Author - manara

مناجم تحت النار.. من يسيطر على ثروات المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا؟ (1)

تحوّل المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا إلى ساحة للتنافس على الذهب وطرق الإمداد العسكري خلال الحرب السودانية، بعدما منحت السيطرة على مواقعه الصحراوية عند جبل العوينات، مليشيات الدعم السريع منفذًا استراتيجيًا نحو جنوب شرق ليبيا، حيث تنتشر شبكات تجارة وتهريب ترتبط بتشكيلات مسلحة موالية للقائد العسكري الليبي الانقلابي خليفة حفتر، وتتصل بأسواق إقليمية ودولية لتصريف الذهب.

واكتسبت المنطقة أهمية عسكرية واقتصادية متزايدة منذ يونيو/حزيران 2025، عندما انسحب الجيش السوداني من مواقعه فيها وسيطرت عليها مليشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وسط اتهامات سودانية لقوات حفتر بالمشاركة في الهجوم، عززتها لاحقًا نتائج تحقيق أممي وثّق دور تشكيلات ليبية في تسهيل وصول المقاتلين والوقود والمعدات العسكرية.

وأدى انتقال السيطرة إلى تعطيل المناجم ونزوح آلاف العاملين، قبل استئناف استخراج الذهب تحت إشراف الدعم السريع وفق ترتيبات لتقاسم عائداته مع المعدّنين والتجار.

وفي موازاة ذلك، كشفت تحقيقات دولية وشهادات ميدانية عن شبكات لنقل الذهب السوداني عبر ليبيا ومصر باتجاه أسواق دبي وإسطنبول، فيما عززت القاهرة وجودها العسكري قرب الحدود السودانية، وحافظت على علاقاتها الوثيقة بحفتر ودعمها للجيش السوداني.

وزادت غارات 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، التي استهدفت منقبي الذهب في جبل العقيدات على الحدود السودانية المصرية وأوقعت عدة قتلى، من حدة التوتر المرتبط بالثروات الحدودية، وسط اتهامات للطيران المصري بتنفيذها.

وتضع هذه التطورات مناجم المثلث وطرق الوصول إليها في قلب شبكة مصالح تتداخل فيها القوى العسكرية والتجار والوسطاء، وتثير أسئلة بشأن الجهات التي تتحكم بإنتاج الذهب وعائداته، وطبيعة الدور المصري والليبي في إعادة تشكيل موازين النفوذ بالمنطقة.

مناجم المثلث الحدودي.. أين يوجد الذهب ومن يسيطر عليه؟

يقع المثلث عند جبل العوينات في الصحراء الكبرى، حيث تلتقي الحدود السودانية المصرية الليبية، ويمتد نشاطه الاقتصادي إلى مناطق صحراوية أوسع تضم مواقع تعدين وأسواقًا تقليدية.

بدأ التنقيب عن الذهب في المنطقة نحو عام 2012، بحسب دراسة أعدها أحمد سليمان، الباحث في الشؤون الأفريقية، وسليمان بلدو، مؤسس مرصد السودان للشفافية والسياسات، ونشرها معهد تشاتام هاوس البريطاني. وشكّل سوق المثلث مركزًا لتجميع الذهب وتبادل البضائع، وارتبط بشبكة إمداد مع سوق الخنّاق في الولاية الشمالية السودانية.

وفي تحقيق نشرته منصة أتر السودانية في 9 يوليو/تموز 2026، أوضح التاجر عبد الجبار حسن العبيد أن الشاحنات كانت تنقل المياه والمواد الغذائية ومستلزمات التعدين إلى المنطقة، ثم تعود ببضائع قادمة من ليبيا وأحجار الذهب لمعالجتها في طواحين الخنّاق، ضمن نشاط تجاري وفر مصادر رزق لسائقي الشاحنات والحمّالين وأصحاب المطاعم ومحال التموين والصاغة.

مناطق التعدين والأسواق والطرق التجارية التي ربطت المثلث بالولاية الشمالية السودانية وجنوب شرق ليبيا

وأدى انتقال السيطرة العسكرية على المثلث إلى اضطراب الإنتاج والتجارة، إذ أفاد المعدّن محمد عثمان في شهادة نشرها موقع “دارفور 24″، المتخصص في تغطية إقليم دارفور، يوم 21 أغسطس/آب 2025، بأن مليشيا الدعم السريع طلبت من العاملين مواصلة التنقيب بعد دخولها المنطقة، قبل أن تبدأ موجة نزوح نتيجة أعمال النهب التي اتهم عناصر منها بتنفيذها.

استمر الإنتاج نحو 33 يومًا، ثم توقف إثر ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مصادر المياه في جبل كسو وسوق كتمت، واتهم عثمان الجيش السوداني بتنفيذها، مشيرًا إلى مقتل ثمانية معدّنين وإصابة آخرين في إحدى الضربات.

وتفاقمت أوضاع المعدّنين خلال الأشهر التالية، ففي 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نقل “دارفور 24” عن ثلاثة عمّال وصلوا إلى وادي حلفا أن مليشيا الدعم السريع طردت العاملين من المناجم خلال أكتوبر/تشرين الأول واستولت على مواقع التعدين.

وروى المعدّن محمد عيسى شرف الدين أن قوة مسلحة طوقت مواقع العمل وأمهلت الموجودين أسبوعًا للمغادرة عبر الحدود المصرية، فيما تحدث آخرون عن نزوح مجموعات كبيرة بعد استهداف بئر “أم الخير”، أحد مصادر المياه الرئيسية للمناجم، والواقعة على مسافة 70 كيلومترًا من السوق.

لكن النشاط التعديني عاد تدريجيًا في أبريل/نيسان 2026، بعدما سمحت مليشيا الدعم السريع للتجار والمستثمرين باستئناف العمل.

وفي تحقيق نشره “دارفور 24″، كشف المعدّن وليد أبكر عن تشغيل المناجم وفق اتفاقات لتقاسم حصص الإنتاج بين المستثمرين والعاملين، مع إعادة تشغيل طواحين الحجر واستخدام الزئبق لاستخلاص الذهب.

وأوضح المعدّن إسحق إبراهيم أن شركة مرتبطة بالدعم السريع بدأت شراء “الكارتة”، وهي مخلفات الأحجار بعد استخراج الذهب منها، لإعادة معالجتها مقابل حصة من المعدن المستخلص، بينما تحدث تاجر محلي عن تفاهمات مع القوات المسيطرة لتأمين الأسواق والمناجم والحد من النهب والاختطاف. وعادت محال الصاغة والمواد الغذائية والمطاعم إلى العمل بصورة محدودة، بالتزامن مع استئناف وصول البضائع من الكفرة الليبية.

وحدد عنصر في الدعم السريع، عرّفه الموقع بالأحرف “م. ع”، هوية قائد القوات بالمنطقة، وهو عبد الله أبكر باشا، المعروف باسم “عبد الله قروش”، الذي قال إنه كان موجودًا في الإمارات وقت نشر التحقيق.

وتشير ترتيبات التشغيل إلى استفادة القوة المسيطرة من عائدات التعدين عبر حصص الإنتاج ومعالجة المخلفات، مع استمرار غياب تفاصيل نسب التقاسم وهوية الشركة التي تشتري “الكارتة”.

وتعرضت حركة التعدين لاضطراب جديد في مايو/أيار 2026، مع تصاعد الحشود العسكرية حول المثلث وفرض قيود على حركة المعدّنين بسبب التهديدات الأمنية ونشاط الطائرات المسيّرة. وأظهرت شهادات التجار التي نشرتها “أتر” في يوليو/تموز استمرار انقطاع الطريق التجاري القديم مع الخنّاق، رغم إعادة تشغيل بعض المناجم، بعدما تحولت أجزاء واسعة من التجارة نحو المسارات الليبية.

وتتوافق هذه التطورات مع تجربة الدعم السريع السابقة في إدارة مناجم الذهب، إذ أوضح سليمان وبلدو في دراسة تشاتام هاوس أن المليشيا استفادت قبل اندلاع الحرب من شركات تابعة لمجموعة “الجنيد” المملوكة لعائلة دقلو، ومن ترتيبات الحماية المفروضة على العاملين والتجار، فضلًا عن المشاركة المباشرة لبعض وحداتها في استخراج المعدن.

وبرز هذا النموذج في مناجم جبل عامر بشمال دارفور وسنقو بجنوب دارفور، قبل ظهور ترتيبات مشابهة لتقاسم الإنتاج ومعالجة مخلفات التعدين في المثلث.

من المناجم إلى الأسواق.. من يدير شبكات تهريب الذهب؟

تبدأ رحلة الذهب المستخرج من المثلث بتجميعه لدى التجار في أسواق المناجم، قبل نقله عبر الطرق الصحراوية إلى ليبيا ومصر.

وفي شهادات نشرها “دارفور 24” يوم 21 أغسطس/آب 2025، أكد معدّنون أن معظم الإنتاج كان يُهرّب إلى البلدين بسبب ارتفاع العائدات مقارنة ببيعه في أسواق السودان الداخلية، وأن اضطراب الأمن بعد سيطرة الدعم السريع أدى إلى انخفاض الأسعار التي يحصل عليها العاملون، مع تراجع حركة المشترين والمركبات.

وتبرز مدينة الكفرة في جنوب شرق ليبيا إحدى محطات هذه التجارة، حيث تتجمع شبكات نقل البضائع والوقود والمهاجرين والذهب القادم من السودان وتشاد.

وتتبعت منصة “أتر” السودانية في مارس/آذار 2025، طرق التجارة والتهريب بين السودان وليبيا، موضحة أن القوافل كانت تنطلق من نيالا والفاشر عبر كبكابية وكتم والعوينات وصولًا إلى الكفرة، قبل أن تؤدي الحرب إلى تحول جزء من الحركة نحو مليط ومسارات تخضع لنقاط تفتيش تديرها القوات المسيطرة.

وأشارت إلى أن الذهب الخام المستخرج من مناجم دارفور وكردفان يُنقل عبر شبكات تهريب إلى الأسواق الليبية، بالتوازي مع تدفق الوقود وقطع الغيار والبضائع في الاتجاه المعاكس، وسط تزايد نفوذ الجماعات المسلحة على حركة التجارة الحدودية.

وفي 3 يناير/كانون الثاني 2026، نقل “دارفور 24” عن أربعة مصادر في شمال دارفور استئناف الحركة التجارية بين بلدة المالحة السودانية والكفرة عبر طريق يمر بواحة ربيانة والمثلث الحدودي، بعدما سيطرت الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وأفاد التجار بأن عشرات الأشخاص كانوا يتحركون أسبوعيًا لجلب الوقود والمواد الغذائية باستخدام مركبات صغيرة، مع استمرار صعوبة عبور الشاحنات الثقيلة، ما أسهم في خفض أسعار بعض السلع داخل مناطق شمال دارفور.

وفي الجانب الليبي، تؤدي كتيبة “سبل السلام” بقيادة عبد الرحمن هاشم الكيلاني دورًا رئيسيًا في تأمين الطرق القادمة من الكفرة، وترتبط الكتيبة بقوات حفتر وقبيلة الزوية ذات النفوذ في المدينة.

ووفق دراسة نشرها معهد تشاتام هاوس في فبراير/شباط 2025 عن اقتصاد تهريب المهاجرين في ليبيا، تدير الكتيبة نقاط تفتيش تُفرض عبرها رسوم على حركة البضائع والعبور، ضمن ترتيب محلي أُنشئ عام 2017 لتوزيع الإيرادات عبر “صندوق إعمار الكفرة”، تحصل بموجبه “سبل السلام” على نصف العائدات مقابل الخدمات الأمنية والجباية، فيما يخصص النصف الآخر للمجلس المحلي.

وتتصل هذه الطرق بشبكة ليبية أوسع تستقبل الذهب من مناجم كوري بوغودي وتيبستي وإزري قرب الحدود الليبية التشادية، إلى جانب المثلث السوداني المصري الليبي.

ووفق دراسة سليمان وبلدو، تحولت ليبيا إلى محطة لتجميع الذهب ونقله نحو الأسواق الخارجية، بمشاركة قادة من التشكيلات التابعة لحفتر، مع استخدام رحلات جوية إلى إسطنبول ودبي ومسارات تمر عبر مطاري مصراتة ومعيتيقة.

وكان جهاز الأمن الداخلي الليبي قد أعلن إحباط تهريب 100.8 كيلوغرام من الذهب و1.5 مليون يورو داخل أربع حقائب في مطار مصراتة يوم 21 سبتمبر/أيلول 2024، على متن رحلة متجهة إلى تركيا، في واقعة تكشف طبيعة إحدى قنوات التهريب الجوي عبر ليبيا.

…

يتبع

________________

هل يمكن للانقلاب البرلماني في ليبيا أن يكسر الجمود السياسي في البلاد؟

غابرييلي مالفيسي

• البرلمان الشرقي يعزل رئيسه المخضرم في مؤشر محتمل على تسارع الجهود الرامية إلى توحيد مؤسسات البلاد المنقسمة
• يقول المحللون إن هذه الخطوة قد تعزز قبضة عائلة حفتر على شرق ليبيا وتُعقّد جهود التوحيد التي تقودها الأمم المتحدة

أُطيح برئيس البرلمان الليبي المخضرم يوم الثلاثاء في خطوة يُرجّح أن تضخ توتراً جديداً في المشهد السياسي شبه المجمّد في البلاد.

وقد أُقصي عقيلة صالح، أحد داعمي قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر، من منصبه بعد 12 عاماً في رئاسة البرلمان. وخلفه الصالحين عبدالنبي العبيدي في رئاسة البرلمان المتمركز في الشرق.

ويأتي هذا التغيير في لحظة دقيقة تمر بها بلد منقسم بين حكومتين متنافستين تدعمهما ميليشيات مسلحة ورعاة دوليون. ويضغط المجتمع الدولي من أجل إصلاحات تؤدي إلى توحيد المؤسسات الليبية الممزقة، والحفاظ على الزخم في الجهود الرامية إلى إجراء انتخابات طال تأجيلها، محذراً من أن أي انتكاسة قد تعمّق الانقسامات بين السلطتين المتنافستين.

غير أن المحللين يقولون إن هذا التغيير قد يرسّخ تلك الانقسامات أكثر، لا سيما في ظل تحركات حفتر لتوطيد سلطته.

ويوم الاثنين، أقرّ 98 نائباً تعديلات على اللائحة الداخلية لمجلس النواب تنص على إنشاء رئاسة جديدة وتحدد ولاية الرئيس والنواب بفترة واحدة مدتها 12 شهراً، منهيةً بذلك الترتيب المفتوح الذي كان سارياً منذ عام 2014.

وبعد يوم واحد، وفي جلسة ترأسها النائب الثاني لرئيس المجلس مصباح دومة، تحرّك النواب لاستبدال صالح وسط استياء متزايد من قيادته.

وقال النائب جبريل اوهيبة لرويترز: “كان هناك استياء كبير بين النواب من القيادة السابقة بسبب أخطاء عديدة”. وأضاف: “حاولنا التواصل مع القيادة لمعالجة هذه المسائل، لكن دون جدوى. ومن بين هذه الأخطاء قرارات اتُّخذت دون التشاور مع النواب”.

وقبل تصويت الثلاثاء، قال أيضاً إنه ألغى جلسة الاثنين التي كان قد دعا إليها، بحجة أن النواب لم يتبعوا الإجراءات القانونية المطلوبة بموجب قوانين البرلمان ولائحته الداخلية، ولا سيما تلك المتعلقة بالتعديلات.

وقبل أسبوعين، اتهم 86 نائباً في بيان مشترك صالح بمنعهم من دخول مقر البرلمان وبعرقلة اكتمال النصاب لمناقشة إصلاح البرلمان وتعديلات اللائحة الداخلية.

وكان محور الخلاف هو القانون رقم 4 لعام 2014، الذي حدّد اللائحة الداخلية لمجلس النواب، لكنه لم يفرض ولاية محددة على الرئيس أو يشترط إجراء انتخابات داخلية منتظمة. وأراد بعض النواب تغيير ذلك، وطالبوا بإجراء تصويتات سنوية لتجديد قيادة المجلس.

وقد نظرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي طويلاً إلى صالح، وهو شخصية بارزة في ليبيا ما بعد القذافي، باعتباره معرقلًا، وفرضتا عليه عقوبات — ثم رفعتاها — بسبب دوره في عرقلة جهود السلام المدعومة من الأمم المتحدة وتشكيل حكومة وحدة.

أما خلفه العبيدي، فهو مهندس تحول إلى سياسي يمتلك خبرة في الشؤون الخارجية، بما في ذلك رئاسته للجنة الصداقة البرلمانية الليبية-التركية.

وفي بيان يوم الثلاثاء، رحّب حفتر بتعديلات قيادة مجلس النواب، وأكد مجدداً دعم القيادة العامة للمجلس وقيادته الجديدة. كما تمنى للعبيدي النجاح في دفع ليبيا نحو التحول إلى دولة مستقرة وموحدة.

لكن محللين قالوا لـ”عرب نيوز” إن هذه الخطوة تبدو أقل كخطوة نحو الوحدة وأكثر كمؤشر آخر على جهود حفتر لتوطيد السلطة.

وقال بن فيشمان، الزميل الأول في برنامج فينشتاين للعائلة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، لـ”عرب نيوز”: “كان صالح عائقاً سياسياً دائماً أمام الوحدة، إلى درجة أنه فُرضت عليه عقوبات أمريكية”.

وأضاف: “لكن الطريقة التي أُقصي بها تُظهر أنه لم يكن قوياً إلا بالقدر الذي يسمح به حفتر. وإزالته مؤشر آخر على جهود عائلة حفتر لتوطيد سيطرتها على الشرق”.

وأصبح حفتر الزعيم الفعلي لشرق ليبيا بعد إطلاقه عملية الكرامة في عام 2014، وهي هجوم طرد الحكومة التي يقودها متطرفون في بنغازي.

وعلى مر الوقت، رسّخ قبضته في الشرق بدعم من مجلس النواب — الذي وفّر له غطاءً سياسياً قبل أن يصبح تابعاً أكثر فأكثر لقيادته العسكرية — وسيطر على أصول اقتصادية واستراتيجية رئيسية، بما في ذلك حقول النفط والموانئ البحرية والمطارات والقواعد العسكرية ومطبعة المصرف المركزي.

ومنذ ذلك الحين، برز نجله ونائبه صدّام حفتر كأحد الوجوه الرئيسية لانفتاح شرق ليبيا في محادثات الوحدة مع حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً، والتي تتخذ من طرابلس مقراً لها في غرب ليبيا.

وقد التقى مسؤولين أمريكيين وأتراكاً وبحرينيين وإماراتيين، ويُقدَّم بشكل متزايد كشخصية جسر محتملة في جهود التوحيد، بما في ذلك أحدث الدفعات التي قادتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة.

وكان آخر هذه الجهود اتفاقاً برعاية الأمم المتحدة في أواخر أغسطس، يُعرف بمبادرة “4+4″، جمعت ممثلين اثنين من كل من أربع مؤسسات رئيسية ووضعت خارطة طريق للانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال عامين.

غير أن الخبراء لا يزالون متشككين في معسكر حفتر، وقد أضافت إزالة صالح من السلطة طبقة أخرى من عدم اليقين.

وقال فيشمان: “سيتحدى التغيير بالتأكيد مبادرة 4+4 التي ترعاها الأمم المتحدة، لأن مجلس النواب أقرّها”. وأضاف: “إذا رأينا تغييراً في الممثلين عن الشرق في مبادرة 4+4، فسيشكل ذلك تحدياً خطيراً للعملية برمتها”.

وتابع: “من السابق لأوانه معرفة كيف سيؤثر ذلك على خطة بولوس، التي واجهت معارضة ليبية داخلية”، في إشارة إلى اقتراح من المستشار الأمريكي الأول للشؤون العربية والشرق أوسطية مسعد بولوس.

وجاءت مبادرة 4+4 التي تقودها الأمم المتحدة بعد أشهر من المفاوضات بين الكتل المتنافسة في ليبيا. وقد سعت إلى كسر حلقة الترتيبات السياسية المؤقتة التي استمرت منذ سقوط معمر القذافي في عام 2011.

وقد تعثرت الجهود السابقة للتوصل إلى تسوية دائمة مراراً بسبب خلافات حول القوانين الانتخابية وشرعية المؤسسات والسيطرة على أجهزة الدولة وتوزيع السلطة. وهذا التاريخ يعني أن التنفيذ سيكون الاختبار الحاسم. لكن الخبراء حذروا من أن النجاح سيعتمد على ما إذا كانت مراكز القوى المتنافسة تثق ببعضها بما يكفي للوفاء بالاتفاق وتجنب تكرار الإخفاقات السابقة.

ويريد مجلس النواب وحكومة الاستقرار الوطني، المدعومان من حفتر وجيشه الوطني الليبي، حكومة انتقالية موحدة جديدة، قد تكون حكومة تعزز معسكرهما.

بل ظهرت بعض المقترحات التي تشير إلى أن عبد الحميد الدبيبة، رئيس الوزراء الحالي لحكومة الوحدة الوطنية المتنافسة، قد يبقى في منصبه بينما يصبح صدّام حفتر رئيساً بصلاحيات تنفيذية.

في المقابل، تريد حكومة الوحدة الوطنية المتمركزة في طرابلس إجراء الانتخابات أولاً. وقد قاومت أي ترتيب يبدو أنه قد يرسّخ نفوذ حفتر أو يهمّش مؤسسات غرب البلاد.

ومع ترك الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة بعض هذه الأسئلة دون حل، تدخلت الولايات المتحدة بمبادرة موازية ومتداخلة جزئياً تهدف إلى دفع العملية السياسية وتوحيد المؤسسات الليبية.

ووفقاً لما ذُكر، فإن الدفعة الأمريكية، التي قُدّمت كتكملة للجهد الأممي وليس بديلاً عنه، حظيت بزخم أكبر في الشرق لأنها ارتبطت بحوافز عملية، مثل التنسيق العسكري وإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي، بدلاً من كونها خارطة طريق سياسية بحتة.

وفي يونيو، التقى صدّام حفتر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لمناقشة جهود التوحيد، وهي خطوة قال الخبراء إنها ساعدت في تثبيت شرعية معسكر حفتر ونفوذه.

وفي هذا السياق، قال محللون إن إزالة صالح “تقول أكثر عن التوطيد داخل الشرق مما تقوله عن أي تحول بين الشرق والغرب”، حتى مع استمرار الفاعلين الأجانب في المراقبة عن كثب.

وقال فرانك تالبوت، الزميل الأول غير المقيم في برنامج شمال أفريقيا في المجلس الأطلسي، لـ”عرب نيوز”: “صنع القرار في شرق ليبيا يمر الآن بشكل أوضح عبر عائلة حفتر، وهذا على الأرجح يعزز موقفهم في أي صفقة وطنية”.

وأضاف: “على المدى القصير، من المرجح أن يُنظر إليه في واشنطن وعواصم أخرى على أنه إزالة لمصدر تأخير في خارطة الطريق الأممية. وستحدد طريقة رد أنقرة والقاهرة ما إذا كان لدى صالح أي خيارات للمقاومة”.

غير أن مكانة معسكر حفتر كشريك في الوحدة تبدو بالفعل تحت الضغط. فالأسبوع الماضي، اتهم مسؤولون في طرابلس صدّام حفتر بالإشراف على “خلية إرهابية” تقف وراء هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت تخزين الوقود ومحطات الكهرباء في غرب ليبيا، وهي مزاعم قيل إنها عقّدت جهود التوحيد.

وفي الوقت الحالي، تتحول الأنظار إلى أول تحركات العبيدي كرئيس للمجلس، والتي ستُظهر أين يقف مجلس النواب الآن ومقدار النفوذ الذي يتمتع به حفتر فعلاً.

وقال تالبوت إن “أول اختبار للعبيدي هو الشرعية القانونية، لأن صالح اعتبر الجلسة التي مهدت الطريق له باطلة”.

وأضاف: “بعد ذلك، المعيار هو ما إذا كان سيدير المجلس كهيئة تشريعية تنعقد بانتظام، وتعمل بشكل بنّاء مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشأن خارطة الطريق، وتقر القوانين التي سيتطلبها التوحيد الاقتصادي والأمني”.

________________

حقوق المعلمين ومسؤولية الدولة: مَن يعيد التلاميذ إلى مدارسهم؟

مجدي الشبعاني

‎

تضع اعتصامات المعلمين في ليبيا الدولة أمام اختبار يتجاوز الخلاف على المرتبات. فحين تتوقف الدراسة، يصبح السؤال متعلقًا بقدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها، وإدارة النزاع المهني، وحماية حق الأطفال في التعليم.

وفي تقديري، يبدأ التعامل المنصف مع هذه الأزمة بالاعتراف بأن كرامة المعلم وانتظام الدراسة مصلحتان متلازمتان، وأن إضعاف إحداهما ينعكس على الأخرى.

تشمل المطالب المعلنة تحسين المرتبات، وصرف الفروقات والمستحقات، وتوفير التأمين الصحي، وحماية المعلم أثناء أداء عمله. وقد أعلنت النقابة، عقب اجتماعها بممثل الحكومة في 26 سبتمبر 2026، تمسكها بصدور قرارات رسمية وبدء تنفيذ بعض المطالب قبل رفع الاعتصام. وتكشف هذه الصيغة، في قراءتي، أن الخلاف أصبح متعلقًا بالثقة في التنفيذ بقدر تعلقه بمضمون المطالب.

ويقتضي التقييم القانوني التمييز بين مستحقات ثابتة بموجب تشريع أو قرار نافذ أو حكم قضائي واجب التنفيذ، وبين مطالب تستهدف إقرار زيادات أو مزايا جديدة. فالأولى تحتاج إلى التحقق من نطاق الاستحقاق وحسابه وتنفيذه، أما الثانية فتحتاج إلى تفاوض وتقدير مالي وأداة قانونية مناسبة. وخلط النوعين يضعف النقاش؛ إذ يسمح بتقديم الحقوق المتأخرة كأنها طلبات جديدة، أو بتقديم كل زيادة مقترحة كأنها دين مستحق بالفعل.

ولمطالب الرعاية الصحية سند تشريعي واضح في القانون رقم 4 لسنة 2018 بشأن مرتبات العاملين بقطاع التعليم وحقوقهم ومزاياهم. فالمادة السابعة تقرر تخصيص تمويل للرعاية الصحية والاجتماعية، والمادة التاسعة تلزم الوزارة بالتأمين ضد الأمراض وأخطار المهنة وتوفير الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية وفق نطاقها. ولذلك، فإن معالجة هذا الملف تستوجب بيان ما نُفّذ من هذه الأحكام، وما بقي، والجهة المسؤولة عن تنفيذه.

أما الاحتجاج السلمي، فيستحق أن يُعامل باعتباره تعبيرًا مهنيًا عن مصالح جدية. وتقر مبادئ الهيئات الرقابية بمنظمة العمل الدولية بأهمية الإضراب في الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية للعاملين، ولا تصنف التعليم عمومًا ضمن الخدمات الأساسية بالمعنى الضيق الذي يبرر حظر الإضراب. ومع ذلك، فإن تقييم قانونية الإضراب الجاري في ليبيا يتطلب فحص القواعد الوطنية والإجراءات المتبعة؛ فعدالة المطالب لا تحسم وحدها قانونية كل وسيلة مستخدمة لتحقيقها.

وفي إدارة الأزمة، تقع المسؤولية الأكبر على السلطات التي تملك القرار والتنفيذ. وقد أعلنت وزارة التربية والتعليم، في اجتماع 15 سبتمبر، وضع خارطة طريق لمعالجة الملفات العالقة. لكن خارطة الطريق لا تستطيع بناء الثقة ما لم تتحول إلى التزامات محددة، بمواعيد وتمويل ومسؤوليات معلنة. كما أن معالجة ملف مالي بهذا الحجم تقتضي مشاركة رئاسة الحكومة والجهات المالية، إلى جانب الوزارة والنقابات.

وفي المقابل، تتحمل النقابات مسؤولية مراجعة أثر استمرار الإضراب الشامل. فالتلاميذ يتكبدون خسارة تعليمية عن نزاع لا يملكون تسويته، وقد تتسع الفجوة بين مَن تستطيع أسرهم توفير بدائل تعليمية ومَن يعتمدون بالكامل على المدرسة العامة. ومن هنا، فإن قوة الموقف النقابي تزداد حين يجمع بين التمسك بالحقوق والاستعداد لحل مرحلي موثوق يحمي الدراسة. ويظل هذا التقدير مختلفًا عن مطالبة المعلمين بالعودة مقابل تعهدات عامة تتكرر دون ضمانات.

المخرج العملي، في تقديري، هو اتفاق مكتوب ومعلن يحدد المستحقات المعترف بها، وآلية تدقيق المختلف عليه، ومواعيد الصرف، وخطوات تفعيل الرعاية الصحية، ومسار التفاوض على الزيادات الجديدة. ويقترن الاتفاق ببدء تنفيذ ملموس، مقابل استئناف الدراسة، مع متابعة مشتركة وخطة تربوية لتعويض الفاقد. أما المستحقات التي يتعذر صرفها دفعة واحدة، فيمكن بحث جدولتها بالاتفاق مع ممثلي المعلمين، على أن تكون المواعيد واضحة والتنفيذ قابلًا للتحقق.

إن نجاح الدولة في معالجة هذه الأزمة يُقاس بقدرتها على إعادة المعلم إلى فصله مطمئنًا إلى حقوقه، وإعادة التلميذ إلى مدرسته مطمئنًا إلى استقرار تعليمه. وهذا يتطلب قرارات قابلة للتنفيذ، وتمثيلًا نقابيًا مسؤولًا، وثقة تُبنى بما يتحقق على الأرض. فكل تأخير في التسوية يستهلك من حقوق المعلمين ومن وقت التلاميذ معًا.

***

د. مجدي الشبعاني ـ أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا

___________




ليبيا تمتلك المحروقات التي تحتاجها أزمة الطاقة العالمية، لكن هل يمكنها الوفاء بالالتزام؟

إندا ماغواير

تتمتع ليبيا بموقع ملائم يؤهلها للعب دور أكبر في أسواق الطاقة العالمية، في وقت تهدد فيه سلسلة من الأزمات الجيوسياسية إمدادات المحروقات وطرق النقل حول العالم.

ومع ذلك، وبينما تثير الاضطرابات حول مضيق هرمز وباب المندب والبنية التحتية الحيوية للطاقة في روسيا وأوكرانيا والسعودية مخاوف بشأن أمن الإمدادات، تكافح ليبيا للحفاظ على إنتاج مستقر في قطاع المحروقات لديها.

حذّرت المؤسسة الوطنية للنفط في 22 سبتمبر/أيلول من أنها قد تُضطر إلى إعلان القوة القاهرة بعد إغلاق منشآت نفطية رئيسية والصمام رقم 7 على خط أنابيب الخام الشرارة، مما عطّل الإنتاج والعمليات حول الزاوية.

وقد أدى إغلاق الصمام إلى توقف تدفق الخام من حقل الشرارة نحو ميناء الزاوية، حيث قدّرت المؤسسة الخسائر بنحو 130 ألف برميل يومياً، وحذّرت من أن استمرار الاضطراب قد يؤثر على التكرير وإمدادات الوقود المحلية والإيرادات الحكومية.

التوقيت بالغ الأهمية. فأسواق الطاقة العالمية تدخل فترة تصبح فيها الإمدادات الإضافية الموثوقة ذات قيمة متزايدة، في حين تمتلك ليبيا بعضاً من أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في أفريقيا، وهي تنتج بالفعل نحو 1.4 مليون برميل يومياً.

والسؤال هو ما إذا كانت ليبيا قادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى مساهمة ملموسة في الإمدادات العالمية، أم أن مشاكلها السياسية والأمنية ستمنعها من الاستفادة من هذه الفرصة.

نظام طاقة عالمي تحت الضغط

يتضح حجم الاضطراب بشكل أكبر مع اقتراب نصف الكرة الشمالي من الشتاء، حين يزداد الطلب على وقود التدفئة تقليدياً.

أفادت وكالة الطاقة الدولية في سبتمبر/أيلول أن إنتاج النفط العالمي انخفض بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً بين يوليو/تموز وأغسطس/آب، ليصل إلى 100.1 مليون برميل يومياً.

وظل أكثر من 10 ملايين برميل يومياً من إنتاج الخليج متوقفاً بسبب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وللعام بأكمله، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يبلغ متوسط الإمدادات العالمية 100.7 مليون برميل يومياً، أي أقل بمقدار 5.7 مليون برميل يومياً عن مستويات 2025.

غير أن المشكلة الأكثر إلحاحاً ليست مجرد النفط الخام. فقد أصبحت المنتجات المكررة، ولا سيما الديزل وزيت الغاز، مصدراً رئيسياً للضغط. ويمثل الديزل ما يقرب من 30% من الطلب العالمي على النفط، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، في حين تجاوزت أسعار الديزل الأمريكية 200 دولار للبرميل في أوائل سبتمبر/أيلول، أي أعلى بنحو 94% عن مستويات ما قبل الحرب.

وقد أصبحت روسيا جزءاً مهماً من هذه المشكلة. فقد استهدفت الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة المصافي الروسية بشكل متزايد، مما قلّص قدرة البلاد على تحويل الخام إلى وقود. ومن أجل تهدئة أسواق الطاقة العالمية، كان دونالد ترامب قد صرّح سابقاً بأن أوكرانيا وافقت على وقف استهداف البنية التحتية للطاقة الروسية، غير أن هذا الالتزام المزعوم من زيلينسكي لم يتحقق بعد.

وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن طاقة التكرير الروسية انخفضت إلى 3.8 مليون برميل يومياً في يونيو/حزيران، أي أقل بنحو 30% عن العام السابق، في حين كان إنتاج الديزل أقل بنحو 30%. وفي الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، تعرّضت مصفاة روسية لضربة بطائرة مسيّرة أوكرانية مرة كل ثلاثة أيام تقريباً.

وتُلمَس العواقب خارج روسيا. فقد كانت صادرات الديزل الروسية والشرق أوسطية المجتمعة في أغسطس/آب أقل بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً عن مستويات فبراير/شباط. وكان هذان الإقليمان يمثلان ما يقرب من 45% من تجارة الديزل البحرية العالمية في مثل هذا الوقت من العام الماضي.

وفي الوقت نفسه، فإن مضيق هرمز مغلق فعلياً. فقبل الأزمة الحالية، كان نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية يمر عبر هذا الممر المائي. وأفادت رويترز في 21 سبتمبر/أيلول أن 17 سفينة تجارية فقط عبرت المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة، مقارنة بـ37 سفينة في الأسبوع الذي سبقه، ومتوسط ما قبل الحرب الذي كان يقارب 125 سفينة يومياً.

كما انخفضت الحركة عبر باب المندب، في حين أن استيلاء أنصار الله الأخير على كامل الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك ميناء المخا الاستراتيجي وجزيرتي بريم وذو قر، منح الجماعة سيطرة فعلية على الجانب اليمني من هذا الطريق الملاحي الحيوي. ويثير هذا التطور احتمال مزيد من الاضطراب في ممر مائي يربط البحر الأحمر وقناة السويس بخليج عدن والأسواق الأوسع في أوروبا وآسيا.

كما أظهر خط الأنابيب السعودي شرق-غرب، المصمم تحديداً لتوفير بديل عن هرمز وباب المندب، هشاشة الطرق البديلة. فقد أُغلق الخط البالغ طوله 1200 كيلومتر بعد هجمات بطائرات مسيّرة أُطلقت من العراق، وكان ينقل نحو 4-5 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 4-5% من الإمدادات العالمية.

والنتيجة هي سوق ذات هوامش أمان متضائلة بشكل متزايد. والضغط كبير بشكل خاص على الديزل والمقطرات المتوسطة الأخرى، التي تمثل نحو 30% من الطلب العالمي على النفط وتُعد ضرورية للنقل والصناعة والزراعة والتدفئة.

ومع اقتراب الشتاء، يرتفع الطلب على التدفئة، مما يزيد استهلاك المقطرات المتوسطة. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع الطلب الموسمي على المقطرات المتوسطة بين أغسطس/آب ونوفمبر/تشرين الثاني بنحو 1.2 مليون برميل يومياً مع استعداد الأسواق لموسم التدفئة الشتوي.

ويأتي هذا في وقت تُستنزف فيه المخزونات العالمية بالفعل، حيث انخفضت المخزونات بمقدار 95 مليون برميل في أغسطس/آب وحده، وبحوالي 507 ملايين برميل منذ فبراير/شباط.

وبالتالي، يأتي الطلب الشتوي الأعلى في الوقت نفسه الذي تكون فيه المخزونات المتاحة أقل، مما يترك للأسواق قدرة أقل على استيعاب مزيد من اضطرابات الإمداد. وهذا يعني أن أي خسارة إضافية في إنتاج المصافي أو اضطراب في طرق الإمداد النفطية الرئيسية قد يكون لها تأثير غير متناسب على توافر الديزل وأسعاره. وهذا لا يترك مجالاً يُذكر لمزيد من الصدمات على جانب الإمداد مع اقتراب الشتاء.

أين يمكن أن تندرج ليبيا

يخلق هذا الوضع فرصة غير عادية لليبيا. فقد أنتجت البلاد نحو 1.4 مليون برميل يومياً في أغسطس/آب، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، في حين أفادت المؤسسة الوطنية للنفط في يونيو/حزيران أن إنتاج الخام بلغ 1.44 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2013. وقد كانت المؤسسة تستهدف إنتاج 1.5 مليون برميل يومياً بحلول نهاية عام 2026.

كما أن ليبيا في موقع جغرافي جيد لتزويد الأسواق الأوروبية. فيمكن لخامها الوصول إلى مصافي البحر المتوسط دون المرور عبر مضيق هرمز أو باب المندب، مما يمنح احتياطيات المحروقات الليبية ميزة جغرافية استراتيجية عندما تتعطل تلك الطرق.

وهذا لا يعني أن ليبيا قادرة على تعويض ملايين البراميل من النفط التي شُطبت من السوق. فإنتاجها صغير مقارنة بالكميات التي تُنقل عادة عبر الطرق التقليدية من الشرق الأوسط والخليج، وزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات وبنية تحتية عاملة واستقراراً سياسياً.

ومع ذلك، قد تصبح البراميل الليبية الإضافية ذات قيمة متزايدة على الهامش. فإذا كان المشترون الأوروبيون والمتوسطيون يتنافسون على إمدادات أقل، فإن تدفق صادرات ليبية مستقر قد يوفر مصدر طاقة بديلاً.

وينطبق الشيء نفسه على المنتجات المكررة. فمصفاة الزاوية الليبية تبلغ طاقتها نحو 120 ألف برميل يومياً وتنتج البنزين والديزل ووقود الطائرات وغاز البترول المسال وزيت الوقود ومنتجات أخرى للاستهلاك المحلي. وموقعها وبنيتها التحتية القائمة يعنيان أن نظام تكرير عامل يمكن أن يساعد ليبيا على تقليل اعتمادها على المنتجات النفطية المستوردة مع دعم الإمدادات الإقليمية.

هشاشة ليبيا الطاقية

المشكلة أن ليبيا تكافح للحفاظ على الاستقرار ذاته الذي تتطلبه الأسواق العالمية بشكل متزايد. ويُظهر التحذير الأخير من المؤسسة الوطنية للنفط هذا التناقض. وهذه الهشاشة لا تقتصر على الإغلاق الأخير.

ففي أغسطس/آب، استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة خزانات وقود في مجمع الزاوية. وتضرر أحد الخزانات الذي كان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين، كما أثرت هجمات متكررة على البنية التحتية للكهرباء القريبة.

والزاوية مهمة بشكل خاص لأنها تقع عند تقاطع إنتاج الخام ونقل النفط والتكرير وتوزيع الوقود المحلي. وما يخلقه هذا هو حلقة تغذية راجعة ضارة بشكل خاص.

فليبيا تحتاج إلى بنية تحتية موثوقة للطاقة لزيادة الإنتاج والصادرات، لكن انعدام الأمن حول هذه البنية التحتية يمكن أن يقلل الإنتاج ويلحق الضرر بالمنشآت ويزيد اعتماد البلاد على الوقود المستورد، وهو أمر بالغ الأهمية نظراً لأن ليبيا تعاني من أزمة وقود محلية خاصة بها.

ويزيد اعتماد البلاد على واردات المنتجات المكررة الوضع حدة. فحتى مع تشغيل مصفاة الزاوية، تظل ليبيا معتمدة على الوقود المستورد للاستهلاك المحلي. ولذلك، فإن اضطراباً مطولاً قد يقلل في الوقت نفسه صادرات الخام ويزيد كمية المنتجات النفطية المكررة التي تحتاج ليبيا لشرائها من الخارج.

فرصة مقيّدة بعدم الاستقرار

وبالتالي، فإن أزمة الطاقة العالمية تمثل لليبيا فرصة وتحذيراً في آن واحد. فالأسواق الدولية تدخل فترة من إمدادات أضيق ومخزونات مستنزفة وضغط شديد على المنتجات المكررة.

وقد كشف إغلاق مضيق هرمز عن هشاشة صادرات الخليج؛ ووضعت التهديدات حول باب المندب طريقاً ملاحياً رئيسياً آخر تحت الضغط؛ وقلّصت الهجمات على المصافي الروسية إمدادات الديزل؛ وأظهر خط الأنابيب السعودي شرق-غرب أن حتى البنية التحتية المصممة خصيصاً لتجاوز نقطة اختناق رئيسية يمكن أن تصبح هي نفسها هدفاً.

وحتى الولايات المتحدة تدرس تدابير للاحتفاظ بمزيد من الديزل محلياً. وقد ظهرت تقارير هذا الأسبوع عن حظر محتمل للتصدير لمدة 90 يوماً، رغم أن البيت الأبيض نفى التحضير لحظر شامل.

غير أن مجرد النظر في مثل هذا الإجراء يوضح مدى الضغط في أسواق الوقود الدولية. فقد بلغت أسعار الديزل الأمريكية 6.529 دولار للغالون في الأسبوع المنتهي في 21 سبتمبر/أيلول، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

وبالنسبة لليبيا، ينبغي أن يمثل هذا فرصة. فخامها قريب من الأسواق الأوروبية الرئيسية، وإنتاجها تعافى نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وقطاع المحروقات لديها لديه مجال كبير لمزيد من التطوير.

لكن التحذير الأخير من المؤسسة الوطنية للنفط يوضح المشكلة الكامنة في قلب الدولة الليبية. فلا يمكن لليبيا الاستفادة الكاملة من نقص عالمي في الطاقة الموثوقة إذا ظلت بنيتها التحتية للطاقة عرضة للجماعات المسلحة والخلافات السياسية والإغلاقات التشغيلية.

قد تكون السوق الدولية تبحث عن براميل إضافية، لكن التحدي الليبي يتمثل أولاً في ضمان أن البراميل التي تنتجها بالفعل يمكن أن تصل بشكل موثوق إلى مثل هذه الأسواق.

وإذا تمكنت من حماية بنيتها التحتية بفعالية، والحفاظ على الإنتاج، وتوسيع طاقة التكرير، فإن لليبيا القدرة على أن تكون مورداً حاسماً لسوق طاقة متوسطية وأوروبية متزايدة الضغط.

وإذا لم تتمكن من ذلك، تخاطر البلاد بالبقاء مفارقة في أزمة الطاقة العالمية — تمتلك موارد كبيرة في اللحظة التي تكون فيها هذه الموارد في أعلى قيمة، لكنها غير قادرة على ضمان تسليمها الموثوق.

________________

محمد عون .. من وزير النفط إلى رئيس حكومة إنقاذ ليبيا؟

صلاح الهوني

إذا كان محمد عون سيطرح اسمه لقيادة حكومة إنقاذ، فيجب أن يكون أول من يقبل بقواعد تجعل حكومته تحت الرقابة.

