحيد المؤسسة العسكرية لا تزال تصطدم بتحديات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز البعد العسكري وحده.

_______________

الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

يرفضون مخرجات لجنة «4+4» ويهددون بمقاطعة

الانتخابات

يشتكي الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا من «الإقصاء السياسي» منذ دخول البلاد مرحلةَ البحث عن صيغة جديدة للاستقرار في أعقاب سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عام 2011.

وعلى أثر اجتماعات أحدث اللجان التي شكّلتها البعثة الأممية، والممثلة في لجنة «4+4» المعروفة بـ«المجموعة المصغرة»، لتجاوز خلافات مجلسي النواب و«الدولة» بشأن إيجاد مقاربة للخروج من حالة الانسداد الراهنة، عبّرت ما تعرف بـ«تنسيقية الشعوب الأصلية الليبية» المتحدثة عن الأمازيغ والطوارق والتبو عن انزعاجها من تشكيل اللجنة.

وعبّرت التنسيقية، الممثلة للمجلسين الأعلى للأمازيغ والطوارق و«التجمع الوطني التباوي»، في مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مساء السبت، عن «قلقها ورفضها» لما وصفته بـ«المسار الإقصائي الخطير» الذي قالت إنه «جرى من خلاله تشكيل لجنة (4+4) المصغرة المعنية بمناقشة القضايا المصيرية المتعلقة بمستقبل ليبيا وشعبها».

وسبق أن أرجعت نائبة المبعوثة الأممية للشؤون السياسية ستيفاني خوري، إطلاق «المجموعة المصغرة» إلى استمرار الخلافات بين «مجلس النواب» و«المجلس الأعلى للدولة»، وقالت إنهما «لم يحرزا تقدماً كافياً نحو الخطوات اللازمة لخريطة الطريق، منذ إعلان المبعوثة هانا تيتيه عنها أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) من العام الماضي».

ورأت التنسيقية أن «هندسة هذه اللجنة جاءت بصورة تعكس هيمنة مكوّن واحد، والاستمرار المتعمد في تغييب وإقصاء بقية الشعوب الأصلية، مما يعد انحرافاً خطيراً عن مبادئ الشمولية والشراكة الوطنية، ويمثل تهديداً مباشراً لمصداقية العملية السياسية التي ترعاها البعثة الأممية».

وذهبت إلى أن «محاولات فرض هيمنة أحادية على هيكلية المفوضية، وتوزيع مقاعدها وفق محاصصات ضيقة ومغلقة، تمثل مساساً خطيراً بمبدأ الحياد والاستقلالية الواجب توافرهما في هذا الجسم السيادي، وتحوله من مؤسسة وطنية جامعة إلى ساحة صراع سياسي فاقدة للثقة والقبول».

وعقدت لجنة «4+4» اجتماعها الثاني في 12 مايو (أيار) الحالي بمكتب البعثة الأممية في تونس، وقالت إنها «تناولت، عقب نقاشات بنّاءة، الأطر الدستورية والقانونية للانتخابات العامة؛ واتفق المشاركون على الحفاظ على هذا الزخم الإيجابي، واستئناف اللقاء مطلع شهر يونيو (حزيران) المقبل».

وتشدد البعثة عادةً على ضرورة مشاركة جميع الأطياف الليبية في صناعة مستقبلهم السياسي، لكن الأمازيغ والطوارق والتبو أبدوا تخوفهم من مخرجات اللجنة. وقال أعضاء اللجنة إن «الانفراد بصياغة النصوص الدستورية والتشريعية الخلافية، بما في ذلك شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، وتزامن الاستحقاقات، والنصوص المتعلقة بالمكونات الثقافية، دون مشاركة فعلية للشعوب الأصلية، يعد انتهاكاً لحقوقنا السياسية والدستورية، ومحاولة لفرض ترتيبات مفصلة لخدمة قوى بعينها على حساب مبدأ الشراكة الوطنية المتكافئة».

ويضيف أعضاء اللجنة أن «استمرار إقصاء الشعوب الأصلية من هذه الترتيبات المصيرية يرسّخ ثقافة التهميش، ويمنح غطاءً سياسياً لطرف واحد يتجاوز شركاءه في الوطن، الأمر الذي يقوض أسس التوافق الوطني ويهدد مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد».

وكان عميد بلدية نالوت، عبد الوهاب الحجام، قد استقبل هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري، في 12 يونيو (حزيران) 2025، إثر زيارة رسمية إلى مدينة نالوت الواقعة في المنطقة الغربية من ليبيا.

وصعّد الأمازيغ والطوارق والتبو في مواجهة البعثة، وقالوا: «نعلن بوضوح فقداننا الثقة في حياد البعثة الأممية، التي بات دورها للأسف أقرب إلى رعاية ترتيبات المحاصصة السياسية، بدلاً من حماية مبادئ العدالة والشمولية والتوازن الوطني، خلافاً لما تنص عليه المواثيق والمعاهدات الدولية».

وطالب الأمازيغ والطوارق والتبو بـ«الوقف الفوري والكامل» لجميع التفاهمات والمخرجات الأحادية الصادرة عن لجنة «4+4»، والمتعلقة بإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أو تعديل القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، مهددين بمقاطعة الانتخابات العامة حال إجرائها.

كما شددوا على ضرورة «إعادة هيكلة المسار التوافقي والسياسي بشكل عاجل، بما يضمن تمثيلاً مباشراً وكاملاً ومستقلاً للأمازيغ والتبو والطوارق، باعتبارهم شركاء أصيلين في صياغة الحل الوطني»، مؤكدين أهمية «الالتزام الصريح بعدم اعتماد أو تمرير أي نصوص أو ترتيبات سياسية أو قانونية لا تستند إلى مبدأ الشراكة الوطنية الشاملة والتمثيل العادل».

