
تقوم تركيا بتدريب قوات ليبية متنافسة ضمن مناورات إيفس-2026، بينما تدفع اليونان نحو لجان قانونية ورسائل إلى الأمم المتحدة.
في السادس من مايو، استضافت إسطنبول نائب وزير الدفاع الليبي عبد السلام الزوبي ضمن فعاليات أحد أكبر معارض الصناعات الدفاعية في المنطقة. ولم يكن حضوره إلى إسطنبول مجرد زيارة بروتوكولية.
فقد جاء ذلك بعد أيام قليلة من إكمال عسكريين ليبيين من الشرق والغرب مرحلة مشتركة من مناورات إيفس-2026 على الأراضي التركية، وهي المرة الثانية خلال فترة قصيرة التي تتدرب فيها فصائل ليبية متنافسة معًا تحت تنسيق أنقرة. وعند النظر إلى هذه التطورات مجتمعة، فإنها لا تبدو أحداثًا منفصلة.
ما يجعل التوقيت بالغ الأهمية هو السياق المحيط به. فقبل أيام فقط من ظهور الزوبي في إسطنبول، كان وزير الخارجية اليوناني في طرابلس، حيث التقى مسؤولي حكومة الوحدة الوطنية ودفع باتجاه تفعيل لجنة فنية مشتركة لترسيم الحدود البحرية.
وصفت أثينا ذلك بأنه خطوة نحو “اتفاقيات جديدة”، لكن جوهر الرسالة لم يكن يتعلق ببدايات جديدة بقدر ما كان محاولة للتراجع عن أمر قديم، وتحديدًا مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وليبيا الموقعة عام 2019، والتي أمضت اليونان سنوات وهي تصفها بأنها غير قانونية.
في الواقع، تتبنى العاصمتان نهجين مختلفين تمامًا. فالمنافسة لم تعد تتركز أساسًا على السلاح أو عقود النفط أو القواعد العسكرية، بل أصبحت تدور حول البنية القانونية، والحضور الدبلوماسي، ومن يمتلك القدرة على التأثير في شروط إعادة دمج ليبيا تدريجيًا وبشكل غير مؤكد ضمن النظام الإقليمي.
أوراق قانونية أم حضور ميداني؟
كانت أثينا منهجية في تحركاتها، إذ حملت زيارة وزير الخارجية إلى طرابلس عدة خطوات متزامنة. فقد جاءت بمقترح لتشكيل لجنة فنية مشتركة لترسيم الحدود البحرية، وتدريب خفر السواحل، وإرسال إشارة أوسع بأن اليونان تريد إعادة بناء الروابط المؤسسية مع حكومة الوحدة الوطنية.
ويتضمن المقترح تدريب عناصر خفر السواحل والضباط العسكريين على مراقبة الهجرة وعمليات البحث والإنقاذ، ودعم إصلاح السفن والزوارق الدورية، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الأوروبية في إدارة الحدود. وهذه العروض تكشف الكثير عن الجهة التي صُممت أساسًا لخدمتها.
بعبارة أخرى، تقول أثينا إن الفاعلين الليبيين إذا اقتربوا أكثر من اليونان في القضايا البحرية، فسيكونون في موقع أفضل داخل الشبكات التي تشكل سياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالهجرة والتمويل. ومع ذلك، فإن هذه العروض مؤطرة بشكل كبير بما تريد أوروبا أن توقفه ليبيا، وليس بما تحاول ليبيا نفسها بناءه.
ولم تتوقف أثينا عند ذلك. فقبل الزيارة بفترة قصيرة، أرسلت اليونان رسالة رسمية إلى الأمم المتحدة تؤكد فيها مجددًا أن اتفاق 2019 غير منسجم جغرافيًا بسبب وجود الجزر اليونانية بين البلدين، وأن هذا الواقع يجعل وجود حدود بحرية مشتركة أمرًا مستحيلًا من الناحية القانونية.
لكن السجل القانوني شيء، والحضور الميداني شيء آخر. ففي الوقت الذي كانت فيه اليونان تقترح لجنتها في طرابلس، كان عسكريون ليبيون من بنغازي وطرابلس موجودين بالفعل في إزمير وإسطنبول على متن طائرات تابعة لسلاح الجو التركي للمشاركة في تدريب مشترك، وهو أمر يتطلب بطبيعته قبول الطرفين لأنقرة كمنسق موثوق.
هذه العلاقة ليست نتيجة لجنة فنية أنشئت حديثًا، بل هي حصيلة سنوات من الخبرة المتراكمة التي اختُبرت تحت الضغط.
كما أن محدودية الاستراتيجية القائمة على الأوراق القانونية ليست مجرد فرضية نظرية. فالانقسامات الداخلية في ليبيا لم تلتئم بعد، وأي طرف خارجي يعتمد أساسًا على الحجج القانونية والمقترحات الرسمية سيكتشف سريعًا أن هذه الأدوات تفقد فعاليتها عندما يتغير المشهد السياسي.
حتى لو قدمت اليونان حججًا قانونية متقدمة، فإن هذا النهج الورقي نادرًا ما يتحول إلى نفوذ فعلي على الأرض.
الجلوس مع جميع الأطراف
لسنوات، كانت سياسة تركيا تجاه ليبيا تكاد تكون مرادفة لطرابلس. فقد كانت العلاقة مع حكومة الوحدة الوطنية عميقة ومؤسساتية ومحمّلة سياسيًا، بُنيت خلال الحرب الأهلية التي اتخذت فيها أنقرة خيارات حاسمة.