بعد سنوات طويلة من الانقسام والارتباك وتعدد مراكز النفوذ، ربما يكون السؤال الذي تحتاج ليبيا إلى طرحه اليوم مختلفاً عن الأسئلة التي اعتادت طرحها منذ 2011.

لم يعد السؤال فقط: من يستطيع أن يشكل حكومة جديدة؟ ولا من يستطيع أن يجمع هذا الطرف أو ذاك؟ وإنما: من يستطيع أن يقود حكومة محدودة المهمة، واضحة الصلاحيات، وتضع استعادة ثقة الليبيين في مؤسسات الدولة قبل أي حساب آخر؟

ومن هنا، فإن ما يقوله وزير النفط السابق محمد عون في ظهوره الإعلامي الأخير يستحق أن يُقرأ بعيداً عن الضجيج السياسي المعتاد، ليس لأن كل ما يقوله يمثل بالضرورة الحقيقة النهائية، وإنما لأن الرجل يعيد إلى الواجهة ملفات تتعلق بالنفط والمال العام والعقود والإنفاق وإدارة واحدة من أهم ثروات الليبيين.

عون لم يتحدث للمرة الأولى عن سوء إدارة قطاع النفط أو عن أموال ومشروعات وعقود يرى أنها تحتاج إلى مراجعة. وخلال السنوات الماضية دخل في أكثر من مواجهة حول طريقة إدارة القطاع، وطرح أسئلة تتعلق بالتعاقدات وتطوير الحقول والغاز والوقود وأوجه الإنفاق.

وفي 2026 عاد إلى انتقاد إدارة ملفات النفط والغاز والوقود، متحدثاً عن مليارات يرى أنها أُهدرت بسبب سوء الإدارة، وهي اتهامات ينبغي أن تبقى، مهما كانت خطورتها، في إطار ما يقوله صاحبها إلى أن تفصل فيها الجهات الرقابية والقضائية المختصة.

وهنا بالضبط تكمن أهمية القضية. ليبيا ليست بحاجة إلى مزيد من السجالات الإعلامية التي يتبادل فيها المسؤولون الاتهامات ثم تغلق الملفات بانتهاء المقابلات. إذا كانت هناك مليارات أُنفقت، فيجب أن نعرف أين ذهبت. وإذا كانت هناك عقود أبرمت، فيجب أن نعرف شروطها ومن استفاد منها. وإذا كانت هناك مشروعات تعثرت رغم تخصيص الأموال لها، فيجب أن نعرف لماذا تعثرت ومن يتحمل المسؤولية.

فالمال العام لا يحميه طرف سياسي من خلال الدفاع عن نفسه، وإنما تحميه مؤسسات الرقابة والقضاء وشفافية المعلومات.

ومن هنا تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية عن كل ما يقوله عون: من يحمي الرجل نفسه عندما يتحدث عن ملفات بهذه الحساسية؟ في بلد ما زالت فيه السياسة مرتبطة في كثير من الأحيان بموازين القوة والنفوذ، يصبح أمن المسؤول أو الموظف أو الصحفي الذي يفتح ملفات المال العام قضية تتجاوز الشخص إلى الدولة.

حماية محمد عون، أو أي مسؤول يكشف معلومات ويطرح أسئلة حول إدارة المال العام، يجب ألا تكون منّة من أحد، وإنما مسؤولية مؤسسات الدولة. وإذا كان عون مخطئاً، فالقانون موجود لمحاسبته. وإذا كان ما يقوله يحتاج إلى تحقيق، فليُفتح التحقيق.

وليس ممكناً أيضاً فصل قضية عون عن المسار القانوني الذي مر به خلال السنوات الماضية. ففي مارس 2024 أوقفت هيئة الرقابة الإدارية عون احتياطياً عن العمل، قبل أن تصدر في مايو من العام نفسه قراراً برفع الوقف، فعاد إلى مباشرة عمله في وزارة النفط.

وبعد ذلك دخل في نزاع مع حكومة الوحدة الوطنية حول وضعه في الوزارة وتكليف وكيل بتسيير مهامها. وفي ديسمبر 2024 رفضت الدائرة الإدارية الثالثة بمحكمة استئناف طرابلس الاستشكال المقدم من رئيس الحكومة بشأن الحكم الصادر لصالح عون، وقضت بتمكينه من العودة إلى وظيفته، وفق ما أوردته مصادر ليبية.

وقد تطورت القضية لاحقاً إلى نزاع أوسع حول قرارات الإعفاء وتنفيذ الأحكام، فيما تحدث عون عن أحكام أخرى صدرت لصالحه. وهذه التفاصيل، بصرف النظر عن الموقف من الرجل أو من الحكومة التي كان جزءاً منها، تضع أمام ليبيا سؤالاً بالغ الحساسية: ماذا يعني احترام حكم القضاء في دولة ما زالت مؤسساتها منقسمة؟

لأن الدولة التي تريد بناء الثقة لا يمكنها أن تطالب المواطنين باحترام القانون بينما تتحول الأحكام القضائية إلى موضوع قابل للتأويل السياسي أو التفاوض الإداري.

دولة القانون لا تختار الأحكام التي تناسبها، ثم تبحث عن مبررات لتأجيل الأحكام التي لا تناسبها. وإذا كان الحكم القضائي قابلاً للطعن، فهناك طرق الطعن. أما إذا أصبح نهائياً وواجب التنفيذ، فإن احترامه جزء من احترام الدولة لنفسها.

لكن القضية التي أراها أهم من كل ذلك هي: لماذا لا نفتح النقاش حول إمكانية أن يكون محمد عون رئيساً لحكومة إنقاذ وطنية محدودة المهمة؟

هذا السؤال لا يعني أن عون يملك حلاً سحرياً لأزمة ليبيا، ولا يعني أنه رجل بلا أخطاء، ولا أن تجربته السابقة في وزارة النفط تمنحه تلقائياً حق قيادة الحكومة. بل يعني شيئاً أبسط: بعد سنوات من الحكومات التي تشكلت على أساس التوازنات السياسية والترضيات والمحاصصة. لماذا لا تجرب ليبيا نموذجاً مختلفاً يقوم على حكومة صغيرة من أصحاب الكفاءة، تكون مهمتها محددة، وولايتها محددة، ورقابتها واضحة، وهدفها الأساسي إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين المواطن والدولة وتهيئة الطريق أمام انتخابات حقيقية؟

وفي هذا التصور يمكن أن يكون النفط نقطة البداية، لا لأن ليبيا بلد نفطي فقط، بل لأن النفط هو المورد الذي تقوم عليه الدولة كلها تقريباً. ولذلك فإن حماية الثروة النفطية يجب أن تكون إحدى أولويات أي حكومة إنقاذ.

المطلوب ليس فقط زيادة الإنتاج، وإنما إصلاح طريقة إدارة القطاع، ورفع مستوى الشفافية في العقود والمشروعات والإنفاق، وإعادة الاعتبار إلى التخطيط الفني، وربط الإنفاق النفطي بعوائد واضحة على الاقتصاد والمواطن.

لقد تحدث عون خلال وجوده في وزارة النفط عن خطط لزيادة الإنتاج وتطوير قطاع النفط والغاز، كما دخل في خلافات متكررة حول طريقة إدارة القطاع والعقود والمشروعات. لكن أي تجربة جديدة يجب ألا تقوم على ثقة شخصية في الوزير أو رئيس الحكومة، بل على قواعد مؤسسية تجعل حتى المسؤول الذي نثق به خاضعاً للرقابة.

وهذا هو الفارق بين البحث عن “رجل نزيه” والبحث عن “دولة نزيهة”.

ليبيا لا تحتاج إلى رجل قوي جديد يحتكر القرار، وإنما إلى حكومة قوية بالمؤسسات. وإذا كان محمد عون سيطرح اسمه لقيادة حكومة إنقاذ، فيجب أن يكون أول من يقبل بقواعد تجعل حكومته تحت الرقابة. إقرار ذمة مالية، وميزانية معلنة، ونشر العقود الكبرى، وتمكين أجهزة الرقابة من ممارسة دورها، واحترام القضاء، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالإنفاق العام، ومحاسبة أي مسؤول تثبت مخالفته، بما في ذلك رئيس الحكومة نفسه. بهذه الطريقة فقط يمكن أن تتحول فكرة النزاهة من صفة شخصية إلى نظام حكم.

فالنفط الليبي ليس ملكاً لمحمد عون، ولا لعبد الحميد الدبيبة، ولا لأي حكومة في طرابلس أو الشرق، ولا لأي رئيس وزراء قادم. النفط ملك الليبيين. ولذلك فإن كل دولار يخرج من الخزانة العامة يجب أن يكون له عنوان واضح، وكل مشروع يجب أن يكون قابلاً للتدقيق، وكل عقد يجب أن يخضع للقانون، وكل شركة تتعامل مع الدولة يجب أن تعرف أن الشفافية ليست خياراً.

وإذا كانت هناك اتهامات بالهدر أو الفساد، فالحل ليس أن يصدق الناس عون أو يكذبوه. الحل أن تفتح الملفات أمام الجهات المختصة، وأن تنشر النتائج للرأي العام. فالعدالة لا تقوم على التصديق الأعمى بالمسؤول، كما لا تقوم على إدانته مسبقاً.

ومن هنا أيضاً فإن حكومة الإنقاذ التي يمكن التفكير فيها يجب أن تكون حكومة مهمة، لا حكومة إقامة. حكومة تقول منذ يومها الأول: هذه مهمتي، وهذه صلاحياتي، وهذه ميزانيتي، وهذه المدة التي أطلبها، وهذه المؤشرات التي سيحاسبني الليبيون عليها. وإذا انتهت المهمة، تنتهي الحكومة.

لا نريد مرحلة انتقالية جديدة تتحول إلى نظام دائم.

ولا نريد حكومة تأتي تحت عنوان “الإنقاذ” ثم تكتشف بعد سنوات أن الإنقاذ يحتاج إلى إنقاذ آخر.

المطلوب حكومة مصغرة، بعدد محدود من الوزارات، تركز على الملفات التي يمكن أن تعيد للدولة قدرتها على العمل: الأمن والمؤسسات، النفط والمال العام، الكهرباء والخدمات، توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية، وتهيئة الظروف القانونية والسياسية لإجراء انتخابات حقيقية وتسليم السلطة.

وفي هذا السياق يمكن أن يكون طرح اسم محمد عون مفيداً للنقاش حتى لو انتهى الأمر إلى عدم اختياره. فالقضية ليست أن نبحث عن شخص نضعه فوق الدولة، وإنما أن نبحث عن نموذج حكومة يمكن أن يستعيد ثقة الليبيين.

وإذا كان عون، كما يراه بعض الليبيين، يمثل شخصية ارتبطت في تجربتها السياسية بخطاب يدعو إلى احترام القانون والشفافية في قطاع النفط، فإن أفضل طريقة لاختبار ذلك ليست بالمديح، وإنما بوضعه أمام قواعد صارمة لا يستطيع تجاوزها هو نفسه.

لقد سأل الليبيون طويلاً: من سيحكم ليبيا؟ وربما آن الأوان لأن نغير السؤال إلى: من يستطيع أن يقود مرحلة إنقاذ قصيرة، محددة، شفافة، ثم يسلم السلطة؟

هذا سؤال مختلف.

فهو لا يبحث عن زعيم جديد، ولا عن شخصية تنضم إلى قائمة الشخصيات التي حكمت ليبيا أو حاولت حكمها. إنه يبحث عن رئيس حكومة يعرف منذ اليوم الأول أن مهمته ليست البقاء، وإنما الرحيل بعد إنجاز ما تعهد به.

وإذا كان اسم محمد عون مطروحاً في هذا النقاش، فأنا أراه جديراً بأن يُطرح بجدية، لا باعتباره مرشحاً فوق النقد، وإنما باعتباره اختباراً لفكرة أكبر: هل تستطيع ليبيا أن تمنح الكفاءة والنزاهة فرصة بعيداً عن المحاصصة؟

لكن إعطاء النزاهة فرصة لا يعني إعطاء شخص ثقة مطلقة. بل يعني إعطاء المؤسسات فرصة أيضاً.

فإذا كان محمد عون مخطئاً في بعض ما يقول، فليظهر ذلك أمام القضاء والرقابة. وإذا كانت لديه ملفات صحيحة، فلتفتح التحقيقات بشأنها. وإذا كان صالحاً لقيادة حكومة إنقاذ، فليثبت ذلك من خلال برنامج واضح وفريق كفء وقواعد شفافة.

أما أن يبقى النقاش في دائرة الأشخاص والاتهامات المتبادلة، فهذا هو بالضبط ما أوصل ليبيا إلى ما هي عليه.

بعد خمسة عشر عاماً من الانقسام، ربما لا تحتاج ليبيا إلى تجربة سياسية جديدة بقدر حاجتها إلى تجربة مؤسساتية مختلفة: حكومة صغيرة، مهمة محددة، مال عام مكشوف، قضاء محترم، ونهاية معلنة للمرحلة الانتقالية.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل محمد عون هو المنقذ؟ لا أحد يملك الإجابة عن ذلك مسبقاً.

السؤال الأصح هو: هل تستطيع ليبيا أن تختبره، هو أو غيره، داخل نظام صارم من الشفافية والمحاسبة، بعيداً عن المحاصصة ومراكز النفوذ؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد تكون هذه بداية الطريق.

وإذا كانت ليبيا قد سئمت فعلاً من الحكومات التي تبدأ بوعود الإصلاح وتنتهي بطلب تمديد المرحلة الانتقالية، فإن الوقت ربما حان لتجربة شيء مختلف: حكومة تعرف لماذا جاءت، وما الذي ستفعله، ومتى ستغادر.

وفي هذا الإطار، يطرح اسم محمد عون بوضوح، لا باعتباره الرجل الذي يملك مفتاح الأزمة الليبية، وإنما باعتباره اسماً يمكن اختباره ضمن تجربة وطنية مختلفة.

___________

كوكايين الساحل في ليبيا.. تفاصيل شبكة طرق سرية تمتد من النيجر إلى بنغازي وصولاً إلى الموانئ


لم تعد ليبيا بالنسبة إلى شبكات الكوكايين مجرد محطة على طريق طويل يبدأ من أميركا اللاتينية وينتهي في أوروبا أو الشرق الأوسط، داخل الأراضي الليبية نفسها تتغير أيدي الشحنات، وتتفرع الطرق بين الصحراء والموانئ، وتنتقل الحمولة من شبكة إلى أخرى قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من الرحلة.

في السلفادور، عند المثلث الصحراوي بين ليبيا والنيجر والجزائر، لا تنتظر الشحنات طويلاً، وفق مصدر مطلع في جنوب ليبيا تحدث إلى “عربي بوست”. الاتصالات تكون قد سبقت وصولها، والمستلم معروف، وما إن تصل الحمولة حتى تنتقل إلى جهة أخرى تتولى مواصلة الطريق.

لكن وراء هذه النقطة الصغيرة تمتد شبكة أكبر. عمليات ضبط متكررة في النيجر، ومسارات قديمة عبر الساحل، وشبكات مرتبطة بطرق التهريب في فزان، ثم طرق تتجه إلى الكفرة وبنغازي، بالتوازي مع شحنات تصل مباشرة من أميركا اللاتينية إلى الموانئ الليبية.

تكشف هذه الخريطة أن تجارة الكوكايين في ليبيا لا تتحرك عبر طريق واحد أو جهة واحدة، بل عبر ممرات برية وبحرية وشبكات تتغير مع تغير السيطرة على الأرض، وتظهر في هذه الشبكة أسماء قديمة ارتبطت بطرق التهريب، وقادة وفاعلون محليون.

وتكشف التقارير الدولية وعمليات الضبط الرسمية عن حجم عابر للحدود يصعب اختزاله في شحنات منفردة. وتتبع “عربي بوست” مسار الكوكايين من غرب أفريقيا إلى الحدود الليبية، وما يحدث بعد دخوله فزان، وصولاً إلى بنغازي والخمس، لرسم خريطة الطرق والشبكات التي تجعل من ليبيا إحدى حلقات هذا المسار الدولي.

من زيندر إلى منطقة “السلفادور“

كشفت عمليات الضبط في النيجر أن الطريق المؤدي إلى ليبيا لا يعتمد على رحلة واحدة أو شبكة مؤقتة، وإنما على مسارات قابلة للتكرار عبر عدة دول. في مايو/ أيار 2026، ضبطت السلطات النيجرية أكثر من 268 كيلوغراماً من الكوكايين داخل 233 رزمة مخبأة في شاحنة قادمة من أكرا.

أعادت أجهزة مكافحة المخدرات بناء خط سير الشحنة، التي خرجت من غانا، ومرت بلومي في توغو، ثم كاندي في بنين وسوكوتو في نيجيريا، قبل دخول النيجر عبر كوني ومارادي وزيندر، وكانت وجهتها النهائية المفترضة ليبيا عبر الحزام الساحلي الصحراوي.

لكن أهمية القضية لم تكن في كمية المخدرات وحدها. فقد قالت التحقيقات النيجرية إن الرأس المشتبه به للشبكة هو حمادو سامي عيسى، الملقب بـ”المالي”، والمطلوب بموجب مذكرة توقيف دولية، وربطته أيضاً بشحنة أخرى بلغت 51.7 كيلوغراماً من الكوكايين، ضبطت في غايا في 29 سبتمبر/ أيلول 2025.

قبل ذلك، في يناير/ كانون الثاني 2022، ضبطت السلطات النيجرية 214.635 كيلوغراماً من الكوكايين داخل سيارة تابعة لبلدية فاشي كانت تتحرك نحو ديركو قرب الحدود الليبية، وقالت السلطات آنذاك إن الشحنة جاءت من مالي وكان مسارها يقود إلى ليبيا ثم أوروبا.

تشير هذه الوقائع إلى أن الطريق لم يكن مجرد ممر استخدم في عملية واحدة، وإنما جزء من شبكة قادرة على تكرار عمليات النقل عبر أكثر من دولة، قبل أن تصل الشحنات إلى المرحلة الليبية.

لا تبدأ هذه الشبكات من الصفر عند الحدود، إذ إن الطريق بين النيجر وليبيا يحمل تاريخاً أقدم من عمليات 2025 و2026، وتظهر فيه أسماء ارتبطت لسنوات بحركة التهريب في شمال النيجر.

أحد أبرز هذه الأسماء شريف ولد عابدين، المعروف في شمال النيجر بلقب “شريف كوكايين”. كان رجل أعمال ونائباً سابقاً، وامتلك شركة نقل، ووصفته تقارير وتحقيقات متخصصة بأنه أحد أبرز تجار المخدرات في أغاديز حتى وفاته عام 2016، وأنه استطاع لسنوات إدارة علاقات سياسية وأمنية حول طرق التهريب في شمال النيجر.

من الشخصيات المرتبطة بشبكته غومور إيتوا بيديكا، القائد السابق في تمرد الطوارق بين عامي 2007 و2009. وذكر تقرير أممي يعود إلى عام 2020 أن بيديكا كان على اتصال بالمهدي هماو، الذي كان يشغل مستودعاً عثر فيه على مخدرات وكان مسؤولاً عن نقلها لاحقاً باتجاه ليبيا.

كما وصف التقرير بيديكا بأنه من المقربين من شريف ولد عابدين، وأنه كان يتولى نقل شحناته في شمال النيجر قبل وفاة الأخير، لكن هذه الشبكة القديمة لم تختفِ بالكامل.

وفق تقرير “GI-TOC” لعام 2026، فإن بيديكا، بعد تراجع نشاطه عقب انقلاب النيجر، عاد منذ الربع الأخير من 2025 ليظهر كفاعل مهم في شبكات حماية مرتبطة بحركة الكوكايين والقنب حول أغاديز، ويصف الشبكة القديمة بأنها من الشبكات التي سهّلت انتقال الكوكايين من غاو إلى النيجر ثم ليبيا.

بذلك، فإن ما يصل إلى الحدود الليبية لا يبدو، وفق هذه المعطيات، نتيجة طريق عشوائي، بل حصيلة تراكم شبكات وأسماء وخبرات امتدت لسنوات.

من خليج غينيا والمغرب إلى السلفادور وفزان

بحسب مصدر “عربي بوست”، فإن النيجر ليست مصدراً للكوكايين وإنما منطقة عبور ضمن سلسلة أوسع. وقال المصدر إن جزءاً من الكوكايين يصل إلى خليج غينيا، وخصوصاً عبر توغو، فيما تصل كميات أخرى من أميركا اللاتينية بحراً إلى المغرب، قبل أن تدخل مسارات الصحراء الكبرى باتجاه الشرق والجنوب الشرقي.

يتقاطع هذا التصور مع البيانات الدولية التي توثق تزايد أهمية توغو وبنين وغانا في نقل الكوكايين نحو الساحل، وكذلك دور المغرب كمركز لاستقبال وإعادة توزيع الشحنات القادمة عبر الأطلسي.

لكن الشبكات، وفق المصدر، لم تنشئ هذه الطرق من الصفر، إذ إن الممرات الحالية هي امتداد لطرق قوافل وتجارة قديمة ربطت غرب أفريقيا والساحل بشمال القارة، قبل أن تتحول في مراحل مختلفة إلى طرق للسجائر والوقود والبشر والسلاح ثم المخدرات.

في قلب هذه الشبكة تأتي السلفادور بوصفها لحظة انتقال، لا مجرد نقطة جغرافية. فالتنسيق يتم مسبقاً، وتصل السيارة ويكون المستلم معروفاً، ثم تنتقل الحمولة إلى مجموعة أخرى دون الحاجة إلى إبقائها أياماً في المكان.

تحدثت “GI-TOC” عن تقديرات ميدانية بمرور ما بين 60 و70 كيلوغراماً من الكوكايين شهرياً عبر ممر السلفادور، إلى جانب استخدام بلدات أصغر في مرزق لتخزين الشحنات بعد اضطراب بعض طرق القطرون.

تكمل معلومات مصدر “عربي بوست” هذه الصورة، إذ يقول إن السلفادور تمثل نقطة التسليم، بينما يمكن أن يحدث التخزين أو تقسيم الحمولة لاحقاً، بحسب الجهة التي ستتولى المرحلة التالية من الرحلة.

لا يرى المصدر أن فزان سوق رئيسية لاستهلاك الكوكايين، بل منصة لإعادة توزيعه، فالكوكايين مرتفع السعر، والكميات الكبيرة التي تصل إلى الجنوب تستهدف، وفق المصدر، المرور إلى شبكات أخرى أكثر من استهداف المستهلك المحلي.

جزء من هذه الشحنات يتحرك نحو الجنوب الشرقي والكفرة، وجزء يتجه إلى مناطق في الشرق، فيما تصل بعض الشحنات إلى بنغازي قبل الدخول في مرحلة أخرى من إعادة التصدير.

هذا لا يعني غياب السوق المحلية، لكنه يفسر الفارق بين تجارة التجزئة وتجارة مئات الكيلوغرامات، إذ إن الشحنة الكبيرة تحتاج إلى رأس مال وحماية ومركبات واتصالات ونفوذ يمتد عبر أكثر من منطقة.

يقول المصدر إن تجارة الكوكايين والهيروين بهذا المستوى تختلف عن تجارة الحبوب والمواد الأقل ثمناً، إذ تظل في يد عدد محدود من الفاعلين القادرين على العمل عبر شبكات دولية.

فزان: طريق قديم يعاد تنظيمه

وجود شبكات مخدرات مسلحة في فزان ليس ظاهرة بدأت مع موجة الكوكايين الحالية. ففي تقرير فريق خبراء مجلس الأمن لعام 2016، ورد اسم بحر الدين ميدون بوصفه قائد المجموعة المعروفة باسم “درع الصحراء 8” العاملة في فزان، وقال التقرير إن المجموعة كانت منخرطة في تهريب السلاح والمخدرات.

أشار التقرير إلى أن سيطرة الجماعات المسلحة على الأراضي ونقاط التفتيش كانت تجبر المهربين على التعامل معها. وذكر في وقائع ميدانية اعتراض قافلة في شمال النيجر عام 2015 كانت تنقل مخدرات من النيجر إلى ليبيا، وكان ركابها من التبو الليبيين والتشاديين المقيمين في مرزق.

بمعنى آخر، تعود المعادلة القديمة نفسها اليوم في صورة أكثر ربحاً وتنظيماً: الطريق موجود، ومن يملك الأرض أو الحماية يستطيع أن يفرض نفسه على من يستخدمه. لكن التحول الأهم خلال السنوات الأخيرة يتعلق بمن بات يسيطر على هذه الطرق.

إذ قال تقرير فريق خبراء مجلس الأمن الصادر في مارس/ آذار 2026 إن مجموعات محلية في الجنوب كانت، قبل إبعاد حسن الزادمة، تحقق إيرادات مستمرة من تهريب الوقود والأسلحة والمخدرات تحت إشرافه.

وبعد إبعاده، قال التقرير إن المناطق التي كان يسيطر عليها انتقلت إلى صدام حفتر، وإن الكتيبة 87 تولت مناطق حدودية وطرق تهريب رئيسية، بينما أعيد تنظيم شبكات التهريب تحت قادة جدد موالين لصدام.

واعتبر فريق الخبراء أن ذلك أعاد تركيز السيطرة على ممرات تربط ليبيا بالنيجر وتشاد والسودان. وهذه نقطة أساسية في التحقيق، لأنها تجعل ملف الكوكايين مرتبطاً أيضاً بالتغير في بنية السيطرة على الطرق نفسها، وليس فقط بحركة المخدرات.

الكُفرة: عقدة الجنوب الشرقي

في الجنوب الشرقي تظهر عقدة أخرى هي الكفرة، حيث يقود عبد الرحمن هاشم الكيلاني كتيبة “سبل السلام”. وقال فريق خبراء الأمم المتحدة إن الكتيبة عززت، بين يناير/ كانون الثاني 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026، سيطرتها على سلاسل الإمداد العابرة للجنوب، مستفيدة من روابطها المحلية وشبكاتها في منطقة الكفرة.

أضاف التقرير أن هذه السيطرة امتدت إلى طرق تستخدم في نقل مقاتلين وأسلحة ووقود باتجاه السودان، وأن إعادة الترتيب منحت “سبل السلام” نفوذاً لوجستياً واسعاً على طرق الجنوب الشرقي.

قال مصدر “عربي بوست” إن الكفرة تدخل كذلك ضمن مسارات إعادة توزيع المخدرات القادمة من الغرب والجنوب الغربي، ما يجعلها نقطة تقاطع بين التجارة الصحراوية والخطوط المتجهة شرقاً.

لكن ما يثبته تقرير الأمم المتحدة يتعلق بالسيطرة على طرق وسلاسل إمداد وحركة مقاتلين وأسلحة ووقود، بينما تأتي المعلومات المتعلقة بدخول الكفرة في إعادة توزيع المخدرات من مصدر “عربي بوست”.

صدّام حفتر في التقارير الأممية

يفصل التحقيق هنا بين مستويين من المعلومات، فتقرير الأمم المتحدة يثبت إعادة تنظيم مناطق التهريب والطرق تحت قادة موالين لصدام حفتر، لكنه لا يقول إن صدام يدير تجارة الكوكايين شخصياً.

أما مصدر “عربي بوست” فيذهب أبعد من ذلك، إذ يقول إن صدام أصبح صاحب النفوذ الأوسع في تجارة الكوكايين الكبيرة التي تمر عبر الجنوب والشرق، وإن شبكة ترتبط به تتحكم في أجزاء رئيسية من الحركة بين فزان وبنغازي.

يضيف المصدر أن هذه الشبكة لا تعمل فقط في المخدرات، بل تستفيد أيضاً من الإيرادات المرتبطة بحركة السيارات والبضائع والرسوم والإتاوات على المسارات القادمة من النيجر.

بحسب المصدر، يمثل الكوكايين أحد أكثر الأنشطة قيمة داخل هذه المنظومة، لأنه لا يتعلق بتجارة محلية صغيرة، وإنما بشحنات موجهة إلى أسواق خارجية.

وضمن الأسماء التي يضعها المصدر داخل الشبكة الجنوبية، يبرز آغلس محمد أحمد أبلل، وهو ضابط من الطوارق.

الاسم معروف علناً في المشهد العسكري في أوباري. ففي فبراير/ شباط 2019 ظهر آغلس بصفته آمر الكتيبة 173 مشاة المتمركزة في أوباري، وكان ضمن قادة كتائب أعلنت انضمامها إلى القيادة العامة.

بحسب مصدر “عربي بوست”، فإن آغلس من الشخصيات المرتبطة بشبكات الحركة والتهريب في الجنوب، ما فيها تجارة الكوكايين، بحكم موقعه وصلاته المحلية في منطقة أوباري والطوارق.

ويظهر اسم آخر هو حسن وشي، الذي يصفه المصدر بأنه تاجر مخدرات من التبو وله حضور داخل شبكات الجنوب. وبحسب المصدر، عمل حسن وشي في مرحلة سابقة ضمن شبكة كانت على علاقة بصدام حفتر، قبل أن تتحول العلاقة بينهما إلى خصومة حادة.

يقول المصدر إن الخلاف نشأ على خلفية شحنات كبيرة من المخدرات، إذ حدث استيلاء على شحنة مرتبطة بأحد الطرفين، ثم جاءت واقعة أخرى في الاتجاه المقابل، وهو ما أنهى علاقة التعاون وحولها إلى صراع على النفوذ والتجارة.

ويضيف أن حسن وشي أصبح لاحقاً داعماً لـ”غرفة عمليات تحرير الجنوب”، وهي من التشكيلات المناوئة لقوات القيادة العامة في الجنوب، وأن الخلاف لم يعد تجارياً فقط، بل امتد إلى الاصطفاف المسلح. كما يقول المصدر إن وشي يمتلك علاقات خارج ليبيا، بينها علاقات في الإمارات، استخدمها ضمن شبكة اتصالاته التجارية والسياسية.

رحلة التهريب من سبها إلى بنغازي

يرسم مصدر الجنوب مساراً أكثر تحديداً للمرحلة الشرقية، إذ يقول إن بعض الشحنات تصل من السلفادور إلى سبها، ثم تتحرك شرقاً نحو بنغازي، التي تمثل إحدى نقاط إعادة التوزيع إلى الخارج.

بحسب المصدر، يمكن إخراج الكوكايين بوسائل مختلفة، بينها النقل الجوي وأمتعة المسافرين والشحن التجاري، وفي بعض الحالات الطائرات الخاصة.

ويقول إن الإمارات من بين الوجهات المهمة، إلى جانب أسواق أخرى في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا.

تتقاطع الوجهة العامة مع تقرير فريق خبراء مجلس الأمن، الذي قال إنه حدد شبكة دولية تنقل الكوكايين من الساحل عبر ليبيا إلى أوروبا والشرق الأوسط.

لكن بنغازي تكشف في الوقت نفسه عن مسار آخر لا يعتمد على الطريق الصحراوي وحده.

ففي مارس/ آذار 2024، ضبطت السلطات نحو 128 كيلوغراماً من الكوكايين الخام داخل حاويتين قادمتين من الإكوادور إلى ميناء بنغازي. وقال مكتب النائب العام إن الشحنة كان يفترض نقلها إلى مدينة البيضاء، وإن أحد المقبوض عليهم أقر بانتمائه إلى جماعة إجرامية منظمة أدخلت مواد مخدرة إلى ليبيا أكثر من مرة بمساعدة ضابط في حرس الجمارك.

هذه القضية تكشف أن الشرق الليبي لا يستقبل فقط تدفقات محتملة قادمة من فزان، وإنما يوجد أيضاً على خط بحري مباشر مع أميركا اللاتينية.

الغرب الليبي في مسار تجارة الكوكايين

لا تقف الشبكة عند الجنوب والشرق، إذ يظهر الغرب الليبي أيضاً في مسار تجارة الكوكايين، وفق المعطيات الدولية الواردة في التحقيق.

حسب تقرير “GI-TOC” لعام 2026، فإن عبد الغني الككلي، المعروف بـ”غنيوة”، كان منخرطاً بصورة مباشرة في تجارة الكوكايين، وإن مقتله في طرابلس في مايو/ أيار 2025 أعاد ترتيب تحالفات الجماعات المسلحة وفتح المجال أمام توسع دور فاعل أمني آخر في الغرب.

كما يقول التقرير إن أحمد الدباشي، الذي كان خاضعاً لعقوبات أممية بسبب تهريب البشر، كان وفق مصادر “GI-TOC” منخرطاً بعمق في تجارة الكوكايين، وإن مقتله في ديسمبر/ كانون الأول 2025 لم يوقف النشاط، بل انتقل جانب منه إلى فاعل أمني آخر لم يسمه التقرير.

تشير هذه المعطيات إلى أن تجارة الكوكايين ليست “شبكة فزان” فقط، وإنما سوق ليبية أوسع يمكن أن تتغير مراكزها عندما يموت قائد أو تتغير السيطرة على منطقة.

مسار بحري مستقل للتهريب

الصورة نفسها تظهر في غرب ليبيا، حيث تكشف عمليات الضبط في الموانئ عن مسار بحري مستقل عن خط الساحل والصحراء.

في فبراير/ شباط 2023، ضبطت السلطات في ميناء الخمس 269 كيلوغراماً من الكوكايين داخل حاوية دجاج مجمد قادمة عبر خط البرازيل وإسبانيا وإيطاليا.

وفي أبريل/ نيسان 2024، ضبطت السلطات 269 كيلوغراماً أخرى في الميناء نفسه، هذه المرة داخل 8 مستوعبات قادمة من الإكوادور.

قبل ذلك، في ديسمبر/ كانون الأول 2020، ضبطت جمارك مالطا 612 كيلوغراماً من الكوكايين داخل حاوية خرجت من الإكوادور ومرت بكولومبيا، وكانت في طريقها إلى ليبيا.

بذلك تكشف عمليات الضبط الرسمية عن وجود مسار بحري لا يعتمد على ممرات الساحل والصحراء، وإنما يصل مباشرة إلى الموانئ الليبية من أميركا اللاتينية.

هنا تبرز العقدة الأساسية في التحقيق: هل نحن أمام طريقين منفصلين للكوكايين، أحدهما بري يعبر الساحل وفزان والآخر بحري يصل إلى الموانئ، أم أن المسارين يلتقيان لاحقاً داخل شبكة ليبية واحدة لإعادة التوزيع؟

المعطيات الواردة في التحقيق تثبت وجود المسارين، لكنها لا تكفي وحدها للجزم بأنهما يشكلان شبكة موحدة. ففي الوقت الذي تربط فيه تقارير دولية الطريق البري بشبكات تمتد من الساحل إلى ليبيا ثم أوروبا والشرق الأوسط، تكشف قضايا الضبط في بنغازي والخمس عن مسارات بحرية مباشرة قادمة من أميركا اللاتينية.

أما المعلومات التي يقدمها مصدر “عربي بوست”، فتضع السلفادور وفزان وسبها والكفرة وبنغازي ضمن سلسلة إعادة توزيع برية، وتربطها بشبكات نفوذ محلية، مع الإشارة إلى أن بعض هذه الروابط تبقى في إطار رواية المصدر ولا تثبتها التقارير الأممية بصورة مباشرة.

في الحالتين، فإن الصورة التي تخرج من التحقيق لا تتعلق بشحنة واحدة أو طريق واحد، بل بمنظومة تتحرك فيها الحمولة بين أيدٍ مختلفة، وتستفيد من طرق صحراوية قديمة، ومناطق نفوذ مسلحة، ومنافذ بحرية وجوية، قبل أن تصل إلى مراحل أخرى من إعادة التوزيع خارج ليبيا.

___________

أحد أمراء الحرب على وشك “إعادة توحيد” ليبيا في ظل اتفاق برعاية أمريكية

 ترجمة: عادل رفيق

في 7 سبتمبر 2026، قدم سيمون ويسلر، وهو صانع محتوى ومقدم برامج بريطاني شهير على يوتيوب، في قناة WarFronts التي يبثها على موقع يوتيوب، حلقة هامة يناقش فيها الوضع السائد حالياً في ليبيا، وذلك تحت عنوان: “أحد أمراء الحرب على وشك ’إعادة توحيد ليبيا” بعد أن ظلت منقسمة بين فريقين اثنين على مدار اثني عشر عاماً.

والآن، فإنه بحسب اتفاق إعادة توحيد البلاد – الذي تم التوصل إليه مؤخراً بوساطة أمريكية – سيتم إجراء انتخابات في كامل الأراضي الليبية. غير أن المحللين يحذرون من أن هذا الاتفاق يمهّد في الواقع الطريق لأحد أبرز أمراء الحرب، وهو اللواء خليفة حفتر، للاستيلاء على السلطة في الدولة الموحدة.

ويقول ويسلر إنه على الرغم من توثيق ارتكابه لانتهاكات لحقوق الإنسان في ليبيا منذ الإطاحة بالدكتاتور السابق العقيد معمر القذافي، يبدو أن خليفة حفتر قد ضمن الحصول على دعم كل من واشنطن وموسكو وأنقرة للإمساك بتلابيب السلطة في كامل البلاد، وليس الجزء الشرقي منها فقط كما هو الحال حالياً.

وتتناول الحلقة حالة الانقسام السياسي والعسكري التي تشهدها ليبيا منذ 12 عاماً بين الحكومة في طرابلس (غرب البلاد) وقوات خليفة حفتر في شرقها. ولكن التقارير تشير إلى أنه قد تم الاتفاق مؤخراً على إعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية على مستوى البلاد في غضون عامين.

غير أن سايمون ويسلر يرى أن عملية إعادة التوحيد المقترحة قد لا تفضي بالضرورة إلى قيام ليبيا ديمقراطية أو مستقرة حقاً. حيث يركز جزء كبير من الحلقة على طبيعة شخصية خليفة حفتر وعائلته ونفوذهم المتزايد في شرق ليبيا. كما تتناول الحلقة أيضاً شخصية عبد الحميد الدبيبة، باعتباره الشخصية الأبرز في معسكر طرابلس، وتستعرض شبكات المصالح المتنافسة المحيطة بكلا الرجلين.

وقد تم التوصل إلى هذا الاتفاق بفضل جهود قادها إلى حد كبير مَسْعَد بولس – مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا – وذلك في أعقاب اتصالات بدأت عام 2025. ومن التطورات الهامة في هذا السياق الاتفاق على ميزانية موحدة للدولة الليبية تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، إلى جانب تعزيز التعاون العسكري والسياسي.

ولكن سيمون ويسلر يجادل بأن هذا الاتفاق قد لا يمثل إعادة توحيد ديمقراطية بقدر ما يمثل ترتيباً لتقاسم السلطة بين نخب تنتمي لعائلتين راسختين في المشهد السياسي. حيث تسلط الحلقة الضوء على مزاعم الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بشبكات كل من حفتر والدبيبة، مع الإشارة إلى أن الترتيبات المقترحة لا تضمن بالضرورة إزاحتهما عن السلطة.

كما يؤكد ويسلر على أهمية احتياطيات النفط الهائلة التي تمتلكها ليبيا، مشيراً إلى أن السيطرة على موارد البلاد تشكل عاملاً حاسماً في حسابات الأطراف الفاعلة محلياً ودولياً. ويشير إلى أن حفتر قد نجح في بناء علاقات مع عدة دول مؤثرة، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا وتركيا ومصر والإمارات والصين.

ويرى ويسلر أن الجمع بين الفصائل المتنافسة قد يؤدي في الواقع إلى نشوب صراع جديد على السلطة داخل الدولة الموحدة، بدلاً من إنهاء الصراع السياسي في ليبيا. وبالتالي فإن عملية إعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية هو مسار محفوف بعدم اليقين، حيث ستحدد عوامل عدة – مثل الانتخابات، وتوزيع الموارد، والتدخلات الخارجية، وشبكات النفوذ العائلية المتنافسة – ملامح مستقبل ليبيا. وتخلص الحلقة في النهاية إلى أن ليبيا قد تكون بصدد التحرك نحو إعادة التوحيد، إلا أن التسوية المقترحة قد ترسخ سلطة النخب القائمة – ولا سيما شبكة حفتر – بدلاً من أن تمهد الطريق للتحول الديمقراطي الذي يبشر به الاتفاق علناً.

وفيما يلي نستعرض هذا المحتوى الهام الذي قدمه سيمون ويسلر حول هذا الطرح بشكل مجمل وشامل، وذلك على النحو التالي:

يقول سيمون ويسلر: “على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، انقسمت ليبيا إلى شطرين. ففي الغرب، تحكم حكومة هشة مدينة طرابلس. ورغم أن المجتمع الدولي يعترف بها كقيادة شرعية للبلاد، إلا أنها تستمد بقاءها داخلياً من دعم الميليشيات والعصابات التي قد تنقلب عليها في أي لحظة. أما في الشرق، فيحكم المنطقة أمير الحرب خليفة حفتر بقبضة من حديد انطلاقاً من مدينة طبرق، حيث يسيطر هو وابنه ودائرته المقربة على شبكة خفية من النفوذ الدول”.

ولكن أخيراً، وبعد حرب أهلية استمرت سنوات وما تلاها من جمود سياسي، يعلن القادة الليبيون استعدادهم للتوصل إلى تسوية. ففي أواخر شهر أغسطس، وقّع ممثلون عن الطرفين المتنافسين اتفاقاً في طرابلس يقضي بإجراء انتخابات على مستوى البلاد في غضون العامين المقبلين أو حتى قبل ذلك. ومن المفترض أن تتوحد مؤسسات الدولة، وأن تجد القيادات المنقسمة سبيلاً للعمل معاً، لتعود ليبيا موحدة أخيراً بعد ما شهدته من دمار وفوضى في أعقاب الربيع العربي.

غير أن النظر بإمعان في مساعي إعادة توحيد ليبيا قد يكشف عن خطة أخرى تجري فصولها خلف الكواليس. فعلى مدار الأشهر القليلة الماضية، بدا أن الحكومة المنشقة في طبرق – تلك التي يسيطر عليها أمير الحرب خليفة حفتر وعائلته – تزداد قوةً بوتيرة تفوق بكثير وتيرة خصومها. إذ يبدو أن الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وغيرها من القوى الداعمة بدأت تميل إلى صفهم. وكانوا قد نجحوا في تأمين الإفراج عن مبشر أمريكي، كما تمكنوا من الالتفاف على حظر الأمم المتحدة للحصول على أسلحة من بكين وأنقرة وإسلام أباد.

“ورغم أن اتفاق الدمج هذا يبدو في ظاهره وسيلة لتوحيد عائلة حفتر مع العائلة الأخرى الأكثر نفوذاً في ليبيا، إلا أن صراعات السلطة الداخلية ستبدأ فور المصافحة وتوقيع الدستور الجديد، وحينها سيكون حفتر في وضع مثالي يتيح له التفوق وحسم الأمور لصالحه. ولكن لا يزال هناك متسع من الوقت لتتضح معالم هذه العملية، ولعل المحللين – ونحن منهم بطبيعة الحال – يكتشفون لاحقاً أن توقعاتهم كانت خاطئة. لكن المؤشرات الراهنة واضحة وجلية: فبعد اثني عشر عاماً من الانقسام، يستعد العالم لتسليم ليبيا موحدة إلى أمير الحرب خليفة حفتر.

التشرذم

بعد مرور أكثر من عقد على سقوط معمر القذافي، لا تزال ليبيا تتسم بالتشرذم السياسي، وتعدد المؤسسات المتنافسة، وانتشار الجماعات المسلحة، والتدخل الأجنبي الواسع. ورغم ما تتمتع به البلاد من موارد طبيعية هائلة وأهمية جيوسياسية بالغة، فقد واجهت الدولة الليبية صعوبات جمّة في إرساء نظام سياسي مستقر قادر على بسط سلطته على كامل أراضيها.

وفي السنوات الأخيرة، تركزت الجهود الرامية لتجاوز حالة الانقسام هذه بشكل متزايد على إعادة التوحيد السياسي وتنظيم انتخابات على مستوى البلاد. وقد ولّدت المبادرات الأخيرة توقعات متجددة بإمكانية دمج الإدارات الليبية المتنافسة في نهاية المطاف ضمن نظام سياسي موحد.