واختتموا «مؤكدين بشكل قاطع أن أي وثيقة، أو قانون، أو تشكيل للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ينتج عن سياسة الإقصاء وهيمنة المكوّن الواحد، لن يحظى بأي شرعية سياسية أو قانونية أو قبول مجتمعي من قبلنا، وسنعتبره كأن لم يكن».

وفي السابع من الشهر الحالي، استقبل رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، في العاصمة طرابلس، اللجنة الاستشارية للمجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، وتطرقت المناقشات إلى ملف حقوق المكونات الثقافية والاجتماعية في ليبيا، حيث جرى التأكيد على أهمية حماية التنوع الوطني باعتباره إحدى ركائز الوحدة الوطنية، مع ضمان مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبل البلاد دون تهميش أو إقصاء.

_________________

حفتر يفاوض بالقوة: كيف تحولت مناورات “دروع الكرامة” إلى رسالة للمسار الأمريكي في ليبيا؟

صابر بن عامر

بينما كانت الولايات المتحدة تدفع نحو إدخال ليبيا في مسار جديد للسلطة التنفيذية عبر توحيد الإنفاق العام، كان خليفة حفتر يبعث برسالة موازية من شرق البلاد عبر “مناورات دروع الكرامة”.

هذه التحركات العسكرية لم تكن مجرد تدريب ميداني أو إحياء لذكرى عملية الكرامة، بل استعراضاً للقوة يهدف إلى تثبيت حضور المؤسسة العسكرية في أي ترتيبات مقبلة.

وفي بلد ما تزال موازين القوة فيه تتقدم على النصوص السياسية، جاء تحريك الدبابات ومنظومات الدفاع الجوي كتأكيد على أن أي مسار للتسوية سيظل هشّاً إذا تجاهل النفوذ العسكري المسيطر على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، إذ إن معسكر حفتر يواصل تقديم نفسه باعتباره “جيشاً وطنياً“، بينما ينظر إليه خصومه قوةَ أمر واقع تعمل خارج سلطة مدنية موحدة.

وشارك أكثر من 25 ألف (!!) عنصر في المناورات التي وُصفت بأنها أكبر استعراض عسكري في تاريخ الجيش بقيادة حفتر، غير أن الرسالة لم تكن موجهة إلى الداخل الليبي أو واشنطن فقط، بل حملت أيضاً إشارة إلى سياسة حفتر القائمة على موازنة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، ما يسمح له بالحفاظ على هامش سياسي وعسكري مستقل.

رسائل مناورات دروع الكرامة

تمنح تفاصيل “مناورات دروع الكرامة” معنى يتجاوز الاستعراض العسكري، إذ تأتي في لحظة تفاوضية حساسة تحاول فيها واشنطن إعادة ترتيب العلاقة بين مؤسسات الشرق والغرب، ليس عبر بوابة الانتخابات أو الدستور، بل من مدخل أكثر مباشرة يتعلق بتوحيد الإنفاق العام وإدارة المال السيادي.

وفي هذا السياق، أشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن الولايات المتحدة، عبر المستشار الأمريكي مسعد بولس، تدفع نحو تقارب بين السلطات الليبية المتنافسة، بعدما وقعت الهيئات التشريعية في الشرق والغرب اتفاقاً بوساطة أمريكية لتوحيد الإنفاق العام للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.

كما نقلت الوكالة عن أحد القيادات المشرفة على “مناورات دروع الكرامة” وصفها بأنها “رسالة للأصدقاء والأعداء”، في إشارة إلى أن العرض العسكري صُمِّم ليُقرأ داخلياً وخارجياً، من قبل الخصوم والحلفاء والوسطاء الدوليين على حد سواء.

فيما قال الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية شريّف بوفردة إن المناورات تأتي في إطار “تثبيت صورة ذهنية لدى المواطن الليبي والمجتمع الدولي” بأن قوات القيادة العامة تمثل “القوة العسكرية والمؤسسة العسكرية الحقيقية” في ليبيا، من حيث الانضباط والتسليح والقدرات التي يمكن الاعتماد عليها.

وأوضح بوفردة لـ”عربي بوست” أن جزءاً أساسياً من رسائل “مناورات دروع الكرامة” موجه إلى المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية والفاعلين المعنيين بالملف الليبي، لإظهار أن قوات الشرق يمكن أن تكون “شريكاً في أي مشروع قادم بالنسبة لليبيا”.

واعتبر الباحث الليبي أن المناورات لا تنفصل عن التعبئة العسكرية السابقة التي شهدتها مناطق مثل سرت، لكنها حملت هذه المرة طابعاً أكثر وضوحاً بسبب حجم القوات ونوعية التسليح المستخدم، ويرى أن للمناورات بعداً داخلياً أيضاً، يتعلق بإعادة تشكيل صورة القيادة داخل معسكر حفتر.

كما أشار بوفردة إلى أن بروز خالد حفتر خلال المناورات يأتي في مقابل الصورة التي ترسخت سابقاً حول صدام حفتر باعتباره الواجهة الأبرز داخل المعسكر الشرقي، وقال: “التنافس الحاصل بين خالد حفتر وصدام حفتر قد يكون أحد العوامل التي دفعت نحو هذا الظهور العسكري المكثف، سواء من حيث عدد القوات أو طبيعة الرسائل الموجهة للداخل والخارج”.

