أسامة علي

لا يزال المساران الأممي والأميركي للحل في ليبيا يعملان بشكل غير واضح، فبينما تبدو الجهود متماهية في الظاهر، إلا أن البعثة الأممية تبرز استقلالها في تنفيذ خريطتها التي أعلنتها في 23 أغسطس/ آب الماضي، بينما تحاول المقاربة الأميركية، التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، التذكير بأن الخطوات التي تُيسرها البعثة مبنية على نجاحاتها السابقة في تقريب السلطتين في طرابلس وبنغازي.
وبعد ظهور انعكاس واضح للمقاربة الأميركية في المسار السياسي، الذي تشكل في “الطاولة المصغرة” التي رعتها البعثة في جلستين، الأولى في روما في الأول من مايو/ أيار الجاري، والثانية في تونس في 12 مايو الجاري، بمشاركة ممثلي الحكومة في طرابلس وبنغازي، وهما الطرفان الأساسيان في مقاربة بولس، ظهر تعارض جديد في المسار الأمني أيضا.
إذ أشار بولس إلى أن الاجتماع الذي يسرته البعثة الأممية بين ضباط من شرق ليبيا وغربها، في مدينة سرت الخميس الماضي، لمناقشة الأمن الحدودي، جاء بعد مشاركة الطرفين في “تمرين فلينتلوك 2026 العسكري” منتصف الشهر الماضي، فيما أكدت البعثة أن الاجتماع جاء نتيجة إنشاء “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود” بدعم منها منذ يناير/ كانون الثاني 2025.
والخميس الماضي أعلنت البعثة الأممية عن تنظيمها اجتماعاً في سرت، لتعزيز التنسيق الأمني الحدودي، بمشاركة “كبار الضباط العسكريين والأمنيين” من قيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ووزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية.
وأوضحت البعثة أن “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود” اتفق على “خطوات عملية لتعزيز التنسيق الأمني الحدودي، بما في ذلك إجراء عملية تعايش بين وحدات حرس الحدود لتنفيذ مهام بشكل متكامل ومشترك في مناطق حدودية محددة”، إضافة إلى “تفعيل عمل المراكز المشتركة لأمن الحدود التي سبق استحداثها في بنغازي وطرابلس”.
وأشارت إلى أن الفريق أُنشئ بدعمها منذ يناير 2025 “لتعزيز الجهود الليبية المبذولة في تأمين الحدود وحمايتها باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي الليبي”، معتبرة أن المبادرة “تمثل علامة فارقة في تطوير التنسيق المؤسسي، وخطوة هامة نحو توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وبناء الثقة، وتهيئة بيئة مواتية للعملية السياسية”.
من جهته، نشر مسعد بولس تدوينة على منصاته الإلكترونية اليوم الاثنين، رحب فيها بالاجتماع بين الفريقين الأمنيين من شرق ليبيا وغربها، مؤكدا الاتفاق على “تعزيز التعاون المشترك في أمن الحدود” و”تفعيل مراكز الأمن الحدودي المشتركة في بنغازي وطرابلس”.
وأشار بولس إلى أن ذلك يأتي بعد المشاركة في “تمرين فلينتلوك 2026 العسكري” بمدينة سرت منتصف الشهر الماضي، وتوقيع “الميزانية الوطنية الموحدة” في العاشر من أبريل، في ما يعكس استمرار الجهود العملية على الأرض لدعم تقدم ليبيا نحو الوحدة.
وفي منتصف الشهر الماضي، شهدت مدينة سرت، التي تعد منطقة تماس بين معسكري شرق البلاد وغربها ومقرا للجنة العسكرية المشتركة الليبية 5+5، تمرينات “فلينتلوك 2026” برعاية القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، بمشاركة نخبة من قوات قيادة حفتر ووزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، بحضور صدام حفتر، بصفته نائبا لما يعرف بــ”القيادة العامة للجيش الوطني”، وعبد السلام زوبي نائب وزير الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، في أول اجتماع عسكري علني بين الطرفين منذ سنوات طويلة من الانقسام والصراع.
وجاء هذا التمرين ضمن الجهود الأميركية التي يقودها بولس، في عدة مسارات، بينها المسار العسكري لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
وعقب هذا الحدث العسكري، عقدت البعثة الأممية سلسلة اجتماعات مع قادة عسكريين خارج الإطار التقليدي للقيادات الرئيسية لطرفي معسكري شرق وغرب ليبيا. وعلى الرغم من رعاية البعثة للحوار المهيكل، الذي يتضمن 120 شخصية ليبية في أربعة مسارات: الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية، لم يشارك ممثلو مسار الأمن في اجتماع الخميس.
