Author - manara

حفتر يفاوض بالقوة: كيف تحولت مناورات “دروع الكرامة” إلى رسالة للمسار الأمريكي في ليبيا؟

صابر بن عامر

بينما كانت الولايات المتحدة تدفع نحو إدخال ليبيا في مسار جديد للسلطة التنفيذية عبر توحيد الإنفاق العام، كان خليفة حفتر يبعث برسالة موازية من شرق البلاد عبر “مناورات دروع الكرامة”.

هذه التحركات العسكرية لم تكن مجرد تدريب ميداني أو إحياء لذكرى عملية الكرامة، بل استعراضاً للقوة يهدف إلى تثبيت حضور المؤسسة العسكرية في أي ترتيبات مقبلة.

وفي بلد ما تزال موازين القوة فيه تتقدم على النصوص السياسية، جاء تحريك الدبابات ومنظومات الدفاع الجوي كتأكيد على أن أي مسار للتسوية سيظل هشّاً إذا تجاهل النفوذ العسكري المسيطر على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، إذ إن معسكر حفتر يواصل تقديم نفسه باعتباره “جيشاً وطنياً“، بينما ينظر إليه خصومه قوةَ أمر واقع تعمل خارج سلطة مدنية موحدة.

وشارك أكثر من 25 ألف (!!) عنصر في المناورات التي وُصفت بأنها أكبر استعراض عسكري في تاريخ الجيش بقيادة حفتر، غير أن الرسالة لم تكن موجهة إلى الداخل الليبي أو واشنطن فقط، بل حملت أيضاً إشارة إلى سياسة حفتر القائمة على موازنة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، ما يسمح له بالحفاظ على هامش سياسي وعسكري مستقل.

رسائل مناورات دروع الكرامة

تمنح تفاصيل “مناورات دروع الكرامة” معنى يتجاوز الاستعراض العسكري، إذ تأتي في لحظة تفاوضية حساسة تحاول فيها واشنطن إعادة ترتيب العلاقة بين مؤسسات الشرق والغرب، ليس عبر بوابة الانتخابات أو الدستور، بل من مدخل أكثر مباشرة يتعلق بتوحيد الإنفاق العام وإدارة المال السيادي.

وفي هذا السياق، أشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن الولايات المتحدة، عبر المستشار الأمريكي مسعد بولس، تدفع نحو تقارب بين السلطات الليبية المتنافسة، بعدما وقعت الهيئات التشريعية في الشرق والغرب اتفاقاً بوساطة أمريكية لتوحيد الإنفاق العام للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.

كما نقلت الوكالة عن أحد القيادات المشرفة على “مناورات دروع الكرامة” وصفها بأنها “رسالة للأصدقاء والأعداء”، في إشارة إلى أن العرض العسكري صُمِّم ليُقرأ داخلياً وخارجياً، من قبل الخصوم والحلفاء والوسطاء الدوليين على حد سواء.

فيما قال الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية شريّف بوفردة إن المناورات تأتي في إطار “تثبيت صورة ذهنية لدى المواطن الليبي والمجتمع الدولي” بأن قوات القيادة العامة تمثل “القوة العسكرية والمؤسسة العسكرية الحقيقية” في ليبيا، من حيث الانضباط والتسليح والقدرات التي يمكن الاعتماد عليها.

وأوضح بوفردة لـ”عربي بوست” أن جزءاً أساسياً من رسائل “مناورات دروع الكرامة” موجه إلى المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية والفاعلين المعنيين بالملف الليبي، لإظهار أن قوات الشرق يمكن أن تكون “شريكاً في أي مشروع قادم بالنسبة لليبيا”.

واعتبر الباحث الليبي أن المناورات لا تنفصل عن التعبئة العسكرية السابقة التي شهدتها مناطق مثل سرت، لكنها حملت هذه المرة طابعاً أكثر وضوحاً بسبب حجم القوات ونوعية التسليح المستخدم، ويرى أن للمناورات بعداً داخلياً أيضاً، يتعلق بإعادة تشكيل صورة القيادة داخل معسكر حفتر.

كما أشار بوفردة إلى أن بروز خالد حفتر خلال المناورات يأتي في مقابل الصورة التي ترسخت سابقاً حول صدام حفتر باعتباره الواجهة الأبرز داخل المعسكر الشرقي، وقال: “التنافس الحاصل بين خالد حفتر وصدام حفتر قد يكون أحد العوامل التي دفعت نحو هذا الظهور العسكري المكثف، سواء من حيث عدد القوات أو طبيعة الرسائل الموجهة للداخل والخارج”.

وفي تقييمه للطابع العسكري للمناورات، قال بوفردة إنها تحمل بعداً “دفاعياً وردعياً” أكثر من كونها مؤشراً مباشراً على استعداد للتصعيد، معتبراً أنه من غير المرجح أن يقدم أي طرف ليبي، في المرحلة الحالية، على تحرك عسكري واسع من دون ضوء أخضر من القوى الدولية المؤثرة في الملف الليبي.

وأضاف أن المجتمع الدولي “لا يستطيع أن يتحمل أي مغامرة عسكرية من أي طرف“، خصوصاً مع استمرار ترتيبات وقف إطلاق النار وخطوط التماس، وعمل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، إلى جانب المسار الأمريكي الهادف إلى تقريب المواقف بين الأطراف الليبية.

لكن المناورات، وفق الباحث الليبي، قد لا تغيّر جذرياً ميزان القوة بين الشرق والغرب، لأن قوات القيادة العامة تمتلك بالفعل تفوقاً واضحاً في التسليح والتدريب، يشمل السلاح الجوي ومنظومات الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، فضلاً عن برامج التدريب والعلاقات العسكرية الخارجية.

إلا أن بوفردة شدد على أن الفارق الأهم لا يرتبط بحجم السلاح فقط، بل بوجود “تسلسل قيادة واحد” داخل معسكر الشرق، مقابل تعدد التشكيلات والمسارات العسكرية في غرب ليبيا.

تبدو “مناورات دروع الكرامة” محاولة لإعادة تثبيت “القيادة العامة” طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مقبلة، فالرسالة لا تستهدف طرابلس وحدها، بل الوسطاء الدوليين أيضاً: “أي صيغة سياسية لا تمنح القوة العسكرية في الشرق موقعاً مقرراً ستظل معرضة للتعطيل“.

غير أن هذه الرسالة تحمل في الوقت نفسه مفارقة واضحة، فالقيادة العامة تقدم نفسها باعتبارها قوة دولة، بينما يأتي أكبر استعراض عسكري لها في لحظة يُفترض أنها مخصصة للحديث عن التهدئة والتوحيد.

ومن هنا يبرز السؤال الأعمق: هل تستعد هذه القوة للاندماج ضمن مؤسسات وطنية موحدة، أم أنها تسعى لدخول المرحلة المقبلة من موقع الفرض لا الشراكة؟

توحيد الميزانيةبداية حل أم غطاء جديد؟

في أبريل/ نيسان 2026، وافقت الهيئتان التشريعيتان المتنافستان في ليبيا على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، في خطوة دعمتها واشنطن باعتبارها مدخلاً لتقليص الانقسام المالي بين الشرق والغرب، لكن الميزانية في ليبيا لا تُقرأ كوثيقة مالية فقط، بل كخريطة نفوذ تتحكم في توزيع المشاريع والعقود ومراكز القوة.

وفي 15 مايو/ أيار 2026، أعلن مصرف ليبيا المركزي بدء التنفيذ الفعلي لاتفاق الإنفاق الموحد، خلال اجتماع ضم مسؤولين ماليين ليبيين بحضور القائم بالأعمال الأمريكي جيريمي برنت، حيث نوقشت آليات مراقبة الإنفاق والإيرادات النفطية وضمان صرف الأموال وفق الترتيبات المتفق عليها.

ورغم ترحيب بعثة الأمم المتحدة بالاتفاق، مع التشديد على الرقابة والحوكمة، فإن الأطراف الليبية تنظر إليه من زاوية النفوذ وتقاسم الحصص أكثر من كونه إصلاحاً إدارياً، إذ إن الإشراف على الإنفاق يعني عملياً التحكم في التنمية وشبكات الولاء داخل الدولة.

وقال المحلل السياسي الليبي صلاح البكوش إن مناورات حفتر لا تشكل تهديداً عسكرياً، لكنها رسالة سياسية تهدف إلى تحسين موقعه التفاوضي، وأضاف أن توحيد الإنفاق قد يخفف الانقسام المالي، لكنه “لن يتحول تلقائياً إلى تسوية سياسية، لأن جوهر الأزمة ما يزال مرتبطاً بالسلطة والأمن وتقاسم النفوذ“.

لا اندماج بل ترهيب سياسي

في غرب ليبيا، لا تُقرأ “مناورات دروع الكرامة” بمعزل عن ذاكرة هجوم 2019 على طرابلس، فرغم تغير التوازنات العسكرية والإقليمية وارتفاع كلفة الحرب الشاملة، فإن أي استعراض واسع لقوات حفتر يعيد تلقائياً استحضار منطق القوة الذي طبع تلك المرحلة، ويجعل الرسالة تُقاس ليس فقط بما أراد حفتر قوله، بل بكيفية تلقيها داخل طرابلس والقوى المناهضة له.

وقال المحلل السياسي الليبي أنس القماطي إن “حفتر لم يتغير، رغم أشهر من الكوريغرافيا الدبلوماسية حوله، وذكرى عملية الكرامة منحته مسرحاً”، وأضاف: “الأداء يتحدث عن نفسه: هذا ترهيب سياسي، وليس اندماجاً، جيش يستعد فعلاً للاندماج في مؤسسات وطنية موحدة لا ينظم أكبر مناورة له على الإطلاق خلال محادثات سلام. إنه يعلن عن نفسه بطريقة مختلفة“.

وبحسب القماطي، فإن الرسالة التي وصلت إلى طرابلس يمكن تلخيصها في عبارة: “نحن لا نتفاوض، نحن نرهب“، واعتبر أن “مناورات دروع الكرامة” موجهة مباشرة إلى القوى الرافضة للمسار المنسوب إلى مسعد بولس، بوصفها “تذكيراً بما يوجد على الجانب الآخر من الطاولة إذا استمروا في الرفض”.

وأضاف القماطي: “إنها معاينة مسبقة. هذا هو شكل الحياة السياسية تحت حكم آل حفتر في غرب ليبيا: ليس سلاماً، ولا حتى تعايشاً، بل إكراهاً“.

ولا يفصل القماطي بين العرض العسكري والمسار المالي، بل يراهما جزءاً من استراتيجية واحدة، ويقول: “لم تكن هناك ثقة من البداية. ميزانية أبريل لم تبنِها، بل اشترت الوقت”.

وحسب القماطي، فإن تنظيم أكبر مناورة عسكرية في تاريخ الجيش الوطني الليبي بعد شهر واحد من توقيع اتفاق الإنفاق الموحد “ليس تناقضاً، بل هو الاستراتيجية، الميزانية تمنح حفتر شرعية دولية، والمناورات تذكّر الجميع في الداخل بأنه لا يحتاج فعلياً إلى الاتفاق كي يأخذ ما يريد”.

“هذا هو النمط الذي تعلّمت غرب ليبيا قراءته”، يضيف القماطي، ويوضح أن كل محطة دبلوماسية مع حفتر تتبعها إشارة عسكرية: “الاتفاق ليس الوجهة، بل الغطاء. وما دام أن المسارات المدعومة أمريكياً تتعامل مع تعاونه باعتباره تقدماً بينما تتجاهل الرسائل المحيطة به، فهي لا تجسر الانقسام بين الشرق والغرب. إنها تؤسسه داخل المؤسسات”.

المسار المالي ومكافأة القوة

في تقييمه للمسار الأمريكي، يرى القماطي أن الإشكال لا يتعلق بمحاولة معالجة الخلل العسكري، بل بتكريسه سياسياً ومالياً، ويقول: “هذا هو الموضع الذي تقلب فيه معظم التحليلات المسألة رأساً على عقب، لا أحد يحاول معالجة التوازن العسكري، إنهم يحاولون مكافأته سياسياً ومالياً“.

وبحسب هذه القراءة، فإن “مناورات دروع الكرامة” لا تبدو تهديداً خارجياً للمفاوضات، بل جزءاً من الرافعة التي تمنح حفتر موقعاً تفاوضياً أقوى. لذلك، فإن التحرك الأمريكي الذي يُقدَّم كخطوة تقنية لتوحيد الإنفاق، قد يُقرأ في طرابلس باعتباره مساراً يمنح حفتر شرعية سياسية ومالية من دون أن يفرض عليه تفكيك بنية القوة العسكرية التي يستند إليها.

في المقابل، يرى داعمو اتفاق الإنفاق الموحد أن توحيد الميزانية قد يشكل خطوة ضرورية لتخفيف الانقسام المالي الذي غذّى الانقسام السياسي لسنوات، خصوصاً مع الدعم الدولي للمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة.

غير أن الحديث الدولي عن الحاجة إلى مؤسسات اقتصادية وعسكرية موحدة يكشف أن الملف الحقيقي لم يُحسم بعد: من يملك القرار الأمني، وهل يمكن دمج القوة العسكرية في سلطة مدنية موحدة؟

هنا يقدّم القماطي خلاصة أكثر حدة، إذ يقول إن حفتر “لن يكون خاضعاً لأي سلطة مدنية، منتخبة أو غير منتخبة“، وأضاف: “هذا جيشه العائلي الشخصي. إنه ليس موقعاً يبحث عن إرفاق شروط به؛ وهو خطوة نحو الوجهة نفسها، وهي أخذ السلطة السياسية من داخل الدولة أو من خارجها باستخدام السلاح“.

سياسة الولاءات غير الحصرية

لا يمكن فصل مناورات الشرق عن الحضور المتزايد لصدام حفتر داخل المشهد السياسي والعسكري، إذ لم يعد ظهوره مجرد تفصيل بروتوكولي، بل جزءاً من إعادة تشكيل بنية القوة داخل معسكر الشرق، وأصبح مرتبطاً أيضاً بمنظومة نفوذ عائلية يبدو أنها ترتب انتقالاً تدريجياً للثقل السياسي والعسكري داخل عائلة حفتر نفسها.

الباحث المتخصص في الشأن الليبي جليل حرشاوي قال لـ”عربي بوست” إن المناورات العسكرية في شرق ليبيا بدأت في طبرق ودرنة قبل أسابيع من ذكرى عملية الكرامة، وتزامنت إلى حد بعيد مع مناورات “فلينتلوك” التي رعتها الولايات المتحدة في سرت.

واعتبر حرشاوي أن هذا التوقيت “لم يكن عابراً”، إذ حرص معسكر حفتر، بحسبه، على تقديم استعراض يرضي واشنطن عبر المشاركة في المناورات التي نظمها البنتاغون، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش عسكري مستقل يتيح له التحرك وفق شروطه الخاصة.

وحملت زيارة صدام حفتر إلى موسكو الرسالة نفسها، يقول حرشاوي موضحاً إن جيش حفتر “يمضي في بناء عدة شراكات ثنائية بالتوازي”، وإن العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم الترحيب بها، “ليست علاقة حصرية”.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو التقارب مع موسكو أو استخدام السلاح الروسي تناقضاً مع الانفتاح على واشنطن، بل جزءاً من سياسة تقوم على تنويع التحالفات ورفع كلفة الضغط على معسكر حفتر. ويضيف حرشاوي أن ذكرى عملية الكرامة هذا العام عكست هذه المقاربة بوضوح، مع الحضور البارز لصدام وخالد وخليفة حفتر معاً.

بحسب الباحث المتخصص في الشأن الليبي، فإن الرسالة الضمنية تتمثل في أن قوى دولية وإقليمية متعددة تسعى إلى استمالة عائلة حفتر، وأن هذا السعي يرقى عملياً إلى “شكل من أشكال الاعتراف الدبلوماسي”.

ويختصر هذه العقيدة بعبارة: “لا ولاءات حصرية“، موضحاً أن العائلة قادرة على الحفاظ على علاقات متوازية مع الإمارات والسعودية، ومع الولايات المتحدة وروسيا، وحتى مع تركيا ومصر في آن واحد.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما أشار إليه الباحث شريّف بوفردة بشأن التنافس الداخلي بين خالد وصدام حفتر، إذ إن المناورات لا توجّه رسائل إلى الخارج فقط، بل تعيد أيضاً توزيع الصورة داخل بيت القيادة العامة.

وإذا كان صدام قد تصدر سابقاً واجهة التحركات السياسية والأمنية والعلاقات الخارجية، فإن بروز خالد حفتر في هذا الاستعراض العسكري الواسع يمنحه صورة القائد الميداني والمؤسسي داخل هيئة الأركان.

ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية لأن أي ترتيبات سياسية مقبلة لن تتعامل فقط مع خليفة حفتر، بل مع الدائرة العائلية والعسكرية التي تشكلت حوله، إذ بات صدام يظهر في موقع يتجاوز الدور العسكري التقليدي، عبر حضوره في ملفات الأمن والتسليح والعلاقات الخارجية، بينما يتقدم خالد داخل البنية العسكرية النظامية.

كما أن ظهور منظومات روسية مثل “بانتسير” أضفى على “مناورات دروع الكرامة” بعداً خارجياً واضحاً، فالرسالة لم تكن موجهة إلى طرابلس وحدها، بل إلى واشنطن أيضاً: معسكر حفتر يدخل مرحلة الترتيبات الأمريكية وهو يمتلك أوراقاً عسكرية وتحالفات متعددة، ويقدّم نفسه قوةً يصعب الضغط عليها أو تجاوزها.

توحيد المال قبل توحيد السلاح

تلتقي القراءات المختلفة حول فكرة واحدة: “مناورات دروع الكرامة” ليست إعلان حرب، لكنها أيضاً ليست تدريباً عادياً، فهي محاولة لتحويل التفوق العسكري والتنظيم الداخلي والعلاقات الخارجية المتعددة إلى رأسمال تفاوضي قبل اكتمال المسار الأمريكي الخاص بتوحيد الإنفاق العام.

فمن زاوية شريّف بوفردة، تبدو المناورات محاولة لتقديم قوات الشرق باعتبارها المؤسسة العسكرية الأكثر تنظيماً وتسلسلاً في القيادة مقارنة بتعدد التشكيلات المسلحة في الغرب.

أما المحلل السياسي صلاح البكوش، فيرى أن العرض العسكري لا يشكل تهديداً مباشراً بقدر ما يمثل رسالة لتحسين الموقع التفاوضي، معتبراً أن توحيد الإنفاق قد يخفف الانقسام المالي لكنه لا يعالج جوهر الأزمة المرتبط بالسلطة والأمن وتقاسم النفوذ.

في المقابل، يقرأ أنس القماطي “مناورات دروع الكرامة” باعتبارها امتداداً للمسار المالي لا منفصلة عنه، حيث تمنح الميزانية شرعية دولية، بينما يفرض العرض العسكري ميزان القوة على الأرض.

أما جلال حرشاوي فيضيف بعداً خارجياً أوسع، يتمثل في قدرة عائلة حفتر على إدارة شبكة علاقات متوازية مع واشنطن وموسكو وعواصم إقليمية، وتحويل هذا التعدد إلى شكل من أشكال الاعتراف السياسي غير المعلن.

وبهذه الطريقة، تبدو الدبلوماسية والسلاح مسارين متوازيين لا متناقضين، فالقيادة العامة تعرض نفسها شريكاً يمكن الاعتماد عليه في أي ترتيبات مقبلة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ ببنية عسكرية مستقلة وغير خاضعة لسلطة مدنية موحدة، وتحكمها أيضاً توازنات عائلية داخلية يصعب تجاهلها.

في النهاية، لم تكن مناورات الشرق مجرد استعراض عسكري في ذكرى عملية الكرامة، بل بياناً سياسياً بصوت المدرعات، إذ يسعى حفتر إلى دخول المرحلة المقبلة لا باعتباره طرفاً قابلاً للدمج، بل قوةً لا يمكن تجاوزها.

وبينما تحاول الولايات المتحدة تنظيم المال العام، يواصل معسكر الشرق بقيادة خليفة حفتر التذكير بأن السلاح ما زال قادراً على إعادة تعريف شروط السياسة وحدود التسوية الممكنة.

__________________

ليبيا على أعتاب التغيير… لكن نجاحه مرهون بالتعاون

مارتن رينولدز

شكّلت عودتي إلى ليبيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بصفتي السفيرَ البريطاني فرصةً للتأمل في حجم التغييرات التي شهدتها البلاد منذ زيارتي الأولى عام 2010 ضمن الوفد البريطاني إلى القمة الأوروبية – الأفريقية.

وكانت تلك فرصةً قصيرة، لكنَّها مرحّب بها، للتجوّل في أزقة المدينة القديمة بطرابلس، وتأمل قوسِها الروماني المذهل العائد إلى القرن الثاني الميلادي، ومزيجها الغني من العمارة الإسلامية والطراز الإيطالي.

وفي السنوات التالية، زرت ليبيا مرتين وسط مشهد سريع التغيّر شمل حربين أهليتين، وصعود تنظيم «داعش»، ثم سقوطه، ومحاولات متعددة لتوحيد البلاد.

وقد سُررت بالعودة بصفتي سفيراً في وقت أصبح فيه السفر خارج العاصمة أكثر سهولة. وأثناء سفري على الطريق الساحلي إلى بنغازي ومصراتة، وزيارتي المواقع التاريخية في صبراتة ولبدة الكبرى وقورينا، رأيت حجم التغيّر منذ ذروة النزاع.

فطرابلس وبنغازي باتتا شبه مختلفتين تماماً، وتمتلئان بمشروعات بناء جديدة. كما شهدت سرت، التي كانت قبل سنوات قليلة مركزاً لمعارك ضارية، تحولاً بدورها. لكن الأسس السياسية والاقتصادية في ليبيا لا تزال هشّة.

فالفساد المتجذّر وغياب الشفافية يعنيان أن جزءاً كبيراً من موارد الدولة الهائلة الناتجة من احتياطات النفط يُساء استخدامه. ولا تزال الاشتباكات مستمرة في أنحاء البلاد بين الميليشيات المسلحة والعصابات الإجرامية.

كما أن مؤسسات سيادة القانون ليست مخوّلة بما يكفي لمحاسبة مرتكبي أعمال العنف. وتبقى الحياة صعبة بالنسبة إلى كثير من الليبيين، في ظل تراجع قيمة العملة.

ويقف خلف كل ذلك انقسام سياسي عميق بين شرق ليبيا وغربها، كرّس أنظمة حكم غير مستدامة، وجعل من الصعب تحقيق الإمكانات الكاملة للبلاد.

وإمكانات ليبيا هائلة بالفعل؛ فهي تتمتع بموقع استراتيجي في قلب البحر الأبيض المتوسط وعلى امتداد القارة الأفريقية، إضافة إلى احتياطاتها الضخمة من النفط والغاز، وسكانها المتنوعين والموهوبين وذوي التعليم العالي.

ويمكن لليبيا بل ينبغي لها أن تكون مزدهرة مثل أي دولة أخرى في المنطقة.

تلتزم المملكة المتحدة بدعم ليبيا لاتخاذ خطوات حاسمة نحو دولة موحدة ذات حكومة فعالة تخدم جميع مواطنيها. وكان هذا الهدف المشترك لكثير من الأطراف الليبية والشركاء الدوليين على مرّ السنوات.

ومع ذلك، ظل التقدم نحو حل سياسي مستدام بعيد المنال. لكن في ظل اقتصاد عالمي يزداد تقلباً، فإن التغيير قادم إلى ليبيا. والسؤال هو ما إذا كان القادة الليبيون مستعدين لتوجيه هذا التغيير نحو تقدم دائم.

وهناك مؤشرات مشجعة؛ إذ اتفق مجلسا النواب و«الدولة» الليبيان مؤخراً على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، ما يعزز الآمال ببدء مرحلة جديدة من الانضباط المالي.

كما ينخرط الفرقاء الليبيون بشكل بنّاء مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بقيادة هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام، سعياً إلى حل سياسي مستدام. وينبغي للمجتمع الدولي البناء على هذا الزخم، وتعزيز دعمه الكامل لجهود الأمم المتحدة، فضلاً عن المبادرات الأخرى الهادفة إلى تحقيق تقدم سياسي واقتصادي.

وبصفتها حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن ليبيا، تظل المملكة المتحدة ملتزمة بتوحيد الجهود الدولية رغم التحديات. ويتمثل جزء مهم من دوري في تعزيز الانخراط البريطاني مع مختلف مكونات المجتمع الليبي.

وخلال الأشهر الستة الأولى لي في ليبيا، كان من المستحيل تجاهل الإمكانات غير المستغلة للتعاون في مجالات التعليم والتدريب والخبرات التقنية. وهذه من نقاط القوة التقليدية للمملكة المتحدة، وهي مطلوبة بشدة. وهناك فرصة حقيقية للمساعدة في تعزيز المؤسسات الليبية ورعاية الكفاءات المحلية.

ويتعين على ليبيا وشركائها الأوروبيين أيضاً العمل معاً لتفكيك شبكات العائدات غير المشروعة التي تثري المجرمين داخل مجتمعاتنا جميعاً.

والأولوية التي هي أكثر إلحاحاً تتمثل في مكافحة شبكات تهريب البشر والاتجار بالبشر التي تشجع تدفق المهاجرين إلى ليبيا، ومنها إلى أوروبا. فالتكلفة الإنسانية لهذه التجارة مروعة، والعبء الذي تفرضه على المجتمعات الليبية المحلية لا يمكن تحمله.

ونحن ملتزمون بالعمل مع ليبيا للمساعدة في تعزيز قدراتها على إدارة الحدود، والحد من تدفق المهاجرين إلى هذا البلد وما بعده.

وفي بلد ديناميكي وغني بالموارد مثل ليبيا، فإن التغيير أمر لا مفر منه. لكن التقدم المستدام لن يتحقق إلا من خلال تعاون الليبيين مع بعضهم، والعمل إلى جانب شركاء دوليين داعمين.

وأنا مصمم على استغلال فترة عملي في ليبيا للإسهام في هذا المسار، وأؤمن بقوة بأن ليبيا قادرة على تجاوز تحديات العقود الماضية والمضي قدماً.

***

مارتن رينولدز ـ سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا

___________

“ملك الموت” أمام الجنايات الدولية بتهم جرائم حرب بسجن ليبي

خالد سلامة

باشرت المحكمة الجنائية الدولية جلسات استماع تستمرّ على مدى ثلاثة أيام بحقّ مدير سابق لسجن ليبي سيئ السمعة يُعرف بلقب “ملك الموت”، لتأكيد التهم الموجّهة إليه وتشمل جرائم حرب وقتل واغتصاب وتعذيب، وليس محاكمته.

قال مدعون عامون لقضاة المحكمة الجنائية الدولية اليوم الثلاثاء (19 مايو/أيار 2026) إن المتهم بالإشراف على أحد أسوأ السجون سمعة في ليبيا كان معروفاً بأنه يعذب بلا رحمة. وذكر المدعون العامون أن خالد الهيشري (47 عاماً) كان ‌يشرف على جناح ⁠النساء ⁠في سجن معيتيقة الذي يديره جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في غرب ليبيا. وأضاف المدعون أن آلاف الضحايا اعتقلوا واحتجزوا دون ​أساس قانوني في ظروف غير إنسانية وتعرضوا للإساءة والتعذيب على نحو ممنهج.

وقالت نزهت ​شميم خان نائبة المدعي العام في بداية الجلسات التي تستمر ​ثلاثة ‌أيام والمقرر أن تحدد التهم التي ستوجه للمشتبه به “كان خالد (محمد علي) الهيشري معروفاً على نطاق واسع بأنه (رجل) سيئ السمعة يمارس التعذيب ‌وهو من أكبر المسؤولين في سجن معيتيقة”.

ونقلت عن أحد الشهود قوله إن الهيشري كان “من أسوأ المحرّضين على العنف”، فيما أشار شاهد آخر إلى أنه كان يُلقَّب بـ”ملك الموت”. ولفتت شميم خان إلى أن “إحدى طرق التعذيب المفضّلة لديه، بحسب الشهادات، كانت إطلاق النار على الأشخاص خصوصا في الساق والركبة”. كما كان “يعلّق الأشخاص وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم ويضربهم بالمجارف”، وفق الادعاء.

وتحدّثت نزهت ​شميم خان عن ظروف “لا يمكن تصوّرها” داخل السجن، مشيرة إلى أن الهيشري الذي كان مسؤولاً عن سجن النساء استخدم الأمراض “كسلاح” من خلال وضع المعتقلين في زنازين يُحتمل أن يُصابوا فيها بعدوى. وبيّنت أن المتهم كان يرتكب بنفسه عمليات اغتصاب وقتل وتعذيب بحقّ السجناء.

وقال المدعون إن ‌الهيشري ​اعتدى شخصياً على سجينات وعذبهن واغتصبهن في إطار نمط من التعذيب الجنسي. وطلبوا من القضاة تأكيد 17 تهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، منها ​القتل والاغتصاب والاضطهاد والاستعباد من فبراير/شباط 2015 حتى أوائل 2020.

أول مشتبه فيه ليبي أمام الجنائية الدولية منذ 2011

في المقابل، جلس الهيشري الذي ارتدى سترة وربطة عنق زرقاوين من دون إبداء تأثر يُذكر، مكتفياً أحياناً بالإيماء برأسه.

وكشفت وثائق المحكمة أن الهيشري لم يقدم رداً رسمياً بعد على التهم المذكورة، ⁠لكن ​محاميه طلبوا من القضاة رفض التهم ​وطعنوا على اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية. وأًلقي القبض عليه في ألمانيا في يوليو/​تموز 2025.

وتُعقد الجلسات التي تستمر حتى الخميس في مقر المحكمة في لاهاي، في إطار “تأكيد التهم” الموجهة إلى الهيشري، وليس لمحاكمته. وسينظر القضاة في ما إذا كانت الأدلة كافية للمضيّ قُدماً في محاكمة كاملة، إذ لا يزال أمام هيئة المحكمة 60 يوماً لاتخاذ القرار إمّا بتأكيد التهم أو إسقاط القضية والإفراج عن الهيشري، أو تعديل التهم الموجهة إليه.

وإذا أكد ‌القضاة التهم، فقد تصبح قضية الهيشري أول محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تركز على ليبيا. وتنظر المحكمة الجنائية ​الدولية في مزاعم ⁠جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي ⁠القضية إلى المحكمة في ​2011.

واعتقلت إيطاليا في يناير/كانون الثاني 2025 لفترة وجيزة شخصاً آخر، وهو أسامة المصري نجيم،تشتبه المحكمة الجنائية الدولية بارتكابه جرائم حرب على صلة بسجن معيتيقة، لكنها أطلقت سراحه وعاد إلى ليبيا، مما أثار استنكاراً.

__________________

هل يفتح الحكم ببراءة رموز النظام السابق الباب أمام مصالحة تاريخية في ليبيا

الحبيب الأسود

المتهمون واجهوا تهما، من بينها التحريض على إثارة الحرب الأهلية والإبادة الجماعية، وإساءة استخدام السلطة وإصدار أوامر بقتل المتظاهرين والإضرار بالمال العام.

أعلن في العاصمة الليبية طرابلس عن قرار الدائرة الجنائية الثالثة بمحكمة الاستئناف، القاضي ببراءة 31 من أبرز قيادات نظام الراحل معمر القذافي، من تهمة قمع المتظاهرين إبان أحداث الثورة الليبية التي اندلعت عام 2011، وذلك بعد مسار قضائي معقد ومطول استمر لنحو 12 عاما.

وترى أوساط ليبية أن الحكم الجديد، جاء ليفسح المجال أمام مصالحة وطنية شاملة وتاريخية بعد 15 عاما على الإطاحة بالنظام الجماهيري بعد حرب لا تزال تثير جدلا حادا بخصوص تقييم أبعادها السياسية والإستراتيجية، ودور القوى الخارجية والجماعات المتطرفة والإرهابية في تفجيرها.

وتشير الأوساط إلى أن اغتيال سيف القذافي، وإخراجه قسرا من خارطة التنافس السياسي بصفته ممثلا لرموز النظام السابق، ساعد على بلورة رؤية جديدة لحلحلة الصراع السياسي مع اتباع سبتمبر وتيارهم العقائدي. 

وشمل حكم البراءة أسماء بارزة، في مقدمتهم رئيس المخابرات الأسبق عبدالله السنوسي، وآخر رئيس وزراء في ذلك العهد البغدادي المحمودي، وسيف الإسلام القذافي الذي تعرض لعملية اغتيال في الثالث من فبراير الماضي، بالإضافة إلى منصور ضوء، ومحمد بالقاسم الزوي، ومحمد أحمد الشريف.

وقررت المحكمة إسقاط الدعوى الجنائية والجريمة بحق عدد من المسؤولين السابقين ممن توفوا قبل صدور الحكم بالإدانة، ومن بينهم رئيس جهاز الأمن الخارجي الأسبق أبوزيد دوردة، ونائب رئيس الوزراء الأسبق عبد الحفيظ الزليطني.

 وكان 38 شخصاً من رموز النظام الليبي السابق، مثلوا أمام غرفة الاتهام لمحكمة استئناف طرابلس، في سبتمبر 2014 لمواجهة الاتهامات الموجهة إليهم المتعلقة بتورطهم بشكل مباشر في محاولة إجهاض ثورة 17 فبراير وارتكاب جريمة الإبادة الجماعية والنهب والتخريب وإصدار الأوامر بإطلاق النار على المدنيين وجلب المرتزقة وإثارة الفتن والتحريض وتشكيل ميليشيات مسلحة لقتل الأبرياء.

وفي 28 يوليو 2015 قضت محكمة استئناف العاصمة الليبية طرابلس في جلسة الحكم على 37 متهما من رموز نظام القذافي بإعدام ثلاثة من رموز هذا النظام، وواجه المتهمون تهما، من بينها التحريض على إثارة الحرب الأهلية والإبادة الجماعية، وإساءة استخدام السلطة وإصدار أوامر بقتل المتظاهرين والإضرار بالمال العام وجلب مرتزقة لقمع ثورة فبراير.

وبحسب مراقبين، فإن الأحكام كانت منتظرة نظرا للخلفية السياسية للاتهامات في ظل سعي لإعادة قراءة الأحداث والنظر إليها بموضوعية أكبر، لاسيما أن أغلب المتهمين إما غادروا الحياة أو تم إطلاق سراحهم لأسباب صحية.