غير أن مسألة إعادة التوحيد تثير تساؤلاً جوهرياً: هل سيتمخض توحيد المؤسسات السياسية الليبية عن قيام دولة أكثر خضوعاً للمساءلة وتمثيلاً للشعب، أم أنه سيؤدي في المقام الأول إلى ترسيخ نفوذ النخب السياسية والعسكرية القائمة؟

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة نظراً للنفوذ المتزايد لخليفة حفتر وعائلته في شرق ليبيا، واستمرار الهيمنة السياسية لعبد الحميد الدبيبة وشبكته في الغرب. ومن ثم، فإن العملية السياسية الناشئة تنطوي على ما هو أبعد من مجرد إصلاح مؤسسي. إذ إنها تمثل أيضاً صراعاً على السلطة السياسية، والقوة العسكرية، والموارد الاقتصادية، وعلاقات ليبيا الدولية.

وبالتالي فمستقبل ليبيا لن يتوقف فقط على مدى إمكانية إعادة توحيد مؤسساتها المتنافسة رسمياً، بل سيعتمد أيضاً على القدرة على إيجاد نظام سياسي وطني قادر على الحد من نفوذ الشبكات المسلحة والاقتصادية المتنافسة.

خلفية

في الحقيقة، يمكن إرجاع جذور الانقسام السياسي الراهن في ليبيا إلى انهيار نظام القذافي عام 2011. ​​إذ أدى سقوط الحكومة السابقة إلى خلق فراغ سياسي وأمني سعت جماعات ثورية وميليشيات وتنظيمات سياسية وجهات فاعلة إقليمية متنافسة إلى ملئه.

وبدلاً من بناء هيكل موحد للأمن القومي لليبيا، شهدت البلاد انتشاراً واسعاً لتنظيمات مسلحة ذات ولاءات سياسية متباينة. وقد جعل ضعف المؤسسات المركزية من الصعب على الحكومات المتعاقبة ممارسة سلطة فعلية على كامل أراضي البلاد.

وتفاقم الوضع أكثر في أعقاب انتخابات التي جرت عام 2014 والتي شابتها خلافات بين المتنافسين؛ حيث تشكّل في ليبيا بشكل تدريجي مركزان رئيسيان للقوة السياسية: أحدهما في غرب البلاد ومقره طرابلس، والآخر في الشرق ومركزه بني غازي.

ولم يكن الانقسام الذي جرى جغرافياً بحتاً؛ فقد طوّر كل طرف مؤسساته السياسية وهياكله الأمنية وشبكاته الاقتصادية وعلاقاته مع حكومات أجنبية. ونتيجة لذلك، تحول الصراع في ليبيا إلى نزاع متعدد الأبعاد شمل قضايا الشرعية السياسية، والسيطرة على الأراضي، والقوة العسكرية، والوصول إلى عائدات النفط، والاعتراف الدولي.

الشرعية

تتمركز المؤسسة السياسية الغربية في العاصمة طرابلس وترتبط بحكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة. أما النظام السياسي في الشرق فيرتبط بمجلس النواب والقوات العسكرية التي يقودها خليفة حفتر، والتي تطلق على نفسها اسم “الجيش الوطني الليبي” أو “القوات المسلحة العربية الليبية”. ولكن لا يمتلك أي من الطرفين سيطرة كاملة على ليبيا.

وتستفيد الحكومة في طرابلس الغرب من الاعتراف الدولي بها وتحتفظ بقاعدتها السياسية في المنطقة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في البلاد؛ غير أن سلطتها مقيدة بوجود جماعات مسلحة وميليشيات قوية لا تتوافق مصالحها بالضرورة مع مصالح الحكومة المركزية.

وفي المقابل، أرسى خليفة حفتر هيكلاً سياسياً وعسكرياً شديد المركزية في شرق ليبيا؛ إذ تسيطر قواته على مساحات واسعة من الأراضي وتمتلك قدرات عسكرية كبيرة. ومع ذلك، تواجه الإدارة الشرقية أيضاً تساؤلات عديدة بشأن التمثيل السياسي، والشرعية المؤسسية، وتركُّز السلطة داخل شبكة حفتر.

وبالتالي، فإنه يمكن فهم النظام السياسي في ليبيا على أنه صراع بين المؤسسات الرسمية وشبكات السلطة غير الرسمية. ففي حين تظل المناصب السياسية والهياكل الحكومية مهمة، فإن فعاليتها تعتمد غالباً على العلاقات مع الجماعات المسلحة، والجهات الفاعلة اقتصادياً، والسلطات الإقليمية، والحكومات الأجنبية.

جهود التوحيد

وفي ظل هذه الظروف، تزايدت محاولات الأطراف الدولية لتيسير المصالحة السياسية في البلاد. حيث تسعى أحدث مبادرة لإعادة توحيد ليبيا إلى إرساء إطار لإجراء انتخابات على مستوى البلاد، ولتحقيق دمج المؤسسات الليبية المنقسمة في نهاية المطاف.

وقد ركزت المفاوضات بين ممثلي المعسكرات السياسية المتنافسة على الترتيبات الانتخابية، والإصلاح المؤسسي، والتنسيق الاقتصادي، والمسائل الأمنية، والهيكل السياسي العام للدولة. وتُمثّل المرحلة الانتقالية المقترحة تحولاً مهماً عن النمط السابق المتمثل في الانقسام المؤسسي المزمن.

ومع ذلك، فإن الاتفاقيات السياسية لا تؤدي تلقائياً إلى تحقيق الاندماج السياسي. ولكي تصبح عملية إعادة التوحيد مستدامة، فإنه يتعين على جميع الأطراف في ليبيا معالجة جملة من المشكلات المترابطة مع بعضها البعض.

وتشمل هذه المشكلات: تنظيم انتخابات تتسم بالمصداقية، وتوزيع السلطة السياسية، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات المدنية والجماعات المسلحة، وإدارة عائدات النفط، ودمج القوات الأمنية المتنافسة أو إعادة هيكلتها.

وبالتالي، فإنه لا ينبغي النظر إلى العملية الانتخابية باعتبارها مجرد إجراء فني منعزل عن حقيقة الواقع على الأرض. فمن المرجح أن تحدد الانتخابات موازين القوى السياسية في أنحاء البلاد، وبالتالي فقد تصبح مصدراً لصراع متجدد إذا ما رأت الفصائل المتنافسة أن النتائج تهدد مصالحها الاقتصادية أو الأمنية.

الأطراف الدولية

لا يمكن فهم المسار السياسي في ليبيا بمعزل عن سياق السياسة الداخلية في البلاد وارتباطها بأطراف أجنبية. فمنذ عام 2011، تدخلت حكومات أجنبية عديدة – بشكل مباشر أو غير مباشر – في الصراع الدائر في ليبيا، حيث أصبح لدى كل من تركيا ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وروسيا والولايات المتحدة ودول أوروبية مصالح في ليبيا.

وتتفاوت هذه المصالح من دولة لأخرى. فبالنسبة لبعض الحكومات، تُمثّل ليبيا مصدر قلق أمني في المقام الأول، بينما تبرز بالنسبة لحكومات أخرى أولويات تتعلق بموارد الطاقة، وقضايا الهجرة، والنفوذ الإقليمي، أو الوصول إلى شبكات سياسية واقتصادية. وعليه، فقد أدى التدخل الأجنبي في الشؤون الليبية إلى نتائج متناقضة.

فمن ناحية، تمتلك الأطراف الدولية أدوات التأثير اللازمة لحث الفصائل الليبية المتنافسة على التفاوض؛ إذ يمكن للضغوط الدبلوماسية والاعتراف الدولي أن تخلق حوافز تدفع نحو التوصل إلى تسوية سياسية.

ومن ناحية أخرى، يمكن للحكومات الأجنبية أن تعزز الانقسامات الداخلية من خلال دعم فصائل ليبية بعينها. وهذا يؤدي إلى معضلة جوهرية؛ إذ يمكن للقوى الخارجية أن تساهم في تحقيق الاستقرار، وفي الوقت ذاته تؤثر على موازين القوى وتوزيع السلطة داخل ليبيا.

وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة الولايات المتحدة في هذا الزخم أهمية خاصة. فقد ركزت الدبلوماسية الأمريكية بشكل متزايد على ضرورة توحيد المؤسسات والتوصل إلى تسوية سياسية. وفي هذا الإطار، برز “مَسْعَد بولس” كشخصية محورية في تعامل واشنطن مع الملف الليبي، وشارك في جهود تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين المعسكرات المتنافسة.

وتتمحور المسألة الجوهرية حول ما إذا كان هذا النهج سيمنح الأولوية في نهاية المطاف لبناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، أم أنه سيسعى بالدرجة الأولى إلى إرساء ترتيب سياسي يتسم بقدر كافٍ من الاستقرار بما يخدم المصالح الاستراتيجية الدولية.

نفوذ حفتر

يُعد خليفة حفتر من أبرز الشخصيات في المشهد السياسي الليبي. وتستمد أهمية حفتر في المقام الأول من سيطرته على تنظيم عسكري كبير ونفوذه في شرق ليبيا. وعلى النقيض من القادة السياسيين الذين تعتمد سلطتهم أساساً على المؤسسات الحكومية الرسمية، ترتبط قوة حفتر ارتباطاً وثيقاً بتنظيمه العسكري وبشبكة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين المحيطين به. كما أن علاقاته الدولية قد توسعت بمرور الوقت.

فقد حافظت كل من مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة تاريخياً على علاقات وثيقة مع الجنرال خليفة حفتر، في حين طورت روسيا روابطها الأمنية والسياسية الخاصة في شرق ليبيا. أما تركيا التي سبق أن تدخلت عسكرياً ضد قوات حفتر فقد تبنت لاحقاً نهجاً أكثر براغماتية تجاه كل من شرق ليبيا وغربها.

وتُظهر علاقات خليفة حفتر مع القوى الأجنبية سمة أوسع للسياسة الليبية، وهي أن الشرعية المحلية والشرعية الدولية لا تتطوران بالضرورة جنباً إلى جنب. إذ يمكن لفاعل سياسي أن يواجه انتقادات حادة تتعلق بالحكم وحقوق الإنسان، بينما يكتسب في الوقت ذاته أهمية متزايدة لدى الحكومات الأجنبية الساعية إلى التعاون الأمني، أو الوصول إلى موارد الطاقة، أو تعزيز النفوذ الإقليمي.

عائلة حفتر

من التطورات المهمة الأخرى في هذا السياق تزايد بروز نفوذ أبناء حفتر، ولا سيما صدام حفتر. حيث يثير هذا التطور تساؤلات عما إذا كانت السلطة السياسية في شرق ليبيا تتجه نحو الطابع العائلي بشكل متزايد.

ويشير ظهور جيل جديد ضمن شبكة حفتر إلى أن النفوذ السياسي المرتبط بخليفة حفتر قد لا يختفي بالضرورة مع رحيله المرتقب عن المشهد السياسي. بل من المحتمل أن تنتقل السلطة السياسية والعسكرية إلى أفراد عائلته.

وتكتسب هذه الاحتمالية أهمية بالغة في الشرق، بل في عموم البلاد، لأنها تطرح مسألة “خلافة السلطة” كجزء من عملية الانتقال السياسي الأوسع في ليبيا. وإذا ضمت أي حكومة وطنية مستقبلية أعضاءً من شبكتي حفتر والدبيبة، فقد تجمع الهيكلية السياسية الناتجة عن ذلك بين نخب كانت تتنافس فيما بينها سابقاً، بدلاً من استبدالها.

ومن شأن ترتيب كهذا أن يحقق الاستقرار إذا ما قبلت المجموعات المتنافسة بالقواعد المؤسسية. غير أنه قد يؤدي أيضاً إلى نشوب صراعات جديدة إذا ما تحولت المؤسسات السياسية إلى أدوات تتنافس من خلالها العائلات المتخاصمة للسيطرة على موارد الدولة.

مصالح النخب

وتبرز هنا إشكالية تقاسم السلطة بين النخب. حيث يُعد مفهوم تقاسم السلطة بين النخب ركيزة أساسية لفهم المأزق السياسي في ليبيا. فيمكن لترتيبات تقاسم السلطة أن تساعد أحياناً في إنهاء الصراعات الأهلية؛ إذ تمنح الفصائل المتنافسة مصلحةً في النظام السياسي، مما يقلل من الدوافع لمواصلة القتال. غير أن تقاسم السلطة بين تلك النخب قد ينطوي أيضاً على مشكلات.

فإذا هيمنت على المؤسسات السياسية ذات النخب التي كانت تسيطر على البلاد إبان فترات الصراع، فإن التسوية الناجمة عن ذلك قد تكرس استقرار النظام السياسي القائم دون معالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة الليبية، نظراً لارتباط السلطة السياسية ارتباطاً وثيقاً بالوصول إلى الموارد الاقتصادية. إذ تدر الثروة النفطية على الدولة إيرادات ضخمة، مما يجعل للسيطرة على المؤسسات العامة تبعات اقتصادية بالغة الأهمية. وبناءً على ذلك، قد تتحول التسوية السياسية التي تضمن توزيع المناصب الحكومية بين النخب المتنافسة إلى آلية لتوزيع فرص الوصول إلى موارد الدولة.

ومن ثَمَّ، يبرز التمييز بين إعادة توحيد المؤسسات، والتحول السياسي كأمر جوهري. إذ يمكن للبلاد أن تحظى بحكومة موحدة دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود نظام سياسي ديمقراطي أو خاضع للمساءلة.

الاقتصاد السياسي

ويبرز النفط والاقتصاد السياسي كأدوات لإعادة التوحيد. حيث تُعد الموارد النفطية في ليبيا من أهم العوامل التي تشكّل مستقبلها السياسي. حيث يعتمد اقتصاد البلاد اعتماداً كبيراً على الهيدروكربونات، مما يجعل السيطرة على إنتاج النفط والبنية التحتية والإيرادات والمؤسسات المالية للدولة قضية سياسية محورية.

كما يساهم التوزيع الجغرافي للموارد النفطية في تعزيز الأهمية الاستراتيجية لشرق ليبيا، حيث تتركز احتياطيات هامة وبنية تحتية حيوية لقطاع الطاقة. وبالتالي، فإن عملية إعادة التوحيد السياسي تنطوي على بُعد اقتصادي مهم.

فمن شأن حكومة موحدة أن تكتسب نظرياً سيطرة أكبر على الإيرادات الوطنية والسياسة الاقتصادية؛ وفي الوقت نفسه، ستكون لدى الفصائل التي تسيطر حالياً على أجزاء مختلفة من البلاد حوافز قوية لحماية مصالحها الاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية.

وهذا يفتح الباب أمام احتمالية أن تصبح المفاوضات بشأن المؤسسات السياسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمفاوضات حول السلطة الاقتصادية. وبناءً على ذلك، قد يعتمد نجاح إعادة التوحيد جزئياً على قدرة ليبيا على إرساء آليات تتسم بالشفافية وتحظى بقبول واسع لإدارة الموارد الوطنية.

المساءلة

وهنا تأتي مسألة حقوق الإنسان وأهمية إرساء مبدأ المساءلة. حيث يتعين أن يتناول أي نقاش حول النظام السياسي المستقبلي في ليبيا مسألة حقوق الإنسان أيضاً. فعلى مر السنين، وثّقت منظمات دولية انتهاكات جسيمة ارتكبتها جماعات مسلحة وسلطات سياسية في جميع أنحاء البلاد؛ وشملت هذه الانتهاكات الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري، وعمليات القتل خارج نطاق القضاء، والهجمات على المدنيين، والانتهاكات ضد المهاجرين.

وتُظهر هذه المشكلات أن الأزمة السياسية في ليبيا ليست مجرد نزاع مؤسسي. بل إنها مسألة تتعلق أيضاً بمسألة المحاسبة.

فإذا تم تحقيق إعادة التوحيد السياسي دون وجود آليات فعالة لمعالجة الانتهاكات السابقة، فقد يحتفظ الأفراد والمنظمات المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة بنفوذهم السياسي أو العسكري. وهذا يخلق بطبيعة الحال توازناً صعباً بين السلام والعدالة.

صحيح أن التسويات السياسية تتطلب أحياناً تقديم تنازلات لأطراف فاعلة وقوية كانت ضالعة في صراعات سابقة، إلا أن الإفراط في تقديم التنازلات قد يقوّض شرعية النظام السياسي الجديد إذا شعر الضحايا بأن الانتهاكات قد أُغفلت. وبالتالي، فإن ليبيا تواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في كيفية تحقيق الاستقرار السياسي دون التضحية بمبدأ المحاسبة.

التحدي الأمني

ربما تكون البيئة الأمنية المفتتة في ليبيا هي العقبة الأكبر أمام إعادة التوحيد السياسي في البلاد. حيث لا يمتلك أي من المعسكرين السياسيين الرئيسيين سيطرة كاملة على جميع الجماعات المسلحة العاملة داخل نطاق سيطرته.

ففي غرب ليبيا، اعتمدت الحكومات المتعاقبة على علاقاتها مع ميليشيات قوية على الأرض. فهذه التنظيمات قادرة على توفير الأمن، لكنها تمتلك أيضاً مصالح مستقلة وقدرات قسرية كبيرة.

أما شرق ليبيا، فيتمتع بهيكل عسكري أكثر مركزية تحت قيادة الجنرال خليفة حفتر، غير أن هذا الهيكل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشبكة علاقاته الشخصية والعائلية. وبناءّ على ذلك، فإن تشكيل حكومة وطنية موحدة سيطرح سؤالاً تصعب الإجابة عليه، وهو: من سيتولى السيطرة على القوات المسلحة لليبيا الموحدة؟

في الحقيقة، لا يمكن لنظام سياسي وطني أن يعمل بفعالية وسهولة إذا احتفظت الفصائل المتنافسة بقدرات عسكرية مستقلة قادرة على تحدي مؤسسات الدولة. وبالتالي، فإن إصلاح القطاع الأمني ​​والعمل التدريجي على تأسيس قوات مسلحة وطنية موحدة سيشكلان ركيزتين أساسيتين لأي تسوية سياسية مستدامة.

مخاطر

وعلى الرغم من أن عملية إعادة التوحيد السياسي تنطوي على فرص كبيرة، إلا أنها تحمل أيضاً في طياتها مخاطر عديدة. ويتمثل الخطر الأول في احتمالية أن تعيد النخب السياسية إنتاج النظام القائم ضمن إطار مؤسسي جديد. ويتمثل الخطر الثاني في إمكانية أن تتفق الفصائل المتنافسة على إعادة التوحيد، لكنها تتنافس لاحقاً للسيطرة على الدولة الموحدة حديثاً.

أما الخطر الثالث، فيكمن في أن تصبح الانتخابات بحد ذاتها مصدراً لعدم الاستقرار إذا رفضت الجماعات القوية قبول النتائج غير المواتية لها. ويتعلق الخطر الرابع بالتأثير الخارجي؛ إذ قد تدعم أطراف دولية مختلفة فصائل ليبية متباينة، مما قد يحول التنافس السياسي الداخلي إلى ساحة أخرى للصراع الجيوسياسي.

وأخيراً، هناك احتمال أن تحقق ليبيا وحدة مؤسسية شكلية دون تطوير مؤسسات سيادة القانون اللازمة لجعل تلك الوحدة مستدامة. وعليه، فإن إعادة التوحيد ليست غاية في حد ذاتها. بل هي عملية سياسية يعتمد نجاحها على ما يليها من خطوات.

توقعات

ويمكن فهم الوضع الراهن في ليبيا، بشكل عام، من خلال احتمالين لمسارين متنافسين. فالاحتمال الأول هو سيناريو توحيد المؤسسات. وفي ظل هذا السيناريو، تؤدي المفاوضات إلى انتخابات ذات مصداقية، وتقبل الفصائل المتنافسة بالنتائج السياسية، وتستعيد المؤسسات الوطنية سلطتها، وتخضع القوات الأمنية تدريجياً لسيطرة مدنية موحدة.

وعندئذ، يمكن إدارة عائدات النفط وموارد الدولة عبر المؤسسات الوطنية بدلاً من الشبكات السياسية المتنافسة. والاحتمال الثاني هو سيناريو التوافق بين النخب. ووفقاً لهذا النموذج، تتوصل العائلات السياسية والشبكات المسلحة المتنافسة إلى اتفاق ينهي الانقسام المؤسسي ولكنه يحافظ على جزء كبير من نفوذها القائم. تصبح الدولة موحدة من الناحية الشكلية، لكن السلطة السياسية تظل متركزة في أيدي عدد قليل من الأطراف الفاعلة الراسخة.

وهذه السيناريوهات ليست حتمية؛ إذ ستعتمد النتيجة النهائية على تنفيذ الاتفاق السياسي، وإجراء الانتخابات، وسلوك الجماعات المسلحة، وتوزيع الموارد الاقتصادية، ومدى استعداد الأطراف المحلية والدولية لقبول القيود المؤسسية.

الخلاصة

تقف ليبيا في الوقت الراهن عند مفترق طرق سياسي هام. فبعد سنوات من الانقسام المؤسسي والصراع، تتيح بوادر عملية جديدة لإعادة التوحيد فرصةً لإرساء نظام سياسي وطني أكثر تماسكاً. ومع ذلك، فإن إعادة التوحيد وحدها لا تكفي لحل المشكلات الهيكلية التي طبعت المشهد الليبي منذ عام 2011.

ولا يكمن التحدي الجوهري ببساطة في دمج حكومتين لتشكيل حكومة واحدة. بل يكمن في الحقيقة في ضرورة بناء نظام سياسي تتمتع فيه المؤسسات بسلطة تفوق نفوذ العائلات والأفراد، والقادة العسكريين، والميليشيات، والشبكات الاقتصادية.

وسيظل خليفة حفتر والشبكات السياسية المحيطة به طرفاً مهماً في هذه العملية نظراً لما يمتلكونه من قدرات عسكرية ونفوذ ميداني وعلاقات دولية. وفي الوقت نفسه، تظل الشبكات السياسية المحيطة بعبد الحميد الدبيبة وفي غرب ليبيا ذات أهمية بالغة، ولا يمكن ببساطة استبعادها من أي تسوية وطنية.

وبناءً على ذلك، فسيتوقف مستقبل ليبيا على مدى إمكانية دمج مراكز القوى المتنافسة هذه ضمن مؤسسات ذات طابع وطني حقيقي، بدلاً من أن تكون مجرد مؤسسات مقسّمة بين نخب متصارعة.

وعلى الرغم من أن العملية الانتخابية المزمع إجراؤها تُعد فرصة هامة، إلا أن الانتخابات وحدها لن تحل الأزمة السياسية في ليبيا. فالاستقرار المستدام يتطلب وجود مؤسسات ذات مصداقية، وحوكمة خاضعة للمساءلة، ورقابة مدنية على القوات الأمنية، وإدارة شفافة للموارد الوطنية، وآليات لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يواجه ليبيا لا يقتصر على ما إذا كان بوسع البلاد أن تستعيد وحدتها. بل إنه يتمحور حول إمكانية تحويل عملية إعادة التوحيد السياسي إلى مسار حقيقي لبناء الدولة.

فبعد أكثر من عقد من الانقسام، قد يكون هذا الفارق هو العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت ليبيا ستدخل مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي، أم أنها ستستهل فصلاً آخر من فصول الصراع على السلطة.

__________________

طرابلس وبنغازي… هل تصبح “الخلية التخريبية” ورقة مساومة؟

أسامة علي


يشهد المسار السياسي الليبي، في خضم نجاح البعثة الأممية، نهاية الشهر الماضي، جمع طرفي الصراع لتوقيع اتفاق 4+4، بين ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية وممثلين عن القيادة العامة لقوات الشرق التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر

، تعقيدات لا تزال تلقي بظلالها على مصير الاتفاق المتعلق بإجراء الانتخابات خلال 24 شهراً. يأتي ذلك في ظل عدم وضوح الطريق إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، من بينها قضية “الخلية التخريبية” التي كشفت عنها حكومة الوحدة الوطنية مطلع الشهر الحالي، والتي بدأت تتجاوز في تداعياتها حدود الملف الأمني، لتتحول إلى ورقة يمكن أن تدخل في حسابات التفاوض والمساومة السياسية بين طرابلس وبنغازي.

ضبط خلية تخريبية

وأعلنت الحكومة في السادس من سبتمبر/ أيلول الحالي، ضبط خمسة أشخاص، ليبيين وأجانب، خلال تفكيك ما قالت إنها “خلية تخريبية” نفذت هجمات بطائرات مسيّرة انتحارية استهدفت خزانات النفط في مدينة الزاوية على الساحل غربي البلاد، وبالعاصمة.

وأضافت أن وزارة الدفاع “أحبطت أيضاً مخططات أخرى كانت على وشك التنفيذ، في مقدمتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إلى جانب منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية”.

ولم تكشف الحكومة عن أسماء المقبوض عليهم أو جنسياتهم أو الجهة التي تقف وراء الخلية، مكتفية بتأكيد استمرار التحقيقات بشأنها.

وأمس السبت، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، في بيان، إيقاف إحدى وحدات التكرير بمصفاة الزاوية اضطرارياً، من جراء استمرار الإغلاق القسري لصمام خط نقل خام حقل الشرارة من قبل “مجموعات مسلحة”. وأوضحت أن إغلاق صمام خط نقل خام الشرارة تنفذه “مجموعات مسلحة تنتمي إلى جهاز حرس المنشآت النفطية الجنوب الغربي والمنطقة العسكرية الغربية”.

وأشارت إلى أن هذه الخطوة تأتي إجراءً احترازياً لتجنب تداعيات محتملة على إمدادات محطات توليد الكهرباء، وفي مقدمتها محطتا غرب طرابلس والحرشة. ويعد الشرارة، الواقع في صحراء مرزق جنوب غربي ليبيا، أهم حقول النفط في البلاد.

هذه التطورات التي لا تنفصل عن مسار الانفتاح بين طرابلس وبنغازي أعقبت سلسلة هجمات شهدها المجمع النفطي بمدينة الزاوية (45 كيلومتراً غرب طرابلس) بين 8 و12 أغسطس/ آب الماضي، ثم انتقلت في الثالث من سبتمبر الحالي إلى العاصمة، عندما استهدفت مسيّرة مستودع شركة البريقة لتسويق النفط على طريق المطار.

في غضون ذلك، تداولت وسائل إعلام ليبية أنباءً عن صلة شخصيات في الخلية التخريبية بشخصيات عسكرية قريبة من صدام حفتر، نائب القائد العام للقيادة العامة في بنغازي ونجله، ووجود وساطة إماراتية لتسوية القضية. إلا أن وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية أكدت، في بيان مقتضب يوم 18 سبتمبر الحالي، أن التحقيقات لا تزال قائمة وتستهدف كشف جميع المتورطين والجهات المرتبطة بهم، متعهدة بالإفصاح عن نتائج التحقيقات بعد استكمالها.

 أجهزة أمنية غربي ليبيا كانت على علم بتحركات أفراد الخلية التخريبية في محيط مدينة الزاوية

لكن مصادر ليبية متطابقة، قالت لــ”العربي الجديد”، إن أجهزة أمنية بغربي البلاد كانت على علم بتحركات أفراد الخلية في محيط الزاوية، وتحديداً في منطقة العجيلات الواقعة على مسافة نحو 50 كيلومتراً إلى الجنوب من المدينة، قبل أن ينتقل أفراد منها إلى طرابلس، ما سهل ضبطها.

ووفق معلومات المصادر، فإن الخلية أوسع من عدد الأفراد الذين أُوقِفوا في العاصمة، مشيرة إلى أن الخمسة الذين ضبطوا، هم ثلاثة من أفراد الخلية ينتمون إلى كتيبة طارق بن زياد المرتبط بصدام حفتر، فيما ينتمي العنصران الآخران، وهما من الجنسية الإسبانية، إلى شركة أمنية أجنبية إسبانية كانت تعمل في تدريب عناصر لكتيبة طارق بن زيادة في بنغازي على استخدام الطائرات المسيّرة. وأوضحت أن عناصر الكتيبة الثلاثة المضبوطين تدربوا على يد أفراد هذه الشركة الأمنية.

وبينما أكدت المصادر نفسها أن التحقيقات “لا تزال قائمة ولم تكتمل نتائجها”، لم يصدر عن قيادة حفتر موقف معلن بشأن قضية الخلية، في وقت لا تزال فيه الاتصالات السياسية بين طرابلس وبنغازي تتخذ مساراً مختلفاً. يأتي ذلك خصوصاً بعد التفاهم الذي توصلت إليه لجنة 4+4، والذي وُقّع بشأنه اتفاق في طرابلس في 30 أغسطس الماضي، وتضمن في نصه توحيد السلطة التنفيذية لتقود المرحلة المقبلة نحو إجراء الانتخابات.

تضع هذه المعلومات قضية الخلية في سياق أوسع، إذ يربط مراقبون بينها وبين التحقيق الذي فتحته السلطات الإسبانية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، بشأن تهريب طائرات مسيّرة ومعدات عسكرية إلى ليبيا. وقد جاء ذلك في أعقاب اعتراض السلطات الإسبانية والفرنسية شحنات تضمنت 44 طائرة مسيّرة، كانت شركات إسبانية قد باعتها للقيادة العامة في بنغازي، مؤكدة وصول شحنات سابقة من المسيّرات إلى بنغازي.

ضغوط على الحكومة

إلى ذلك فقد تزامن نشاط الخلية في مدينة الزاوية مع اشتباكات مسلحة شهدتها المدينة بين طرفين مسلحين، أحدهما موالٍ للحكومة، ما أثار تساؤلات عما إذا كان الهدف يتجاوز إلحاق الضرر بالمرافق إلى إعادة إشعال التوتر في المدينة.

كذلك جاء نشاط الخلية في الزاوية في وقت كانت فيه طرابلس تشهد احتجاجات واعتصامات مرتبطة بأزمتَي الكهرباء والوقود، ما شكل ضغطاً إضافياً على الحكومة التي تعاني أصلاً من ضغوط سياسية وأمنية متراكمة.

في هذا الصدد رأى أستاذ العلوم السياسية الليبي، حسن عبد المولى، أن ضبط الخلية التخريبية جاء في سياق طويل كانت الحكومة تتعامل خلاله مع أكثر من محاولة للضغط عليها وإضعاف موقعها، مشيراً، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن الحكومة كانت في الوقت نفسه تحافظ على مسار التفاوض مع قيادة حفتر.

ووفق عبد المولى، فإن الحكومة عقدت اتفاقاً مع جهاز الردع (أقوى مجاميع طرابلس المسلحة والذي كان في حالة خلاف مع الحكومة)، بشأن العودة للانتشار في مناطق نفوذه داخل العاصمة، مضيفاً أنه في الوقت نفسه عقدت الحكومة، عشية الهجمات على المستودع النفطي في الزاوية، اجتماعاً موسعاً مع قادة المجموعات المسلحة في طرابلس لتنفيذ عملية للسيطرة الأمنية على الزاوية.

واعتبر أن هذه الخطوات جاءت ضمن محاولات الحكومة لفك الخناق عنها، وعكست إدراكها أن مصدر الضغط عليها قد يكون على صلة بالتحركات على الساحة السياسية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بينها وبين القيادة العامة في بنغازي.

وارتبط جهاز الردع بحاضنته الاجتماعية في سوق الجمعة المعروف في طرابلس، التي كانت تقف وراء الدفع بتوسع رقعة الاحتجاجات في المدينة، خلال أغسطس الماضي. وظهر ذلك جلياً عند إعلان المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة وقف الاحتجاجات عشية اتفاق الحكومة مع الجهاز على السماح له بالعودة للانتشار في مناطق سوق الجمعة، على الرغم من بقاء أسباب الاحتجاجات.

وفي مدينة الزاوية، تواجه مجموعة مسلحة موالية للحكومة، تعمل تحت اسم “جهاز مكافحة التهديدات الأمنية” وتسيطر على المجمع النفطي بالمدينة، مواجهات مستمرة مع قوى مسلحة أخرى، توالي بعضها شخصيات مقربة من قيادة حفتر.

باب التفاوض بين طرابلس وبنغازي

وفي رأي عبد المولى، فإنه في ما يتعلق بالعلاقة بين طرابلس وبنغازي أخيراً، كانت الحكومة تسعى من وراء تحركها إلى احتواء أي تصعيد مع إبقاء باب التفاوض مع قيادة حفتر مفتوحاً، معتبراً أن سياسة الحكومة هذه قد تفسر غياب موقفها الواضح من مساعي التقارب التي كانت تقودها البعثة الأممية، وقبلها مسعد بولس، مستشار كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، بينها وبين سلطة حفتر لبناء سلطة مشتركة بين طرابلس وبنغازي.

من جهة أخرى، فإن أهمية قضية الخلية، وفق عبد المولى، تتخطى بالنسبة إلى المسار السياسي الجهة التي تقف وراء الهجمات، إلى النظر في ما يمكن أن تمنحه من مكاسب من جراء إضعاف الحكومة ودفعها إلى تقديم تنازلات خلال المفاوضات، مشيراً إلى أن قدرة صدام حفتر على التحرك في محيط العاصمة وداخلها لا تعني امتلاكه القدرة على الحسم فيها.

حسن عبد المولى: الحكومة وجدت في ضبط الخلية التخريبية ورقة سياسية يمكن استخدامها في التفاوض

لكن عبد المولى رأى أن ضبط الخلية قد يقلب الوضع لمصلحة الحكومة لتصبح الخلية ورقة بيدها في عملية التفاوض بين سلطتَي طرابلس وبنغازي وتغير طبيعة النقاش حول الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري بحثها، قائلاً إن “هذا الصمت الطويل دون الكشف عن تفاصيل الخلية يعني أن الحكومة وجدت في ضبط الخلية ورقة سياسية يمكن استخدامها في التفاوض، لا بهدف إسقاط مسار 4+4، وإنما للحصول على تنازلات في الملفات التي لا تزال موضع خلاف”.

ولفت إلى أنه في حال صحة المعلومات المتداولة عن وساطة إماراتية لإغلاق القضية، فإن ذلك يعكس وجود أبعاد إقليمية للقضية قد تزيد من قوة الخلية كورقة بيد الحكومة، مضيفاً: “ربما كشفت التحقيقات عن معلومات أوسع حول وجود شبكات خارجية وراء صفقات الطيران المسلح الذي يحصل عليه حفتر، وتكون الإمارات، المعروف أنها تنقل شحنات متوالية من المعدات العسكرية إلى أراض خاضعة لقوات حفتر لتصل إلى السودان وغيرها من مناطق التوتر والنزاع، قد تكون متورطة في صفقات المسيّرات وتحرص الآن على إغلاق القضية”.

وفي رأيه، يزيد هذا الأمر “من أهمية هذه الورقة للضغط الإقليمي على حفتر لجني مكاسب منه قبل دخول اتفاق 4+4 مرحلة التنفيذ”.

____________

الدفع نحو إعادة توحيد ليبيا: لماذا يهم ذلك تركيا والمنطقة


مراد صوفو أوغلو

إن انخراط أنقرة مع الإدارتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها يخلق قنوات للمصالحة السياسية، لكن توحيد مؤسسات البلاد لا يزال يمثل تحدياً.

انزلقت ليبيا، وهي دولة غنية بالطاقة في شمال أفريقيا وتمتلك أكبر احتياطيات نفطية في القارة، إلى حرب أهلية دامية في عام 2014 بين فصيلين متنافسين في الغرب والشرق، وذلك بعد ثلاث سنوات من الإطاحة العنيفة بالزعيم السابق معمر القذافي وقتله.

ورغم القتال المتقطع بين القوتين المتنافستين، احتفظت الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس بشرعيتها إلى حد كبير، ووقّعت اتفاقيات مهمة مع دول مثل تركيا.

غير أن الحوار السياسي بين الإدارتين المتنافستين اكتسب زخماً في السنوات الأخيرة، إذ تروّج تركيا لسياستها “ليبيا الواحدة” وتدعم التقارب بين الجانبين لتوحيد البلاد الممزقة تحت حكومة مركزية واحدة.

وفي أبريل، اتفق الفصيلان المتنافسان في الشرق والغرب على ميزانية وطنية موحدة لتقاسم عائدات النفط الكبيرة في البلاد، في خطوة نحو إعادة التوحيد.

وفي أغسطس، قام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بزيارة مهمة إلى ليبيا، حيث أجرى محادثات ليس فقط في طرابلس، مقر الحكومة المعترف بها دولياً في الغرب، بل أيضاً في بنغازي، معقل الإدارة الشرقية بقيادة خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني الليبي.

وقال بعد مشاوراته في ليبيا: “من الضروري أن يبني إخوتنا وأخواتنا الليبيون مستقبلهم بحرية وأمان وازدهار. وتماشياً مع الرؤية التي حددها رئيسنا رجب طيب أردوغان، سنواصل دعم الحوار والتعاون بين غرب ليبيا وشرقها، والمساهمة في سلام ليبيا واستقرارها وازدهارها.”

سياسة “ليبيا الواحدة“

بعد أسبوعين من اجتماعات فيدان في ليبيا، أعلنت الأمم المتحدة خارطة طريق تحدد جدولاً زمنياً مدته عامان لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وتوحيد المؤسسات، وإعادة هيكلة المفوضية الانتخابية، في خطوة أخرى نحو إعادة توحيد البلاد.

يقول صلاح البكوش، محلل سياسي ليبي، لـ TRT World: “إن قدرة تركيا الآن على التعامل مع الفاعلين على جانبي الانقسام الليبي أمر مفيد للغاية.”

ويضيف البكوش، وهو أيضاً مستشار سابق للمجلس الأعلى للدولة الليبية: “سيكون تأثير تركيا الأكثر أهمية عندما يترجم الانخراط مع الجانبين إلى توحيد مؤسسي بدلاً من استيعاب هياكل موازية دائمة.”

ويلاحظ البكوش وجود استعداد متزايد لدى الفصائل السياسية المتنافسة في ليبيا للتوصل إلى حل وسط.

غير أنه يحذر من أن توحيد مراكز القوى المتنافسة تحت سلطة دولة واحدة سيكون صعباً لأن “السلطة المؤسسية لا تزال غير محسومة” بين الجانبين.

بعد زيارة فيدان، تكتفت الاتصالات الدبلوماسية بين ليبيا وتركيا. والتقى رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن يوم السبت في إسطنبول وزير الدفاع الليبي بالإنابة عبد السلام الزوبي لمناقشة الجهود الجارية نحو التوحيد المؤسسي.

ويوم الثلاثاء، التقى الرئيس رجب طيب أردوغان أيضاً محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مؤكداً أهمية الحوار الوطني والمصالحة.

يقول البكوش: “ليبيا المجزأة تصدّر انعدام الأمن؛ أما ليبيا ذات السيادة فيمكنها احتواؤه.” ويضيف المحلل الليبي: “كلما استعادت ليبيا السيطرة الموحدة على مؤسساتها وحدودها وقواتها الأمنية، كان ذلك أفضل للبلاد في منع شبكات التهريب غير القانونية والمساعدة في الاستقرار الإقليمي.”

قنوات أنقرة-بنغازي

اتخذت جهود تركيا لتوحيد ليبيا شكلاً ملموساً خاصة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020 بين حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر والمتمركز في الشرق، والذي أنهى القتال واسع النطاق في الحرب الأهلية في البلاد.

وقبل وقف إطلاق النار، كانت تركيا قد أقامت بالفعل علاقات مهمة مع ليبيا، إذ وقّعت اتفاقاً بحرياً تاريخياً مع حكومة طرابلس في عام 2019 يرسم حدود ولاياتهما البحرية في شرق البحر المتوسط الغني بالغاز. وبعد وقف إطلاق النار، حوّلت أنقرة اهتمامها بشكل متزايد نحو شرق ليبيا.

يقول فرحات بولات، الباحث والمحلل البارز المتخصص في الجيوسياسة والأمن في شمال أفريقيا، لـ TRT World: “منذ وقف إطلاق النار في 2020، تطور انخراط تركيا مع شرق ليبيا بما يتجاوز المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار ليشمل تعاوناً سياسياً واقتصادياً ودفاعياً أكبر.”

ويضيف بولات أن صدام حفتر، الابن الأصغر لخليفة حفتر، الذي عُيّن نائباً للقائد العام للقوات الشرقية في أغسطس 2025، كان “شخصية مهمة في هذا التقارب، إذ زار تركيا عدة مرات والتقى بمسؤولين أتراك كبار.”

ووفقاً لبولات، فإن زيارات حفتر، إلى جانب تنامي الاتصالات المؤسسية بين أنقرة وشرق ليبيا، فتحت قنوات اتصال جديدة بين الجانبين، مما أسهم في الحوار الوطني الجاري بين الإدارتين المتنافستين في الغرب والشرق.

ويشير أيضاً إلى قدرات تركيا الدفاعية المتنامية وعلاقاتها العسكرية مع ليبيا كعوامل يمكن أن تساعد الدولة الواقعة في شمال أفريقيا على إنشاء هيكل أمني موحد عبر أراضيها الشاسعة.

وفي أغسطس 2025، قامت السفينة البحرية التركية TCG Kinaliada بزيارة مهمة إلى ميناء بنغازي، حيث ناقش مسؤولون عسكريون أتراك وليبييون من الشرق التعاون في إطار هدف “ليبيا واحدة، جيش واحد”.

يقول بولات لـ TRT World: “بمجرد أن يترسخ الأمن في جميع أنحاء البلاد، يمكن لعملية الاستقرار الأوسع أن تتقدم بسلاسة أكبر. وفي هذا السياق، فإن وضع المؤسسات العسكرية الليبية تحت هيكل قيادة موحد أمر بالغ الأهمية.”

“لقد قدمت تركيا التدريب ودعماً آخر لتعزيز مهنية الجيش الليبي وقدرته المؤسسية.”

__________

ليبيا تستقبل شحنة بنزين نادرة.. ما القصة؟

رنا القاضي

استقبلت ليبيا شحنة بنزين وُصفت بأنها “نادرة”، في خطوة تُعيد تشغيل أحد مسارات استقبال الوقود بعد انقطاع دام سنوات، بالتزامن مع جهود تستهدف دعم إمدادات السوق المحلية ومواجهة النقص في المشتقات النفطية.

وبحسب بيانات تفصيلية حصلت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، وصلت شحنة البنزين، اليوم الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول 2026، عبر ناقلة المنتجات النفطية “بورتاريا”، محملة بنحو 5 آلاف طن متري، قادمة من إيطاليا.

وتكمن خصوصية الشحنة في كونها الأولى من البنزين التي تستقبلها مرافق شركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز في مرسى البريقة منذ عام 2017، ما يعني استئناف هذا النشاط بعد انقطاع دام قرابة 9 سنوات.

ومن المقرر تفريغ حمولة الناقلة في خزانات شركة سرت، تمهيدًا لضخها إلى شركة البريقة لتسويق النفط، بهدف دعم السوق المحلية والإسهام في معالجة نقص البنزين.

شحنة بنزين نادرة

استعدت شركة سرت لاستقبال الناقلة “بورتاريا” من خلال تجهيز منظومات التفريغ والتخزين وإجراء الفحوصات اللازمة للمعدات والخزانات، إلى جانب توفير متطلبات السلامة والصحة المهنية ومعدات مكافحة الحرائق.

وجاء استقبال الشحنة بتوجيهات من رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، وبالتنسيق مع شركة البريقة، في إطار الاستفادة من مرافق شركة سرت في عمليات تسلّم المنتجات النفطية وتخزينها وتداولها.

وتُظهر بيانات تتبع حركة الناقلة لدى منصة الطاقة أن “بورتاريا” من ناقلات المنتجات النفطية والمواد الكيميائية، وترفع علم مالطا، ويبلغ طولها نحو 184 مترًا، وتصل حمولتها الساكنة إلى قرابة 36.7 ألف طن.

وتردّدت الناقلة خلال 2026 على موانٍ ليبية وإيطالية، ومن بينها ميناء ساروتش في جزيرة سردينيا، كما نقلت شحنات من البنزين إلى ليبيا خلال الأشهر الماضية.

