رشا الدرسي

يُعلن عبد الحكيم بلحاج، الشخصية البارزة في طرابلس، تأييده لمبادرة أمريكية لتوحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، مما يزيد الضغط على حكومة الوحدة الوطنية الحالية في ظل تصاعد النشاط الاستخباراتي الإقليمي.
في خضم تحركات دبلوماسية إقليمية مكثفة ومناورات استخباراتية، تمر الأزمة السياسية الليبية بمنعطف حرج. وقد حظيت مبادرة جديدة مدعومة من الولايات المتحدة تهدف إلى إنهاء الانقسام المؤسسي في البلاد وتوحيد سلطاتها التنفيذية بزخم ملحوظ في الشرق، مما يضع الكرة في ملعب الفصائل الليبية الغربية.
تركز الخطة، التي يتزعمها مساد بولوس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، على تشكيل حكومة موحدة، ودمج المؤسسات الحكومية، وتشجيع الاستثمارات النفطية الأمريكية. ورغم أن بولوس قدّم المقترح باعتباره مكمّلاً للجهود المستمرة التي تبذلها الأمم المتحدة، فإن المبادرة أثارت نقاشاً حاداً حول ما إذا كانت واشنطن قادرة على تجاوز الانقسامات التقليدية في ليبيا، أم أن هذه الخطة ستلتحق بقائمة طويلة من التسويات الفاشلة.
كسر الصمت في طرابلس
انكسر الهدوء السياسي في غرب ليبيا بشكل مفاجئ في 21 يونيو/حزيران، عندما أصدر عبد الحكيم بلحاج، الشخصية السياسية البارزة والقائد السابق للمجلس العسكري لطرابلس، بياناً أعلن فيه رسمياً تأييده للمبادرة الأمريكية.
ودعا بلحاج، الذي يتولى حالياً رئاسة حزب الوطن، حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس إلى توضيح موقفها من المقترح. ووصف الخطة الأمريكية بأنها “فرصة لتسريع الوصول إلى حلول سياسية تُنهي حالة الانقسام السياسي الراهنة”، مؤكداً أن أي تسوية في الظروف الحالية يجب أن تقوم على “الممكن والمقبول” بدلاً من “الكامل ولكن المستحيل”.
ورغم تراجع الحضور السياسي لبلحاج في السنوات الأخيرة، فإن تأييده يحمل وزناً رمزياً كبيراً في غرب ليبيا. ويأتي بيانه بعد أسابيع من إعلان قوات الشرق بقيادة القائد العسكري خليفة حفتر وأكثر من 100 عضو من مجلس النواب في الشرق (المقره في طبرق) تأييدهم للخطة الأمريكية.
وقالت عائشة الطبالقي، عضو مجلس النواب، للجزيرة إن المبادرة الأمريكية تميزت باعتمادها على تفاهم بين الفصيلين الرئيسيين اللذين يملكان النفوذ الفعلي على الأرض. وأشارت إلى أن ظهور أصوات داعمة في الغرب قد يعزز فرص قبول المبادرة على نطاق أوسع.
غير أن مدى الدعم الحقيقي للمبادرة لا يزال محل خلاف. وكشف محمد المعزاب، عضو المجلس الأعلى للدولة، أن عدة أعضاء في مجلس النواب أخبروه خصوصاً أن أسماءهم أُضيفت إلى قائمة المؤيدين دون علمهم المسبق. ورفض المعزاب تحرك بلحاج ووصفه بأنه محاولة “لتقديم نفسه كطرف يمكن أن يكون جزءاً من أي ترتيبات سياسية مستقبلية”، معتبراً أنها “قفزة في الهواء لن تؤثر بشكل كبير على ميزان القوى”.
خريطة طريق سياسية أم “صفقة” عائلية؟
واجهت الآليات التفصيلية للمقترح الأمريكي تدقيقاً مكثفاً من قبل محللين ليبيين يخشون أن تؤدي المبادرة إلى ترسيخ ترتيب لتقاسم السلطة طويل الأمد بدلاً من تمهيد الطريق للديمقراطية.