وفي تقييمه للطابع العسكري للمناورات، قال بوفردة إنها تحمل بعداً “دفاعياً وردعياً” أكثر من كونها مؤشراً مباشراً على استعداد للتصعيد، معتبراً أنه من غير المرجح أن يقدم أي طرف ليبي، في المرحلة الحالية، على تحرك عسكري واسع من دون ضوء أخضر من القوى الدولية المؤثرة في الملف الليبي.

وأضاف أن المجتمع الدولي “لا يستطيع أن يتحمل أي مغامرة عسكرية من أي طرف“، خصوصاً مع استمرار ترتيبات وقف إطلاق النار وخطوط التماس، وعمل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، إلى جانب المسار الأمريكي الهادف إلى تقريب المواقف بين الأطراف الليبية.

لكن المناورات، وفق الباحث الليبي، قد لا تغيّر جذرياً ميزان القوة بين الشرق والغرب، لأن قوات القيادة العامة تمتلك بالفعل تفوقاً واضحاً في التسليح والتدريب، يشمل السلاح الجوي ومنظومات الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، فضلاً عن برامج التدريب والعلاقات العسكرية الخارجية.

إلا أن بوفردة شدد على أن الفارق الأهم لا يرتبط بحجم السلاح فقط، بل بوجود “تسلسل قيادة واحد” داخل معسكر الشرق، مقابل تعدد التشكيلات والمسارات العسكرية في غرب ليبيا.

تبدو “مناورات دروع الكرامة” محاولة لإعادة تثبيت “القيادة العامة” طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مقبلة، فالرسالة لا تستهدف طرابلس وحدها، بل الوسطاء الدوليين أيضاً: “أي صيغة سياسية لا تمنح القوة العسكرية في الشرق موقعاً مقرراً ستظل معرضة للتعطيل“.

غير أن هذه الرسالة تحمل في الوقت نفسه مفارقة واضحة، فالقيادة العامة تقدم نفسها باعتبارها قوة دولة، بينما يأتي أكبر استعراض عسكري لها في لحظة يُفترض أنها مخصصة للحديث عن التهدئة والتوحيد.

ومن هنا يبرز السؤال الأعمق: هل تستعد هذه القوة للاندماج ضمن مؤسسات وطنية موحدة، أم أنها تسعى لدخول المرحلة المقبلة من موقع الفرض لا الشراكة؟

توحيد الميزانيةبداية حل أم غطاء جديد؟

في أبريل/ نيسان 2026، وافقت الهيئتان التشريعيتان المتنافستان في ليبيا على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، في خطوة دعمتها واشنطن باعتبارها مدخلاً لتقليص الانقسام المالي بين الشرق والغرب، لكن الميزانية في ليبيا لا تُقرأ كوثيقة مالية فقط، بل كخريطة نفوذ تتحكم في توزيع المشاريع والعقود ومراكز القوة.

وفي 15 مايو/ أيار 2026، أعلن مصرف ليبيا المركزي بدء التنفيذ الفعلي لاتفاق الإنفاق الموحد، خلال اجتماع ضم مسؤولين ماليين ليبيين بحضور القائم بالأعمال الأمريكي جيريمي برنت، حيث نوقشت آليات مراقبة الإنفاق والإيرادات النفطية وضمان صرف الأموال وفق الترتيبات المتفق عليها.

ورغم ترحيب بعثة الأمم المتحدة بالاتفاق، مع التشديد على الرقابة والحوكمة، فإن الأطراف الليبية تنظر إليه من زاوية النفوذ وتقاسم الحصص أكثر من كونه إصلاحاً إدارياً، إذ إن الإشراف على الإنفاق يعني عملياً التحكم في التنمية وشبكات الولاء داخل الدولة.

وقال المحلل السياسي الليبي صلاح البكوش إن مناورات حفتر لا تشكل تهديداً عسكرياً، لكنها رسالة سياسية تهدف إلى تحسين موقعه التفاوضي، وأضاف أن توحيد الإنفاق قد يخفف الانقسام المالي، لكنه “لن يتحول تلقائياً إلى تسوية سياسية، لأن جوهر الأزمة ما يزال مرتبطاً بالسلطة والأمن وتقاسم النفوذ“.

لا اندماج بل ترهيب سياسي

في غرب ليبيا، لا تُقرأ “مناورات دروع الكرامة” بمعزل عن ذاكرة هجوم 2019 على طرابلس، فرغم تغير التوازنات العسكرية والإقليمية وارتفاع كلفة الحرب الشاملة، فإن أي استعراض واسع لقوات حفتر يعيد تلقائياً استحضار منطق القوة الذي طبع تلك المرحلة، ويجعل الرسالة تُقاس ليس فقط بما أراد حفتر قوله، بل بكيفية تلقيها داخل طرابلس والقوى المناهضة له.

وقال المحلل السياسي الليبي أنس القماطي إن “حفتر لم يتغير، رغم أشهر من الكوريغرافيا الدبلوماسية حوله، وذكرى عملية الكرامة منحته مسرحاً”، وأضاف: “الأداء يتحدث عن نفسه: هذا ترهيب سياسي، وليس اندماجاً، جيش يستعد فعلاً للاندماج في مؤسسات وطنية موحدة لا ينظم أكبر مناورة له على الإطلاق خلال محادثات سلام. إنه يعلن عن نفسه بطريقة مختلفة“.

وبحسب القماطي، فإن الرسالة التي وصلت إلى طرابلس يمكن تلخيصها في عبارة: “نحن لا نتفاوض، نحن نرهب“، واعتبر أن “مناورات دروع الكرامة” موجهة مباشرة إلى القوى الرافضة للمسار المنسوب إلى مسعد بولس، بوصفها “تذكيراً بما يوجد على الجانب الآخر من الطاولة إذا استمروا في الرفض”.