مصفاة ساروتش

انطلقت الشحنة الحالية من مصفاة ساروتش في جزيرة سردينيا الإيطالية، قبل عبور البحر المتوسط وصولًا إلى مرسى البريقة، وفق بيانات مسار الناقلة.

وتُعد مصفاة ساروتش، التي تديرها شركة سارلوكس التابعة لمجموعة ساراس، واحدة من أكبر مصافي التكرير وأكثرها تطورًا في موقع واحد بمنطقة البحر المتوسط.

وتتجاوز الطاقة التكريرية للمصفاة 15 مليون طن سنويًا، بما يعادل نحو 300 ألف برميل يوميًا، وتشكّل قرابة 21% من إجمالي طاقة التكرير في إيطاليا.

كما تتميز المصفاة بدرجة مرتفعة من التعقيد، إذ يبلغ مؤشر “نلسون” لديها نحو 11.7، ما يسمح لها بمعالجة أنواع مختلفة من النفط الخام وإنتاج مجموعة واسعة من المشتقات النفطية.

وتُمثّل المقطرات الخفيفة، وفي مقدمتها البنزين، نحو 30% من إنتاج المصفاة، في حين تستحوذ المقطرات الوسطى، ومنها الديزل ووقود الطائرات، على أكثر من نصف الإنتاج.

وتضم منشآت المصفاة 13 رصيفًا لخدمة الناقلات، إلى جانب سعة تخزينية تبلغ نحو 3.8 مليون متر مكعب، ما يدعم دورها في تصدير المنتجات النفطية إلى أسواق البحر المتوسط.

أزمة الوقود في ليبيا

تأتي عودة استقبال شحنات البنزين عبر مرافق شركة سرت، في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات متكررة في توفير الوقود محليًا، رغم امتلاكها أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا.

وتعتمد البلاد على استيراد جانب من احتياجاتها من المشتقات النفطية، نتيجة عدم كفاية طاقة التكرير المحلية لتغطية الطلب، وهو ما يجعل انتظام الشحنات المستوردة عنصرًا مهمًا في استقرار الإمدادات.

الناقلة “بورتاريا” خلال استقبال شحنة البنزين في مرسى البريقة – الصورة من شركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز

وشهدت السوق الليبية خلال سبتمبر/أيلول 2026 ضغوطًا على إمدادات الوقود، ظهرت في طوابير أمام محطات التعبئة بعدد من المناطق، بالتزامن مع استمرار تحديات التهريب ومحدودية قدرات التكرير المحلية، وفق ما رصدته منصة الطاقة المتخصصة.

وتزامنت الضغوط كذلك مع اضطرابات في بعض منشآت قطاع النفط، إذ أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، في 22 سبتمبر/أيلول 2026، إغلاق محتجين بوابة مجمع الزاوية النفطي ومنع الموظفين والفنيين من الدخول.

ومن ثم، تُتيح عودة مرسى البريقة لاستقبال البنزين عبر مرافق شركة سرت إضافة مسار آخر إلى منظومة تسلّم الوقود وتخزينه وتداوله، في وقت تسعى فيه المؤسسة الوطنية للنفط إلى تأمين احتياجات السوق.

___________

ليبيا في شبكة الأمن المتوسطي – الأفريقي

صلاح الهوني

ليبيا لم تعد تُرى فقط باعتبارها أزمة داخلية تحتاج إلى حل، بل باعتبارها جزءاً من البيئة الأمنية للمتوسط.

المشكلة الليبية لم تعد في سفينة أجنبية تصل إلى ميناء ليبي، ولا في أن طائرة استطلاع تراقب من الجو حركة سفن تعبر المتوسط. المشكلة الأعمق أن مثل هذه المشاهد أصبحت قابلة للحدوث في ليبيا من دون أن تبدو استثنائية. سفن روسية تصل إلى طبرق محملة، بحسب صور الأقمار الصناعية وتحليلات مصادر مفتوحة، بآليات مدرعة ومعدات لوجستية، وطائرة دورية إيطالية تتعقب القافلة في البحر، ثم طائرة استطلاع أميركية تحلق قبالة الساحل الشرقي الليبي.

وبينما تراقب القوى الكبرى بعضها بعضاً، يبقى السؤال الأكثر حساسية هو: أين يقف القرار الليبي في كل هذه المعادلة؟

في منتصف أيلول/سبتمبر، أظهرت صور أقمار صناعية سفينة الشحن الروسية “أناستاسيا” داخل ميناء طبرق، وسفينة أخرى عند مدخل الميناء، فيما ظهرت سفينة الإنزال “ألكسندر شابالين” في عرض البحر. وكانت القافلة قد رُصدت في وسط المتوسط بواسطة طائرة دورية بحرية إيطالية قبل أن تتوقف السفن عن بث بيانات نظام التعريف الآلي بصورة علنية.

وبعد ذلك بيوم، رُصدت طائرة الاستطلاع الأميركية «Artemis II» وهي تنفذ طلعات قبالة الساحل الشرقي الليبي. وتشير التحليلات المنشورة إلى أن الشحنة تضمنت شاحنات لوجستية وآليات مدرعة، لكن لا توجد حتى الآن معلومات رسمية كاملة تشرح الغرض النهائي منها أو طبيعة الترتيبات التي أحاطت بوصولها.

قد يبدو هذا، في الحساب العسكري البحت، مجرد حركة إمداد. لكن طبرق ليست مجرد ميناء شرقي، وليبيا ليست مجرد بلد يعاني انقساماً سياسياً. ليبيا تقع في المكان الذي تتقاطع فيه أوروبا مع شمال أفريقيا، والمتوسط مع الساحل الأفريقي، والطاقة مع الهجرة، والموانئ مع طرق التجارة، والأمن الأوروبي مع صراعات الشرق الأوسط وأفريقيا. ولهذا فإن كل قوة خارجية تنظر إلى ليبيا من زاوية مختلفة، لكنها تلتقي في حقيقة واحدة: البلد أكبر من أزمته الداخلية، وموقعه الاستراتيجي يجعل فراغه السياسي قابلاً للتحول إلى فرصة جيوسياسية.

روسيا تنظر إلى ليبيا بوصفها إحدى حلقات حضورها المتوسطي والأفريقي. وأوروبا تراها بوابة جنوبية لا يمكن فصل أمنها عن أمن المتوسط. وإيطاليا، بحكم القرب الجغرافي وعلاقاتها الاقتصادية والطاقة والهجرة، تتعامل معها باعتبارها جزءاً مباشراً من حساباتها الإستراتيجية. أما الولايات المتحدة فتراقب أي محاولة لبناء موطئ قدم روسي دائم على الضفة الجنوبية للمتوسط.

ولهذا فإن السفن الروسية التي وصلت إلى طبرق لا يمكن فصلها عن تحرك روسي أوسع في المنطقة. ففي مطلع سبتمبر وصلت قافلة روسية أخرى إلى ميناء طرطوس السوري، في مهمة إمداد أعقبت اتفاقاً جديداً بين موسكو ودمشق سمح باستمرار وجود روسي عسكري في سوريا ضمن ترتيبات مختلفة عن المرحلة السابقة.

وبحسب “رويترز”، كانت تلك أول مهمة إعادة إمداد روسية إلى المنشآت الساحلية السورية منذ الاتفاق الجديد، بما يشير إلى أن موسكو تعمل على الحفاظ على قدرتها اللوجستية في شرق المتوسط بعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا.

من هذه الزاوية تصبح ليبيا جزءاً من جغرافيا أوسع. فموسكو لا تحتاج بالضرورة إلى تحويل كل موقع إلى قاعدة عسكرية ضخمة كي تستفيد منه. يكفي أحياناً أن تمتلك نقاط ارتكاز، وموانئ يمكن استخدامها، ومطارات قريبة، وشركاء محليين، وشبكة لوجستية تسمح لها بالحركة بين المتوسط والساحل. وهذا تحديداً ما يجعل ليبيا ذات قيمة بالنسبة إلى إستراتيجية روسية تبحث عن المرونة أكثر مما تبحث عن السيطرة المباشرة.

لكن الخطأ سيكون في قراءة الوجود الروسي باعتباره نتيجة رغبة روسية وحدها. فالروس يدخلون من أبواب يفتحها الآخرون، والباب الليبي الأكبر لم تفتحه موسكو، وإنما فتحه الانقسام الليبي نفسه.

منذ 2011، لم تفشل ليبيا في بناء دولة موحدة فحسب، بل فشلت أيضاً في احتكار الدولة لأدوات القوة والقرار الخارجي. وحين تتعدد الحكومات، وتتوزع المؤسسات، وتتنازع السلطات على الشرعية، وتبقى المؤسسة العسكرية منقسمة، يصبح الخارج قادراً على التعامل مع أجزاء من الدولة بدلاً من التعامل مع دولة واحدة. وهذه هي الحلقة الأخطر في الأزمة.

فالدولة القوية تستطيع أن تستقبل روسيا وأميركا وإيطاليا وتركيا وغيرها، وأن تتعامل معها جميعاً من موقع المصلحة الوطنية. أما الدولة المنقسمة فتجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع القوى الخارجية من خلال مراكز القوة المحلية. وفي هذه الحالة تتحول العلاقة من شراكة بين دول إلى علاقة بين قوة خارجية وطرف محلي يحتاج إلى الدعم. هنا تفقد السيادة معناها تدريجياً، من دون أن تختفي قانونياً.

قد تبقى ليبيا عضواً في الأمم المتحدة، وقد تبقى الحدود والراية والمؤسسات قائمة، لكن السيادة لا تقاس بالرموز وحدها. السيادة تعني أن تكون الدولة قادرة على اتخاذ قرارها، وأن تكون المؤسسة العسكرية خاضعة لسلطة وطنية واحدة، وأن تكون الموانئ والمطارات والموارد العامة جزءاً من منظومة قرار واحدة، وأن تكون الاتفاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية قابلة للمساءلة أمام مؤسسات الدولة، لا نتاج تفاهمات متفرقة بين قوى محلية وشركاء خارجيين. وهنا بالضبط تصبح طبرق أكثر من مجرد ميناء.

فالميناء الذي تستقبل فيه دولة ما سفناً أجنبية هو في الأصل جزء من سيادة الدولة. وإذا كان استخدامه العسكري أو اللوجستي يتم ضمن قرار وطني واضح، فإن الأمر يمكن أن يكون جزءاً من علاقات الدولة الطبيعية. أما حين لا تكون هناك سلطة وطنية موحدة تستطيع أن تشرح للشعب ما الذي يحدث، ولماذا يحدث، وما حدود الاتفاق، ومن يتحمل مسؤوليته، فإن الميناء يتحول إلى رمز لأزمة الدولة نفسها.

المشكلة ليست في روسيا وحدها، ولذلك فإن اختزال المسألة في “الخطر الروسي” سيكون تبسيطاً شديداً. ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية حضوراً وتدخلاً من قوى متعددة، وكانت تركيا طرفاً عسكرياً مباشراً في الصراع، فيما احتفظت دول غربية بوجود أمني وتدريبي، واستمرت دول إقليمية ودولية في بناء علاقات مع أطراف ليبية مختلفة. وكل طرف يبرر وجوده بمصالحه أو باتفاقاته أو بمخاوفه الأمنية.

لكن النتيجة التي ينبغي أن تهم الليبيين واحدة: كلما ازداد عدد اللاعبين الخارجيين الذين يستطيعون بناء علاقات مباشرة مع مراكز القوة المحلية، ازدادت صعوبة بناء قرار وطني واحد.

البلد الذي يمتلك النفط والموانئ والموقع الاستراتيجي لا يستطيع تحويل هذه العناصر إلى قوة تفاوضية حقيقية لأنه لم يحسم بعد سؤال من يتحدث باسم الدولة. الثروة التي كان يمكن أن تمنح ليبيا استقلالاً أكبر في القرار أصبحت في بعض الأحيان سبباً إضافياً لتنافس الخارج عليها.

والموقع الجغرافي الذي كان يمكن أن يجعل ليبيا جسراً بين أوروبا وأفريقيا والبحر المتوسط أصبح أيضاً سبباً لجعلها نقطة اهتمام دائمة للأجهزة العسكرية والاستخباراتية والقوى البحرية.

ولذلك فإن السيادة ليست خطاباً وطنياً يُرفع عندما تصل سفينة روسية، ثم يُنسى عندما تصل سفينة أو طائرة تابعة لقوة أخرى. السيادة مفهوم واحد، وإما أن تكون الدولة قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصلحة وطنية موحدة، أو أنها تظل معرضة لأن تتحول إلى ساحة لتوازنات الآخرين.

حتى أوروبا نفسها بدأت تتعامل مع المسألة الليبية من منظور أكثر ارتباطاً بأمنها المباشر. إيطاليا تراقب النشاط الروسي في المتوسط، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن ليبيا دولة حيوية لمصالحها الإستراتيجية، خصوصاً في ملفات الطاقة والهجرة والأمن والبنية التحتية. وفي 10 سبتمبر، تزامناً مع التحركات الروسية في المتوسط، زار رئيس أركان الدفاع الإيطالي طرابلس، حيث بحث تعزيز التعاون العسكري والأمني مع الجانب الليبي.

هذا التزامن يحمل دلالة مهمة. فليبيا لم تعد تُرى فقط باعتبارها أزمة داخلية تحتاج إلى حل، بل باعتبارها جزءاً من البيئة الأمنية للمتوسط. وهذا يعني أن القوى الخارجية ستواصل الاهتمام بها طالما بقيت الأزمة مفتوحة.

والأكثر إثارة للانتباه أن إيطاليا نفسها تواجه في هذه المرحلة ضغوطاً أمنية بحرية متزايدة. فقد أعلنت روما أخيراً استعدادها لتعزيز حضورها البحري لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تتزايد فيه المخاطر على طرق التجارة والطاقة. وهذا يوضح أن المتوسط لم يعد منطقة منفصلة عن بقية الأزمات البحرية، بل أصبح جزءاً من شبكة أمنية مترابطة تمتد من البحر الأسود إلى المتوسط والبحر الأحمر والساحل الأفريقي. في مثل هذا العالم، تصبح ليبيا ذات قيمة استراتيجية أكبر، لا أقل.

لكن القيمة الجيوسياسية يمكن أن تتحول إلى نعمة أو نقمة. الدولة الموحدة تستفيد من موقعها لأنها تستطيع التفاوض مع الآخرين على أساس المصالح. أما الدولة المنقسمة فيصبح موقعها عبئاً عليها، لأن الآخرين يتنافسون على ملء الفراغ.

وهذا هو جوهر الأزمة الليبية: ليس أن العالم يتدخل في ليبيا فقط، بل أن ليبيا لم تنجح حتى الآن في بناء المؤسسات التي تجعل التدخل الخارجي مكلفاً سياسياً وغير ضروري استراتيجياً.

لا يمكن إغلاق الأبواب أمام العالم. ليبيا ليست جزيرة معزولة، ولا تستطيع ولا ينبغي لها أن تعيش خارج شبكة العلاقات الدولية. المطلوب ليس طرد الجميع، وإنما تغيير طبيعة العلاقة معهم. الفرق كبير بين أن تستقبل ليبيا استثماراً روسياً أو أوروبياً أو تركياً ضمن استراتيجية وطنية معلنة، وبين أن تصبح أراضيها وموانئها ومؤسساتها جزءاً من حسابات أمنية لا يعرف المواطن الليبي حدودها.

السيادة لا تعني العزلة، كما أن الاستقلال لا يعني رفض الشراكات. الدولة ذات السيادة هي التي تستطيع أن تقول نعم أو لا، وأن تفاوض، وأن تضع شروطها، وأن تعرف ماذا تحصل وماذا تقدم، وأن تجعل الاتفاقات الخارجية امتداداً لسياسة وطنية لا بديلاً عنها.

إذا أرادت ليبيا أن تتعامل مع الوجود الروسي وغيره من أشكال التدخل الخارجي، فإن الطريق لا يبدأ من البحر، بل من الداخل. يبدأ بتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية، وإنهاء ازدواجية القرار، وإعادة بناء علاقة واضحة بين السلطة والثروة، ووضع إطار قانوني وشفاف لأي اتفاق أمني أو عسكري أو اقتصادي مع دولة أجنبية.

المشكلة الليبية لم تعد في سفينة أجنبية تصل إلى ميناء ليبي، ولا في أن طائرة استطلاع تراقب من الجو حركة سفن تعبر المتوسط. المشكلة الأعمق أن مثل هذه المشاهد أصبحت قابلة للحدوث في ليبيا من دون أن تبدو استثنائية. سفن روسية تصل إلى طبرق محملة، بحسب صور الأقمار الصناعية وتحليلات مصادر مفتوحة، بآليات مدرعة ومعدات لوجستية، وطائرة دورية إيطالية تتعقب القافلة في البحر، ثم طائرة استطلاع أميركية تحلق قبالة الساحل الشرقي الليبي. وبينما تراقب القوى الكبرى بعضها بعضاً، يبقى السؤال الأكثر حساسية هو: أين يقف القرار الليبي في كل هذه المعادلة؟

في منتصف أيلول/سبتمبر، أظهرت صور أقمار صناعية سفينة الشحن الروسية “أناستاسيا” داخل ميناء طبرق، وسفينة أخرى عند مدخل الميناء، فيما ظهرت سفينة الإنزال “ألكسندر شابالين” في عرض البحر.

وكانت القافلة قد رُصدت في وسط المتوسط بواسطة طائرة دورية بحرية إيطالية قبل أن تتوقف السفن عن بث بيانات نظام التعريف الآلي بصورة علنية. وبعد ذلك بيوم، رُصدت طائرة الاستطلاع الأميركية «Artemis II» وهي تنفذ طلعات قبالة الساحل الشرقي الليبي. وتشير التحليلات المنشورة إلى أن الشحنة تضمنت شاحنات لوجستية وآليات مدرعة، لكن لا توجد حتى الآن معلومات رسمية كاملة تشرح الغرض النهائي منها أو طبيعة الترتيبات التي أحاطت بوصولها.

قد يبدو هذا، في الحساب العسكري البحت، مجرد حركة إمداد. لكن طبرق ليست مجرد ميناء شرقي، وليبيا ليست مجرد بلد يعاني انقساماً سياسياً. ليبيا تقع في المكان الذي تتقاطع فيه أوروبا مع شمال أفريقيا، والمتوسط مع الساحل الأفريقي، والطاقة مع الهجرة، والموانئ مع طرق التجارة، والأمن الأوروبي مع صراعات الشرق الأوسط وأفريقيا.

ولهذا فإن كل قوة خارجية تنظر إلى ليبيا من زاوية مختلفة، لكنها تلتقي في حقيقة واحدة: البلد أكبر من أزمته الداخلية، وموقعه الاستراتيجي يجعل فراغه السياسي قابلاً للتحول إلى فرصة جيوسياسية.

روسيا تنظر إلى ليبيا بوصفها إحدى حلقات حضورها المتوسطي والأفريقي. وأوروبا تراها بوابة جنوبية لا يمكن فصل أمنها عن أمن المتوسط. وإيطاليا، بحكم القرب الجغرافي وعلاقاتها الاقتصادية والطاقة والهجرة، تتعامل معها باعتبارها جزءاً مباشراً من حساباتها الإستراتيجية. أما الولايات المتحدة فتراقب أي محاولة لبناء موطئ قدم روسي دائم على الضفة الجنوبية للمتوسط.

ولهذا فإن السفن الروسية التي وصلت إلى طبرق لا يمكن فصلها عن تحرك روسي أوسع في المنطقة. ففي مطلع سبتمبر وصلت قافلة روسية أخرى إلى ميناء طرطوس السوري، في مهمة إمداد أعقبت اتفاقاً جديداً بين موسكو ودمشق سمح باستمرار وجود روسي عسكري في سوريا ضمن ترتيبات مختلفة عن المرحلة السابقة.

وبحسب “رويترز”، كانت تلك أول مهمة إعادة إمداد روسية إلى المنشآت الساحلية السورية منذ الاتفاق الجديد، بما يشير إلى أن موسكو تعمل على الحفاظ على قدرتها اللوجستية في شرق المتوسط بعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا.

من هذه الزاوية تصبح ليبيا جزءاً من جغرافيا أوسع. فموسكو لا تحتاج بالضرورة إلى تحويل كل موقع إلى قاعدة عسكرية ضخمة كي تستفيد منه. يكفي أحياناً أن تمتلك نقاط ارتكاز، وموانئ يمكن استخدامها، ومطارات قريبة، وشركاء محليين، وشبكة لوجستية تسمح لها بالحركة بين المتوسط والساحل. وهذا تحديداً ما يجعل ليبيا ذات قيمة بالنسبة إلى إستراتيجية روسية تبحث عن المرونة أكثر مما تبحث عن السيطرة المباشرة.

لكن الخطأ سيكون في قراءة الوجود الروسي باعتباره نتيجة رغبة روسية وحدها. فالروس يدخلون من أبواب يفتحها الآخرون، والباب الليبي الأكبر لم تفتحه موسكو، وإنما فتحه الانقسام الليبي نفسه.

منذ 2011، لم تفشل ليبيا في بناء دولة موحدة فحسب، بل فشلت أيضاً في احتكار الدولة لأدوات القوة والقرار الخارجي. وحين تتعدد الحكومات، وتتوزع المؤسسات، وتتنازع السلطات على الشرعية، وتبقى المؤسسة العسكرية منقسمة، يصبح الخارج قادراً على التعامل مع أجزاء من الدولة بدلاً من التعامل مع دولة واحدة.

وهذه هي الحلقة الأخطر في الأزمة.

فالدولة القوية تستطيع أن تستقبل روسيا وأميركا وإيطاليا وتركيا وغيرها، وأن تتعامل معها جميعاً من موقع المصلحة الوطنية. أما الدولة المنقسمة فتجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع القوى الخارجية من خلال مراكز القوة المحلية. وفي هذه الحالة تتحول العلاقة من شراكة بين دول إلى علاقة بين قوة خارجية وطرف محلي يحتاج إلى الدعم.

هنا تفقد السيادة معناها تدريجياً، من دون أن تختفي قانونياً.

قد تبقى ليبيا عضواً في الأمم المتحدة، وقد تبقى الحدود والراية والمؤسسات قائمة، لكن السيادة لا تقاس بالرموز وحدها. السيادة تعني أن تكون الدولة قادرة على اتخاذ قرارها، وأن تكون المؤسسة العسكرية خاضعة لسلطة وطنية واحدة، وأن تكون الموانئ والمطارات والموارد العامة جزءاً من منظومة قرار واحدة، وأن تكون الاتفاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية قابلة للمساءلة أمام مؤسسات الدولة، لا نتاج تفاهمات متفرقة بين قوى محلية وشركاء خارجيين.

وهنا بالضبط تصبح طبرق أكثر من مجرد ميناء.

فالميناء الذي تستقبل فيه دولة ما سفناً أجنبية هو في الأصل جزء من سيادة الدولة. وإذا كان استخدامه العسكري أو اللوجستي يتم ضمن قرار وطني واضح، فإن الأمر يمكن أن يكون جزءاً من علاقات الدولة الطبيعية. أما حين لا تكون هناك سلطة وطنية موحدة تستطيع أن تشرح للشعب ما الذي يحدث، ولماذا يحدث، وما حدود الاتفاق، ومن يتحمل مسؤوليته، فإن الميناء يتحول إلى رمز لأزمة الدولة نفسها.

المشكلة ليست في روسيا وحدها، ولذلك فإن اختزال المسألة في “الخطر الروسي” سيكون تبسيطاً شديداً. ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية حضوراً وتدخلاً من قوى متعددة، وكانت تركيا طرفاً عسكرياً مباشراً في الصراع، فيما احتفظت دول غربية بوجود أمني وتدريبي، واستمرت دول إقليمية ودولية في بناء علاقات مع أطراف ليبية مختلفة. وكل طرف يبرر وجوده بمصالحه أو باتفاقاته أو بمخاوفه الأمنية.

لكن النتيجة التي ينبغي أن تهم الليبيين واحدة: كلما ازداد عدد اللاعبين الخارجيين الذين يستطيعون بناء علاقات مباشرة مع مراكز القوة المحلية، ازدادت صعوبة بناء قرار وطني واحد.

البلد الذي يمتلك النفط والموانئ والموقع الاستراتيجي لا يستطيع تحويل هذه العناصر إلى قوة تفاوضية حقيقية لأنه لم يحسم بعد سؤال من يتحدث باسم الدولة. الثروة التي كان يمكن أن تمنح ليبيا استقلالاً أكبر في القرار أصبحت في بعض الأحيان سبباً إضافياً لتنافس الخارج عليها. والموقع الجغرافي الذي كان يمكن أن يجعل ليبيا جسراً بين أوروبا وأفريقيا والبحر المتوسط أصبح أيضاً سبباً لجعلها نقطة اهتمام دائمة للأجهزة العسكرية والاستخباراتية والقوى البحرية.

ولذلك فإن السيادة ليست خطاباً وطنياً يُرفع عندما تصل سفينة روسية، ثم يُنسى عندما تصل سفينة أو طائرة تابعة لقوة أخرى. السيادة مفهوم واحد، وإما أن تكون الدولة قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصلحة وطنية موحدة، أو أنها تظل معرضة لأن تتحول إلى ساحة لتوازنات الآخرين.

حتى أوروبا نفسها بدأت تتعامل مع المسألة الليبية من منظور أكثر ارتباطاً بأمنها المباشر. إيطاليا تراقب النشاط الروسي في المتوسط، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن ليبيا دولة حيوية لمصالحها الإستراتيجية، خصوصاً في ملفات الطاقة والهجرة والأمن والبنية التحتية. وفي 10 سبتمبر، تزامناً مع التحركات الروسية في المتوسط، زار رئيس أركان الدفاع الإيطالي طرابلس، حيث بحث تعزيز التعاون العسكري والأمني مع الجانب الليبي.

هذا التزامن يحمل دلالة مهمة. فليبيا لم تعد تُرى فقط باعتبارها أزمة داخلية تحتاج إلى حل، بل باعتبارها جزءاً من البيئة الأمنية للمتوسط. وهذا يعني أن القوى الخارجية ستواصل الاهتمام بها طالما بقيت الأزمة مفتوحة.

والأكثر إثارة للانتباه أن إيطاليا نفسها تواجه في هذه المرحلة ضغوطاً أمنية بحرية متزايدة. فقد أعلنت روما أخيراً استعدادها لتعزيز حضورها البحري لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تتزايد فيه المخاطر على طرق التجارة والطاقة. وهذا يوضح أن المتوسط لم يعد منطقة منفصلة عن بقية الأزمات البحرية، بل أصبح جزءاً من شبكة أمنية مترابطة تمتد من البحر الأسود إلى المتوسط والبحر الأحمر والساحل الأفريقي.

في مثل هذا العالم، تصبح ليبيا ذات قيمة استراتيجية أكبر، لا أقل.

لكن القيمة الجيوسياسية يمكن أن تتحول إلى نعمة أو نقمة. الدولة الموحدة تستفيد من موقعها لأنها تستطيع التفاوض مع الآخرين على أساس المصالح. أما الدولة المنقسمة فيصبح موقعها عبئاً عليها، لأن الآخرين يتنافسون على ملء الفراغ.

وهذا هو جوهر الأزمة الليبية: ليس أن العالم يتدخل في ليبيا فقط، بل أن ليبيا لم تنجح حتى الآن في بناء المؤسسات التي تجعل التدخل الخارجي مكلفاً سياسياً وغير ضروري استراتيجياً.

لا يمكن إغلاق الأبواب أمام العالم. ليبيا ليست جزيرة معزولة، ولا تستطيع ولا ينبغي لها أن تعيش خارج شبكة العلاقات الدولية. المطلوب ليس طرد الجميع، وإنما تغيير طبيعة العلاقة معهم. الفرق كبير بين أن تستقبل ليبيا استثماراً روسياً أو أوروبياً أو تركياً ضمن استراتيجية وطنية معلنة، وبين أن تصبح أراضيها وموانئها ومؤسساتها جزءاً من حسابات أمنية لا يعرف المواطن الليبي حدودها.

السيادة لا تعني العزلة، كما أن الاستقلال لا يعني رفض الشراكات. الدولة ذات السيادة هي التي تستطيع أن تقول نعم أو لا، وأن تفاوض، وأن تضع شروطها، وأن تعرف ماذا تحصل وماذا تقدم، وأن تجعل الاتفاقات الخارجية امتداداً لسياسة وطنية لا بديلاً عنها.

إذا أرادت ليبيا أن تتعامل مع الوجود الروسي وغيره من أشكال التدخل الخارجي، فإن الطريق لا يبدأ من البحر، بل من الداخل. يبدأ بتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية، وإنهاء ازدواجية القرار، وإعادة بناء علاقة واضحة بين السلطة والثروة، ووضع إطار قانوني وشفاف لأي اتفاق أمني أو عسكري أو اقتصادي مع دولة أجنبية.

_________________

لماذا رفض الأعلى للدولة اتفاق «4+4».. لأنه يعيد إنتاج المرحلة الانتقالية

فتح الله السريري

أعاد اتفاق «4+4» بشأن استكمال المسار السياسي في ليبيا فتح النقاش حول شكل المرحلة المقبلة ومدى قدرة التفاهمات الجديدة على إنهاء المراحل الانتقالية والوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية تنهي الانقسام، وبينما ينظر إلى الاتفاق باعتباره خطوة نحو تحريك العملية السياسية، تبرز في المقابل ملاحظات تتعلق بالقاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية وشكل السلطة التشريعية وشروط الترشح للرئاسة، فضلًا عن الضمانات اللازمة لضمان حياد المؤسسة العسكرية ونزاهة الاستحقاق الانتخابي.

مرحلة انتقالية جديدة بدل إنهاء المراحل الانتقالية

وقال عضو مجلس الدولة فتح الله السريري، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، إن من أبرز مفارقات «4+4» الدخول في مرحلة انتقالية جديدة لمدة عامين أو أكثر، بالرغم من مناداة الأطراف الموقعة على الاتفاق بإنهاء المراحل الانتقالية والذهاب إلى مرحلة دائمة، مشيرًا إلى أن ذلك كان ممكنًا عبر توحيد السلطة التنفيذية وفق ما حدث اليوم.

تجاهل مشروع الدستور وقانون الاستفتاء

وأشار السريري إلى ما وصفه بتجاهل مشروع الدستور المنجز من هيئة منتخبة مباشرة من الشعب عام 2017، موضحًا أن المفوضية العليا للانتخابات تسلمت قانون الاستفتاء في فبراير 2019، وهو القانون المتوافق عليه من مجلسي النواب والدولة وفق المادة 23 من الاتفاق السياسي الليبي.

ورأى أن تأجيل اعتماد هذا المسار إلى البرلمان القادم بعد ثلاث سنوات أو أكثر، بدل الاستفتاء على مشروع الدستور، يمثل إحدى المفارقات التي تثير التساؤلات حول المسار المقترح.

استبعاد القانون 27 لسنة 2023

ولفت السريري إلى استبعاد القانون رقم 27 لسنة 2023، المنجز من لجنة «6+6» بالتوافق التام بين مجلسي النواب والدولة، والنافذ بعد إصداره ونشره في الجريدة الرسمية.

وأوضح أن هذا القانون ارتكز على المساواة بين الليبيين في مجلس النواب بواقع نائب لكل 30 ألف مواطن، بما يعني، وفق رؤيته، أنه «لا منتصر ولا مهزوم ولا غالب و لا مغلوب»، وبما يحقق الوئام الاجتماعي والعدالة في المشاركة الفاعلة بالشأن السياسي وينهي التهميش الممنهج لبعض المدن والقرى.

وأضاف أن القانون يتضمن كذلك تمثيل الأحزاب بمقاعد تفوق الأفراد، ترسيخًا للمبدأ الدستوري الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، وهو مبدأ التعددية السياسية، المنصوص عليه في الإعلان الدستوري لعام 2011 والوثائق الدستورية المعاصرة.

وأشار إلى استبدال ذلك بالقانون رقم 10 لسنة 2014 القائم على النظام الفردي، والذي قال إنه «يكرس الجهوية والقبلية ويقلل أو يعدم التنافس الحزبي المنظم»، معتبرًا أن الواقع أثبت صعوبة العمل وفق نتائجه، وأن الواقع شاهد على صعوبة انعقاد جلسات مجلس النواب الحالي والتوافق حول القضايا المهمة.

إلغاء مجلس الشيوخ ومفارقة الغرفة التشريعية الثانية

ومن بين الملاحظات التي طرحها السريري إلغاء الغرفة التشريعية الثانية، أي مجلس الشيوخ، مشيرًا إلى بعده التاريخي في دستور عام 1951، والاتفاق السياسي الليبي عام 2015، ومشروع الدستور الليبي عام 2017، والإعلان الدستوري الثالث عشر.

وأوضح أن هذه الغرفة صارت مكرسة في كل هذه الوثائق الدستورية لأهميتها في خلق توازن تشريعي جغرافي، ولا سيما بعد التسوية العددية «30/30/30» في هذه الغرفة وفق نصوص التعديل الثالث عشر والقانون رقم 27 لسنة 2023، وبذات الاختصاصات الواردة في مشروع الدستور الليبي.

الجنسية الثانية.. ماذا لو رفضت الدولة المانحة التنازل عنها؟

وتوقف السريري عند مسألة التنازل عن الجنسية الثانية بعد الفوز في الانتخابات، متسائلًا: «من يضمن ذلك؟»، ولا سيما أن الجنسية، بحسب وصفه، رابطة قانونية ذات علاقة ثنائية بين حاملها والدولة المانحة.

وطرح تساؤلًا حول ما سيحدث إذا رفضت الدولة المانحة طلب التنازل عن الجنسية، مشيرًا إلى أن الانتخابات ستعاد وفق نصوص هذا الاتفاق حال فشل الفائز في ذلك، وفق الفقرة «1.2.2».

واعتبر أن ذلك يعني أن مصير الانتخابات الرئاسية الليبية ونجاحها من عدمه قد يصبح مرهونًا بإرادة وقرار الدولة الأجنبية المانحة للجنسية.

كما تساءل عن الضامن لعدم استمرارية ولاء الرئيس الفائز للدولة الأجنبية المانحة للجنسية، حتى في حال استجابتها لطلب التنازل، موضحًا أن الولاء القانوني قد ينتهي بالتنازل، لكن الولاء السياسي والمصلحي يظل دون أي ضمان فعلي، خاصة أن الجنسية في الغالب لا تقتصر على الرئيس، وإنما تتمتع بها زوجته وبناته وأحفاده وأقاربه.

وقال السريري إن هذا هو السبب الذي يجعل القوانين الانتخابية تحظر ازدواج الجنسية، وفق رؤيته.

السماح لمزدوج الجنسية بالترشح يفتح جدلًا بعد الفوز

وأضاف أن السماح لمزدوج الجنسية بالترشح للانتخابات الرئاسية ثم مطالبته بالتنازل عنها بعد الفوز يفتح إشكالًا آخر، متسائلًا: «لن يتنازل عنها لو انتخبه الشعب رئيسًا؟!».

وأوضح أنه إذا انتخب الشعب رئيسًا يحمل جنسية دولة أخرى، فإن الفائز سيكون قادرًا على الاستناد إلى إرادة الناخبين، باعتبار أن الشعب، بعلمه، انتخب رئيسًا مزدوج الجنسية ومنحه ثقته.

وأشار إلى أن الحجة التي قد يطرحها الفائز تتمثل في أن «الشعب يريد رئيسًا يحمل جنسية دولة أخرى»، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن إرادته التي عبر عنها في صناديق الانتخاب أعلى وأقوى من أي نص قانوني ومن الأيمان الدستورية، مضيفًا أنه سيجد بكل من يقتنع بذلك من يناصره ويؤيد موقف السيد الرئيس.

حياد المؤسسة العسكرية محل تساؤل

وفيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية، قال السريري إنه لا توجد ضمانات لحيادها، مشيرًا إلى أن الاتفاق سمح لها بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية كمرشحين وناخبين، إلا في عملية التصويت السري.

ورأى أن هذه المسألة تثير تساؤلًا حول مدى ضمان حياد المؤسسة العسكرية خلال العملية الانتخابية.

نقطة إيجابية تتعلق بالانتخابات الرئاسية

وفي المقابل، أشار السريري إلى أن النقطة الإيجابية تتمثل في التأكيد على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية وفق القانون رقم 28 لسنة 2023، مع بعض التعديلات المقبولة، كفك الارتباط الذي فرضته عدم الثقة بين الأطراف السياسية المتصارعة، وذلك لضمان إجراء ونجاح كلا الانتخابين التشريعية والرئاسية.

وأضاف أن نقطة التزامن تحتاج هي الأخرى إلى تعديل، معتبرًا أنها عمل فني يخص الأداة التنفيذية للانتخابات، وهي المفوضية العليا للانتخابات، مشيرًا إلى أن رئيس المفوضية صرح في آخر لقاء تلفزيوني بإمكانية ذلك فنيًا.

هل كان بالإمكان إجراء الانتخابات هذا العام؟

وطرح السريري تساؤلًا حول جدوى الاتفاق، قائلًا إنه مادام لدى البعثة والدول الداعمة لعملها المكنة والقدرة على جمع الفرقاء الأقوياء لتوقيع هذا الاتفاق أو فرضه، «أليس الأولى أن كان هذا الاتفاق يقضي بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية وفق القوانين النافذة وتنهى المراحل الانتقالية، ويكون للبلد رئيس منتخب مباشرة من الشعب وسلطة تشريعية جديدة خلال هذا العام؟».

وأوضح أن ذلك كان ممكنًا مع توفير رقابة دولية تضمن نزاهة الانتخابات وشفافيتها، وتلزم كل الأطراف بنتائجها والاعتراف بمخرجاتها، بما يسمح بـ«طوي صفحة الصراع والفوضى والانقسام»، وأن يكون الشعب مصدر السلطة والرقيب على أعمالها ومسؤولًا عن اختياراته، دون مصادرة حقه في ذلك.

وختم السريري بالقول: «ذاك ممكن وممكن».

________________

ما بعد اتفاق “4+4” في ليبيا.. مصادر تكشف عن تحركات مصرية وتحفظات روسية وعراقيل في التنفيذ


انتقل اتفاق 4+4 في ليبيا من معركة التوقيع إلى معركة التنفيذ، بعدما أصبح مصيره مرتبطاً ليس فقط بمستوى التأييد الذي حصل عليه داخل المؤسسات الليبية، وإنما أيضاً بالغطاء السياسي والمؤسسي المطلوب لتحويله إلى خطوات عملية، وفق ما كشفته مصادر خاصة لـ”عربي بوست”.

ففي الوقت الذي حصل فيه الاتفاق على تأييد واسع داخل مجلس النواب وترحيب من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، يواجه المسار اعتراضاً من رئاسة المجلس الأعلى للدولة، فيما تبحث البعثة الأممية تشكيل لجنة حوار وطني تضم نحو 47 عضواً للتعامل مع ملف السلطة التنفيذية إذا تعذر استكمال المسار عبر المؤسسات القائمة.

في الخلفية، تتقاطع حسابات القوى الإقليمية والدولية حول شكل المرحلة المقبلة؛ إذ تتحرك مصر لضمان أن تراعي الترتيبات السياسية والاقتصادية الجديدة مصالحها الاستراتيجية، بينما تتحفظ روسيا على بعض جوانب الاتفاق والغطاء السياسي والمؤسسي اللازم لتنفيذه، كما وضعت مصر وتركيا ضمن حسابات البيئة الإقليمية المحيطة بالمسار الليبي.

هكذا لم تعد المعركة الأساسية تدور حول اتفاق “4+4” وحده، ولا حول التحركات المصرية بمعزل عن بقية الأطراف، وإنما حول السؤال الأوسع: من يملك القدرة على تشكيل مرحلة ما بعد الاتفاق، ومن يستطيع توفير القاعدة السياسية والمؤسسية التي تحول التفاهم الموقع إلى سلطة تنفيذية ومسار انتخابي قابلين للتنفيذ؟

من اتفاق انتخابي إلى معركة على الشرعية

قد لا يكون مصطلح “4+4” مألوفاً للقارئ العربي خارج ليبيا، لكنه أصبح خلال أسابيع قليلة أحد أكثر المسارات السياسية حساسية في طريق حل الأزمة الليبية المستمرة منذ سنوات.

يشير المصطلح إلى الاجتماع المصغر الذي رعته بعثة الأمم المتحدة بمشاركة للتوصل إلى تفاهمات بشأن أول عقدتين في خارطة الطريق الأممية: إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، ومعالجة الخلافات العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.

انتهت هذه المشاورات إلى اتفاق وُقّع في طرابلس في 30 أغسطس/ آب 2026، ويتضمن ترتيبات لإجراء الانتخابات تحت سلطة تنفيذية موحدة خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. لكن أهمية “4+4” لا تكمن فقط في بنوده الانتخابية، بل في أنه أصبح اختباراً جديداً لمعضلة أقدم في ليبيا: من يملك شرعية تقرير قواعد المرحلة المقبلة؟

فقد رحبت الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالاتفاق، ثم أعلن مجلس النواب تأييده له، مستنداً أيضاً إلى دعم 103 من أعضائه، بينما بقي موقف المجلس الأعلى للدولة موضع خلاف. هنا انتقل الاتفاق من كونه تفاهماً حول الانتخابات إلى ساحة جديدة للصراع على الشرعية والنفوذ وشكل السلطة التي ستقود ليبيا إلى المرحلة التالية.

مجلس الدولة.. العقدة أمام التنفيذ

جاء تأييد مجلس النواب للاتفاق في وقت لم يُحسم فيه موقف المجلس الأعلى للدولة، الذي أصبح موقفه أحد أهم العوامل التي تحدد ما إذا كان اتفاق “4+4” سينتقل إلى مرحلة التنفيذ أم سيواجه انسداداً جديداً.

فقد كانت البعثة قد أرسلت الاتفاق إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة وأمهلتهما شهراً للموافقة عليه، فيما قالت تيتيه في تصريحات علنية إن البعثة لم تكن قد تلقت رداً من مجلس الدولة في ظل معارضة رئيسه محمد تكالة.

وأشارت تيتيه إلى الحاجة إلى البحث عن آليات بديلة إذا تعذر تنفيذ الاتفاق عبر المسار القائم، فيما ترى قيادة البعثة، بحسب مصادر الاجتماع، أن اعتماد مجلس النواب يمثل تقدماً مهماً، لكنه لا يحل وحده كل المعضلات المرتبطة بالتنفيذ.

وفي تطور يزيد من تعقيد المشهد، وجّه تكالة مراسلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اعترض فيها على المسار الذي أفضى إلى اتفاق “4+4”.

بحسب نص المراسلة الذي اطلع عليه معد التقرير، قال تكالة إن البعثة جمعت عدداً محدوداً من الأشخاص لا يملكون، بحسب موقفه، صفة تمثيلية تتيح لهم اتخاذ قرارات بشأن بنية العملية السياسية وإعادة تشكيل المؤسسات المرتبطة بالانتخابات.

اعتبر تكالة أن ما جرى يتجاوز الدور المنوط بالبعثة في التيسير والدعم، وتمسّك بأن الاختصاصات المتعلقة بهذه الملفات تعود إلى المؤسسات المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي والمرجعيات الدستورية القائمة.

كما رفض مخرجات المسار، ورأى أن التوافقات المحدودة لا تفرض التزامات قانونية أو سياسية على المؤسسات التي لم تشارك فيها، داعياً إلى البناء على التوافقات السابقة للجنة “6+6”.

طلب تكالة من غوتيريش ضمان التزام البعثة بنطاق ولايتها وعدم إضفاء شرعية على ما وصفه بمسارات محدودة التمثيل. وبذلك تحولت المسألة من مجرد تأخر مجلس الدولة في اعتماد الاتفاق إلى خلاف أعمق حول أصل المسار والجهة التي تملك صلاحية إنتاج قواعد المرحلة المقبلة.

