جمال طه 

الفوضى أسقطت مؤسسات الدولة الليبية، أنهكها ازدواج السلطة، وفرقها الانقسام الحكومي، وفشلت محاولات التوافق والوحدة، فمصالح الأجسام السياسية المؤقتة تجذّرت وكرّست التقسيم، أمريكا لم تهتم بها، بل اعتمدت على «إيطاليا وتركيا» كوكلاء، لكن تضارب مصالحهما ضيع فرص حل الأزمة، تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة عززت المخاوف من نقص الإمدادات، وأعادت الاهتمام الأمريكى بليبيا، كأحد البدائل التعويضية باحتياطاتها النفطية الضخمة.

موقع «ذا هيل» الأمريكي اعتبر ليبيا «فرصة نادرة للتوافق بين الفرص والجدوى، فهي ليست خصمًا كإيران، ولا رافضة للدور الأمريكي كنظام مادورو بفنزويلا، لكنها دولة مقسمة يجمع فصائلها المتنافسة حافز مشترك، وهو استعادة إنتاج النفط وعائداته»، وفوق هذا وذاك تتصدر الدول الأفريقية باحتياطات نفطية مؤكدة «٤٨.٣٦ مليار برميل»، ولا تزال تكشف عن أسرارها؛ شركات طاقة إيطالية وإسبانية وجزائرية أعلنت عن ثلاثة اكتشافات جديدة للنفط والغاز في أبريل.

أمريكا تحركت تجاه ليبيا على ثلاثة محاور:

الأول احتضان قادة المؤسستين العسكريتين في الشرق والغرب وتهيئة المناخ المناسب للتعايش فيما بينهم، ومحاولة ربطهم بالمصالح الأمريكية،

الثاني حث بعثة الأمم المتحدة على تبنى رؤى للحل تطيح بالقوى الفاعلة على الأرض وبأصحاب النفوذ والمصالح والجماعات المسلحة،

الثالث طرح مبادرات متدرجة لإنهاء الأزمة تلقى قبولًا واسعًا كبديل لإجراءات بعثة الأمم المتحدة الباترة.

خلال إحاطتها لمجلس الأمن فبراير ٢٠٢٦، أكدت «حنا تيتيه» رئيسة بعثة الأمم المتحدة أن مجلسي النواب والأعلى للدولة يعرقلان إنجاز المرحلة الأولى من الخريطة الأممية الخاصة بتعديل القوانين الانتخابية وإعادة هيكلة مفوضية الانتخابات، أمريكا والمجلس دعماها لإعادة ترتيب الأولويات قبل اختتام أعمالها في يونيو، ببلورة توصيات تمهد لإجراء الانتخابات.

«تيتيه» تجاهلت تفاهمات مجلسي النواب والأعلى للدولة حول إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، وشكلت [اللجنة الاستشارية للحوار المهيكل ٤+٤] بطريقة أحادية، بدعوى نقل الحوار من النخب إلى مشاركة أوسع، واختارت أعضاءها بمعايير غير شفافة، بل إنها ضمت أعضاء من الأجسام السياسية القائمة دون الرجوع لها، فحولت اللجنة لكيان موازٍ يفتقر للغطاء القانوني والشرعي، ويحمل شبهة السعي لتمرير صفقات سياسية مشبوهة..

اللجنة اجتمعت في روما ٢٩ أبريل لاختيار النظام الانتخابي الأنسب، وبحث شروط الترشح للمناصب، وضوابط مشاركة العسكريين وأصحاب الجنسية المزدوجة، وإعداد الأطر القانونية، واستكمال تشكيل مجلس المفوضية. المجلسان التشريعيان رفضا تشكيل اللجنة ومخرجاتها، و«مصراتة» عارضتها لخشيتها من فقدان خصوصية الثقل الذي فرضته بقوتها العسكرية منذ سقوط الدولة..

«محمد المنفى» رئيس المجلس الرئاسي استقبل «تيتيه» مؤكدًا تحفظه على اللجنة، وتمسكه بالمرجعيات الدستورية والسيادة الوطنية، رافضًا أي مسارات سياسية موازية أو تجاوز لاختصاصات المؤسسات الشرعية، وشدد على أن ما يتعلق بإعداد القوانين الانتخابية وهيكلة المفوضية، اختصاص حصري للمؤسسات التشريعية.. النفور العام من حلول البعثة الأممية تحقق بالفعل.