وأضاف القماطي: “إنها معاينة مسبقة. هذا هو شكل الحياة السياسية تحت حكم آل حفتر في غرب ليبيا: ليس سلاماً، ولا حتى تعايشاً، بل إكراهاً“.

ولا يفصل القماطي بين العرض العسكري والمسار المالي، بل يراهما جزءاً من استراتيجية واحدة، ويقول: “لم تكن هناك ثقة من البداية. ميزانية أبريل لم تبنِها، بل اشترت الوقت”.

وحسب القماطي، فإن تنظيم أكبر مناورة عسكرية في تاريخ الجيش الوطني الليبي بعد شهر واحد من توقيع اتفاق الإنفاق الموحد “ليس تناقضاً، بل هو الاستراتيجية، الميزانية تمنح حفتر شرعية دولية، والمناورات تذكّر الجميع في الداخل بأنه لا يحتاج فعلياً إلى الاتفاق كي يأخذ ما يريد”.

“هذا هو النمط الذي تعلّمت غرب ليبيا قراءته”، يضيف القماطي، ويوضح أن كل محطة دبلوماسية مع حفتر تتبعها إشارة عسكرية: “الاتفاق ليس الوجهة، بل الغطاء. وما دام أن المسارات المدعومة أمريكياً تتعامل مع تعاونه باعتباره تقدماً بينما تتجاهل الرسائل المحيطة به، فهي لا تجسر الانقسام بين الشرق والغرب. إنها تؤسسه داخل المؤسسات”.

المسار المالي ومكافأة القوة

في تقييمه للمسار الأمريكي، يرى القماطي أن الإشكال لا يتعلق بمحاولة معالجة الخلل العسكري، بل بتكريسه سياسياً ومالياً، ويقول: “هذا هو الموضع الذي تقلب فيه معظم التحليلات المسألة رأساً على عقب، لا أحد يحاول معالجة التوازن العسكري، إنهم يحاولون مكافأته سياسياً ومالياً“.

وبحسب هذه القراءة، فإن “مناورات دروع الكرامة” لا تبدو تهديداً خارجياً للمفاوضات، بل جزءاً من الرافعة التي تمنح حفتر موقعاً تفاوضياً أقوى. لذلك، فإن التحرك الأمريكي الذي يُقدَّم كخطوة تقنية لتوحيد الإنفاق، قد يُقرأ في طرابلس باعتباره مساراً يمنح حفتر شرعية سياسية ومالية من دون أن يفرض عليه تفكيك بنية القوة العسكرية التي يستند إليها.

في المقابل، يرى داعمو اتفاق الإنفاق الموحد أن توحيد الميزانية قد يشكل خطوة ضرورية لتخفيف الانقسام المالي الذي غذّى الانقسام السياسي لسنوات، خصوصاً مع الدعم الدولي للمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة.

غير أن الحديث الدولي عن الحاجة إلى مؤسسات اقتصادية وعسكرية موحدة يكشف أن الملف الحقيقي لم يُحسم بعد: من يملك القرار الأمني، وهل يمكن دمج القوة العسكرية في سلطة مدنية موحدة؟

هنا يقدّم القماطي خلاصة أكثر حدة، إذ يقول إن حفتر “لن يكون خاضعاً لأي سلطة مدنية، منتخبة أو غير منتخبة“، وأضاف: “هذا جيشه العائلي الشخصي. إنه ليس موقعاً يبحث عن إرفاق شروط به؛ وهو خطوة نحو الوجهة نفسها، وهي أخذ السلطة السياسية من داخل الدولة أو من خارجها باستخدام السلاح“.

سياسة الولاءات غير الحصرية

لا يمكن فصل مناورات الشرق عن الحضور المتزايد لصدام حفتر داخل المشهد السياسي والعسكري، إذ لم يعد ظهوره مجرد تفصيل بروتوكولي، بل جزءاً من إعادة تشكيل بنية القوة داخل معسكر الشرق، وأصبح مرتبطاً أيضاً بمنظومة نفوذ عائلية يبدو أنها ترتب انتقالاً تدريجياً للثقل السياسي والعسكري داخل عائلة حفتر نفسها.

الباحث المتخصص في الشأن الليبي جليل حرشاوي قال لـ”عربي بوست” إن المناورات العسكرية في شرق ليبيا بدأت في طبرق ودرنة قبل أسابيع من ذكرى عملية الكرامة، وتزامنت إلى حد بعيد مع مناورات “فلينتلوك” التي رعتها الولايات المتحدة في سرت.

واعتبر حرشاوي أن هذا التوقيت “لم يكن عابراً”، إذ حرص معسكر حفتر، بحسبه، على تقديم استعراض يرضي واشنطن عبر المشاركة في المناورات التي نظمها البنتاغون، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش عسكري مستقل يتيح له التحرك وفق شروطه الخاصة.

وحملت زيارة صدام حفتر إلى موسكو الرسالة نفسها، يقول حرشاوي موضحاً إن جيش حفتر “يمضي في بناء عدة شراكات ثنائية بالتوازي”، وإن العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم الترحيب بها، “ليست علاقة حصرية”.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو التقارب مع موسكو أو استخدام السلاح الروسي تناقضاً مع الانفتاح على واشنطن، بل جزءاً من سياسة تقوم على تنويع التحالفات ورفع كلفة الضغط على معسكر حفتر. ويضيف حرشاوي أن ذكرى عملية الكرامة هذا العام عكست هذه المقاربة بوضوح، مع الحضور البارز لصدام وخالد وخليفة حفتر معاً.

بحسب الباحث المتخصص في الشأن الليبي، فإن الرسالة الضمنية تتمثل في أن قوى دولية وإقليمية متعددة تسعى إلى استمالة عائلة حفتر، وأن هذا السعي يرقى عملياً إلى “شكل من أشكال الاعتراف الدبلوماسي”.