“لجنة الـ47″.. خيار أممي لتجاوز الانسداد

هنا تكتسب المعلومات الخاصة التي حصل عليها “عربي بوست” من داخل اجتماع عقدته تيتيه ونائبتها للشؤون السياسية ستيفاني خوري مع وفد من “تجمع الرؤية الوطنية” أهمية خاصة.

بحسب هذه المعلومات، تبحث البعثة حالياً تشكيل لجنة للحوار الوطني تضم في حدود 47 عضواً، يمكن أن تتولى معالجة ملف السلطة التنفيذية إذا تعذر استكمال المسار عبر المؤسسات القائمة.

لا تزال التفاصيل النهائية المتعلقة بتشكيلة اللجنة ومعايير اختيار أعضائها وصلاحياتها قيد البحث، إلا أن الحجم المقترح لها يشير إلى أن البعثة تفكر في جسم أوسع بكثير من لجنة “4+4”.

من شأن هذا التصور أن يسمح بإدخال طيف أكبر من القوى السياسية والاجتماعية والفاعلين المرتبطين بالمسار السياسي، بدلاً من حصر النقاش في المؤسسات والأجسام التي تشارك في المسارات القائمة.

وإذا استقر التصور على هذا العدد، فإن السؤال لن يتعلق فقط بتشكيل حكومة جديدة، بل بمن سيختار أعضاء اللجنة نفسها، وكيف ستوزع مقاعدها بين المناطق والتيارات والقوى السياسية.

كما سيكون مطروحاً تحديد ما إذا كانت اللجنة ستملك صلاحية اختيار السلطة التنفيذية مباشرة، أم ستقتصر مهمتها على التفاوض حول صيغة تقدم لاحقاً إلى المؤسسات القائمة.

تكتسب هذه التفاصيل أهمية، لأن لجنة من نحو 47 عضواً تعيد إلى الأذهان نماذج الحوارات السياسية الموسعة التي استخدمتها الأمم المتحدة سابقاً في ليبيا لإنتاج ترتيبات تنفيذية عندما تعذر التوافق عبر المؤسسات الموجودة.

وتتفق هذه الخطوة مع ما تحدثت عنه تيتيه داخل الاجتماع بشأن الصعوبات التي تواجه الانتقال من التأييد السياسي للاتفاق إلى وضعه موضع التنفيذ.

بحسب المصادر، أبلغت تيتيه المشاركين بأن البعثة لا تزال تواجه تحديات كبيرة في آلية تنفيذ اتفاق “4+4″، وأن القضية لم تعد تتعلق فقط بتوقيع الاتفاق أو دعم جزء من المؤسسات له، وإنما بتوفير قاعدة سياسية ومؤسسية أوسع تسمح بتنفيذ مخرجاته.

يتفق ذلك مع ما أعلنته تيتيه علناً في وقت سابق، عندما أكدت أن مسؤولية المرحلة التالية تتمثل في تحويل الاتفاق إلى خطوات عملية من خلال “الاعتماد الوطني” والتنفيذ وتهيئة الظروف المؤسسية والسياسية اللازمة للانتخابات.

مصر وروسيا وتركيا.. حسابات تتجاوز الاتفاق

لا تجري معركة تنفيذ اتفاق “4+4” داخل المؤسسات الليبية فقط، إذ تتقاطع معها حسابات إقليمية ودولية حول شكل الترتيبات السياسية والاقتصادية المقبلة.

وبحسب مصادر متطابقة، تعمل القاهرة على ضمان أن تراعي هذه الترتيبات مصالحها الاستراتيجية، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة بعدد من القوى والمؤسسات في شرق البلاد، وفي مقدمتها رئاسة مجلس النواب.

وقالت المصادر إن التحركات المصرية تتضمن اتصالات سياسية مرتبطة بمستقبل السلطة التنفيذية وترتيبات المرحلة المقبلة، بالتوازي مع اهتمام بملفات اقتصادية وسيادية، بينها قطاع النفط والموانئ وممرات التجارة والمشروعات الإقليمية المطروحة داخل ليبيا.

تشير المصادر إلى أن القاهرة تتابع بحساسية أي ترتيبات يمكن أن تغير موازين النفوذ الإقليمي في ليبيا، خصوصاً في ظل الحضور التركي السياسي والاقتصادي والأمني، إلى جانب تنامي الاهتمام الصيني والدولي بالبنية التحتية والطاقة والتجارة.

لا تنحصر الحسابات المصرية في هوية السلطة التنفيذية المقبلة، توضح المصادر، وإنما تمتد إلى طبيعة التحالفات الاقتصادية والسياسية التي قد تنتج عن أي تسوية جديدة وموقع ليبيا المستقبلي في شبكات التجارة والطاقة في شمال أفريقيا والبحر المتوسط.

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه الاتصالات أو مدى تأثيرها المباشر في مواقف الأطراف الليبية. وفي اجتماعها مع وفد “تجمع الرؤية الوطنية”، أشارت تيتيه كذلك إلى مصر وتركيا أثناء حديثها عن البيئة الإقليمية المحيطة بالمسار السياسي.

بحسب المصادر، لم تقدم مواقف القاهرة وأنقرة باعتبارها مماثلة للتحفظ الروسي، وإنما جاءت الإشارة إليهما ضمن الحديث عن الدول الأكثر تأثيراً في المشهد الليبي والحسابات الإقليمية التي تحيط بأي ترتيبات جديدة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية بالنظر إلى طبيعة نفوذ البلدين؛ إذ ترتبط مصر بعلاقات سياسية وأمنية وثيقة مع قوى ومؤسسات في شرق ليبيا، فيما تحتفظ تركيا بعلاقات وحضور واسع في غرب البلاد.

يتقاطع ذكر مصر في حديث تيتيه مع المعلومات التي كشفتها مصادر التقرير بشأن التحركات المصرية المتعلقة بترتيبات المرحلة المقبلة، لكن لا يوجد ما يكفي للقول إن القاهرة تتبنى الموقف الروسي نفسه من الاتفاق.

روسيا.. تحفظ على الغطاء المؤسسي

بحسب المصادر المطلعة على اجتماع تيتيه، أشارت الممثلة الخاصة كذلك إلى وجود تحفظ روسي يتعلق ببعض جوانب اتفاق “4+4” والغطاء السياسي والمؤسسي اللازم لتنفيذه.

وقالت المصادر إن جوهر الموقف الذي جرى الحديث عنه يتعلق بدور مجلسي النواب والأعلى للدولة والمرجعيات المنظمة للعملية السياسية الليبية. ولا ينبغي فهم ذلك باعتباره رفضاً روسياً معلناً للاتفاق من حيث المبدأ.

فمجلس الأمن، الذي تعد روسيا عضواً دائماً فيه، رحب بالإجماع في 8 سبتمبر/ أيلول بتوقيع اتفاق اللقاء المصغر، واعتبره خطوة مهمة نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية حصول الاتفاق على دعم الأطراف الليبية والعمل على تنفيذه.

وبالتالي، فإن التحفظ الروسي الذي تحدثت عنه المصادر يتعلق، وفق ما نُقل عن الاجتماع، بمرحلة الانتقال إلى التنفيذ وأساسه المؤسسي أكثر من كونه اعتراضاً معلناً على توقيع الاتفاق نفسه.

وقالت مصادر الاجتماع إن تيتيه تحدثت أيضاً عن صعوبة التعامل مع الاتفاق في مرحلته الحالية باعتباره إطاراً تنفيذياً مكتملاً قبل معالجة الخلافات السياسية والمؤسسية المحيطة به.

لا يعني ذلك أن الاتفاق لم يصل سياسياً إلى مجلس الأمن؛ فالمجلس سبق أن رحب به رسمياً في 8 سبتمبر/ أيلول ودعا الأطراف الليبية إلى دعمه والعمل من أجل تنفيذه.

والفارق هنا بين الترحيب السياسي الدولي باتفاق تم توقيعه وبين الانتقال لاحقاً إلى ترتيبات تنفيذية تحتاج إلى أن تدافع البعثة عن قدرتها على التطبيق وعن مستوى القبول الليبي الذي تستند إليه. وهذه النقطة باتت أكثر حساسية بعد تأييد مجلس النواب من جهة، واعتراض تكالة من جهة أخرى.

السلطة والمال.. معركة ما بعد الاتفاق

لم تقتصر النقاشات، بحسب المصادر، على المسار السياسي، إذ تحدثت تيتيه بقلق عن الوضع الاقتصادي. وأشارت المصادر إلى أن محاولات الوصول إلى إنفاق عام موحد لم تحقق النتائج المطلوبة حتى الآن، في ظل استمرار الانقسام المالي والمؤسسي.

كان مجلس الأمن قد دعا في بيانه الأخير بشأن ليبيا إلى خطوات إضافية لتعزيز تنفيذ إطار الإنفاق الموحد المعلن في أبريل/ نيسان 2026، بالتوازي مع المطالبة بتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية.

يجعل الملف الاقتصادي مسألة السلطة التنفيذية أكثر حساسية، لأن الخلاف لا يتعلق بالإشراف على الانتخابات فقط، وإنما أيضاً بإدارة المال العام والإنفاق وعائدات النفط والمؤسسات السيادية.

بذلك تتسع معركة ما بعد اتفاق “4+4” من قواعد الانتخابات إلى السؤال المتعلق بمن يملك أدوات إدارة الدولة ومواردها، ومن يمتلك الغطاء السياسي والمؤسسي لتولي السلطة التنفيذية.

من يملك مفاتيح المرحلة المقبلة؟

تظهر الصورة الكاملة أن اتفاق “4+4” حقق تقدماً سياسياً ملموساً؛ فقد رحبت به الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وحصل على تأييد مجلس النواب، مستنداً أيضاً إلى بيان وقعه 103 نواب.

لكن هذا التقدم لم يحسم معركة التنفيذ، إذ يعترض رئيس المجلس الأعلى للدولة على المسار نفسه، بينما تشير المعلومات الحصرية من اجتماع تيتيه إلى استمرار البحث عن غطاء سياسي ومؤسسي أوسع، وإلى تحفظ روسي يتعلق ببعض تفاصيل الانتقال إلى التنفيذ.

في الوقت نفسه، تتحرك القاهرة، بحسب مصادر التقرير، لحماية مصالحها ونفوذها في الترتيبات السياسية والاقتصادية المقبلة، بينما تظهر تركيا وروسيا ضمن الحسابات الإقليمية والدولية المحيطة بالمسار.

أما البعثة الأممية، فتضع أمامها خياراً يتجاوز المؤسسات القائمة إذا استمر الانسداد، عبر لجنة حوار وطني قد تضم نحو 47 عضواً، بالتوازي مع استمرار العمل على تنفيذ اتفاق “4+4”.

وهكذا لم تعد المعركة تدور فقط حول ما إذا كان الاتفاق يحظى بالدعم، وإنما حول الجهة التي تستطيع تحويله إلى واقع سياسي ومؤسسي.

فمجلس النواب يملك خطوة التأييد، ورئاسة مجلس الدولة تملك ورقة الاعتراض، والبعثة تملك خيار توسيع قاعدة الحوار، بينما تتحرك القوى الإقليمية والدولية لحماية مصالحها والتأثير في شكل الترتيبات المقبلة.

من هنا يصبح السؤال الأساسي في المرحلة التالية: من يملك القدرة على تشكيل السلطة التي ستنفذ اتفاق “4+4″، ومن يملك الشرعية لتحديد شكل ليبيا بعد الاتفاق؟

__________________

ليبيا بين مبادرة بولس وفوضى السلاح.. من يملك مفاتيح الاستقرار

حين سحبت شركة “جنرال إلكتريك” الأميركية طواقمها الفنية من محطة كهرباء في مدينة الزاوية، برز حجم الهشاشة الأمنية التي تهدّد بنسف مبادرة واشنطن لتثبيت الاستقرار في ليبيا.

هكذا وصف الصحفي المصري، خالد محمود، الأزمة في مقال نشرته مجلة “ريسبونسبل ستيتكرافت” الأميركية. مشيرا إلى أن سلسلة أزمات هزت البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، وقوّضت المبادرة الأميركية الرامية إلى حل معضلتها السياسية العميقة وفتح أسواقها أمام الاستثمار الأميركي.

وأوضح الكاتب أن احتجاجات عنيفة على تردي الأوضاع المعيشية تصاعدت في المدن الغربية الخاضعة لسيطرة رئيس الحكومة، عبد الحميد الدبيبة، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت الطاقة والنفط في الزاوية غربي طرابلس.

وأضاف أنه في الشرق، قرب بنغازي الخاضعة لسلطة الانقلابي خليفة حفتر، اغتال مجهولون اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية لدى حفتر، وهو ما دفع واشنطن إلى الإقرار متأخرة بأن تدهور الأمن قد يقوّض مبادرتها للسلام.

وضع هش

ونقل الكاتب عن مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، قوله: إن الهجمات “تؤكد الحاجة إلى مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية قادرة على توفير الأمن للشعب الليبي”.

ولفت إلى أن بولس نجح حتى الآن في جمع قادة عسكريين من شرق ليبيا وغربها في تدريبات مشتركة واجتماعات ثنائية، لكنه عدّ هذه الجهود الناشئة أبعد ما تكون عن توحيد فعلي للمؤسسات العسكرية، وأن الأمل يبقى ضئيلا في حل سياسي دائم من دونه.

وذكر المقال أن مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، قالت في إحاطة أخيرة أمام مجلس الأمن الدولي: إن انقطاعات الكهرباء الواسعة والاستياء الشعبي يكشفان عواقب “التشرذم المؤسسي”، وسوء إدارة الموارد، وضعف الاستثمار، وغياب التنسيق في صنع القرار.

ورأى أن تحذير تيتيه بشأن هشاشة الوضع على الساحل الغربي يعيد إلى الواجهة أسئلة لم تُطرح صراحة عن الميليشيات المسلحة المتنافسة على تهريب المخدرات والبشر والوقود، والتي باتت جزءا من المشهد الليبي الراهن.

وأشار إلى أن جانبا مهما من هذا التحذير يتعلق بمحاولة الدبيبة إعادة ترتيب قواته، تحسبا لعملية عسكرية محتملة لانتزاع السيطرة على الزاوية من المليشيات المحلية، وهو ما بات أولوية إستراتيجية بسبب مصفاة النفط الموجودة هناك.

غير أن محمد الحنيش، عضو مجلس النواب الليبي عن الزاوية، حذّر من أن اقتحام المدينة ليس مهمة سهلة، وقد تكون له كلفة أمنية وسياسية باهظة.

ورأى الحنيش أن نجاح أي تسوية سياسية يتوقف على قدرة الإدارة الأميركية على ممارسة ضغط قوي ومتوازن على جميع الأطراف، محذرا من أن الفشل قد يفتح الباب أمام تصعيد مسلح جديد وانقسام أسوأ من انقسام اليوم.

اختبار الزاوية

ويحمل مستقبل الوضع الأمني في الزاوية أهمية بالغة بالنسبة إلى بولس، وكذلك بالنسبة إلى “جنرال إلكتريك”، التي أعلنت إخلاء طواقمها الفنية من محطة الكهرباء هناك إلى حين تحسّن الوضع الأمني.

وأوضح محمود أن الزاوية، الواقعة على مسافة نحو 40 كيلومترا غربي طرابلس والتي تضمّ أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا، ليست مدينة مضطربة فحسب، بل تمثل في تقديره اختبارا محوريا لمبادرة بولس.

ورأى أن أي تصعيد فيها من شأنه إضعاف موقف الدبيبة، وزيادة هشاشة البيئة الأمنية في الغرب، وهو ما يهدد مباشرة المبادرة الأميركية القائمة أصلا على هشاشة الاستقرار في البلاد.

والهدف من منظور واشنطن هو فرض تسوية لتقاسم السلطة بين الشرق والغرب، توحّد المؤسسات وتهيئ الظروف للاستثمار في قطاع الطاقة.

وأضاف المقال أن الزاوية أثبتت أن البعد الأمني لمبادرة بولس ما زال متخلفا نسبيا، كما تجلى بوضوح في انسحاب “جنرال إلكتريك” السريع، مقدرا أن هذا الانسحاب ينبغي أن يكون جرس إنذار لبولس وهو يسعى لإقناع شركات أميركية أخرى بالعودة إلى ليبيا.

ولفت إلى أنه رغم نجاح بولس في توحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 عاما، لا يزال الصراع بين بنغازي وطرابلس على عائدات النفط وإدارة المصرف المركزي مستمرا، وأنه إذا حاول الدبيبة اقتحام الزاوية وفرض سيطرته عليها فستجد المبادرة نفسها تحت ضغط شديد.

وأضاف أن فشل الدبيبة المتوقع في هذه الحالة سيعني أنه ليس الطرف الموثوق لتحقيق الاستقرار. 

ونقل عن الخبير النفطي، أحمد الشحاتي، قوله: إن مبادرة بولس لم تُصمم لحل جذور الصراع الليبي، بل تهدف عمليا إلى تجميده مؤقتا وحماية تدفق النفط، وقد تنجح في منع مواجهات النخب وتثبيت تدفق الأموال، لكنها تبقى هشة على المدى الطويل.

وفي الشرق، وتحديدا في معقل حفتر ببنغازي، ثالث أكبر مدن ليبيا، لا يقل الوضع تعقيدا، فقد تلقى حفتر ضربة باغتيال المنصوري، أحد كبار مساعديه ورئيس استخباراته العسكرية، لكنه نجح في إبقاء الاهتمام منصبا على جهوده الدؤوبة للتقرب من الطرفين الأميركي والروسي معا، له ولابنه صدام.

وأوضح أن من بين هذه الجهود مساعدة حفتر في تأمين إطلاق سراح طيار أميركي ومقاتلين اثنين من فيلق إفريقيا الروسي من مالي، ورأى المقال أن حفتر يأمل، بتقربه من القوى الأجنبية، ضمان نفوذ عائلته في أي اتفاق مستقبلي.

أصوات حفتر

ولم يُكشف بعد عن تفاصيل اتفاق التسوية الذي أعدّه بولس، لكن تقارير تشير إلى أنه سيضع صدام حفتر على رأس المجلس الرئاسي، الذي سيحكم إلى جانب الدبيبة بصفته رئيسا للحكومة.

وأبرزت إحاطة تيتيه تباين الأولويات بين المبادرتين المتنافستين، فبينما تعمل الأمم المتحدة على توحيد المؤسسات الأمنية والتنفيذية تمهيدا لانتخابات طال تأجيلها، تكتفي مبادرة بولس بالسعي إلى توافق سياسي واقتصادي بين مراكز القوى الحالية.

ونقل المقال عن تيتيه، في انتقاد ضمني لمسار بولس، قولها: إن “إنشاء مسارات ومبادرات موازية قد يفتح الباب أمام إهدار الوقت والبحث عن منصات بديلة، وهو ما ينبغي تجنبه”.

وحذّر عبد الجليل معيوف، مستشار شؤون الطاقة في الحكومة الليبية السابقة، من أن ميزان القوى على الأرض تغيّر كليا مقارنة بعام 2015، حين فتح اتفاق الصخيرات الطريق أمام مفاوضات أممية مستمرة.

وأضاف أن المليشيات باتت اليوم أقوى بكثير وسيطرت على اقتصاد غرب ليبيا، متسائلا بتشاؤم عمّا إذا كانت مبادرة بولس تهدف أصلا إلى “تنصيب هذه المليشيات رسميا” قادة في المنطقة.

وتساءل محمود عمّا إذا كان بالإمكان حماية المبادرة الأميركية، وهل سيقبل بها الجميع، وما حدود القدرة الأميركية على فرضها وإبقائها حية دون أن تلقى موتا مفاجئا.

وختم بالقول: إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف خطورة سعي بولس إلى توحيد المؤسسات وصياغة اتفاق سياسي دون توفير البيئة الأمنية اللازمة أولا.

وأوضح محمود أن أحداث الزاوية مثّلت ثمنا باهظا لشركة أميركية، وسلّطت الضوء على حجم التهديدات الأمنية، تماما كما أعاد اغتيال مساعد حفتر في الشرق فتح جروح مكافحة الإرهاب التي ظن كثير من المراقبين أنها التأمت.

وأضاف أن بولس سيجد بالتأكيد شركاء لمبادرته، وقد يتوصل لاحقا إلى اتفاق، لكن معضلة ضمان تنفيذه تبقى قائمة.

ورغم أن المبادرة الأممية ليست فعالة تماما وتواجه صعوبة في إقناع الشركاء المحليين، رأى الكاتب أنها أكثر انتباها لخطورة الوضع الأمني، مستدركا أنها فشلت حتى الآن في تفكيك المليشيات وطرد المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.

وختم بالقول: إن بعض الليبيين ينظرون بريبة إلى مبادرة بولس، بوصفها وسيلة لإعادة تدوير النخب الحاكمة المسؤولة عن الفشل المؤسسي، والحفاظ على “ديناصورات” ترفض الانقراض.

لذلك، يتعين على بولس أن يولي الوضع الأمني والعسكري أهمية أكبر، فهو البعد الأكثر أهمية في مسعاه لتأمين حل سياسي للحرب، الذي لن ينجح بالتأكيد في غياب قوة تحميه.

_____________

ترامب يريد تحقيق الاستقرار في ليبيا. لكن للمسلحين خططًا أخرى

خالد محمود

الأزمات الأمنية المتواصلة تختبر مبادرة مسعد بولس للسلام

شهدت ليبيا خلال الشهر الماضي سلسلة من الأزمات التي هزّت البلاد، وقوّضت مبادرة تقودها الولايات المتحدة لمعالجة المأزق السياسي العميق الذي تعانيه، وفتح أسواقها أمام الاستثمارات الأمريكية.

فقد تصاعدت الاحتجاجات العنيفة على تدهور الظروف المعيشية في المدن الغربية الخاضعة لسيطرة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، بالتزامن مع سلسلة من ضربات الطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت للطاقة والنفط في مدينة الزاوية، غرب طرابلس. وفي الشرق، بالقرب من بنغازي الخاضعة لسلطة المشير خليفة حفتر، اغتال مجهولون اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية لدى حفتر. وقد دفعت هذه التطورات المضطربة الولايات المتحدة، وإن متأخرة، إلى الاعتراف بأن تدهور الوضع الأمني قد يقوّض مبادرتها للسلام.

وفي لهجة تعكس القلق إزاء تصاعد الوضع، قال مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، إن هذه الهجمات «تؤكد الحاجة إلى مؤسسات عسكرية وأمنية موحّدة ومهنية، قادرة على توفير الأمن للشعب الليبي».

وحتى الآن، نجح بولس في جمع قادة عسكريين من شرق ليبيا وغربها في تدريبات مشتركة، فضلًا عن عقد اجتماعات ثنائية بينهم. لكن هذه الجهود الناشئة لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق توحيد فعلي للمؤسسات العسكرية. ومن دون إحراز تقدم في هذا الجانب، لا يبدو أن هناك أملًا كبيرًا في تحقيق معالجة مستدامة للمأزق الأمني.

المعضلة الأمنية

في إحاطة حديثة أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قالت هانا تيته، المبعوثة الأممية إلى ليبيا، إن الانقطاعات الواسعة للكهرباء والاستياء الشعبي كشفا عواقب «التشظي المؤسسي، وسوء إدارة الموارد، وضعف الاستثمار، وانعدام التنسيق في صنع القرار».

ويعيد تحذير تيته بشأن هشاشة الوضع الأمني على طول الساحل الغربي، حيث تتنافس جماعات مسلحة مرتبطة بتهريب المخدرات والبشر والوقود، طرح أسئلة غير معلنة بشأن الميليشيات المسلحة التي أصبحت جزءًا من المشهد الليبي الراهن.

ومن الجوانب المهمة لهذا التحذير، محاولة الدبيبة إعادة ترتيب قواته استعدادًا لعملية عسكرية محتملة لانتزاع السيطرة على الزاوية من الميليشيات المحلية، وهي العملية التي أصبحت أولوية استراتيجية بسبب وجود مصفاة النفط هناك.

غير أن محمد الهنيش، عضو مجلس النواب الليبي عن الزاوية، يحذّر من أن اقتحام المدينة ليس مهمة سهلة، وأن مثل هذه الخطوة قد تترتب عليها تكاليف أمنية وسياسية باهظة.

ويقول الهنيش إن نجاح أي تسوية سياسية سيعتمد على قدرة الإدارة الأمريكية على ممارسة ضغط قوي ومتوازن على جميع الأطراف. وأضاف أن الفشل في هذا الجانب قد يفتح الباب أمام تصعيد مسلح جديد، يؤدي إلى انقسام أشد سوءًا مما هو قائم اليوم.

الزاوية: بالون اختبار

يحظى مستقبل الوضع الأمني في الزاوية بأهمية كبيرة بالنسبة إلى بولس. كما أنه مهم بالنسبة إلى شركة جنرال إلكتريك الأمريكية، التي أعلنت إجلاء فرقها الفنية من محطة كهرباء في الزاوية إلى حين تحسن الوضع الأمني.

فالزاوية، الواقعة على بُعد نحو 25 ميلًا غرب طرابلس، والتي تضم أكبر مصفاة نفط ليبية عاملة، ليست مجرد مدينة مضطربة؛ بل أرى أنها تمثل اختبارًا رئيسيًا لمبادرة بولس.

وأي تصعيد هناك من شأنه أن يضعف موقف الدبيبة، ويزيد هشاشة البيئة الأمنية في الغرب. وهذا يهدد المبادرة الأمريكية بصورة مباشرة، لأنها تعتمد على الحفاظ على الاستقرار الهش في البلاد.

ومن المنظور الأمريكي، يتمثل الهدف في فرض تسوية لتقاسم السلطة بين الشرق والغرب، توحّد المؤسسات وتخلق الظروف الملائمة للاستثمار في قطاع الطاقة.

وقد أثبتت الزاوية أن البعد الأمني في مبادرة بولس لا يزال غير متطور بما يكفي، وهو ما أظهره بوضوح الانسحاب السريع لشركة جنرال إلكتريك من المحطة هناك. وينبغي أن يكون هذا الانسحاب بمثابة جرس إنذار لبولس، بينما يسعى إلى إقناع شركات أمريكية أخرى بالعودة إلى ليبيا.

وعلى الرغم من نجاح بولس في توحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 عامًا، فإن الصراع بين بنغازي وطرابلس بشأن عائدات النفط وإدارة المصرف المركزي لا يزال مستمرًا.

وإذا حاول الدبيبة اقتحام الزاوية وفرض سيطرته عليها، فستجد المبادرة نفسها تحت ضغط شديد؛ إذ إن فشله المتوقع سيعني بالضرورة أنه ليس الطرف الموثوق به لتحقيق الاستقرار.

ومن وجهة نظر الخبير النفطي أحمد الشحاتي، فإن مبادرة بولس لا تستهدف حل جذور الصراع الليبي، بل تهدف، بصورة براغماتية، إلى تجميد الصراع مؤقتًا وحماية تدفقات النفط.

ويرى الشحاتي أن هذا الترتيب قد ينجح في منع الاشتباكات العسكرية بين النخب، وتحقيق قدر من الاستقرار في تدفق الأموال، لكنه يظل هشًا على المدى الطويل.

عائلة حفتر متعددة الأصوات

في الشرق، وتحديدًا في معقل حفتر بمدينة بنغازي، ثالث أكبر مدن ليبيا، لا يبدو الوضع أقل تعقيدًا.

فقد تلقى حفتر ضربة باغتيال المنصوري، أحد أبرز مساعديه ورئيس استخباراته العسكرية. لكنه نجح في إبقاء معظم الاهتمام منصبًا على جهوده الحثيثة لتقديم نفسه وابنه صدام بصورة محببة لدى الأطراف الأمريكية والروسية على حد سواء، وذلك جزئيًا من خلال المساعدة في تأمين إطلاق سراح طيار أمريكي ومقاتلين اثنين من فيلق أفريقيا الروسي في مالي.

ومن خلال التقرب من القوى الأجنبية، يأمل خليفة حفتر في ضمان نفوذ عائلته في أي اتفاق مستقبلي. ولم يُعلن اتفاق التسوية الذي يقترحه بولس على الملأ، لكن تقارير تشير إلى أنه قد يضع صدام على رأس المجلس الرئاسي، الذي سيتولى الحكم بالتوازي مع الدبيبة بصفته رئيسًا للوزراء.

وتسلط إحاطة تيته الأخيرة الضوء على تباين الأولويات بين المبادرتين المتنافستين: ففي حين تعمل الأمم المتحدة على توحيد المؤسسات الأمنية والتنفيذية تمهيدًا لإجراء الانتخابات المؤجلة منذ فترة طويلة، يسعى بولس ببساطة إلى تحقيق توافق سياسي واقتصادي بين مراكز القوة الحالية.

وفي انتقاد ضمني لمسار بولس، رأت تيته أن «إنشاء مسارات ومبادرات موازية قد يفتح الباب أمام إضاعة الوقت والبحث عن منصات بديلة، وهو ما ينبغي تجنبه».

وحذّر عبد الجليل مايوف، مستشار شؤون الطاقة في الحكومة الليبية السابقة، من أن موازين القوى على الأرض تغيرت بالكامل مقارنة بعام 2015، عندما فتح اتفاق الصخيرات الطريق أمام المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة. فقد أصبحت الميليشيات اليوم أقوى بكثير، وبسطت سيطرتها على الاقتصاد في غرب ليبيا، إلى حد يدفع مايوف، بتشاؤم، إلى التساؤل عما إذا كانت مبادرة بولس تهدف أصلًا إلى «تنصيب هذه الميليشيات رسميًا» قادةً للمنطقة.

ماذا بعد؟

هنا تكمن المعضلة: هل من الممكن حماية المبادرة الأمريكية؟ وهل سيقبل بها الجميع؟ وما حدود القدرة الأمريكية على فرضها وضمان استمرارها من دون أن تتعرض لموت مفاجئ؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف خطورة أن يعمل بولس على توحيد المؤسسات وصياغة اتفاق سياسي، من دون توفير البيئة الأمنية الضرورية أولًا.

لقد مثّلت أحداث الزاوية ثمنًا باهظًا لشركة أمريكية، وسلّطت الضوء على حجم التهديدات الأمنية. وبالمثل، أعادت عملية اغتيال مساعد حفتر في الشرق فتح جراح مكافحة الإرهاب التي ظن كثير من المراقبين أنها التأمت.

ومن المؤكد أن بولس سيجد شركاء لمبادرته، وربما يتوصل إلى اتفاق في وقت لاحق، لكن معضلة ضمان تنفيذ هذا الاتفاق ستظل قائمة.

وعلى الرغم من أن المبادرة الأممية ليست فعالة تمامًا، وتواجه صعوبات في إقناع الشركاء المحليين، فإنها تولي، على الأقل، اهتمامًا أكبر بخطورة الوضع الأمني. غير أنها فشلت حتى الآن في تفكيك الميليشيات وإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.

وينظر بعض الليبيين بريبة إلى مبادرة بولس، باعتبارها وسيلة لإعادة تدوير النخب الحاكمة المسؤولة عن الفشل المؤسسي في البلاد، والإبقاء على «الديناصورات» التي ترفض الانقراض.

ولذلك، يتعين على بولس أن يمنح الوضعين الأمني والعسكري أهمية أكبر. فهما، في نهاية المطاف، البعد الأهم في مسعاه الطموح إلى تأمين حل سياسي للحرب، وهو حل لن ينجح بالتأكيد في غياب قوة تحميه.

***

خالد محمود ـ صحفي مصري وخريج جامعة القاهرة. متخصص في الشؤون العربية والسياسية، وتحظى تقاريره باستشهاد واسع من جانب وكالات الأنباء العالمية.

_______________

اتفاق سرت.. تقدم عسكري وتعثر سياسي في ليبيا

في وقت لا يزال فيه المسار السياسي في ليبيا يواجه خلافات مؤسسية وانقسامات داخل الأجسام السياسية، حقق المسار العسكري خطوة جديدة باتجاه تعزيز التنسيق بين الشرق والغرب بعد اتفاق رؤساء الأركان النوعية للقوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي في المنطقتين على برنامج للعمل المشترك.

واتفق رؤساء الأركان النوعية خلال اجتماع عقد في مدينة سرت، الأربعاء، على برنامج عمل يتضمن 4 محاور رئيسية لتعزيز التعاون والتكامل بين مكونات المؤسسة العسكرية.

ويشمل البرنامج التدريب والمناورات العسكرية المشتركة والتعاون في مجال التسليح وتحديث المعدات والتنسيق اللوجستي وتبادل قطع الغيار والإمدادات إلى جانب التأهيل العلمي والعسكري من خلال المؤسسات التعليمية والكليات والمدارس المتخصصة.

وتأتي هذه الخطوة في سياق سلسلة من اللقاءات العسكرية بين الشرق والغرب وبناء على نتائج الاجتماعات التي عقدها رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة شرق ليبيا خالد حفتر والفريق صلاح النمروش رئيس الأركان العامة التابعة للحكومة في طرابلس.

واتفق المشاركون على استمرار اللقاءات بين رؤساء الأركان النوعية والإدارات العامة وتعزيز التنسيق في القضايا المرتبطة بسيادة الدولة مع تولي كل رئاسة أركان إعداد خطتها التنفيذية لتطبيق المحاور الأربعة المتفق عليها.

المسار العسكري

وقال الخبير العسكري الليبي العميد شرف الدين العلواني في تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” إن الاجتماعات العسكرية في سرت تمثل “خطوة هامة” للدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية وتحمل رسائل إلى الدول الكبرى التي لديها مصالح مشتركة مع ليبيا وتبحث عن أمن واستقرار المنطقة.

وأضاف أن نجاح مشروع توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية مرتبط من وجهة نظره بمدى جدية الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا إلى جانب الدول الأخرى ذات المصالح في ليبيا في دعم هذا المسار.

ويرى العلواني أن توحيد الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والمؤسسات السيادية والاقتصادية سيكون اختبارًا حاسما للمشهد الليبي ككل بما في ذلك المسار السياسي محذرًا من أن فشل المشروع قد يدفع البلاد بحسب تقديره نحو مزيد من الصراع.

مساران لا يتحركان بالسرعة نفسها

وبينما يحقق المسار العسكري خطوات عملية لا يزال المسار السياسي يواجه أزمة جديدة خصوصا داخل المجلس الأعلى للدولة على خلفية الخلاف حول اتفاق “4+4” الذي يتضمن خارطة طريق للانتخابات الرئاسية والنيابية المرتقبة.

وتصاعد الخلاف عقب إسقاط عضوية العضوين عبد الجليل الشاوش وعلي عبد العزيز من المجلس على خلفية توقيعهما الاتفاق فيما أعلنت تنسيقية الكتل بالمجلس رفضها نتائج الجلسة الأخيرة وما شاب عملية التصويت من ملابسات مؤكدة رفضها قرار إسقاط العضوية.

ومنحت التنسيقية رئاسة المجلس فرصة لتدارك الوضع والعودة إلى الأطر القانونية والتوافقية محذرة من أن استمرار الأزمة قد يمس وحدة المجلس وهيبته واستقلال قراره.

ولم يتوقف الخلاف عند المجلس الأعلى للدولة إذ امتد إلى المجلس الرئاسي مع رفض رئيسه محمد المنفي الاتفاق مقابل دعمه من النائب بالمجلس موسى الكوني.

ويرى عضو مجلس الدولة الليبي أحمد أهمومة في تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” أن الخطوات التي بُذلت ولا تزال تُبذل لتوحيد المؤسسة العسكرية “ليس لها علاقة بالمسار السياسي” معتبرًا أن المسارين يسيران بصورة منفصلة.

وأوضح أهمومة أن الرعاية الأساسية للمسار العسكري بحسب تقديره تأتي من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” وأن المسار العسكري سابق للمسار السياسي فيما تمثل الولايات المتحدة الراعي الرئيسي له مع وجود دعم أممي.

وأشار إلى أن المسار العسكري قطع شوطًا طويلًا عبر اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” لافتًا إلى تنفيذ مناورة عسكرية مشتركة بين القوات في الشرق والغرب فضلًا عن تشكيل قوة مشتركة لتأمين الجنوب.

وأضاف أن تعثر المسار السياسي لن يكون بالضرورة مؤثرًا في المسار العسكري معتبرًا أن هذا المسار يستطيع مواصلة تقدمه بمعزل عن الأزمات السياسية.

في المقابل يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي في تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” أن اجتماعات رؤساء الأركان من الشرق والغرب في سرت “غاية في الأهمية” لأنها تضع أسسًا أكثر متانة وصلابة للتعاون العسكري.

وأوضح الأوجلي أن هذه الاجتماعات تسير في تقديره في السياق نفسه الذي حددته المبادرة الأميركية وما أُعلن خلال زيارة أعضاء من الكونغرس الأميركي إلى الرجمة وطرابلس معتبرا أن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها تبدو الآن في مرحلة الانتقال إلى التنفيذ.

ورفض اعتبار التحرك العسكري محاولة للتغطية على الفشل السياسي مؤكدًا أن المؤسسة العسكرية حققت تقدمًا منذ بدء عمل اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” في الوقت الذي ظل فيه المسار السياسي متعثرا.

وأضاف أن ما يميز المسار العسكري هو قدرته على الاستمرار بعيدًا عن تعقيدات السياسة معتبرًا أن الخطوة الأخيرة قد تفتح أبوابًا جديدة وربما تتحول إلى دافع للسياسيين من أجل إنتاج توافق.

وأشار إلى أن تحقيق توحيد فعلي للمؤسسة العسكرية قد يغير الحسابات السياسية في البلاد لأن وجود جيش ليبي موحد وقادر على الاضطلاع بمسؤولياته في مختلف أنحاء البلاد قد يفرض واقعًا جديدًا على القوى السياسية.

اختبار الفاعلية

لكن هذا التقدم لا يخلو من شكوك بشأن مدى قدرته على إحداث تحول فعلي في بنية المؤسسة العسكرية الليبية وقال المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ في تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” إن الاجتماعات التي تجمع القيادات العسكرية من الشرق والغرب مهمة، لكنه شكك في قدرتها وحدها على إحداث تغيير فعلي في المشهد العسكري.

وأوضح محفوظ أن الإشكال الليبي لا يتعلق بمجرد تنسيق فني أو قضايا لوجستية وإنما بوجود جيشين في الشرق والغرب إلى جانب تشكيلات وميليشيات عسكرية في المنطقة الغربية معتبرًا أن ذلك يجعل الحديث عن تنسيقات بين القيادات العسكرية غير كافٍ لمعالجة الوضع القائم.

وأضاف أن عقد مثل هذه الاجتماعات بصورة متكررة لا يعني بالضرورة أنها تمثل مؤشرًا حقيقيًا على قرب توحيد المؤسسة العسكرية لأن توحيد المؤسسة العسكرية يحتاج إلى قرار سياسي بين الأطراف المتنافسة ضمن عملية سياسية متكاملة.

وأشار محفوظ إلى تجربة اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” التي تشكلت عقب اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020 وضمت خمسة عسكريين من الشرق وخمسة من الغرب وحظيت بدعم دولي وقرارات من مجلس الأمن معتبرًا أنها رغم ذلك لم تتمكن من تحقيق الأهداف التي حددت لها.

بناء ثقة

ومن زاوية أخرى يرى المحلل السياسي الليبي فيصل الفيتوري رئيس الائتلاف الليبي-الأميركي في واشنطن أن ما يحدث لا يمثل نجاحًا عسكريًا لتعويض التعثر السياسي وإنما خطوة أولى في عملية طويلة لإعادة بناء الثقة بين المؤسسة العسكرية في الشرق والغرب.

وقال الفيتوري في تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” إن التدريب والمناورات والتنسيق والتأهيل تمثل مراحل ضرورية لكن توحيد الجيش فعليًا يبدأ عند حسم ملفات القيادة والسيطرة والتسلسل القيادي ودمج الوحدات وإدارة السلاح وصولًا إلى قرار عسكري وطني واحد.

_________________

ليبيا بين استعجال الانتخابات وخطر الاستقرار الهش

ابراهيم الأصيفر

إن أكثر ما يلفت الانتباه في النقاش الدائر حول مستقبل ليبيا هو أن الجميع تقريبا يتحدث عن الانتخابات باعتبارها المخرج الوحيد من الأزمة بينما لا أحد يريد أن يواجه السؤال الأكثر صعوبة وهو ماذا سيحدث في اليوم التالي للانتخابات.

وهل تمتلك البلاد بالفعل الشروط السياسية والأمنية والمؤسسية التي تجعل نتائج الصندوق قابلة للتنفيذ والاستمرار؟.

المواطن الليبي العادي الذي يتابع المشهد من خلال التصريحات والبيانات واللقاءات السياسية يرى أن الانتخابات تأخرت بما يكفي وأن استمرار المرحلة الانتقالية أصبح عبئا على الدولة والمجتمع، وأن إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن يمكن أن يعيد بعض الاستقرار إلى الحياة السياسية ويمنح الاقتصاد فرصة للخروج من حالة عدم اليقين ويفتح المجال أمام بناء مؤسسات شرعية تستطيع أن تتحمل مسؤولية إدارة البلاد.

وهذا التصور ليس خاطئا بل هو انعكاس طبيعي لرغبة مجتمع أنهكته سنوات الانقسام السياسي وتعدد الحكومات وتضارب المؤسسات وتراجع الثقة في النخب السياسية. لذلك فمن الطبيعي أن ينظر المواطن إلى الانتخابات باعتبارها باب الخروج الأقرب من هذه الحالة.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من زاوية المواطن إلى زاوية رجل الدولة الذي لا ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد يوم يذهب فيه الناس إلى صناديق الاقتراع وإنما باعتبارها عملية سياسية كاملة تبدأ قبل الاقتراع وتستمر بعد إعلان النتائج.

من هذه الزاوية فإن إجراء الانتخابات بسرعة في بيئة ما زالت فيها لغة المغالبة حاضرة وموازين القوة قادرة على التأثير في القرار السياسي قد يؤدي إلى إنتاج استقرار مؤقت وهش بدلا من إنتاج دولة مستقرة.

فالانتخابات لا تستطيع وحدها إنهاء الانقسام ولا تستطيع إجبار القوى التي ستخسر على قبول النتائج ولا تستطيع أن تمنع استخدام النفوذ السياسي أو الاقتصادي أو الأمني في مرحلة ما بعد الانتخابات إذا لم تكن هناك قواعد واضحة تحكم الجميع وتضمن أن الخلاف السياسي لن يتحول مرة أخرى إلى صراع على الأرض.

وهنا تحديدا يجب أن نفهم لماذا لم تصل ليبيا إلى الانتخابات حتى الآن.

فالمشكلة لم تكن في عدم معرفة الليبيين بأهمية الانتخابات ولا في عدم وجود مفوضية قادرة من الناحية الفنية على تنظيمها وإنما كانت في غياب التوافق السياسي حول القواعد التي ستجري وفقها الانتخابات وحول شكل السلطة التي ستنتج عنها وحول الضمانات التي يمكن أن تمنع إعادة إنتاج الصراع بعد إعلان النتائج.

انتخابات عام 2021 كانت المثال الأكثر وضوحا على ذلك، فقد وصلت البلاد إلى أعتاب الاقتراع لكنها لم تتمكن من عبور المرحلة الأخيرة لأن الخلافات حول القواعد والمرشحين والسلطة التي ستتولى إدارة البلاد بعد الانتخابات تحولت إلى خلافات سياسية وقانونية عميقة انتهت بإجهاض العملية برمتها.

ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الانتخابات في الخطاب السياسي الليبي حاضرة بقوة في البيانات والتصريحات لكنها بقيت غائبة عن الواقع لأن القوى المتنافسة لم تتمكن من الاتفاق على معادلة تضمن لها جميعا القدرة على الاستمرار في المشهد السياسي بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

وفي هذا السياق يأتي اتفاق 4+4 باعتباره محاولة جديدة لإعادة تحريك المسار السياسي ووضع إطار يمكن من خلاله معالجة بعض العقد التي عطلت الانتخابات طوال السنوات الماضية.