لكن ملف مدير الاستخبارات العسكرية بالنظام السابق، اللواء عبدالله السنوسي يبقى الأكثر تعقيدا بسبب أهمية وحساسية المراكز السيادية التي عمل بها والمعلومات التي يمتلكها، إلى جانب أنه مطلوب من محكمة الجنايات الدولية. 

وقال أحمد نشاد، محامي السنوسي، إن ملف القضية 630 بُني على العدم، وتم تفنيد كافة الإدعاءات والمزاعم في المرافعات، مشيرا إلى أن حكم استئناف طرابلس يسقط عن موكله الاتهامات في القضية رقم 630، فيما لا يزال هناك ملف آخر مفتوح بشأن قضية سجن بوسليم. وأوضح نشاد أن حكم البراءة لا يعني الإفراج الفوري عن عبدالله السنوسي.

 وتابع “لا يمكن الطعن في الحكم الصادر إلا من خلال النائب العام، لأنه هو من أصدر الدعوى العمومية فيما قبل، وخسرها الآن، وأعتقد أنه عليه التريث جيدًا قبل الطعن لو كان يهدف إلى المصلحة العامة للمجتمع الليبي ككل”.

مردفا أن الحكم صدر بالبراءة وليس لعدم كفاية الأدلة مثلا، أي أن المتهمين كافة تحصلوا على البراءة وليس لهم أي مسؤولية عن ارتكاب جرائم، وأنه لا توجد أي مسؤولية جنائية على المتهمين.

وأضاف “المتهمون كانوا يؤدون أعمالهم وفق القوانين وقت اندلاع فبراير 2011، وأي تقصير فيها كانوا سيحاسبون عليه قانونًا، وهم تعاملوا مع مجموعة مسلحة تمردت على الدولة بقوة السلاح، وكانوا ينفذون القانون”، مشددا على أن جميع التهم الموجهة للمتهمين لا أساس لها من الصحة وناقضت الواقع، حيث وجهت إلى عبدالله السنوسي اتهامات بتفجير محطة وقود وهي واقعة لم تحدث أصلاً ولم يتم تسجيلها بالأساس. 

وكانت الحكومة الليبية أعلنت في مارس 2012 أنها كلفت لجنة برئاسة النائب العام عبد العزيز الحصادي وعضوية عدد من المسؤولين بالوزارات المختصة بمتابعة رموز النظام السابق الموجودين بالخارج وملاحقتهم.

وطلبت من اللجنة العمل على تفعيل الوثائق الثانوية من اتفاقيات ثنائية وإقليمية ودولية المتعلقة بتسليم المطلوبين وتحديد القنوات سواء كانت سياسية أو قانونية أو عن طريق الشرطة الدولية (الإنتربول). 

وفي سبتمبر من ذلك العام، بادرت موريتانيا بتسليم عبدالله السنوسي لسلطات بلاده، قبل أن توجه إليه جملة من الاتهامات، من بينها قمع المتظاهرين العزل وإصدار أوامر بالقتل المباشر، وجلب وتجهيز المرتزقة الأجانب وتسهيل منحهم الجنسية الليبية للقتال ضد الثوار، وإشعال الحرب الأهلية وتشكيل جماعات قبلية مسلحة، وتخريب المنشآت العامة، والنهب، وتفخيخ المركبات بالمواد المتفجرة وغيرها.

___________

إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر.. رهان الولايات المتحدة لتوحيد ليبيا؟

ْ

أحد أبرز أهداف واشنطن يتمثل في تقليص النفوذ العسكري الروسي

تدفع التطورات المتعلقة بإيران إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تكثيف تحركاتها الرامية إلى توحيد ليبيا التي تعاني انقساما بسبب الحرب الأهلية. 

وأشارت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” إلى أنه “وفق التصور المطروح داخل البيت الأبيض، فإن ليبيا السابقة (الموحدة) يُفترض أن تسهم جزئيا في تعويض الخسائر التي لحقت بالسوق العالمية نتيجة أزمة مضيق هرمز”.

في هذا السياق، ذكرت الصحيفة الروسية أن “واشنطن تسعى إلى توحيد الهياكل المؤسسية لكل من حكومتي غرب ليبيا (طرابلس) وشرق ليبيا (برقة)، مع الإبقاء في الوقت نفسه على مناطق النفوذ القائمة ونموذج انتقال السلطة القائم على الطابع العائلي”.

واعتمدت في ذلك على إبراهيم الدبيبة ابن شقيق رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوفاق الليبي المعترف بها دوليا، وعلى صدام حفتر نجل الجنرال الانقلابي خليفة حفتر.

رجل ظل

وبحسب مصادر منصة “ميدل إيست آي”، فإن إدارة ترامب كثفت جهودها بشأن الملف الليبي في ظل الحرب مع إيران.

ونقلت المنصة عن مصدر أميركي قوله: “هذه فكرة شاملة على مستوى الحكومة، والهدف هو جعل ليبيا متاحة أمام الشركات النفطية الأميركية”.

وأضاف المصدر: “لنكن واقعيين، إن المسار الانتخابي تحت رعاية الأمم المتحدة في ليبيا لم ينجح”.

وأشار إلى أن “جميع الشركاء الدوليين لم يعودوا يصرون على إجراء انتخابات عامة في البلاد، مفضلين بدلا من ذلك التعامل مع شبكات النفوذ العائلية.

ووفقا للمعلومات ذاتها، يشرف على هذه المبادرة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون إفريقيا والدول العربية والشرق الأوسط مسعد بولس.

وبحسب الصحيفة الروسية، “تهدف الخطة الأميركية إلى دفع طرفي البلاد، برقة وطرابلس، إلى توقيع اتفاق يوحد المؤسسات بشكل رسمي، مع الإبقاء فعليا على موازين القوى الحالية”.

وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن “أبرز القوى الفاعلة هي حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة الدبيبة، والجيش الوطني الليبي في الشرق بقيادة حفتر”.

وتابعت: “بموجب الشرط الأميركي، يتعين على الدبيبة نقل السلطة إلى نائبه ووريثه السياسي ابن شقيقه إبراهيم، فيما يقوم حفتر بتسليم موقعه إلى نائبه وابنه صدام”.

ووفقا لها، فإن “الواقع على الأرض يشير إلى أن إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر عززا بالفعل موقعيهما في غرب وشرق البلاد خلال السنوات الماضية، بل وخاضا تجارب تعاون ظرفية بينهما”.

واستطردت: “وهذا ما أكده تقرير حديث صادر عن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن ليبيا”.

وجاء في التقرير الأممي أن “نفوذ إبراهيم تجاوز المجموعات المسلحة، إذ تحول، عبر أدواره الأمنية والسياسية والاقتصادية، إلى رجل ظل مؤثر”.

وأكد أنه “لعب دورا محوريا في عدد من التطورات المهمة داخل ليبيا”.

كما أشار التقرير الأممي إلى أن “إبراهيم، شأنه شأن صدام، متورط في شبكات اقتصادية غير رسمية، وأن (تأثيره في القطاعات الاقتصادية الرئيسة استند إلى تحالفه مع قادة مجموعات مسلحة مختلفة)”.

أكثر نفوذا

وفي المقابل، “يبرز الاتجاه نفسه في شرق ليبيا، حيث تمكن صدام من السيطرة على عدد كبير من الملفات الحيوية، ما جعله أكثر نفوذا من بقية أبناء خليفة حفتر”، تقول الصحيفة.

وأردفت: “يشير تقرير الأمم المتحدة إلى أن قوات حفتر تعقد اتفاقات أمنية مع دول مختلفة لتقديم نفسها كطرف شرعي في المجال الأمني، وكشريك يشبه الدول”.

كما أضاف التقرير أن “هذه القوات، تحت قيادة صدام حفتر، باتت تقدم نفسها بشكل متزايد كضامن إقليمي للأمن، خصوصا في مجالات مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، وضبط حركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود”.

وتابعت الصحيفة: “أما الاهتمام الأميركي بالنفط الليبي فليس جديدا، فليبيا، رغم الحرب الأهلية، لا تزال عضوا في منظمة الدول المصدرة للنفط، وتمتلك أكبر احتياطات النفط في إفريقيا”.

وأضافت أنه “قبل اندلاع الربيع العربي عام 2011 وسقوط نظام معمر القذافي، كانت البلاد تحتل المرتبة الثانية عشرة عالميا في صادرات النفط، بإنتاج يقارب 1.6 مليون برميل يوميا”.

في هذا الصدد، ذكرت الصحيفة أن ليبيا بدأت تدريجيا في استعادة مستويات إنتاجها، إذ بلغ الإنتاج في أبريل/ نيسان 2026 نحو 1.43 مليون برميل يوميا، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من عشر سنوات، بحسب رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مسعود سليمان.

واستدركت: “لكن نشاط المؤسسة الوطنية للنفط لا يمكن وصفه بالشفافية الكاملة، سواء من حيث الجهة التي تخضع لها أو من حيث آليات توزيع العائدات النفطية”.

تأثير مزدوج

في هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة قوله إن “أطرافا مرتبطة بالمجموعات المسلحة، وعلى رأسها إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر، طورت قدرتها على التحكم في المؤسسة الوطنية للنفط على مختلف مستويات صنع القرار”.

وأضاف الفريق: “كان لهذا أثر مزدوج، إذ لم يقتصر الأمر على تمكين الجماعات المسلحة من توسيع نفوذها وتعزيز قدراتها العسكرية، بل امتد أيضا إلى الإضرار بالمصلحة العامة”.

وأردفت: “وفقا للمحللين الأمميين، فقد نشأت (منظومة إفلات من العقاب) داخل القطاع، حيث تُعتمد صفقات التصدير والاستيراد وعقود التطوير والمقاولات بشكل منهجي دون مراجعة كافية، لصالح شبكات متنافسة مرتبطة بالمجموعات المسلحة”.

وفي سياق متصل، شددت الصحيفة على أن “أحد أبرز أهداف واشنطن يتمثل في تقليص النفوذ العسكري الروسي في ليبيا، حيث لا يزال (فيلق إفريقيا) التابع لوزارة الدفاع الروسية ينشط في البلاد”.

واستطردت: “وفقا لمصادر نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال، فإن مشروع توحيد ليبيا يهدف بالأساس إلى تقليص فاعلية الوجود الروسي الذي اعتمد لسنوات على الجيش الوطني الليبي وشرق البلاد”.

من هنا، “ترى الإدارة الأميركية أن المناورات العسكرية متعددة الجنسيات (فلينتلوك 2026) التي جرت في أبريل/ نيسان 2026 تحت إشراف الولايات المتحدة تمثل خطوة في هذا الاتجاه”.

واستندت الصحيفة في هذا التقييم إلى حدث لافت شهدته تلك المناورات، إذ جرى لأول مرة منذ فترة طويلة تبادل مصافحة علنية بين ممثلين عن قيادات شرق ليبيا وغربها، وهو ما عدته “مؤشرا رمزيا على تقارب سياسي محدود بين الجانبين”.

________________

من الاعتمادات إلى البطاقات.. كيف تمددت إمبراطورية «المضاربة بالدولار» في ليبيا؟

الدينار الليبي يتعرض منذ سنوات لضغط من المضاربين والسوق الموازية

فتح خبيران اقتصاديان ملف تجارة الدولار والسوق الموازية من جديد، عبر تحذيرات لافتة من استمرار المضاربة بالعملة الأجنبية واتساع نشاط السماسرة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الدينار الليبي والأسواق المحلية.

وقال الخبير الاقتصادي ناظم الطياري، عبر منشور على حسابه في فيسبوك، إن شراء الدولار في السابق كان مرتبطًا بأغراض طبيعية ومنطقية تشمل الدراسة والعلاج والسياحة واستيراد البضائع، موضحًا أن المواطن الليبي كان يلجأ إلى شراء العملة الأجنبية فقط عند الحاجة الفعلية.

وأشار الطياري إلى أن التحولات الكبرى بدأت بين نهاية عام 2016 وخلال عامي 2017 و2018، وهي الفترة التي وصفها بمرحلة جريمة الاعتمادات والحاويات الفارغة، إلى جانب اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية.

وأوضح أن المصارف كانت تبيع الدولار عبر الاعتمادات وغيرها بسعر يقارب 1.40 دينار، بينما تجاوز سعره في السوق السوداء آنذاك 10 دنانير، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من المضاربة والتجارة بالعملة الأجنبية وتحقيق ثروات ضخمة في فترة قصيرة.

وأضاف الطياري أن تلك المرحلة رسخت ثقافة الاتجار بالدولار داخل المجتمع، بعدما تحول من وسيلة لتغطية الاحتياجات إلى سلعة تباع وتشترى بشكل يومي، لافتًا إلى أن السوق السوداء باتت تطلق على الدولار اسم بضاعة، في إشارة إلى حجم التداول والمضاربة التي اجتاحت السوق.

وأكد أن مليارات الدولارات كانت تخرج خلال شهر واحد عبر الاعتمادات وبطاقات الدولار والأغراض الشخصية، مبينًا أن ذلك لم يكن كافيًا نتيجة توسع النشاط الموازي وتحول الدولار إلى أداة للربح السريع والتجارة غير المنظمة.

وتحدث الطياري عن ما وصفه بحجم العدوانية في التعليقات والهجوم الذي يرافق أي أخبار تتعلق بانخفاض الدولار، معتبرًا أن ذلك يعكس اتساع شريحة المضاربين والمستفيدين من استمرار ارتفاع سعر العملة الأجنبية.

ودعا الخبير الاقتصادي إلى تبني حلول أمنية حاسمة لمواجهة السوق السوداء، مشيرًا إلى أن التجربة المصرية في تجريم بيع وشراء الدولار خارج القنوات الرسمية حققت نتائج قوية في كبح نشاط السوق الموازية، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي سيجعل السوق السوداء كابوسًا دائمًا يهدد الدينار الليبي والاقتصاد الوطني.

وفي سياق آخر، كشف الطياري أن منحة الأبناء بدأت منذ أمس تدخل تدريجيًا إلى حسابات المواطنين في المصارف، مؤكدًا استمرار توزيع السيولة النقدية في مختلف المصارف التجارية حتى فترة العيد.

كما أشار إلى وجود عمل خلال شهر مايو على ملفات مالية أخرى، معربًا عن أمله في إنجازها وصرفها قبل العيد.

من جانبه، دعا الخبير الاقتصادي مختار الجديد إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمحاربة السوق الموازية، معتبرًا أن البداية يجب أن تكون عبر استهداف سماسرة بطاقات الأغراض الشخصية وإيقاف بيع الدولار من خلالها.

وأوضح الجديد، في منشور عبر حسابه على فيسبوك، أن البديل أصبح متاحًا عبر البيع النقدي المباشر، والذي يشترط الحضور الشخصي لاستلام الدولار، بدلًا من البطاقات التي قال إن أصحابها لا يشاهدونها أصلًا، بينما يتولى السماسرة استلامها بالعشرات والمئات نيابة عن المواطنين من داخل المصارف.

وأكد أن ملف بطاقات الأغراض الشخصية تجاوز كل الحدود، مشددًا على ضرورة إيقاف هذه الآلية لما تسببه من توسع في المضاربة وتسرب العملة الأجنبية إلى السوق السوداء.

هذا وتشهد ليبيا منذ سنوات أزمة متواصلة في سوق الصرف نتيجة الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، ما أدى إلى اتساع نشاط المضاربة والاتجار بالعملة الأجنبية، خاصة خلال فترات الاعتمادات والبطاقات المصرفية المدعومة.

وتواجه السلطات النقدية في ليبيا ضغوطًا متزايدة لإيجاد حلول فعالة للحد من نشاط السوق السوداء والحفاظ على استقرار الدينار الليبي، وسط مطالب متكررة بتشديد الرقابة على آليات بيع العملة الأجنبية داخل المصارف التجارية.

_________________

المسار الأمني والعسكري في ليبيا.. بين مقاربتي بولس والبعثة الأممية

أسامة علي

لا يزال المساران الأممي والأميركي للحل في ليبيا يعملان بشكل غير واضح، فبينما تبدو الجهود متماهية في الظاهر، إلا أن البعثة الأممية تبرز استقلالها في تنفيذ خريطتها التي أعلنتها في 23 أغسطس/ آب الماضي، بينما تحاول المقاربة الأميركية، التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، التذكير بأن الخطوات التي تُيسرها البعثة مبنية على نجاحاتها السابقة في تقريب السلطتين في طرابلس وبنغازي.

وبعد ظهور انعكاس واضح للمقاربة الأميركية في المسار السياسي، الذي تشكل في “الطاولة المصغرة” التي رعتها البعثة في جلستين، الأولى في روما في الأول من مايو/ أيار الجاري، والثانية في تونس في 12 مايو الجاري، بمشاركة ممثلي الحكومة في طرابلس وبنغازي، وهما الطرفان الأساسيان في مقاربة بولس، ظهر تعارض جديد في المسار الأمني أيضا.

إذ أشار بولس إلى أن الاجتماع الذي يسرته البعثة الأممية بين ضباط من شرق ليبيا وغربها، في مدينة سرت الخميس الماضي، لمناقشة الأمن الحدودي، جاء بعد مشاركة الطرفين في “تمرين فلينتلوك 2026 العسكري” منتصف الشهر الماضي، فيما أكدت البعثة أن الاجتماع جاء نتيجة إنشاء “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود” بدعم منها منذ يناير/ كانون الثاني 2025.

والخميس الماضي أعلنت البعثة الأممية عن تنظيمها اجتماعاً في سرت، لتعزيز التنسيق الأمني الحدودي، بمشاركة “كبار الضباط العسكريين والأمنيين” من قيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ووزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية.

وأوضحت البعثة أن “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود” اتفق على “خطوات عملية لتعزيز التنسيق الأمني الحدودي، بما في ذلك إجراء عملية تعايش بين وحدات حرس الحدود لتنفيذ مهام بشكل متكامل ومشترك في مناطق حدودية محددة”، إضافة إلى “تفعيل عمل المراكز المشتركة لأمن الحدود التي سبق استحداثها في بنغازي وطرابلس”.

وأشارت إلى أن الفريق أُنشئ بدعمها منذ يناير 2025 “لتعزيز الجهود الليبية المبذولة في تأمين الحدود وحمايتها باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي الليبي”، معتبرة أن المبادرة “تمثل علامة فارقة في تطوير التنسيق المؤسسي، وخطوة هامة نحو توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وبناء الثقة، وتهيئة بيئة مواتية للعملية السياسية”.

من جهته، نشر مسعد بولس تدوينة على منصاته الإلكترونية اليوم الاثنين، رحب فيها بالاجتماع بين الفريقين الأمنيين من شرق ليبيا وغربها، مؤكدا الاتفاق على “تعزيز التعاون المشترك في أمن الحدود” و”تفعيل مراكز الأمن الحدودي المشتركة في بنغازي وطرابلس”.

وأشار بولس إلى أن ذلك يأتي بعد المشاركة في “تمرين فلينتلوك 2026 العسكري” بمدينة سرت منتصف الشهر الماضي، وتوقيع “الميزانية الوطنية الموحدة” في العاشر من أبريل، في ما يعكس استمرار الجهود العملية على الأرض لدعم تقدم ليبيا نحو الوحدة.

وفي منتصف الشهر الماضي، شهدت مدينة سرت، التي تعد منطقة تماس بين معسكري شرق البلاد وغربها ومقرا للجنة العسكرية المشتركة الليبية 5+5، تمرينات “فلينتلوك 2026” برعاية القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، بمشاركة نخبة من قوات قيادة حفتر ووزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، بحضور صدام حفتر، بصفته نائبا لما يعرف بــ”القيادة العامة للجيش الوطني”، وعبد السلام زوبي نائب وزير الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، في أول اجتماع عسكري علني بين الطرفين منذ سنوات طويلة من الانقسام والصراع.

وجاء هذا التمرين ضمن الجهود الأميركية التي يقودها بولس، في عدة مسارات، بينها المسار العسكري لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وعقب هذا الحدث العسكري، عقدت البعثة الأممية سلسلة اجتماعات مع قادة عسكريين خارج الإطار التقليدي للقيادات الرئيسية لطرفي معسكري شرق وغرب ليبيا. وعلى الرغم من رعاية البعثة للحوار المهيكل، الذي يتضمن 120 شخصية ليبية في أربعة مسارات: الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية، لم يشارك ممثلو مسار الأمن في اجتماع الخميس.

على ماذا تقوم مقاربتا بولس والبعثة الأممية؟

وتقوم مقاربة بولس، التي بدأت منذ منتصف العام الماضي، على بناء تقارب تدريجي بين سلطتي طرابلس ممثلة في حكومة الوحدة الوطنية، وبنغازي ممثلة في قيادة حفتر، وقد أفضت إلى خطوات ملموسة أبرزها التمرين العسكري المشترك في سرت، إضافة إلى الاتفاق على الميزانية الموحدة بين الجانبين.

في المقابل، يرى مراقبون أن البعثة الأممية تعمل على احتواء هذا المسار من خلال توسيعه عبر إدماج أطراف ومكونات إضافية؛ ففي المسار السياسي ضمت “الطاولة المصغرة” ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى جانب ممثلي سلطتي طرابلس وبنغازي.

أما في المسار الأمني والعسكري، فقد أكدت البعثة أن اجتماع الخميس الماضي، الذي شهد تمثيلا واضحا للسلطتين في طرابلس وبنغازي، جاء في إطار “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود” الذي أُنشئ في يناير 2025، بالتوازي مع تكثيف التواصل مع قادة عسكريين خارج البنية التقليدية في طرابلس وبنغازي، بما يعكس سعيا أمميا لصياغة مسار أكثر شمولا وتعددا في التمثيل.

فروق المقاربتين الأميركية والأممية

وبرأي ناجي بوسيف، الخبير في الشأن العسكري والأمني، فإن المقاربة الأميركية نجحت في قطع أشواط في مسارها وفرضها واقعاً، بينما البعثة الأممية تحاول اللحاق بها من زاوية “مواكبتها وإدخالها في الأطر المؤسسية” لخريطتها.

ويرى بوسيف أن تدوينة بولس جاءت في سياق التذكير بأن المقاربة الأميركية “ليست فاعلا جانبيا، وإنما أساسي ولا يمكن تجاوزه، أو التفريط في مكتسباته”.

وإلى جانب جهود البعثة في احتواء المسار الأمني من خلال آليات سابقة مثل “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود”، يلفت بوسيف في حديثه لـ”العربي الجديد” إلى أنها تحاول إدماج بعد دولي من خلال استضافتها، مطلع الشهر الجاري، اجتماع مجموعة العمل الأمنية، المنبثقة عن مسار برلين الأممي، بمشاركة تركيا ومصر والاتحاد الأوروبي، مما يعكس سعيها “لتعدد” الأطراف الإقليمية والدولية، وعدم ترك الفاعلية لمقاربة واشنطن لوحدها في المشهد.

ويعتبر الخبير الليبي أن هذا السلوك يعكس “العقيدة الأممية التقليدية القائمة على توسيع المشاركة وتفكيك مراكز القرار الصلبة”، بهدف ضمان عدم انهيار أي تسوية مستقبلية، خصوصا أن الهدف النهائي للبعثة هو إجراء الانتخابات الوطنية، وليس تركيز التواصل على أطراف السلطة المتنفذة على الأرض، في طرابلس وبنغازي كما هي المقاربة الأميركية.

وفي السياق الأمني، يشير بوسيف إلى أن تركيز اجتماع بنغازي، الخميس الماضي، على “أمن الحدود” يمثل “تحولا مهما في بنية التعاطي الدولي مع ليبيا، فقد يكون بمثابة اختراق أوروبي للمسار الأمني، فملف الحدود نقطة التقاء بين مصالح أوروبية مرتبطة بالهجرة غير النظامية، لكنه أيضا ملف يمثل هاجسا مشتركا مع واشنطن أيضا، من ناحية أن الجنوب الليبي مجالا مفتوحا أمام تمدد النفوذ الروسي عبر معسكر حفتر”.

ورغم ذلك، يؤكد بوسيف أن البعثة الأممية ما تزال متأخرة في “قراءة البنية الحقيقية للصراع”، إذ يرى أنها بنت خريطتها منذ البداية بشكل منقوص، بأن جعلت المسار العسكري والأمني، ضمن هامش داخل “الحوار المهيكل”، وهو “الجانب الذي أحدث منه بولس اختراقه وحقق نجاحاته وفرضها، فجاءت البعثة الآن تحاول اللحاق وتعيد تموضعها بدل أن تكون هي المبادرة”.

ويخلص بوسيف إلى أن المقاربة الأميركية “تبدو مؤقتة لتحقيق مصالح آنية، لأنها قابلة للتفعيل السريع”. فالتحدي أمام البعثة، بحسب بوسيف، كون المقاربة الأميركية “تفتقر إلى عناصر الاستدامة، وعليها دفع المشهد من زاوية التقارب السطحي” إلى تفاهمات أمنية وعسكرية “مستدامة، قادرة على الصمود أمام الانقسامات الداخلية داخل كل معسكر”، وهو ما يفسر توجهها نحو توسيع قاعدة المشاركين المحليين والدوليين “بهدف إنتاج إطار أمني أكثر ثباتا يتجاوز منطق التفاهمات المؤقتة”.

__________________




ليبيا في المنتصف: هل تستطيع تحركات اليونان منافسة استراتيجية تركيا الممتدة منذ سنوات؟

تقوم تركيا بتدريب قوات ليبية متنافسة ضمن مناورات إيفس-2026، بينما تدفع اليونان نحو لجان قانونية ورسائل إلى الأمم المتحدة.

في السادس من مايو، استضافت إسطنبول نائب وزير الدفاع الليبي عبد السلام الزوبي ضمن فعاليات أحد أكبر معارض الصناعات الدفاعية في المنطقة. ولم يكن حضوره إلى إسطنبول مجرد زيارة بروتوكولية.

فقد جاء ذلك بعد أيام قليلة من إكمال عسكريين ليبيين من الشرق والغرب مرحلة مشتركة من مناورات إيفس-2026 على الأراضي التركية، وهي المرة الثانية خلال فترة قصيرة التي تتدرب فيها فصائل ليبية متنافسة معًا تحت تنسيق أنقرة. وعند النظر إلى هذه التطورات مجتمعة، فإنها لا تبدو أحداثًا منفصلة.

ما يجعل التوقيت بالغ الأهمية هو السياق المحيط به. فقبل أيام فقط من ظهور الزوبي في إسطنبول، كان وزير الخارجية اليوناني في طرابلس، حيث التقى مسؤولي حكومة الوحدة الوطنية ودفع باتجاه تفعيل لجنة فنية مشتركة لترسيم الحدود البحرية.

وصفت أثينا ذلك بأنه خطوة نحو “اتفاقيات جديدة”، لكن جوهر الرسالة لم يكن يتعلق ببدايات جديدة بقدر ما كان محاولة للتراجع عن أمر قديم، وتحديدًا مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وليبيا الموقعة عام 2019، والتي أمضت اليونان سنوات وهي تصفها بأنها غير قانونية.

في الواقع، تتبنى العاصمتان نهجين مختلفين تمامًا. فالمنافسة لم تعد تتركز أساسًا على السلاح أو عقود النفط أو القواعد العسكرية، بل أصبحت تدور حول البنية القانونية، والحضور الدبلوماسي، ومن يمتلك القدرة على التأثير في شروط إعادة دمج ليبيا تدريجيًا وبشكل غير مؤكد ضمن النظام الإقليمي.

أوراق قانونية أم حضور ميداني؟

كانت أثينا منهجية في تحركاتها، إذ حملت زيارة وزير الخارجية إلى طرابلس عدة خطوات متزامنة. فقد جاءت بمقترح لتشكيل لجنة فنية مشتركة لترسيم الحدود البحرية، وتدريب خفر السواحل، وإرسال إشارة أوسع بأن اليونان تريد إعادة بناء الروابط المؤسسية مع حكومة الوحدة الوطنية.

ويتضمن المقترح تدريب عناصر خفر السواحل والضباط العسكريين على مراقبة الهجرة وعمليات البحث والإنقاذ، ودعم إصلاح السفن والزوارق الدورية، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الأوروبية في إدارة الحدود. وهذه العروض تكشف الكثير عن الجهة التي صُممت أساسًا لخدمتها.

بعبارة أخرى، تقول أثينا إن الفاعلين الليبيين إذا اقتربوا أكثر من اليونان في القضايا البحرية، فسيكونون في موقع أفضل داخل الشبكات التي تشكل سياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالهجرة والتمويل. ومع ذلك، فإن هذه العروض مؤطرة بشكل كبير بما تريد أوروبا أن توقفه ليبيا، وليس بما تحاول ليبيا نفسها بناءه.

ولم تتوقف أثينا عند ذلك. فقبل الزيارة بفترة قصيرة، أرسلت اليونان رسالة رسمية إلى الأمم المتحدة تؤكد فيها مجددًا أن اتفاق 2019 غير منسجم جغرافيًا بسبب وجود الجزر اليونانية بين البلدين، وأن هذا الواقع يجعل وجود حدود بحرية مشتركة أمرًا مستحيلًا من الناحية القانونية.

لكن السجل القانوني شيء، والحضور الميداني شيء آخر. ففي الوقت الذي كانت فيه اليونان تقترح لجنتها في طرابلس، كان عسكريون ليبيون من بنغازي وطرابلس موجودين بالفعل في إزمير وإسطنبول على متن طائرات تابعة لسلاح الجو التركي للمشاركة في تدريب مشترك، وهو أمر يتطلب بطبيعته قبول الطرفين لأنقرة كمنسق موثوق.

هذه العلاقة ليست نتيجة لجنة فنية أنشئت حديثًا، بل هي حصيلة سنوات من الخبرة المتراكمة التي اختُبرت تحت الضغط.

كما أن محدودية الاستراتيجية القائمة على الأوراق القانونية ليست مجرد فرضية نظرية. فالانقسامات الداخلية في ليبيا لم تلتئم بعد، وأي طرف خارجي يعتمد أساسًا على الحجج القانونية والمقترحات الرسمية سيكتشف سريعًا أن هذه الأدوات تفقد فعاليتها عندما يتغير المشهد السياسي.

حتى لو قدمت اليونان حججًا قانونية متقدمة، فإن هذا النهج الورقي نادرًا ما يتحول إلى نفوذ فعلي على الأرض.

الجلوس مع جميع الأطراف

لسنوات، كانت سياسة تركيا تجاه ليبيا تكاد تكون مرادفة لطرابلس. فقد كانت العلاقة مع حكومة الوحدة الوطنية عميقة ومؤسساتية ومحمّلة سياسيًا، بُنيت خلال الحرب الأهلية التي اتخذت فيها أنقرة خيارات حاسمة.

كان هذا العمق حقيقيًا، لكن العلاقة المرتبطة بالكامل بطرف واحد في بلد منقسم لها حدود واضحة.

ما تغير مؤخرًا هو اتساع نطاق اتصالات أنقرة. فقد رست سفن حربية تركية في بنغازي، وأجرى وزير الدفاع التركي غولر محادثات مباشرة مع صدام حفتر، نائب القائد العام، في أنقرة.

والآن، جمعت مناورات إيفس-2026 جنودًا من جانبي الانقسام الليبي في التدريب ذاته للمرة الثانية.

وفي مناورات هذا العام، شارك 331 عنصرًا من شرق ليبيا و177 من غربها في التدريب المشترك إيفس-2026، الذي شمل أيضًا قطعًا بحرية ليبية مثل زورق الهجوم السريع “شفق”.

تكمن الفكرة في إخضاع جنود من معسكرات متنافسة للتدريبات نفسها، وتركهم يتشاركون قاعات الطعام وغرف التخطيط، ثم يعودون إلى بلادهم بشيء لا تستطيع أي لجنة فنية تصنيعه.

إن تنسيق فصائل عسكرية متنافسة ضمن تدريب مشترك يتطلب ثقة من الطرفين، واستثمارًا لوجستيًا، واستعدادًا لتحمل المخاطر السياسية إذا فشل الأمر. والنجاح في القيام بذلك مرتين خلال فترة قصيرة يكشف الكثير عن موقع أنقرة الحقيقي داخل المشهد الأمني الليبي.

فهي ليست مجرد الشريك المفضل لمعسكر واحد، بل تحاول — ويبدو أنها تنجح — في أن تكون فاعلة بالنسبة إلى ليبيا بأكملها.

وهذا هو النفوذ الحقيقي، وهو موقع لا تمتلك اليونان طريقًا واقعيًا لتكراره قريبًا. وبالنسبة للقادة الليبيين الذين يحاولون إعادة ترميم قطاع أمني متصدع، فإن الأمر ليس مجرد نظرية، بل تجربة معاشة لوحدات تسافر وتتدرب وتأكل معًا تحت رعاية شريك يتحدث إلى المعسكرين.

ما الذي يميز أنقرة؟

يجب التوقف عند عدم التوازن بين النهجين. فاستراتيجية اليونان تجاه ليبيا ذات طابع دفاعي في أصلها. لقد بُنيت لمواجهة مذكرة 2019، والحد من النفوذ البحري التركي في شرق المتوسط، وإدارة تدفقات الهجرة عبر المسار الأوسط.

إنها استراتيجية تتمحور أساسًا حول ما لا تريده اليونان أن يحدث، أكثر من تركيزها على ما تريد بناءه.

أما اهتمام تركيا بليبيا فيسير في اتجاه مختلف. فأنقرة تسعى إلى البقاء منخرطة داخل القطاع الأمني الليبي، والحفاظ على وصول عملياتي إلى وسط البحر المتوسط، ودعم مسار سياسي لا يستبعدها، وهو ما يتطلب حضورًا طويل الأمد لا مجرد دفعة دبلوماسية مؤقتة.

إن تزويد المعدات، والتدريب الميداني، والمناورات المشتركة، والحوار العسكري رفيع المستوى، والانفتاح على الكتلتين السياسيتين، يشكل نموذجًا يتراكم تأثيره بمرور الوقت.

وعلى الصعيد المدني، تربط أنقرة بين التعاون الأمني وإعادة الإعمار عبر الطرق والمستشفيات والبنية التحتية.

وقد وقعت شركات تركية بالفعل اتفاقيات تطوير في مدن شرقية هي بنغازي والبيضاء وطبرق، تشمل الطرق والمرافق والمستشفيات العامة. ومع تجاوز حجم المشاريع التركية التراكمي في ليبيا 30 مليار دولار، يتجه التركيز الآن نحو المطارات ومنشآت الطاقة والبنية التحتية المعيارية.