ويختصر هذه العقيدة بعبارة: “لا ولاءات حصرية“، موضحاً أن العائلة قادرة على الحفاظ على علاقات متوازية مع الإمارات والسعودية، ومع الولايات المتحدة وروسيا، وحتى مع تركيا ومصر في آن واحد.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما أشار إليه الباحث شريّف بوفردة بشأن التنافس الداخلي بين خالد وصدام حفتر، إذ إن المناورات لا توجّه رسائل إلى الخارج فقط، بل تعيد أيضاً توزيع الصورة داخل بيت القيادة العامة.

وإذا كان صدام قد تصدر سابقاً واجهة التحركات السياسية والأمنية والعلاقات الخارجية، فإن بروز خالد حفتر في هذا الاستعراض العسكري الواسع يمنحه صورة القائد الميداني والمؤسسي داخل هيئة الأركان.

ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية لأن أي ترتيبات سياسية مقبلة لن تتعامل فقط مع خليفة حفتر، بل مع الدائرة العائلية والعسكرية التي تشكلت حوله، إذ بات صدام يظهر في موقع يتجاوز الدور العسكري التقليدي، عبر حضوره في ملفات الأمن والتسليح والعلاقات الخارجية، بينما يتقدم خالد داخل البنية العسكرية النظامية.

كما أن ظهور منظومات روسية مثل “بانتسير” أضفى على “مناورات دروع الكرامة” بعداً خارجياً واضحاً، فالرسالة لم تكن موجهة إلى طرابلس وحدها، بل إلى واشنطن أيضاً: معسكر حفتر يدخل مرحلة الترتيبات الأمريكية وهو يمتلك أوراقاً عسكرية وتحالفات متعددة، ويقدّم نفسه قوةً يصعب الضغط عليها أو تجاوزها.

توحيد المال قبل توحيد السلاح

تلتقي القراءات المختلفة حول فكرة واحدة: “مناورات دروع الكرامة” ليست إعلان حرب، لكنها أيضاً ليست تدريباً عادياً، فهي محاولة لتحويل التفوق العسكري والتنظيم الداخلي والعلاقات الخارجية المتعددة إلى رأسمال تفاوضي قبل اكتمال المسار الأمريكي الخاص بتوحيد الإنفاق العام.

فمن زاوية شريّف بوفردة، تبدو المناورات محاولة لتقديم قوات الشرق باعتبارها المؤسسة العسكرية الأكثر تنظيماً وتسلسلاً في القيادة مقارنة بتعدد التشكيلات المسلحة في الغرب.

أما المحلل السياسي صلاح البكوش، فيرى أن العرض العسكري لا يشكل تهديداً مباشراً بقدر ما يمثل رسالة لتحسين الموقع التفاوضي، معتبراً أن توحيد الإنفاق قد يخفف الانقسام المالي لكنه لا يعالج جوهر الأزمة المرتبط بالسلطة والأمن وتقاسم النفوذ.

في المقابل، يقرأ أنس القماطي “مناورات دروع الكرامة” باعتبارها امتداداً للمسار المالي لا منفصلة عنه، حيث تمنح الميزانية شرعية دولية، بينما يفرض العرض العسكري ميزان القوة على الأرض.

أما جلال حرشاوي فيضيف بعداً خارجياً أوسع، يتمثل في قدرة عائلة حفتر على إدارة شبكة علاقات متوازية مع واشنطن وموسكو وعواصم إقليمية، وتحويل هذا التعدد إلى شكل من أشكال الاعتراف السياسي غير المعلن.

وبهذه الطريقة، تبدو الدبلوماسية والسلاح مسارين متوازيين لا متناقضين، فالقيادة العامة تعرض نفسها شريكاً يمكن الاعتماد عليه في أي ترتيبات مقبلة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ ببنية عسكرية مستقلة وغير خاضعة لسلطة مدنية موحدة، وتحكمها أيضاً توازنات عائلية داخلية يصعب تجاهلها.

في النهاية، لم تكن مناورات الشرق مجرد استعراض عسكري في ذكرى عملية الكرامة، بل بياناً سياسياً بصوت المدرعات، إذ يسعى حفتر إلى دخول المرحلة المقبلة لا باعتباره طرفاً قابلاً للدمج، بل قوةً لا يمكن تجاوزها.

وبينما تحاول الولايات المتحدة تنظيم المال العام، يواصل معسكر الشرق بقيادة خليفة حفتر التذكير بأن السلاح ما زال قادراً على إعادة تعريف شروط السياسة وحدود التسوية الممكنة.

__________________

ليبيا على أعتاب التغيير… لكن نجاحه مرهون بالتعاون

مارتن رينولدز

شكّلت عودتي إلى ليبيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بصفتي السفيرَ البريطاني فرصةً للتأمل في حجم التغييرات التي شهدتها البلاد منذ زيارتي الأولى عام 2010 ضمن الوفد البريطاني إلى القمة الأوروبية – الأفريقية.

وكانت تلك فرصةً قصيرة، لكنَّها مرحّب بها، للتجوّل في أزقة المدينة القديمة بطرابلس، وتأمل قوسِها الروماني المذهل العائد إلى القرن الثاني الميلادي، ومزيجها الغني من العمارة الإسلامية والطراز الإيطالي.

وفي السنوات التالية، زرت ليبيا مرتين وسط مشهد سريع التغيّر شمل حربين أهليتين، وصعود تنظيم «داعش»، ثم سقوطه، ومحاولات متعددة لتوحيد البلاد.