خلال حلقة حديثة من برنامج “ما وراء الخبر” على قناة الجزيرة العربية، انتقد المحلل السياسي عبد السلام الراجحي هذه الجهود، معتبراً أنها “أقرب إلى صفقة منها إلى مبادرة”. واقترح الراجحي أن بولوس، الذي يفتقر إلى خبرة دبلوماسية واسعة، يسعى لتحقيق نصر جيوسياسي سريع.
وقال الراجحي: “المشكلة التي تواجه صفقة بولوس هي أنها صُممت حول أفراد محددين”، مستشهداً بتسريبات واسعة النطاق تفيد بأن الخطة تهدف إلى تعيين صدام حفتر – نجل القائد العسكري الشرقي خليفة حفتر – رئيساً لمجلس رئاسي جديد، وإبراهيم الدبيبة – ابن شقيق رئيس حكومة الوحدة الوطنية الحالية عبد الحميد الدبيبة – رئيساً للوزراء. وأشار الراجحي إلى أن الرجلين ورد اسمهما بشكل بارز في تقرير حديث لفريق خبراء الأمم المتحدة الذي يتناول تفاصيل تهريب النفط غير المشروع والاختلاس المالي.
على النقيض، رأى سنوسي إسماعيل، المحلل السياسي المقيم في طرابلس، أنه رغم المخاوف المشروعة من انتكاسة ديكتاتورية أو حكم عائلي، فإن الجمود السياسي الحالي يستلزم المخاطرة المحسوبة.
وقال إسماعيل: “الرأي السائد هو أنه ينبغي الانخراط بإيجابية مع مبادرة بولوس”، مشدداً على ضرورة دمج الخطة الأمريكية مع خارطة طريق الأمم المتحدة القائمة. وأكد أن أي حكومة موحدة جديدة يجب أن تكون ملزمة بجداول زمنية صارمة تؤدي مباشرة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، مما يمنع السلطات الجديدة من التمسك بالسلطة إلى أجل غير مسمى.
ودافع وليام لورانس، الدبلوماسي الأمريكي السابق وأستاذ الشؤون الدولية، عن التدخل الأمريكي. وقال: “السبيل الوحيد الذي يمكن لبولوس العمل عليه كخطوة أولى هو إيجاد حلول اقتصادية وتوحيد المؤسسات الاقتصادية الليبية”. وأضاف: “أعتقد أنه يأتي بنوايا حسنة ويحاول التوصل إلى حل شامل ومستدام… ولا أرى أي خطة بديلة في الوقت الراهن”.
مناورات إقليمية
يتزامن الجدل حول المبادرة الأمريكية مع حراك إقليمي مكثف. ففي الأسبوع الماضي، اجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا مع بولوس في القاهرة لبحث الملف الليبي. وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية عن تشكيل آلية إقليمية جديدة تُعرف باسم “R-4″، تضم باكستان ومصر والسعودية وتركيا، تهدف إلى دعم الاستقرار الإقليمي.
وقد اقترن هذا الزخم الدبلوماسي بنشاطات استخباراتية ملحوظة على الأرض في ليبيا:
- في الغرب: زار رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد طرابلس لإجراء محادثات نادرة مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.
- في الشرق: زار رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين بنغازي للقاء صدام حفتر، حيث ناقشا جهود توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار.
وقال فيصل بوثرايقة، الباحث في الأمن القومي، للجزيرة إن هذه التحركات المتوازية تعكس جهداً دولياً لتهيئة بيئة مواتية لترتيبات سياسية جديدة.
وأضاف بوثرايقة: “تتحرك ليبيا حالياً بين احتمالين: الوصول إلى تسوية سياسية جديدة، أو إعادة ترتيب ميزان القوى بين الأطراف المختلفة”. وأشار إلى أن واشنطن تنظر إلى مبادرتها كأداة لدعم المسار الأممي، وليس كبديل عنه.
حتى الآن، لم يصدر عن حكومة الوحدة الوطنية موقف رسمي من الخطة الأمريكية. واقترح إلياس الباروني، المحلل السياسي، أن حذر الحكومة محسوب، ويهدف إلى الحفاظ على مساحة للمناورة السياسية، وتجنب الانقسامات في المعسكر الغربي، وانتظار تبلور الموقف النهائي لواشنطن.
_________________