لكن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في الحديث عن الانتخابات وإنما في قدرته على خلق أرضية سياسية تسمح بإجراء انتخابات يمكن لجميع الأطراف التعامل مع نتائجها.

فإذا بقي الاتفاق مجرد تفاهم سياسي دون ترجمة مؤسسية وقانونية ودون معالجة حقيقية لمسألة السلطة التنفيذية والضمانات الأمنية والقبول بنتائج الاقتراع فإن ليبيا ستجد نفسها أمام المشكلة نفسها التي واجهتها في السابق ولكن بموعد انتخابي جديد.

وهذا هو السبب في أن النقاش حول اتفاق 4+4 يجب ألا ينحصر في السؤال عما إذا كان الاتفاق سيقود إلى الانتخابات أم لا وإنما يجب أن يتجه إلى السؤال الأكثر أهمية وهو هل يستطيع هذا الاتفاق تغيير طريقة إدارة الصراع السياسي في ليبيا.

فالانتخابات لا يمكن أن تكون نقطة نهاية إذا كانت الأطراف لا تزال تنظر إلى السلطة باعتبارها غنيمة سياسية واقتصادية وإذا كانت أدوات القوة قادرة على التدخل في تحديد موازين النفوذ.

الدولة الحديثة تقوم على قاعدة بسيطة وهي أن السلطة تنتقل عبر المؤسسات وأن الخلافات السياسية تحسم من خلال القواعد وليس من خلال القوة.

وفي ليبيا ما زال هذا المبدأ بحاجة إلى ترسيخ حقيقي قبل أن يصبح من الممكن الحديث عن انتخابات قادرة على إنهاء المرحلة الانتقالية.

إن الخطر الحقيقي لا يتمثل في أن يخسر طرف سياسي الانتخابات وإنما في أن يخسر ثم يرفض الاعتراف بالنتيجة ويمتلك في الوقت نفسه الأدوات التي تسمح له بتعطيل مؤسسات الدولة أو فرض واقع جديد.

في الدول المستقرة توجد مؤسسات قادرة على حماية نتائج الانتخابات من أي محاولة للانقلاب عليها سياسيا أو أمنيا. أما في ليبيا فما زالت الدولة نفسها جزءا من الصراع السياسي ولذلك فإن إجراء الانتخابات قبل معالجة هذه المسألة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماما.

يمكن أن ننتقل من انقسام سياسي قبل الانتخابات إلى انقسام سياسي أشد بعد الانتخابات إذا لم تكن هناك قواعد تجعل الجميع يدرك أن الصندوق هو الطريق الوحيد للوصول إلى السلطة وأن خسارة الانتخابات لا تعني خسارة الدولة ولا تعني إقصاء الطرف الخاسر من الحياة السياسية.

ولهذا فإن الدعوة إلى إجراء الانتخابات في أسرع وقت تحتاج إلى قدر من الواقعية السياسية.

نعم ليبيا بحاجة إلى انتخابات عاجلة لأنها لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية في المرحلة الانتقالية ولا يمكن بناء دولة مستقرة فوق مؤسسات مؤقتة ومتنازعة. لكن الاستعجال في حد ذاته ليس ضمانة للنجاح.

الانتخابات التي تأتي في بيئة غير مستقرة قد تمنح البلاد شرعية انتخابية مؤقتة لكنها قد لا تمنحها استقرارا دائما.

والمطلوب ليس تأجيل الانتخابات حتى الوصول إلى توافق كامل فهذا أمر غير واقعي وربما يتحول إلى ذريعة جديدة للتأجيل وإنما الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق الذي يجعل الانتخابات ممكنة وقابلة للاستمرار ويضمن أن جميع الأطراف ستتعامل مع نتائجها باعتبارها قاعدة جديدة لإدارة الدولة وليس مجرد نتيجة مؤقتة قابلة للطعن بالقوة.

ومن هنا أيضا يجب أن تتغير نظرة المجتمع الدولي إلى الملف الليبي. الضغط باتجاه الانتخابات أمر مهم لكنه لا يكفي.

المجتمع الدولي مطالب بأن يضغط بالقدر نفسه من أجل خلق البيئة السياسية والأمنية التي تحمي نتائج الانتخابات وأن يوضح للأطراف الليبية أن استخدام القوة أو المؤسسات أو المال العام لرفض نتائج الصندوق لن يكون مقبولا.

فالانتخابات التي لا تحظى بضمانات سياسية وأمنية حقيقية قد تتحول إلى مناسبة لإعادة إنتاج الأزمة بدلا من حلها.

وفي المقابل تتحمل النخب السياسية الليبية مسؤولية تاريخية أكبر من أي وقت مضى. لا يمكن لهذه النخب أن تستمر في الحديث عن الانتخابات بينما تبحث في الوقت نفسه عن الشروط التي تضمن بقاءها في السلطة أو تمنحها القدرة على تعطيل النتائج التي لا تتوافق مع مصالحها.

كما لا يمكن استخدام الحديث عن المخاطر الأمنية والسياسية ذريعة مفتوحة لتأجيل الانتخابات إلى أجل غير معلوم.

المطلوب هو التمييز بين التهيئة الضرورية للانتخابات وبين التعطيل المتعمد لها. التهيئة تعني بناء الضمانات والقواعد والمؤسسات أما التعطيل فهو إبقاء البلاد في حالة انتقالية لأن بعض الأطراف ترى أن مصالحها أفضل في ظل الوضع القائم.

في النهاية، ليبيا وصلت إلى لحظة لا ينبغي فيها أن يكون السؤال الأساسي هو متى ستجرى الانتخابات وإنما هل أصبحنا مستعدين للعيش مع نتائجها.

هذا هو الاختبار الحقيقي لأي اتفاق سياسي جديد بما في ذلك اتفاق 4+4.

فإذا كان الاتفاق قادرا على نقل البلاد من منطق المغالبة إلى منطق التنافس السياسي، ومن منطق القوة إلى منطق المؤسسات، ومن منطق الاحتفاظ بالسلطة إلى منطق تداولها، فإنه يمكن أن يمثل خطوة حقيقية نحو إنهاء الأزمة.

أما إذا بقيت المعادلة كما هي وظلت كل قوة سياسية تفكر في كيفية حماية مصالحها في حال خسارتها للانتخابات فإن تحديد موعد جديد للاقتراع لن يكون أكثر من تأجيل جديد للأزمة.

ليبيا لا تحتاج فقط إلى انتخابات سريعة وإنما تحتاج إلى انتخابات تستطيع أن تعيش نتائجها.

وهذه هي المسألة التي يجب أن ينظر إليها رجل الدولة قبل المواطن والسياسي والمجتمع الدولي.

فالاستقرار الحقيقي لا يبدأ من يوم الاقتراع وإنما يبدأ عندما تصبح إرادة الناخب أقوى من إرادة السلاح، وعندما يدرك الفائز أن عليه احترام قواعد الدولة، ويدرك الخاسر أن خسارته السياسية لا تعني نهايته ولا تمنحه الحق في إسقاط العملية برمتها.

عندها فقط يمكن أن تتحول الانتخابات من محطة جديدة في مسلسل الانتقال السياسي إلى بداية فعلية لبناء دولة مستقرة وقابلة للاستمرار.

***

إبراهيم الاصيفر ـ باحث ومستشار في الشؤون السياسية، ويختص في تحليل المشهد الليبي والإقليمي، مع تركيز على قضايا الحوكمة والتحولات في الأنظمة السياسية.

_________________

هل اقتربت نهاية الصراع المدمر على السلطة في ليبيا؟

كيرستن كنيب

دويتشه فيله

انقسمت الدولة الواقعة في شمال إفريقيا بين حكومتين متنافستين لأكثر من عقد من الزمان. وقد تضع الانتخابات على مستوى البلاد حدًا نهائيًا لهذا الانقسام وتعيد توحيد ليبيا.

لقد بُذلت محاولات أخرى في الماضي، لكن هذه المرة، يأمل المعنيون أن تكلل بالنجاح: بفضل وساطة الأمم المتحدة، اتفقت الحكومتان المتعارضتان في غرب ليبيا وشرقها على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية خلال العامين المقبلين.

وقالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (يونسميل) في بيان لها: “يمثل الاتفاق خطوة مهمة نحو دفع ليبيا نحو انتخابات وطنية وإنهاء الفترة الانتقالية”.

ومن بين الأمور الأخرى، ستتم إعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ووفقًا للأمم المتحدة، تم حل العديد من النقاط الخلافية السابقة المتعلقة بالإطار القانوني للانتخابات.

لكن ما إذا كان كل هذا سيسفر بالفعل عن انتخابات حرة ونزيهة في ليبيا، فلا يزال أمرًا غير مؤكد.

انقسام دامٍ لأكثر من عقد

بعد الإطاحة بالدكتاتور الليبي السابق معمر القذافي في عام 2011، انقسمت ليبيا إلى شطرين.

منذ عام 2014، أصبحت البلاد منقسمة بين حكومتين متعارضتين في شرق البلاد وغربها. تتمركز حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس غربًا، بينما يقع مقر منافستها، المعروفة بمجلس النواب، في الشرق، وتحديدًا في طبرق.

الزعيم العسكري السابق الذي تحول إلى سياسي، خليفة حفتر، يتخذ من الشرق مقرًا له، بينما يتولى رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة المسؤولية في الغرب.

يدعم كل منهما عدد من الميليشيات المحلية وقوى أجنبية، وحاول كل منهما انتزاع السيطرة من الآخر. وحتى الآن، باءت جميع محاولات إجراء انتخابات توحد البلاد بالفشل.

تغير في المواقف

يرى أندرياس ديتمان، الخبير في الصراعات الجغرافية وأستاذ في جامعة غيسن في هيسن بوسط ألمانيا، أن هذا الوحدة الظاهرية أمر إيجابي.

وقال لـ DW: “لم يكن من الممكن أن تستمر الأمور على ما هي عليه”.

بعد سنوات من الحرب الأهلية والانقسام السياسي، ازدادت رغبة العديد من الليبيين في إنهاء القتال بشكل دائم. ويعتقد ديتمان أن مواقف الفاعلين السياسيين تغيرت أيضًا في هذا الصدد.

في السابق، كانت القوى الخارجية تدعم حكومة ليبية واحدة فقط، لكن ذلك تغير أيضًا، وبات الرأي السائد هو أن ليبيا لا يمكن أن تتطور إلا إذا تم إدماج الطرفين في إدارة واحدة.

لهذا السبب، تحاول الأمم المتحدة تجاوز مجرد تحديد موعد للانتخابات، بل تريد أيضًا تعزيز مفوضية الانتخابات والعمل على القوانين الانتخابية. وستكون الحكومة الجديدة الموحدة مسؤولة عن تهيئة الظروف اللازمة لعملية انتخابية آمنة وموثوقة.

كما أنشأت الأمم المتحدة ما يسمى بـ”الحوارات المنظمة”، التي سعى خلالها إلى تحقيق توافق في الآراء بشأن قضايا القيادة والأمن والاقتصاد والمصالحة.

اتفاقيات سابقة لم تنجح

يرى مايكل باور، الذي يرأس مكتب تونس لمؤسسة كونراد أديناور الألمانية، أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة، وإن كانت محدودة. وأشار إلى أن نجاحها سيعتمد على مدى إلزامية أي قرارات يتم اتخاذها.

ففي النهاية، قال باور إنه كان هناك العديد من الاتفاقيات السياسية في ليبيا في الماضي القريب، لكن لم يتم تنفيذ أي منها فعليًا.

بالتوازي مع عملية الأمم المتحدة، تحاول الولايات المتحدة أيضًا العمل على جمع القيادة المتفرقة. فقد حاول مسعود بولس، المستشار البارز لإدارة ترامب لشؤون العرب والشرق الأوسط، التقريب بين عائلتي الدبيبة وحفتر.

وفي يونيو، كان نجل حفتر، سدام، في واشنطن حيث التقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.

قال باور إن الطريقة الأمريكية في التعامل مع ليبيا تختلف عن خطة الأمم المتحدة. وأوضح لـ DW: “بينما كانت بعثة الأمم المتحدة شاملة بشكل أساسي في رأيي، فإن البعثة الأمريكية تحاول إحداث نوع من الاتفاق بين نخب البلاد”.

ويتساءل عن مدى ملاءمة مثل هذا الاتفاق للانتخابات الحرة والنزيهة في ليبيا.

وأضاف باور: “لا يمكن للانتخابات أن تكون ذات معنى إلا إذا لم تكن نتيجتها محددة سلفًا”. وينطبق الشيء نفسه على أي توزيع مسبق للمناصب السياسية قبل الانتخابات.

صفقة النخب؟

حذرت مؤسسة تشاتام هاوس، وهي مؤسسة فكرية مقرها المملكة المتحدة، من أن صفقة من هذا النوع، حول الحقائب الوزارية والموارد، لن تؤدي إلا إلى إضفاء الطابع المؤسسي على التنافس القائم بين النخب الحاكمة في ليبيا. فبموجب مثل هذا الترتيب، سيقوم الفاعلون المتنافسون بتقسيم موارد الدولة فيما بينهم، وستستمر أنظمة الفساد والمحسوبية.

سيكون التغلب على انقسام البلاد إلى شرق وغرب أمرًا صعبًا. وسيتعين على الحكومة الموحدة الجديدة التعامل مع هياكل السلطة القائمة، بدلاً من البدء من الصفر.

تحديات إضافية

قال ديتمان إن هناك مشكلة إضافية، وهي أن غالبية السكان الليبيين يعيشون في المناطق الغربية، خاصة في منطقة طرابلس. وهذا يعني أن النصف الشرقي من البلاد سيخسر السلطة إذا أجريت الانتخابات.

وأوضح قائلاً: “إذا أجريت انتخابات، وإذا سارت هذه الانتخابات وفقًا للمبادئ الديمقراطية في الغالب، فإن الشرق سيخسر حتمًا”.

إضافة إلى ذلك، هناك فاعلون خارجيون يجب أخذهم في الاعتبار. فقد عززت روسيا انتشارها في الشرق بينما تدعم تركيا الحكومة في الغرب.

إلى جانب كل ذلك، هناك أيضًا مسألة ما يريده الشعب الليبي وما يتوقعه من حكومة موحدة. ويشك باور في أن الانتخابات وحدها يمكنها حل مشاكل ليبيا.

وقال: “الشعب لديه اهتمام خاص برؤية خلل عمل الدولة ينتهي”.

ليبيا غنية بالمواد الخام واحتياطيات الطاقة، لكنها تعاني أيضًا من مشاكل مثل انقطاع التيار الكهربائي وضعف الخدمات العامة. وإذا كان أداء الدولة يعمل بشكل صحيح، فمن المرجح أن يحد من سلطة أولئك الذين يستفيدون حاليًا أكثر من غيرهم من موارد البلاد، وكما قال باور: “لماذا يتخلون طواعية عن هذه الفرص؟”.

سيكون هذا هو السؤال الأصعب خلال العامين المقبلين. يجب على الاتفاق الجديد بين الخصوم السياسيين في ليبيا أن يفعل أكثر من مجرد رسم طريق نحو الانتخابات. بل يجب أن يخلق إطارًا يقبل فيه هؤلاء الخصوم بنتائج الانتخابات، وتعمل فيه المؤسسات العامة بشكل صحيح.

___________

اختراق في الملف الليبي

مصطفى الدحدوح

اتفاق تعتبره الأمم المتحدة بالغ الأهمية لكنه يثير خلافات داخل المؤسسات الليبية.

بعد سنوات من الانقسام وتعثر محاولات إجراء الانتخابات، عاد ملف الأزمة الليبية إلى واجهة التحركات الدولية مع توقيع المجموعة المصغرة “4+4” اتفاقا اعتبرته الأمم المتحدة اختراقا في معالجة القضايا التي عطلت الانتخابات.

الاتفاق، الذي حظي بدعم أميركي وأوروبي، يفتح الباب أمام تعديل الإطار الانتخابي وإعادة ترتيب المؤسسات المرتبطة بالاستحقاق المقبل.

لكنه يثير في الوقت نفسه خلافات داخل المؤسسات الليبية بشأن شرعية المجموعة وآلية اعتماد مخرجاتها، ومدى توافقها مع الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي.

وتضم مجموعة “4+4” ممثلين عن القيادة العامة للجيش وحكومة الوحدة ومجلسي النواب والدولة، وتشكلت ضمن خارطة الطريق التي أطلقتها البعثة الأممية.

ورحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتوقيع الاتفاق الذي يعالج أول مرحلتين من مراحل خارطة الطريق.

وتتعلق المرحلتان بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة القضايا الخلافية في الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.

واعتبرت الممثلة الخاصة لغوتيريش في ليبيا، هانا تيتيه، أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو تجاوز المأزق السياسي والمؤسسي الذي أعاق العملية الانتخابية.

بينما قال كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إنه يمثل خطوة مشجعة إلى الأمام في العملية السياسية الليبية.

ونص الاتفاق على إدخال تعديلات على الإطار الانتخابي، بما في ذلك ترتيبات إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية تحت سلطة تنفيذية واحدة، كما يلزم الأطراف بالعمل على إجراء الانتخابات خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً.

وتضمن السماح لمزدوجي الجنسية والعسكريين بالترشح للانتخابات الرئاسية، وإلغاء إلزامية الجولة الثانية في حال فوز أحد المرشحين بالأغلبية المطلقة.

كما نص على تحويل سلطة معالجة قضايا الدستور الدائم، بما في ذلك اعتماده، إلى البرلمان الجديد المنتخب، ومنح الأحزاب السياسية حق المشاركة في الانتخابات.

وفي قراءته للتطورات المرتبطة بالاتفاق، اعتبر أستاذ القانون الخاص، راقي المسماري، أن مبادرة مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي، التي أقرت موازنة وطنية موحدة وتوحيد المؤسستين العسكرية والأمنية، كانت بمثابة إنقاذ للبعثة من المأزق السياسي الذي واجهته في ليبيا.

وسبق أن شدد بولس في حوار سابق مع “الحرة” على أن تفاصيل اتفاقات توحيد المؤسسات تعود إلى الليبيين أنفسهم، بينما تبقى واشنطن على اتصال مع الأطراف الفاعلة لتسهيل جهودها.

ورحبت الحكومة الليبية بالتوقيع على مخرجات مجموعة “4+4″، معتبرة أن الاتفاق خطوة مهمة نحو كسر حالة الانسداد السياسي.

لكن عضو المجلس الأعلى للدولة وحيد برشا وصف الاتفاق، في تصريحات لـ “الحرة”، بأنه “عبث دولي”، معتبرا أنه يقصي المؤسسات التشريعية في ليبيا ولا يلتزم بالإعلان الدستوري ولا بالاتفاق السياسي.

وأشار إلى أن المجلس اتخذ قرارا بحق العضوين المشاركين منه في الاتفاق، وتم تجميد عضويتهما.

وفي المقابل قال عضو اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب، صالح افحيمة، إن الاتفاق جدي، لكنه ليس بديلاً عن المؤسسات، ولا يصبح نافذاً إلا من خلال المسار القانوني والتشريعي الصحيح.

واعتبر في تصريحات لـ”الحرة” أن المجالس الثلاثة، الرئاسي والنواب والدولة، تمسكت سابقا بمسارات لم تنجح في إنهاء الانسداد السياسي، مشدداً على ضرورة أن تكون هذه المجالس جزءاً من الحل لا سبباً في تعطيله.

ولفت إلى أن مجموعة “4+4” ضمت ممثلين عن مجلسي النواب والدولة، وأن أي اعتراض على تفويضهم كان يجب أن يتم فور تشكيلها، وليس بعد ظهور نتائجها.

وردا على الاعتراضات المتعلقة بشرعية المجموعة، أشار المسماري إلى أن مخرجات “4+4” تستند إلى نص المادة رقم 64 من الاتفاق السياسي، التي تنص على اللجوء إلى الحوار في حالة الانسداد السياسي أو الاختناق القانوني.

لكن الخلافات لم تقتصر على شرعية اللجنة، وإنما امتدت إلى آلية اعتماد الاتفاق خلال المهلة التي حددتها البعثة الأممية.

ويرى المسماري أن المدة التي منحتها البعثة للبرلمان ومجلس الدولة للتوافق بشأن التشريع الانتخابي، المقررة بشهر واحد، نقطة حساسة في حسم الملف. ويرجع ذلك في رأيه إلى عدم وجود وقت كاف أمام مجلس النواب، لمعالجة الملحوظات التي قد يبديها مجلس الدولة.

ويرى أن معالجة ذلك تقع على عاتق مجموعة “4+4” وليس مجلس النواب، ما يجعل البعثة أمام خيار المضي نحو خطوة اعتماد الاتفاق عن طريق حوار موسع يمثل كافة التركيبة الليبية.

وسبق أن أكد رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، استعداده للتعاطي الإيجابي مع من شأنه أن يسهم في إنهاء حالة الانقسام والخروج من الأزمة الراهنة، مشترطا أن تكون التوافقات ضمن إطار الإعلان الدستوري والتشريعات النافذة والاتفاق السياسي.

وفي شرق البلاد، اعتبر القائد العام خليفة حفتر الاتفاق خطوة مهمة نحو إزالة ما وصفها بالعراقيل التي حالت طويلاً دون تحقيق تطلعات الشعب الليبي نحو الوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في أقرب وقت ممكن.

ويمثل ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات مشكلة أخرى، إذ أصدر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، بالتزامن مع الاتفاق، مرسوماً بشأن إعادة تسمية عماد السايح رئيساً للمفوضية، بالإضافة إلى أعضاء مجلس إدارتها.

لكن ذلك أثار اعتراضاً داخل المجلس الرئاسي، إذ قال عضو المجلس موسى الكوني إن المرسوم لم يعرض عليه ولم يشارك في إصداره، واصفا الخطوة بأنها انفراد بالقرارات.

ويرى المسماري أن المجلس الرئاسي ليست له أي اختصاصات تتعلق بتعيين رئيس ومجلس إدارة مفوضية الانتخابات، وإن الاختصاص الأصيل يعود إلى مجلسي النواب والدولة، بحسب ما ورد في الاتفاق السياسي.

__________________

معركة سقف الإنفاق في ليبيا تختبر مسار توحيد السلطة

أحمد الخميسي

يضع المسار السياسي الليبي نحو تشكيل سلطة تنفيذية موحّدة وإجراء انتخابات خلال 24 شهراً، المالية العامة وثروات البلاد خاصة من قطاع الطاقة الحيوي، أمام اختبار حاسم، فهل يؤدي توحيد السلطة إلى توحيد القرار المالي، أم يستمر تعدّد مراكز الإنفاق والالتزامات الحكومية؟

وكانت لجنة الحوار الليبية المصغرة “4+4” قد أعلنت بمقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالعاصمة طرابلس، الأحد الماضي، التوقيع على مسودة الاتفاق النهائي لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز عامَين. وقرأ الاتفاق كل من رئيس وفد حكومة الوحدة الوطنية في لجنة “4+4” وليد اللافي، ورئيس وفد القيادة العامة لقوات شرق ليبيا في اللجنة الشيباني أبو همود، بحضور المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه.

يأتي ذلك التطور في وقت تحاول فيه ليبيا الخروج من سنوات الانقسام المالي والمؤسّسي، بينما يعتمد اقتصادها على النفط مصدراً رئيسياً للإيرادات والنقد الأجنبي، وتواجه المالية العامة ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع الإنفاق الجاري وتنامي الالتزامات الحكومية.

وقد يؤدي تشكيل حكومة واحدة إلى إنهاء الازدواجية التنفيذية، لكنه لا يعني بالضرورة إخضاع جميع الأموال العامة فوراً لقرار مالي موحد، فهناك مؤسسات وصناديق تتمتع بدرجات من الاستقلال المالي أو الإداري وتدير مشاريع ومخصصات كبيرة، ما يجعل توحيد السلطة السياسية مختلفاً عن توحيد إدارة المالية العامة، حسب مراقبين.

صعوبة الالتزام بسقف الإنفاق

عن هذه التطورات يقول مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية (مستقل)، أحمد أبو لسين، إن الوضع الاقتصادي والمعيشي في ليبيا “مرشح لمزيد من التدهور”، محذراً من أن توحيد السلطة قد لا يقود بالضرورة إلى خفض الإنفاق العام. ويضيف أبو لسين لـ”العربي الجديد” أنّ “الإنفاق العام قد يرتفع بعد التوحيد إذا صدقت التقديرات المطروحة”، مشيراً إلى احتمال تفاقم الخلاف حول توزيع الموارد بين المناطق والأطراف.

ويرى أن تجربة عام 2026 أظهرت صعوبة الالتزام بسقوف الإنفاق، في ظل زيادة المرتبات وظهور مطالب بتمويل مشاريع إضافية. ويقول إنّ التحدي أمام الحكومة الموحدة سيكون “ضمان الالتزام بسقف الإنفاق ومنع تعدد القرارات المالية”.

وفي المقابل، يرى المحلل المالي محمود سالم أن توحيد السلطة التنفيذية قد يوفر فرصة لتقليص بعض أوجه الازدواجية المالية وتعدد أوج الانفاق العام. ويقول سالم لـ”العربي الجديد” إن الحكومة الموحدة تستطيع “توحيد أولويات الإنفاق وتقليص النفقات المكررة وتحسين تخصيص الموارد”، لكنّه يشترط لتحقيق ذلك وجود قواعد ملزمة تمنع أي جهة من إنشاء التزامات خارج الموازنة، وتخضع جميع الجهات التي تدير المال العام للرقابة والإفصاح.

وحذر صندوق النقد الدولي من اختلالات كبيرة في المالية العامة الليبية إذ قال في تقييمه لعام 2026 إن المسار المالي الحالي “غير مستدام”، مشيراً إلى عجز مالي بلغ نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، ودين عام يقترب من 146% من الناتج.

ودعا الصندوق إلى ضبط الإنفاق وإعادة بناء الاحتياطيات، محذراً من استمرار الضغوط على التضخم وسعر الصرف والاحتياطيات. وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في اقتصاد يعتمد على النفط، إذ يمكن أن يتحول أي توسع في الإنفاق إلى زيادة في الطلب على السلع المستوردة والنقد الأجنبي.

موازنة موحدة واختبار التنفيذ

اعتمدت ليبيا في إبريل/ نيسان 2026 أول موازنة موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، بقيمة 190 مليار دينار (30 مليار دولار أميركي)، وفق سعر صرف يبلغ 6.3 دنانير للدولار، في خطوة هدفت إلى إنهاء الانقسام المالي ووضع إطار موحد للإنفاق. لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بإقرار الموازنة فحسب، بل بقدرة الدولة على تنفيذها وفرض سقف إنفاق ملزم ومنع إنشاء التزامات جديدة خارج الإطار المالي المعتمد.
ويقول المحلل المالي عبد الحكيم عامر غيث إنّ الموازنة الموحدة تفقد جزءاً من وظيفتها كأداة للسياسة المالية إذا لم تلتزم بها جميع الأطراف والمؤسّسات التي تدير المال العام، ويضيف لـ”العربي الجديد” أن تعدّد القرارات المالية خارج إطار الموازنة “يعيد إنتاج الانقسام بصورة مختلفة، حتى في ظل وجود وثيقة موازنة واحدة”.

ويرى غيث أن الاختبار الحقيقي لأي حكومة موحدة لن يكون في إعداد موازنة جديدة، وإنما في قدرتها على تحويلها إلى قاعدة ملزمة لجميع الجهات، بحيث لا تُنشأ التزامات أو مشاريع جديدة من خارجها، ولا تُصرف موارد عامة دون تحديد مصدر التمويل وأثر ذلك على العجز والدين والاحتياطيات.

ووفق أستاذ الاقتصاد في الجامعات الليبية عادل المقرحي فإنّ المرحلة الانتقالية المقبلة قد تشكل اختباراً صعباً للمالية العامة. ويقول لـ”العربي الجديد” إن “الخطر هو أن تستخدم المرحلة الانتقالية لزيادة الإنفاق بهدف تحقيق الاستقرار السياسي، بدلاً من استغلالها لإعادة هيكلة المالية العامة”، ويضيف أن نجاح المرحلة لا ينبغي أن يقاس بإجراء الانتخابات فحسب، بل أيضاً بـ”حجم الالتزامات المالية التي ستسلمها الحكومة الانتقالية إلى السلطة المنتخبة”.

قصة الانقسام المالي

دخلت ليبيا مرحلة الانقسام المؤسّسي منذ عام 2014، مع تفاقم الخلافات السياسية والأمنية، وانعكست على إدارة المالية العامة، مع ظهور حكومات وأجهزة تنفيذية متنافسة وتعدد مراكز اتخاذ القرار والإنفاق. وأدى ذلك إلى صعوبة وضع سياسة مالية موحدة، رغم بقاء الإيرادات النفطية المصدر الرئيسي لتمويل الإنفاق العام.

وخلال السنوات التالية، ارتفع الاعتماد على الإنفاق الجاري، ولا سيما تمويل المرتبات والدعم والتحويلات، مقابل محدودية الإنفاق الموجه إلى مشاريع التنمية وتنويع الاقتصاد وزيادة الإنتاج خارج قطاع النفط.

وفي ظل اعتماد المالية العامة على عائدات النفط، تظل قدرة الدولة على تمويل الإنفاق مرتبطة بدرجة كبيرة بمستويات الإنتاج والتصدير وأسعار الخام في الأسواق العالمية، ما يجعل الموازنة أكثر تعرضاً لتقلبات أسعار النفط وتعطل الإنتاج أو الصادرات، كما أدى الانقسام المؤسّسي إلى تراكم التزامات مالية ومشاريع موزعة بين جهات حكومية وصناديق ومؤسسات مختلفة، ما جعل ضبط الإنفاق وتحديد الأولويات أكثر تعقيداً.

ويبرز صندوق التنمية وإعادة الإعمار كأحد أبرز الاختبارات أمام أي ترتيب مالي جديد، نظراً إلى حجم المشاريع والموارد التي يديرها. فالصندوق، الذي أُنشئ بموجب قانون صادر عن مجلس النواب، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، ويتولى تنفيذ مشاريع في البنية التحتية والإسكان والصحة والتعليم والطرق وغيرها.

وأقر مجلس النواب خطة تنمية للصندوق بقيمة 69 مليار دينار للأعوام 2025 و2026 و2027. ويرى خبراء اقتصاديون أن التحدي لا يتعلق بالإنفاق على إعادة الإعمار في حد ذاته، وإنما بموقع إنفاق الصندوق والتزاماته داخل منظومة المالية العامة.

ويقول المحلل الاقتصادي بشير مصلح إنّ “وجود صندوق بحجم مالي كبير يعمل باستقلالية نسبية عن الموازنة يجعل من الصعب الحديث عن سياسة مالية موحدة ما لم تكن مشروعاته والتزاماته ومصادر تمويله واضحة ومحتسبة ضمن الإطار المالي العام.

ويضيف لـ”العربي الجديد” أنّ “الخطر ليس في الإنفاق على الإعمار، بل في غياب سقف مالي واضح لإجمالي الإنفاق العام، لأنّ توسيع الإنفاق الاستثماري بالتوازي مع الإنفاق الجاري قد يخلق التزامات يصعب تمويلها مستقبلاً، خصوصاً إذا تراجعت الإيرادات النفطية”.

ويرى أنّ المرحلة المقبلة تتطلب إخضاع جميع الإنفاقات العامة، بما فيها مخصّصات الصندوق، لمنظومة واحدة من الإفصاح والرقابة وتقييم الجدوى الاقتصادية، حتى لا يتحوّل الإعمار من أداة لتنويع الاقتصاد وتحفيز الإنتاج إلى قناة إضافية لتوسيع الإنفاق العام.

___________

إنتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

علاء حمودة

ضبط تحويلات مصرفية مشبوهة بأكثر من 24 مليون دينار

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي، الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا، في وقت تكشف فيه الأجهزة المختصة بصورة متكررة عن تدفقات مالية لا تتناسب مع طبيعة الأنشطة المعلنة لأصحابها، وتلاحق أصحابها قضائياً.

وتتجاوز دلالة هذه الواقعة حدود الحسابات المصرفية إلى ظاهرة أوسع، إذ يرى مراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، أن غسل الأموال أصبح «أحد الأوجه الخفية للثراء السريع في ليبيا»، معتبراً أن حالة الفوضى التي تشهدها البلاد وفّرت بيئة مواتية لهذه الممارسات.

وقال غيث لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الممارسات ارتبطت، بحسب تقديره، بزيادة الطلب على الدولار، واتساع أنشطة تجارة المخدرات والسلاح والهجرة غير النظامية، مشيراً إلى أن ظاهرة تبييض الأموال «ارتبطت بصورة أكبر بمرحلة ما بعد الانقسام السياسي والعسكري في عام 2014»، وأنها «لم تكن بهذا الشكل» خلال فترة عضويته في مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي.

ويحقق مكتب النائب العام حالياً مع متهم في واقعة رصد إيداعات وتحويلات مصرفية غير طبيعية، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار على حسابه الشخصي، بعدما لاحظ جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب حركة مالية لا تتناسب مع طبيعة النشاط المصرح به للحساب، فضلاً عن عدم وجود مستندات، أو مبررات تجارية تثبت مشروعية الأموال، بحسب بيان الجهاز، الثلاثاء.

غير أن هذه الواقعة لا تبدو معزولة؛ ففي 3 أغسطس (آب) الحالي، أعلنت الجهات المختصة ضبط المستفيد الحقيقي من تحويلات وإيداعات مالية تجاوزت قيمتها 4 ملايين دينار ليبي، فيما سبقتها في 22 يوليو (تموز) واقعة أخرى، بلغت قيمة التحويلات فيها نحو 3.8 مليون دينار.

وتكشف هذه الوقائع، بحسب غيث، أهمية تشديد الرقابة على التدفقات المالية، وربط حجم الأموال الداخلة إلى الحسابات بطبيعة النشاط والدخل المعلن. وقال بهذا الخصوص: «إذا كان هناك موظف يتقاضى راتباً قدره ألفا دينار، ثم دخل إلى حسابه فجأة 5 ملايين دينار، فلا بد أن يُسأل عن مصدر هذه الأموال، وكيف دخلت إلى حسابه».

مضيفاً أن الرقابة على التحويلات يجب ألا تقتصر على قيمة الأموال، بل يجب أن تمتد إلى صلة المرسل بالمستفيد ومصدر الأموال والغرض من التحويل، ومشيراً إلى أن بعض الدول العربية والغربية تطبق إجراءات أكثر صرامة في تتبع التدفقات المالية.

وتعيش ليبيا منذ أكثر من عقد على وقع انقسام سياسي وأمني، مع وجود حكومتين متنافستين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى في شرقها برئاسة أسامة حماد، وسط ترتيب متدنٍّ في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، التي أصدرتها «منظمة الشفافية الدولية».

ولا ينقطع حديث مدونين ليبيين عن تفشي الفساد في ليبيا، فعلى سبيل المثال تحدث المدون فوزي الشريف عما يصفه بأنه «صناعة المليونيرات» في ليبيا، مشيراً إلى أن الاستفادة من النفوذ أو الأموال العامة قد تتبعها محاولات لإخفاء مصادر الأموال، وإعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، من بينها شراء العقارات، وتحويل جزء من الأموال إلى الخارج، ثم إدخال أموال أخرى في مشروعات تجارية، بينها تجارة السيارات الفارهة.

ويصف عبد الباسط هارون، مدير مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، الفساد في ليبيا، ومن ضمنه جرائم غسل الأموال، بأنه «حرب مدمرة ضد المواطن الليبي»، داعياً الدول التي تستقبل هذه الأموال إلى تطبيق إجراءات صارمة لملاحقة ومساءلة الشخصيات الليبية المتورطة في هذه الممارسات.

ويقول هارون لـ«الشرق الأوسط» إن خطورة غسل الأموال تتجاوز إخفاء المصدر الأصلي للأموال، إلى إعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، بما يسمح بتحويل أموال، يُشتبه في أنها جاءت من مصادر غير قانونية، إلى ثروات يصعب تتبع أصلها.

وسبق أن حث صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) الماضي السلطات الليبية على اعتماد قانون لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يتوافق مع المعايير الدولية، بل وصفه بأنه يمثل «أولوية ملحة» لحماية نزاهة النظام المالي، مضيفاً أن توجيه عمليات الاستيراد عبر الجهاز المصرفي من شأنه تحسين الشفافية، والحد من التدفقات المالية غير المشروعة.

برلمانياً، لا تزال العقبة الرئيسية داخلية، إذ لم يُحسم مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب داخل مجلس النواب، ما يبقي المواجهة مع هذه الجرائم مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على تطوير الإطار التشريعي، وتعزيز التنسيق بين الجهات المصرفية والرقابية والقضائية.

_________________

إعدامات بنغازي: تحول في سياسة ليبيا أم استثناء؟

كريمة ناجي 

مخاوف من استغلالها ضد الخصوم السياسيين

تعد عقوبة الإعدام في ليبيا مقنّنة في التشريعات الليبية منذ صدور قانون العقوبات الليبي عام 1954، وبالعودة إلى تاريخ البلاد ضمن هذا المجال، تم تنفيذ أحكام الإعدام في فترة حكم القذافي التي امتدت أربعة عقود على غرار إعدام مهندس الطيران الصادق حامد الشويهدي عام 1984 حيث تم بث الإعدام على الهواء مباشرة، إضافة إلى إعدام الطلبة في ليبيا في السابع من أبريل عام 1976، حين أقدم نظام القذافي على شنق عدد من الطلاب والمعارضين علناً داخل جامعتي “طرابلس” و”بنغازي”.

طيف عقوبة الإعدام يحط برحاله في ليبيا للمرة الأولى منذ سقوط نظام الرئيس الراحل عمر القذافي عام 2011، وذلك بعد إعلان السلطات العسكرية في شرق ليبيا التابعة لقائد الجيش الليبي المشير خلفية حفتر تنفيذها يوم الإثنين الماضي حكم الإعدام في حق 10 مدانين بجرائم إرهابية وقضايا قتل وذبح في بنغازي و درنة شرق ليبيا وعدد من المناطق الأخرى، فيما تحدثت مصادر أخرى عن تحيين لقائمة عقوبة الإعدام شمل 14 مداناً بجرائم إرهابية وجنائية. 

تطورات أثارت جدلاً بين من يراها خطوة تأتي لإنصاف ضحايا الإرهاب، ومن يصنفها كتجاوز للمحاكمة العادلة، إذ رحب أهالي ضحايا الإرهاب في درنة وبنغازي بها، فيما اعترضت عليها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، مطالبة بفتح تحقيق عاجل ومستقل وشامل في جميع مراحل الإجراءات التي سبقت التنفيذ، والتحقق من استيفاء ضمانات المحاكمة العادلة.

 منظمة رصد الجرائم في ليبيا من جانبها طالبت بالتحقيق في ملابسات المحاكمات وما رافقها من انتهاكات محتملة لضمانات العدالة، ونادى المجلس الأعلى للدولة بالكشف عن الأسماء الكاملة وأرقام القضايا ومراحل التقاضي التي استندت إليها تنفيذ أحكام الإعدام.

مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من جهتها قالت في بيان لها، إنها “تشعر بالصدمة إزاء الإعدام الجماعي لـ11 رجلاً في شرق ليبيا بعد محاكمة معيبة أمام محكمة عسكرية”، وتابعت أن عمليات الإعدام هذه هي الأولى من نوعها منذ 15 عاماً وتمثل انتكاسة خطرة يجب وضع حد لها، مضيفة أن “عقوبة الإعدام تتعارض مع الحق في الحياة وتزيد من خطر إعدام الأبرياء”.

المسار التاريخي 

وتعد عقوبة الإعدام في ليبيا، عقوبة مقننة في التشريعات الليبية منذ صدور قانون العقوبات الليبي عام 1954، فبالعودة لتاريخ البلاد ضمن هذا المجال تم تنفيذ أحكام الإعدام في فترة حكم القذافي التي امتدت لأربعة عقود على غرار إعدام مهندس الطيران الصادق حامد الشويهدي في شهر رمضان عام 1984، إذ تم بث الإعدام على الهواء مباشرة، إضافة إلى إعدام الطلبة في ليبيا يوم السابع من أبريل (نيسان) 1976، حين أقدم نظام  القذافي على شنق عدد من الطلاب والمعارضين علناً داخل جامعتي طرابلس وبنغازي.

وتوقفت أحكام الإعدام في المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، على رغم استمرار المحاكم المدنية والعسكرية في إصدار مئات الأحكام من دون تنفيذها قانونياً.

وعاد حكم الإعدام لصدارة المشهد الليبي في أغسطس (آب) الجاري، إثر إعلان السلطات القضائية والعسكرية في شرق ليبيا تنفيذ أحكام إعدام في حق مدانين في قضايا إرهابية وجنائية، بعد فترة تجميد طويلة لأحكام الإرهاب، ناهزت 13 عاماً. 

ويملك المصادقة على حكم الإعدام الصادر عن المحكمة العسكرية العليا رئيس الدولة الليبية والقائد الأعلى للجيش الليبي، المتمثل حالياً في المجلس الرئاسي بموجب القانون رقم 11 لعام 2012.

وتطرح إعدامات بنغازي سؤالاً يتجاوز القضايا التي صدرت فيها الأحكام، إلى أسئلة حول ما إذا كانت ليبيا أمام تحول في سياسة تنفيذ عقوبة الإعدام، أم هي على على وقع إجراء استثنائي فرضته طبيعة قضايا الإرهاب والاغتيالات؟

خطوة جيدة 

وفي تعليقه على هذه الواقعة يقول رئيس الرابطة الليبية لضحايا الإرهاب عبدالله الغرياني، إنه يرحب بهذه الخطوة باعتبارها مسار من مسارات العدالة الانتقالية المبنية على مراحل عدة، من ضمنها المحاسبة وجبر الضرر وغيرها من النقاط.

ويؤكد في تصريح خاص لموقع “اندبندنت عربية” أن هذه المرحلة تعرف بتنفيذ الأحكام، وهي خطوة جيدة، مستدركاً أن رجال القانون هم من يمارسون نقدهم لهذا الحكم، مطالباً بأن تكون هذه العملية قانونية حتى لا يقع الاعتداء على الآخرين كما اعتدى عليهم، وفق وصفه. 

وعلاقة بمدى تحقيق هذه الأحكام العدالة لضحايا الإرهاب وعائلاتهم، يقول الغرياني إن العدالة بالنسبة إليهم كضحايا مدنيين لم يرفعوا السلاح وتم الاعتداء عليهم بناء على مواقفهم السياسية والمدنية تتجاوز عقوبة الإعدام، مشدداً أن الرابطة ترفض تنفيذ أي حكم خارج الأطر القانونية. 

ويطالب الدولة الليبية بتوفير غطاء قانوني لضحايا الإرهاب باعتبار أنها لا تعترف بهم إلى حد الآن، منوهاً أنهم أمام استحقاقات عدة، اقتصادية وصحية واجتماعية، فهناك أسر ومبتوري أطراف من دون موارد رزق. 

جريمة قتل

ويقول المتخصص بالشؤون السياسية والأمنية فيصل الشريف إن تنفيذ أحكام الإعدام غير دستوري، فمحاكمة مدنيين أمام محكمة عسكرية باطل بحكم صادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا باعتبار القانون رقم 4 لعام 2017 غير دستوري، أما قانونياً فيرى الشريف أن من يملك المصادقة على حكم الإعدام الصادر عن المحكمة العسكرية العليا هو رئيس الدولة الليبية والقائد الأعلى للجيش الليبي، وهو المجلس الرئاسي بموجب القانون رقم 11 لعام 2012، والمجلس الرئاسي لم يصادق على حكم الإعدام، وفق تأكيده.

ويصف المحلل السياسي محمد بويصير تطبيق أحكام الإعدام بـ”جريمة القتل العمد مع سابق الإصرار والترصد”، وهي لا تسقط بالتقادم، وعقابها الإعدام بحسب الماده 386 من قانون الجنايات الليبي.