أما برامج التدريب، فهي مصممة بحيث تبقى القيادة والعقيدة العسكرية بيد الليبيين، بينما تركز الفرق التركية على التأهيل والتخطيط المشترك والدعم الفني والصيانة. وقد وصف مسؤول ليبي هذا النموذج بأنه يقوم على سعي أنقرة إلى أن تكون داخل البنية الأمنية الليبية، لا فوقها.

لقد تصاعد التنافس على ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة. وأصبحت أثينا أكثر نشاطًا من أي وقت منذ توقيع مذكرة 2019. فالرسالة الموجهة إلى الأمم المتحدة، وزيارة طرابلس، ومقترح اللجنة المشتركة، كلها تعكس الجهود اليونانية.

ومع ذلك، لا تزال المذكرة قائمة. ولم تُظهر حكومة الوحدة الوطنية أي رغبة حقيقية في الابتعاد عنها رغم الضغوط اليونانية المستمرة. كما أن لحكومة طرابلس أسبابها الخاصة للحفاظ على استقرار هذه العلاقة، ولا يمكن للجنة فنية مستحدثة أن تتفوق عليها.

وبالنسبة لدولة تحاول أن تصبح موحدة من جديد، فإن الشريك الذي يدرب ويعيد البناء ويبقى حاضرًا، سيكون صوته دائمًا أعلى من الشريك الذي يكتفي بتقديم الاعتراضات.

_________________

كيف تُعيد الفوضى تلميع الطغاة؟

عماد المدولي

كيف يمكن لشعوب عانت من الاستبداد أن تعيد تأهيل جلاديها بهذه السرعة؟

الكثير منا قد يتعجب من ذلك الحنين الغريب الذي تبديه بعض الشعوب تجاه شخصيات وأنظمة كانت تُوصَف لعقود بالقمع والبطش والاستبداد. شخصيات كانت مكروهة ومذمومة أثناء وجودها في السلطة، ثم ما إن تسقط تلك الأنظمة حتى يبدأ الترحم عليها، ويتحول بعض رموزها إلى شخصيات تحظى بالاحترام والتقدير وربما الاستقبال الشعبي أيضا.

رأينا ذلك في أكثر من دولة عربية بعد سقوط الأنظمة السلطوية. في ليبيا مثلا عاد الحنين إلى نظام العقيد معمر القذافي لدى شريحة من الناس، كما حدث بدرجات مختلفة في العراق بعد سقوط صدام حسين، وفي مصر بعد مرحلة ما بعد يناير، وغيرها من الدول التي دخلت في اضطرابات سياسية وأمنية عميقة عقب انهيار السلطة المركزية.

لكن ما يحدث في ليبيا يبدو أكثر تعقيدا وحدة من مجرد “حنين للاستقرار”، فالأمر لم يعد مقتصرا على الترحم على رأس النظام السابق بسبب ما تعيشه البلاد من فوضى وانقسام، إنما امتد إلى إعادة تلميع شخصيات كانت مجرد أدوات قمعية صريحة للنظام.

شخصيات ارتبط اسمها بالقتل والتعذيب والتهديد والتحريض العلني ضد المدنيين أثناء الثورة، وبعض تسجيلاتها ما تزال متداولة حتى اليوم وهي تدعو للعنف والانتقام وتهدد الليبيين بشكل مباشر.

ورغم ذلك، نجد بعض هؤلاء يُستقبلون اليوم استقبال الفاتحين في بعض المدن، ويُعتذر لهم عمّا بدر من الناس ضدهم أثناء الثورة، وكأن الذاكرة الجمعية بدأت تفقد حساسيتها تجاه الجرائم نفسها.

ولعل ما شهدناه أخيرا في طرابلس خلال مراسم الإعلان عن التقرير السنوي لهيئة الرقابة الإدارية كان من أكثر المشاهد صدمة ودلالة على هذا التحول الخطير. فقد جرى تكريم شخصيات لا يمكن وصفها حتى بالشخصيات “الجدلية”، إنما هي شخصيات ارتبطت بصورة مباشرة بتاريخ دموي خلال حقبة القذافي، وتم تقديمها باعتبارها “رموزا وطنية” أو شخصيات ساهمت في إدارة مؤسسات الدولة.

من بين تلك الأسماء عبد القادر البغدادي، المتورط في قمع الحركة الطلابية خلال سبعينيات القرن الماضي، والمتهم بالمساهمة في سياسات السجن والترهيب والإقصاء لسنوات طويلة.

أما الصدمة الأكبر فكانت في تكريم هدى بن عامر، المعروفة بلقب “الشنّاقة”، بسبب دورها الشهير في أحداث الإعدامات العلنية التي شهدتها مدينة بنغازي وعدد من المدن الليبية خلال الثمانينيات، وخاصة مشهد تعلقها بجسد الشهيد الصادق الشويهدي أثناء تنفيذ حكم الإعدام شنقا، وهي الصورة التي بقيت محفورة في الذاكرة الليبية لعقود باعتبارها أحد أكثر رموز القمع بشاعة في تاريخ النظام السابق.

كيف يمكن أن نصل بعد ثورة أطاحت برأس النظام إلى تكريم إحدى أكثر الشخصيات التصاقا بآلة القمع..؟ بالتأكيد لا يمكن اعتبارها مجرد حادثة بروتوكولية عابرة، إنما هي مؤشر نفسي واجتماعي وسياسي بالغ الخطورة.

لتفسير هذا المؤشر نحتاج أولا للإجابة عن كيف يمكن لشعوب عانت من الاستبداد أن تعيد تأهيل جلاديها بهذه السرعة؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها ترتبط غالبا بطبيعة المراحل التي تعقب سقوط الأنظمة السلطوية. فحين يفشل البديل في بناء دولة مستقرة وعادلة، يبدأ الناس تدريجيا في إعادة النظر إلى الماضي، لا من زاوية الحرية أو العدالة، لكن من زاوية الأمن والاستقرار.

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة.. الناس لا يقارنون بين “الاستبداد” و”الديمقراطية”، بل يقارنون بين “الفوضى” و”الدولة”. ومع استمرار الانقسام، وغياب القانون، وتدهور الاقتصاد، وانتشار السلاح، تصبح ذاكرة الناس انتقائية. تبدأ الجرائم القديمة بالتراجع أمام ضغط الأزمات اليومية. فيتذكر المواطن الكهرباء المستقرة وينسى السجون، ويتذكر الأمان النسبي وينسى الإعدامات، ويتذكر هيبة الدولة وينسى كيف كانت تُدار بالخوف.

هذا النمط ليس جديدا تاريخيان فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ظهر الحنين إلى حقبة ستالين لدى بعض الروس رغم حملات القتل والتطهير الشهيرة. وفي العراق أعاد كثيرون تقييم فترة صدام حسين بعد سنوات الحرب الطائفية والفوضى. وحتى في بعض دول أمريكا اللاتينية عاد الحنين إلى فترات الحكم العسكري بعد تعثر التجارب الديمقراطية اقتصاديا وأمنيا.

غير أن في الحالة الليبية لم يعد مجرد حنين للدولة المركزية فقط، فقد بدأ يتحول أحيانا إلى نوع من التطبيع الأخلاقي مع شخصيات مرتبطة مباشرة بالعنف السياسي والقمع الدموي.

وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة جدا: فشل المرحلة التي تلت سقوط النظام لا يجعل جرائم النظام السابق أقل فظاعة، كما أن فساد الحاضر لا يبرئ استبداد الماضي. المشكلة الكبرى أن كثيرا من الشعوب العربية تقع دائما في فخ المقارنة الخاطئة؛ فهي تقارن بين “الدولة الفاشلة” و”الدولة المستبدة”، بينما المقارنة الحقيقية يجب أن تكون بين “الدولة المستبدة” و”الدولة الناجحة العادلة”.

على الناس أن يستوعبوا أن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس فقط بغياب الفوضى، بل بوجود العدالة، وحرية الإنسان، واحترام القانون، وعدم تحويل الوطن إلى مزرعة خوف يديرها الجلادون.

وحين تفشل المجتمعات في بناء نموذج ناجح بعد سقوط الطغيان، فإنها تمنح الاستبداد فرصة ثانية للعودة، ليس بالضرورة عبر الدبابات، إنما حتى عبر الحنين الشعبي وإعادة تلميع الذاكرة.

__________________

مصفاة وميناء نفطيان وطريق تونس.. ماذا وراء اشتباكات “الزاوية” الليبية؟

أزمة مدينة الزاوية غربي ليبيا تمثل نموذجا واضحا لتداخل أمن الطاقة مع الاقتصاد غير المشروع والصراع على النفوذ داخل هذا البلد العربي الغني بالنفط. بحسب  معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي.

وذكر المعهد، في تقرير نشره حديثا إلى أن الاشتباكات المسلحة التي شهدتها المدينة في 8 مايو/أيار 2026 لا يمكن اختزالها في كونها مواجهة بين جماعات مسلحة.

بل تعكس تصادما يرتبط بالبنية التحتية الحيوية للطاقة، وعائدات الوقود المدعوم، ومسارات التهريب نحو الحدود التونسية، إلى جانب هشاشة سلطة الدولة.

ليبيا مصغرة

و”الزاوية” هي مدينة تقع غرب طرابلس على شريط ساحلي تتداخل فيه مدينة كثيفة السكان مع مصفاة نفط كبرى وميناء نفطي والطريق المؤدي إلى الحدود التونسية.

هذا التشابك، في ظل مؤسسات منقسمة ومليشيات شبه مستقلة، يجعل من البنية التحتية للطاقة أداة ذات أبعاد سياسية وجنائية في آن واحد، بحسب المعهد.

ونقلت وكالة رويترز أن أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا أُغلقت في 8 مايو/أيار 2026 عقب اشتباكات اندلعت قربها. ذلك أن شركة تكرير نفط الزاوية، المشغلة للمصفاة، أوقفت عملياتها بالكامل وأجلت السفن من الميناء بعد تعرض أجزاء من المجمع لقصف مدفعي.

بدورها، أفادت وكالة الأناضول بأن المؤسسة الوطنية للنفط تحدثت عن إغلاق احترازي وإجلاء للعاملين وسط قصف كثيف نال مناطق متفرقة من المنطقة النفطية.

ولفت المعهد إلى أن هذه التطورات تكشف، عند وضعها في سياقها الأوسع، حجم هشاشة البنية التحتية للطاقة في ظل تشتت سيطرة الدولة.

كما أشار التقرير إلى أن البعد التونسي في الأزمة ليس تفصيلا ثانويا؛ إذ تحولت الزاوية منذ سنوات إلى مركز رئيس لشبكات تهريب الوقود والبضائع نحو الحدود.

وأوضح أن الفارق الكبير بين أسعار الوقود المدعوم داخل ليبيا والأسعار في الخارج يخلق حافزا اقتصاديا ضخما للتهريب، في حين يوفر الساحل والحدود منافذ بديلة، ويُخفض ضعف مؤسسات الدولة من كلفة المخاطرة.

وأشار التقرير إلى أن الطاقة الإنتاجية لمصفاة الزاوية تبلغ نحو 120 ألف برميل يوميا، وهي مرتبطة بحقل الشرارة، أحد أبرز حقول النفط الليبية، الذي ينتج قرابة 300 ألف برميل يوميا.

وأوضح أن توقف منشأة بهذا الحجم لا يقتصر أثره على تعطيل الإنتاج التقني، بل يمتد إلى تهديد شبكة التوزيع المحلية، والميناء، والعمال، والشركات المرتبطة بالقطاع، فضلا عن المساس بمصداقية إدارة قطاع النفط في البلاد.

كذلك، رأى أن قرار إجلاء السفن والعاملين يعكس أن الخطر وصل إلى مستوى تهديد مباشر لسلامة المجمع النفطي نفسه.

واستنتج أن قطاع الطاقة الليبي لا يزال غير قادر على عزل منشآته الحيوية بصورة كاملة عن تداعيات النزاعات المسلحة داخل المدن.

خسائر التهريب

وقدّرت منظمة “ذا سنتري” أن توسع تهريب الوقود خلال الفترة بين 2022 و2024 تسبب في خسائر تُقدّر بنحو 20 مليار دولار للشعب الليبي.

وفي هذا السياق، أوضح المعهد الإيطالي أن هذا الرقم يوفّر خلفية مهمة لفهم طبيعة الاقتصاد المرتبط بالوقود في ليبيا؛ حيث يتحول الدعم الداخلي وغموض آليات التوزيع ووجود منافذ خارجية إلى مصادر ريع واسعة.

وأشار التقرير إلى أن أهمية الزاوية تكمن في كونها مساحة تتولد فيها القيمة أيضا من الفارق بين الأسعار المدعومة، وإمكانية الوصول إلى قنوات التوزيع، وقدرات التصدير غير الرسمية.

وأضاف أن قرب المدينة من الحدود التونسية يعزز هذه المعادلة؛ إذ تنتقل عوائد هذا النشاط عبر مسارات متعددة تشمل البر والبحر والتجارة وشبكات الوسطاء والحماية المسلحة.

ولفت المعهد إلى أن وصف المشهد في الزاوية بأنه صراع بين “عصابات متنافسة” يبقى تبسيطا غير كاف لفهم التعقيدات القائمة.

وبدلا من ذلك، طرح مفهوم “النظام البيئي الريعي”؛ حيث تتداخل أدوار الجماعات المسلحة والمسؤولين المحليين والوسطاء التجاريين وشبكات الحدود وبعض الجهات الرسمية، ضمن بيئة تصبح فيها السيطرة على مستودع أو طريق أو معبر حدودي أو حي سكني مصدرا للقيمة الاقتصادية والنفوذ السياسي.

وأوضح التقرير أن سلطات غرب ليبيا قدّمت العملية الأمنية في الزاوية بوصفها حملة تستهدف الملاذات الإجرامية والعناصر المطلوبة، وربطتها بجرائم القتل والخطف والابتزاز وتهريب المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.

ورأى المعهد أن هذا الخطاب يندرج ضمن محاولة لتحويل الأزمة المسلحة المحلية إلى معركة لاستعادة الشرعية.

غير أن التقرير حذّر من أن الفاصل بين فرض النظام العام وإعادة ترتيب موازين القوة في ليبيا غالبا ما يكون ضبابيا؛ إذ قد تؤدي أي عملية أمنية إلى جانب احتواء تهديد مباشر، إلى إعادة توزيع النفوذ بين الشبكات المسلحة والبلديات والأجهزة الأمنية ومراكز القرار السياسي.

واستنتج المعهد أن الأزمة تمثل أيضا فرصة لإعادة تشكيل موازين السيطرة؛ حيث إن الدولة قد تسعى إلى إضعاف شبكات بعينها، لكنها في المقابل قد تواجه ردود فعل إذا جرى النظر إلى العملية بصفتها انتقائية أو محاولة لنقل الريع من طرف إلى آخر.

وأفادت وكالتا “رويترز” و”أسوشيتد برس” في ديسمبر/كانون الأول 2024 باندلاع اشتباكات مسلحة في الزاوية تسببت في حرائق وأضرار داخل المصفاة.

ولذلك، لفت المعهد إلى أن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطا متواصلا؛ حيث يتحول الصراع، بمجرد امتداده إلى المجال الحضري والصناعي، إلى تهديد ذي أبعاد تقنية وبيئية وتجارية.

وأوضح التقرير أن المشهد المؤسسي لحوكمة الطاقة في ليبيا يكشف عن قطاع يحاول الاستمرار في التشغيل والتخطيط واستقطاب الكفاءات رغم البيئة الأمنية الهشة.

وأشار إلى أن المواد الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط بشأن الاجتماع الفني والمالي مع مصفاة الزاوية عام 2024 أظهرت الجوانب الإدارية والصناعية للمصفاة، من خطط الإنتاج والصيانة إلى الاستثمارات والتطوير.

اختبار لسلطة الدولة

لكن المعهد الإيطالي أوضح، في المقابل، أن المصفاة نفسها تبقى مكشوفة بشكل مباشر أمام تداعيات البيئة المسلحة المحيطة بها.

وأشار المعهد إلى أن التفسير الأكثر ترجيحا لأزمة الزاوية يتمثل في عدّها شكلا من أشكال التفاوض العنيف حول مصادر الريع المرتبطة بالوقود المدعوم، والسلع التجارية، والوصول إلى الميناء، والسيطرة على الأحياء، ومسارات العبور نحو تونس، والحماية غير الرسمية لسلاسل التوريد.

وأوضح أن تعطيل البنية التحتية النفطية ينعكس بصورة غير مباشرة على الوضع الحدودي مع تونس، كما يفرض على حكومة طرابلس إظهار قدرتها على فرض السيطرة، ويدفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى طمأنة المشغلين والعاملين.

وختم المعهد بأن أزمة الزاوية تكشف بصورة مكثفة صعوبة الفصل في ليبيا بين الطاقة والأمن والريع.

وأكد أن الحقيقة الثابتة تتمثل في أن الاشتباكات بلغت مستوى كافيا لإجبار المصفاة على الإغلاق وإخلاء الميناء. مشيرا إلى أن المدينة تُعد مركزا وطنيا للطاقة والخدمات اللوجستية، يرتبط بحدود حساسة واقتصادات غير رسمية راسخة.

وأوضح أنه على المدى القريب، يبقى الأمن المادي للمجمع العامل الحاسم، من حيث منع الهجمات الجديدة، وعودة العاملين، واحتواء الحرائق، واستعادة عمل الميناء.

أما على المدى المتوسط، فتكتسب استجابة الشبكات المحلية أهمية مركزية؛ إذ إن نجاحها في التكيف دون تصعيد قد يفتح مسار احتواء الأزمة، بينما قد يؤدي اللجوء إلى أساليب بديلة إلى إعادة توزيع المخاطر واتساع نطاقها.

______________________

المبادرة الأمريكية واضطرابات غرب ليبيا

 جمال طه 

الفوضى أسقطت مؤسسات الدولة الليبية، أنهكها ازدواج السلطة، وفرقها الانقسام الحكومي، وفشلت محاولات التوافق والوحدة، فمصالح الأجسام السياسية المؤقتة تجذّرت وكرّست التقسيم، أمريكا لم تهتم بها، بل اعتمدت على «إيطاليا وتركيا» كوكلاء، لكن تضارب مصالحهما ضيع فرص حل الأزمة، تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة عززت المخاوف من نقص الإمدادات، وأعادت الاهتمام الأمريكى بليبيا، كأحد البدائل التعويضية باحتياطاتها النفطية الضخمة.

موقع «ذا هيل» الأمريكي اعتبر ليبيا «فرصة نادرة للتوافق بين الفرص والجدوى، فهي ليست خصمًا كإيران، ولا رافضة للدور الأمريكي كنظام مادورو بفنزويلا، لكنها دولة مقسمة يجمع فصائلها المتنافسة حافز مشترك، وهو استعادة إنتاج النفط وعائداته»، وفوق هذا وذاك تتصدر الدول الأفريقية باحتياطات نفطية مؤكدة «٤٨.٣٦ مليار برميل»، ولا تزال تكشف عن أسرارها؛ شركات طاقة إيطالية وإسبانية وجزائرية أعلنت عن ثلاثة اكتشافات جديدة للنفط والغاز في أبريل.

أمريكا تحركت تجاه ليبيا على ثلاثة محاور:

الأول احتضان قادة المؤسستين العسكريتين في الشرق والغرب وتهيئة المناخ المناسب للتعايش فيما بينهم، ومحاولة ربطهم بالمصالح الأمريكية،

الثاني حث بعثة الأمم المتحدة على تبنى رؤى للحل تطيح بالقوى الفاعلة على الأرض وبأصحاب النفوذ والمصالح والجماعات المسلحة،

الثالث طرح مبادرات متدرجة لإنهاء الأزمة تلقى قبولًا واسعًا كبديل لإجراءات بعثة الأمم المتحدة الباترة.

خلال إحاطتها لمجلس الأمن فبراير ٢٠٢٦، أكدت «حنا تيتيه» رئيسة بعثة الأمم المتحدة أن مجلسي النواب والأعلى للدولة يعرقلان إنجاز المرحلة الأولى من الخريطة الأممية الخاصة بتعديل القوانين الانتخابية وإعادة هيكلة مفوضية الانتخابات، أمريكا والمجلس دعماها لإعادة ترتيب الأولويات قبل اختتام أعمالها في يونيو، ببلورة توصيات تمهد لإجراء الانتخابات.

«تيتيه» تجاهلت تفاهمات مجلسي النواب والأعلى للدولة حول إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، وشكلت [اللجنة الاستشارية للحوار المهيكل ٤+٤] بطريقة أحادية، بدعوى نقل الحوار من النخب إلى مشاركة أوسع، واختارت أعضاءها بمعايير غير شفافة، بل إنها ضمت أعضاء من الأجسام السياسية القائمة دون الرجوع لها، فحولت اللجنة لكيان موازٍ يفتقر للغطاء القانوني والشرعي، ويحمل شبهة السعي لتمرير صفقات سياسية مشبوهة..

اللجنة اجتمعت في روما ٢٩ أبريل لاختيار النظام الانتخابي الأنسب، وبحث شروط الترشح للمناصب، وضوابط مشاركة العسكريين وأصحاب الجنسية المزدوجة، وإعداد الأطر القانونية، واستكمال تشكيل مجلس المفوضية. المجلسان التشريعيان رفضا تشكيل اللجنة ومخرجاتها، و«مصراتة» عارضتها لخشيتها من فقدان خصوصية الثقل الذي فرضته بقوتها العسكرية منذ سقوط الدولة..

«محمد المنفى» رئيس المجلس الرئاسي استقبل «تيتيه» مؤكدًا تحفظه على اللجنة، وتمسكه بالمرجعيات الدستورية والسيادة الوطنية، رافضًا أي مسارات سياسية موازية أو تجاوز لاختصاصات المؤسسات الشرعية، وشدد على أن ما يتعلق بإعداد القوانين الانتخابية وهيكلة المفوضية، اختصاص حصري للمؤسسات التشريعية.. النفور العام من حلول البعثة الأممية تحقق بالفعل.

مبادرة «مسعد بولس» مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية، تضمنت إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي لليبيا الموحدة، بترؤس «صدام حفتر» نائب القائد العام للجيش الوطني لمجلس رئاسي جديد لشطري البلاد، وتشكيل «حكومة موحدة» جديدة برئاسة «عبد الحميد الدبيبة»، الذي وقع للتو اتفاقًا لتطوير قطاع النفط يغطى ٢٥ عامًا مع شركتي «كونوكو فيليبس» الأمريكية و«توتال إنرجيز» الفرنسية بعائدات ١٥ مليار دولار/عام، مما يفسر تمسك واشنطن باعتماده طرفًا أصيلًا ضمن أي تسوية، خاصة أن هذه الاتفاقيات تلقى معارضة داخلية..

بولس قدر تحفظات الرأي العام على الاتفاقيات، وعدم تفاؤله بصيغة تجمع صدام والدبيبة، لذلك جمع قادة حكومة طرابلس وقيادة الجيش ببنغازي في تركيا ثم فرنسا، للبدء بملفات توحيد المالية العامة وإدارة الموارد والعائدات النفطية والمؤسسة العسكرية.

بولس حقق التوافق بين ممثلي مجلسي النواب والأعلى للدولة على إطار مالي وسياسي شامل لتوحيد الميزانية العامة، بقيمة ٢٦ مليار دولار، تغطى «المرتبات، نفقات التسيير، الدعم، والتنمية»، ما أنهى انقسامًا ماليًّا استمر ١٣ عامًا، إنتاج النفط انتظم ووصل لأعلى معدلاته خلال عشر سنوات، وتم توزيع العائدات بانسيابية غير مسبوقة، ما فرض وضع آليات تنفيذ مستقرة وتعزيز سلطة البنك المركزي وأجهزة الرقابة المالية ضمانًا لنجاح الخطة.

القيادة الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» نظمت مناورات «فلينتلوك ٢٠٢٦» السنوية للعمليات الخاصة بمحيط «سرت» يوم ١٤ أبريل ولأسبوعين بمشاركة ٣٠ دولة، مستهدفة تعزيز القدرات في مجال مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، بعض المحللين اعتبروا أن مشاركة تشكيلات عسكرية من الشرق ومن الغرب خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية.

لكن الحقيقة أن كل تشكيل شارك مستقلًا عن الآخر، لا كتشكيل موحد، أما الحميمية التي لفتت الأنظار بين أعضاء التشكيلين فهي حنين طبيعي، لأنهما كانا ينتميان إلى مؤسسة دولة واحدة قبل التقسيم، وكلاهما يتوق لاستعادة وحدة الجيش، لكن المشكلة تكمن في الجماعات المسلحة النافذة في الغرب، التي تعرقل أي اتفاق عسكري أو سياسي يحرمها مما اكتسبته من نفوذ إبان غياب الدولة، ناهيك عن السياسيين فى الشرق والغرب الساعين للاستمرار في مناصبهم.

الخطة الأمريكية هددت أصحاب المناصب والمصالح المستقرة، لذلك تعددت جهات معارضتها خاصة من جانب الميليشيات المسلحة والقوى السياسية المتضررة «الجهاز الوطني للقوة المساندة فى طرابلس، «كتائب وسرايا ثوار الزاوية، المجلس العسكري بمرزق جنوب ليبيا..»، مما يفسر ما شهدته مدينة «الزاوية» غرب ليبيا من اشتباكات خلال مايو ٢٠٢٦، أشعلت النار في إحدى المصافي بالمجمع النفطي بالمدينة، فتم إخلاء الميناء من الناقلات وتعطيل المصفاة.. «الزاوية» نقطة محورية لتهريب الوقود والمهاجرين، والمصفاة هدف حيوي لسيطرة المجموعات المسلحة، ضمن صراعاتها على النفوذ والمال ومسارات التهريب.

________________

من طبرق إلى كريت.. رحلات هجرة لا تتوقف

مهاجر نيوز 

نفّذت السلطات اليونانية عدة عمليات إنقاذ جنوب جزيرتي كريت وغافدوس أسفرت عن إنقاذ والعثور على مئات المهاجرين خلال اليومين الماضيين. وأفاد معظمهم بأنهم انطلقوا من طبرق الليبية قبل أيام قليلة، فيما تشير تقديرات رسمية يونانية إلى وجود نحو 500 ألف مهاجر في ليبيا ينتظرون فرصة العبور إلى أوروبا.

تم رصد سلسلة من القوارب التي تقل مهاجرين جنوب جزيرتي كريت وغافدوس خلال اليومين الماضيين. وأكدت تقارير في الصحف اليونانية وبيان صحفي صادر عن خفر السواحل اليوناني وصول عدد من القوارب. وأنقذ زورق دورية تابع لوكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس” 56 مهاجرًا من قارب جنوب شرق منطقة “كالو ليمنس” وفي عملية منفصلة، انتشل زورق إنقاذ يوناني 44 شخصًا من قارب كان يقع على بعد نحو ثمانية أميال بحرية قبالة بساري فورادا، بحسب ما أفادت صحيفة “كاثيميريني” اليونانية.

وذكرت الصحيفة أن إجمالي 100 مهاجر وصلوا يوم الاثنين (11 مايو/أيار) إلا أن خفر السواحل اليوناني يبدو أنه أبلغ عن قوارب مشابهة من حيث العدد والمواقع وصلت يوم الأحد.

ولم تُحدَّث بعد بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الخاصة بأعداد الوافدين لهذا الأسبوع، لكن إضافة أعداد الوافدين المُبلّغ عنها خلال عطلة نهاية الأسبوع ترفع إجمالي عدد المهاجرين الذين وصلوا منذ يوم السبت إلى ما لا يقل عن 281 شخصًا.

عمليات إنقاذ متتالية قبالة سواحل كريت

في الساعات الأولى من صباح الأحد، أعلن خفر السواحل اليوناني في بيان رسمي العثور على 85 مهاجرًا (84 رجلًا وامرأة واحدة) على بُعد نحو 26 ميلًا بحريًا جنوب جزيرة غافدوس. وبحسب السلطات، كان القارب قد انطلق من مدينة طبرق في شرق ليبيا. وتم توقيف رجل يبلغ من العمر 27 عامًا من جنوب السودان للاشتباه بتورطه في تهريب المهاجرين.

وفي اليوم نفسه (10 مايو)، تم رصد مجموعة ثانية تضم 44 مهاجرًا (41 رجلًا وثلاثة قاصرين) على بُعد نحو ستة أميال بحرية قبالة منطقة “كالا ليميناس” جنوب جزيرة كريت. وأفادت السلطات بأن مهاجرين تعرفوا على شابين من جنوب السودان، يبلغان 20 عامًا، باعتبارهما المهربين الذين نقلوهما من طبرق مقابل المال، ليتم توقيفهما على الفور.

ووفق إفادات المجموعة، فقد انطلقت الرحلة مساء السبت 9 مايو، حيث دفع كل مهاجر ما بين 1747 و1881 يورو مقابل العبور.

كما عُثر على مجموعة ثالثة تضم 43 مهاجرًا (38 رجلًا وخمسة قاصرين) على بعد نحو 45 ميلًا بحريًا جنوب “كالا ليميناس”، وتم نقلهم بواسطة زورق دورية إلى أحد موانئ كريت. وأفاد المهاجرون أنهم غادروا طبرق أيضًا في 9 مايو، لكن في وقت مبكر من اليوم، وأنهم دفعوا مبالغ بعملات ليبية ومصرية، بتكاليف مشابهة للمجموعة السابقة.

وفي هذه الحالة، تم توقيف مهاجر سوداني يبلغ من العمر 19 عامًا بعد أن حدده أفراد المجموعة باعتباره مهربًا مشتبهًا به.

كما أكد خفر السواحل اليوناني أن سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس” أُرسلت ظهر الأحد لمساعدة قارب كان يواجه صعوبات على بُعد نحو 45 ميلًا بحريًا جنوب غافدوس، وعلى متنه 56 مهاجرًا جميعهم رجال. وتم نقلهم لاحقًا إلى ميناء أغيا غاليني في كريت، ثم إلى مركز إيواء في ريثيمنو.

وفي حادثة أخرى يوم 10 مايو، تم رصد قارب يقل 40 مهاجرًا جنوب غافدوس، حيث جرى توقيف رجل سوداني يبلغ من العمر 31 عامًا بعد أن اتهمه الركاب بقيادة عملية التهريب.

القبض على مشتبه به متورط بعمليات التهريب

أعلنت قوات خفر السواحل اليونانية، ظهر السبت 9 مايو/أيار ، أن زورق دورية رصد قاربًا سريعًا يحمل مهاجرين وكان متجهًا نحو جزيرة كوس. وبحسب السلطات، كان على متن القارب ثمانية أشخاص، بينهم رجلان وثلاث نساء وثلاثة قاصرين. وتم نقلهم إلى ميناء الجزيرة، فيما أكدت السلطات أن جميعهم كانوا “بصحة جيدة”.

كما أوقفت السلطات مواطنًا إيرانيًا يبلغ من العمر 37 عامًا، وهو أحد الرجلين على متن القارب، للاشتباه بتورطه في تسهيل “الدخول والخروج غير القانوني من البلاد”. وقالت السلطات إن بقية الركاب تعرفوا عليه باعتباره المهرب.

وفي اليوم نفسه، عثرت سلطات ميناء غافدوس على 40 مهاجرًا على أحد شواطئ منطقة “تريبيتيس”. وذكرت التقارير أن المجموعة ضمت 33 رجلًا وست نساء وقاصرًا واحدًا، وكانوا جميعًا “بصحة جيدة”. وتم نقلهم إلى الميناء تمهيدًا لتحويلهم إلى جزيرة كريت القريبة.

من جهة أخرى، أفادت صحيفة “كاثيميريني” اليونانية بأنه تم العثور على 13 مهاجرًا “محشورين داخل سيارات” قرب الحدود البرية بين اليونان وتركيا في منطقة إيفروس شمال شرقي البلاد.

وبحسب السلطات اليونانية، تم توقيف شخصين يُشتبه بانتمائهما إلى شبكات تهريب البشر. وقالت الشرطة إن عمليتي التوقيف جرتا بشكل منفصل يوم السبت 9 مايو/أيار. وذكرت التقارير أن إحدى السيارتين كانت تقل سبعة مهاجرين، فيما كانت السيارة الثانية تقل ستة أشخاص.

ليبيا\اليونان: طريق الهجرة الجديد نحو أوروبا يزداد نشاطًا

تُظهر بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي تم تحديثها في 3 مايو/أيار، أن أكثر من 1974 مهاجرًا دخلوا اليونان عبر الحدود البرية مع تركيا منذ بداية العام الجاري، بينما وصل أكثر من 5615 شخصًا عن طريق البحر. وتشير الأرقام إلى أن الغالبية، وعددهم 2916 شخصًا، وصلوا إلى جزيرة كريت وجزيرتها التابعة غافدوس.

وفي مقابلة مع التلفزيون اليوناني يوم الأحد، قال وزير الهجرة اليوناني ثانوس بليفريس إنه يعتقد أن أكثر من نصف مليون مهاجر ولاجئ ينتظرون حاليًا في ليبيا فرصة لعبور البحر نحو أوروبا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية.

وأضاف بليفريس أن تقديراته تشير إلى وجود نحو 550 ألف شخص، مؤكدًا أن السلطات اليونانية تنسق مع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية فرونتكس والسلطات الليبية لمحاولة استهداف شبكات تهريب البشر ومنع انطلاق القوارب من السواحل الليبية.

ويشهد المسار البحري بين ليبيا وجنوب اليونان نشاطًا متزايدًا خلال الفترة الأخيرة، بعد سلسلة اتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي والسلطات الليبية ساهمت في تراجع عمليات العبور الناجحة من غرب ليبيا باتجاه إيطاليا، ما دفع مزيدًا من المهاجرين إلى سلوك طرق بديلة نحو اليونان.

كيف يتحول طريق ليبيا إلى كابوس للمهاجرين؟

تشهد ليبيا حالة من الانقسام السياسي والأمني، في ظل وجود إدارتين متنافستين وانتشار جماعات مسلحة وشبكات تهريب تنشط في مناطق مختلفة من البلاد. وأصبح أحد مسارات الهجرة الرئيسية ينقل مهاجرين من دول بعيدة مثل بنغلادش، مرورًا بدول الخليج ومصر، وصولًا إلى شرق ليبيا. وتشير تقارير إلى أن كثيرًا من هؤلاء يحصلون على تأشيرات دخول من السلطات في شرق ليبيا الخاضعة لسيطرة حفتر.