وقد سُررت بالعودة بصفتي سفيراً في وقت أصبح فيه السفر خارج العاصمة أكثر سهولة. وأثناء سفري على الطريق الساحلي إلى بنغازي ومصراتة، وزيارتي المواقع التاريخية في صبراتة ولبدة الكبرى وقورينا، رأيت حجم التغيّر منذ ذروة النزاع.

فطرابلس وبنغازي باتتا شبه مختلفتين تماماً، وتمتلئان بمشروعات بناء جديدة. كما شهدت سرت، التي كانت قبل سنوات قليلة مركزاً لمعارك ضارية، تحولاً بدورها. لكن الأسس السياسية والاقتصادية في ليبيا لا تزال هشّة.

فالفساد المتجذّر وغياب الشفافية يعنيان أن جزءاً كبيراً من موارد الدولة الهائلة الناتجة من احتياطات النفط يُساء استخدامه. ولا تزال الاشتباكات مستمرة في أنحاء البلاد بين الميليشيات المسلحة والعصابات الإجرامية.

كما أن مؤسسات سيادة القانون ليست مخوّلة بما يكفي لمحاسبة مرتكبي أعمال العنف. وتبقى الحياة صعبة بالنسبة إلى كثير من الليبيين، في ظل تراجع قيمة العملة.

ويقف خلف كل ذلك انقسام سياسي عميق بين شرق ليبيا وغربها، كرّس أنظمة حكم غير مستدامة، وجعل من الصعب تحقيق الإمكانات الكاملة للبلاد.

وإمكانات ليبيا هائلة بالفعل؛ فهي تتمتع بموقع استراتيجي في قلب البحر الأبيض المتوسط وعلى امتداد القارة الأفريقية، إضافة إلى احتياطاتها الضخمة من النفط والغاز، وسكانها المتنوعين والموهوبين وذوي التعليم العالي.

ويمكن لليبيا بل ينبغي لها أن تكون مزدهرة مثل أي دولة أخرى في المنطقة.

تلتزم المملكة المتحدة بدعم ليبيا لاتخاذ خطوات حاسمة نحو دولة موحدة ذات حكومة فعالة تخدم جميع مواطنيها. وكان هذا الهدف المشترك لكثير من الأطراف الليبية والشركاء الدوليين على مرّ السنوات.

ومع ذلك، ظل التقدم نحو حل سياسي مستدام بعيد المنال. لكن في ظل اقتصاد عالمي يزداد تقلباً، فإن التغيير قادم إلى ليبيا. والسؤال هو ما إذا كان القادة الليبيون مستعدين لتوجيه هذا التغيير نحو تقدم دائم.

وهناك مؤشرات مشجعة؛ إذ اتفق مجلسا النواب و«الدولة» الليبيان مؤخراً على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، ما يعزز الآمال ببدء مرحلة جديدة من الانضباط المالي.

كما ينخرط الفرقاء الليبيون بشكل بنّاء مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بقيادة هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام، سعياً إلى حل سياسي مستدام. وينبغي للمجتمع الدولي البناء على هذا الزخم، وتعزيز دعمه الكامل لجهود الأمم المتحدة، فضلاً عن المبادرات الأخرى الهادفة إلى تحقيق تقدم سياسي واقتصادي.

وبصفتها حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن ليبيا، تظل المملكة المتحدة ملتزمة بتوحيد الجهود الدولية رغم التحديات. ويتمثل جزء مهم من دوري في تعزيز الانخراط البريطاني مع مختلف مكونات المجتمع الليبي.

وخلال الأشهر الستة الأولى لي في ليبيا، كان من المستحيل تجاهل الإمكانات غير المستغلة للتعاون في مجالات التعليم والتدريب والخبرات التقنية. وهذه من نقاط القوة التقليدية للمملكة المتحدة، وهي مطلوبة بشدة. وهناك فرصة حقيقية للمساعدة في تعزيز المؤسسات الليبية ورعاية الكفاءات المحلية.

ويتعين على ليبيا وشركائها الأوروبيين أيضاً العمل معاً لتفكيك شبكات العائدات غير المشروعة التي تثري المجرمين داخل مجتمعاتنا جميعاً.

والأولوية التي هي أكثر إلحاحاً تتمثل في مكافحة شبكات تهريب البشر والاتجار بالبشر التي تشجع تدفق المهاجرين إلى ليبيا، ومنها إلى أوروبا. فالتكلفة الإنسانية لهذه التجارة مروعة، والعبء الذي تفرضه على المجتمعات الليبية المحلية لا يمكن تحمله.

ونحن ملتزمون بالعمل مع ليبيا للمساعدة في تعزيز قدراتها على إدارة الحدود، والحد من تدفق المهاجرين إلى هذا البلد وما بعده.

وفي بلد ديناميكي وغني بالموارد مثل ليبيا، فإن التغيير أمر لا مفر منه. لكن التقدم المستدام لن يتحقق إلا من خلال تعاون الليبيين مع بعضهم، والعمل إلى جانب شركاء دوليين داعمين.

وأنا مصمم على استغلال فترة عملي في ليبيا للإسهام في هذا المسار، وأؤمن بقوة بأن ليبيا قادرة على تجاوز تحديات العقود الماضية والمضي قدماً.

***

مارتن رينولدز ـ سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا

___________

“ملك الموت” أمام الجنايات الدولية بتهم جرائم حرب بسجن ليبي

خالد سلامة

باشرت المحكمة الجنائية الدولية جلسات استماع تستمرّ على مدى ثلاثة أيام بحقّ مدير سابق لسجن ليبي سيئ السمعة يُعرف بلقب “ملك الموت”، لتأكيد التهم الموجّهة إليه وتشمل جرائم حرب وقتل واغتصاب وتعذيب، وليس محاكمته.