على ماذا تقوم مقاربتا بولس والبعثة الأممية؟
وتقوم مقاربة بولس، التي بدأت منذ منتصف العام الماضي، على بناء تقارب تدريجي بين سلطتي طرابلس ممثلة في حكومة الوحدة الوطنية، وبنغازي ممثلة في قيادة حفتر، وقد أفضت إلى خطوات ملموسة أبرزها التمرين العسكري المشترك في سرت، إضافة إلى الاتفاق على الميزانية الموحدة بين الجانبين.
في المقابل، يرى مراقبون أن البعثة الأممية تعمل على احتواء هذا المسار من خلال توسيعه عبر إدماج أطراف ومكونات إضافية؛ ففي المسار السياسي ضمت “الطاولة المصغرة” ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى جانب ممثلي سلطتي طرابلس وبنغازي.
أما في المسار الأمني والعسكري، فقد أكدت البعثة أن اجتماع الخميس الماضي، الذي شهد تمثيلا واضحا للسلطتين في طرابلس وبنغازي، جاء في إطار “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود” الذي أُنشئ في يناير 2025، بالتوازي مع تكثيف التواصل مع قادة عسكريين خارج البنية التقليدية في طرابلس وبنغازي، بما يعكس سعيا أمميا لصياغة مسار أكثر شمولا وتعددا في التمثيل.
فروق المقاربتين الأميركية والأممية
وبرأي ناجي بوسيف، الخبير في الشأن العسكري والأمني، فإن المقاربة الأميركية نجحت في قطع أشواط في مسارها وفرضها واقعاً، بينما البعثة الأممية تحاول اللحاق بها من زاوية “مواكبتها وإدخالها في الأطر المؤسسية” لخريطتها.
ويرى بوسيف أن تدوينة بولس جاءت في سياق التذكير بأن المقاربة الأميركية “ليست فاعلا جانبيا، وإنما أساسي ولا يمكن تجاوزه، أو التفريط في مكتسباته”.
وإلى جانب جهود البعثة في احتواء المسار الأمني من خلال آليات سابقة مثل “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود”، يلفت بوسيف في حديثه لـ”العربي الجديد” إلى أنها تحاول إدماج بعد دولي من خلال استضافتها، مطلع الشهر الجاري، اجتماع مجموعة العمل الأمنية، المنبثقة عن مسار برلين الأممي، بمشاركة تركيا ومصر والاتحاد الأوروبي، مما يعكس سعيها “لتعدد” الأطراف الإقليمية والدولية، وعدم ترك الفاعلية لمقاربة واشنطن لوحدها في المشهد.
ويعتبر الخبير الليبي أن هذا السلوك يعكس “العقيدة الأممية التقليدية القائمة على توسيع المشاركة وتفكيك مراكز القرار الصلبة”، بهدف ضمان عدم انهيار أي تسوية مستقبلية، خصوصا أن الهدف النهائي للبعثة هو إجراء الانتخابات الوطنية، وليس تركيز التواصل على أطراف السلطة المتنفذة على الأرض، في طرابلس وبنغازي كما هي المقاربة الأميركية.
وفي السياق الأمني، يشير بوسيف إلى أن تركيز اجتماع بنغازي، الخميس الماضي، على “أمن الحدود” يمثل “تحولا مهما في بنية التعاطي الدولي مع ليبيا، فقد يكون بمثابة اختراق أوروبي للمسار الأمني، فملف الحدود نقطة التقاء بين مصالح أوروبية مرتبطة بالهجرة غير النظامية، لكنه أيضا ملف يمثل هاجسا مشتركا مع واشنطن أيضا، من ناحية أن الجنوب الليبي مجالا مفتوحا أمام تمدد النفوذ الروسي عبر معسكر حفتر”.
ورغم ذلك، يؤكد بوسيف أن البعثة الأممية ما تزال متأخرة في “قراءة البنية الحقيقية للصراع”، إذ يرى أنها بنت خريطتها منذ البداية بشكل منقوص، بأن جعلت المسار العسكري والأمني، ضمن هامش داخل “الحوار المهيكل”، وهو “الجانب الذي أحدث منه بولس اختراقه وحقق نجاحاته وفرضها، فجاءت البعثة الآن تحاول اللحاق وتعيد تموضعها بدل أن تكون هي المبادرة”.
ويخلص بوسيف إلى أن المقاربة الأميركية “تبدو مؤقتة لتحقيق مصالح آنية، لأنها قابلة للتفعيل السريع”. فالتحدي أمام البعثة، بحسب بوسيف، كون المقاربة الأميركية “تفتقر إلى عناصر الاستدامة، وعليها دفع المشهد من زاوية التقارب السطحي” إلى تفاهمات أمنية وعسكرية “مستدامة، قادرة على الصمود أمام الانقسامات الداخلية داخل كل معسكر”، وهو ما يفسر توجهها نحو توسيع قاعدة المشاركين المحليين والدوليين “بهدف إنتاج إطار أمني أكثر ثباتا يتجاوز منطق التفاهمات المؤقتة”.
__________________