ويعتقد بعض المهاجرين عند وصولهم أنهم قدموا للعمل داخل ليبيا، بينما يسعى آخرون إلى متابعة الرحلة نحو أوروبا. لكن بعد وصولهم إلى مدينة بن غازي، يروي كثيرون أنهم يُحتجزون داخل مراكز أو أماكن إيواء مختلفة، ويتم نقلهم بين مجموعات متعددة، حيث يتعرضون للاعتقال والابتزاز وسوء المعاملة، قبل السماح لهم في نهاية المطاف بالصعود إلى قوارب تتجه نحو أوروبا، سواء من شرق ليبيا أو غربها.

وتكون معظم القوارب التي يستخدمها المهربون مكتظة بالمهاجرين، فيما يفتقر كثير منها إلى شروط السلامة الأساسية أو حتى إلى كمية وقود كافية للوصول إلى وجهتها. وتشير تقديرات إلى أن آلاف الأشخاص فقدوا حياتهم هذا العام على طرق الهجرة البحرية نحو أوروبا، رغم صعوبة تحديد الأرقام بدقة بسبب اعتماد المعلومات غالبًا على شهادات الناجين أو العثور على جثث على السواحل.

وغالبًا ما تنطلق هذه القوارب ليلًا أو في ساعات الفجر الأولى، وقد تمر أسابيع أو حتى أشهر قبل اكتشاف اختفائها، إما بعد لفظ الجثث إلى الشواطئ أو عندما تبلغ العائلات عن فقدان الاتصال بأقاربها.

__________________

الزحف جنوبًا: تمرّد الساحل يصل إلى غرب إفريقيا الساحلي

سالم أ. سالم

تتوسع الجماعات المتمردة في منطقة الساحل نحو غرب إفريقيا الساحلي، كاشفةً فجوات الحوكمة ومفاقمة المخاطر على الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي.

ما كان يُعتبر يومًا أزمة محصورة في منطقة الساحل، بات يتقدم تدريجيًا نحو خليج غينيا. فالجماعات المتطرفة لم تعد تكتفي بشن هجمات عابرة للحدود، بل أصبحت تتغلغل داخل المجتمعات المحلية، وتبني شبكات إمداد، وتستغل الإخفاقات المزمنة في الحوكمة. وأصبحت دول ساحلية مثل بنين وتوغو وغانا أكثر عرضة للخطر، إذ تواجه الهشاشة البنيوية نفسها التي غذّت الصراع في الشمال. وتتزايد المخاطر: فمن دون تحرك مبكر ومنسق، قد تواجه المنطقة تمردًا أعمق وأكثر تعقيدًا. ومنع هذا السيناريو لن يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على معالجة أوجه القصور في الحوكمة التي تسمح لهذه الجماعات بالترسخ.

في لقاءات مع الحكومة البنينية خلال يوم رطب وغائم من يوليو 2023، بدا المسؤولون مطمئنين بشكل لافت حيال الخطر الكامن خلف حدودهم. لكن مؤشرات الإنذار المبكر كانت تتزايد يومًا بعد يوم، دالةً على أن العنف المتطرف القادم من الساحل بدأ يمتد إلى أراضيهم.

في ذلك الوقت، كانت الحوادث العنيفة في شمال بنين وتوغو نادرة نسبيًا. أما اليوم، فيصف السكان المحليون نمطًا أصبح مألوفًا في أنحاء الساحل: غارات ليلية، رجال مسلحون يظهرون على الطرقات الحرجية، وقوات أمن تكافح لحماية المجتمعات النائية قرب الحدود مع بوركينا فاسو. وقد كشفت وتيرة تلك الحوادث وحجمها أن التمرد المتطرف المستشري في الساحل يتحرك جنوبًا نحو خليج غينيا.

على مدى أكثر من عقد، كانت منطقة الساحل بؤرة العنف الإرهابي عالميًا. فما بدأ عام 2012 كتمرد في شمال مالي، تطور إلى صراع إقليمي معقد يضم متطرفين إسلاميين وميليشيات محلية وشبكات إجرامية تمتد عبر مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد وشمال نيجيريا. واليوم، تمثل المنطقة أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالميًا، في زيادة هائلة منذ عام 2019.

لم يعد السؤال ما إذا كان الصراع سينتشر خارج الساحل، لأنه انتشر بالفعل. السؤال الحقيقي هو: هل ستعالج دول غرب إفريقيا الساحلية فجوات الحوكمة التي سمحت بتفاقم أزمة الساحل، أم ستكرر الأخطاء نفسها؟

توسع أزمة الساحل

لسنوات، كان يُنظر إلى دول غرب إفريقيا الساحلية باعتبارها محصنة نسبيًا من اضطرابات الساحل. لكن هذا الافتراض بات يصعب الدفاع عنه. فقد وسّعت الجماعات المسلحة المرتبطة بـ«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل عملياتها تدريجيًا نحو خليج غينيا. وبحلول عام 2021، كان مقاتلو «نصرة الإسلام والمسلمين» يشنون هجمات انطلاقًا من شرق بوركينا فاسو وجنوب غرب النيجر باتجاه شمال بنين. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت الهجمات في المناطق الحدودية لكل من بنين وتوغو بشكل حاد.

وعبر غرب إفريقيا الساحلي، ارتفعت الحوادث الإرهابية بصورة كبيرة بين عامي 2022 و2024، خصوصًا في المناطق الحدودية الشمالية حيث يظل حضور الدولة محدودًا. وكانت بنين من أكثر الدول الساحلية تضررًا، إذ ارتفعت أعداد القتلى بشكل ملحوظ في عام 2025، حتى وإن بقيت الأرقام أقل بكثير من مثيلاتها في بوركينا فاسو أو مالي.

وشهدت توغو مسارًا مشابهًا. فقد أعلنت «نصرة الإسلام والمسلمين» مسؤوليتها عن أول هجوم لها هناك عام 2022، واستمرت الهجمات منذ ذلك الحين في منطقة سافان، مستهدفة المدنيين والمواقع العسكرية على حد سواء.

ولا تمثل هذه الحوادث مجرد غارات حدودية معزولة. فكما تشير تحليلات وتقارير حديثة، تعمل «نصرة الإسلام والمسلمين» وغيرها من التنظيمات المسلحة عمدًا على اختبار الأطراف الشمالية للدول الساحلية. وتعتمد استراتيجيتها على التغلغل التدريجي بدلًا من السيطرة السريعة على الأراضي: الاندماج داخل المجتمعات، وإنشاء طرق إمداد، واستغلال ثغرات الحوكمة.

نظام إقليمي للصراع

لفهم هذا التوسع، من المفيد النظر إلى صراع الساحل ليس كسلسلة من التمردات المنفصلة، بل كنظام صراع إقليمي متطور.

فعلى مدى العقد الماضي، تحولت جماعات مثل «نصرة الإسلام والمسلمين» من تكتيكات الإرهاب التقليدية إلى نمط تمرد هجين؛ إذ باتت تسعى بصورة متزايدة إلى السيطرة على الأراضي، وتنظيم الاقتصادات المحلية، وإنشاء هياكل حكم موازية بدلًا من الاكتفاء بالهجمات السرية. ففي أجزاء من مالي وبوركينا فاسو، قامت الجماعات المسلحة بجمع الضرائب، وتسوية النزاعات، وفرض أنظمة العدالة الخاصة بها.

وقد أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها في المناطق التي تكون فيها مؤسسات الدولة ضعيفة أو غائبة. فبالنسبة لمجتمعات طالما أهملتها الحكومات المركزية، قد يبدو حكم الجماعات المسلحة — رغم طابعه القسري — أكثر قابلية للتنبؤ من حكم الدولة.

وفي الوقت نفسه، ترتبط الشبكات المسلحة بعمق بالجريمة المنظمة. إذ توفر طرق التهريب التي تربط غرب إفريقيا بشمال إفريقيا والبحر المتوسط عبر الساحل مصادر تمويل وبنية لوجستية للجماعات المسلحة. وتشمل هذه الأنشطة تهريب الماشية والوقود والتعدين غير القانوني، وغيرها من عناصر اقتصاد الصراع.

كما يتطور التمرد تقنيًا. فالجماعات المسلحة التي اعتمدت سابقًا بشكل أساسي على الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة، بدأت بشكل متزايد في استخدام الطائرات المسيّرة، ووسائل الاتصال المشفرة، والأدوات المالية الرقمية.

نيجيريا: منطقة التقاء

توضح التطورات الأخيرة في شمال نيجيريا كيف تتقاطع هذه الديناميات عبر الحدود. فبحسب تحليلات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، تصاعد العنف في المثلث الحدودي بين بنين والنيجر ونيجيريا. وتستغل الجماعات المسلحة الطرق الحرجية والمناطق المحمية التي تربط بوركينا فاسو والنيجر وبنين ونيجيريا لنقل المقاتلين والإمدادات. ويبدو أن هدفها طويل المدى يتمثل في إنشاء ممرات تربط عمق المنطقة بالساحل الأطلسي.

وقد أصبحت هذه المنطقة نقطة التقاء تتداخل فيها شبكات التطرف القادمة من الساحل مع الجماعات المسلحة النيجيرية وشبكات اللصوصية الإجرامية.

وأصبحت تداعيات ذلك أوضح في أكتوبر 2025 عندما أعلنت «نصرة الإسلام والمسلمين» مسؤوليتها عن أول هجوم لها داخل الأراضي النيجيرية قرب حدود بنين. ورغم صغر حجم الهجوم، فإنه كان ذا دلالة رمزية مهمة: فقد أشار إلى طموح الجماعة للتوسع داخل أكبر دول غرب إفريقيا.

وتواجه نيجيريا بالفعل أزمات أمنية متعددة، من التمردات المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في حوض بحيرة تشاد إلى شبكات اللصوصية المسلحة في الشمال الغربي. ويثير التداخل المتزايد بين اللصوصية والجريمة المنظمة والتطرف الإسلامي احتمال أن تصبح نيجيريا أكثر شبهًا بحركات التمرد الهجينة التي تزعزع استقرار أجزاء من الساحل.

الساحل المعرّض للخطر

تمثل غانا مثالًا على قدرة بعض الدول الساحلية على الصمود، وفي الوقت نفسه على الطموحات الاستراتيجية للجماعات المسلحة القادمة من الساحل. فعلى الرغم من عدم تعرضها لهجمات إرهابية واسعة النطاق، استُخدم شمال غانا بشكل متزايد كمنطقة لوجستية واستشفائية للمقاتلين العاملين عبر الحدود في بوركينا فاسو.

وبحسب تقارير، يعبر المقاتلون إلى الأراضي الغانية للحصول على الإمدادات، ونقل المعدات، وتلقي العلاج الطبي قبل العودة شمالًا إلى ساحات القتال. ويعكس هذا النمط استراتيجية متعمدة: فبدلًا من شن الهجمات فورًا، تعمل جماعات مثل «نصرة الإسلام والمسلمين» على بناء شبكات وسلاسل إمداد يمكن أن تدعم لاحقًا توسعًا أعمق نحو خليج غينيا.

ويرى محللون أن الاستقرار النسبي في غانا — بفضل مؤسساتها الأقوى، وأجهزتها الأمنية الفاعلة، وتراجع حدة المظالم المحلية — حدّ حتى الآن من تغلغل الجماعات المسلحة. لكن دور البلاد كقاعدة خلفية لوجستية يؤكد الطبيعة الإقليمية للصراع.

ومع انتشار هذه الشبكات عبر الدول الساحلية، يزداد قلق صناع القرار الغربيين من أن يتمكن تمرد الساحل في نهاية المطاف من تهديد طرق التجارة الرئيسية والموانئ والبنية التحتية للطاقة على الساحل الأطلسي. وتعكس هذه المخاوف إدراكًا متزايدًا بأن دوافع التطرف في غرب إفريقيا الساحلي تشبه إلى حد كبير الديناميات البنيوية التي غذّت الصراع في الساحل.

في العديد من الدول، تظل الفرص الاقتصادية والنفوذ السياسي متركزة في المراكز الحضرية الجنوبية، بينما تعاني المناطق الحدودية الشمالية من تهميش مزمن وضعف حضور الدولة. وتوفر هذه الفجوات بيئة خصبة للتجنيد.

كما تصاعدت التوترات بين المزارعين والرعاة، خصوصًا بين جماعات الفولاني الرعوية، خلال السنوات الأخيرة. وأدت القيود المفروضة على الهجرة الموسمية والمواجهات مع قوات الأمن إلى تعميق المظالم في بعض المناطق.

وتبرز أبحاث مجموعة الأزمات الدولية كيف تستغل جماعات مثل «نصرة الإسلام والمسلمين» هذه التوترات المحلية عمدًا، عبر تقديم نفسها كحامية للمجتمعات المهمشة، مع تقويض سلطة الدولة في الوقت نفسه.

وفي بعض المناطق، أدت الاستجابات الأمنية إلى تفاقم هذه الديناميات. فقد وُجهت اتهامات لميليشيات محلية جرى حشدها لمحاربة المتطرفين باستهداف مدنيين من الفولاني، مما عزز دوائر الانتقام والمظلومية.

وقف المرحلة التالية

تُظهر تجربة الساحل أن الإرهاب يزدهر حيث تفشل الحوكمة. فالقوة العسكرية ضرورية لاحتواء الجماعات العنيفة، لكنها لا تستطيع معالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار. وعندما تُنفذ العمليات الأمنية دون مساءلة، فإنها قد تعمق المظالم ذاتها التي تستغلها الجماعات المسلحة.

ولهذا، يظل تعزيز سيادة القانون، والمساءلة القضائية، والرقابة المدنية على الأجهزة الأمنية عنصرًا محوريًا لتحقيق الاستقرار طويل الأمد. فالمجتمعات تكون أكثر استعدادًا للتعاون مع السلطات عندما تثق بأن الانتهاكات سيتم التحقيق فيها وتحقيق العدالة بشأنها.

إن انتشار العنف الإرهابي نحو خليج غينيا ليس أمرًا حتميًا. لكن منع اندلاع أزمة إقليمية أوسع يتطلب التحرك قبل أن تترسخ شبكات التمرد. وستحتاج الحكومات الساحلية إلى الاستثمار بشكل أكبر بكثير في المناطق الحدودية الشمالية، ليس فقط في القوات الأمنية، بل أيضًا في الحوكمة، وأنظمة العدالة، والفرص الاقتصادية.

وسيكون التعاون الإقليمي ضروريًا كذلك. فالشبكات المسلحة تعمل عبر الحدود، وبالتالي يجب أن تكون الاستجابات الفعالة عابرة للحدود أيضًا، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدوريات المشتركة، والتنسيق في إنفاذ القانون. كما ينبغي للشركاء الدوليين، بما في ذلك الأمم المتحدة، إعطاء الأولوية لتعزيز المؤسسات بدلًا من الاكتفاء بتوسيع المساعدات العسكرية. فالاستثمار في القدرات القضائية، ومكافحة الفساد، وإصلاح القطاع الأمني بشكل خاضع للمساءلة، قد يحقق أثرًا طويل الأمد أكبر بكثير.

تقف بنين وتوغو اليوم على خط المواجهة في صراع بدأ بعيدًا في الشمال. وما إذا كانتا ستصبحان المسرح التالي لتمرد متسع، أو المكان الذي تبدأ فيه المنطقة بعكس مسار الأزمة، فسيتوقف بدرجة أقل على الانتصارات العسكرية، وبدرجة أكبر على ما إذا كانت الحكومات ستعالج فجوات الحوكمة والأسباب الجذرية التي سمحت لأزمة الساحل بالنمو منذ البداية.

سالم أ. سالم (المعروف أيضًا باسم سالم الحاسي) محلل سياسي واستراتيجي وناشط حقوقي يمتلك أربعة عقود من الخبرة في شؤون الأمن والاستخبارات والجغرافيا السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. شغل مناصب قيادية في حركات المعارضة الليبية، ومؤسسات الدولة، والمنظمات الحقوقية الدولية، والأوساط الأكاديمية. ويُعرف بتحليلاته الدقيقة ذات الصلة بصنع السياسات حول الديناميات الإقليمية، وتسوية النزاعات، والتحديات الأمنية.

_________________

الدبيبة وإخوان ليبيا… ما وراء السخرية من حلفاء الأمس

زايد هدية

هجوم الدبيبة اللاذع على الجماعة يكشف عن حجم التوتر داخل معسكر الغرب مع تصاعد الحديث عن صفقة أميركية لإعادة ترتيب السلطة.

هل بدأ الدبيبة يشعر بأن ترتيبات دولية تطبخ لإبعاده من المشهد؟

وهل هي رسالة استباقية في معركة معركة مقبلة للبقاء داخل السلطة؟

شن رئيس حكومة “الوحدة الوطنية” الليبية في طرابلس عبدالحميد الدبيبة هجوماً حاداً على جماعة “الإخوان المسلمين”، مثيراً مخاوف من صدام مقبل قد يخلط أوراق المشهد السياسي في غرب ليبيا، فالرجل الذي استفاد خلال السنوات الماضية من شبكة تحالفات مرنة داخل العاصمة، بينها أطراف ذات صلة بالتيار الإسلامي، خرج بخطاب غير مسبوق يتهم فيه شخصيات إخوانية بمحاولة استغلال وعكته الصحية الأخيرة للتواصل مع أطراف خارجية، والبحث عن بديل له في رئاسة الحكومة.

هذا التصعيد لا يمكن قراءته كخلاف عابر، بل يأتي في لحظة حساسة تتزامن مع حديث متزايد عن مقترح أميركي يقوده مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، ليس قيد البحث والتشاور بل قيد التنفيذ، ويهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية، وربما تغيير مواقع أساسية بينها رئاسة الحكومة، ودمج الحكومتين المتنافستين أو إنتاج صيغة تقاسم سلطة جديدة، وبعضها هذه المقترحات رفض من المجلس الأعلى للدولة والرئاسي باعتباره تسوية خارج الأطر الرسمية.

هجوم لاذع

بدأ التصعيد من تصريحات للدبيبة في منطقة “قصر الخيار” شرق طرابلس، إذ هاجم جماعة “الإخوان” بلهجة ساخرة وحادة، وقال إنهم “لم يعد لهم وجود في ليبيا”، ولن تكون لهم فرصة للعودة للمشهد السياسي. وكذا اتهم شخصية إخوانية معروفة بأنها “سارعت خلال وعكته الصحية إلى التواصل مع جهات خارجية والقول إن الدبيبة لم يعد قادراً على الاستمرار، في محاولة لترتيب خلافته”.

الصحافي الليبي سراج الفيتوري يرى أن “خطورة التصريح لا تكمن في الهجوم اللفظي فقط، بل في أنه ينقل العلاقة من مستوى الخلافات المكتومة إلى مستوى الاتهام السياسي المباشر، باستغلال المرض، والتواصل مع الخارج، وترتيب بديل للحكومة، وهذه مفردات في البيئة الليبية تعني الاتهام بمحاولة انقلاب سياسي ناعم، لا مجرد منافسة داخلية”.

وأضاف “التوقيت هو مفتاح الفهم، فالدبيبة يهاجم الإخوان في ظل ثلاثة معطيات متزامنة: الأول عودته من وعكة صحية أثارت إشاعات حول قدرته على الاستمرار، قبل أن ينفي بنفسه تدهور حاله الصحية ويقول إن الفحوص والعلاجات كانت ناجحة، والثاني تحرك أميركي متزايد عبر مسعد بولس في الملف الليبي بدأ علناً من بوابة توحيد الموازنة والمؤسسات المالية والعسكرية”.

أما المعطى الثالث، وفق الفيتوري، فهو الحديث عن صفقة سياسية أكبر تتجاوز الموازنة إلى إعادة تشكيل السلطة، فقد كشفت تقارير عن مقترح منسوب لبولس لدمج الحكومتين، بينما تحدثت مصادر إعلامية عن صيغ تشمل إعادة توزيع مناصب في المجلس الرئاسي والحكومة، وربما إزاحة الدبيبة أو استبداله بشخصية من داخل العائلة السياسية نفسها.

علاقة مصلحة

والخلاف الحالي بين رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة و”الإخوان” ليس مفاجئاً، بل هو نهاية طبيعية لعلاقة لم تشكل يوماً حال اندماج أيديولوجي، بل تحالف مصلحة هش، في قراءة للباحث الأكاديمي محمد العنيزي لهجوم الدبيبة على التنظيم.

يقول العنيزي إن “الدبيبة احتاج إلى مظلات سياسية داخل غرب ليبيا، والإخوان احتاجوا إلى سلطة تنفيذية قادرة على حمايتهم من التراجع الشعبي والسياسي الذي أصابهم بعد سنوات من الاستقطاب، لكن هذا التحالف كان هشاً منذ البداية، الدبيبة رجل سلطة ومصالح وشبكات مالية وأمنية، لا رجل مشروع حزبي، أما الإخوان فتعاملوا معه باعتباره مرحلة يمكن استخدامها أو تجاوزها عند تبدل الظروف”.

ويتابع “خلاصة ما سبق أنه عندما ظهرت مؤشرات على مبادرة أميركية قد تعيد ترتيب السلطة تحركت أطراف عديدة لحجز مقاعدها في المرحلة المقبلة، وهنا شعر الدبيبة أن بعض حلفائه السابقين بدأوا التفكير في من يخلفه”.

أما عن ارتباط تصريحات الدبيبة التي هاجم فيها جماعة “الإخوان المسلمين” بالمقترح الأميركي الذي يشغل الساحة السياسية الليبية في الفترة الحالية، الذي يقوم على فكرة إنهاء الانقسام عبر صيغة تقاسم سلطة بين معسكري الشرق والغرب، مع توحيد المؤسسات المالية والعسكرية والتنفيذية، فيشير العنيزي إلى أن “اتفاق الموازنة الموحدة كان أول اختبار عملي لهذه الصفقة، إذ وافقت أطراف سياسية من الشرق والغرب على موازنة موحدة للمرة الأولى منذ عام 2013، واعتبرها المصرف المركزي خطوة نحو الاستقرار المالي، لكن المشكلة أن ما يبدو اقتصادياً في الظاهر يحمل أبعاداً سياسية عميقة”.

وأوضح أن “توحيد الإنفاق يعني تحديد من يقرر، ومن يمول، ومن يدير مشاريع التنمية، ومن يملك شرعية التوقيع باسم الدولة، لذلك قوبل مسار بولس بالرفض من أطراف سياسية في طرابلس، خصوصاً المجلس الأعلى للدولة والرئاسي، بسبب الخشية من تمرير تسوية خارج المسار الأممي والاتفاق السياسي”.

مناورة أم قطيعة؟

والسؤال الأكبر الذي يدور حوله النقاش في ليبيا حالياً بخصوص هجوم عبدالحميد الدبيبة على “الإخوان المسلمين”: هل يصنف كمناورة وورقة ضغط، أم بداية لقطيعة تامة بين الطرفين؟

الإعلامية والناشطة السياسية الليبية إهداء مكراز، ترجح أنه مزيج من الاثنين، “فمن جهة يوجه الدبيبة رسالة للإخوان مفادها: لن أسمح لكم بالبحث عن بديل من وراء ظهري، ومن جهة ثانية يوجه رسالة للولايات المتحدة والأطراف الدولية بأنه ما زال الرقم الأقوى في طرابلس، وأي ترتيب يتجاوزه سيصطدم بتوازنات الغرب الليبي”.

وتنوه إلى أن خطاب رئيس حكومة الوحدة ضد “الإخوان” يمنحه فرصة لإعادة التموضع أمام قوى داخلية وخارجية تتحفظ على الجماعة، فهو يحاول أن يقول إنه ليس أسيراً للتيار الإسلامي، وإن بقاءه قد يكون أقل كلفة من بدائل قد تفتح صراعاً جديداً داخل طرابلس.

وتخلص إلى أن “هذا لا يعني أن القطيعة باتت كاملة بين الجانبين، فالدبيبة يعرف أن الإخوان، على رغم تراجع حضورهم الشعبي، ما زالوا يملكون امتدادات سياسية وإعلامية وعلاقات داخل مؤسسات وشخصيات مؤثرة، لذلك قد يرفع السقف علناً، ثم يترك باب التسوية مفتوحاً خلف الكواليس”.

انزعاج إخواني

في المقابل، عكست ردود الفعل من البيئة القريبة من التيار الإسلامي انزعاجاً واضحاً من تصريحات عبدالحميد الدبيبة، فقد انتقد المفتي العام للجماعات الإسلامية في طرابلس الصادق الغرياني تعميم الدبيبة الذي أطلقه على جماعة “الإخوان”، ورأى أن الهجوم عليهم بهذه الطريقة خطأ سياسي، محذراً “من التعامل معهم كمرادف للإرهاب”.

محللون اعتبروا أن هذا الرد مهم لأنه يكشف عن أن المواجهة المحتملة لن تكون فقط بين الدبيبة وتنظيم سياسي أو جماعة بعينها، بل بين الدبيبة وشبكة أوسع داخل غرب ليبيا تضم شخصيات دينية وسياسية وإعلامية وكتائب مسلحة توالي كل هؤلاء.

وبصورة عامة يمكن تلخيص آراء المراقبين للمشهد السياسي التي علقت وحللت تصريحات عبدالحميد الدبيبة تجاه “الإخوان” وتداعياتها في سيناريوهين محتملين: الأول يرجح أن يلجأ الدبيبة إلى إبعاد شخصيات محسوبة على التيار الإخواني أو تقليص نفوذها في الإعلام والهيئات والملفات المالية، وإذا شعر “الإخوان” أن الدبيبة قرر التخلص منهم، فقد يدعمون مساراً بديلاً داخل المجلس الأعلى للدولة، أو عبر دعم شخصيات في الغرب لخلافته، وربما يتقاطعون تكتيكياً مع معارضي الدبيبة داخل طرابلس، وفي كلتا الحالتين يبدو أن الساحة السياسية وحتى الأمنية في العاصمة ستتأثر بلا شك بمستجدات هذا الخلاف الخطر بين أقوى طرفين وأكثرهما تأثيراً فيها.

___________________

بغطاء أميركي .. هذه هي أدوات حفتر لحكم ليبيا على غرار القذافي

أطلقت الولايات المتحدة مناوراتها العسكرية السنوية “فلينتلوك” في ليبيا للمرة الأولى؛ حيث تمثل هذه المناورات متعددة الجنسيات بالنسبة لواشنطن، فرصة للحد من النفوذ الصيني والروسي في البلد العربي.

كما تعدها خطوة هامة نحو التكامل العسكري في ليبيا التي انقسمت إلى حكومتين متناحرتين في الشرق والغرب على مدى العقد الماضي.

ويأمل الانقلابي خليفة حفتر الرجل المسيطر في شرق ليبيا وعميل وكالة المخابرات المركزية الأميركية السابق، في استغلال هذه اللحظة لترسيخ قبضته على السلطة.

وفي مقال نشرته مجلة “ريسبونسبل ستيتكرافت” الأميركية، قال الصحفي المصري، خالد محمود رمضان: إن “أمير الحرب الليبي يُحكم قبضته على السلطة، بموافقة أميركية”.

وأضاف: “مع بلوغه الـ82 من عمره، يقتصر دور حفتر على صناعة القرار من وراء الكواليس؛ حيث يُهيئ أبناءه لمواصلة إرثه وتوطيد سيطرة العائلة على ليبيا. وإذا نجح، فقد يُكرر تجربة سلفه ومنافسه، العقيد الراحل معمر القذافي الذي قاد البلاد لأكثر من 40 عاما قبل الإطاحة به وقتله عام 2011”.

مناورات فلينتلوك

وفي أبريل/نيسان 2026، نجح كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب لشؤون العرب والشرق الأوسط، مسعد بولس، في إقناع الليبيين بالتوصل إلى إنهاء مؤقت للتنافس بين شرق ليبيا وغربها.

وجاء ذلك من خلال اتفاق على توحيد الإنفاق بين الحكومتين المتنافستين، حكومة الوحدة الوطنية في العاصمة طرابلس برئاسة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وحكومة الاستقرار الموازية برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من حفتر.

ولأول مرة، جمعت مناورات “فلينتلوك 2026″، التي ترعاها القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) وتضم نحو 1500 جندي من 30 دولة، قوات من شرق ليبيا وغربها.

وقد وضع بولس هذه المناورات (التي أجريت خلال الفترة ما بين 13 و30 أبريل 2026) في صميم العملية السياسية، واصفا إياها بأنها فرصة “لرفع مستوى كفاءة الضباط الليبيين”.

وعمليا، يمثل هذا دعما أميركيا لترسيخ دور حفتر المهيمن في السياسة الليبية، ورفع مستوى عائلته من أمراء حرب إلى شركاء أمنيين دوليين، وفق رمضان. فقد كان صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائبه، جالسا بجوار نائب قائد “أفريكوم”، الفريق جون برينان، خلال المناورات.

وشكك العديد من الليبيين في جدوى هذه المبادرات؛ إذ يرونها مجرد مسكن مؤقت، ودليلا على أن الجهود الأميركية ليست حلا للأزمة، بل مجرد وسيلة لإدارتها، ورغم أن جهود توحيد ميزانية الدولة وفرت هدنة مؤقتة، إلا أنها لم تعالج الأسباب الجذرية للصراع على السلطة.

وتابع المقال: “يبدو أن إرث التاريخ لا يزال يُهيمن على نظرة واشنطن إلى ليبيا. فبعد عبارة (إلى شواطئ طرابلس) التي تتردد في نشيد مشاة البحرية الأميركية، عادت القوات الأميركية مجددا إلى خليج سرت”.

وقال رمضان: “سرت التي قصفتها إدارة ريغان عام 1986 بذريعة إسقاط نظام القذافي، تستقبل ضباطا من أفريكوم لتدشين سلالة عسكرية جديدة بقيادة أبناء حفتر”.

ولأول مرة، تظهر ليبيا بصفتها الدولة المضيفة الرسمية لهذه العمليات المشتركة، وقد وصف برينان هذه الخطوة بأنها تجسد “رؤية قادة الجانبين”.

إلا أن المفارقة، بحسب المقال، تكمن في تحويل سرت من “خط موت” جيوسياسي للنظام الليبي السابق إلى محاولة لإعادة إنتاج نموذج “الرجل القوي” الذي لطالما زعمت واشنطن أنها تسعى لتفكيكه.

عودة من المنفى

ويرى وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، أن المشهد يحمل في طياته تناقضات كثيرة. وفي مقابلة صحفية، قال: “رغم أننا نشعر بالسرور لرؤية الضباط الليبيين يجتمعون، إلا أننا نتألم بشدة لأن هذه الدعوة تُقام على أرضهم وتحت إدارة جهة خارجية، بذريعة توحيد المؤسسة العسكرية”.

وفي السياق نفسه، شكك البرغثي في ​​مصداقية واشنطن، مستذكرا وعودا سابقة من وزراء الدفاع الأميركيين بتركيب أنظمة مراقبة إلكترونية على الحدود الجنوبية، وتسليم أربع طائرات ليبية محتجزة لدى الولايات المتحدة منذ انقلاب عام 1969 الذي أوصل القذافي إلى السلطة.

وأضاف بمرارة: “لقد أصبحت تلك الطائرات اليوم خردة عسكرية بعد عقود من انتهاء عمرها التشغيلي، ولم تتجاوز الوعود الأميركية مجرد كلمات لم تُنفذ على أرض الواقع”.

وبرز حفتر كواحد من أهم الفاعلين السياسيين في ليبيا منذ أن أطلق “عملية الكرامة” عام 2014؛ حيث شن هجوما عسكريا أطاح بحكومة في بنغازي، أكبر مدينة شرق ليبيا.

وبحسب المقال، تحالف حفتر مع مجلس نواب طبرق، لكن الآن، وبعد مرور 12 عاما على صعوده، وست سنوات على فشله في السيطرة على العاصمة طرابلس، امتزجت طموحات حفتر وعائلته في السلطة والثروة من خلال نموذج السيطرة غير المباشرة، وفق المقال.

ولا يقتصر نفوذ حفتر على الشؤون العسكرية فحسب، بل يعتمد أيضا على شبكة اقتصادية مرتبطة بالجيش والعائلة، مصممة لتعزيز نفوذه السياسي والعسكري. وفق المقال.

كما يستفيد من الصادرات غير الرسمية عبر شركات مرتبطة بابنه صدام، والتي صدّرت نحو 7.6 ملايين برميل من النفط، بقيمة 600 مليون دولار، خارج القنوات الرسمية بين مايو/أيار وديسمبر/كانون الأول 2024.

وفي عام 2025، بلغ متوسط ​​الإنتاج 1.37-1.375 مليون برميل يوميا، وهو أعلى مستوى له منذ 12 عاما، مع عائدات نفطية بلغت نحو 22 مليار دولار، بزيادة قدرها 15 بالمئة عن العام السابق.

ويستخدم حفتر سيطرته للتهديد بإغلاق حقول النفط للحصول على حصة أكبر من العائدات أو تنازلات سياسية؛ إذ تعتمد قوته الاقتصادية بشكل كبير على سيطرته على حوض سرت.

طموحات عائلية

وأشارت الدراسات إلى أن قوات حفتر تُشكّل تحالفا واسعا من الجماعات المسلحة المرتبطة أيضا بمصالح اقتصادية في شرق ليبيا.

وأصبح صدام نائبا لوالده بعد أن قاد وحدات عسكرية تلعب دورا محوريا في بنية السلطة وتؤثر على الصفقات الاقتصادية المتعلقة بإعادة الإعمار.

وقال قائد عسكري رفيع المستوى في قوات حفتر: إن ترقية أبناء حفتر تُمثّل محاولة لترسيخ السلطة بين القيادات العليا والدنيا في الجيش.

وقال ضابط آخر، فضّل عدم الكشف عن اسمه: إن الوضع يبدو مستقرا داخل الجيش في الوقت الراهن، لكنه قد يتغير بسرعة إذا تضاءل نفوذ حفتر بأي شكل من الأشكال.

واتهم تقرير صادر عن لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، صدام حفتر ، بإدارة نظام غير مسبوق من “الفساد المؤسسي” في قطاع الطاقة، وذلك باستغلال نفوذه لتوفير غطاء سياسي وأمني مكّن الشبكات الإجرامية من الإفلات من العقاب تماما.