الحكم قانوني

وعلاقة بمدى تمثيل إعدامات بنغازي تحولاً في تطبيق عقوبة الإعدام في ليبيا، أم أنها تأتي في إطار استثنائي مرتبط بطبيعة الجرائم التي صدرت فيها الأحكام، تؤكد أستاذة القانون الجنائي في قسم القانون بجامعة بنغازي والباحثة الرئيسة في مشروع تيسر العدالة في ليبيا جازية شعيتير أن الأمر متوافق مع القوانين والأحكام القضائية الصادرة، منوهة بأن عقوبة الإعدام لن تشهد أي تحول في ليبيا، لأنها موجودة ومعروفة في البلد وفق قانون العقوبات العام الصادر عام 1953، الذي يحتوي على كثير من الأحكام المتصلة بعدد من الجرائم التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، وأهمها جرائم أمن الدولة.

وتقول “صحيح إن قانون الإرهاب رقم 3 لعام 2014، لم ينص على عقوبة الإعدام، ولكنه نص صراحة في إحدى مواده على أن تطبيق أحكام هذا القانون لا تخل بأية عقوبة أشد منصوص عليها في قانون العقوبات العام أو أي قوانين عقابية خاصة”.

وبخصوص الإطار الاستثنائي المرتبط بطبيعة الجرائم التي صدرت فيها الأحكام القضائية ترى شعيتير أنها جرائم أمن دولة وجرائم الإرهاب من بينها، فحين يطبق عليها قانون الإرهاب ويحيل بعد ذلك إلى أشد عقوبة منصوص عليها نجد جرائم أمن الدولة وغالب جرائم الإرهاب هي جرائم أمن الدولة عقوبتها الإعدام.

وتتابع المتخصصة بالقانون الجنائي أن الضمانات التي يفرضها القانون الجنائي ومعايير المحاكمة العادلة منصوص عليها أيضاً منذ 1953، وإنهاء للجدل تقول إن القضاء العسكري ليس قضاء استثنائياً إنما هو قضاء خاص بفئة العسكريين، وأيضاً ينظر في بعض الفئات الأخرى من بينهم المدنيين  المعينين بالقانون نفسه، وهذه المعايير الموجودة في القضاء وفي القانون الليبي المدني والعسكري متوافقة مع هذه الأحكام، لأن القوانين الليبية وفق آخر تحديث لها في عام 2017 أعطت صلاحية النظر في قضايا الإرهاب للمحكام العسكرية، طبقاً لقانون الإجراءات العسكرية، بما في ذلك تمكين حق الدفاع، بما فيها الانتظار إلى أن يصبح الحكم نهائياً وتصادق عليه الجهة المختصة بالتصديق، وتؤكد أنه وفقاً للقوانين المعترف بها من البرلمان ومن المحكمة الدستورية الناشئة حديثاً، فإن حكم الإعدام متوافق مع القوانين والأحكام القضائية الصادرة في الدولة الليبية. 

رسائل أمنية 

وفي الصدد يقول المتخصص بالعلاقات الدولية خالد الحجازي إنه يمكن قراءة إعدامات بنغازي باعتبارها رسالة مباشرة وحازمة إلى الجماعات المتطرفة والخلايا المسلحة وشبكات الاغتيالات، مفادها بأن الدولة لن تتسامح معهم، ومن تثبت مسؤوليته أمام القضاء سيدفع ثمن جريمته، في بلد عانى لسنوات الاغتيالات والتفجيرات والفوضى الأمنية، منوهاً أن محاسبة المتورطين في جرائم خطرة تمثل من حيث المبدأ خطوة نحو استعادة هيبة القانون وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.

ويخشي الحجازي ألا تتوقف المسألة عند البعد الأمني وأن تتحول مستقبلاً إلى نهج أوسع في التعامل مع كل قضية تحمل طابعاً سياسياً أو أمنياً، ويؤكد أن الإرهابي الذي يقتل المدنيين أو ينفذ الاغتيالات أو يرتكب جرائم بحق الليبيين، وتثبت مسؤوليته أمام قضاء تتوافر فيه ضمانات المحاكمة العادلة يجب أن يحاسب من دون تردد.

ويقول إن  ذلك يختلف تماماً عن استخدام تهم الإرهاب لتصفية الخصوم السياسيين أو المعارضين أو المختلفين في الرأي، منوهاً إلى أنه  مع الإعدام كعقوبة لمن تثبت إدانته وفق القانون، لكنه ضد أن يتحول القانون نفسه إلى أداة للانتقام السياسي، فالقضية وفق رأيه ليست في شدة العقوبة، وإنما في نزاهة الطريق الذي يقود إليها، الذي يبدأ بطبيعة الجريمة، ومن يصنفها إرهابية وهل القضاء مستقل، ومدى حصول المتهم على حقه الكامل في الدفاع، وهل الأدلة واضحة وقابلة للمراجعة حتى لا يحدث لبس أو ظلم.

ويستدرك أن إعدامات بنغازي يمكن أن تكون رسالة ردع مهمة ضد الإرهاب والاغتيالات، إذا بقيت في إطار القانون والعدالة والضمانات القضائية، أما إذا أصبح “التهديد الأمني” عنواناً لتصفية الحسابات السياسية، فهنا تتحول العدالة من وسيلة لحماية الدولة إلى أداة لهدمها.

_____________

الجنوب الليبي ودوره الغائب في معادلة التسوية

صلاح الهوني

التسوية التي تنجح في طرابلس وبنغازي وتفشل في سبها و مرزق و الكفرة لن تكون تسوية وطنية؛ ستكون مجرد هدنة بين مركزين.

السياسة في ليبيا مباراة بين مدينتين: طرابلس وبنغازي. تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتعثر الانتخابات، لكن الخريطة السياسية تبقى أسيرة هذا الخط الساحلي. أما الجنوب، فيظهر غالبًا في الأخبار عندما يحدث إغلاق لحقل نفطي، أو اشتباك حدودي، أو أزمة هجرة، أو تحرك لجماعة مسلحة. وهذا غريب، لأن فزان ليست هامش ليبيا؛ إنها أحد مفاتيحها.

تقرير للأمم المتحدة صدر في 2025 وصف الجنوب الليبي بأنه غني بالموارد الطبيعية لكنه مهمّش سياسيًا واقتصاديًا. وفي 2026، واصلت الأمم المتحدة دفع مسار سياسي يركز على توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات ومعالجة جذور الصراع، لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل ذلك هو: أين الجنوب في هذه المعادلة؟

المشكلة ليست أن المجتمع الدولي لا يعرف بوجود فزان. المشكلة أنه يتعامل معها في كثير من الأحيان باعتبارها ملفًا تابعًا لملفات أخرى: الأمن حين يتعلق الأمر بالحدود، والطاقة حين يتعلق الأمر بالنفط، والهجرة حين يتعلق الأمر بأوروبا. أما أن تكون فزان شريكًا سياسيًا كاملًا في صياغة مستقبل ليبيا، فهذه فكرة لم تحصل بعد على ما يكفي من الاهتمام. وهذا خطأ في الحساب.

فالجنوب هو المكان الذي تلتقي فيه ثلاثة أشياء يصعب فصلها عن مستقبل الدولة الليبية: الموارد، والحدود، والتنوع الاجتماعي.

حقل الشرارة النفطي وحده يكفي لتذكير الجميع بأن الصحراء الليبية ليست فراغًا جغرافيًا. الحقل، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية نحو 300 إلى 320 ألف برميل يوميًا، كان في مارس الماضي عرضة لحريق أدى إلى إعادة توجيه التدفقات عبر مسارات بديلة، في مشهد يعكس هشاشة البنية النفطية أمام الاضطرابات التقنية والسياسية والمحلية.

لكن النفط ليس سوى نصف القصة.

النصف الآخر هو أن فزان تقع عند تقاطع ليبيا مع فضاء الساحل والصحراء. الحدود مع الجزائر والنيجر وتشاد تجعل الجنوب جزءًا من منظومة أمنية تمتد إلى ما وراء ليبيا نفسها. وفي هذه المساحة تتحرك التجارة المشروعة وغير المشروعة، وتتشابك مصالح المجتمعات الحدودية مع شبكات التهريب والهجرة والجريمة المنظمة، بينما تحاول قوى إقليمية ودولية فهم ميزان القوة المحلي والتأثير فيه.

النظر إلى الجنوب باعتباره “مشكلة أمنية” فقط هو نوع من الكسل الاستراتيجي. فالمشكلة الأمنية نفسها ناتجة جزئيًا عن غياب الدولة السياسية والاقتصادية.

تتمحور التسوية الليبية منذ سنوات حول السؤال: كيف يمكن جمع المؤسسات المنقسمة بين شرق وغرب؟ وهذا سؤال ضروري، لكنه ليس كافيًا.

الأمم المتحدة نفسها جعلت توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية أحد أهداف خارطة الطريق الحالية، إلى جانب الانتخابات والمصالحة الوطنية. كما أن الحوار المُهيكل الذي اختتم أعماله في حزيران/يونيو قدم أكثر من 525 توصية لمعالجة جذور الأزمة.

لكن الوحدة المؤسسية لا تعني فقط أن يجلس ممثلون عن طرابلس وبنغازي إلى طاولة واحدة. الوحدة تعني أن يشعر سكان مرزق وسبها وغات وأوباري والكفرة بأن المؤسسات التي يجري توحيدها تخصهم هم أيضًا.

والمفارقة أن الجميع يتحدث عن “توزيع عادل للموارد”، لكن المناطق التي تنتج جزءًا أساسيًا من هذه الموارد لا تتمتع بالضرورة بالنفوذ السياسي الذي يسمح لها بالمشاركة في تحديد كيفية توزيعها.

فإذا كان النفط يُستخرج من الجنوب، بينما تُتخذ القرارات المتعلقة بالميزانية والاستثمار في مراكز سياسية بعيدة عنه، فإن الحديث عن دولة موحدة سيظل ناقصًا. وإذا كانت الحدود الجنوبية تتحمل أعباء الهجرة والتهريب والجريمة العابرة للحدود، بينما تُناقش سياسات الأمن والهجرة من منظور طرابلس أو من منظور العواصم الأوروبية، فإن الجنوب سيظل ينظر إلى الدولة باعتبارها مستهلكًا لأمنه أكثر منها منتجًا له.

هناك طريقة أخرى للنظر إلى فزان: ليس بوصفها خزينة ينبغي اقتسامها، بل بوصفها منطقة تحتاج إلى عقد اقتصادي جديد مع الدولة.

ذلك يعني الاستثمار في البنية التحتية، والطرق، والطاقة، والمياه، والتعليم والصحة، وربط مدن الجنوب بشبكات التجارة الوطنية والإقليمية. ويعني أيضًا تحويل الحدود من خطوط أمنية إلى بوابات اقتصادية منظمة.

فالاقتصاد الموازي يزدهر عندما يفشل الاقتصاد الرسمي في تقديم بديل.

وحين لا يجد شاب في مدينة جنوبية وظيفة أو مشروعًا أو مسارًا واضحًا للحياة الاقتصادية، فإن السوق غير الرسمية تصبح أكثر جاذبية. وحين تصبح الدولة بعيدة، يصبح المهرب أو الوسيط أو صاحب النفوذ المحلي أقرب إلى المواطن من الموظف الحكومي.

لهذا فإن مكافحة التهريب لا يمكن أن تنجح بالوسائل الأمنية وحدها. يمكنك أن تغلق طريقًا صحراويًا اليوم، لكن إذا بقيت أسباب الاقتصاد الموازي غدًا، فسيفتح طريق آخر.

المطلوب هو أن تصبح الدولة نفسها البديل الاقتصادي.

وهذا يمكن أن يبدأ من إنشاء مناطق لوجستية وتجارية في الجنوب، وتطوير المعابر الحدودية، وتشجيع الاستثمار المحلي، وربط فزان بالأسواق الجزائرية والنيجرية والتشادية ضمن أطر قانونية، بدل ترك العلاقات التجارية تتحرك في الظل.

وهناك سبب آخر يجعل إشراك الجنوب في التسوية أكثر تعقيدًا، وأكثر ضرورة في الوقت نفسه.

فالجنوب ليس كتلة اجتماعية متجانسة. إنه فضاء تتعايش فيه مكونات عربية وتبو وطوارق ومجتمعات محلية ذات تاريخ ومصالح مختلفة. وقد نبه تقرير الأمم المتحدة إلى أن التبو والطوارق والأمازيغ، بوصفهم المكونات الأصلية غير العربية المعترف بها في ليبيا، لا يحظون بتمثيل كافٍ في مؤسسات الدولة.

أي تسوية تتجاهل هذه الحقيقة ستعيد إنتاج المشكلة على مستوى آخر.

لا يكفي أن يُقال إن الجنوب “ممثل”. السؤال هو: من يمثل الجنوب؟ وهل التمثيل سياسي فقط، أم اجتماعي أيضًا؟ وهل تشعر المجتمعات الحدودية، بأن صوتها مسموع عندما تُصاغ السياسات الوطنية؟

الدولة الحديثة لا تحتاج إلى إذابة التنوع. تحتاج إلى تنظيمه داخل مؤسسات عادلة.

وهنا قد يكون الجنوب فرصة لا مشكلة. فبدل أن تتحول التعددية المحلية إلى مصدر صراع، يمكن أن تصبح نموذجًا لنظام إداري أكثر لامركزية، يمنح البلديات والمناطق قدرة أكبر على إدارة شؤونها، مع إبقاء الموارد السيادية الكبرى مثل النفط والجيش والسياسة الخارجية ضمن إطار الدولة الوطنية.

ثمة طرف آخر يجب أن يعيد النظر في مقاربته للجنوب: أوروبا.

بالنسبة إلى بعض العواصم الأوروبية، يبدو الجنوب الليبي في كثير من الأحيان كجزء من معادلة الهجرة غير النظامية والأمن الحدودي. لكن اختزال فزان في هذا الملف يضر بالمصالح الأوروبية نفسها.

فإذا أرادت أوروبا تقليص الهجرة والتهريب والجريمة المنظمة، فإن أفضل استثمار طويل الأمد ليس فقط في الحواجز الأمنية، بل في الدولة الليبية.

الدولة التي تمتلك حدودًا مراقبة ومؤسسات محلية شرعية واقتصادًا قانونيًا نشطًا تكون أكثر قدرة على ضبط حدودها من دولة تعتمد على تفاهمات مؤقتة مع مجموعات مسلحة أو شبكات محلية.

وهذا يتطلب من الأوروبيين التعامل مع الجنوب باعتباره جزءًا من الحل الليبي لا مجرد خط دفاع متقدم عن أوروبا.

المسار السياسي الليبي الحالي يقترب من لحظة حاسمة. فالأمم المتحدة تعمل على إعادة تفعيل العملية الانتخابية وتوحيد المؤسسات، وقد انتهت في يونيو إلى توصيات واسعة تتعلق بالحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة. كما أن الخطوات الأخيرة ركزت على إصلاح المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والإطار القانوني للانتخابات.

لكن الانتخابات نفسها لن تحل مشكلة الجنوب إذا لم تُطرح أسئلة فزان داخل التسوية الوطنية.

من يملك الأمن في الجنوب؟ ومن يدير الحدود؟ وكيف توزع عائدات الموارد؟ وكيف يتم تمثيل المكونات المحلية؟ وكيف تدمج القوات والتشكيلات المسلحة في مؤسسة وطنية؟ وكيف تحصل البلديات الجنوبية على موارد كافية كي لا تبقى الدولة مجرد علم مرفوع فوق مبنى إداري؟

هذه ليست أسئلة جنوبية فحسب. إنها أسئلة الدولة الليبية.

لذلك، فإن أي اتفاق على حكومة موحدة يجب أن يترافق مع عقد تنموي للجنوب، وأي اتفاق عسكري يجب أن يتضمن ترتيبات واضحة للحدود الجنوبية، وأي اتفاق مالي يجب أن يربط توزيع الموارد بمؤشرات شفافة للسكان والحاجة والإنتاج والتنمية.

قد يكون من المفيد قلب المعادلة كلها. بدل أن نسأل: كيف نُخضع الجنوب للدولة؟

علينا أن نسأل: كيف نجعل الدولة حاضرة في الجنوب؟

إنه الفرق بين دولة ترى مواطنيها باعتبارهم مشكلة أمنية، ودولة ترى مواطنيها باعتبارهم شركاء في السيادة.

إذا نجحت ليبيا في ذلك، فقد يتحول الجنوب من أضعف حلقات الدولة إلى إحدى أقوى نقاطها. فالموقع الجغرافي الذي جعل فزان عرضة للتهريب يمكن أن يجعلها مركزًا للتجارة العابرة للصحراء. والموارد التي غذت الصراع يمكن أن تمول التنمية.

لكن ذلك يتطلب التخلي عن فكرة أن ليبيا يمكن أن تُبنى من الساحل إلى الداخل.

ليبيا تحتاج إلى أن تُبنى من الأطراف إلى المركز أيضًا.

فالجنوب ليس صندوقًا نفطيًا، ولا منطقة عازلة، ولا ممرًا للمهاجرين، ولا مساحة فارغة. إنه جزء من الدولة له مصالحه وذاكرته ومكوناته وموارده.

والتسوية التي تنجح في طرابلس وبنغازي وتفشل في سبها ومرزق والكفرة لن تكون تسوية وطنية؛ ستكون مجرد هدنة بين مركزين.

أما التسوية التي تضع فزان في قلب معادلة المال والأمن والانتخابات، فقد تكون أول تسوية تفهم ليبيا كما هي.

الطريق إلى ليبيا الموحدة لا يمر فقط بين طرابلس وبنغازي. بل يمر، على نحو أكثر أهمية، عبر الصحراء.

________________

ليبيا.. هل نضجت التسوية بين الشرق والغرب؟

تحرك أميركي وأممي وتركي يضغط لتوحيد المؤسسات، فيما يبقى النفط والأمن والانتخابات عقدة التسوية

تعيش ليبيا واحدة من أكثر لحظات المسار السياسي حساسية منذ سنوات. فبعد أكثر من عقد على الانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب، بدأت تتجمع مؤشرات توحي بأن القوى الدولية والإقليمية باتت تدفع باتجاه صيغة جديدة لتوحيد الدولة، لا تكتفي بإدارة الانقسام وإنما تحاول تحويل التفاهمات الاقتصادية والأمنية إلى مدخل لتسوية سياسية أوسع.

وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة هذا التحرك، مدفوعة برغبة واضحة في تثبيت ما تحقق خلال الأشهر الماضية، وفي مقدمته الاتفاق على أول موازنة وطنية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً. وفي أحدث موقف أميركي، أكد المستشار الرئاسي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس استمرار دعم واشنطن للاتفاق، معتبراً أن توحيد الموازنة يعزز قدرة مصرف ليبيا المركزي على حماية الاستقرار المالي والقوة الشرائية. كما جدد التزام بلاده بدعم توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

لكن أهمية التحرك الأميركي لا تكمن في الموازنة وحدها. فواشنطن تحاول، وفق تصريحات بولس، البناء على سلسلة من الخطوات التي بدأت منذ العام الماضي، بينها الموازنة الموحدة ومشاركة قوات من الشرق والغرب في تدريبات «فلينتلوك 26» التي أشرف عليها الجيش الأميركي. كما تؤكد واشنطن أن مبادرتها قصيرة المدى مكملة لخريطة الطريق الأممية التي تقودها المبعوثة الأممية هانا تيتيه، وليست بديلاً عنها.

المشكلة أن توحيد الإنفاق أسهل بكثير من توحيد السلطة. فليبيا لا تزال عملياً موزعة بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والسلطات المتمركزة في الشرق والمدعومة من مجلس النواب والقائد العسكري خليفة حفتر. وما زال الخلاف الأساسي يدور حول شكل السلطة الانتقالية التي ستقود البلاد إلى الانتخابات، ومن يملك حق إدارة المرحلة التي تسبق الاقتراع.

وهنا تظهر أهمية التحرك السياسي الأخير للجنة «4+4». فقد توصل ممثلو مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى مسودة اتفاق أولية تتعلق بالقوانين الانتخابية وإعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة اعتبرتها واشنطن تقدماً مهماً نحو مسار انتخابي قابل للتنفيذ.

لكن الاتفاق لم يتحول بعد إلى تسوية نهائية. فهناك اعتراضات داخل المؤسسات الليبية نفسها على مدى تمثيل اللجنة للأطراف السياسية، كما أن المسودة لا تحسم بالكامل السؤال الأكثر حساسية: من يدير ليبيا في الفترة الانتقالية إلى حين إجراء الانتخابات؟ وهذا تحديداً هو أحد أسباب تعثر الاستحقاق الانتخابي منذ تأجيل انتخابات ديسمبر 2021.

في موازاة واشنطن والأمم المتحدة، تتحرك تركيا باتجاه صيغة تقوم على الحفاظ على ليبيا موحدة، مع توسيع قنوات التواصل مع الشرق وعدم الاكتفاء بعلاقتها التاريخية بحكومة طرابلس.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن أنقرة كانت طرفاً مباشراً في الصراع الليبي خلال السنوات الماضية، بعدما دعمت حكومة طرابلس عسكرياً. لكن التحولات الأخيرة دفعتها إلى التواصل مع معسكر الشرق أيضاً، في محاولة للتعامل مع ليبيا باعتبارها دولة واحدة لا ساحة نفوذ مقسمة.

وقد التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مسؤولين في طرابلس وبنغازي، كما عقد لقاء مع صدام حفتر في أنقرة، في مؤشر على أن السياسة التركية تتجه نحو توسيع هامشها مع مختلف مراكز القوة الليبية. وفي الوقت نفسه، تتحرك مصر وقطر ودول أوروبية في اتجاه دعم المسار الأممي والتسوية السياسية.

وهذا التقاطع بين واشنطن وأنقرة والقاهرة والأمم المتحدة لا يعني بالضرورة وجود اتفاق كامل على تفاصيل التسوية، لكنه يعكس تحولاً مهماً: لم تعد الأولوية الدولية مجرد منع عودة الحرب، بل محاولة إنتاج صيغة أكثر استقراراً لإدارة الدولة.

وراء هذا التحرك السياسي يوجد عامل اقتصادي شديد الأهمية: النفط.

فليبيا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، لكن الانقسام السياسي والأمني حرم البلاد من استثمار كامل إمكاناتها. وتسعى المؤسسة الوطنية للنفط حالياً إلى جذب استثمارات تصل إلى نحو 40 مليار دولار بهدف رفع الإنتاج من قرابة 1.4 مليون برميل يومياً إلى مليوني برميل بحلول 2030.

وهنا يمكن فهم أحد دوافع الضغط الأميركي والدولي باتجاه توحيد المؤسسات. فاستقرار ليبيا لا يعني فقط إنهاء الانقسام السياسي، وإنما فتح الباب أمام استثمارات ضخمة في النفط والغاز والبنية التحتية، وضمان أن تكون عائدات الطاقة تحت إدارة مؤسسات وطنية أكثر توحيداً وشفافية.

وقد ربطت واشنطن بالفعل بين تنفيذ الموازنة الموحدة والاستقرار المالي وزيادة إنتاج الطاقة والاستثمار الدولي، مع التأكيد على أهمية المؤسسات السيادية، وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.

لكن النفط نفسه قد يتحول إلى عقبة إذا بقيت مسألة توزيع عائداته جزءاً من الصراع على السلطة. ولذلك فإن أي صفقة سياسية لن تكون مكتملة من دون اتفاق واضح على إدارة الإيرادات، والإنفاق، والرقابة، وآليات توزيع الموارد بين المناطق.

إذا كان الاقتصاد يمكن أن يشكل مدخلاً للتقارب، فإن الأمن يبقى الاختبار الأكثر صعوبة.

فلا يزال المشهد الليبي محكوماً بتعدد القوى المسلحة، فيما كشفت الهجمات الأخيرة على منشآت الطاقة والاضطرابات الأمنية عن هشاشة الترتيبات القائمة. وحذرت الأمم المتحدة من أن الانقسام المؤسساتي، وضعف التنسيق، واستمرار الضغط على الخدمات العامة كلها عوامل تهدد الاستقرار.

في المقابل، بدأت تظهر خطوات ذات دلالة، بينها اتفاق قيادات عسكرية من الشرق والغرب على إنشاء مركز عمليات مشترك في سرت، ومركز للتدريب الجوي في مصراتة، وقيادة مشتركة مدمجة. وإذا تحولت هذه التفاهمات إلى مؤسسات فعلية، فقد تكون مقدمة لمسار أوسع لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية.

لكن دمج القوى العسكرية يظل أكثر تعقيداً من مجرد إنشاء غرف عمليات مشتركة؛ لأن الأمر يتعلق بموازين القوة، وسلاسل القيادة، ومصالح مجموعات مسلحة، وموقع قوات حفتر، ومستقبل الترتيبات الأمنية في طرابلس والشرق والجنوب.

المؤشرات الحالية توحي بأن هناك فرصة حقيقية، لكنها لا تكفي بعد للحديث عن تسوية ناضجة.

فالولايات المتحدة تمتلك نفوذاً متزايداً، والأمم المتحدة توفر الإطار السياسي، وتركيا تتحرك بين الشرق والغرب، ومصر منخرطة في الاتصالات، فيما أصبح توحيد الموازنة سابقة يمكن البناء عليها. كما أن المصالح الاقتصادية الدولية تدفع باتجاه بيئة أكثر استقراراً تسمح باستثمار الثروة النفطية الليبية.

لكن العقبة الأساسية تبقى داخل ليبيا نفسها. فكل طرف يريد توحيد الدولة، ولكن من موقع يضمن له أكبر قدر ممكن من النفوذ. وكل طرف يدعم الانتخابات من حيث المبدأ، لكنه يخشى أن تؤدي قواعدها أو نتائجها إلى خسارة مكتسباته الحالية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تريد الأطراف الدولية توحيد ليبيا؟ بل: هل تستطيع تحويل الضغط الدولي والتقارب الإقليمي إلى اتفاق ليبي قابل للتنفيذ؟

إذا نجحت واشنطن والأمم المتحدة وتركيا وشركاؤها في ربط الملفات الثلاثة ــ المال والأمن والانتخابات ــ ضمن مسار واحد، فقد تدخل ليبيا مرحلة مختلفة تقوم على صفقة سياسية تدريجية بدلاً من انتظار تسوية شاملة يصعب الوصول إليها دفعة واحدة.

أما إذا بقي كل ملف منفصلاً عن الآخر، فقد تتحول الموازنة الموحدة والتفاهمات الأمنية والاتفاقات الانتخابية إلى مجرد إنجازات جزئية، من دون أن تنهي الانقسام الذي أصبح جزءاً من بنية الدولة نفسها.

وبين الاحتمالين، تبدو ليبيا اليوم أمام فرصة نادرة: إما أن تتحول التفاهمات المتراكمة إلى تسوية تعيد بناء الدولة، أو أن تضيع مرة أخرى داخل حسابات النفوذ والصراع على من يحكم ليبيا قبل أن يُسأل الليبيون عبر صناديق الاقتراع عمن يريدون أن يحكمهم.

_________________

نزوح العقول الليبية، بعد 15 عاماً من سقوط طرابلس

سنية أحمد بيرزادة

يقول مهنيون غادروا بلداً يعيش حالة من الفوضى إنهم من غير المرجح أن يعودوا قريباً، في وقت قد يخطط فيه آخرون في ليبيا للمغادرة أيضاً.

سارة ميزران، مهندسة معمارية تبلغ من العمر 32 عاماً، كانت مراهقة حين سقطت طرابلس في أغسطس/آب 2011، مع اقتحام المقاتلين المعارضين للعاصمة.

كانت تلك بداية النهاية للزعيم الليبي معمر القذافي. فبعد أن حكم لمدة 42 عاماً، سرعان ما أُسر وقُتل بالقرب من سرت.

قبل ثماني سنوات، غادرت مزران المدينة متجهة إلى المملكة المتحدة.

تقول ميزران للجزيرة: “تفقد ليبيا أكثر من مجرد مهارات حين يغادرها المهنيون الشباب. إنها تفقد الإحساس بالإمكانية عندما يكبر جيل كامل وهو يشعر أنه لا بد من الرحيل لبناء مستقبل، ويؤدي ذلك إلى فقدان الأمل في البلد نفسه”.

كانت ميزران مفتونة بالفكرة المتعلقة بالهندسة المعمارية المستدامة وما يمكن أن تعنيه لليبيا، فتابعت دراسة الماجستير في الهندسة المعمارية في جنوب إنجلترا. وقد أمضت السنوات الأخيرة في دراسة مواقع في طرابلس، محاولةً استكشاف ما قد يعنيه إعادة بناء المدينة بما يتجاوز مجرد تشييد مبانٍ جديدة.

تقول: “في النهاية، وكمعمارية، أريد أن أكون جزءاً من إعادة بناء المشهد المعماري الليبي. لا أعرف بالضبط كيف سيبدو ذلك العودة حتى الآن، لكنني أعلم أن ذلك لا يزال جزءاً من المستقبل الذي أسعى إليه”.

وتضيف: “إن وجود شعور بالاستقرار في البلاد سيدفع بموجة أكبر من المغتربين الراغبين في العودة”.

كان عمرها 24 عاماً حين وصلت إلى المملكة المتحدة بمنحة دراسية لدراسة في جامعة كينت.

تقول: “كان عليّ أن أتعلم ثقافة مهنية مختلفة، وأسلوب عمل مختلف، وبطرق عديدة، أن أجد مكاني مجدداً”. وهي ليست وحدها البتة.

نادر القاضي، 36 عاماً، كان يدير شركته الإعلامية الخاصة في طرابلس عندما اندلع القتال في أواخر عام 2014 حول مطار العاصمة خلال الحرب الأهلية الليبية الثانية.

كما جاء إلى المملكة المتحدة للحصول على درجة الماجستير وكان يخطط للعودة إلى الوطن، ولكن مع تصاعد التهديدات ضد الناشطين، فضّل البقاء بدلاً من ذلك.

يقول: “انتقلت من إدارة عملي الخاص والعيش براحة في ليبيا إلى بدء حياتي من الصفر في المملكة المتحدة. كانت السنتان الأوليتان صعبتين للغاية”.

أسس القاضي مؤسسة “ليبيا في المملكة المتحدة” عام 2018، وهي مؤسسة خيرية ثقافية تهدف إلى “خلق ليبيا التي كنا نريدها بعد أن تمكنا من إنهاء الديكتاتورية”.

تنظم المجموعة فعاليات لمجتمع المغتربين في محاولة لبناء “الإحساس بذلك البلد الذي طالما تمنيناه”.

الوطن، “شيء نخلقه مراراً وتكراراً“

بعد 15 عاماً، يصف كلاهما المملكة المتحدة بأنها وطنهما، حتى مع بقاء ليبيا تجذبهما.
تقول مزران: “الوطن ليس شيئاً نجده مرة ونحتفظ به إلى الأبد. إنه شيء نخلقه مراراً وتكراراً”.

يصف القاضي نفسه بأنه “بدوي” توقف عن توقع العودة بشكل دائم، حتى مع استمرار عمل شركته الاستشارية مع عملاء ليبيين. أما إذا كان هذا تشتت المواهب قد أعاق تقدم ليبيا هو أمر قابل للنقاش.

يقول طارق المجريسي، الزميل الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن “عشرات الآلاف من الأشخاص المهرة تقنياً والكفؤين جداً” ما زالوا يعملون في الوزارات الليبية، لكنه يدعي أنهم مُمنعون من أداء مهامهم من قبل مسؤولين كبار لا يهتمون كثيراً بالحكم.

يعتقد المجريسي أن الكثير من ذلك ترسخ بعد الثورة بفترة وجيزة.

يقول المجريسي: “بعد الثورة، كانت هناك عودة جماعية لليبيين من جميع أنحاء العالم. كثير من المهنيين الشباب المهرة، ولكن أيضاً ليبيون أكبر سناً، كانت مؤهلاتهم وخبراتهم في كثير من الأحيان مبالغاً فيها بشكل كبير، استغلوا مكانتهم لتأمين مناصب سياسية ووعدوا بقيادة البلاد نحو الديمقراطية. وبدلاً من ذلك، تصرفوا بشكل أساسي كما كانت تفعل حكومة القذافي”.

ويقول إن الفساد يطغى على بعض الوزارات في بيئة أبعدت الجيل الذي نشأ بعد عام 2011.

يقول: “المهنيون الشباب الذين حصلوا على مؤهلات واكتسبوا خبرة مبكرة في العمل في المرحلة المتأخرة من حكم القذافي في ليبيا، والتي كانت أكثر انفتاحاً قليلاً”، كانوا متحمسين حقاً لأن الثورة قد تحفز مسارهم المهني. “كل ذلك قد وُضع في مستنقع (أي ضاع وعلق)”.

ويضيف: “من المحزن جداً رؤية… أن جميع الأجيال الشابة التي لديها أي طموح في حياتها، تريد فقط مغادرة البلاد”.

لخص المجريسي حكم ليبيا باقتباسه من قصيدة جبران خليل جبران “ويل للأمة”: “ويل للبلاد التي لها حكومتان ولا أحد يهتم بالحكم”.

يقول المجريسي إن الكفاءات “ستعود في غمضة عين إذا أتيحت فرصة حقيقية وصالحة وذات مصداقية”.

توبي تشيتاي، وهو مسؤول في شركة استشارية بريطانية للمخاطر، أكثر تشككاً في أن نزوح العقول يلحق ضرراً كبيراً.

في مقابل الانقسام بين شرق ليبيا وغربها، وتقلبات عائدات النفط، والفساد المستشري، يرى أن تأثير ذلك على الحوكمة أو ثقة المستثمرين “ضئيل نسبياً”، لكنه يعترف بأنه لا يزال “من السابق لأوانه بشكل كبير قول أي شيء حاسم بشأن احتمال الانخراط الجاد مع البلاد”.

_________________

الجنوب الليبي: ساحة نفوذ دولي وورقة تفاوض

صلاح الهوني

الصراع على الجنوب قد يكون في السنوات المقبلة أكثر أهمية من الصراع على بعض المدن الساحلية.

لسنوات طويلة ظل الجنوب الليبي خارج اهتمام الدولة أكثر مما يقع في قلبها. مساحة صحراوية شاسعة، مدن متباعدة، حدود طويلة مع تشاد والنيجر والجزائر والسودان، وكثافة سكانية محدودة جعلت فزان في المخيال السياسي الليبي أقرب إلى الأطراف منها إلى المركز. لكن ما يحدث اليوم يقول العكس تمامًا.

الجنوب لم يعد هامشًا في الجغرافيا السياسية الليبية، بل أصبح واحدًا من أكثر المواقع حساسية في الصراع على ليبيا، وربما في التنافس الأوسع على شمال أفريقيا والساحل.

التطورات الأخيرة تقدم دليلًا واضحًا على ذلك. فبحسب تحليل استخباراتي مفتوح المصدر نشره مشروع “تيرلاين” التابع لجامعة تكساس، جرى رصد أعمال تطوير في عدد من القواعد الجوية الليبية التي توجد فيها عناصر مرتبطة بـ”فيلق أفريقيا” الروسي، بينها تمرهند وبراك الشاطئ والسارة والجفرة.

وخلص التحليل إلى أن تطوير البنية التحتية في هذه القواعد يرجح أن يخدم تثبيت الوجود العسكري الروسي في شمال أفريقيا والساحل.

الأكثر دلالة أن تقارير لاحقة تحدثت عن إعادة تموضع بعض الأصول العسكرية الروسية من منطقة سرت باتجاه الجنوب، خصوصًا الجفرة وبراك الشاطئ. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المسألة تتجاوز مجرد تحريك قوات داخل الجغرافيا الليبية.

إنها تشير إلى أن الجنوب أصبح بالنسبة إلى موسكو جزءًا من شبكة أوسع تمتد من المتوسط إلى الساحل، وتمنح روسيا مجالًا للحركة في منطقة تشهد أصلًا تحولات أمنية عميقة. وهنا يصبح السؤال مختلفًا.

لم يعد السؤال فقط:

من يسيطر على طرابلس أو بنغازي؟ بل من يملك القدرة على التحكم في المساحات التي تربط ليبيا بجوارها الأفريقي؟

ومن يستطيع مراقبة الحدود والمسارات الصحراوية والقواعد الجوية وممرات الطاقة والهجرة؟

ومن يملك، في النهاية، ورقة الجنوب عندما تبدأ مفاوضات إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة الليبية؟

فالجنوب ليس مجرد صحراء. إنه منطقة تتقاطع فيها الحدود مع الأمن، والأمن مع الاقتصاد، والاقتصاد مع الهجرة، والهجرة مع السياسة الأوروبية، والسياسة الأوروبية مع التنافس الدولي. ومن هنا تأتي أهميته.

ليبيا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في أفريقيا، وجزء مهم من ثروتها الهيدروكربونية يوجد في مناطق الجنوب والوسط أو يرتبط بشبكات نقل تمر عبر هذه المناطق. وفي الوقت نفسه، فإن الجنوب هو بوابة ليبيا إلى الساحل، وهي منطقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أكثر مناطق العالم اضطرابًا، مع تمدد الجماعات المسلحة، وتراجع النفوذ الغربي التقليدي، وتصاعد الحضور الروسي، وانهيار أو ضعف بعض ترتيبات الأمن الإقليمي.

وهذا يجعل فزان بالنسبة إلى القوى الخارجية أكثر من منطقة ليبية نائية. إنها منصة.

  • روسيا تنظر إلى ليبيا ضمن حسابات أوسع تتصل بالمتوسط والساحل.
  • والولايات المتحدة تنظر إلى ليبيا من زاوية مكافحة الإرهاب ومراقبة التحركات الروسية وتعزيز الشراكات الأمنية.
  • وإيطاليا تنظر إليها من خلال الطاقة والهجرة وأمن المتوسط.
  • وتركيا بنت خلال السنوات الماضية حضورًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا قويًا في غرب ليبيا،
  • فيما حافظت دول إقليمية أخرى على علاقات مختلفة مع القوى الموجودة في الشرق.

ولذلك فإن الجنوب أصبح نقطة التقاء لهذه المصالح، حتى عندما لا تتطابق أهداف أصحابها.

المفارقة أن كل طرف يدخل ليبيا تقريبًا بلغة مختلفة. هناك من يتحدث عن مكافحة الإرهاب، ومن يتحدث عن حماية الحدود، ومن يتحدث عن مكافحة الهجرة غير النظامية، ومن يتحدث عن حماية الاستثمارات والطاقة، ومن يرفع شعار دعم الاستقرار. لكن النتيجة العملية قد تكون واحدة إذا لم تكن هناك دولة ليبية قادرة على إدارة هذه المصالح: يصبح الجنوب مساحة مفتوحة للتنافس.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالتدخل الخارجي لا يبدأ دائمًا بإنزال جنود أو إنشاء قاعدة معلنة. يمكن أن يبدأ بالمعلومات الاستخباراتية، ثم التدريب، ثم السلاح، ثم المستشارين، ثم الشراكات الأمنية، ثم يصبح وجود القوة الخارجية جزءًا من المعادلة المحلية.

وعندما يصبح لكل طرف ليبي تقريبًا شريك خارجي يحميه أو يدعمه، يتحول الدعم الخارجي من عامل مؤقت إلى جزء من بنية الصراع.

وهذا ما يجعل الحديث عن “السيادة الليبية” أكثر تعقيدًا من مجرد الدعوة إلى خروج القوات الأجنبية.

فالسيادة لا تتجسد بالتصريحات وحدها. إنها تحتاج إلى مؤسسة عسكرية واحدة، وجهاز أمني واحد، وإدارة موحدة للحدود، وقرار مركزي في السياسة الخارجية، ونظام مالي لا تستطيع الجماعات المحلية أو القوى الخارجية اختراقه عبر شبكات المصالح.

وقد أدركت الأمم المتحدة نفسها أن الجنوب لا يمكن أن يبقى خارج عملية بناء الدولة. ففي شباط/فبراير 2026، ناقشت مسارات الحوار الأمني الليبي ضرورة دمج الجنوب في الآليات الوطنية وتحسين أمن الحدود وانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة عندما تسمح الظروف، باعتبار ذلك جزءًا من بناء السلام المستدام.

لكن المشكلة أن الجنوب ليس فراغًا يمكن للدولة أن تستعيده بقرار إداري.

هناك مجتمعات محلية وقبائل وتوازنات تاريخية ومصالح اقتصادية وشبكات تهريب وقوى مسلحة. وفي فبراير ومارس 2026، ظهرت بوضوح توترات حول السيطرة على طرق الصحراء ونقاط التفتيش وموارد الاقتصاد غير الرسمي، فيما أعادت القيادة العسكرية في الشرق تنظيم قواتها في المنطقة الجنوبية.

ثم جاءت تطورات أكثر إثارة للقلق في يوليو، عندما تعرضت قاعدة قرب العوينات، في الجنوب الغربي على مقربة من حدود النيجر وتشاد، لهجوم من مجموعة مسلحة جديدة عرفت باسم “غرفة عمليات تحرير الجنوب”.

وقد كشفت التطورات هشاشة السيطرة على بعض المناطق الحدودية، وأهمية هذه المناطق بالنسبة إلى شبكات تهريب الوقود والسلاح والمخدرات.

وهذا هو الوجه الآخر للمشكلة.

عندما تضعف الدولة، لا يأتي الخارج وحده لملء الفراغ. تظهر أيضًا قوى محلية قادرة على التفاوض مع الخارج، أو استخدامه، أو التحرك في المساحة التي تركتها الدولة. وهكذا تصبح الحدود سلعة، والسلاح مصدر نفوذ، والتهريب اقتصادًا، والولاء السياسي قابلًا للتفاوض.

حتى الهجرة، التي تبدو في الخطاب الأوروبي قضية أمنية بامتياز، تكشف حجم هذا التعقيد. فبيانات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2026 تظهر أن الجنوب لا يزال جزءًا مهمًا من مسارات الحركة عبر الحدود، فيما تأتي أعداد كبيرة من المهاجرين من السودان والنيجر وتشاد ومصر.

لكن اختزال الجنوب في الهجرة سيكون خطأ استراتيجيًا.

فالجنوب أكبر من ملف الهجرة، كما أن فزان أكبر من كونها منطقة أمنية. هناك النفط، والمعادن، والمياه، والطرق العابرة للصحراء، والمطارات، والحدود، والمجتمعات المحلية، والموقع الذي يجعل ليبيا متصلة مباشرة بأزمات الساحل.

ولهذا فإن الصراع على الجنوب قد يكون في السنوات المقبلة أكثر أهمية من الصراع على بعض المدن الساحلية.

ولعل المفارقة الأكبر أن القوى الدولية نفسها تقول إنها تريد ليبيا موحدة. الولايات المتحدة، مثلًا، شاركت في تمرين فلنتلوك 2026 الذي استضافته سرت، بمشاركة ليبيا وإيطاليا وأكثر من ثلاثين دولة، وقدمت المناورات بوصفها دعمًا لبناء قدرات عسكرية ليبية موحدة وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب.

لكن السؤال الذي يجب أن تطرحه ليبيا على جميع شركائها هو: هل يساعد وجودكم على بناء مؤسسة ليبية، أم يصبح بديلًا عنها؟

ليس المطلوب من ليبيا أن تطرد العالم. ذلك غير واقعي وغير ضروري. ليبيا تحتاج إلى التعاون مع أوروبا وأميركا وتركيا ودول الجوار، وتحتاج إلى الاستثمار والخبرة والتدريب والتكنولوجيا. لكن الفرق كبير بين التعاون الدولي والاعتماد على الخارج في إدارة الدولة.

التعاون يبني قدرة الدولة. أما الاعتماد فيبني وكلاء داخلها. والجنوب يمكن أن يكون الاختبار الأكبر لهذا الفرق.

فبدل أن يكون فزان منطقة تتنافس عليها القوى الخارجية، يمكن أن يتحول إلى منطقة تعاون إقليمي حقيقية. يمكن بناء منظومة مشتركة لحماية الحدود، ولكن تحت قيادة ليبية. ويمكن تطوير البنية التحتية والمطارات والطرق، ولكن ضمن خطة وطنية.