قال مدعون عامون لقضاة المحكمة الجنائية الدولية اليوم الثلاثاء (19 مايو/أيار 2026) إن المتهم بالإشراف على أحد أسوأ السجون سمعة في ليبيا كان معروفاً بأنه يعذب بلا رحمة. وذكر المدعون العامون أن خالد الهيشري (47 عاماً) كان ‌يشرف على جناح ⁠النساء ⁠في سجن معيتيقة الذي يديره جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في غرب ليبيا. وأضاف المدعون أن آلاف الضحايا اعتقلوا واحتجزوا دون ​أساس قانوني في ظروف غير إنسانية وتعرضوا للإساءة والتعذيب على نحو ممنهج.

وقالت نزهت ​شميم خان نائبة المدعي العام في بداية الجلسات التي تستمر ​ثلاثة ‌أيام والمقرر أن تحدد التهم التي ستوجه للمشتبه به “كان خالد (محمد علي) الهيشري معروفاً على نطاق واسع بأنه (رجل) سيئ السمعة يمارس التعذيب ‌وهو من أكبر المسؤولين في سجن معيتيقة”.

ونقلت عن أحد الشهود قوله إن الهيشري كان “من أسوأ المحرّضين على العنف”، فيما أشار شاهد آخر إلى أنه كان يُلقَّب بـ”ملك الموت”. ولفتت شميم خان إلى أن “إحدى طرق التعذيب المفضّلة لديه، بحسب الشهادات، كانت إطلاق النار على الأشخاص خصوصا في الساق والركبة”. كما كان “يعلّق الأشخاص وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم ويضربهم بالمجارف”، وفق الادعاء.

وتحدّثت نزهت ​شميم خان عن ظروف “لا يمكن تصوّرها” داخل السجن، مشيرة إلى أن الهيشري الذي كان مسؤولاً عن سجن النساء استخدم الأمراض “كسلاح” من خلال وضع المعتقلين في زنازين يُحتمل أن يُصابوا فيها بعدوى. وبيّنت أن المتهم كان يرتكب بنفسه عمليات اغتصاب وقتل وتعذيب بحقّ السجناء.

وقال المدعون إن ‌الهيشري ​اعتدى شخصياً على سجينات وعذبهن واغتصبهن في إطار نمط من التعذيب الجنسي. وطلبوا من القضاة تأكيد 17 تهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، منها ​القتل والاغتصاب والاضطهاد والاستعباد من فبراير/شباط 2015 حتى أوائل 2020.

أول مشتبه فيه ليبي أمام الجنائية الدولية منذ 2011

في المقابل، جلس الهيشري الذي ارتدى سترة وربطة عنق زرقاوين من دون إبداء تأثر يُذكر، مكتفياً أحياناً بالإيماء برأسه.

وكشفت وثائق المحكمة أن الهيشري لم يقدم رداً رسمياً بعد على التهم المذكورة، ⁠لكن ​محاميه طلبوا من القضاة رفض التهم ​وطعنوا على اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية. وأًلقي القبض عليه في ألمانيا في يوليو/​تموز 2025.

وتُعقد الجلسات التي تستمر حتى الخميس في مقر المحكمة في لاهاي، في إطار “تأكيد التهم” الموجهة إلى الهيشري، وليس لمحاكمته. وسينظر القضاة في ما إذا كانت الأدلة كافية للمضيّ قُدماً في محاكمة كاملة، إذ لا يزال أمام هيئة المحكمة 60 يوماً لاتخاذ القرار إمّا بتأكيد التهم أو إسقاط القضية والإفراج عن الهيشري، أو تعديل التهم الموجهة إليه.

وإذا أكد ‌القضاة التهم، فقد تصبح قضية الهيشري أول محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تركز على ليبيا. وتنظر المحكمة الجنائية ​الدولية في مزاعم ⁠جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي ⁠القضية إلى المحكمة في ​2011.

واعتقلت إيطاليا في يناير/كانون الثاني 2025 لفترة وجيزة شخصاً آخر، وهو أسامة المصري نجيم،تشتبه المحكمة الجنائية الدولية بارتكابه جرائم حرب على صلة بسجن معيتيقة، لكنها أطلقت سراحه وعاد إلى ليبيا، مما أثار استنكاراً.

__________________

هل يفتح الحكم ببراءة رموز النظام السابق الباب أمام مصالحة تاريخية في ليبيا

الحبيب الأسود

المتهمون واجهوا تهما، من بينها التحريض على إثارة الحرب الأهلية والإبادة الجماعية، وإساءة استخدام السلطة وإصدار أوامر بقتل المتظاهرين والإضرار بالمال العام.

أعلن في العاصمة الليبية طرابلس عن قرار الدائرة الجنائية الثالثة بمحكمة الاستئناف، القاضي ببراءة 31 من أبرز قيادات نظام الراحل معمر القذافي، من تهمة قمع المتظاهرين إبان أحداث الثورة الليبية التي اندلعت عام 2011، وذلك بعد مسار قضائي معقد ومطول استمر لنحو 12 عاما.

وترى أوساط ليبية أن الحكم الجديد، جاء ليفسح المجال أمام مصالحة وطنية شاملة وتاريخية بعد 15 عاما على الإطاحة بالنظام الجماهيري بعد حرب لا تزال تثير جدلا حادا بخصوص تقييم أبعادها السياسية والإستراتيجية، ودور القوى الخارجية والجماعات المتطرفة والإرهابية في تفجيرها.

وتشير الأوساط إلى أن اغتيال سيف القذافي، وإخراجه قسرا من خارطة التنافس السياسي بصفته ممثلا لرموز النظام السابق، ساعد على بلورة رؤية جديدة لحلحلة الصراع السياسي مع اتباع سبتمبر وتيارهم العقائدي. 

