
صفقة أسلحة تاريخية في بنغازي تُنذر بنهاية الإنفاذ الفعال للحظر وظهور سلاسل إمداد دفاعية عالمية موازية.
شهدت بنغازي، ليبيا، الأسبوع الماضي حدثًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية، امتدت تداعياته إلى ما هو أبعد من منطقة المغرب العربي.
فقد أسفرت زيارة رئيس أركان الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، للقاء اللواء صدام حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، عن اتفاقية دفاعية تتراوح قيمتها بين 4 و4.6 مليار دولار.
وبينما لا يزال اهتمام الغرب منصبًا على الصراعات في أوروبا الشرقية وبلاد الشام، تُمثل هذه الصفقة إعادة هيكلة جذرية للبنية الأمنية في شمال أفريقيا. وهي تُشير إلى الانهيار الفعلي لحظر الأمم المتحدة على الأسلحة، وظهور قناة عسكرية صناعية “جنوب–جنوب” تعمل باستقلالية تامة عن الرقابة أو الشروط الغربية.
على مدى السنوات الخمس الماضية، كان انتشار أنظمة الطائرات المسيّرة، وتحديدًا طائرات بيرقدار التركية الصنع، هو العامل الحاسم في صدّ تقدم الجيش الوطني الليبي نحو طرابلس عام 2020، هو ما يحدد وتيرة العمليات في ليبيا. ويُحدث دخول طائرات JF-17 ثاندر (بلوك 3) تغييرًا جذريًا في هذه المعادلة التكتيكية.
تُعدّ JF-17 بلوك 3 مقاتلة متعددة المهام من الجيل 4.5، طُوّرت بالتعاون بين باكستان والصين، وتُضيف قدراتٍ كانت غائبةً سابقًا عن ترسانة الجيش الوطني الليبي.
فهي مُجهزة برادار المصفوفة الممسوحة إلكترونيًا النشط (AESA) ومتوافقة مع صواريخ PL-15 جو–جو بعيدة المدى، ما يجعلها قادرةً تقنيًا على رصد الطائرات المسيّرة التكتيكية والطائرات التقليدية والاشتباك معها من مسافات بعيدة.
ومن منظور استراتيجي، يُحوّل هذا الاستحواذ الجيش الوطني الليبي من قوة تعتمد على المرتزقة غير النظاميين وحروب العصابات إلى قوة تمتلك قدرات تفوق جوي على مستوى الدولة.
علاوة على ذلك، يشير إدراج 12 طائرة تدريب من طراز سوبر مشاك إلى استراتيجية مؤسسية طويلة الأمد.
فبدلاً من الاعتماد كلياً على المقاولين الخارجيين أو مجموعة فاغنر (التي تُعرف الآن باسم فيلق أفريقيا) للدعم الجوي، يستثمر الجيش الوطني الليبي في بناء القدرات المحلية، وإنشاء برنامج تدريب للطيارين يضمن الاستدامة العملياتية بمعزل عن أي وكلاء أجانب.
وتُسلط هذه الصفقة الضوء على اتجاه متنامٍ في اقتصاديات الدفاع العالمية: صعود سلاسل إمداد بديلة تتجاوز الاحتكارات الغربية والروسية التقليدية. وتتميز هذه الصفقة بنموذج تعاون “جنوب–جنوب“، حيث تُزوّد دولة نووية من جنوب آسيا جهة فاعلة غير حكومية (أو كيان شبه حكومي) في شمال أفريقيا دون الشروط السياسية المسبقة التي عادةً ما تُصاحب مبيعات الأسلحة الغربية.
بالنسبة لباكستان، التي تُعاني من صعوبات اقتصادية حادة وحاجة ماسة للعملات الأجنبية، تُمثل هذه الصفقة فرصة تصديرية مُربحة تُعزز صناعتها الدفاعية المحلية. أما بالنسبة للجيش الوطني الليبي، فهي تُتيح له الوصول إلى معدات عسكرية متطورة دون عناء التعامل مع ضوابط التصدير الأمريكية أو الأوروبية.
إن وصف الجنرال منير لليبيا بـ“أرض الأسود” خلال خطابه أمام ضباط الجيش الوطني الليبي يُضفي شرعية على هذه الشراكة من خلال سردية التضامن الإسلامي الشامل، بدلاً من مجرد تبادل تجاري. ويسعى هذا الإطار الخطابي إلى رفع مكانة الجيش الوطني الليبي من مجرد ميليشيا إلى شريك ذي سيادة في نظر المنطقة.
ولعلّ أبرز نتائج هذه الاتفاقية هو التحدي الصريح الذي تُشكّله لمصداقية القانون الدولي. فقد فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حظراً على توريد الأسلحة إلى ليبيا منذ عام 2011، وهو إجراء مصمم نظرياً لمنع انتشار الأسلحة الثقيلة في الدولة الممزقة.
إلا أن حجم الاتفاقية الباكستانية الليبية وشهرتها الواسعة يُشيران إلى أن هذه الآلية قد فقدت قيمتها الرادعة.
وقد وصف مسؤولون دفاعيون باكستانيون، شريطة عدم الكشف عن هويتهم، قيود الأمم المتحدة بأنها “حظر حبر على ورق” يكاد يكون معدوماً. يُبرز هذا التقييم الصارخ واقعًا يتم فيه تجاوز آليات الإنفاذ، كعملية إيريني التابعة للاتحاد الأوروبي، عبر ممرات جوية أو عمليات نقل مباشرة بين الحكومات تتجاهل بروتوكولات الحظر البحري.
ويشير غياب إدانة دبلوماسية فورية رفيعة المستوى من واشنطن أو بروكسل إلى قبول ضمني للوضع الراهن الجديد، أو ربما إلى شلل استراتيجي ناتج عن تضارب الأولويات.
يمثل اتفاق بنغازي نقطة تحول حاسمة. إن حصول الجيش الوطني الليبي على طائرات مقاتلة من الجيل الرابع لا يُؤدي فقط إلى تصعيد احتمالية تجدد الصراع، بل يُبرهن أيضًا على جدوى نظام دولي موازٍ تُتجاهل فيه العقوبات وتُباع فيه القدرات العسكرية لمن يدفع أكثر.
ومع دخول أسطول طائرات JF-17 حيز التشغيل، يجب أن تتحول الحسابات الاستراتيجية لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وداعميها الدوليين، من سياسة الاحتواء إلى التعامل مع واقع يمتلك فيه الجيش الوطني الليبي تكافؤًا عسكريًا نوعيًا، إن لم يكن تفوقًا.
انتهى عهد الحصار فعلياً؛ وبدأت مرحلة جديدة من التوسع العسكري الجامح في شمال أفريقيا.
___________
