التداخل بين الدائرة الدستورية في المحكمة العليا بطرابلس (الغرب) والمحكمة الدستورية المنشأة في الشرق يُعَدّ أحد أبرز مظاهر الانقسام المؤسسي في ليبياحلّه ممكن، لكن يتطلب مقاربة قانونيةسياسية دقيقة، لأن المشكلة ليست قانونية فقط بل مؤسسية وسيادية.

********

وهذا إقتراح بشأن معالجة ازدواج جهة الرقابة الدستورية عبر تعليق الاختصاص المتبادل واعتماد مبدأ رقابة الامتناع مؤقتا

بقلم الهادي بوحمرة

نظرًا لما يشهده المشهد القضائي في ليبيا من تداخل مؤسسي في ممارسة الرقابة على دستورية القوانين، بين المحكمة العليا – الدائرة الدستورية من جهة، والمحكمة الدستورية المنشأة من مجلس النواب بالقانون رقم 5 لسنة 2023 من جهة أخرى، نشأ وضع يمكن أن يهدد وحدة المرجعية الدستورية وهيبة القضاء، حيث إن تمسك كل جهة باختصاصها الحصري يؤدي إلى تعدد السرديات حول

الشرعية، ومهما كانت إحداهما على صواب، فإن ذلك يدفع نحو الانقسام العميق، ويؤجج الصراع الرمزي حول دستورية القوانين مما ينتج عنه انقسام تشريعي يتولد عنه، بالضرورة، انقسام في القضاء العادي، وهو ما يفضي أيضاوتدريجيا إلى انقسام النيابة العامة بشأن ما يتم إعماله أو استبعاده من القوانين، وهو ما يوجب حسم من يمتلك حق تفسير النص القانوني، والقول بدستورية أو بعدمها، على نحو عاجل، وعدم نقل هذا النزاع المؤسسي إلى الأحكام بمنع تعدد التفسيرات الدستورية.

وبالرجوع إلى السوابق الوطنية، فإن القانون رقم «6» لسنة 1982 بإعادة تنظيم المحكمة العليا قبل تعديله بالقانون رقم 17 / 1994 م، الذي نزع الاختصاص بالنظر في دستورية القوانين من المحكمة العليا، نجده قد شكّل مرحلة يمكن الاستفادة منها في استنباط حل لهذا التنازع في رقابة الدستورية، ومعالجة المسألة بآلية قضائية ذاتية، تحفظ الاستقلال وتمنع التصادم، على الرغم من أن الظرف الحالي يختلف من حيث أن التعارض القائم اليوم ناتج عن ازدواج مؤسساتي داخل البنية القانونية.

أولا: الإشكالية

استمرار الدائرة الدستورية في ممارسة اختصاصها وفق القانون رقم 17 / 1994 م بالتوازي مع المحكمة الدستورية المنشأة من مجلس النواب ينتج عنه:

1- تناقض في الأحكام والآثار القانونية.
2-
اضطراب في مراكز الأفراد والسلطات العامة.
3-
تهديد ثقة المتقاضين في القضاء كمرجع نهائي للشرعية.
4-
خطر استخدام الرقابة أداة نفوذ سياسي بدل أن تكون صماما قانونيا للتوازن.
5-
تمهيد لانقسام المؤسسة القضائية، بما فيها النيابة العامة.
6-
انقسام تشريعي عميق بين شرق البلاد وغربها.

وفي المقابل، فإن تعطيل إحدى الجهتين قسرا غير ممكن واقعيا. كما أن استمرار الجدل وتبادل الحجج يعمّقان الانقسام، ويُفقدان القضاء حياده المؤسسي.

ثانيا: الأساس الفكري والقانوني للمقترح

تقوم الرقابة الدستورية على مبدأ وحدة الشرعية التفسيرية، أي أن يكون للدولة لسان واحد ينطق باسم الدستور. وفي حالة تعدد الألسنة، فإن الامتناع المؤقت عن النطق لا يُعدّ عجزا، بل استردادا لمعنى نص الإعلان الدستوري والمبادئ الدستورية العامة كمرجع مشترك.

وبالرجوع إلى الأنظمة المقارنة، نجد أن العديد من الأنظمة القانونية تجيز الرقابة اللامركزية (رقابة الامتناع حين تتعذر الرقابة المركزية، كما في النظام الأمريكي، 1956، والحالة الإيطالية قبل إنشاء المحكمة الدستورية، Madison, 1948 – 1803، والممارسة الفرنسية قبل إصلاح 2008، حيث اكتفى القضاء الإداري والعادي بعدم تطبيق النص المخالف للدستور).

فهذه النماذج تؤكد أن الرقابة الدستورية لا تساوي بالضرورة الإلغاء، بل قد تكون مجرد امتناع عن التنفيذ حفاظا على المشروعية دون المساس بتوازن السلطات، وهو الاتجاه نفسه الذي ذهب إليه الفقه الليبي عندما تم تعطيل اختصاص المحكمة العليا برقابة دستورية القوانين بالقانون رقم 6 لسنة 1982 م بإعادة تنظيم المحكمة العليا.

ونحن نرى أن اعتماد مبدأ رقابة الامتناع، وتعطيل رقابة الإلغاء لقيام التنازع بشأنها، يمنعان في هذه الفترة الحرجة من انزلاق القضاء إلى صراع الشرعية، ويضمنان استمرار عمل المؤسسات على قاعدة الدستور، ريثما يتم توحيد جهة الرقابة بآلية تشريعية أو دستورية لاحقة.

وانطلاقا مما تقدّم، يُقترح على المجلس الأعلى للقضاء ما يلي:

1- إصدار بيان تفسيري أو توصية مؤسسية أو اقتراح عملي يُنص فيه على أن الرقابة على الدستورية، في ظل ازدواج المرجعية، تُعلّق مؤقتا إلى حين توحيد الجهة المختصة.
2- دعوة كل من المحكمة العليا والمحكمة الدستورية إلى ممارسة «التعليق المتبادل للاختصاص»، درءا لتضارب الأحكام.
3- الذهاب في اتجاه ممارسة القضاء العادي لرقابة الامتناع، أي الامتناع عن تطبيق أي نص تشريعي مخالف صراحة لأحكام الدستور أو المبادئ المستقرة في أحكام المحكمة العليا السابقة.
4- تأكيد استمرار مبدأ سمو الإعلان الدستوري وعلوية أحكامه على كل ما سواه من تشريعات.

الخاتمة

نرى أن تبني هذا الحل لا يعد انسحابا من الرقابة الدستورية بقدر ما يكون صونا لهيبتها، وحماية لوحدة القضاء في مرحلة دقيقة من تاريخ الدولة الليبية، ذلك أن الشرعية حين تتنازعها جهات متعددة لا تُستعاد بالسبق أو الغلبة، بل بالوعي المؤسسي المشترك بأن الصمت أحيانا أبلغ من الحكم.

وعليه، يُلتمس من المجلس الأعلى للقضاء النظر في هذا المقترح، والتوصية به كخط توجيهي مؤقت إلى حين توحيد المرجعية الدستورية وفق الإجراءات الدستورية اللاحقة.

____________

مقالات مشابهة