مبادرة «مسعد بولس» مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية، تضمنت إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي لليبيا الموحدة، بترؤس «صدام حفتر» نائب القائد العام للجيش الوطني لمجلس رئاسي جديد لشطري البلاد، وتشكيل «حكومة موحدة» جديدة برئاسة «عبد الحميد الدبيبة»، الذي وقع للتو اتفاقًا لتطوير قطاع النفط يغطى ٢٥ عامًا مع شركتي «كونوكو فيليبس» الأمريكية و«توتال إنرجيز» الفرنسية بعائدات ١٥ مليار دولار/عام، مما يفسر تمسك واشنطن باعتماده طرفًا أصيلًا ضمن أي تسوية، خاصة أن هذه الاتفاقيات تلقى معارضة داخلية..

بولس قدر تحفظات الرأي العام على الاتفاقيات، وعدم تفاؤله بصيغة تجمع صدام والدبيبة، لذلك جمع قادة حكومة طرابلس وقيادة الجيش ببنغازي في تركيا ثم فرنسا، للبدء بملفات توحيد المالية العامة وإدارة الموارد والعائدات النفطية والمؤسسة العسكرية.

بولس حقق التوافق بين ممثلي مجلسي النواب والأعلى للدولة على إطار مالي وسياسي شامل لتوحيد الميزانية العامة، بقيمة ٢٦ مليار دولار، تغطى «المرتبات، نفقات التسيير، الدعم، والتنمية»، ما أنهى انقسامًا ماليًّا استمر ١٣ عامًا، إنتاج النفط انتظم ووصل لأعلى معدلاته خلال عشر سنوات، وتم توزيع العائدات بانسيابية غير مسبوقة، ما فرض وضع آليات تنفيذ مستقرة وتعزيز سلطة البنك المركزي وأجهزة الرقابة المالية ضمانًا لنجاح الخطة.

القيادة الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» نظمت مناورات «فلينتلوك ٢٠٢٦» السنوية للعمليات الخاصة بمحيط «سرت» يوم ١٤ أبريل ولأسبوعين بمشاركة ٣٠ دولة، مستهدفة تعزيز القدرات في مجال مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، بعض المحللين اعتبروا أن مشاركة تشكيلات عسكرية من الشرق ومن الغرب خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية.

لكن الحقيقة أن كل تشكيل شارك مستقلًا عن الآخر، لا كتشكيل موحد، أما الحميمية التي لفتت الأنظار بين أعضاء التشكيلين فهي حنين طبيعي، لأنهما كانا ينتميان إلى مؤسسة دولة واحدة قبل التقسيم، وكلاهما يتوق لاستعادة وحدة الجيش، لكن المشكلة تكمن في الجماعات المسلحة النافذة في الغرب، التي تعرقل أي اتفاق عسكري أو سياسي يحرمها مما اكتسبته من نفوذ إبان غياب الدولة، ناهيك عن السياسيين فى الشرق والغرب الساعين للاستمرار في مناصبهم.

الخطة الأمريكية هددت أصحاب المناصب والمصالح المستقرة، لذلك تعددت جهات معارضتها خاصة من جانب الميليشيات المسلحة والقوى السياسية المتضررة «الجهاز الوطني للقوة المساندة فى طرابلس، «كتائب وسرايا ثوار الزاوية، المجلس العسكري بمرزق جنوب ليبيا..»، مما يفسر ما شهدته مدينة «الزاوية» غرب ليبيا من اشتباكات خلال مايو ٢٠٢٦، أشعلت النار في إحدى المصافي بالمجمع النفطي بالمدينة، فتم إخلاء الميناء من الناقلات وتعطيل المصفاة.. «الزاوية» نقطة محورية لتهريب الوقود والمهاجرين، والمصفاة هدف حيوي لسيطرة المجموعات المسلحة، ضمن صراعاتها على النفوذ والمال ومسارات التهريب.

________________

مقالات مشابهة