ويشغل خالد حفتر منصب رئيس أركان الجيش الذي يضم نحو 90 ألف مقاتل، بميزانية غير رسمية تُقدّر بنحو 5 مليارات دينار (800 مليون دولار) للرواتب والعمليات، ناهيك عن قيمة الأسلحة وصفقاتها السرية، التي تتجاوز هذا المبلغ بكثير.

لكن أهم أبناء حفتر -وفق المقال- هو الابن الأكبر “الصديق” الذي يُشبه والده في المظهر والشخصية؛ حيث تجاوز دور المساعد المخلص ليصبح حافظ أسرار والده ووزير خارجيته الفعلي.

وقال رمضان: “أخبرني الصديق ذات مرة في حديث خاص بالقاهرة أنه يحلم برئاسة الحكومة، لكنه ينزعج من الادعاءات بأن عائلته ستصبح مثل عائلة القذافي”.

ونقل الصحفي المصري ما قاله له الصديق بشكل شخصي في 2024، حيث قال: “نحن عائلة مختلفة، وتجربتنا لا تمثل بالضرورة تجارب الآخرين”.

وكان الصديق هو الوحيد الذي رافق حفتر عندما دخل المستشفى العسكري في باريس لتلقي العلاج إثر أزمة صحية ألمّت به خلال زيارة للقاهرة قبل سنوات.

وقال رمضان: إن “المسار الذي تسلكه عائلة حفتر اليوم يتجاوز الطموح العسكري التقليدي؛ فهو محاولة لإضفاء الشرعية على نفوذ العائلة عبر مؤسسات موازية تضمن الاستدامة المالية والأمنية”.

ومع تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير مسمى، لم يعد بإمكان حفتر المطالبة بعرش البلاد، لكنه أصبح الآن، بالضرورة، صانع ملوك جدد يحملون اسمه.

وتساءل رمضان: “هل ستكرر واشنطن خطأها الكلاسيكي بدعم (الرجل القوي) للحفاظ على استقرار مؤقت، لتستيقظ لاحقا على دكتاتورية عائلية أكثر تعقيدا وفسادا؟”

وختم بالتأكيد على أن “الحديث عن (توحيد المؤسسات) يُنذر بخطر التحول إلى خصخصة شاملة للجيش والنفط لصالح عائلة واحدة، بمباركة أميركية”.

_____________________

صفقة كبرى: كيف تخطط الولايات المتحدة لتوحيد ليبيا عبر عائلتين

ميدل إيست آي

تتراجع روسيا، فيما ترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد. وقد منح هذان التطوران دفعة جديدة للمساعي الأمريكية لتوحيد ليبيا دون موافقة شعبية.

تعمل الولايات المتحدة على صياغة اتفاق لتوحيد ليبيا الغنية بالنفط حول العائلتين الأقوى في البلاد، وذلك في وقت تؤدي فيه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إلى خنق تدفقات الطاقة العالمية، بحسب ما أفاد به مسؤولون غربيون حاليون وسابقون، ومصادر عربية مطلعة على الملف، ومحللون لموقع “ميدل إيست آي”.

ويهدف اتفاق تقاسم السلطة إلى توحيد ليبيا عبر عائلة الدبيبة في غرب البلاد وعائلة حفتر في شرقها، مع استبدال قادة العائلتين الحاليين بجيل جديد.

ورغم أن هذا المسعى جارٍ منذ فترة، إلا أنه اكتسب زخماً جديداً مع ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب على إيران، ما أعاد شركات الطاقة الأمريكية إلى ليبيا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في إفريقيا.

وتعيش العائلتان الحاكمتان في ليبيا حالة من الانتعاش المالي مع ارتفاع خام برنت. فقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن إيراداتها بلغت 2.9 مليار دولار في أبريل، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في بداية العام. كما زار وزير النفط الليبي واشنطن الأسبوع الماضي.

وقال ريكاردو فابياني، مدير شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، لـ”MEE”: “هذا الأمر قيد الإعداد منذ عدة أشهر. الولايات المتحدة تحاول تهيئة الأرضية لهذه الصفقة الكبرى بين العائلتين.”

وأضاف: “هناك أموال طائلة يمكن جنيها من عمليات الاستكشاف النفطي الجديدة. الأمريكيون لديهم مصلحة ضخمة في كل ذلك، خاصة الآن مع الحرب على إيران.”

استبدال رئيس الوزراء الليبي

يقود مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إفريقيا، هذا التوجه.

ورغم أن الاتفاق الدبلوماسي جرى الحديث عنه علناً ويواجه معارضة من كثير من الليبيين، إلا أنه مرّ دون اهتمام واسع في الغرب بسبب تركيز الأنظار على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.

وتريد إدارة ترامب أن يتولى إبراهيم الدبيبة، وهو أحد رجال النفوذ الليبيين، رئاسة الحكومة بدلاً من ابن عمه رئيس الوزراء الحالي عبد الحميد الدبيبة، الذي يعاني من مشكلات صحية.

وبحسب مصدر عربي مطلع ومسؤول غربي سابق رفيع، فإن بولس دفع بهذا التغيير بالتنسيق مع تركيا خلال منتدى أنطاليا في أبريل الماضي، والذي حضره وفد ليبي.

وكان إبراهيم الدبيبة قد أقام علاقة وثيقة بشكل خاص مع بولس، حيث ناقشا بشكل خاص إمكانية الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الليبية المجمدة، وهو ما كشفه “ميدل إيست آي” سابقاً وأكدته صحيفة “نيويورك تايمز”.

وعلى الجانب الآخر، من المتوقع أن يُعيَّن صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر البالغ من العمر 35 عاماً والذي يسيطر على شرق ليبيا، رئيساً للدولة.

وقد عقد إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر اجتماعات في قصر الإليزيه بباريس في وقت سابق من هذا العام ضمن جهود بولس.

ويشغل صدام منصب نائب قائد “الجيش الوطني الليبي”، وقد عمل على تنويع علاقات عائلة حفتر مع خصوم سابقين مثل تركيا، كما بات يُنظر إليه باعتباره المرشح المفضل لدى الولايات المتحدة لخلافة والده البالغ من العمر 82 عاماً.

كما التقى صدام حفتر نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خلال زيارة إلى واشنطن العام الماضي، بحسب المصدر العربي. وليست هذه أول محاولة لتوحيد ليبيا.

“تقاسم الغنائم”

انزلقت ليبيا إلى حرب أهلية عام 2011 بعد انتفاضة مدعومة من حلف الناتو أطاحت بمعمر القذافي. وعلى مدى أكثر من عقد، انقسمت البلاد إلى سلطتين: حكومة معترف بها دولياً في طرابلس، وأخرى في الشرق يقودها خليفة حفتر.

وخاض الطرفان حرباً دامية عام 2019 حاول خلالها حفتر السيطرة على طرابلس. وتحولت المعركة إلى حرب بالوكالة، حيث دعمت تركيا الحكومة المعترف بها أممياً، بينما دعمت روسيا ومصر والإمارات حفتر.

وفي عام 2021، جرى تعيين عبد الحميد الدبيبة رئيساً للوزراء ضمن مسار أممي كان يهدف إلى قيادة البلاد نحو انتخابات ديمقراطية.

وقال مسؤول غربي سابق رفيع لـ”MEE”: “كل القوى الخارجية، بما فيها الولايات المتحدة، تخلت عملياً عن فكرة الانتخابات الديمقراطية في ليبيا.”

وأضاف: “الخيار المفضل لديهم الآن هو العمل مع العائلات المترسخة وتقاسم الغنائم بين الطرفين الأكثر فساداً.”

وتابع: “لكن حفتر شخصية مرفوضة في غرب ليبيا، والدبيبة لا يسيطر بالكامل على الغرب. هذا يتجاوز الشعب الليبي تماماً وقد يرتد بنتائج عكسية.”

وقد أقامت عائلة الدبيبة تحالفات مع ميليشيات نافذة في غرب ليبيا، لكنها تواجه معارضة من جماعات أخرى. كما أن أي تقاسم للسلطة مع صدام حفتر لن يحظى بقبول في مصراتة، المدينة الساحلية التي تضم طبقة نشطة من العائلات التجارية.

وكان مفتي ليبيا الصادق الغرياني قد أعلن معارضته لأي اتفاق لتقاسم السلطة بين الطرفين أواخر الشهر الماضي.

وفي حين تفرض عائلة حفتر سيطرة أقوى على شرق ليبيا، إلا أن العائلة نفسها تعاني انقسامات داخلية. فصدام يعزز سيطرته على المؤسسة العسكرية، لكنه في صراع مع إخوته، خاصة بلقاسم حفتر الذي يدير صندوق التنمية وإعادة الإعمار في بنغازي.

وقال جلال حرشاوي، الباحث المتخصص في الشأن الليبي لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة، لـ”MEE”: “لا عائلة الدبيبة ولا عائلة حفتر تشكلان وحدة متماسكة حالياً.”

وأضاف: “وهذا قد يجعل التغيير ممكناً بالفعل. الوضع القائم غير قابل للاستمرار، وإذا أُعلن عن حكومة جديدة فسيكون ذلك بداية لمسار جديد.”

هل تستطيع ليبيا تعويض نفط الخليج؟

قال مسؤول أمريكي سابق مطلع على الملف الليبي لـ”MEE” إن إدارة ترامب تواصل عملياً سياسة إدارة بايدن القائمة على التقريب التدريجي بين العائلات الحاكمة في ليبيا، إلا أن استعدادها للحديث عن الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة وعقد صفقات تجارية قد سهّل التحركات الدبلوماسية.

وأضاف: “هذا ليس مجرد تحرك يقوده بولس، بل هو مبادرة تشمل مؤسسات الدولة الأمريكية بأكملها، بهدف جعل ليبيا متاحة لشركات النفط الأمريكية وخلق فرص لليبيين.”

وتابع: “دعونا نواجه الحقيقة: مسار الانتخابات الذي تقوده الأمم المتحدة لم ينجح.”

وقد تحققت بعض النجاحات التكتيكية. ففي أوائل أبريل أعلن مصرف ليبيا المركزي عن أول ميزانية موحدة للبلاد منذ أكثر من عقد.

وفي خطوة فاجأت بعض المراقبين، تدربت قوات من شرق وغرب ليبيا معاً في سرت ضمن مناورات “فلينتلوك” العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة الشهر الماضي.

وكانت شركات الطاقة الأمريكية تستكشف الفرص في ليبيا حتى قبل الحرب على إيران.

فقد حصلت شركة “شيفرون” على ترخيص استكشاف في حوض سرت في فبراير، بينما وقعت “إكسون موبيل” مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط للعودة إلى ليبيا في أغسطس.

وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن صادرات البلاد بلغت 1.2 مليون برميل يومياً في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ عشر سنوات. لكن بعض المحللين يشككون في دقة هذه الأرقام، ويرون أن الحرب على إيران لم تغيّر فعلياً بيئة الاستثمار.

فمعظم البنية التحتية النفطية الليبية يعود عمرها إلى نصف قرن، كما أن البيانات في البلاد غامضة بسبب افتقار الحكومة للشفافية.

وقال جيسون باك، مؤسس “ليبيا-أناليسيس” ومؤلف كتاب “ليبيا والفوضى العالمية المستدامة”، إن الولايات المتحدة وحلفاءها سيصابون بخيبة أمل إذا اعتقدوا أن ليبيا قادرة على تعويض النفط المفقود من الخليج.

وأضاف: “عجز الليبيين عن إنتاج مزيد من النفط مرتبط بعدم كفاءتهم الداخلية، وليس بحجم الدعم الأمريكي أو الخارجي.”

وتابع: “فكرة أن ليبيا تستطيع توفير كميات مؤثرة عالمياً من النفط خلال فترة قصيرة بسبب حرب إيران هي فكرة مضحكة.”

وأشار إلى أن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 أثار نقاشاً مشابهاً حول إمكانية أن تحل ليبيا محل روسيا كمصدر للغاز إلى أوروبا.

وقال: “في بداية الحرب الأوكرانية، كان الناس يقولون إن ليبيا ستكون الجزائر الجديدة، لكن الليبيين فشلوا في ذلك، وسيفشلون مجدداً.”

دعم تركي

لكن خبراء يرون أن فكرة تقارب العائلتين الليبيتين لتقاسم عوائد الطاقة الحالية تحت الرعاية الأمريكية تبدو أكثر قابلية للتحقق، خصوصاً أن القوى الخارجية التي حولت ليبيا سابقاً إلى ساحة حرب بالوكالة باتت تنوع علاقاتها.

فصدام حفتر يغازل تركيا، وبدأ يتلقى بعض الأسلحة من باكستان برعاية سعودية، بحسب ما كشفه “ميدل إيست آي” سابقاً.

وفي الوقت نفسه، عززت مصر، التي كانت تعارض حكومة طرابلس سابقاً، علاقاتها بالحكومة، كما تعمل على تحسين علاقاتها مع أنقرة، خصمها القديم في ليبيا.

وقال جيسون باك: “الأتراك والمصريون مستعدون لتعاون الطرفين لأن السياق السياسي اليوم مختلف تماماً عن السابق. هذا لا علاقة له بترامب.”

أما حرشاوي فقال إن الولايات المتحدة تحظى بدعم تركيا، التي تعد من أقوى الأطراف الفاعلة ميدانياً في ليبيا.

وأضاف: “هناك مؤشرات على أن تركيا ربما راضية عن أي إعلان كبير يجري التحضير له. وهذا مهم.”

وتابع: “أعتقد أن السعوديين سيدعمون ما توافق عليه تركيا، بسبب السودان.”

وقد ترى الولايات المتحدة أيضاً فرصة لإبعاد عائلة حفتر عن روسيا، التي نشرت مرتزقة في شرق ليبيا وسعت سابقاً للحصول على موطئ قدم بحري هناك.

كما أن الحكومة المدعومة من روسيا في مالي المجاورة تواجه خطر الانهيار بسبب هجمات جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة.

وختم حرشاوي بالقول: “ليست الأموال وحدها ما يدفع الدولة العميقة الأمريكية نحو ليبيا. روسيا تتراجع في مالي، وليس من المستبعد أن يحدث لها شيء مشابه في ليبيا أيضاً.”

__________________

‏الطاولة المصغرة.. آلية لحل أزمات ليبيا أم خطوة نحو تقاسم “عائلي” للسلطة؟

علاء فاروق

‏رغم كثرة المبادرات والتحركات المحلية والدولية والأممية في الملف الليبي، إلا أن الجمود السياسي لا يزال هو المسيطر على المشهد، خاصة مع تجدد الانسداد السياسي وحالة الصدام المتكرر بين مؤسسات الدولة الليبية، والتي وصلت إلى السلطة التنفيذية الموحدة المكونة من المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية.

‏حالة الجمود السياسي المتكررة دفعت البعثة الأممية إلى طرح خارطة طريق بتوقيتات زمنية لمحاولة الوصول إلى عملية انتخابية مقبولة في ليبيا، بدأتها بجلسات تحت مسمى “الحوار المهيكل”، والذي شمل عدة ملفات: اقتصادية وأمنية وسياسية وملف المصالحة الوطنية.

‏لكن التعثر كان شعار المرحلة، خاصة مع تراخي مجلسي النواب والدولة في ليبيا (وهما جهتان منوط بهما إقرار القوانين الانتخابية واختيار المناصب السيادية وغيرها من الملفات وفقًا للاتفاق السياسي الليبي) في تنفيذ المرحلتين الأوليتين من خارطة الطريق الأممية، إلا أن البعثة استمرت في جلسات الحوار المهيكل وأنجزت الكثير من المحاور، لكنها لم تُطرح للنقاش أو الإقرار من المجلسين.

‏ووفقًا للجدول الزمني المعلن بخصوص الحوار المهيكل وتوقيتاته وجلساته، أعلنت البعثة الأممية أن يونيو القادم هو نهاية الجلسات، ليتم بعد ذلك إعلان مخرجات هذه الشهور من الجلسات والنقاش والمحاور، دون ذكر أي دور لمجلسي النواب والدولة.

‏وخلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن، حملت المبعوثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه، مسؤولية التعثر في بعض خطوات خارطة الطريق لمجلسي النواب والدولة، مهددة بتشكيل نهج آخر للدفع نحو إنجاز الخارطة الأممية، بما معناه تجاوز المجلسين والبحث عن بديل “يشرعن” مخرجات الحوار والقوانين الانتخابية ويكون سهل المراس والتعامل والتعاون.

‏والملاحظ مؤخرًا، دون الخوض في تفاصيل أكثر، هو صدام تحركات البعثة الأممية مع أغلب المؤسسات الليبية، سواء مجلسي النواب والدولة أو المجلس الرئاسي أو الحكومتين أو الأحزاب، أو حتى الشارع الليبي الذي خرجت منه مظاهرات أمام مقر البعثة الأممية تطالبها بالرحيل من ليبيا لفشلها في تنفيذ حلول حقيقية للأزمة الليبية.

طاولة مصغرة.. قفزة للأمام

‏وفي محاولة للخروج من تحكم مجلسي النواب والدولة ونقل ملف الحل إلى الفاعلين الحقيقيين على الأرض في ليبيا، شكلت البعثة الأممية جهة جديدة تحت مسمى “الطاولة المصغرة”، والمعروفة حاليًا بلجنة 4+4، وتضم 4 أعضاء يمثلون حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، و4 أعضاء يمثلون القيادة العامة برئاسة المشير خليفة حفتر.

‏وبحسب الهدف المعلن من هذه الطاولة، فإنها ستكون بمثابة لجنة لمناقشة الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق الأممية، والتي تشمل إنجاز ملف القوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة حالة الانسداد السياسي الراهنة.

‏لكن هذه الخطوة الأممية لاقت ردود فعل غاضبة ورافضة من عدة مؤسسات وأحزاب ونشطاء ومنظمات مجتمع مدني، معتبرين الخطوة تكريسًا لتقاسم السلطة بين عائلتي “الدبيبة وحفتر”، وليست خطوة لحل الأزمة الليبية برمتها، مطالبين البعثة بالعدول عن هذه الخطوة وعدم تجاوز المؤسسات التشريعية، خاصة مجلسي النواب والدولة.

‏المجلس الأعلى للدولة (جهة استشارية) هو المؤسسة الرسمية الوحيدة التي رفضت فكرة “الطاولة المصغرة” أو حصر الحل الليبي في “الدبيبة وحفتر”، محذرًا من حالة العوار القانوني التي ستصيب مخرجات هذه الطاولة، كونها لم تُشكل من قبل المجلسين، وأن عضوي مجلس الدولة المتواجدين في هذه الطاولة لا يمثلان إلا أنفسهما، وسط حالة صمت مجلس النواب بالتأييد أو الرفض للطاولة.

اجتماع ومخرجات وترقب

‏وبرغم حالة الرفض والهجوم المحلي ضد فكرة “طاولة الدبيبة وحفتر”، إلا أن البعثة الأممية قفزت بقوة إلى الأمام وعقدت أول اجتماع رسمي لكامل أعضاء الطاولة، والذي عُقد في العاصمة الإيطالية روما بحضور المبعوثة الأممية، ما يؤكد سعي البعثة لترسيخ استراتيجية “الأمر الواقع وفرض الحلول” في ليبيا كبديل عن التعطيل والمماطلة.

‏وأعلنت البعثة الأممية مخرجات الاجتماع الرسمي الأول للطاولة المصغرة، وأهم ما فيه:
‏• ضرورة إنهاء حالة الانسداد السياسي التي حالت دون تقدم المسار الانتخابي
‏• الاتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ولمعالجة الخلاف القائم بشأن رئيس مجلس المفوضية، أوصى الاجتماع بأن يقوم النائب العام بترشيح أحد رجال القضاء المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والحياد، على أن يتم تعيينه وفق القواعد السارية.
‏• مناقشة القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي، ومواصلة المشاورات للتوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتطبيق.

‏لكن بيان البعثة الأممية الخاص بمخرجات أول اجتماع أكد في نهايته أن المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، أعلنت خلال إحاطتها لمجلس الأمن في فبراير الماضي عن مقاربة من خطوتين لتجاوز عجز مجلسي النواب والدولة عن التوصل إلى اتفاق بشأن استكمال مجلس المفوضية الوطنية للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية، وأن الاجتماع المصغر هو الخطوة الأولى في هذه المقاربة، ما يعني أنه بديل للمجلسين ولا قيمة لرأي هذين المجلسين في المخرجات ولا القوانين الانتخابية.

‏وهذه المخرجات المبدئية تحمل بعض الدلالات، أهمها:
‏• المخرجات إيجابية بالنظر لما تم مناقشته، ولو تم التنفيذ ربما تدفع نحو تصحيح مسار عمليات التفاوض الجارية في المشهد الليبي.
‏• اعتماد أعضاء مفوضية الانتخابات طبقًا لتوافق مجلسي النواب والدولة يُعد مغازلة من أعضاء الطاولة المصغرة للمجلسين لكسب موقفهما وتأييد مخرجات اجتماع الطاولة.
‏‏• إشراك القضاء في مراحل العملية الانتخابية نقلة جيدة ومهمة لو طُبقت بشكلها الصحيح، لكن الأزمة هنا أن المؤسسة القضائية نفسها أصبحت منقسمة بين شرق وغرب، ويحتاج الأمر إلى توحيد هذه السلطة قبل إشرافها على أية انتخابات.
‏• حالة الصمت التي لازمت مجلسي النواب والدولة حول مخرجات الطاولة المصغرة تُفسَّر على أمرين: إما تجاوزًا ورفضًا لأي تحركات أو مخرجات لهذه الطاولة المرفوضة رسميًا من مجلس الدولة، أو أن المجلسين تفاجآ بهذه المخرجات وسينتظران مزيدًا منها للحكم على فكرة “الطاولة المصغرة”.

‏وعليه، فإن كثرة التحركات والمبادرات والمقترحات في ليبيا، وبعضها يناقض بعضه أو يصطدم به، ليست هي التي ستفك حالة الجمود السياسي وتنهي الأزمة، فالأهم هو تنفيذ هذه المخرجات والمضي قدمًا في خطوات حقيقية نحو عملية انتخابية جديدة، وإلا ستظل مبادرات ومخرجات بالعشرات والنتيجة صفر.

‏أما الطاولة المصغرة، فلا يزال من المبكر الحكم عليها وعلى مدى جديتها وقدرتها على إحداث نقلة وتغيير وتحريك للراكد في أزمة ليبيا المعقدة، لكن العيب الذي سيظل ملازمًا لها أنها اختصرت المشكل الليبي في حكومة الدبيبة وقوات حفتر، ما يعني تجاوز كل المؤسسات والأحزاب والمقترحات المحلية، لتضع أداة الحل في يد حفتر والدبيبة، والتي ستكون حلولُهما بالتأكيد تخدم مصالحهما ومشروعاتهما الشخصية بل والمناطقية.

ولو حدث هذا، ستتحول الطاولة المصغرة إلى “حل مبتور” يرسخ سياسة الترضية وفرض الأمر الواقع، لتخرج ليبيا من حكم عائلة القذافي لتجد نفسها تحت حكم عائلتي “حفتر والدبيبة”، وهو ما لا يليق بدولة قامت بثورة ضد الحكم الشمولي.

__________

المصدر: مركز الدراسات العربية الأوراسية

استثمارات أميركا في نفط ليبيا… تقارب أم تبعية؟

أسامة علي

بعد سنوات من البقاء على هامش الأزمة الليبية، تبدو واشنطن اليوم أكثر حضوراً في تفاصيلها، في تحول لافت أعاد طرح التساؤلات حول طبيعة الدور الأميركي في بلد ما يزال منقسماً سياسياً ومؤسساتياً.

فمنذ أن تولى مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، ملف ليبيا منتصف العام الماضي، أعادت الإدارة الأميركية صياغة نمط انخراطها وفق مقاربة تقوم على التدرج في بناء النفوذ عبر الاقتصاد، مع تركيز خاص على قطاع النفط باعتباره المدخل الأكثر تأثيراً في المشهد الليبي.

وقد تجلى ذلك عبر فتح قنوات اتصال مباشرة بين مراكز القوة الفعلية على الأرض، وتحديداً حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة المشير خليفة حفتر في بنغازي.

المسار الاقتصادي: الأسرع تأثيراً

على الرغم من أن المقاربة الأميركية تحركت على مسارات متعددة (سياسية، وعسكرية، واقتصادية)، بدا المسار الاقتصادي -ولا سيما النفطي- الأكثرَ وضوحاً والأسرع تأثيراً.

فمنذ زيارة بولس الأولى إلى ليبيا في يوليو/ تموز من العام الماضي، أشرف على توقيع مذكرة تعاون بقيمة 235 مليون دولار بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة “هيل إنترناشيونال”، ركزت على تحديث البنية التحتية النفطية وتعزيز كفاءة الإشراف الهندسي على المشاريع القائمة.

وفي الزيارة الثانية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، رافق بولس وفد من مديري شركات نفطية أميركية كبرى، من بينها “إكسون موبيل” و”شيفرون” و”هاليبرتون”؛ حيث وقعت هذه الشركات اتفاقات ومذكرات تفاهم شملت مجالات الاستكشاف والإنتاج وتطوير الحقول، إضافة إلى إجراء دراسات أولية حول إمكانات النفط والغاز غير التقليدي في بعض المناطق.

ويرى مراقبون أن هذه الاتفاقات تأتي ضمن رؤية أميركية تعتبر أن إعادة تشغيل الحقول المتوقفة أو رفع كفاءة الحقول المتراجعة في الإنتاج، تمثل المدخل الأسرع لتعزيز الاستقرار المالي في ليبيا، في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي شبه الكامل على العائدات النفطية.

وتقدر بعض التقارير أن الاستثمارات الأميركية في الحقول القائمة من المتوقع أن ترفع الإنتاج من متوسط يراوح بين 1.3 و1.4 مليون برميل يومياً إلى ما يقارب مليوني برميل يومياً، في حال استقرت الظروف التشغيلية والتمويلية.

من اللقاءات السرية إلى الاتفاق التنموي الموحد

لكن المخرجات الأكثر دلالة للمقاربة الأميركية ظهرت في رعاية بولس سلسلة من اللقاءات المباشرة بين ممثلين عن طرابلس وبنغازي عُقدت في روما في سبتمبر/ أيلول الماضي، ثم في باريس في يناير/ كانون الثاني الماضي، قبل أن تتبلور في اجتماع تونس خلال الأسبوع الأول من إبريل/ نيسان المنصرم، والذي أعقبه إعلان “الاتفاق التنموي الموحد” في 10 إبريل.

وعلى الرغم من الطابع المؤسسي المعلن لهذا الاتفاق عبر مصرف ليبيا المركزي، عكست طبيعته التقنية والمالية بوضوح أن المدخل الاقتصادي بات يشكل الإطار الناظم للتقارب بين الطرفين، بشكل يفوق أي مسار سياسي تقليدي.

ويعكس هذا التدرج في الانخراط الأميركي اتجاهاً واضحاً نحو إعادة تشكيل موقع واشنطن داخل المشهد الليبي، لكنه في الوقت نفسه فتح نقاشاً حول جدوى هذا النهج في ما يخص الجانب الليبي.

فبينما تقوم المقاربة الأميركية على فرضية أن الاستقرار يمكن بناؤه عبر توحيد الأدوات المالية وفتح المجال أمام الاستثمارات، تشير المعطيات على الأرض إلى أن الاقتصاد ما يزال رهينة الانقسام السياسي، مع استمرار تحفظات أطراف محلية على هذا التقارب الذي يتم تحت المظلة الأميركية، مما يجعل أي مكاسب اقتصادية عرضة للاهتزاز في حال تعثر التفاهمات بين سلطتي طرابلس وبنغازي.

ليبيا في معادلة الطاقة الدولية

يعتبر مراقبون أن عودة الاهتمام الأميركي المباشر بقطاع الطاقة الليبي -بعد سنوات من التراجع النسبي- مؤشر إيجابي على التعافي الليبي، وإمكانية أن تخلق هذه المقاربة أفقاً للحل، بينما يرى الأكاديمي وأستاذ الاقتصاد الدولي، أحمد نصيب، أن الانخراط الأميركي الحالي يرتبط بالتحولات الكبرى التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية؛ بدءاً من تداعيات الحرب في أوكرانيا وصولاً إلى أزمة الخليج الحالية.

وأشار نصيب إلى أن الملف الليبي بات جزءاً من هذه التحولات، حيث يسعى بولس إلى نقل ليبيا تدريجياً “من ملف إقليمي هامشي إلى عنصر مرن داخل معادلة الطاقة الدولية”.

ويلفت نصيب، في حديثه لـ “العربي الجديد”، إلى أن بولس انطلق منذ البداية خارج المسارات السياسية التقليدية التي أثبتت محدوديتها، مركّزاً على مقاربة تنطلق من البنية الاقتصادية، وتحديداً “ملف النفط باعتباره الأداة الأكثر قابلية للتأثير السريع؛ لذا اتجه منذ البداية إلى فتح قنوات مباشرة مع مراكز القوة الفعلية في طرابلس وبنغازي”.

وفي هذا السياق، يرى نصيب أن بولس تحرك نحو تحقيق نتائج فعلية داخل قطاع الطاقة عبر الدخول المباشر إلى دورة الإنتاج الليبي، بتدرج بدأ بعقود تحديث البنية التحتية، ثم انتقل إلى اتفاقات الاستكشاف والإنتاج والنفط غير التقليدي، في خطوة أراد من خلالها “ألا ينتظر توافق الأطراف، بل رسم خطوط التوافق داخل الإطار الاقتصادي ووضع الجميع أمامها”.

الإنتاج السريع والبدائل الجيوسياسية

كما يشير نصيب إلى أن حراك بولس يتأثر بتطورات سوق الطاقة العالمية، موضحاً أن المحادثات الأميركية الأخيرة المرتبطة بحقول “الواحة” جاءت بالتزامن مع تصاعد أزمة الخليج، مما يعكس توجهاً أميركياً نحو “الإنتاج السريع” بدلاً من المشاريع طويلة الأمد.

كما أن الحرب في أوكرانيا دفعت إلى إعادة لفت الأنظار إلى ليبيا بوصفها أحد البدائل العملية لتزويد أوروبا بالطاقة لتقليص الاعتماد على الإمدادات الروسية. وفي قراءة أوسع، يرى نصيب أن المستجدات الدولية، ومنها انسحاب الإمارات من منظمة “أوبك”، قد تدفع واشنطن نحو “إعادة تشكيل تحالفات الطاقة التقليدية” عبر بناء كتلة طاقة جديدة تضم دولاً منتجة، بينها ليبيا، بهدف تقليص نفوذ التحالفات القديمة.

وعن الجانب الليبي، يصف نصيب تجاوب سلطتي طرابلس وبنغازي بأنه “براغماتي أكثر منه استراتيجياً”؛ حيث ينظر الطرفان إلى الانفتاح على واشنطن بوصقه فرصة لتعزيز مواردهما المالية عبر التوسع في توقيع العقود من خلال شركات مرتبطة بهما، كما في حالة شركة “أركنو” المثيرة للجدل.

ويحذر نصيب من أن هذا المسار يخلق “معادلة مزدوجة”؛ فمن جهة هناك مكاسب متمثلة في زيادة الاستثمارات، ومن جهة أخرى، يتزايد ارتباط الاقتصاد الليبي بترتيبات خارجية لا تملك الدولة السيطرة الكاملة عليها، كونها مرتبطة بشخصيات محددة داخل طرفي الصراع، مما يجعل الاستقرار “رهين تفاهمات سياسية هشّة”.

ويخلص نصيب إلى أن دخول الشركات الأميركية يسهم في تحسين الأداء وتقليص الهدر، لكنه يوسع مساحة التداخل بين الاقتصاد والسياسة، حيث قد تتحول العقود النفطية إلى جزء من توازنات النفوذ، محذراً من أن أي اضطراب سياسي سينعكس فوراً على الإنتاج.

__________________

كيف تُستعاد وحدة القضاء في ليبيا؟ قراءة في المسار الممكن

مجدي الشبعاني

قد يُفهم من هذا الطرح – للوهلة الأولى – أنه محاولة للالتفاف على حجية الأحكام القضائية، أو تقليل من آثارها، وهو فهم لا يستقيم مع طبيعة المعالجة التي تتناولها هذه المقالة.

فالأصل الذي لا خلاف عليه أن الأحكام القضائية، ولا سيما الدستورية منها، تتمتع بحجية ملزمة للكافة، ولا يجوز تعطيلها أو إنكار آثارها، باعتبارها عنوانًا للحقيقة القانونية في النظام القضائي.

غير أن الإشكال الذي تطرحه هذه المقالة لا يتعلق بمشروعية الحكم أو وجوب احترامه، وإنما بكيفية إدارة آثاره حين تمتد إلى بنية مؤسسات الدولة، وهو مجال يختلف—من حيث طبيعته—عن التنفيذ التقليدي للأحكام في غيره من فروع القانون.

فالقضاء الدستوري لا يقف أثره عند حدود خصومة معينة، بل يمتد إلى النظام القانوني بأكمله، وهو ما يقتضي مقاربة مؤسسية دقيقة توازن بين حجية الحكم، واستمرارية المرفق العام، ووحدة المؤسسات.

ومن ثم، فإن ما يُطرح هنا لا يمثل خروجًا عن مقتضيات الشرعية، بل سعيًا للالتزام بها على نحو يمنع أن تتحول آثار الأحكام إلى سبب في إحداث فراغ مؤسسي أو انقسام داخل السلطة القضائية ذاتها.

كما أن هذا الطرح ينطلق من خصوصية قواعد القانون الدستوري، التي تختلف في طبيعتها وآثارها عن غيرها من فروع القانون، بما يستوجب فهمًا تخصصيًا لطبيعة هذه الأحكام وكيفية إنفاذها، دون أن يعني ذلك التقليل من شأن أي تخصص قانوني أو معرفي آخر، وإنما هو اختلاف في طبيعة القواعد محل التطبيق.

انطلاقًا من ذلك، لم يعد النقاش حول أزمة القضاء في ليبيا بحاجة إلى مزيد من توصيف أسبابها أو تحليل تجلياتها، بقدر ما أصبح يتطلب الانتقال إلى سؤال أكثر إلحاحًا: ما هو المسار الإجرائي الممكن لإعادة توحيد السلطة القضائية دون خلق أزمات موازية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تجاوز الطرح النظري، والانتقال إلى بناء تصور عملي يستند إلى القواعد القانونية القائمة، ويهدف إلى استعادة الحد الأدنى من التماسك المؤسسي، تمهيدًا لإعادة البناء الكامل.

