د. ميرال صبري العشري

المملكة المتحدة توافق على التعاون في تحليل الصندوق الأسود للطائرة

في حادث مأساوي لا تزال أسبابه مجهولة، نحاول هنا تحليل ما حدث. فقد قُتل الفريق أول محمد علي أحمد الحداد، رئيس أركان الجيش الليبي، مع أربعة من كبار مساعديه العسكريين، إثر تحطم طائرتهم الخاصة بعد وقت قصير من إقلاعها من مطار إسنبوغا الدولي في أنقرة بتركيا، متجهة إلى طرابلس، مساء الثلاثاء 23 ديسمبر 2025.

من هو محمد الحداد؟

كان محمد علي أحمد الحداد يُعد على نطاق واسع أحد أكثر الشخصيات العسكرية تأثيرًا في ليبيا في مرحلة ما بعد ثورة 17 فبراير 2011. فقد شكّل ركيزة أساسية للقوى الثورية خلال الانتفاضة ضد معمر القذافي، وبرز من جيل من الضباط الذين تشكّلت خبرتهم في ظل انهيار النظام السابق والصراع الطويل لإعادة بناء مؤسسات الدولة وسط النزاع والانقسام.

بعد ثورة 2011، صعد الحداد تدريجيًا في هرم المؤسسة العسكرية الليبية، واكتسب سمعة كضابط براغماتي يتمتع بعلاقات قوية مع الكتائب الثورية في غرب ليبيا.

في أغسطس 2020، عُيّن الحداد رئيسًا لأركان الجيش الليبي بقرار من فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني آنذاك. وجاء تعيينه في لحظة مفصلية، عقب فشل الحملة العسكرية التي قادها خليفة حفتر ضد طرابلس، وفي ظل زخم دولي متجدد لدعم استقرار ليبيا عبر الحوار السياسي والترتيبات الأمنية.

وبصفته رئيسًا للأركان، تولّى الحداد الإشراف على الهياكل العسكرية المتحالفة مع السلطات المعترف بها دوليًا في غرب ليبيا، وفي الوقت نفسه انخرط في حوار مع القوى المنافسة في الشرق.

ومن أبرز أدواره عضويته في اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) برعاية الأمم المتحدة، التي جمعت كبار الضباط من غرب وشرق ليبيا. وفي هذا الإطار، لعب دورًا محوريًا في التفاوض على ترتيبات وقف إطلاق النار، وإجراءات بناء الثقة، ومناقشة انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة.

وقد ارتفعت مكانة الحداد الوطنية بشكل لافت خلال الدفاع عن طرابلس في عامي 2019–2020 ضد قوات حفتر. وخلال تلك الفترة، كان له دور أساسي في تنسيق العمليات العسكرية، وتحسين هياكل القيادة والسيطرة، وتسهيل التعاون بين التشكيلات المسلحة المتنوعة التي دافعت عن العاصمة. وأكسبته قيادته خلال النزاع وزنًا سياسيًا وعسكريًا معتبرًا في غرب ليبيا، لكنه جعله أيضًا شخصية مثيرة للجدل لدى الأطراف المنافسة.

وبعيدًا عن أدواره القتالية المباشرة، عُرف الحداد بدعوته إلى إعادة بناء جيش وطني مهني وموحد يخضع للسلطة المدنية. وقد شدد باستمرار على أهمية إنهاء سلاسل القيادة العسكرية الموازية، ودمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات الدولة، وعزل المؤسسة العسكرية عن الصراعات السياسية المباشرة. غير أن هذه الطموحات واجهت عقبات مستمرة بسبب انقسام الحوكمة في ليبيا، والتدخلات الخارجية، وتنافس التحالفات الإقليمية.

الرحلة والتحطم

كان رئيس الأركان الليبي على متن طائرة رجال أعمال من طراز «فالكون 50». أقلعت الطائرة من مطار إسنبوغا في الساعة 8:17 مساءً بالتوقيت المحلي، وفُقد الاتصال بها بعد نحو 30–35 دقيقة، أثناء تحليقها على ارتفاع 32,400 قدم فوق منطقة أنقرة.

وبعد ذلك، أبلغ الطاقم برج المراقبة بحالة طوارئ بسبب خلل كهربائي أو تقني في الأنظمة الإلكترونية للطائرة، وطلب الإذن بالهبوط الاضطراري في قضاء هايمانا جنوب العاصمة.

ثم انقطع الاتصال فورًا، وتحطمت الطائرة في تضاريس وعرة قرب قرية كسيك كافاك في قضاء هايمانا، على بُعد نحو كيلومترين من القرية. وصرّح وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا بأن فرق الدرك والإنقاذ وصلت إلى موقع التحطم، ثم وقع انفجار كبير نتيجة اشتعال الوقود وتناثر حطام الطائرة. وأعلنت السلطات التركية إغلاق المجال الجوي فوق أنقرة مؤقتًا، وإحالة التحقيق إلى مكتب المدعي العام في أنقرة.

سيناريوهات الحادث

توجد عدة سيناريوهات محتملة حول الحادث.

أولًا: رغم أن التحقيق لا يزال في مراحله الأولى، تشير المؤشرات الأولية بحسب مسؤولين أتراك بقوة إلى عطل تقني، لا سيما في الأنظمة الكهربائية أو الإلكترونية للطائرة. وقد يكون هذا الخلل حال دون تمكن الطاقم من تنفيذ الهبوط الاضطراري المطلوب بنجاح.