ويمكن مكافحة الهجرة والتهريب، ولكن بالتوازي مع خلق اقتصاد قانوني يوفر لسكان الجنوب بدائل عن الاقتصاد الموازي. ويمكن استثمار الموارد، ولكن بطريقة تجعل السكان المحليين شركاء في التنمية لا مجرد حراس لمنشآت النفط والحدود.

المعادلة ليست مستحيلة. لكنها تحتاج إلى شيء واحد قبل كل شيء: أن يصبح الجنوب جزءًا من الدولة، لا ورقة تستخدمها الدولة أو القوى المتنافسة داخلها.

الجنوب ليس ورقة ضغط في يد الخارج، ولا جائزة للقوى المحلية، ولا منطقة عازلة بين ليبيا والساحل. إنه جزء من ليبيا، وربما الجزء الذي سيحدد أكثر من غيره ما إذا كانت ليبيا قادرة على استعادة سيادتها الفعلية.

________________




النخب الليبية والوساطة الدولية… اجتماعات كثيرة وإصلاحات غائبة

العرب

مسارات دولية متوازية.. لكن الانقسام الليبي يزداد تعقيداً

على مدى أكثر من عقد، لم تتوقف الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الانقسام السياسي في ليبيا، كما لم تتوقف اللقاءات والاجتماعات التي تجمع ممثلي المعسكرين المتنافسين في الشرق والغرب مع مسؤولين دوليين وإقليميين. غير أن كثافة الحراك الدبلوماسي لم تنعكس، حتى الآن، في صورة إصلاحات مؤسسية وسياسية ملموسة يشعر بها الليبيون في حياتهم اليومية، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة بشأن جدوى مسارات الوساطة الدولية، وما إذا كانت تخدم فعلاً هدف بناء الدولة أم تمنح النخب المتنافسة مزيداً من الوقت لإعادة ترتيب مواقعها ومصالحها.

وتتزامن هذه التساؤلات مع تحرك مسارين دوليين متوازيين في ليبيا؛ أولهما خارطة الطريق التي طرحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والثاني المبادرة الأميركية التي طرحها مسعد بولس، مستشار الشؤون العربية للرئيس الأميركي.

وبينما يعلن المساران أن هدفهما يتمثل في إنهاء المرحلة الانتقالية، وتوحيد المؤسسات، والوصول إلى انتخابات وطنية، وتعزيز الاستقرار، فإن الفجوة بين الخطاب الدولي والواقع السياسي الليبي لا تزال واسعة.

وتعود جذور المشكلة إلى طبيعة المشهد السياسي نفسه، حيث لم تنجح النخب الليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 في بناء مؤسسات مستقرة قادرة على تجاوز الحسابات الشخصية والمناطقية ومصالح شبكات النفوذ.

وعلى الرغم من تعاقب الحكومات والبرلمانات والمبادرات الانتخابية، بقيت ليبيا عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة، تتنافس فيها مراكز السلطة على الشرعية والموارد والنفوذ.

وتحاول خارطة الطريق الأممية، التي أُعلنت في أغسطس 2025، كسر هذه الحلقة من خلال ثلاثة مسارات رئيسية، تتعلق بوضع إطار انتخابي قابل للتطبيق، وتشكيل حكومة انتقالية موحدة ذات ولاية محددة، وإطلاق حوار سياسي موسع يشارك فيه الفاعلون السياسيون والمجتمع المدني والنساء والشباب ومختلف الأطراف الليبية.

لكن تطبيق هذه الرؤية اصطدم سريعاً بتضارب المصالح بين القوى السياسية، وبضعف قدرة البعثة الأممية على فرض مسار ملزم على الأطراف المتنافسة.

ومع تعثر خطوات تشكيل حكومة موحدة ووضع إطار انتخابي متفق عليه، انتقلت الجهود بصورة أكبر نحو الحوار المنظم، في محاولة لتجاوز الانسداد السياسي.

ولا تكمن المشكلة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الليبيين، فقط في طبيعة المقترحات المطروحة، وإنما في غياب النتائج. فالحوارات والمؤتمرات واللقاءات الدولية باتت مشهداً مألوفاً، لكن المواطن الليبي لا يرى بالقدر نفسه تقدماً في توحيد المؤسسات، أو تحسين الخدمات، أو تعزيز الشفافية، أو إنهاء الانقسام بين المؤسسات السياسية والعسكرية، أو تحديد موعد واضح لانتخابات تنهي المرحلة الانتقالية.

وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات المشهد الليبي: كلما تعثرت العملية السياسية، ازداد حضور النخب الليبية في الاجتماعات الدولية، وكأن المشاركة في اللقاءات الخارجية أصبحت بديلاً عن اتخاذ القرارات الصعبة داخل البلاد.

وخلال عام 2026، كثفت شخصيات بارزة من شرق ليبيا وغربها زياراتها إلى عواصم إقليمية ودولية، وحرصت على إبراز لقاءاتها مع مسؤولين كبار باعتبارها مؤشراً على تنامي الاعتراف الدولي بها. لكن هذه اللقاءات، على كثرتها، لم تنتج حتى الآن تسوية سياسية شاملة، ولم تدفع الأطراف المتنافسة إلى تقديم تنازلات جوهرية بشأن القضايا التي تعرقل توحيد الدولة.

وتتحول الدبلوماسية الخارجية، في هذا السياق، إلى جزء من المنافسة الداخلية. فاللقاء الذي يعقده مسؤول ليبي مع شخصية أميركية أو أوروبية بارزة يمكن أن يستخدم داخلياً باعتباره دليلاً على قوة نفوذه، في حين تنظر إليه الأطراف المنافسة باعتباره محاولة للحصول على دعم خارجي.

وهكذا يصبح التواصل الدولي أداة في الصراع السياسي بدلاً من أن يكون وسيلة لإنهائه.

وتكشف التحركات الأخيرة المرتبطة بالمبادرة الأميركية هذه المعضلة بوضوح. فقد حظيت مبادرة بولس باهتمام واسع من بعض القوى الليبية، باعتبار أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات نفوذ مؤثرة في الملف الليبي. إلا أن المبادرة تواجه في الوقت نفسه أسئلة حول مدى قدرتها على تحقيق توافق داخلي، خصوصاً أنها لا تتمتع بالتفويض الدولي الذي تستند إليه بعثة الأمم المتحدة.

كما أن توازي المسارين الأممي والأميركي يطرح سؤالاً آخر حول طبيعة العلاقة بينهما. فإذا كان الهدف هو استكمال جهود الأمم المتحدة، فإن المطلوب هو تنسيق واضح يمنع تضارب المسارات.

وأما إذا تحول الأمر إلى منافسة على النفوذ والوساطة، فقد تجد ليبيا نفسها أمام مبادرتين دوليتين، بينما يبقى جوهر الأزمة دون حل.

لكن الأزمة الأعمق تظل داخل ليبيا نفسها. فالنخب السياسية التي تشارك في هذه المسارات ليست بالضرورة مستعدة للتخلي عن الامتيازات التي يوفرها استمرار الوضع الانتقالي. فالانتخابات، رغم كونها المخرج المعلن من الأزمة، تعني بالنسبة إلى كثير من مراكز النفوذ احتمال فقدان مواقع سياسية واقتصادية وأمنية تراكمت خلال سنوات الانقسام.

ولهذا، فإن الحديث عن الانتخابات لا يمكن فصله عن سؤال أكثر حساسية يتعلق بقواعد اللعبة السياسية والاقتصادية التي ستنشأ بعدها. من سيسيطر على المؤسسات السيادية؟ كيف سيتم توزيع عائدات النفط؟ ما مصير الترتيبات الأمنية القائمة؟ وكيف ستُدمج القوى المسلحة؟ ومن يملك حق إدارة الموارد العامة؟ هذه الأسئلة هي جوهر الأزمة، وهي أيضاً من أكثر الملفات التي يصعب على النخب المتنافسة تقديم تنازلات بشأنها.

وتزداد حساسية المسألة مع استمرار النفط في احتلال موقع مركزي في الاقتصاد والسياسة الليبيين. فبدلاً من أن يكون النفط قاعدة لتمويل بناء مؤسسات الدولة، أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من معادلة النفوذ بين القوى المتنافسة، بينما تستقطب مشاريع الطاقة والاستثمار اهتماماً دولياً متزايداً.

وتثير الاتفاقات الاقتصادية والاستثمارية التي أُبرمت مع شركات دولية، ولا سيما في قطاعي النفط والطيران، تساؤلات لدى الليبيين بشأن الأولويات. فبينما تحتاج ليبيا بالفعل إلى استثمارات أجنبية وإعادة بناء قطاعاتها الاقتصادية، يخشى كثيرون من أن تتحول الصفقات الاقتصادية إلى وسيلة لتعزيز شرعية النخب القائمة قبل أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية تمنح هذه الشرعية أساساً شعبياً ومؤسسياً.

ومن هنا، فإن المشكلة ليست في الاستثمارات الأجنبية بحد ذاتها، بل في البيئة السياسية التي تجري فيها. فالاستثمار المستدام يحتاج إلى مؤسسات موحدة وقواعد قانونية واضحة وشفافية ومساءلة، وهي أمور لا تزال تعاني من الانقسام وضعف المؤسسات.

وفي الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل أن المجتمع الدولي نفسه يتحمل جزءاً من مسؤولية استمرار هذا الوضع. فقد تعاملت قوى دولية عديدة مع النخب الليبية باعتبارها بوابات لا غنى عنها للتعامل مع البلاد، ما منح هذه النخب قدرة إضافية على إعادة إنتاج نفوذها.

وكلما احتاج الخارج إلى وسيط محلي لتنفيذ ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو أمنية، حصلت القوى القائمة على مزيد من الأهمية، حتى وإن كانت عاجزة عن تقديم حلول للأزمة الداخلية.

ويؤدي ذلك إلى ما يمكن وصفه بـ”الأكسجين السياسي”؛ أي استمرار الاعتراف والتواصل الدولي مع شخصيات ومؤسسات لم تنجح في إنهاء الانقسام، ما يخفف الضغوط عليها ويمنحها فرصة إضافية للبقاء.

وفي المقابل، يتراجع شعور المواطن الليبي بأن العملية السياسية صُممت لخدمته، خصوصاً عندما يرى أن النخب تعود من الخارج محملة بصور اللقاءات والوعود، بينما تبقى المشكلات الأساسية على حالها.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه الفجوة إلى أزمة ثقة. فالليبيون لا يحتاجون إلى مزيد من الصور من قاعات المؤتمرات بقدر حاجتهم إلى مؤسسات تعمل، وقضاء مستقل، وإدارة موحدة، وانتخابات ذات مصداقية، واقتصاد أكثر شفافية، وترتيبات أمنية تنهي حالة تعدد مراكز القوة.

وهذا لا يعني أن الوساطة الدولية غير ضرورية. على العكس، تظل المشاركة الدولية مهمة في ظل عمق الانقسام الليبي وتشابك المصالح الإقليمية والدولية. لكن نجاحها يتوقف على قدرتها على الانتقال من إدارة الحوار إلى فرض معايير واضحة للنتائج، ومن رعاية الاجتماعات إلى ربط الدعم والاعتراف الدولي بإحراز تقدم حقيقي في الإصلاحات.

كما أن أي مسار سياسي مستدام يحتاج إلى إشراك المجتمع الليبي بصورة تتجاوز النخب التقليدية. فالمجتمع المدني والشباب والنساء والفعاليات المحلية يجب ألا يكونوا مجرد أطراف رمزية في الحوارات، بل شركاء في تحديد شكل الدولة وقواعد الحكم والرقابة على المؤسسات.

وفي النهاية، تكشف التجربة الليبية أن كثرة المبادرات لا تعني بالضرورة الاقتراب من الحل. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية عشرات الاجتماعات والمؤتمرات والاتفاقات، لكن جوهر المشكلة ظل قائماً: مؤسسات منقسمة، حكومات متنافسة، ترتيبات أمنية هشة، وطبقة سياسية تتمتع بقدرة كبيرة على الوصول إلى العواصم الدولية دون أن تقدم في المقابل ما يكفي من الإصلاحات.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام خارطة الطريق الأممية ومبادرة بولس لا يتمثل في تنظيم اجتماع جديد، بل في تحويل الاجتماعات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وتحويل الوعود إلى مؤسسات، وربط الاعتراف الدولي بالمساءلة والإصلاح.

وبدون ذلك، ستبقى ليبيا عالقة في الحلقة نفسها: النخب تتفاوض، والوسطاء يتغيرون، والعواصم الدولية تستضيف المزيد من اللقاءات، بينما يظل المواطن الليبي ينتظر الدولة التي وُعد بها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.

___________________

تحوّل نفطي لترامب لمواجهة حرب إيران يتعرض للنيران في ليبيا

جاك ويرتشافتَر

هجمات بطائرات مسيّرة واغتيال واستقالة محافظ المصرف المركزي تختبر خطة واشنطن لفتح إمدادات النفط الليبية

ما الذي ينبغي معرفته؟

  • تواجه المبادرة النفطية لإدارة ترامب في ليبيا تحديات كبيرة.
  • استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة مؤخرًا البنية التحتية للطاقة في ليبيا وسط الصراع المستمر.
  • أدى انفجار في مجمع الزاوية النفطي إلى انقطاع الكهرباء عن عدة مدن ليبية.

***

تواجه مساعي إدارة ترامب لفتح قطاع النفط الليبي بوصفه بديلًا لإمدادات الخليج خلال الحرب مع إيران خطر التعثر، بعد اغتيال، وتحرك محافظ المصرف المركزي نحو الاستقالة، وأسبوع من هجمات الطائرات المسيّرة والانفجارات التي استمرت حتى يوم الأحد.

وأدى انفجار وقع خلال عطلة نهاية الأسبوع في محطة فرعية للكهرباء داخل مجمع الزاوية النفطي إلى انقطاع التيار الكهربائي عن طرابلس والزاوية وصبراتة وصرمان وغريان، وفقًا للشركة العامة للكهرباء في ليبيا. وكان المسؤولون يحققون فيما إذا كان الحادث مرتبطًا بسلسلة من هجمات الطائرات المسيّرة المسلحة.

واستهدفت هجمات الطائرات المسيّرة خلال الأيام الأخيرة منشآت للبنية التحتية للطاقة في غرب ليبيا، الذي تسيطر عليه الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس. أما النصف الشرقي من البلاد فتسيطر عليه قوات المشير خليفة حفتر، الذي يتخذ من بنغازي مقرًا له.

وتعرضت محطة الكهرباء نفسها التي استُهدفت يوم الأحد لهجوم قبل أربعة أيام بواسطة طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء ودفع الشركة العامة للكهرباء إلى تعليق أعمالها وسحب فرقها الفنية من المحطة القريبة التي تعوّل عليها شركتا شيفرون وإكسون موبيل مع دخولهما السوق الليبية.

وخلال الأسبوع الماضي، استهدفت ما لا يقل عن ست هجمات بطائرات مسيّرة مصفاةً ومصنعًا للكهرباء ومحطات فرعية وخزانات تخزين بالقرب من مدينة الزاوية الساحلية، التي تقع على بعد نحو 30 ميلًا غرب طرابلس. وجاءت هذه الهجمات عقب تفجير سيارة في بنغازي في 10 أغسطس/آب، أدى إلى مقتل أحد كبار ضباط الاستخبارات التابعين للمشير حفتر. وفي اليوم السابق، قدم محافظ مصرف ليبيا المركزي، الذي يتعامل مع قادة طرفي الدولة المنقسمة، خطاب استقالته، لكن بنغازي وطرابلس رفضتا الاستقالة.

وخلال أقل من أسبوعين، تعرضت البنية التحتية للطاقة في ليبيا، والمنظومة الأمنية، والمؤسسة الاقتصادية الرئيسية التي تربط شرق البلاد بغربها، لضغوط متزامنة. وهذه هي الركائز الثلاث نفسها التي حددها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترامب للشؤون العربية والأفريقية، في واشنطن في أبريل/نيسان، باعتبارها أساسًا لإعادة توحيد ليبيا وفتح المزيد من نفطها أمام الشركات الأمريكية. وأدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى خنق طريق بحري يمر عبره عادةً نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وتُعد ليبيا جزءًا من رد واشنطن على طهران.

وقال بولس في أبريل/نيسان إن ليبيا ستصل إلى إنتاج قدره 1.6 مليون برميل نفط يوميًا على المدى القصير، وإلى ما بين مليوني وثلاثة ملايين برميل يوميًا بحلول نهاية العقد. وكانت عودة شيفرون إلى ليبيا أكبر تحرك أمريكي في قطاع النفط الليبي منذ عقود. فقد فازت الشركة في وقت سابق من هذا العام بعقد في حوض سرت، تلاه توقيع إكسون موبيل اتفاقية تغطي أربع رقع بحرية. وتملك ليبيا 41% من احتياطيات النفط المؤكدة في أفريقيا، وهي النسبة الأكبر بين دول القارة.

وضخت ليبيا 1.44 مليون برميل يوميًا في يونيو/حزيران، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2013، لكنه لا يزال أقل من مستوى 1.6 مليون برميل يوميًا الذي كانت تنتجه قبل انتفاضة عام 2011 التي أدت في نهاية المطاف إلى انقسام البلاد. وتعالج مصفاة الزاوية، القريبة من طرابلس، نحو 120 ألف برميل يوميًا، تصل إليها من حقل الشرارة عبر مسافة تقارب 450 ميلًا. ويُشغّل الحقل تحالف يضم شركة ريبسول الإسبانية، وتوتال إنرجيز الفرنسية، وOMV النمساوية، وإكوينور النرويجية، والمؤسسة الوطنية للنفط الليبية.

لكن حالة عدم الاستقرار في ليبيا تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة الأوسع، وفقًا لفولفغانغ بوسْتاي، المحلل الأمني النمساوي الذي عمل ملحقًا دفاعيًا في ليبيا ويرأس المجلس الاستشاري للمجلس الوطني للعلاقات الأمريكية-الليبية. وقال بوسْتاي لصحيفة واشنطن تايمز إن أهداف واشنطن تتمثل في تحقيق الاستقرار في البلاد، ومواجهة الوجود العسكري الروسي في أفريقيا، وزيادة إنتاج ليبيا من النفط، والسيطرة على الهجرة إلى أوروبا، ومواجهة النفوذ الصيني في المعادن الموجودة جنوب ليبيا. وأضاف: «مبادرة بولس هي في الأساس فرصة لمواصلة تعزيز المصالح الأمريكية انطلاقًا من الوضع القائم حاليًا». وأدان بولس هجمات المصفاة والاغتيال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء، داعيًا إلى إجراء تحقيقات وحاثًا الأطراف الليبية على «مضاعفة جهودها للتغلب على الانقسامات».

وقال هاني العاصر، المدير التنفيذي للمركز القومي للدراسات في مصر: «لا يمكننا التعامل مع الأحداث الثلاثة باعتبارها ثلاث حوادث منفصلة، كما لا يمكننا القفز إلى استنتاج مفاده أن مؤامرة واحدة تقف وراءها جميعًا». وأضاف أن المهم هو أن مؤسسات ليبيا الأمنية والطاقة والاقتصاد تعرضت للضغط في الوقت نفسه الذي كانت فيه واشنطن تحاول ربط هذه المؤسسات ببعضها البعض. وقال عمر ختالي، وهو مستشار ليبي-أمريكي كان يدير سابقًا صندوق العقارات التابع لصندوق الثروة السيادي الليبي وزار طرابلس في أواخر يوليو/تموز: «من حيث منفذي الهجمات، فإن الضربات الثلاث غير مرتبطة ببعضها. لكنها مرتبطة من خلال البنية الضعيفة للدولة الليبية في الوقت الحالي. الأمر كله يتعلق بالمال والنفوذ والسيطرة».

بلد منقسم

تنقسم ليبيا منذ عام 2014. ويتولى رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة إدارة الغرب، من خلال حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. أما المشير حفتر، البالغ من العمر 82 عامًا، والذي يحمل الجنسيتين الليبية والأمريكية وعاش عقدين من الزمن في ولاية فرجينيا، فيقود الشرق وجزءًا كبيرًا من الجنوب عبر الجيش الوطني الليبي. ولم يخضع أي من الرجلين لانتخابات. وتدعم تركيا الدبيبة بقوات وطائرات مسيّرة، بينما دعمت مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا حفتر. ولا يزال فيلق أفريقيا الروسي يحتفظ بمواقع في الصحراء الشرقية، فيما تتنافس شركات صينية على امتيازات التعدين في الجنوب.

ويعود الانقسام الحالي إلى تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2011، الذي أطاح بمعمر القذافي. وكان الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما، الذي انضمت إدارته إلى فرنسا وبريطانيا في قيادة الحملة الجوية، قد وصف لاحقًا عدم التخطيط لمرحلة ما بعد القذافي في ليبيا بأنه أسوأ خطأ في سياسته الخارجية. وبعد مرور 15 عامًا، تحاول إدارة ترامب صياغة تسوية من الأجزاء التي خلفها ذلك التدخل.

ويقضي الترتيب قيد النقاش بالإبقاء على نفوذ الدبيبة في طرابلس من خلال منح ابن شقيقه دورًا محوريًا، بالتزامن مع رفع نجل حفتر، صدام حفتر، البالغ من العمر 35 عامًا، إلى قيادة مجلس تنفيذي وطني جديد. وستقدم واشنطن استثمارات أمريكية في قطاع النفط، وستضغط من أجل الإفراج عن الأصول الليبية المجمدة. أما الانتخابات فستأتي في مرحلة لاحقة، إن حدثت أصلًا. وجاء أوضح دليل على إمكانية نجاح هذا النهج في 11 أبريل/نيسان، عندما وافق المجلسان التشريعيان المتنافسان في شرق البلاد وغربها على ميزانية وطنية موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي، أي نحو 30 مليار دولار، وهي الأولى منذ عام 2013.

تحت الهجوم

بدأت الضربات على الزاوية في الساعة 3:45 صباحًا يوم 8 أغسطس/آب، عندما اخترقت طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات خزانًا لتخزين الوقود. وتوالت الهجمات يوميًا. وحذرت المؤسسة الوطنية للنفط من أنها قد توقف عمليات التكرير إذا استمرت الهجمات. وقالت حرس المنشآت النفطية إن النتائج الأولية تشير إلى استخدام طائرات مسيّرة من طراز FPV، أي الطائرات التي يتحكم فيها المشغّل عبر منظور الشخص الأول، وأنها أُطلقت من داخل ليبيا.

ويرى بعض المحللين أن الصراع الأساسي يدور بين ميليشيتين تتبعان، من الناحية الرسمية، لحكومة طرابلس: قوة الدعم الأولى التابعة لوزارة الداخلية، والكتيبة 103 المنافسة التابعة لوزارة الدفاع. ونفى محمد بحرون، قائد قوة الدعم الأولى، مسؤولية قواته عن هجمات الطائرات المسيّرة ووصفها بأنها «عمل إرهابي». أما استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، المؤرخة في 9 أغسطس/آب، فقد وُجهت إلى مجلس النواب في الشرق والمجلس الأعلى للدولة في الغرب. ورفض المجلسان قبولها، وبقي عيسى في منصبه حتى نهاية الأسبوع.

وكان عيسى أول محافظ لمصرف ليبيا المركزي يحظى بالموافقة من مختلف أطراف الانقسام السياسي، كما أن المصرف الذي يديره واحد من المؤسسات الوطنية القليلة التي يقبل بها الطرفان. ويتولى المصرف توزيع عائدات النفط بين الشرق والغرب، ويقع محافظه في قلب ترتيبات تقاسم الإيرادات التي تقوم عليها المبادرة الأمريكية. وربط محللون ليبيون محاولة عيسى الاستقالة بخلافات حول اتفاق الإنفاق الموحد الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، إضافة إلى الضغوط الناجمة عن ضعف الدينار. ولم يقل عيسى سوى إن أسباب قراره حساسة للغاية بحيث لا يمكن الكشف عنها.

وكان بولس قد خصّ عيسى بالثناء في خطابه في أبريل/نيسان، معتبرًا أنه من الجدير بالإشادة أن «ممثلين من كلا الجانبين وضعوا خلافاتهم جانبًا من أجل مصلحة البلاد، ولا سيما محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى». وقُتل اللواء فوزي المنصوري بقنبلة زُرعت في سيارته بعد أداء صلاة العشاء في منطقة الهواري بمدينة بنغازي. وكان المنصوري يتولى قيادة الاستخبارات العسكرية لقوات حفتر. وكان من المتوقع أن يرثه صدام حفتر بوصفه شخصية محورية في المنظومة الأمنية بشرق البلاد. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم. وقال بوسْتاي: «إن اختيار رئيس من الشرق ورئيس وزراء من الغرب لتشكيل حكومة موحدة هو نهج معقول. لكنني أشك في أن المرشحين المتداولين — صدام حفتر للرئاسة وعبد الحميد الدبيبة لرئاسة الوزراء — سيحظيان بقبول واسع».

التفاوض على إعادة التوحيد

قبل ستة أسابيع، التقى صدام حفتر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن لمناقشة إعادة توحيد ليبيا بقيادة ليبية. وقبل ذلك بأربعة أيام، التقى عبد السلام الزوبي، نائب وزير الدفاع في حكومة طرابلس، بولس ومسؤولين كبارًا في وزارة الخارجية الأمريكية. وقد رفضت مصراتة، أقوى مدن غرب ليبيا خارج العاصمة والقوة التي أوقفت تقدم قوات حفتر نحو طرابلس عام 2019، هذا الإطار. وقال الشيخ محمد الرجوب، رئيس مجلس أعيان وحكماء المدينة، لقناة الجزيرة العربية إن المجلس لم يتلق أي مقترح مكتوب من بولس رغم أشهر من المشاورات.

ووصل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى الساحل المصري على البحر المتوسط يوم الأربعاء، بعد زيارات إلى جانبي ليبيا. وكان قد التقى الدبيبة في طرابلس قبل ذلك بيوم، ثم توجه إلى بنغازي للقاء صدام حفتر ووالده. كما تتشاور مصر وتركيا والسعودية وباكستان ضمن ما يُعرف بـ«الرباعية الإقليمية»، التي عقد وزراء خارجيتها اجتماعًا في القاهرة في يونيو/حزيران بالتزامن مع محادثات مع بولس. وقبل أيام من زيارة فيدان إلى ليبيا، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع ثلاثية في مكة.

ويقدم كل عضو في الرباعية ما تحتاجه واشنطن. فتركيا تتمتع بتفوق عسكري في غرب ليبيا بفضل الطائرات المسيّرة والقدرات البحرية، ضمن انتشار مددت تركيا تفويضه برلمانيًا حتى أوائل عام 2028. أما مصر فتدعم أمن الشرق من خلال المنظومة التي كان اللواء المنصوري يساعد في إدارتها. وتوفر السعودية التمويل، في حين وقعت باكستان اتفاقًا للأسلحة بقيمة 4 مليارات دولار مع قوات حفتر

. ويمثل التقارب المصري-التركي النقطة المضيئة في حسابات واشنطن بشأن ليبيا. فقد أمضت القاهرة وأنقرة عام 2019 في تسليح طرفين متعارضين في الحرب الأهلية الليبية، وقطعتا العلاقات الدبلوماسية لعقد كامل. ويشير تنسيقهما بشأن إطار بولس — بما في ذلك لقاء فيدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في العلمين بعد جولته المكوكية بين طرابلس وبنغازي — إلى أن أيًا من العاصمتين لا تعتزم اتخاذ خطوات مضادة لمصالح الأخرى أو لوكلائها الليبيين. ومن دون هذا الضبط المتبادل، ستنهار المبادرة الأمريكية وتعود ليبيا إلى حرب بالوكالة.

أما الإمارات العربية المتحدة، التي دعمت حفتر لعقد من الزمن، فلم تعلق علنًا على هجمات الزاوية. وقال العاصر: «إن التوافق المصري-الأمريكي بشأن الملف الليبي ضرورة استراتيجية للجانبين». ولا تريد واشنطن أن تصبح ليبيا ساحة تنافس مع روسيا، في وقت قد ترغب فيه الولايات المتحدة في استغلال انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا. وقد فضّلت إدارة ترامب بشكل متزايد اتفاقات تقاسم السلطة المبنية على أطراف تسيطر بالفعل على أراضٍ. وقد شكلت أطر مماثلة السياسة الأمريكية في غزة وسوريا والمراحل الأولى من الدبلوماسية مع الأكراد.

وكان من المفترض أن تكون ليبيا قصة النجاح الأولى، لأن نفطها يوفر مردودًا سريعًا في اللحظة نفسها التي كانت فيها حرب إيران تغلق مصادر أخرى. وبعد أربعة أشهر من عرض بولس مساراته الثلاثة في واشنطن، أصبحت المسارات الثلاثة جميعها تحت الضغط. وقال ختالي: «على الأرض، يرى الليبيون بولس وسيطًا يسعى إلى تحقيق مكاسب مالية من عقود النفط المحتملة مستقبلًا، ويفضلون مشاركة مباشرة أكبر من وزير الخارجية الأمريكي ووزارة الخارجية».

_____________

لماذا قد يُحدث خط أنابيب النفط الليبي القادم تحولاً جيوسياسياً كبيراً


سيريل ويدرشوفن

ملخص

  • تستأنف ليبيا ومصر مشروع خط أنابيب نفط بطول 800 كيلومتر يربط طبرق بالإسكندرية، على أن تبدأ طاقته الابتدائية بـ 150–250 ألف برميل يومياً.
  • تحصل مصر بموجبه على نفط خام يتجاوز مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، بينما تحصل ليبيا على منفذ تصدير بديل.
  • قد تتراوح التكاليف بين 1.5-2 مليار دولار، مع توقّع وصول أولى شحنات النفط بحلول عام 2030 في سياق واقعي.
  • ***

دخل مشروع خط أنابيب النفط الخام المقترح بين ليبيا ومصر، وبشكل مفاجئ وسريع، مرحلة تجري فيها القاهرة وطرابلس مناقشات فعّالة بشأنه. من المتوقع أن يبلغ طول الخط 800 كيلومتر، ليربط بين طبرق في شرق ليبيا وميناء الإسكندرية المصري، مما يسمح بتدفق الخام الليبي مباشرة إلى منظومة التكرير المصرية على البحر المتوسط.

ومع تجاوز التكلفة المتوقعة مليار دولار، فإنه يمثل فرصة استراتيجية كبرى. غير أن السعة النهائية، وهيكل التمويل، وقرار الاستثمار النهائي لم تُحسم بعد.

وهذا أمر مهم، لأن المشروع لم يحظ بعد بتمويل كامل. تشير التحليلات الحالية إلى أن مصر وليبيا تتباحثان في آليات التمويل، وترتيبات التنفيذ، والطاقة الإنتاجية النهائية. بيد أن هناك عقبات كبيرة في الطريق، إذ لم يلتزم أي بنك دولي، أو صندوق سيادي، أو شركة نفط عالمية بالمشروع علناً.

ينبغي اعتبار التكاليف الحالية مجرد تقدير مبدئي، وليس تقديراً هندسياً قابلاً للتمويل المصرفي. ويُعتبر تحقيق الاستقرار الجيوسياسي أمراً حاسماً لنجاح المشروع وتخفيف المخاطر.

المشروع ليس جديداً، إذ درست كل من مصر وليبيا نفس المسار قبل أكثر من عقدين. ففي عام 2002، كانت الدولتان تُطوّران خطي أنابيب مزدوجين للنفط والغاز بين طبرق والإسكندرية، عبر الشركة العربية لخطوط البترول والغاز، وهو مشروع مشترك بنسبة 50:50 بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية والهيئة المصرية العامة للبترول/جاسكو.

وكان الطول المتوقع آنذاك 620 كم، وبطاقة ابتدائية 150 ألف برميل يومياً، ويُذكر أنه تم إجراء عمليات تمشيط للألغام على طول المسار. أما المقترح الحالي، فهو فكرة جيوسياسية جديدة تماماً، لكنها في جوهرها إحياء وتوسيع كبير لفكرة قديمة.

التقييم – أغسطس 2026البند الخاص بالخط
منطقة طبرق/الحريقة – الحدود المصرية – ممر مطروح – الإسكندريةالمسار المقترح
نحو 800 كمالطول المُبلغ عنه
أكثر من مليار دولارالتكلفة الأولية الرسمية
مليار دولار، وقد تزيد مع التخزين/الضخ/تكامل المصافيالنطاق الواقعي لتكاليف رأس المال
لم تُحدد رسمياً بعدالطاقة قيد المناقشة
مائة وخمسون ألف برميل يومياًالتصميم التاريخي
مائة وخمسون ـ مائتان ألف برميل يومياًالمرحلة الأولى – تقدير
ثلاث مائة إلى أربعة مائة ألف برميل يومياً، رهن بالإنتاج الليبيإمكانية التوسع
المؤسسة الوطنية للنفط والهيئة المصرية العامة للبترول؛ واحتمال انضمام مستثمرين في البنية التحتية أو رؤوس أموال خليجيةالمالكون/الداعمون المحتملون
التكرير المحلي، تعويض الواردات، المخزون الاستراتيجي، تصدير المنتجاتاستخدام مصر
ممر تصدير بديل وتكرير الخام الليبي في مصراستخدام ليبيا
2027أقرب موعد لقرار الاستثمار النهائي واقعياً
2029–2030أقرب موعد للتشغيل واقعياً
يشكّل الانقسام السياسي والأمني المخاطر الرئيسية، متفوقاً على التحديات الهندسية، ومؤكداً التعقيد الجيوسياسي الذي قد يؤثر في جدوى المشروع واستقرارهالمخاطر الأساسية

تدعم التطورات الجيوسياسية وسوق النفط في عام 2026 المنطق الاقتصادي للمشروع. فقد ازدادت مصر تعرضاً للاضطرابات البحرية في الشرق الأوسط.

وبعد انقطاع الإمدادات الكويتية بسبب مضيق هرمز، تحركت القاهرة بالفعل لشراء ما لا يقل عن مليون برميل شهرياً من الخام الليبي.

وفي الوقت نفسه، واصلت ليبيا ومصر تطوير اتفاق التعاون الطاقة الموقع في يناير، والذي يدرس نقل النفط الخام والغاز بين البلدين. وتسعى القاهرة حالياً إلى توسيع مخزونها الاستراتيجي من النفط، إذ كشفت اضطرابات مضيق هرمز عن هشاشة الإمدادات المعتمدة على الناقلات.

وبالنظر إلى وضع مصر، فإن هذا المشروع يتجاوز كونه مجرد خط أنابيب آخر، إذ يُنشئ مصدراً لإمدادات الخام في البحر المتوسط بعيداً تماماً عن هرمز وباب المندب والسويس. فكل برميل يدخل عبر طبرق لن يتعرّض لأي من هذه النقاط الحرجة، مما يوفر مرونة طويلة الأمد وأماناً للسوق لأصحاب المصلحة.

وفي الوقت نفسه، تبقى حجة التكرير مقنعة بنفس القدر. فالإسكندرية تُعد بالفعل المجمع التكريري الرئيسي في مصر، حيث تعمل شركة ميدور بطاقة تبلغ نحو 160–170 ألف برميل يومياً بعد توسعة كلفت 2.7 مليار دولار، وقد قامت بتكرير أكثر من 49 مليون برميل خلال 2025.

كما تضيف مصافي الإسكندرية والأميرية طاقات إضافية. وتتجاوز الطاقة الاسمية للتكرير في مصر تاريخياً 760 ألف برميل يومياً، لكن الإنتاج الفعلي أقل بكثير ويختلف حسب كل مصفاة.

من المتوقع أن يضخ خط أنابيب ليبي بطاقة 150 ألف برميل يومياً نحو 55 مليون برميل سنوياً. وإذا بلغت الطاقة 250 ألف برميل يومياً، فسيصل الإجمالي إلى 91 مليون برميل، وعند 300 ألف يصبح نحو 110 ملايين برميل. وبالتالي، فإن حجم الخط صغير نسبياً مقارنة بقيمة التدفقات السلعية التي يمكن أن يدعمها.

بالنسبة لمصر، يعني ذلك عدة خيارات:

يمكن للخام الليبي أن يحل محل البراميل المستوردة الأغلى ثمناً أو الأكثر عرضة للخطر، ويغذي ميدور ومصافي الإسكندرية الأخرى، وتُستهلك المنتجات المكررة محلياً (بنزين، ديزل، وقود طائرات).

وفي الوقت نفسه، يمكن تصدير فائض المنتجات ذات القيمة الأعلى من الإسكندرية والدخيلة إلى أسواق المتوسط. وتربط ميدور خطوط أنابيب بالدخيلة لتصدير المنتجات. وهذا يمكّن القاهرة من تحويل القرب الجغرافي من الخام الليبي إلى هوامش تكرير، وفرص عمل، وتوفير في النقد الأجنبي، وفي فترات الفائض، إيرادات تصديرية.

بالنسبة ليبيا، المنطق مختلف لكنه لا يقل إثارة.

تستهدف المؤسسة الوطنية للنفط زيادة كبيرة في الإنتاج الوطني من مستواه الحالي البالغ نحو 1.4–1.5 مليون برميل يومياً. ويرتبط هذا الهدف باتفاق موقع في يناير 2026 مع توتال إنرجي وكونوكو فيليبس باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار، مع احتمال حدوث زيادات كبيرة جداً في طاقة حقل الواحة. وإذا سار كل شيء كما هو مخطط، ستحتاج ليبيا إلى بناء مرونة إضافية في البنية التحتية للإخلاء والتخزين والتسويق، وهنا يأتي دور مصر.

يُعد شرق ليبيا مناسباً بشكل خاص للارتباط بمصر. فخام السرير يسافر بالفعل مئات الكيلومترات نحو نظام تصدير طبرق/الحريقة.

ويُظهر التقرير السنوي للمؤسسة الوطنية للنفط لعام 2025 استمرار الاستثمار في استبدال أجزاء من خط السرير–طبرق (قطر 34 بوصة)، مع برنامج استبدال بطول 100 كم. وإعداد النظام للارتباط شرقاً نحو مصر سيخلق بديلاً عن الصادرات عبر الناقلات من الحريقة.

وبأخذ ذلك في الاعتبار، فإن 150–250 ألف برميل يومياً هي النطاق الابتدائي المنطقي تجارياً. أما البناء الفوري لطاقة 400–500 ألف برميل يومياً فسيحمل حالياً مخاطر إنشاء طاقة عاطلة. ولن تصبح هذه المستويات الأعلى واقعية إلا إذا نجحت ليبيا في دفع الإنتاج الوطني نحو 2 مليون برميل يومياً.

تقنياً، لا يزال هناك مجال لتصميم النظام هيدروليكياً بحيث يسمح بتوسع لاحق، إذ يمكن لمضخات أكبر ومحطات ضخ إضافية أن تزيد الطاقة دون مضاعفة مسار الحق بالكامل.

عند النظر إلى التكلفة المعلنة البالغة مليار دولار، يبدو الرقم طموحاً. لكن خط أنابيب خام عابر للحدود بطول 800 كم سيحتاج إلى: الخط نفسه، محطات ضخ، قياس، نظام تحكم وإدارة، طاقة، مرافق حدودية، تخزين، أنظمة أمن، حماية كاثودية، بنية استقبال في الإسكندرية، ووصلات بمصافي مصر.

ورغم أن الإنشاء في الصحراء أسهل تقنياً مقارنة بالخطوط الجبلية أو البحرية، إلا أن أقساط الأمن والخدمات اللوجستية كبيرة. وبالنظر إلى الاحتياجات العالمية وتطورات السوق، فمن الأكثر واقعية توقع نطاق تخطيط يتراوح بين 1.3 و2.2 مليار دولار.

وإذا تم النظر في مرافق تخزين وتعديلات في المصب، فسنكون أمام 2.5 مليار. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام ليست مبنية على ميزانية مشروع مُعلنة.

سيكون التمويل هو الاختبار الحاسم. فالمؤسسة الوطنية للنفط/أجوكو والهيئة المصرية العامة للبترول هما المشاركان الأساسيان الطبيعيان، وربما يعيدان خلق هيكل مشابه للمشروع المشترك الثنائي الأصلي.

من الممكن تماماً توقع رؤوس أموال خليجية سيادية أو استثمارية، خاصة وأن مصر لديها تاريخ طويل من الاستثمار العربي المشترك في البنية التحتية للطاقة.

ويعد خط أنابيب سوميد النموذج الواضح: تديره مصر بالاشتراك مع مساهمين خليجيين، وقد نقل نحو 50 مليون طن من الخام في 2025.

وبالنظر إلى صناديق البنية التحتية الدولية، ووكالات ائتمان الصادرات، والتمويل المدعوم من مقاولي الهندسة والتوريد والإنشاء، سيكون ذلك ممكناً. غير أن المقرضين سيطلبون ضمانات سيادية قوية وحماية من الاضطرابات السياسية في ليبيا.

وفي النهاية، لا بد من معالجة القضية السياسية أو الجيوسياسية.

تقع طبرق ومعظم شرق ليبيا في نطاق النفوذ السياسي–الأمني المرتبط بخليفة حفتر والسلطات الشرقية. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن المناقشات الحالية حول الخط ركزت على التواصل بين القاهرة وعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس.

وطالما بقيت ليبيا منقسمة بين مراكز قوى متنافسة، فسيظل أي خط أنابيب أداة من أدوات سياسات القوة، ولا يمكن أن يصبح بأمان أصلاً سياسياً يخص طرفاً واحداً فقط، بينما تظل عائدات المؤسسة الوطنية للنفط حساسة وطنياً.

أظهرت الهجمات بالطائرات المسيرة في أغسطس حول الزاوية، والتي دمّرت مرافق تخزين النفط، أن المخاطر الأمنية حقيقية.

وفي الوقت نفسه، تسللت احتجاجات مؤخراً إلى مجمع ملّيتة للطاقة. وسيحظى الاهتمام الأكبر بحقيقة أن خط أنابيب دولياً جديداً يحمل مليارات الدولارات من الخام سنوياً سيصبح حتماً أصلاً استراتيجياً وهدفاً قابلاً للابتزاز في آنٍ معاً.

لكن هذا هو بالضبط سبب استحقاق المشروع للاهتمام. إن خط أنابيب ليبيا–مصر أكثر جدوى تجارياً اليوم مما كان عليه قبل عشرين عاماً، وسيستفيد الطرفان منه، وفي الوقت نفسه، تسعى الحكومتان إلى تعميق التكامل الاقتصادي، في حين أن المسافة الجغرافية قابلة للإدارة.

بالنسبة للمحللين، سيكون الخطأ الأكبر مرة أخرى هو الحكم على المشروع فقط من خلال ما إذا كان خط أنابيب بقيمة مليار دولار يمكنه تحقيق عائدات من رسوم النقل.

فالقيمة الاستراتيجية للمشروع أكبر بكثير. فإضافة إلى أن 200–250 ألف برميل يومياً ستدعم تدفقات خام سنوية بقيمة 5–7 مليارات دولار، فإنها ستقلل من تعرض مصر للإمدادات البحرية، وتحقق عوائد من الإنتاج الليبي الإضافي، وتجعل الإسكندرية مركزاً أقوى للنفط الخام والمنتجات في المتوسط.

بيد أن المشروع حالياً قابل للتنفيذ تقنياً بدرجة كبيرة، ومقنع استراتيجياً، لكنه شديد المخاطر سياسياً.

تذكروا أن قرار الاستثمار النهائي في 2027، متبوعاً بالبناء خلال 2028–2029، يمكن أن يوصل أول نفط نظرياً حوالي 2029. لكن الواقع سيكون أقرب إلى 2030. وينبغي افتراض تصاعد التكاليف نحو 1.5–2+ مليار دولار.

تقنياً، لا توجد عقبات. أما القلق الحقيقي فهو ما إذا كانت ليبيا قادرة على ضمان أن الخام الذي يدخل ذلك الخط اليوم سيظل متاحاً سياسياً وقانونياً ومادياً بعد عشرين عاماً من الآن.

_________________