غير أن أي مسار من هذا القبيل لا يمكن أن يقوم على مجرد التقدير أو الحلول الظرفية، بل يجب أن يستند إلى الإطار التشريعي المنظم للسلطة القضائية، والمتمثل في القانون رقم (6) لسنة 2006 بشأن نظام القضاء، الذي قرر فلسفة واضحة قوامها استقلال القضاء في إدارة شؤونه، وإسناد هذا الاختصاص إلى المجلس الأعلى للقضاء.

يقوم نظام القضاء الليبي على قاعدة جوهرية مفادها أن تنظيم شؤون السلطة القضائية، بما في ذلك تعديل القوانين المنظمة لها، لا يتم ابتداءً من السلطة التشريعية بمعزل عن القضاء، بل من داخل المؤسسة القضائية ذاتها، عبر المجلس الأعلى للقضاء، بوصفه الجهة المختصة بإدارة شؤون القضاء وضبط مساره الوظيفي وإعداد مشروعات القوانين المتعلقة به وإحالتها إلى السلطة التشريعية لإصدارها.

وهذا الترتيب لا يمثل مجرد تنظيم إجرائي، بل يعكس تطبيقًا دقيقًا لمبدأ الفصل بين السلطات، حيث يحتفظ القضاء بحق المبادرة في تنظيم ذاته، بينما يقتصر دور السلطة التشريعية، في هذا النطاق، على الإقرار والإصدار وفق ما يقتضيه المسار الدستوري والتشريعي. ومن ثم، فإن أي تدخل في تنظيم القضاء خارج هذا الإطار يُعد تجاوزًا لفلسفة الاختصاص، ويفقد الإجراءات الناتجة عنه أساسها المؤسسي السليم.

في ضوء ذلك، فإن نقطة الانطلاق القانونية لأي معالجة تكمن في إعادة تفعيل دور المجلس الأعلى للقضاء، لا تجاوزه ولا استبداله. غير أن حالة الانقسام الحالية تطرح إشكالية عملية تتعلق بآلية انعقاد المجلس ذاته، وهو ما يستدعي البحث عن مدخل إجرائي يسمح باستعادة الحد الأدنى من شرعيته ووظيفته.

وهنا يبرز دور النائب العام، لا بوصفه سلطة بديلة عن رئاسة المجلس، بل باعتباره نائبًا لرئيس المجلس الأعلى للقضاء وموقعًا مؤسسيًا غير محل نزاع جوهري، يمكن البناء عليه للدعوة إلى اجتماع يهدف إلى إعادة تشغيل المؤسسة في حدود القانون، خاصة في حالة تعذر انعقاد المجلس بسبب الجدل القائم حول الرئاسة أو بعض عضوياته.

ولا يمكن معالجة حالة الفراغ أو الجدل داخل السلطة القضائية دون الاستناد إلى مبدأ منضبط ومحايد، وهنا يبرز مبدأ الأقدمية. فالأقدمية في النظام القضائي الليبي ليست مجرد فكرة تنظيمية أو حل إداري ظرفي، بل قاعدة مستخلصة من بنية قانون نظام القضاء ذاته، الذي يقوم على التدرج الوظيفي، والترقيات، وتولي الوظائف العليا من داخل هذا التدرج.

وقد استقر العمل القضائي على اعتماد الأقدمية في تشكيل الهيئات القضائية، وترتيب الجلسات والمداولة، وتوزيع الاختصاصات، وتولي الوظائف القيادية. وفي هذا السياق، يشير المستشار بالمحكمة العليا د. المبروك الفاخري إلى أن الأقدمية تمثل نظامًا متكاملًا يحكم العمل القضائي، ويجمع بين الخبرة والكفاءة، ويعد ضمانة من ضمانات استقلال القضاء ومنع التدخل الخارجي.

وبذلك، فإن اعتماد الأقدمية في هذه المرحلة لا يُعد مجرد خيار إداري، بل أقرب الحلول اتساقًا مع بنية قانون نظام القضاء، والأقل عرضة للطعن من حيث المشروعية، لأنه يستند إلى معيار موضوعي سابق على النزاع، لا إلى إرادة سياسية أو اصطفاف مؤسسي لاحق عليه.

ومن الناحية العملية، يمكن تفعيل مبدأ الأقدمية من خلال مسار واضح يبدأ بحصر المواقع القضائية محل النزاع أو الشغور، ثم الرجوع إلى السجلات الرسمية المعتمدة داخل الجهات القضائية المختصة لتحديد الأقدم، سواء داخل المحاكم أو النيابات أو الهيئات القضائية ذات الصلة، على أن يتم توثيق ذلك بمحاضر رسمية صادرة عن الجمعيات العمومية أو الجهات الإدارية القضائية المختصة، بما يمنع أي تأويل فردي أو قرار منفرد.

وفي ظل تعذر الحسم في بعض المواقع القيادية محل الجدل، لا يكون الحل في تجاهل الإشكال، ولا في فرض تعيينات جديدة، بل في اللجوء إلى هذه الآلية المحايدة القادرة على تقليص النزاع. فيُسند الاختصاص مؤقتًا إلى الأقدم في المواقع محل الخلاف، وتُملأ الفراغات وفق التدرج القضائي، ويُعاد تشكيل المجلس الأعلى للقضاء بصورة مؤقتة هدفها إدارة المرحلة لا تثبيت وضع دائم.

وقبل الحديث عن إصلاح شامل، يجب أولًا استعادة الحد الأدنى من وظائف المجلس الأعلى للقضاء، وعلى رأسها إدارة شؤون القضاة، وضبط التشكيلات القضائية، وتوحيد القرار الإداري داخل السلطة القضائية. فالمؤسسة لا تُصلح وهي متوقفة، بل تُصلح وهي تعمل، واستعادة الوظيفة تمثل المدخل الطبيعي لاستعادة الشكل لاحقًا.

ويبقى التحدي الأهم هو التعامل مع آثار الأحكام القضائية، خاصة الدستورية، بما يحقق التوازن بين حجية الأحكام باعتبارها ملزمة، واستمرارية المرفق القضائي باعتبارها ضرورة عملية. ومن ثم، فإن المعالجة لا تكون بتعطيل الأحكام، ولا بتطبيقها بصورة تؤدي إلى تعميق الانقسام، بل بترتيب آثارها في إطار مؤسسي تدريجي يضمن الاستقرار دون المساس بالشرعية.

وفي هذا الإطار، لا تُطرح المبادرة العلمية التي أطلقتها مدرسة العلوم القانونية كبديل عن المؤسسات، بل كخطة عمل مساعدة تستند إلى القواعد التي قررها القانون ذاته. فهي تقوم على تحديد نقطة انطلاق قانونية واضحة، وتفعيل مبدأ الأقدمية كآلية مؤقتة، وإعادة تشغيل المجلس الأعلى للقضاء، ثم الانتقال إلى إعداد مشروع قانون موحد.

وهذه المبادرة تمثل جسرًا بين الواقع القائم والوضع المنشود، لأنها لا تنطلق من منطق فرض حل خارجي على القضاء، بل من محاولة إعادة تفعيل أدوات القضاء نفسه، بما يحفظ وحدة المرجعية القضائية ويمنع تحول الخلاف إلى انقسام دائم.

بعد استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، يمكن الانتقال إلى المرحلة التالية، وهي إعداد مشروع قانون موحد لنظام القضاء، يعالج الثغرات التي كشفتها الأزمة، ويعيد ضبط العلاقة بين مكونات السلطة القضائية، ويعزز استقلال المحكمة العليا والنيابة العامة وسائر الهيئات القضائية.

وهنا يعود المجلس الأعلى للقضاء للقيام بدوره الأصيل في إعداد هذا المشروع وإحالته للسلطة التشريعية لإصداره، في إطار يحفظ مبدأ الفصل بين السلطات، ويمنع تكرار التدخلات التي أنتجت الأزمة من الأساس.

إن استعادة وحدة القضاء في ليبيا لا تحتاج إلى حلول استثنائية بقدر ما تتطلب العودة إلى القواعد التي وضعها قانون نظام القضاء، وتفعيلها في مواجهة الأزمة. فالمشكلة لم تكن في غياب النص، بل في تجاوزه؛ والحل، بطبيعته، يبدأ من إعادة الاعتبار لهذا النص.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: ما هو الحل المثالي؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل نلتزم بالقانون كما هو… أم نستمر في تجاوزه ثم نبحث عن مخرج؟

***

د. مجدي الشبعاني ـ أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا

_________________




سلام ليبيا الزائف (2)

جليل حرشاوي و فريدريك ويهري

صفقات انتهت إلى الفشل

تعاني سياسة إدارة ترامب تجاه ليبيا من تناقضات واضحة. فإصرارها على التوفيق بين العائلتين الحاكمتين كشرط مسبق لأي هيكل حكم موحد يوحي بأن عشيرتي الدبيبة وحفتر يُتوقع أن تبقيا في السلطة في المستقبل المنظور.

لكن بولس أوضح في تصريحاته أمام الأمم المتحدة في 18 فبراير أن هدف واشنطن هو “تهيئة الظروف لحكومة منتخبة ديمقراطيًا تكون قادرة على قيادة ليبيا”، وهو هدف يتطلب تنحي بعض القادة الحاليين على الأقل.

وقد ظهر تركيز واشنطن على صفقات النخب واستخدام الاقتصاد كأداة سياسية منذ الصيف الماضي، حين زار بولس كلًا من طرابلس وبنغازي. وقدمت له العائلة الحاكمة في كل مدينة وعودًا بفرص تجارية ضخمة، تشمل عقودًا بعشرات مليارات الدولارات لشركات أمريكية. وفي سبتمبر 2025 ويناير 2026، عقد بولس اجتماعات إضافية مع قادة ليبيين في روما وباريس.

ولم يتوسط بولس بين قوى سياسية واسعة التمثيل، بل بين ممثلين عن العائلتين: إبراهيم الدبيبة، ابن شقيق رئيس الوزراء النافذ، وصدام حفتر، أحد أبناء المشير ووريثه المفترض.

ورُوّج لهذا الإطار بوصفه مبادرة سلام مميزة لإدارة ترامب، لكنه في الواقع لم يكن سوى نسخة مكررة من الترتيب المدعوم من بايدن والوساطة الإماراتية عام 2022.

وتقول إدارة ترامب إن دبلوماسيتها ستساعد الشركات الأمريكية على الفوز بفرص تجارية، لكنها تتجاهل الهشاشة الكامنة في بلد ترتبط فيه السلطة السياسية بعدد محدود من الزعماء النافذين.

صحيح أن شركات النفط الأمريكية الكبرى توسع عملياتها في ليبيا. فبعد سنوات من الغياب، تستعد إكسون موبيل لمسح أربعة مربعات بحرية. وفازت شيفرون بامتياز بري في حوض سرت ووقعت اتفاقًا منفصلًا للمسح البحري.

كما جددت كونوكو فيليبس ووسعت ترخيصها القائم في حقل الواحة حتى عام 2050، وتزيد شركة إس إل بي (شلومبرجير سابقًا) من دورها في خدمات الآبار. لكن هذه الشركات، بعد التزامها بالاستثمار، لن تجد إطارًا مؤسسيًا تعتمد عليه عندما يثبت عدم موثوقية المسؤولين الذين رحبوا بها.

ويمتد الخلل في مقاربة البيت الأبيض أيضًا إلى تعامله مع المؤسسة العسكرية الليبية المنقسمة. فقد عملت واشنطن بجد لإقناع قادة عسكريين من شرق ليبيا وغربها بالمشاركة معًا في مناورات “فلينتلوك 26” العسكرية في أبريل. لكن ضمان هذه المشاركة المشتركة جاء بثمن.

فلسنوات، امتنعت واشنطن عن ممارسة ضغط جاد على أي من الطرفين خشية انسحاب أحدهما من المناورات، فلم توجه انتقادات علنية للممارسات الفاسدة، ولم تفرض عقوبات على شخصيات من المستوى المتوسط.

وربما كان هذا الثمن مقبولًا لو أسفرت المناورات عن توحيد عسكري حقيقي، لكن لا توجد حتى الآن أي عملية جدية لدمج القوات الليبية المتنافسة.

العودة إلى المستقبل

إن تحقيق الأهداف التجارية لإدارة ترامب في ليبيا يتطلب مستوى من الاستقرار المؤسسي لا يمكن لسياسة الصفقات الشخصية توفيره. ولذلك تحتاج واشنطن إلى توسيع نطاق انخراطها مع ليبيا ومع الدول الأجنبية المؤثرة فيها، وعلى رأسها تركيا.

وينبغي للولايات المتحدة أن تعطي الأولوية لقدرة ليبيا المالية على الاستمرار، عبر المساعدة في إعادة بناء استقلال ركيزتيها الاقتصاديتين الأساسيتين: المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.

كما يجب أن تدعم المساءلة والشفافية من خلال تدقيقات مستقلة وعلنية، وآليات رقابة خارجية على الإيرادات، وأن تعارض التدخلات السياسية التي أنتجت أزمة المؤسسة الوطنية للنفط عام 2022 وأزمة المصرف المركزي عام 2024.

وأي جهد أمريكي ذي معنى لتحقيق الاستقرار في ليبيا سيتطلب تنسيقًا شاملًا مع تركيا، وعندما يتعذر التوفيق بين المواقف، استعدادًا لممارسة الضغط على أنقرة.

ويجب على واشنطن أن تتجاوز الاكتفاء بطلب موافقات تركية متقطعة، وأن تلتزم بانخراط تفصيلي ومستدام يستخدم التنسيق الدبلوماسي والضغط الحازم لكبح النشاط الأحادي لأنقرة.

وعلى نطاق أوسع، يجب على الولايات المتحدة أيضًا دعم ضرورة إجراء انتخابات وطنية تُنتج سلطة تنفيذية موحدة.

وهنا توجد منصة جاهزة يمكن دعمها: خريطة الطريق الجديدة للأمم المتحدة بشأن ليبيا، التي تدعو إلى مشاورات واسعة مع الليبيين لمعالجة المظالم الاقتصادية والسياسية، وتوحيد الإدارات الموازية في البلاد، والأهم إجراء الانتخابات.

كما تسعى الخطة الأممية إلى إشراك المجالس البلدية ومنظمات المجتمع المدني المحلية والأحزاب السياسية في المؤسسات التكنوقراطية للدولة، وهو نهج يستحق دعمًا أكبر من الولايات المتحدة.

ولم يساعد في هذا السياق قيام ترامب بتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي كانت تدعم سابقًا المؤسسات المحلية والوطنية في ليبيا.

لكن إذا أرادت واشنطن حقًا فتح ليبيا أمام أعمال أمريكية مستقرة، فعليها أن تدرك أن ظروف الاستثمار طويل الأمد لن تكون مواتية ما دام المسؤولون الأمريكيون يركزون فقط على مجاملة طموحات المتنافسين المتصارعين على السلطة في البلاد.

***

جليل حرشاوي ـ متخصص في الشأن الليبي لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة.
فريدريك ويهري ـ زميل أول في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

____________________

لا حلول سياسية مع المستبد

عبدالله الكبير 

انطلقت أعمال لجنة 4+4 في روما بإشراف المبعوثة الأممية حنه تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري، وخلال اللقاء الأول الإربعاء الماضي تم حسم الملف الأول تقريبا، باختيار أعضاء مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، على أن يتولى النائب العام تسمية رئيس المفوضية، الذي سيكون في الغالب مستشار في القضاء.

هذه السرعة تبعث على التفاؤل في إمكانية توافق اللجنة على القاعدة القانونية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مع التحفظ على سلامة هذا التوجه من البعثة الأممية من الجانب الدستوري القانوني، لأن ملف المناصب السيادية و قوانين الانتخابات من المهام التشريعية الأصيلة لمجلس النواب بالتوافق مع المجلس الأعلى للدولة. 

حجة البعثة وتؤيدها بعض الدول الكبرى في مجلس الأمن، هو الفشل المستمر للمجلسين في معالجة هذين الملفين وغيرهما من الملفات، رغم المهلة الطويلة الممنوحة لهما، ولم يكن بمقدور البعثة ممارسة أي ضغط على المجلسين، لأن وضعها كنقطة توازن بين كل الأطراف الإقليمية والدولية التي تساندهما، سيضعها في قفص الاتهام، إذا تدخلت أكثر مما ينبغي في تقريب وجهات النظر بينهما.

المحافظة على سلامة التطبيق لمواد القانون كما وردت في الإعلان الدستوري والاتفاقيات السياسية، تستلزم النظر في سلامة تكليف النائب العام في اختيار رئيس منصب سيادي، لأن منصب النائب العام نفسه من المناصب السيادية، وتم اعتماد شاغله حاليا من مجلس النواب بالتوافق مع مجلس الدولة، ومع تفهم حالة الانسداد السياسي التي دفعت البعثة الأممية إلى اللجوء إلى اللجنة المصغرة 4+4، فإن استمرار التشاور مع المجلسين أمر تفرضه الضرورة القانونية، قبل اعتماد الأسماء التي تم التوافق عليها اليوم وكذلك الاسم الذي سيطرحه النائب العام.

حسم ملف مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات لن يكون عقبة أساسية في طريق حل الأزمة وصولا إلى الانتخابات، إذ تبقى المعضلة الأساسية هي قوانين انتخابات رئاسة الدولة.

يتمحور الخلاف حول السماح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشح أم لا، فطوال الجولات الماضية بين مجلسي النواب والدولة، كان مجلس النواب يصر على عدم إقصاء أحد من الترشح، لأجل فسح المجال لحفتر لكي يترشح،  بينما يرفض مجلس الدولة ترشح العسكريين إلا بعد استقالتهم من العمل العسكري، ويشترط أن يتخلى مزدوج الجنسية عن جنسيته الأخرى بشكل واضح لا لبس فيه، إذا أراد الترشح لمنصب الرئاسة.

حاول مجلس النواب التحايل بتخفيف الشرط الصارم إلى تقديم ما يفيد بتقديم طلب التخلي عن الجنسية الأخرى، وهو التفاف واضح على القصد الأصيل من هذا الشرط. منطقيا وعمليا لا يمكن لمن أقسم بالولاء لخدمة دولة أخرى أن يتولى منصب الولاية العظمى، لأن الولاء المزدوج للرئيس سيحول دون ممارسة مهامه كاملة إذا وقعت أزمة أو خلاف بين دولتين يحمل جنسيتهما وأقسم لكلاهما بالولاء وحماية المصالح.

 لا أحد من شخصيات سلطات الأمر الواقع يرغب في الظهور كمعرقل للحلول السياسية الدولية، سواء جاءت عبر بعثة الأمم المتحدة أو عبر دولة مهيمنة وفاعلة مثل أمريكا، لأن هذه العرقلة ستضعه في مرمى العقوبات الدولية، ولكن للعرقلة أشكال وتصورات مختلفة يمكن إعمالها من دون مواجهة مباشرة مع أي مبادرة، يكفي تحريك الأدوات الأخرى أوممارسة ضغوط عبر دولة داعمة لإجهاض أي تسوية سياسية، أو القبول بها وفقا لمبدأ الانحناء للعاصفة ثم العمل على تفريغ التسوية من مضمونها بكل الوسائل المتاحة، وهو ما عمل عليه حفتر بواسطة مجلس النواب مع اتفاق الصخيرات ثم اتفاق تونس جنيف.

لست متشائما، ولكن لن تنجح أي حلول سياسية في وجود حفتر، والنفوذ الذي عمل على بنائه طوال سنوات بدعم دولي وإقليمي، وترسيخه لسلطة قمعية غاشمة في مناطق نفوذه، مستعدة للفتك بأي مظهر أو تحرك تفوح منه رائحة المعارضة أو المنافسة السياسية، لذلك ستكون كل المحاولات عرضة للإجهاض ما لم يكن هناك حراك داخلي قوي يواجه سلطة حفتر وعائلته، رافضا لعودة الاستبداد، صادحا برفض عودة حكم الفرد والعائلة والقبيلة، مصرا على المضي في طريق النضال حتى إجتثات كل دعوى للعودة إلى ما قبل ثورة فبراير

_________________

سلام ليبيا الزائف (1)

جليل حرشاوي و فريدريك ويهري

البلاد المنقسمة تحتاج إلى وحدة سياسية، لا إلى صفقات واشنطن

على مدى عقود، تأرجح الانخراط الأمريكي في ليبيا بين الإهمال ولحظات عابرة من الاهتمام والحزم. لكن حتى الآن، أظهرت إدارة ترامب الثانية درجة مفاجئة من الاهتمام بهذا البلد الغني بالنفط.

ويبدو أنها تريد إنهاء الجمود المستمر منذ فترة طويلة بين الفصيلين الحاكمين في ليبيا: الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة برئاسة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة في الغرب، ومجال نفوذ المشير خليفة حفتر، المتمركز في مدينة بنغازي شرقًا.

وخلال العام الماضي، قاد هذا التوجه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية.

وبعد جولات من الدبلوماسية المكوكية، أعلن بولس اختراقًا ظاهريًا في وقت سابق من هذا الشهر، إذ وافقت الحكومتان المتنافستان على ميزانية موحدة للمرة الأولى منذ سنوات. واحتفى بولس بالاتفاق على وسائل التواصل الاجتماعي، واصفًا إياه بأنه “محطة بارزة للتعاون توفر فوائد عديدة للاقتصاد ولليبيين في جميع المناطق”.

ولا شك أن الاتفاق خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن لا ينبغي لواشنطن أن تتوهم أن ما هو في جوهره صفقة مالية بين سلالتين حاكمتين يمثل تقدمًا كبيرًا نحو التوحيد السياسي.

فالاتفاق المبرم في 11 أبريل لا يعالج الأسباب الأعمق للأزمة الليبية، بل يرفع خطر عودة عدم الاستقرار.

ورغم أن ليبيا لم تشهد أعمالًا قتالية كبرى منذ عام 2020، حين انتهت حرب أهلية استمرت قرابة عامين أشعلها هجوم حفتر على حكومة طرابلس، فإن استمرار نهب موارد الدولة لتحقيق مكاسب شخصية من قبل الفصيلين الحاكمين ترك ليبيا في أزمة مالية عميقة ومن دون سلطة تنفيذية موحدة.

وقد فشلت جهود متعاقبة لمعالجة هذه التحديات. ففي عام 2020، أطلقت الأمم المتحدة مبادرة هدفت إلى توحيد القطاع المصرفي، وضمان مزيد من الشفافية في قطاع النفط، وتشجيع إصلاحات الحكم المحلي.

وكان من المفترض أن تمهد هذه الإجراءات الطريق لحكومة موحدة بمؤسسات سياسية معاد هيكلتها، ثم إجراء انتخابات وطنية خلال عام. لكن الانتخابات لم ترَ النور، جزئيًا بسبب الدعم الفاتر من إدارة بايدن، وتفككت المبادرة الأممية.

وفي عام 2022، توسطت الإمارات العربية المتحدة، بموافقة أمريكية ضمنية، في صفقة جرت خلف الأبواب المغلقة، مكّنت عائلة الدبيبة من تنصيب رئيس موالٍ لحفتر على رأس المؤسسة الوطنية للنفط، وهي المصدر الوحيد لثروة ليبيا.

وبحلول عام 2025، كانت تلك الصيغة قد منعت اندلاع حرب أهلية جديدة، لكنها لم تحقق شيئًا يُذكر غير ذلك. فقد ظلت ليبيا غارقة في أزمة اقتصادية وشلل سياسي.

وكان أحد الأسباب الرئيسية لفشل صفقة 2022 هو طابعها النفعي، أي الاعتقاد الخاطئ بأن الانسداد السياسي في ليبيا يمكن كسره عبر استمالة المصالح التجارية للنخب المتنافسة بدلًا من تلبية احتياجات الشعب الليبي.

لكن هذا المنطق ذاته هو ما يحكم المقاربة الحالية لإدارة ترامب. فبدلًا من السعي إلى اختراق دبلوماسي استعراضي وصفقة اقتصادية مع نخب غير منتخبة، تحتاج واشنطن إلى اتباع مسار أوسع وأكثر شمولًا في ليبيا.

فعليها دعم الجهود الأممية القائمة لتعزيز استقلال المؤسسات المالية والإدارية الليبية، وتهيئة الأرضية لانتخابات وطنية. كما يجب أن تبذل المزيد لكبح الاضطرابات التي تتسبب فيها تركيا، وهي الفاعل الخارجي الأكثر تأثيرًا في البلاد. وعندها فقط ستساعد الولايات المتحدة حقًا في منع ليبيا من الانزلاق إلى مزيد من الفوضى.

الدولة المذهبة

غالبًا ما يُنظر إلى السلام النسبي الذي شهدته ليبيا في السنوات الأخيرة بوصفه علامة على الاستقرار. وهذه رؤية تنطوي على قدر خطير من التراخي. فقد استخدم كل من الدبيبات والحفاترة مكاسبهما المالية لاقتناء أسلحة متطورة وتعزيز تحالفاتهما العسكرية، وهو ما يزيد من خطر المواجهة العنيفة.

وفي حين ازدادت ثروة الفصائل الرئيسية، أدى انقسام البلاد إلى تراجع مستويات المعيشة في أنحاء ليبيا كافة، ولا سيما في المناطق الطرفية. وفي الجنوب النائي، تسبب تركيز الحفاترة على الإيرادات غير المشروعة بدلًا من الاحتياجات المحلية في تأجيج العنف مؤخرًا.

كما أن الانقسامات في بنية الحكم الليبية تجعل البلاد عرضة للتلاعب من قبل أطراف خارجية، وفي مقدمتها تركيا.

وقد هيمنت في الآونة الأخيرة على سياسة أنقرة تجاه ليبيا مساعيها لتثبيت اتفاق بحري أُبرم أصلًا عام 2019، يمنح تركيا نفوذًا إقليميًا غير مسبوق ويربطها بالسواحل الشرقية لليبيا.

وبعد سنوات من التمركز الهادئ في الشمال الغربي، أمضت أنقرة جزءًا كبيرًا من عام 2025 في مغازلة عائلة حفتر في الشرق سعيًا للحصول على تصديق برلماني على الاتفاق البحري، في تحول عن تحالفها التقليدي مع الدبيبات.

وأصبحت تركيا اليوم لاعبًا طموحًا ذا نزعة تعديلية في ليبيا، يناور مع الطرفين ويخلّ بتوازنات القوة الهشّة أصلًا.

وبعد انهيار المبادرة الانتخابية المدعومة من الأمم المتحدة عام 2021، تراجعت إدارة بايدن عن فكرة أن تعزيز الديمقراطية سيحقق الاستقرار في ليبيا، واتجهت بدلًا من ذلك إلى نهج الصفقات المستلهم من الإمارات.

وقد شجع تعيين موالٍ لحفتر على رأس المؤسسة الوطنية للنفط في يوليو 2022 قادة ليبيا على مزيد من التدخل في الاقتصاد. فسارع الطرفان وحلفاؤهما إلى اقتسام عوائد الدولة، والتأثير في المصرف المركزي، وإنفاق الأموال العامة على مشاريع بنية تحتية وفق أهوائهم الخاصة.

وبعض هذه النفقات لبّى احتياجات حقيقية، لكن مبالغ طائلة صُرفت على مشاريع استعراضية كالملاعب والفنادق الفاخرة، صُممت لتوليد عقود للمحاسيب لا لخدمة السكان.

يملك الحفاترة مزايا معينة مقارنة بالدبيبات. فأراضيهم أوسع بكثير، وتشمل أبرز حقول النفط وموانئ التصدير. وهذا الاتساع يدفع حكومات أجنبية، مثل الإمارات، إلى محاولة استمالة حاكم بنغازي من دون ممارسة أي ضغط من أجل الإصلاح.

أما ترتيبات تقاسم السلطة الضبابية التي كان يُفترض أن تستقر بها المؤسسات الليبية، فلم تؤد إلا إلى تسريع تآكلها، كما ظهر جليًا في أزمة المصرف المركزي صيف 2024.

فقد عمد الدبيبات، ردًا على الميل المتزايد للمؤسسة الوطنية للنفط نحو الحفاترة، إلى إقصاء محافظ المصرف المركزي أملًا في تنصيب موالٍ لهم. ورد الحفاترة بفرض حصار نفطي، أغلق معظم صادرات البلاد الاعتيادية لأكثر من ستة أسابيع، وكلف ليبيا قرابة 3 مليارات دولار.

وامتنعت الأسرة الدولية عن إدانة هذا التصرف، ما بعث فعليًا برسالة مفادها أن الحفاترة يستطيعون تكرار هذا النوع من الإكراه مستقبلًا من دون عقاب، مهما كانت كلفته على الليبيين العاديين.

أما المحافظ الذي عُيّن في ختام تلك الأزمة، ناجي عيسى، فيواجه اليوم ضغوطًا سياسية متواصلة من الجانبين لصرف أموال لمشاريع متفاوتة الشرعية.

والنتيجة أن عجز ليبيا السنوي في العملات الصعبة بلغ نحو 9 مليارات دولار العام الماضي، فيما تعرض الدينار لأشد تراجع مستمر له منذ سنوات، ما أدى إلى موجة مؤلمة من ارتفاع الأسعار في مختلف أنحاء البلاد.

كما توجد فجوة بمليارات الدولارات بين قيمة النفط الخام الذي استخرجته المؤسسة الوطنية للنفط عام 2025 والمبلغ الذي أودعته لدى المصرف المركزي. ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى قيام الفصيلين الحاكمين بتحويل الثروة الهيدروكربونية إلى خزائنهما الخاصة بدلًا من الخزانة العامة.

ولم تحقق ترتيبات تقاسم السلطة لعام 2022 أي فائدة ملموسة لليبيين العاديين، كما لم تخدم المصالح الأمريكية أو الغربية الأوسع في البلاد. ومع استمرار ضعف المؤسسات الليبية، بات من الأصعب على الشركات الغربية العمل هناك بسبب ازدياد الغموض وانعدام القدرة على التنبؤ. وتعجز الشركات الأمريكية الكبرى عن العمل بكفاءة في مثل هذه الظروف.

إن أي مكاسب قد تحققها ليبيا نتيجة ارتفاع أسعار النفط الخام المرتبط بحرب إيران، لن تؤدي إلا إلى إخفاء الآليات المختلة المسؤولة عن هذه الأزمات المالية. بل إن زيادة الإيرادات النفطية هذا العام ستشجع الدبيبات و الحفاترة على مزيد من إساءة استغلال النظام القائم.

***

جليل حرشاوي ـ متخصص في الشأن الليبي لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة.
فريدريك ويهري ـ زميل أول في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

يتبع

_____________________

الخيط الذي يربط طيران النفط بمقتل الحداد — وما لم يقله أحد

محمد القرج

في 23 ديسمبر 2025 سقطت طائرة وقُتل فيها رئيس أركان الجيش الليبي. قالوا: عطل فني. لكن أحداً لم يسأل: من الذي وضع الحداد على متن طائرة شركة كانت محل بلاغ رسمي للمدعي العام الليبي؟

القصة تبدأ من مكتب في طرابلس

في 24 أبريل 2024، تولّى الدكتور محمد محمد الدحير رئاسة مجلس إدارة شركة طيران النفط ومديريتها العامة في آنٍ واحد.

أول قراراته: استقدام الكابتن إبراهيم علي بن يوسف من مصلحة الطيران المدني وتعيينه مديراً للعمليات الجوية — رغم مخالفة ذلك للمادة LYCAR.ORO.135 التي تُنظّم اشتراطات الكوادر. وبالتوازي مع هذا التعيين، رفع راتب بن يوسف من 3,200 ديناراً إلى 17,284 ديناراً — زيادة 440% في غضون أشهر.

لماذا؟ لأن بن يوسف ليس مجرد موظف. هو الرجل الذي يملك صلاحية ترتيب الرحلات الجوية المستأجرة وإبرام عقودها.

ثم جاء 8 مايو 2025 .. في هذا اليوم بالذات، جرى في مكتب الدحير حدثان لا يعرفهما أحد:

الأول: محضر “تسوية” مالية مع شركة الليبية السريعة للنقل الجوي — مليون دولار بسعر صرف 7.15 دينار (السعر الموازي) بدلاً من 4.85 (الرسمي) — والدّين الأصلي البالغ 14 مليون دولار لم يُخصم منه شيء.

الثاني: اجتماع رسمي مع وفد شركة هارموني جيتس المالطية لإنشاء شركة طيران مشتركة باسم “أجنحة النفط الليبية”. وفي اليوم التالي الساعة 22:07 مساءً، أرسل بن يوسف من بريده المؤسسي الشخصي إيميلاً داخلياً يُحيل فيه المقترح رسمياً. لا شيء من هذا أُبلغت عنه الجمعية العمومية لطيران النفط.

من هي هارموني جيتس؟ هنا يصبح الأمر أكثر خطورة. هارموني جيتس شركة طيران مالطية. وهذا ما كان موثّقاً عنها قبل جلوسها في مكتب الدحير بأشهر:

— يونيو 2024: طيارها يُضبط إيجابياً للكوكايين والماريجوانا في إسبانيا. — صيف 2024: طائرتها 9H-DFS — نفس الطائرة التي ستقتل الحداد لاحقاً — تُحتجز في مطار ليون الفرنسي خمسة أشهر بتهمة تهريب أسلحة إلى ليبيا.

— أكتوبر 2024: موقع BLACKLIST.AERO المتخصص يُرسل بلاغاً رسمياً موثّقاً ضد هارموني جيتس مباشرةً إلى النائب العام الليبي الصديق الصور في طرابلس.

— ديسمبر 2024: لجنة خبراء مجلس الأمن الدولي تنشر تقريرها الرسمي موثّقةً 47 رحلة مخالِفة لهارموني جيتس إلى ليبيا لنقل مرتزقة أيرلنديين لتدريب قوات في ليبيا .

ثم في مايو 2025: الدحير وبن يوسف يجتمعان مع نفس الشركة ويتفاوضان على شراكة استراتيجية.

عبدالرحمن بن يوسف — الحلقة التي أفسدت الرقابة

لماذا لم تتوقف هذه المفاوضات؟

لأن المنظومة الرقابية نفسها كانت جزءاً من المشكلة.

عبدالرحمن بن يوسف — نائب رئيس مصلحة الطيران المدني، وممثل ليبيا السابق في منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) — وضع ابنه في قسم الترحيل الجوي بطيران النفط، مقابل تمرير تجديد شهادة المشغّل الجوي دون استيفاء الاشتراطات الفنية. الجهة التي من المفترض أن تراقب طيران النفط، كان مسؤولها الأول يستفيد منها.

