
ملخص – تحليل جيوسياسي لليبيا 2025
تدخل ليبيا عام 2025 بوصفها كياناً سياسياً شديد الانقسام، حيث تؤدي الانقسامات المستمرة بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والقوات المسلحة العربية الليبية في الشرق بقيادة خليفة حفتر إلى إدامة حالة عدم الاستقرار وتقويض جهود بناء الدولة.
يتناول هذا التقرير موقع ليبيا الجيوسياسي، ونقاط ضعفها الاقتصادية، وديناميات المجتمع المدني، والقدرات العسكرية، والعلاقات الخارجية، مستنداً إلى تحقق آني من مصادر أولية صادرة عن مؤسسات دولية ومراكز أبحاث.
ويُدمج التحليل خلاصات وثيقة المراقبة المرفقة بشأن أنظمة الهجرة الهجينة، التي تُبرز كيف يسهم الانقسام السياسي في استدامة الاقتصادات غير المشروعة مثل تهريب البشر، مع توسيع نطاق التحليل ليشمل عوامل بنيوية أوسع.
وتعتمد المنهجية على بروتوكولات صارمة لاستخبارات المصادر المفتوحة، مع التحقق المتقاطع من الادعاءات الكمية عبر مصدرين مستقلين على الأقل من نطاقات معتمدة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى جانب تقييمات نوعية من تشاتام هاوس ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). وتعكس جميع البيانات الأوضاع حتى ديسمبر/كانون الأول 2025.
سياسياً، تعود حالة الانقسام في ليبيا إلى تداعيات ثورة 2011، وتفاقمت بفعل فشل الحروب الأهلية بين عامي 2014 و2020.
تسيطر حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، على المناطق الغربية، لكنها تواجه صراعات داخلية، تجلت بوضوح في أزمة مصرف ليبيا المركزي في أغسطس/آب 2024، التي عطلت توزيع عائدات النفط وأضعفت الرقابة المالية.
وقد نتجت هذه الأزمة عن إقالة المحافظ الصديق الكبير، ما أدى إلى صراع على النفوذ أضعف شبكات المحسوبية الضرورية للحفاظ على التماسك السياسي.
في الشرق، رسخت القوات المسلحة العربية الليبية نظاماً شخصياً متمحوراً حول عائلة حفتر، بينما تعمل كيانات مدنية مثل حكومة الاستقرار الوطني أساساً كأدوات للمحسوبية.
ويتجلى الانقسام في صراعات محلية، مثل اغتيال عبد الرحمن ميلاد (البيجا)، قائد خفر السواحل الخاضع لعقوبات، في الزاوية في سبتمبر/أيلول 2024، ما خلق فراغاً في السلطة وصعّد التنافس بين جماعات مسلحة مثل شبكة بوصريبة وقوات محمد بحرون.
وتوضح هذه الديناميات، كما ورد في تقرير كيف غذّى تهريب المهاجرين الصراع في ليبيا (تشاتام هاوس – فبراير/شباط 2025)، حلقتين تغذيتين متبادلتين: صراعات السلطة التي تولد العنف، والاعتماد الاقتصادي على الأنشطة العابرة للحدود غير المشروعة الذي يرسخ نفوذ الجماعات المسلحة.
وفي الكفرة وسبها، تزيد التوترات الإثنية بين الزوية العرب والتبو من تفكك الحوكمة، حيث تستغل الجماعات المسلحة التهريب لتحقيق مكاسب مالية وسياسية. ورغم أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا سهلت الحوار، فإنه حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025 لم تُجرَ انتخابات موحدة، ما أبقى حالة الجمود التي تعرقل الإصلاح.
اقتصادياً، لا تزال ليبيا تعتمد بشدة على الهيدروكربونات، إذ يشكل النفط 95% من الصادرات و60% من الناتج المحلي الإجمالي. ويتوقع البنك الدولي نمواً بنسبة 12.3% في عام 2025، مدفوعاً بارتفاع إنتاج النفط إلى متوسط 1.3 مليون برميل يومياً، بزيادة 17.4% عن مستويات 2024، متجاوزاً متوسط العقد الماضي.
ويأتي هذا التعافي بعد انكماش عام 2024 بسبب أزمة المصرف المركزي وتقلبات الأسعار العالمية. غير أن العجز المالي لا يزال قائماً نتيجة الإنفاق العام المرتفع، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي تحقيق فائض طفيف في الحساب الجاري عام 2025 قبل أن يتحول إلى عجز مع تراجع أسعار النفط.
وتشير مشاورات المادة الرابعة للصندوق إلى أن الانقسام السياسي يعيق ضبط الإنفاق، إذ غذّت ميزانيات عام 2024 البالغة 47 مليار دولار التضخم عند 2% وأضعفت العدالة بين الأجيال في توزيع عائدات النفط.
وتهيمن الشركات المملوكة للدولة على الاقتصاد، متكبدة خسائر بسبب التضخم الوظيفي وعدم الكفاءة، ما يزاحم نمو القطاع الخاص. أما القطاعات غير النفطية، التي تمثل 40% من الناتج المحلي الإجمالي، فتتضرر من انعدام الأمن، حيث أدت أزمة المصرف المركزي إلى وقف تخصيص النقد الأجنبي وتعطيل الواردات.