ثانيًا: لا يمكن استبعاد سيناريوهات أخرى، خاصة في ظل البيئة الإقليمية والدولية المعقدة المحيطة بليبيا. وتشمل هذه الاحتمالات عوامل متعلقة بالطقس، رغم عدم ورود تقارير عن ظروف جوية قاسية وقت الرحلة، وكذلك – في حالات نادرة – احتمال وجود عملية اغتيال عبر تخريب متعمد أو نشاط إرهابي.

السياق السياسي

يُعد التعاون الليبي–التركي تعاونًا استراتيجيًا ومتعدد الأبعاد، لا سيما منذ عام 2019. سياسيًا، دعمت تركيا السلطات المعترف بها دوليًا في غرب ليبيا، وأيّدت الجهود التي تقودها الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار والحفاظ على وحدة البلاد. وقد تعزز هذا التوافق السياسي من خلال زيارات رفيعة المستوى متكررة وتنسيق دبلوماسي مستمر بين الجانبين.

عسكريًا، يمثل التعاون الركيزة الأهم في العلاقة. فقد أرست اتفاقية ثنائية للتعاون الأمني والعسكري وُقعت عام 2019 أساس الدعم التركي للقوات الليبية المتحالفة مع طرابلس. وشمل هذا الدعم التدريب، والاستشارات، وبناء القدرات بهدف تحسين هياكل القيادة والتنظيم المؤسسي.

وعلى المدى الأبعد من الاحتياجات الأمنية المباشرة، ركزت تركيا على التدريب الدفاعي طويل الأجل وبناء المؤسسات، من خلال استضافة ضباط ليبيين في برامج تدريبية ودعم الجهود الرامية إلى إنشاء جيش وطني مهني وموحد تحت إشراف مدني. كما امتد التعاون إلى مجالات مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وأمن الحدود.

اقتصاديًا، تتعاون ليبيا وتركيا في مجالات إعادة الإعمار، وتطوير البنية التحتية، والتجارة، والخدمات المرتبطة بالطاقة، حيث تلعب الشركات التركية دورًا نشطًا في إعادة بناء ليبيا بعد النزاع. إضافة إلى ذلك، وقّع البلدان اتفاقية لترسيم الحدود البحرية عام 2019 عززت موقعيهما الاستراتيجيين في شرق المتوسط وأضفت بُعدًا جيوسياسيًا على شراكتهما.

وجاء الحادث عقب زيارة رسمية قام بها الفريق الحداد إلى أنقرة، حيث التقى وزير الدفاع التركي يشار غولر ورئيس هيئة الأركان العامة التركية سلجوق بيرقدار أوغلو، لبحث تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.

ويقع التحطم في توقيت حساس بالنسبة لليبيا، التي لا تزال منقسمة بين حكومة مقرها طرابلس في الغرب وقوات في الشرق، وسط جهود أممية متواصلة لتوحيد المؤسسة العسكرية وإجراء الانتخابات. وقد تفتح ملابسات وفاة الحداد الباب أمام صراعات داخلية على المناصب العسكرية ключية.

ردود الفعل الليبية والدولية

أُوفد وفد عسكري ليبي إلى تركيا في اليوم التالي للحادث. وكُلّف الوفد بالتنسيق المباشر مع السلطات التركية، ومتابعة موقع التحطم من الجانبين العسكري والفني، ودعم التحقيق، والعمل عن كثب مع لجان حكومية أخرى لفهم ملابسات الحادث بشكل كامل.

كما شكّلت وزارة الداخلية الليبية لجنة رسمية متخصصة باشرت عملها ميدانيًا، وتولت التنسيق مع السلطات القضائية والأمنية التركية، والإشراف على التعرف على الضحايا عبر تحليل الحمض النووي، وجمع البيانات الجنائية الأولية، وتوثيق ظروف الحادث وفق الأطر القانونية الليبية.

وفي الأثناء، أُرسل فريق فني من وزارة المواصلات إلى تركيا لمراجعة بيانات الرحلة، وفحص السجلات الفنية للطائرة، وتقييم مسار الرحلة، والإشراف على الإجراءات المتعلقة بالتعامل مع الصندوق الأسود. وتم هذا العمل بالتنسيق مع خبراء فنيين دوليين، بما في ذلك التعاون مع المملكة المتحدة، لضمان تحقيق مهني ومحايد وفق المعايير الدولية.

غموض يخيّم على وفاة الحداد

يثير التحقيق في وفاة الفريق محمد الحداد أسئلة حاسمة تتعلق بالمشهدين السياسي والعسكري في ليبيا. ومن غير الواضح ما إذا كانت إجراءات التحقيق ستمتد طوال عام 2026، على أن تُعلن النتائج النهائية في 2027.

وخلال هذه الفترة، قد يُفتح المجال لتورط أطراف إضافية، ما قد يزيد من حدة التوتر بين الفصائل المتنافسة. وقد يحاول أفراد أو جماعات التهرب من المساءلة، بينما قد يستغل فاعلون سياسيون حالة الغموض لدفع أجنداتهم الخاصة.

في هذه المرحلة، يبقى مسار ليبيا المستقبلي شديد الغموض. فالبلاد منقسمة بعمق، داخليًا بين فصائل متنافسة، وخارجيًا عبر تحالفات أجنبية متعارضة. وقد تؤثر نتائج التحقيق، وطريقة تلقيها أو التعامل معها، تأثيرًا كبيرًا في توازنات القوة، وتماسك المؤسسة العسكرية، والجهود التي تقودها الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار السياسي والمصالحة الوطنية.

***

د. ميرال صبري العشري هي نائبة قائد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز حرية الإعلام، بقسم دراسات الصحافة في جامعة شيفيلد.

____________

مقالات مشابهة