وشمل حكم البراءة أسماء بارزة، في مقدمتهم رئيس المخابرات الأسبق عبدالله السنوسي، وآخر رئيس وزراء في ذلك العهد البغدادي المحمودي، وسيف الإسلام القذافي الذي تعرض لعملية اغتيال في الثالث من فبراير الماضي، بالإضافة إلى منصور ضوء، ومحمد بالقاسم الزوي، ومحمد أحمد الشريف.

وقررت المحكمة إسقاط الدعوى الجنائية والجريمة بحق عدد من المسؤولين السابقين ممن توفوا قبل صدور الحكم بالإدانة، ومن بينهم رئيس جهاز الأمن الخارجي الأسبق أبوزيد دوردة، ونائب رئيس الوزراء الأسبق عبد الحفيظ الزليطني.

 وكان 38 شخصاً من رموز النظام الليبي السابق، مثلوا أمام غرفة الاتهام لمحكمة استئناف طرابلس، في سبتمبر 2014 لمواجهة الاتهامات الموجهة إليهم المتعلقة بتورطهم بشكل مباشر في محاولة إجهاض ثورة 17 فبراير وارتكاب جريمة الإبادة الجماعية والنهب والتخريب وإصدار الأوامر بإطلاق النار على المدنيين وجلب المرتزقة وإثارة الفتن والتحريض وتشكيل ميليشيات مسلحة لقتل الأبرياء.

وفي 28 يوليو 2015 قضت محكمة استئناف العاصمة الليبية طرابلس في جلسة الحكم على 37 متهما من رموز نظام القذافي بإعدام ثلاثة من رموز هذا النظام، وواجه المتهمون تهما، من بينها التحريض على إثارة الحرب الأهلية والإبادة الجماعية، وإساءة استخدام السلطة وإصدار أوامر بقتل المتظاهرين والإضرار بالمال العام وجلب مرتزقة لقمع ثورة فبراير.

وبحسب مراقبين، فإن الأحكام كانت منتظرة نظرا للخلفية السياسية للاتهامات في ظل سعي لإعادة قراءة الأحداث والنظر إليها بموضوعية أكبر، لاسيما أن أغلب المتهمين إما غادروا الحياة أو تم إطلاق سراحهم لأسباب صحية.

لكن ملف مدير الاستخبارات العسكرية بالنظام السابق، اللواء عبدالله السنوسي يبقى الأكثر تعقيدا بسبب أهمية وحساسية المراكز السيادية التي عمل بها والمعلومات التي يمتلكها، إلى جانب أنه مطلوب من محكمة الجنايات الدولية. 

وقال أحمد نشاد، محامي السنوسي، إن ملف القضية 630 بُني على العدم، وتم تفنيد كافة الإدعاءات والمزاعم في المرافعات، مشيرا إلى أن حكم استئناف طرابلس يسقط عن موكله الاتهامات في القضية رقم 630، فيما لا يزال هناك ملف آخر مفتوح بشأن قضية سجن بوسليم. وأوضح نشاد أن حكم البراءة لا يعني الإفراج الفوري عن عبدالله السنوسي.

 وتابع “لا يمكن الطعن في الحكم الصادر إلا من خلال النائب العام، لأنه هو من أصدر الدعوى العمومية فيما قبل، وخسرها الآن، وأعتقد أنه عليه التريث جيدًا قبل الطعن لو كان يهدف إلى المصلحة العامة للمجتمع الليبي ككل”.

مردفا أن الحكم صدر بالبراءة وليس لعدم كفاية الأدلة مثلا، أي أن المتهمين كافة تحصلوا على البراءة وليس لهم أي مسؤولية عن ارتكاب جرائم، وأنه لا توجد أي مسؤولية جنائية على المتهمين.

وأضاف “المتهمون كانوا يؤدون أعمالهم وفق القوانين وقت اندلاع فبراير 2011، وأي تقصير فيها كانوا سيحاسبون عليه قانونًا، وهم تعاملوا مع مجموعة مسلحة تمردت على الدولة بقوة السلاح، وكانوا ينفذون القانون”، مشددا على أن جميع التهم الموجهة للمتهمين لا أساس لها من الصحة وناقضت الواقع، حيث وجهت إلى عبدالله السنوسي اتهامات بتفجير محطة وقود وهي واقعة لم تحدث أصلاً ولم يتم تسجيلها بالأساس. 

وكانت الحكومة الليبية أعلنت في مارس 2012 أنها كلفت لجنة برئاسة النائب العام عبد العزيز الحصادي وعضوية عدد من المسؤولين بالوزارات المختصة بمتابعة رموز النظام السابق الموجودين بالخارج وملاحقتهم.

وطلبت من اللجنة العمل على تفعيل الوثائق الثانوية من اتفاقيات ثنائية وإقليمية ودولية المتعلقة بتسليم المطلوبين وتحديد القنوات سواء كانت سياسية أو قانونية أو عن طريق الشرطة الدولية (الإنتربول). 

وفي سبتمبر من ذلك العام، بادرت موريتانيا بتسليم عبدالله السنوسي لسلطات بلاده، قبل أن توجه إليه جملة من الاتهامات، من بينها قمع المتظاهرين العزل وإصدار أوامر بالقتل المباشر، وجلب وتجهيز المرتزقة الأجانب وتسهيل منحهم الجنسية الليبية للقتال ضد الثوار، وإشعال الحرب الأهلية وتشكيل جماعات قبلية مسلحة، وتخريب المنشآت العامة، والنهب، وتفخيخ المركبات بالمواد المتفجرة وغيرها.

___________