ثم جاء 23 ديسمبر 2025

طائرة هارموني جيتس — الطائرة 9H-DFS بالذات، التي سبق احتجازها في ليون بتهمة تهريب الأسلحة — أقلعت من أنقرة حاملةً الفريق محمد علي أحمد الحداد، رئيس هيئة الأركان، وأربعة من كبار ضباطه.

بعد 24 دقيقة: عطل كهربائي شامل.

بعد 8 دقائق: سقوط وانفجار.

ثمانية قتلى. لا ناجون.

الصناديق السوداء أُرسلت إلى المملكة المتحدة. لا تقرير نهائي حتى اليوم. والأسئلة التي لم يُجَب عنها:

من رتّب رحلة الحداد على طائرة هارموني جيتس؟

هل كانت ترتيباتها تمر عبر طيران النفط أو عبر الشركة مباشرة؟

وزارة الدفاع مدينة لطيران النفط بأكثر من 218 مليون دينار مقابل خدمات طيران سابقة — أي أن العلاقة الخدمية بين المؤسستين موثّقة ومديدة. وطيران النفط وقتها لا تملك طائرة واحدة قادرة على رحلة دولية كطرابلس-أنقرة — مما يعني أنها تعتمد كلياً على شركات خارجية لمثل هذه الرحلات.

هل كانت هارموني جيتس هي تلك الشركة؟

هذا التحقيق موثّق بالكامل: بإيميلات رسمية من بريد طيران النفط المؤسسي، ومقترح مكتوب من 27 صفحة، وتقرير مجلس الأمن الدولي، وبلاغات رسمية للنائب العام، ووثيقة مالية موقّعة برقم (7) لسنة 2024.

وقد أُرسلت نسخ رسمية إلى: لعدة جهات رسمية ذات علاقة بالقضية

ملاحظة تاريخية: هذا — وفق ما توفّر لديّ من رصد — أول إشارة علنية صريحة تربط أطرافاً ليبية بعينها بملابسات رحلة الحداد الأخيرة.

الدحير استُدعي للتحقيق أمام الأمن الداخلي. هذه بداية.

اللهم اغفر لهم و ارحمهم

***

محمد القرج — صحفي استقصائي ـ نقابة الصحفيين الليبيين — أبريل 2026

___________

المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك

طائرة إسرائيلية أمضت 101 دقيقة بالقرب من طائرة محمد الحداد قبل إقلاعها وتحطمها

مقطع الفيديو المفقود

قال نائب من المعارضة التركية إن حادث تحطم الطائرة التي كانت تقل القائد العسكري الليبي بالقرب من أنقرة قد يكون ناتجًا عن تخريب، مدعيًا أن الطائرة أمضت 101 دقيقة على نفس ساحة وقوف الطائرات في المطار مع طائرة إسرائيلية قبل الإقلاع، فيما لا توجد لقطات أمنية من المنطقة.

صرح دنيز ياووز يلماز، النائب عن حزب الشعب الجمهوري (CHP) المعارض الرئيسي، أن الطائرة الليبية كانت متوقفة في ساحة الوقوف رقم 5 في مطار أنقرة إيسينبوغا قبل تحطمها في 23 ديسمبر/كانون الأول، على الرغم من أن الطائرات التي تقل مسؤولين أجانب رفيعي المستوى تُوقف عادة في ساحة الوقوف رقم 1، وهي الساحة الرئيسية الأقرب إلى صالة كبار الشخصيات.

قال ياووز يلماز إن طائرة إسرائيلية وُجهت لاحقًا إلى نفس الساحة وبقيت هناك مع الطائرة الليبية لمدة ساعة و41 دقيقة، بينما كان طاقم الطائرة الليبية في فندق.

وادعى أن الكاميرات التابعة للمديرية العامة لهيئة المطارات الحكومية (DHMİ)، الوكالة الحكومية التي تدير مطارات تركيا، كان ينبغي أن تراقب وتصور المنطقة، لكنها لم تكن تعمل في يوم الحادث.

“إذا كنتم تزعمون أن الكاميرات كانت تعمل، فافرجوا فورًا عن اللقطات التي تبلغ مدتها ساعة و41 دقيقة”، قال ياووز يلماز مخاطبًا وزير النقل عبد القادر أورال أوغلو.

كما أشار إلى احتمال وجود لقطات من كاميرات مراقبة تابعة لشركة خاصة، وتساءل عما إذا كان يتعين على المعارضة الإفراج عنها بنفسها.

تركزت مزاعمه حول تحطم طائرة من نوع داسو فالكون 50 كانت تقل الفريق أول محمد الحداد، رئيس أركان القوات المسلحة لحكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها من الأمم المتحدة، والتي تسيطر على غرب البلاد بما في ذلك طرابلس.

لقى جميع الأشخاص الثمانية على متن الطائرة مصرعهم، بما في ذلك الحداد وأربعة مساعدين وثلاثة من أفراد الطاقم.

تحطمت الطائرة بالقرب من أنقرة بعد وقت قصير من إقلاعها من مطار إيسينبوغا متجهة إلى طرابلس. وقال مسؤولون أتراك في ذلك الوقت إن الطيارين أبلغوا عن عطل كهربائي وطلبوا هبوطًا اضطراريًا قبل فقدان الاتصال.

قال تقرير أولي عن الحادث لاحقًا إن الطائرة اصطدمت بتل على ارتفاع 1252 مترًا بسرعة عالية، مع تشغيل كلا المحركين، وبينما كانت لا تزال سليمة الهيكل.

قال التقرير إن الاصطدام تسبب في انفجار الطائرة وتفككها، وتناثر الحطام على مساحة تبلغ حوالي 150 ألف متر مربع. كما قال إن المحققين لم يعثروا على أدلة على وجود حريق داخل الطائرة، وهي النتائج التي أضعفت التكهنات المبكرة بأن انفجارًا أو حريقًا هو الذي أسقط الطائرة قبل الاصطدام.

لم يحدد التقرير الأولي سبب الحادث. وقال المحققون إن الاستنتاج النهائي سيصدر بعد الفحوصات التقنية وتحليل بيانات مسجل الرحلة.

استفسر ياووز يلماز أيضًا عن سبب تمديد فترة ولاية مسؤولين كبيرين من هيئة المطارات الحكومية (DHMİ)، بما في ذلك أحدهما المسؤول عن أمن المطار، في مجلس الوكالة بقرار رئاسي بتاريخ 24 أبريل/نيسان، على الرغم من ما وصفه بإخفاقات أمنية وأدلة مفقودة.

“على ماذا هذه المكافأة؟” سأل. “للكاميرات التي لم تعمل؟ وللأدلة المخفية؟”

____________________

دعوة لانتشال ليبيا وتشكيل مراكز سياسية (2)

عبد العظيم العبيدي 

بقراءة واقع المشهد الليبي، تم إيجاد زاويتين أساسيتين (الاقتصاد/المال، والأمن/ الجيش) بشكل نسبي في مناطق دون مناطق في الجغرافيا الليبية، والزاوية المفقودة التي هي في حالة فراغ، هي زاوية «الاستدامة السياسية» (المشروع السياسي).

ويقول الدكتور علي سعيد إن المرحلة الحالية هي من الأهمية بمكان أن تشهد ما يعرف بالمركز السياسي يُشكل القائمون عليه مشروعهم السياسي التام الذي سيمكّنهم من التفاوض حوله مع غيرهم من الليبيين القائمين على مراكز سياسية أخرى في ليبيا.

ويرى الدكتور علي سعيد البرغثي أن الظروف مواتية وأن المرحلة الحالية في ظل اتفاق الموازنة الموحد والتقارب الأمني العسكري من الممكن أن نجعله مفيداً ونستثمره لو عكفت النخب الليبية وفق مناطقهم الجغرافية بتشكيل مراكز سياسية التي في اعتقادي الشخصي ستكون خمسة مراكز سياسية موزعة بين الشرق والجنوب وطرابلس ومصراتة وربما الجبل الغربي، تعمل كل منها على إيجاد برامج أو مشاريع سياسية تُمكّن النخب الليبية من خوض مفاوضات سياسية فيما بينهم حول «الناتج السياسي»، بعبارة أخرى على «ما يجب أن يكون»، مع مراعاة أربعة معايير في التفاوض (ذكرها الدكتور علي سعيد في لقائه التلفزيوني):

المعيار الأول، ما يعرف بالجغرافيا: إلى أي حد كل مركز سياسي مفاوض يمتلك السعة الجغرافية التي يشغلها،

المعيار الثاني متعلق بمعدل الاستقرار والأمن: إلى أي حد حقق كل مركز سياسي مفاوض نسبة في الأمن والاستقرار،

المعيار الثالث: متعلق بمصدر الطاقة، إلى أي حد كل مركز سياسي مفاوض واقع تحت سيطرته مصادر الطاقة، والمعيار الرابع والأخير: ما يعرف بمعدل التنمية، إلى أي حد حقق كل مركز سياسي مفاوض من نسب تنمية في مناطقه.

وعلل الدكتور علي سعيد ذلك، بأن التقارب الذي يحصل الآن هو بين قوى الأمر الواقع دون «تصورات سياسية»، وهنا تكمن الخطورة في الموقف، لأن حسابات هذه القوى تتضارب فيما بينها وتصبح أكثر تعقيداً بسبب تنافسها على النفوذ الذي مازال موزعاً تحديداً داخل العاصمة بين مجاميع مسلحة هي تشكل جزءاً من القرار العسكري في العاصمة الليبية رضينا أم لم نرضَ، وبالتالي ما حدث هو مجرد هدنة مؤقتة في صراع طال أمده ولم يحسم بعد، ومن الواجب استثماره.

ويربط الدكتور علي سعيد بين نجاح الليبيين والنخب والأطراف الليبية على التفاوض والخروج من الأزمة الليبية بمدى قدرتهم على فهم واستيعاب فكرة «الاستدامة السياسية»، فبقدر ما كانت هذه فكرة قريبة من أذهان الليبيين ومستوعبة من جانبهم، ووضعوا أمامهم معايير التفاوض سالفة الذكر، يكون من الممكن أن يتفاوض الليبيون وفق مراكز السياسية بكل بساطة بهدف الوصول إلى ناتج سياسي يرضي الجميع في الأزمة الليبية الراهنة.

ويؤكد الدكتور علي سعيد أن فكرة «الاستدامة السياسية» لا تعني بأي حال من الأحوال أنها مجاهرة بالانفصال وغير ذلك من التفسيرات النابعة من سوء فهم للفكرة، إنما هي توظيف للواقع (الانقسام الواقعي) في ظل حالة اقتصادية مقسمة، وحالة أمنية عسكرية فيها توافق (تمرينات «فلنتلوك 26» تعكس حالة من التوافق حول مفهوم الأمن والاستقرار يدخل في إطار مفهوم الأمن والاستقرار الدولي وليس حالة من الاندماج)، يتطلب بأن يكون لكل جزء من أجزاء ليبيا «بنية سياسية» جاهزة للمرحلة التفاوضية القادمة لا محالة حسب تعبير الدكتور علي سعيد.

ويطرح الدكتور علي سعيد السؤال التالي، أين يقع الخطر بالنظر إلى زوايا مثلث الدولة الليبية سالفة الذكر؟ يقول الدكتور علي سعيد إن الخطر سيقع لو استمر الليبيون في السير إلى الأمام مستندين على زاويتين في الهرم (المثلث) وهما الزاوية الاقتصادية والزاوية الأمنية العسكرية دون تطوير للمنتج السياسي الآخر الذي سيكون هو الأساس في مسألة الخروج من النفق في شكله النهائي.

ولهذا دعا الدكتور علي سعيد البرغثي من خلال لقائه التلفزيوني على قناة «ليبيا الحدث» الأطراف أينما تكون، دعاها للانكفاف السريع لإنتاج مشروع سياسي من الممكن أن يكون على الطاولة من أجل التفاوض حوله مع أي طرف آخر (محلي أو خارجي) يريد أن يُخرجنا من الأزمة، الأمر الذي معه يمنع حالة الاتهامات من البعض بمحاولة الانفصال أو الاستحواذ وغيرها من الاتهامات النابعة عن سوء فهم.

ويُنبه الدكتور علي سعيد إلى أن الاستمرار في حالة المحاصصة السياسية، وكذلك الاستمرار في التعامل مع المشهد السياسي على أنه مغلق وثابت على عناصره التي تُديره، سيخلق حالة أكثر خطورة من أن تُنتج النخب الليبية مشروعاً سياسياً، خاصة أن المشروع السياسي الذي يقصده الدكتور علي سعيد ويدعو إليه لن يُحيّد أي من الأطراف الليبية، ولكن في نفس الوقت هو الآلية الصحيحة التي يتم التفاوض عليها في إنتاج حل يُخرج البلد من النفق المظلم.

الثاني، أن «العامل الدولي» عمل منذ بدايته على ألا يكون هناك مشروع سياسي خالص من الأطراف الليبية وبملكية ليبية، لأن هذا المشروع السياسي لو تحقق معنى ذلك أن الليبيين سيحيلون المنتجات السياسية التي تأتي من الخارج إلى سلة المهملات، والأمر سيختلف إذا ما تحققت فكرة «الاستدامة السياسية»، حينها يكون من يريد أن يتفاوض حول الأزمة الليبية (سواء كان المفاوض داخلياً أم خارجياً) يكون موجوداً أمامه مشروع سياسي قائم عليه مركز سياسي/ مراكز سياسية.

ثالثاً، «الوحدة الاستراتيجية» حيث إن من إيجابيات فكرة «الاستدامة السياسية» أن مسألة المركزية البسيطة في ليبيا أصبحت «وهماً» بعد التطورات الأخيرة خاصة في الجانب الاقتصادي والمالي، ويقول الدكتور علي سعيد في هذا الجانب: إن المركزية لن تكون واقعاً في المشهد السياسي الليبي على الإطلاق، الأمر الذي يحتم على الليبيين العمل للحفاظ على ما يعرف بـ«الوحدة الاستراتيجية» في ليبيا.

ويؤكد الدكتور علي سعيد أن الحديث عن «وحدة ليبيا الاستراتيجية» لن يكون حديثاً عن حالة فيدرالية أو انقسامية انفصالية، وإنما حديثاً عن حالة تعطي كل منطقة من مناطق الدولة الليبية وكل إقليم من الأقاليم مزاياها الصحيحة وثوابتها، وفي الوقت نفسه تُحافظ على البلد استراتيجياً في مواجهة ما يعرف بالنظام الدولي القادم والمبني على قاطرة «الشرعية الاستراتيجية».

رابعاً، «تفكيك دول وتفكيك أنظمة سياسية»، ويقدم الدكتور علي سعيد مدخلاً لشرح هذا المحور بذكره في البداية أن فكرة «الاستدامة السياسية/ المشروع السياسي» ليست بدعة في المجتمع الليبي، فقد عرفها المجتمع في مناسبتين العام 1949 والعام 2011، الأمر الذي سيُسهل على الليبيين قبولها والأخذ بها، وأن هذا التيار ينبغي أن يُعاد له الوعي بخطورة ما يحدث وما سيحدث، وإن الذي سيدفع الجميع نحو تبني هذه الفكرة والعمل عليها هي «الشراسة» التي ستُكتشف فيما بعد مما هو قادم، لأن النظام الدولي القادم المبني على «الشرعية الاستراتيجية» من أهم عناصره الإقليمية هو (التفكيك).

بعبارة أخرى، إن هناك دولاً سوف تفكك في النظام الإقليمي المحيط بليبيا، وأن التفكيك قد يكون جغرافياً (الدولة تُقسم إلى دولتين أو أكثر)، وقد يكون تفكيكاً لأنظمة سياسية. وحذر الدكتور علي سعيد من أن هذه القاطرة المتولدة من «الشرعية الاستراتيجية» تتضمن في طياتها تفكيكاً لدول ولأنظمة سياسية، وأن هذا التفكيك سيحصل كنتيجة لهذا النظام الدولي القادم، وأن هذا التفكيك سيُنتج على المستوى الإقليمي ما يعرف بـ«إدارة الإقليم»، وستتمكن دولة بمعية دول أخرى إقليمية من إدارة الإقليم، تلك الدولة/ الدول التي يمكن أن تكون قاطرة «ترسيم النفوذ». هذا يعني أن النظام الذي عرفته المنطقة العربية والذي أُنشئ منذ عام 1916 المعروف بنظام «سايكس بيكو» بدأ في حالة التفكك وسينتهي قريباً.

ولهذا السبب وبناءً على ما طُرح، يُعيد الدكتور علي سعيد توجيه الدعوة إلى كل الليبيين والنخب والأطراف الليبية بالعمل على تشكيل مراكز سياسية، وأن الفاقد الوحيد في دالة المعادلة هو المشروع السياسي/ البرنامج السياسي أو ما يعرف بـ«المركز السياسي»، لأن بدون برنامج سياسي/ مركز سياسي سيجد الليبيون أنفسهم (كدولة) ذاهبين مع الجنائز أو مع الموتى.

وإن حصلت عملية تجميلية للمشهد الليبي القائم (في إشارة من الدكتور علي سعيد للمبادرة الأمريكية) فهي عملية تجميلية مؤقتة سوف لن تُحدث ذلك الانتقال الذي ينتظره الليبيون، وأن الحالة الوحيدة التي من الممكن أن تنقل ليبيا بشكل متدرج وبالحفاظ على ما يعرف بـ«الوحدة الاستراتيجية» هو «المشروع السياسي» كناتج من المراكز السياسية الليبية، وأنه ليس هناك ضرر على الإطلاق من هذه المراكز السياسية بل الضرر في غيابها في المستقبل القريب والبعيد.

ويواصل الدكتور علي سعيد شرح هذه المسألة، بأن «الوزن النسبي» في هذه المراكز السياسية سيكون هو المحدد الرئيسي لها، ويعتبر الدكتور علي سعيد أن «العامل الدولي» إلى غاية هذه اللحظة هو الذي له «وزن نسبي» كبير في خطف القرار الداخلي الليبي في غياب مركز سياسي ليبي. وأن استمرار هذا الوضع سيُمكن العامل الدولي من أن يصل في النهاية إلى نتيجة تجميلية مؤقتة ليس بالضرورة أن تكون حلاً للأزمة، ولكنها ستنقل الحالة إلى مرحلة أخرى ليست مرحلة نهائية، يرجع فيها الليبيون مرة أخرى إلى البحث عن برنامج سياسي الذي من الممكن أن يقود البلد.

وفي الختام، يدعو الدكتور علي سعيد إلى ضرورة المحافظة على الوحدة الاستراتيجية لليبيا في مواجهة التحديات الجمة التي تواجهها في الوقت الحاضر، محذراً في الوقت نفسه من حالة عدم الاستقرار في الحدود الجنوبية لليبيا (في المنطقة الجنوبية بأكملها) التي وصفها بالمُرعبة، وأن هناك حالة من عدم الاستقرار قد تشهدها بعض دول الساحل والصحراء، وستكون نتائجها وخيمة بالدرجة الأولى على الوطن، لأن التقارير الإحصائية تقول، إن هناك كتلة بشرية تقدر بأربعمائة مليون نسمة، هذه الكتلة متحركة وليست ساكنة في الدول الجنوبية التي تقع على الحدود الجنوبية لليبيا، وأن هذه الكتلة البشرية ستجد لنفسها نوعاً من الاستقرار في مرحلة من المراحل.

______________________

توحيد الإنفاق في ليبيا بين حكومتي الغرب والشرق.. إجراء شكلي أم حقيقي؟

علي عبداتي

في خطوة طال انتظارها في ليبيا، أُعلِن عن اتفاقٍ يقضي بتوحيد الإنفاق العام، دون أن يحدَّ ذلك من تساؤلات المراقبين بشأن إمكانية تنفيذه وتجاوز العقبات القائمة في الساحة السياسية، في ظل استمرار الانقسام المؤسساتي في البلاد.

جاء الإعلان على لسان محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، الذي أشرف في 11 أبريل/نيسان 2026 على حفل توقيع “اتفاق الإنفاق العام الموحد” كملحق لـ “الاتفاق التنموي الموحد”، بحضور ممثلين عن مجلسي النواب والأعلى للدولة.

ويتضمن الاتفاق اعتماد الجداول العامة لإنفاق الدولة الليبية، بما يشمل الأبواب الأول والثاني والرابع؛ الأمر الذي يجعله أول توافقٍ على إنفاقٍ موحدٍ على مستوى التراب الليبي كاملًا منذ أكثر من 13 عامًا.

وقال عيسى، في كلمة مقتضبة خلال مراسم التوقيع، إن هذا الاتفاق “ليس مجرد وثيقة مالية، بل يكتب فصلًا جديدًا من فصول العمل الجاد والتعاون الصادق”. واستطرد قائلًا: “إنه تجسيد حقيقي للإرادة الوطنية الجامعة، وإعلان واضح بأن ليبيا قادرة على تجاوز خلافاتها عندما تجتمع على رؤية موحدة لمستقبلها”.

وأضاف عيسى: “اتفقنا اليوم على أن نقطع معًا طريق التشتت والازدواج، ونؤسس لمرحلة من الوضوح والانضباط المالي عبر إنجاز هذا المسار التاريخي الذي يُوحِّد الإنفاق العام في بلادنا”.

يُذكر أن مجلسي النواب والدولة قد وقعا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 “الاتفاق التنموي الموحّد” برعاية أميركية؛ بهدف وقف سياسة الصرف المالي غير المنضبط على مشاريع البناء والتنمية.

الحكومة الشرعية

في تعليقه على الاتفاق، أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، أن التوصل إلى اتفاق يوحّد تنظيم الإنفاق المالي في كامل البلاد، هو خطوة تستهدف معالجة اختلالات تراكمت خلال السنوات الماضية.

وأوضح الدبيبة في تصريح صحفي بالمناسبة، أن الاتفاق يهدف إلى وضع إطار موحد لإدارة الإنفاق العام، بما يضمن توجيه الموارد بشكل أكثر كفاءة.

وشدد على أن المواطن الليبي سيكون المستفيد الأول من هذا التوافق، من خلال تحسين مستوى المعيشة واستقرار الأسعار وتعزيز قيمة الدينار.

وأكد أن نجاح هذه الخطوة مرهون بالتزام جميع الأطراف بتنفيذ بنود الاتفاق بشكل جاد، بما يترجم إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، لافتا إلى أن تحقيق التنمية الشاملة يظل حقاً لكل الليبيين في الشرق والغرب والجنوب، دون تحميل المواطن أعباء إضافية.

وأشار الدبيبة إلى أن الاتفاق يمثل بداية إيجابية نحو إصلاح المسار المالي، مقدرا أنه يحمل مؤشرات على إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي أوسع خلال المرحلة المقبلة.

وفي سياق متصل، ثمّن الدبيبة الدعم الفني المقدم من وزارة الخزانة الأميركية، مشيدا بدور المستشار مسعد بولس في دعم جهود الوساطة السياسية التي أسهمت في الوصول إلى هذا التوافق.

حكومة الشرق

وفي الشرق، أكد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان أسامة حماد، أن التوصل إلى اتفاق الإنفاق الموحد العام للدولة يمثل تحولا مهما على طريق توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

ووفق ما نقل موقع “المشهد الليبي” في 11 أبريل 2026، أوضح حماد أن هذا الإنجاز يعكس قدرة الليبيين على تجاوز التحديات، ليسهم في تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، ودعم استقرار سعر الصرف، والمحافظة على قدرات الدولة.

وأشار إلى أن توحيد الإنفاق العام والميزانية يمثل حجر الأساس لإطلاق برامج تنموية متوازنة في أنحاء البلاد كافة، بما يضمن عدالة توزيع الموارد بين جميع المناطق.

كما جدد رئيس حكومة الشرق التزامه الكامل بالتنسيق المستمر مع مصرف ليبيا المركزي والمؤسسات كافة ذات العلاقة، لضمان حسن تنفيذ الإجراءات المالية وتحويلها إلى نتائج ملموسة.

قراءة سياسية

يرى المحلل والكاتب السياسي الليبي إبراهيم الأصيفر أن الاتفاق على توحيد الميزانية العامة في ليبيا بين الحكومتين المتنافستين يمثل خطوة مهمة من حيث المبدأ، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي المعقد الذي تعيشه البلاد منذ أكثر من عقد.

وأوضح الأصيفر لـ “الاستقلال” أنه منذ الانقسام المؤسسي الذي أعقب أحداث عام 2014، أصبحت الدولة الليبية تعمل بآليتين ماليتين وسياسيتين متوازيتين، وهو وضع غير طبيعي لأي دولة تسعى إلى الاستقرار أو إلى إدارة مواردها بطريقة رشيدة.

لذلك، يردف المتحدث ذاته، “فإن مجرد الوصول إلى تفاهم حول ميزانية موحدة يمكن عده مؤشرا على إدراك متزايد لدى مختلف الأطراف بأن استمرار الانقسام المالي لم يعد قابلا للاستمرار، خصوصا في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي شبه الكامل على عائدات النفط التي تشكل المصدر الرئيس لتمويل الدولة”.

من وجهة نظري، يقول الأصيفر، “تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تتعامل مع أحد أخطر مظاهر الأزمة الليبية، وهو الانقسام في إدارة المال العام”.

وذكر المحلل السياسي أن الإنفاق الحكومي خلال سنوات الانقسام اتسم بدرجة عالية من الفوضى وغياب التنسيق، حيث اعتمدت كل حكومة على آليات إنفاق خاصة بها، الأمر الذي أدى إلى تضخم كبير في بنود المرتبات والدعم، وخلق التزامات مالية طويلة الأجل على الدولة.

وعليه، يرى الأصيفر أن “وجود ميزانية موحدة قد يفتح المجال نظريا لقدر أكبر من الانضباط المالي وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصا إذا تم ذلك تحت إشراف مؤسسات سيادية تمتلك قدرا من الشرعية الفنية مثل مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، اللتين بقيتا من بين المؤسسات القليلة التي حافظت نسبيا على طابعها الوطني رغم الانقسام السياسي”.

بدوره، رأى الأستاذ الجامعي عاطف الحاسية، أن ما جرى أخيرا بشأن ترتيبات الإنفاق العام في ليبيا لا يمكن توصيفه بعدّه ميزانية مكتملة للدولة لعام 2026، بل هو في جوهره “بداية اتفاق سياسي جديد”.

وأشار الحاسية وفق ما نقل موقع “الساعة24” في 14 أبريل 2026، إلى أن هذه الترتيبات تحمل في طياتها أبعادا سياسية وجيوسياسية واضحة، تتجاوز الإطار الاقتصادي البحت.

ولفت إلى أن أي درجة من الاستقرار السياسي داخل مختلف المناطق الليبية ستنعكس بشكل مباشر على كيفية توجيه الإنفاق العام وتحديد أولوياته بما يخدم احتياجات المواطنين.

وأضاف أن الملف الليبي لا ينفصل عن السياقات الإقليمية والدولية، خاصة ما يتعلق باستقرار إنتاج النفط، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد العالمي، مقدرا أن ليبيا أصبحت جزءا من معادلة أوسع ترتبط بأمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية.

وشدد الأستاذ الجامعي أن الخلاف القائم بين الغرب والشرق الليبي لا يقتصر على مسألة توزيع الأموال، بل يتجاوز ذلك إلى قدرة كل طرف على تنفيذ المشاريع وتحقيق نتائج ملموسة، مقدرا أن معيار النجاح الحقيقي سيكون مرتبطا بكفاءة التنفيذ وجودة المخرجات.

ونبه إلى وجود تحفظات تتعلق بآليات الرقابة والضبط المالي، مؤكدا أن نجاح هذه الترتيبات سيظل مرهونا بمدى تحقق الإنجاز الفعلي على الأرض، وليس بمجرد التوافقات النظرية.

ويرى الحاسية أن النقاشات الجارية حول توزيع الإنفاق، رغم تعقيدها، تمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ مفهوم التنمية، مع ضرورة تعزيز الشفافية والرقابة لضمان تحقيق نتائج ملموسة.

ورأى الحاسية أن غياب الشفافية في تفاصيل الاتفاق يمثل أحد أبرز التحديات، مشيرا إلى أن الثقة في البيانات الرسمية ما تزال محدودة لدى شريحة واسعة من الليبيين، بما في ذلك بعض التقديرات الصادرة عن المصرف المركزي.

ولفت إلى أن الاقتصاد الليبي بحاجة إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو مشاريع مستدامة، خاصة في مجالات البنية التحتية ورأس المال البشري، بدلا من التركيز على الإنفاق الاستهلاكي.

تفاعلات متعددة

على المستوى الرسمي أيضا، أكد رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حرص المجلس على دعم كافة مبادرات لم الشمل وتحقيق الاستقرار.

وشدد تكالة، وفق ما نقلت “وكالة الأنباء الليبية” في 14 أبريل 2026، أهمية التشاور المستمر بين الأجسام السياسية لتوحيد المواقف تجاه القضايا المصيرية والوصول بالدولة إلى مرحلة الاستقرار الدائم.

جاء ذلك خلال استقباله بمقر مجلس الدولة في العاصمة طرابلس رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، واللذين استعرضا مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.

كذلك عبرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن ترحيبها بتوقيع الملحق رقم (1) لاتفاق برنامج التنمية الموحّد في طرابلس.

ورأت البعثة الأممية في منشور في 12 أبريل 2026، بأن هذا الاتفاق يمثل تقدما مهما نحو معالجة الحاجة الملحّة لتعزيز الانضباط في إدارة الإنفاق العام، وتعزيز قدر أكبر من الاتساق المالي والمساءلة على مستوى البلاد، شريطة وجود التزام مماثل وقوي لضمان التنفيذ الفعّال.

وذكرت البعثة أن الاتفاق يتيح كذلك فرصة لتحسين الحوكمة في قطاع المحروقات، بما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتعزيز ثقة المستثمرين.

ودعت البعثة جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق على ضمان تنفيذه، وإتاحة رقابة صارمة على الإنفاق العام في جميع أنحاء ليبيا بما يتماشى مع المعايير الدولية والتشريعات الليبية ذات الصلة.

كما دعت السلطات إلى توحيد وتعزيز مؤسسات الرقابة المستقلة والفعّالة لضمان أن يحقق إطار الإنفاق الموحّد فوائد ملموسة لجميع الليبيين.

قراءة اقتصادية

من الناحية الاقتصادية، أكدت كبيرة محللي مجموعة الأزمات الدولية بشأن ليبيا كلوديا غازين، أن “الاتفاق على الميزانية الموحدة في ليبيا يمثل خطوة سياسية مهمة، لكن نجاحه الحقيقي سيعتمد على قدرة السلطات في وقف قنوات الإنفاق والتمويل الموازية التي صاحبت النظام المالي خلال السنوات الماضية”.

وذكرت غازين وفق ما نقل موقع “أخبار ليبيا” في 14 أبريل 2026، أن الاختبار الحقيقي سيكون في معرفة ما إذا كانت جميع مصادر المدفوعات الموازية وغير الرسمية، المستمرة منذ سنوات، ستتوقف فعلا.

واسترسلت: “حتى الآن لا توجد سوى إعلانات، وتقييم الأثر الفعلي للاتفاق سيتطلب انتظار الأشهر المقبلة”، مشيرة إلى أن “من بين أبرز المؤشرات التي ستُظهر مدى نجاح الاتفاق احتمال تراجع تهريب الوقود، الذي يعد أحد أهم القنوات غير الرسمية لتوزيع الموارد في البلاد”.

ونبهت غازين إلى أن النظام الليبي اتسم لفترة طويلة بتعدد التدفقات المالية خارج الميزانية، بما في ذلك تهريب الوقود، والديون المصرفية، والعمليات غير الشفافة في قطاع الطاقة.

وخلصت إلى أن “الحكم على نجاح الاتفاق سيظل مرهونا بمدى قدرة المؤسسات الليبية على ترجمة الاتفاق إلى رقابة فعلية على الإنفاق، وتقليص التشوهات التي غذّت المنظومة الاقتصادية والسياسية في البلاد”.

رغم الأبعاد الإيجابية لهذا الاتفاق، يرى المحلل السياسي إبراهيم الأصيفر، أن الاتفاق على ميزانية موحدة لا يمكن عده بحد ذاته مؤشرا حاسما على بداية حل حقيقي للانقسام المؤسسي في ليبيا.

وأبرز الأصيفر لـ “الاستقلال” أن المشكلة الليبية في جوهرها ليست مشكلة مالية بقدر ما هي أزمة شرعية سياسية وتنافس على السلطة.

ولذلك، يردف المحلل السياسي، فإن أي تفاهم مالي بين الأطراف المتصارعة قد يبقى هشا إذا لم يكن جزءا من مسار سياسي أوسع يعالج مسألة الشرعية ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس واضح.

وأشار إلى أن “التجربة الليبية خلال السنوات الماضية مليئة بالاتفاقات التي بدت في لحظة معينة وكأنها تمثل اختراقا مهما، لكنها سرعان ما تعثرت عندما اصطدمت بحسابات القوة والنفوذ على الأرض”.

وأردف، كما أن هناك عاملا آخر أراه بالغ الأهمية يتعلق بما يمكن تسميته باقتصاد الانقسام. فقد تشكلت خلال سنوات الصراع شبكات مصالح واسعة داخل مؤسسات الدولة وخارجها استفادت من حالة الفوضى المالية وغياب الرقابة.

ويرى الأصيفر أن “هذه الشبكات قد لا تنظر إلى توحيد الميزانية بصفته خطوة إصلاحية بقدر ما تراه تهديدا مباشرا لمصالحها. ولهذا السبب، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الاتفاق على أرقام الميزانية أو بنودها، بل في القدرة على فرض قواعد واضحة وشفافة لتنفيذها ومنع تحويلها إلى مجرد أداة جديدة لتقاسم الموارد بين مراكز النفوذ المختلفة”.

انطلاقا من ذلك، يقول الكاتب الليبي، “أرى أن هذه الخطوة يمكن تفسيرها بطريقتين. فمن ناحية، قد تكون بداية مسار تدريجي نحو إعادة توحيد المؤسسات، خصوصا إذا نجحت المؤسسات المالية في فرض نوع من الانضباط على الإنفاق وربط الميزانية بآليات رقابة فعالة”.

واسترسل، ومن ناحية أخرى، “قد تكون مجرد تسوية مالية مؤقتة بين النخب السياسية لضمان استمرار تدفق الموارد دون معالجة الجذور العميقة للأزمة. وفي هذه الحالة قد يتحول توحيد الميزانية إلى شكل من أشكال إدارة الانقسام بدلاً من إنهائه”.

