عبدالله الكبير

انطلقت أعمال لجنة 4+4 في روما بإشراف المبعوثة الأممية حنه تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري، وخلال اللقاء الأول الإربعاء الماضي تم حسم الملف الأول تقريبا، باختيار أعضاء مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، على أن يتولى النائب العام تسمية رئيس المفوضية، الذي سيكون في الغالب مستشار في القضاء.
هذه السرعة تبعث على التفاؤل في إمكانية توافق اللجنة على القاعدة القانونية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مع التحفظ على سلامة هذا التوجه من البعثة الأممية من الجانب الدستوري القانوني، لأن ملف المناصب السيادية و قوانين الانتخابات من المهام التشريعية الأصيلة لمجلس النواب بالتوافق مع المجلس الأعلى للدولة.
حجة البعثة وتؤيدها بعض الدول الكبرى في مجلس الأمن، هو الفشل المستمر للمجلسين في معالجة هذين الملفين وغيرهما من الملفات، رغم المهلة الطويلة الممنوحة لهما، ولم يكن بمقدور البعثة ممارسة أي ضغط على المجلسين، لأن وضعها كنقطة توازن بين كل الأطراف الإقليمية والدولية التي تساندهما، سيضعها في قفص الاتهام، إذا تدخلت أكثر مما ينبغي في تقريب وجهات النظر بينهما.
المحافظة على سلامة التطبيق لمواد القانون كما وردت في الإعلان الدستوري والاتفاقيات السياسية، تستلزم النظر في سلامة تكليف النائب العام في اختيار رئيس منصب سيادي، لأن منصب النائب العام نفسه من المناصب السيادية، وتم اعتماد شاغله حاليا من مجلس النواب بالتوافق مع مجلس الدولة، ومع تفهم حالة الانسداد السياسي التي دفعت البعثة الأممية إلى اللجوء إلى اللجنة المصغرة 4+4، فإن استمرار التشاور مع المجلسين أمر تفرضه الضرورة القانونية، قبل اعتماد الأسماء التي تم التوافق عليها اليوم وكذلك الاسم الذي سيطرحه النائب العام.
حسم ملف مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات لن يكون عقبة أساسية في طريق حل الأزمة وصولا إلى الانتخابات، إذ تبقى المعضلة الأساسية هي قوانين انتخابات رئاسة الدولة.
يتمحور الخلاف حول السماح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشح أم لا، فطوال الجولات الماضية بين مجلسي النواب والدولة، كان مجلس النواب يصر على عدم إقصاء أحد من الترشح، لأجل فسح المجال لحفتر لكي يترشح، بينما يرفض مجلس الدولة ترشح العسكريين إلا بعد استقالتهم من العمل العسكري، ويشترط أن يتخلى مزدوج الجنسية عن جنسيته الأخرى بشكل واضح لا لبس فيه، إذا أراد الترشح لمنصب الرئاسة.
حاول مجلس النواب التحايل بتخفيف الشرط الصارم إلى تقديم ما يفيد بتقديم طلب التخلي عن الجنسية الأخرى، وهو التفاف واضح على القصد الأصيل من هذا الشرط. منطقيا وعمليا لا يمكن لمن أقسم بالولاء لخدمة دولة أخرى أن يتولى منصب الولاية العظمى، لأن الولاء المزدوج للرئيس سيحول دون ممارسة مهامه كاملة إذا وقعت أزمة أو خلاف بين دولتين يحمل جنسيتهما وأقسم لكلاهما بالولاء وحماية المصالح.
لا أحد من شخصيات سلطات الأمر الواقع يرغب في الظهور كمعرقل للحلول السياسية الدولية، سواء جاءت عبر بعثة الأمم المتحدة أو عبر دولة مهيمنة وفاعلة مثل أمريكا، لأن هذه العرقلة ستضعه في مرمى العقوبات الدولية، ولكن للعرقلة أشكال وتصورات مختلفة يمكن إعمالها من دون مواجهة مباشرة مع أي مبادرة، يكفي تحريك الأدوات الأخرى أوممارسة ضغوط عبر دولة داعمة لإجهاض أي تسوية سياسية، أو القبول بها وفقا لمبدأ الانحناء للعاصفة ثم العمل على تفريغ التسوية من مضمونها بكل الوسائل المتاحة، وهو ما عمل عليه حفتر بواسطة مجلس النواب مع اتفاق الصخيرات ثم اتفاق تونس جنيف.
لست متشائما، ولكن لن تنجح أي حلول سياسية في وجود حفتر، والنفوذ الذي عمل على بنائه طوال سنوات بدعم دولي وإقليمي، وترسيخه لسلطة قمعية غاشمة في مناطق نفوذه، مستعدة للفتك بأي مظهر أو تحرك تفوح منه رائحة المعارضة أو المنافسة السياسية، لذلك ستكون كل المحاولات عرضة للإجهاض ما لم يكن هناك حراك داخلي قوي يواجه سلطة حفتر وعائلته، رافضا لعودة الاستبداد، صادحا برفض عودة حكم الفرد والعائلة والقبيلة، مصرا على المضي في طريق النضال حتى إجتثات كل دعوى للعودة إلى ما قبل ثورة فبراير
_________________