كان هذا العمق حقيقيًا، لكن العلاقة المرتبطة بالكامل بطرف واحد في بلد منقسم لها حدود واضحة.
ما تغير مؤخرًا هو اتساع نطاق اتصالات أنقرة. فقد رست سفن حربية تركية في بنغازي، وأجرى وزير الدفاع التركي غولر محادثات مباشرة مع صدام حفتر، نائب القائد العام، في أنقرة.
والآن، جمعت مناورات إيفس-2026 جنودًا من جانبي الانقسام الليبي في التدريب ذاته للمرة الثانية.
وفي مناورات هذا العام، شارك 331 عنصرًا من شرق ليبيا و177 من غربها في التدريب المشترك إيفس-2026، الذي شمل أيضًا قطعًا بحرية ليبية مثل زورق الهجوم السريع “شفق”.
تكمن الفكرة في إخضاع جنود من معسكرات متنافسة للتدريبات نفسها، وتركهم يتشاركون قاعات الطعام وغرف التخطيط، ثم يعودون إلى بلادهم بشيء لا تستطيع أي لجنة فنية تصنيعه.
إن تنسيق فصائل عسكرية متنافسة ضمن تدريب مشترك يتطلب ثقة من الطرفين، واستثمارًا لوجستيًا، واستعدادًا لتحمل المخاطر السياسية إذا فشل الأمر. والنجاح في القيام بذلك مرتين خلال فترة قصيرة يكشف الكثير عن موقع أنقرة الحقيقي داخل المشهد الأمني الليبي.
فهي ليست مجرد الشريك المفضل لمعسكر واحد، بل تحاول — ويبدو أنها تنجح — في أن تكون فاعلة بالنسبة إلى ليبيا بأكملها.
وهذا هو النفوذ الحقيقي، وهو موقع لا تمتلك اليونان طريقًا واقعيًا لتكراره قريبًا. وبالنسبة للقادة الليبيين الذين يحاولون إعادة ترميم قطاع أمني متصدع، فإن الأمر ليس مجرد نظرية، بل تجربة معاشة لوحدات تسافر وتتدرب وتأكل معًا تحت رعاية شريك يتحدث إلى المعسكرين.
ما الذي يميز أنقرة؟
يجب التوقف عند عدم التوازن بين النهجين. فاستراتيجية اليونان تجاه ليبيا ذات طابع دفاعي في أصلها. لقد بُنيت لمواجهة مذكرة 2019، والحد من النفوذ البحري التركي في شرق المتوسط، وإدارة تدفقات الهجرة عبر المسار الأوسط.
إنها استراتيجية تتمحور أساسًا حول ما لا تريده اليونان أن يحدث، أكثر من تركيزها على ما تريد بناءه.
أما اهتمام تركيا بليبيا فيسير في اتجاه مختلف. فأنقرة تسعى إلى البقاء منخرطة داخل القطاع الأمني الليبي، والحفاظ على وصول عملياتي إلى وسط البحر المتوسط، ودعم مسار سياسي لا يستبعدها، وهو ما يتطلب حضورًا طويل الأمد لا مجرد دفعة دبلوماسية مؤقتة.
إن تزويد المعدات، والتدريب الميداني، والمناورات المشتركة، والحوار العسكري رفيع المستوى، والانفتاح على الكتلتين السياسيتين، يشكل نموذجًا يتراكم تأثيره بمرور الوقت.
وعلى الصعيد المدني، تربط أنقرة بين التعاون الأمني وإعادة الإعمار عبر الطرق والمستشفيات والبنية التحتية.
وقد وقعت شركات تركية بالفعل اتفاقيات تطوير في مدن شرقية هي بنغازي والبيضاء وطبرق، تشمل الطرق والمرافق والمستشفيات العامة. ومع تجاوز حجم المشاريع التركية التراكمي في ليبيا 30 مليار دولار، يتجه التركيز الآن نحو المطارات ومنشآت الطاقة والبنية التحتية المعيارية.
أما برامج التدريب، فهي مصممة بحيث تبقى القيادة والعقيدة العسكرية بيد الليبيين، بينما تركز الفرق التركية على التأهيل والتخطيط المشترك والدعم الفني والصيانة. وقد وصف مسؤول ليبي هذا النموذج بأنه يقوم على سعي أنقرة إلى أن تكون داخل البنية الأمنية الليبية، لا فوقها.
لقد تصاعد التنافس على ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة. وأصبحت أثينا أكثر نشاطًا من أي وقت منذ توقيع مذكرة 2019. فالرسالة الموجهة إلى الأمم المتحدة، وزيارة طرابلس، ومقترح اللجنة المشتركة، كلها تعكس الجهود اليونانية.
ومع ذلك، لا تزال المذكرة قائمة. ولم تُظهر حكومة الوحدة الوطنية أي رغبة حقيقية في الابتعاد عنها رغم الضغوط اليونانية المستمرة. كما أن لحكومة طرابلس أسبابها الخاصة للحفاظ على استقرار هذه العلاقة، ولا يمكن للجنة فنية مستحدثة أن تتفوق عليها.
وبالنسبة لدولة تحاول أن تصبح موحدة من جديد، فإن الشريك الذي يدرب ويعيد البناء ويبقى حاضرًا، سيكون صوته دائمًا أعلى من الشريك الذي يكتفي بتقديم الاعتراضات.
_________________