وتابع: “وبشكل عام، أميل إلى الاعتقاد بأن الاتفاق على ميزانية موحدة يمثل خطوة إيجابية لكنها محدودة الأثر إذا بقيت معزولة عن مسار سياسي حقيقي يعيد بناء الشرعية والمؤسسات في ليبيا”.

ونبه الأصيفر إلى أن “الدول لا تستقر فقط عبر توحيد ميزانياتها، بل عبر وجود سلطة سياسية واضحة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه في جميع أنحاء البلاد”.

وخلص إلى أنه إذا لم يتم ربط هذه الخطوة بإصلاحات مؤسسية أعمق، وبمسار سياسي يقود في النهاية إلى سلطة تنفيذية موحدة تحظى بشرعية وطنية، فمن المرجح أن تبقى الميزانية الموحدة مجرد إجراء تقني في دولة ما تزال تعاني من انقسام سياسي عميق.

_____________________

القضاء الليبي على حافة الانقسام: هل تسبق الإرادةُ الانهيار؟

مجدي الشارف الشبعاني

لم تعد أزمة القضاء في ليبيا مسألة قانونية قابلة للنقاش، بل تحوّلت إلى خطر وجودي يهدد بقاء الدولة نفسها. فعندما يختل ميزان العدالة، لا يتوقف الأمر عند حدود المحاكم، بل يمتد ليصيب فكرة الدولة في جوهرها، ويقوّض الثقة في كل مؤسساتها. اليوم، لم يعد السؤال: ما الذي يحدث داخل القضاء؟ بل: هل لا يزال لدينا قضاء واحد أصلا؟

حين تدخلت السياسة في صميم العدالة

بدأت الأزمة عندما تم كسر أحد أهم أعمدة استقلال القضاء: تحييده عن الإرادة السياسية. فقد تدخلت السلطة التشريعية بشكل مباشر في تشكيل قمة الهرم القضائي عبر تعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء، في سابقة تمثل خروجا واضحا عن فلسفة قانون نظام القضاء.

لم يكن ذلك مجرد إجراء إداري، بل لحظة مفصلية؛ انتقل فيها القضاء من كونه سلطة مستقلة إلى كيان قابل لإعادة التشكيل وفق التوازنات السياسية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الشروخ تتسع داخل المؤسسة القضائية.

 حكم دستوري.. فتح باب الأزمة بدل إغلاقه

جاء حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بعدم دستورية التعديلات التي أدخلتها السلطات التشريعية على قانون نظام القضاء، ليعيد -من حيث المبدأ- الاعتبار للشرعية القانونية.

لكن المفارقة أن الحكم، بدل أن يُنهي الأزمة، فتح بابا أوسع لها. فالسؤال لم يعد متعلقا بصحة الحكم، بل بكيفية تنفيذه: هل تُلغى كل الأجسام التي تأسست على النصوص غير الدستورية فورا؟ أم تُدار المرحلة بترتيبات انتقالية تحفظ استقرار المرفق القضائي؟

وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: التطبيق الحرفي للحكم قد يؤدي إلى فراغ مؤسسي، بينما تجاهله يقوض سيادة القانون. كما أُثير جدل واسع حول كون المحكمة -في نظر البعض- بدت وكأنها “تحكم لنفسها”، وهو جدل رمزي، لكنه ترك أثرا حقيقيا على ثقة الشارع في القضاء.

من أزمة قانونية إلى خطر وطني

بعيدا عن الجدل النظري، فإن الواقع اليوم يكشف صورة أكثر خطورة:

وهنا لم نعد أمام أزمة داخل مؤسسة، بل أمام تهديد مباشر لوحدة الدولة. فإذا فقد القضاء وحدته، فمن يحسم النزاع؟ وإذا اهتزت شرعية القاضي، فكيف تُنفذ الأحكام؟ وإذا تعددت المرجعيات، فمن يمثل العدالة؟ الإجابة الصادمة: لا أحد.

– مجلس أعلى للقضاء منقسم بين الشرق والغرب.

– صعوبة انعقاد المجلس بنصاب كامل.

– تعدد في مراكز القرار القضائي.

– تصاعد الشكوك حول شرعية بعض المجالس والهيئات والمحاكم.

هل يمكن إنقاذ القضاء.. من داخل القضاء؟

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن توسيع التدخل السياسي لن يحل الأزمة، بل سيعمّقها، والحل -إن وُجد- لا بد أن ينبع من داخل المنظومة القضائية نفسها.

وهنا يبرز مبدأ الأقدمية، ليس كقاعدة إجرائية، بل كآلية إنقاذ. فإعادة تفعيل دور الجمعيات العمومية بالمحاكم، وتمكين الأقدم من تولي المواقع محل النزاع، يمكن أن يعيد الحد الأدنى من الشرعية، ويوقف حالة الانقسام.

كما أن وجود النائب العام كنائب لرئيس المجلس الأعلى للقضاء -وهو منصب غير محل نزاع- يوفر مدخلا عمليا لدعوة المجلس إلى الانعقاد، واستعادة تماسكه المؤسسي. إنها ليست حلولا مثالية.. لكنها حلول تمنع الانهيار.

مبادرة أكاديمية.. أم فرصة إنقاذ حقيقية؟

في هذا السياق، برزت مبادرة علمية أطلقتها مدرسة العلوم القانونية بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، بمشاركة نخبة من أساتذة القانون وعمداء الكليات. هذه المبادرة لا تقدم وعودا سياسية، ولا تطرح حلولا فوقية، بل تقوم على فكرة بسيطة وخطيرة في آن واحد: إعادة بناء القضاء من داخل قواعده القانونية نفسها.

وتسعى المبادرة إلى:

قيمتها الحقيقية أنها لا تفرض نفسها كحل نهائي، بل كمسار واقعي يمكن البناء عليه. والسؤال ليس: هل هي كاملة؟ بل: هل لدينا بديل أفضل؟

– إعادة تشكيل مؤقت للمجلس الأعلى للقضاء على أساس الأقدمية.

– إدارة المرحلة الانتقالية دون صدام مؤسسي.

– إعداد قانون موحد لنظام القضاء.

– تعزيز استقلال المحكمة العليا والنيابة العامة.

اللحظة التي لا تحتمل التأجيل

ليبيا اليوم لا تواجه فقط أزمة سياسية، بل تقف على حافة انهيار قضائي قد يجرّ وراءه كل شيء. فالقضاء ليس مجرد سلطة، بل هو آخر ما تبقى من فكرة الدولة. وإذا سقط، لن يكون هناك ما يمكن إصلاحه بعد ذلك.

إن إنقاذ القضاء لم يعد خيارا.. بل أصبح واجبا عاجلا. والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن، بلا مجاملة: هل تتحرك الإرادة لإنقاذ القضاء.. أم ننتظر حتى يفقد القضاء قدرته على إنقاذ الدولة؟

____________________





دعوة لانتشال ليبيا وتشكيل مراكز سياسية (1)

عبد العظيم العبيدي 

في مقابلة تلفزيونية على قناة الحدث الليبية، وضمن برنامج «هنا الحدث» في 13 أبريل 2026، تحدث الدكتور علي سعيد البرغثي عن التحديات الكبيرة التي ستواجه ليبيا والليبيين بالنظر إلى مشاهد ثلاثة متصلة مع بعضها – حسب وصفه – ولها تداعيات خطيرة على الحالة الليبية: المشهد الدولي والمشهد الإقليمي والمشهد المحلي.

أخطر هذه المشاهد هو المتعلق بالمشهد الدولي، الأمر الذي حتم على الدكتور علي سعيد، كمتخصص في العلاقات الدولية وتسوية المنازعات، أن يُفصل طبيعة النظام الدولي الحالي، والنظام الدولي القادم الذي سيشهده العالم خلال السنوات العشرين القادمة، وعدد كذلك القواطر التي ستقود هذا النظام الدولي الجديد، ودعا الليبيين إلى ضرورة فهمه واستيعابه، ليتمكنوا من التعامل معه، والاقتراب من بعض تداعياته:

القاطرة الأولى: إن النظام الدولي الحالي تحوّل من «الشرعية القانونية» إلى «الشرعية الاستراتيجية»، وما يُحرك الدول، خاصة الدول العظمى أو الدول القوية في إقليمها، هو ما يُعرف بـ«شرعيتها الاستراتيجية».

القاطرة الثانية: إن النظام الدولي القادم سيشهد العالم فيه، خاصة المناطق الرخوة، إعادة «ترسيم النفوذ» في مواجهة «ترسيم الحدود»، وحالة الصراع التي اتصفت بها العلاقات الدولية تاريخيا، القائمة على الصراع الحدودي، ستنتقل إلى الصراع على النفوذ.
وعند حديثه عن الأزمة الليبية، يطرح الدكتور علي سعيد السؤال التالي: هل هناك نوافذ من الممكن أن تجعل هذا البلد واقعا تحت طائلة ما يعرف بـ«ترسيم النفوذ»؟ ‏

القاطرة الثالثة: إن النظام الدولي الحالي سيشهد الانتقال من «السيادة المطلقة»، التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، إلى «السيادة النسبية»، للأسباب الثلاثة التالية:
أسباب اقتصادية، وأسباب جيوسياسية، وأسباب تتعلق بالأمن والسلم الدولي، الأمر الذي يدفع دول العالم إلى التفكير بشكل مختلف، وبطرق مختلفة، ليست واردة في إطار منظمة الأمم المتحدة.

إن استيعاب وفهم القواطر الثلاث سالفة الذكر يُسهل على النخب الليبية الإجابة عن السؤال التالي: ما هي التداعيات التي سيشكلها هذا النظام الدولي؟

‏وحصر الدكتور علي سعيد البرغثي التداعيات في أربعة تداعيات، وصفها بأنها «خطيرة» على جميع دول العالم، ولا يقتصر الأمر على الدولة الليبية فقط، وأن الدول الناجية من هذه التداعيات المحتملة هي تلك الدول التي امتلكت المناعة التي ستُمكنها من تفويت فرص انهيارها.

أول هذه التداعيات: «عودة لاستخدام القوة» بدلا من الامتناع عن استخدام القوة. إذن، وحسب تعبير الدكتور علي سعيد، فإن استخدام القوة وارد في أي لحظة في ظل النظام الدولي الجديد، ومن أي دولة تجاه أي ‏دولة أخرى، خاصة أن الحاصل الآن في العالم أن أصبح موضوع القانون الدولي في حد ذاته خارج موضوع اللعبة الدولية والعلاقات الدولية.‏

ثاني هذه التداعيات: «تجفيف منظمة الأمم المتحدة»، حيث تكهن الدكتور علي سعيد البرغثي بأنه مع نهاية السنوات المقبلة ستكون منظمة الأمم المتحدة غير ذات معنى، وأنها في السنوات الأخيرة واجهت مشاكل مالية ومحاولات لتجفيفها ‏مالياً، وستُجفف سياسياً أيضاً. والملاحظ اليوم أن جميع الحلول التي تتجه نحو الأزمات هي خارج إطار هذه المنظمة الدولية، ‏الأمر الذي دفع الدكتور علي سعيد إلى أن يصف المرحلة الدولية الراهنة بأنها «مرحلة مخاض دولية»، ستشهد منظمة الأمم المتحدة خلالها أياما صعبة.

ثالث هذه التداعيات: «خطر الطاقة»، فالدول التي لديها الطاقة، وتمتلك الموارد الطاقية، قد تكون هذه الطاقة وبالا عليها ومصدرا للخطر، على اعتبار أن الفكرة في ‏النظام الدولي القادم «الغاشم»، حسب وصف الدكتور علي سعيد، أنه ليست هناك حدود بأن تنتزع دولة مصادر طاقية من أجل مصلحتها الاقتصادية بشكل ‏مباشر، وأن هذا المنطق هو ما دفع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للتصريح والتهديد بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند، ودفعه في السابق للاستيلاء على موارد فنزويلا، وسيذهب إلى غيرها. ‏إذن، من مظاهر النظام الدولي الجديد هو انتزاع مصادر الطاقة بالقوة.

ويسأل الدكتور علي سعيد بعد كل هذه الصور الإجمالية عن قواطر النظام الدولي الجديد وتداعياته المحتملة السؤال التالي: ما الأثر الذي سوف يكون على ليبيا، التي تعيش في حالة أزمة، وما هي الآثار التي يشكلها هذا ‏النظام الدولي عليها؟ ‏
ويقول إن الإجابة عن هذا السؤال يحتم عليه أن يُجيب أولاً عن السؤال التالي: ما هو المشهد الراهن لهذه الأزمة التي تعيشها ليبيا؟ فهذا سيمكننا من أن نكتشف الثقوب التي من الممكن أن تدخل منها تداعيات النظام الدولي سالفة الذكر، ‏وكذلك معرفة الثقوب التي يجب أن تغلق مبكراً قبل أن تدخل من خلالها تداعيات هذا النظام الدولي؟

في هذا السياق، عدّد الدكتور علي سعيد ثلاثة مشاهد تعيشها الأزمة الليبية، تستدعي جميعها حالة من «الهشاشة»، التي تمثل الثقب الأكبر لتداعيات النظام الدولي، لتجد طريقها للدولة الليبية:

أول هذه المشاهد: «انغلاق المشهد السياسي الليبي»، الذي يصفه الدكتور علي سعيد بأنه مشهد خطير للغاية، لا سيما وأن كل الأطراف المحلية والدولية تنظر إلى أمرين في توصيفها المشهد السياسي الليبي، الأول: الحفاظ على الوضع الراهن، والثاني: ناتج الحل من منظمة الأمم المتحدة عبر بعثتها الأممية.

ويؤكد الدكتور علي سعيد في هذه النقطة الأمر التالي: إن الذي يقول إن من الممكن الحفاظ على الوضع الراهن فهو «واهم»، حسب وصفه، وإن الذي ينتظر الحل من المجتمع الدولي فهو «غاشم»‏.
ويوضح الدكتور علي سعيد أن الأمر هنا لا يتعلق بـ«الحلول الجزئية» التي تأتي من بعض الدول التي تؤثر على المشهد الليبي، ولكن من المجتمع الدولي ككل، الذي سوف لن ينتج حلاً للأزمة الليبية على الإطلاق، حسب وصفه.

ثاني هذه المشاهد: «مشهد عسكري أمني» غير مستكمل، الذي يصفه الدكتور علي سعيد بـ«الحزام الآمن» الذي تشهده أجزاء من أقليم ليبيا دون أجزاء أخرى، مشددا على ضرورة استكماله، ليتمكن الليبيون من صد تداعيات النظام الدولي القادم.

ثالث هذه المشاهد: «مشهد تدخل خارجي متزايد» في ظل مرحلة الهشاشة التي تعيشها ليبيا، حيث حذر الدكتور علي سعيد من توسع دائرة التأثير من الخارج على الأزمة الليبية، حيث إن أي ناتج وارد من الخارج سيكون ناتجا خطيرا كنتيجة لحالة الهشاشة التي نعيشها.

ويضع الدكتور علي سعيد المعادلة التالية:
نظام دولي «غاشم» وتداعياته المحتملة + حالة من الهشاشة الليبية + مشهد سياسي ليبي منغلق + حزام آمن غير مستكمل + مشهد تدخل خارجي متزايد = ما الذي يجب على النخب والأطراف الليبية أن تعمله؟

ويقول الدكتور علي سعيد إن حل هذه المعادلة يحتم علينا تفسير التحركات السياسية القائمة اليوم التي تدفع نحو تسوية الأزمة، والتي تعددت بتعدد جهاتها، المتمثلة في المبادرة الأمريكية وخريطة الطريق الأممية، بالإضافة إلى حلول ومبادرات أخرى، منها ما كانت في السابق وفشلت، ومنها ما تنسج هنا وهناك، وشكلت في النهاية منظراً شبيها بـ«بانوراما الحلول»، التي في مجملها متصلة بمصفوفات مصالح يجب على الليبيين والنخب الليبية إدراكها:

الأول: إن ليبيا كانت قبل توقيع اتفاق الموازنة الموحد (الذي وحد الإنفاق التنموي والعمل الاقتصادي) تعيش انقساماً ناعماً، وبعد هذا الاتفاق انتقل هذا الانقسام الناعم إلى انقسام واقعي. وعلل الدكتور علي سعيد الأمر قائلا: «الاتفاق الذي وُقع قد أُقر من الجناحين (يقصد الطرف في الشرق والطرف في الغرب)، وهو ما يعني تثبيتا للوضع السياسي، والأكثر من ذلك للوضع الاقتصادي أيضا، والمفقود في هذا المشهد هو الانتقال ‏إلى ما يُعرف بحالة (الاستدامة السياسية)، وهو ما يمثل الانتقال إلى الزاوية الأخرى المفقودة التي يجب أن تتشكل، المتمثلة في الزاوية السياسية».

بعبارة أخرى، من أجل استعادة التحكم في الدفة فيما يتعلق بالحالة الليبية الراهنة، بعد ما شهدته من التطورات الأخيرة في المشهد الاقتصادي والأمني والعسكري، يتطلب من الليبيين العمل على تأسيس مركز سياسي أو مراكز سياسية حسب الحاجة التي تُمليها الجغرافيا والإيديولوجية والتقسيم الاقتصادي والمالي، بالإضافة إلى السلطات الواقعية.

‏ووصف الدكتور علي سعيد هذه الأركان الثلاثة بزوايا المثلث (الهرم)، حيث الزاوية الأولى هى زاوية الأمن والاستقرار، والزاوية الثانية هي زاوية الاقتصاد، وما فيها من إ‏عمار وتنمية، والزاوية الثالثة هي زاوية ما يُعرف ببرنامج «الاستدامة السياسية».

____________________

ليبيا بين التعاون والوهم

كيرستن كنيب

لأول مرة، يشارك ممثلون من كلا طرفي الانقسام السياسي في ليبيا في مناورة “فلينتلوك” العسكرية متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة. فهل يمثل هذا بارقة أمل مشروطة لإعادة التوحيد؟

يتدرب جنود من نحو 30 دولة على مكافحة الإرهاب، وممارسة التعاون الدولي، والسعي لتعزيز الاستقرار الهش في المنطقة، ضمن مناورة “فلينتلوك” العسكرية المشتركة بقيادة الولايات المتحدة. تجري التدريبات في ليبيا وساحل العاج حتى نهاية أبريل/نيسان.

وبالنسبة لليبيا، المنقسمة بين إدارتي شرق وغرب بعد سنوات من الحرب الأهلية، فإن مشاركة ممثلين من كلا الشطرين في التمرين لأول مرة تحمل دلالة بالغة الأهمية.

تقارب مرئي

قالت هاجر علي، عالمة السياسة في معهد “غيغا” الألماني للأبحاث (مقرّه هامبورغ)، لموقع دويتشه فيله: “على العموم، تمثل هذه خطوة سياسية لافتة حقاً”. وأضافت أن “فلينتلوك” جزء من تنسيقية تدريبات عسكرية راسخة بقيادة أمريكية، لكن الموقع والمشاركين يحدثان فرقاً هذه المرة.

وأشارت إلى أن “إجراء التمرين في ليبيا لأول مرة ومشاركة كلا المعسكرين المتنافسين يشكلان سمة خاصة”، مذكرة بأنه يندرج بوضوح ضمن الجهود طويلة الأجل لتوحيد القوات المسلحة المجزأة منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.

ويوافقه الرأي مايكل باور، رئيس مكتب مؤسسة كونراد أديناور في تونس، قائلاً: “المصافحة العلنية بين المعسكرين المتنافسين تمثل علامة نادرة ومرئية على التقارب”. وأضاف لموقع DW أن هذا يثبت إمكانية التعاون، على الأقل على المستوى العملياتي، وإن كان لا يزال تحت وساطة خارجية، خاصة من الولايات المتحدة.

دولة مختلة وظيفياً

هذا التقارب الحذر تحت الضغط الأمريكي يشمل دولة لا تزال بالكاد تعمل كدولة. فوفقاً لمؤشر “برتلسمان” للتحول 2026 الصادر حديثاً: “تفتقر البلاد إلى هيكل حكومي موحد وفعال، مع فصل واضح بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية”.

بمعنى آخر، تتوزع السلطة السياسية والاقتصادية بين حكومات متنافسة وجماعات مسلحة وفاعلين إقليميين آخرين، مما ينتج بيئة سياسية مجزأة تعيق إرساء حكم ديمقراطي فعال.

منذ عام 2014، ليبيا منقسمة بين حكومتين متنافستين: في الغرب، حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة ومقرها طرابلس؛ وفي الشرق، حكومة الاستقرار الوطني في طبروق، المدعومة من الجنرال خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي.

على هذه الخلفية، يبقى أي شكل من أشكال التعاون لافتاً، والتمرين العسكري ليس المثال الوحيد. فمؤخراً، ولأول مرة منذ سنوات، تم اعتماد ميزانية وطنية موحدة. يرى خبير شمال أفريقيا باور في ذلك “علامة ملموسة على التقارب المؤسسي”، لكنه يحذر من التوقعات غير الواقعية.

وترى هاجر علي أيضاً أن هذه مجرد خطوة ممكنة في مسار أطول. وقالت: “الميزانية الموحدة قد تساعد في إعادة توازن هياكل السلطة الاقتصادية، خاصة تجاه فاعلين مؤثرين مثل الجنرال خليفة حفتر الذي يحكم شرق البلاد وشبكته المتغلغلة بعمق في البنى الاقتصادية الليبية”. وأضافت أنه على الأقل، تمثل محاولة لتركيز النفوذ السياسي والاقتصادي بشكل أقوى.

عوامل أخرى مؤثرة

يؤكد المحللان أن الدوافع الكامنة وراء التمرين العسكري بقيادة أمريكية تمتد إلى ما هو أبعد من ليبيا، لتركّز على مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل بأكملها، والانتشار المتزايد للأسلحة هناك (نتيجة للحرب في السودان مثلاً)، وجهود دحر النفوذ الروسي. وتشير هاجر علي بشكل خاص إلى الوجود الروسي في شرق ليبيا، قائلة: “الولايات المتحدة تحديداً تسعى بوضوح لمواجهة هذا بقوة”.

وبسبب موقعها الجغرافي في شمال أفريقيا ومواردها النفطية، أصبحت ليبيا مسرحاً للتنافس الاستراتيجي الدولي بشكل متزايد. وقد ذكر معهد الشرق الأوسط (مقره واشنطن) مؤخراً: “إنتاج ليبيا من النفط، المستقر حالياً بترتيبات غير رسمية لكنه هيكلياً هش، بات أكثر أهمية من المعتاد”.

قد يشكل هذا فرصة لليبيا، لكن الديناميكيات السياسية الداخلية تظل غير قابلة للتوقع، كما أن الأسئلة الجوهرية حول توزيع السلطة والموارد لا تزال محل نزاع بين مراكز القوى المتنافسة. ويقول تحليل المعهد: “من غير المرجح أن يُحسم موضوع الخلافة في ليبيا عبر آليات قانونية رسمية فقط”. ومن غير المرجح أن تحدث علامات التعاون المعزولة فرقاً كبيراً في معالجة هذه المشكلة البنيوية.

توترات اقتصادية

قدّر صندوق النقد الدولي في دراسة حديثة: “المسار المالي الحالي لليبيا غير مستدام. العجز المالي الكبير المتواصل يزيد الضغوط على سعر الصرف والاحتياطيات الدولية والتضخم”. ويشكل ارتفاع الإنفاق العام والتضخم وضغوط العملة ضغطاً على السكان ويفاقم التوترات الاجتماعية. وقد طالما اعتبرت الإصلاحات ضرورة ملحة، لكنها تظل صعبة التنفيذ سياسياً.

وبالرغم من مؤشرات التعاون الأخيرة، يرى المحلل مايكل باوير فرصة ضئيلة في المستقبل القريب لإحراز تقدم جوهري بين الأطراف المتصارعة وقادتها. وقال لموقع DW: “الانقسام يمنحهم إمكانية الوصول إلى الموارد ويضمن نفوذهم”. وأضاف خبير شؤون ليبيا: “محاولات التعاون المحدودة حتى الآن لم تكن أكثر من تعاون يراه الطرفان مفيداً لهما”.

بالنسبة لليبيين، هذا يعني أن التعاون في التدريبات العسكرية والميزانية الوطنية قد يكون خطوة أولى. لكن ما دام الفاعلون السياسيون الرئيسيون يواصلون جني الأرباح من انقسام ليبيا والحفاظ على هياكل قوتهم، فمن المرجح أن تبقى ليبيا القوية والموحدة مجرد وهم.

***

كيرستن كنيب – محرر سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط

________________

ليبيا توحّد ميزانيتها: هل يبدأ الاستقرار من بوابة المال؟

نورة مجدوب

رحَّبت عشرُ دولٍ، في بيانٍ مشتركٍ نشرته الخارجية الأمريكية، بتوقيع حكومتي الشرق والغرب في ليبيا ميزانية موحَّدة للبلاد تنهي 13 عاما من الانقسام المالي والإنفاق المزدوج.

وكان محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى قد أعلن في 11 أبريل/نيسان توحيد الإنفاق العام بين شرق البلاد وغربها، من خلال إقرار ميزانية موحدة وقَّع عليها كل من عيسى العريبي ممثل مجلس النواب الذي مقره في بنغازي، وعبد الجليل الشاوش ممثل المجلس الأعلى للدولة في طرابلس.

وتنقسم السلطة في ليبيا بين حكومتين: حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا برئاسة عبد الحميد الدبيبة ومقرها العاصمة طرابلس التي تدير منها غرب البلاد، وحكومة شرق ليبيا التي تدير شرق البلاد ومعظم مدن الجنوب برئاسة أسامة حماد والتي عينها مجلس النواب مطلع 2022، ومقرها بنغازي.

الدول الموقعة على البيان هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ومصر وتركيا والسعودية والإمارات وقطر.

ووصفت حكومات الدول العشر توقيع ميزانية موحدة لليبيا لهذا العام بأنه “خطوة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القيادات الليبية في الشرق والغرب”.

وذكرت الدول العشر الموقعة على البيان أن “التنفيذ الكامل للميزانية الموحدة سيسهم في تعزيز الاستقرار المالي في ليبيا، والدفاع عن قيمة الدينار والقوة الشرائية للشعب الليبي، وتمكين تنفيذ مشاريع التنمية والاستثمارات الدولية في مختلف أنحاء البلاد، إضافة إلى تعزيز المؤسسات التكنوقراطية الحيوية في البلاد، بما في ذلك مصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، وديوان المحاسبة الليبي”.

تفاصيل الخطة المشتركة

تبلغ قيمة الميزانية الموحدة نحو 30 مليار دولار مقسمة إلى بنود، يقول محللون مختصون في الشأن الليبي إن هناك إجماعا عليها.

وقد استحوذ البند الخاص بالرواتب على النصيب الأكبر من الميزانية بقيمة 73.16 مليار دينار، إذ تمثل الرواتب نحو 36.7 في المئة من إجمالي الإنفاق العام. بينما قدرت “النفقات التشغيلية” بنحو 10 مليارات دينار، إضافة إلى 13.6 مليار دينار نفقات تشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط. وخصصت الميزانية المتفق عليها 40 مليار دينار لبند التنمية قُسّمت بين حكومتي الشرق والغرب. فيما خُصّص ما تبقى لباب “الدعم”.

وسعت واشنطن إلى تثبيت هذا الاتفاق، إذ زار كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، ليبيا في وقت سابق داعيا لدعم جهود بعثة الأمم المتحدة للدفع نحو عملية سياسية يقودها الليبيون لتوحيد المؤسسات.

وقال بولس: “نشجع جميع أصحاب المصلحة الليبيين على الانخراط بشكل بنّاء مع بعثة الأمم المتحدة واتخاذ خطوات ذات مغزى نحو توحيد المؤسسات، وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ذات مصداقية تتيح للشعب الليبي اختيار قادته”.

وجدد بولس هذا الدعم الأمريكي في أحدث لقاء جمعه بالدبيبة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا. وفي تدوينة في حسابه على منصة إكس كتب بولس: “ناقشنا سبل البناء على هذه الخطوات في مجالي التكامل الاقتصادي والعسكري، وكيف يمكن للولايات المتحدة دعم التقدم نحو توحيد المؤسسات الليبية كافة وإجراء انتخابات وطنية”.

وتعود بداية هذه الخطة المشتركة إلى شهر آب/ أغسطس الماضي، حين قدمت رئيسة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، إحاطة لمجلس الأمن الدولي أعلنت خلالها خريطة طريق جديدة ترتكز على ثلاث نقاط أهمها توحيد المؤسسات من خلال حكومة جديدة موحدة بهدف إجراء انتخابات ليبية.

يأتي ذلك ضمن جهود تبذلها البعثة الأممية بهدف إيصال ليبيا إلى انتخابات تحل أزمة صراع دام أكثر من عقد بين حكومتي الشرق والغرب.

وفي تدوينة نشرها يوم الاتفاق على صفحته على فيسبوك، وصف رئيس حكومة الوحدة، المعترف بها دوليا، عبد الحميد الدبيبة الاتفاق بأنه “خطوة تحمل بوادر خير”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “الاختبار الحقيقي يكمن في الالتزام الجاد من جميع الأطراف، حتى يتحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية”.

أما الحكومة في الشرق برئاسة أسامة حماد، فقد وصفت الاتفاق بأنه “خطوة تمثل تحولا مهما على طريق توحيد المؤسسات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد”، وجدّدت التزامها الكامل بالتنسيق المستمر مع المصرف والمؤسسات الشريكة لضمان حسن تنفيذ هذه الإجراءات المالية.

وفي تصريح لبي بي سي نيوز عربي من شرق ليبيا، قال الصحفي الاقتصادي، عبد الله الزايدي، إن هذا الاتفاق “يفتح آفاقاً تتجاوز مجرد صرف الرواتب أو تغطية النفقات. فنحن نتحدث عن خريطة للاستقرار من خلال توسيع الاستثمار وتحفيزه، إذ تمثل الميزانية الموحدة الضوء الأخضر الذي ينتظره المستثمر المحلي والمستثمر الأجنبي حتى يجد ضمانة للعمل”.

وينظر الزايدي بتفاؤل إلى الاتفاق الذي قال إنه “سيدفع إلى استقرار العملة وتحسين القوة الشرائية ويفتح طريقاً للتنمية الشاملة التي تليق بموارد ليبيا”.

ميزانية واحدة أم إعادة توزيع للنفوذ باسم المال؟

يجمع اتفاق الميزانية الموحدة بين طرفين يخوضان صراعاً منذ 13 عاماً، ويرى خبراء في الشأن الليبي أن عثرات كبيرة تواجه تنفيذ بنود الاتفاق بسبب استمرار ما يصفونه بـ”قنوات الإنفاق الموازي غير الخاضع للرقابة” خاصة المتعلقة بمجال الطاقة، وغياب الرقابة وآليات التحقق من الإنفاق مما يجعل هذا الاتفاق عرضة للانتهاكات.

قال الكاتب السياسي الليبي، عز الدين عقيل، لبي بي سي، إن “هناك أطرافاً تبيع النفط بطريقة موازية عبر التهريب رغم قرار مجلس الأمن ببيع النفط الليبي فقط عن طريق المؤسسة الوطنية للنفط، كما أن هناك بنوكاً دولية تورطت في إتمام العمليات المالية من دون مراقبة. سيعمل هؤلاء على خلق خروقات في هذه الميزانية لعلهم يستفيدون منها، وذلك لأن البيئة الحالية تناسب النفوذ الأجنبي المخالف للقانون والمرتبط بأعمال الفساد.”

وحسب الخبراء فإن وجود حكومتين ومراكز قرار متعددة هو ما أدى إلى خلق مسارات صرف متوازية أربكت الاقتصاد الليبي الذي يعتمد أساسا على النفط لتمويل غالبية احتياجاته المالية. وتمثل حصة النفط والغاز 94 في المئة من إجمالي صادرات ليبيا لعام 2024.

وقال الكاتب السياسي صلاح البكوش إن:”الحديث عن ميزانية موحدة ليس مجرد نقاش محاسبي، بل سؤال حول السلطة: من يقرر؟ ومن يصرف؟ ومن يراقب؟ إذا كانت الميزانية أداة تنمية، فلماذا تتحول كل مرة إلى ساحة صراع؟ وإذا كان الهدف هو توحيد الإنفاق، فلماذا لا نوحد المؤسسات بدلاً من توزيع المال على عدة نسخ من مؤسسة واحدة؟”، ويرى البكوش أن الاتفاق هو في الواقع “إعادة توزيع للنفوذ تحت عنوان مالي”.

وأضاف البكوش:”إذا لم تتحول الميزانية الموحدة إلى أداة دولة، فستبقى أداة صراع. وإذا بقي القرار المالي موزعاً بين أطراف متنافسة، فلن نتحدث عن إصلاح، بل عن إدارة أزمة طويلة بأسماء مختلفة”.

وبشأن الاتفاق يقول عز الدين عقيل إنه “ليس توحيد ميزانية، بل وهم يبيعونه لليبيين، فوحدة الميزانية تكون لحكومة واحدة أما ما حدث فهو تقسيم ميزانية الدولة بين حكومتين”. وشبه عقيل اتفاق الميزانية الموحدة بما حدث سابقا بين بغداد وأربيل متوقعا حدوث مشاكل كثيرة في المستقبل.

ويضيف عقيل مشيراً إلى أن “الصراع بين الحكومتين ليس فقط بشأن تقاسم هذه الأموال، بل بينهما عشرات المشاكل الأمنية والسياسية والثقافية، فأي أزمة غير مالية قد تقع بين الطرفين ستنعكس على موقف كل منهما من الحصة المالية للآخر، وسنرى أن البلاد بسبب هذه الخروقات التي ستنشأ عن هذا التقسيم قد تصل حتى إلى عودة الحرب الأهلية”.

ويرى شقٌّ واسعٌ من الليبيين أن توقيع ميزانيةٍ مشتركةٍ خطوةٌ مهمةٌ لتوحيد المؤسسات المالية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي بعد قطيعةٍ زادت على عقدٍ من الزمن، فيما يرى آخرون أنها محفوفةٌ بجملةٍ من التحديات السياسية والإدارية والاقتصادية، وأنها محاصصةٌ في ظل ميزانيةٍ مقسَّمةٍ بين طرفي الصراع.

_____________________