جيوسياسياً، تشكل حقول النفط مثل الشرارة والفيل بؤر توتر، إذ كلفت الإغلاقات في 2024 نحو ملياري دولار من الإنتاج المفقود نتيجة النزاعات على السيطرة. وتحاول المؤسسة الوطنية للنفط التوفيق بين الانقسامات الشرقية–الغربية، لكن تقاسم العائدات الموحد لا يزال بعيد المنال.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يواجه عدد السكان البالغ 6.9 ملايين نسبة بطالة تبلغ 23%، ترتفع إلى 35% بين الشباب، ما يزيد من ضغوط الهجرة. وتشكل تحويلات الجاليات في الخارج، البالغة 1.5 مليار دولار سنوياً، صمام أمان جزئياً، لكن عدم المساواة يتسع مع استحواذ النخب على الريع.
يعمل المجتمع المدني في ليبيا وسط القمع والانقسام، مع وجود نحو 500 ألف نازح داخلياً حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، وفق بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
وتُبرز منظومات تهريب البشر، كما ورد في الوثيقة المرفقة، هشاشة الوضع المدني: إذ أسهمت الأنظمة الهجينة — التي تشمل وصولاً جوياً إلى مطار بنينا ثم نقلاً برياً إلى نقاط الانطلاق على الساحل الغربي — في تسجيل 71 ألف محاولة عبور في عام 2024، وهو رقم قريب من 72 ألفاً في 2023.
وتغيرت جنسيات المهاجرين نحو جنوب آسيا (بنغلادش 13,800 وصول إلى إيطاليا) وبلاد الشام (سوريا 12,500)، في ظل دخول شبه قانوني عبر تصاريح من القوات المسلحة العربية الليبية مقابل 500 دولار.
وقد سمح عدم الاستقرار في الزاوية وصبراتة، عقب اغتيال ميلاد، للمهربين باستغلال فراغات السلطة. وفي الكفرة، تدفق نحو 150 ألف لاجئ سوداني بحلول يناير/كانون الثاني 2025، لكن قلة منهم عبروا البحر، حيث سُجل وصول 2,000 فقط إلى إيطاليا.
وتعرض مهاجرو القرن الأفريقي لانتهاكات جسيمة، بما في ذلك اكتشاف مقابر جماعية قرب الكفرة، بينما فرض المهربون رسوماً تصل إلى 18 ألف دولار على بعض المسارات.
وقد أودى طريق وسط المتوسط بحياة أكثر من 1,000 شخص في 2025، ليضافوا إلى 25,600 حالة وفاة منذ 2014.
وتلعب القبائل، مثل أولاد سليمان، أدوار وساطة أحياناً، لكنها غالباً ما تكرس الاقتصادات غير المشروعة. ولا تزال مشاركة النساء السياسية منخفضة عند 16% بسبب انعدام الأمن.
عسكرياً، تبقى القوات منقسمة، إذ تسيطر القوات المسلحة العربية الليبية على نحو 35 ألف عنصر في الشرق، مدعومة بمعدات روسية، بينما يبلغ عدد الميليشيات الغربية، مثل جهاز دعم الاستقرار وقوة الردع، نحو 20 ألفاً.
وتشير بيانات SIPRI إلى استمرار تدفق الأسلحة إلى جهات غير حكومية رغم حظر الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وقد هدأت وتيرة الصراع دون أن تُحل جذوره، بينما تُخصص ميزانيات دفاعية تبلغ 10 مليارات دولار (نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي) أساساً للرواتب لا للتحديث. وتواصل القوى الخارجية — روسيا في الشرق وتركيا في الغرب — دعم ديناميات الوكالة، مع وجود قواعد لمجموعة فاغنر (حالياً فيلق أفريقيا) في الشرق.
تركز علاقات ليبيا مع أوروبا وحلف الناتو على قضايا الهجرة وأمن الطاقة. وعلى الرغم من أن ليبيا ليست طرفاً في الحوار المتوسطي للناتو، فإنها تنخرط في علاقات ثنائية.
وتتمحور شراكات الاتحاد الأوروبي حول ضبط الحدود، مع قيادة إيطاليا للجهود، حيث جاء 62% من الوافدين إلى إيطاليا في 2024 من ليبيا. وتسعى محاذاة المصالح بين الولايات المتحدة وإيطاليا وتركيا إلى تعزيز الاستقرار، غير أن التدخلات الأوروبية التي تركز على الأعراض — مثل دعم خفر السواحل المتهمين بانتهاكات — قد تكرس الصراع دون معالجة جذوره.
وتحمل التداعيات أبعاداً متعددة:
- جيوسياسياً، يغري الانقسام التدخلات الخارجية ويهدد بالتصعيد عند اشتعال النزاعات النفطية.
- اقتصادياً، يخفي نمو 12.3% هشاشة بنيوية تهدد بتفاقم البطالة والإنفاق غير المستدام. ومدنياً، تعمق منظومات التهريب الانتهاكات الإنسانية.
- عسكرياً، تعيق القوات المنقسمة جهود مكافحة الإرهاب. وبالنسبة لأوروبا والناتو، تتطلب الزيادة في محاولات العبور (71 ألفاً) استراتيجيات شاملة على امتداد المسار، تشمل التنمية والحوكمة لا الإنفاذ وحده.
وتشمل التوصيات السياسية إجراء انتخابات موحدة بإشراف الأمم المتحدة، وتنفيذ إصلاحات مالية وفق إرشادات صندوق النقد الدولي، وإطلاق مبادرات أوروبية لدعم القطاع الخاص وتنويع الاقتصاد.
وفي غياب الإصلاح، تخاطر ليبيا بمزيد من عدم الاستقرار حتى عام 2026، مع استمرار الهجرة غير النظامية والاقتصادات غير المشروعة في تغذية الجماعات المسلحة.
_____________