طاهر مولود

يقول الأديب الليبي إبراهيم الكوني في رواية “نزيف الروح“: “مأساة الدنيا أن الذين يتولون أمرها لا يفكرون، والذين يفكرون لا يتولون أمرها“.
وإذا تأملنا واقع ليبيا اليوم، نجد أنفسنا أمام مشهد معقد من الانهيار السياسي والعسكري الذي أصاب البلاد، ما جعله يرزح تحت وطأة أزمات متداخلة ومتراكمة، في ظل غياب رؤية واضحة أو قيادة قادرة على توحيد الصفوف واستعادة بوصلة الوطن.
ورغم الإرث العظيم للثائر عمر المختار الذي قال: “نحن لا ننهزم، ننتصر أو نموت“، فإن التحديات الراهنة تبدو وكأنها قد جرّت البلاد إلى حالة من التراجع والشتات، انعكست على حاضرها ومهدّت طريقاً لمزيد من الانقسامات والتشتت السياسي والفكري.
في هذا السياق، يبرز سؤال محوري يحوم فوق واقع ليبيا الراهن:
هل ستتمكن البلاد من تجاوز هذه المحنة العميقة التي تهدد كيانها، والنجاة من براثن الماضي المليء بالأحقاد والصراعات القبلية، لتعيد بناء نفسها على أسس الوحدة والتماسك الوطني؟
أم أن ليبيا ستظل أسيرة لتشتت قواها الداخلية، وضعف مؤسساتها، وتداخل المصالح الخارجية التي تزيد من تعقيد الأوضاع، مما يجعل الحلم بالاستقرار والوحدة بعيد المنال؟
منذ القدم، شكّلت الانقسامات القبلية في ليبيا واقعًا مؤثرًا، استغله المحتلون الإيطاليون الذين سيطروا على البلاد بين عامي 1912 و1943، بعدما انتزعوها من الإمبراطورية العثمانية.
استغل المستعمر الإيطالي تلك الانقسامات في سياق حملاته العسكرية والسياسية منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي، حين واجه مقاومة من بعض القبائل المتمردة التي خاضت صراعات داخلية أيضاً.
وقد تمكن الإيطاليون من فرض سيطرتهم على مناطق جغرافية حيوية مثل ممر سرت وواحات الجفرة وزلة وأوجلة وجالو في صحراء برقة.
أسفرت تلك الانتصارات العسكرية عن توحيد منطقتي طرابلس وبرقة تحت قيادة واحدة، في تحول كبير مقارنة بالوضع السابق الذي تميز بوجود حكومتين وسياسات وإدارات منفصلة.
استخدم المحتلون الإيطاليون أساليب عنف وترهيب في مواجهة السكان الذين قاوموا الاستعمار، مما ترك أثرًا عميقًا في التاريخ الليبي.
وهنا يمكن استخلاص درس مهم لكل الليبيين وللقوى الخارجية التي تسعى للتأثير في البلاد: رغم المحاولات المستمرة لتوحيد المناطق المنقسمة، فإن التحديات التي تواجهها ليبيا اليوم ترتبط بشكل جوهري بإشكالية الوحدة السياسية والاجتماعية.
في البدء.. كانت “الثورة” أو هكذا قيل
في نهاية عام 2010، شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موجة احتجاجات واسعة، وصفت بـ“الثورية” – كما أطلقت عليها مراكز الدراسات ومخابر البحث المرتبطة بمختلف وزارات الخارجية في الدول الغربية التي كان لها دور في هذه الأحداث.
وسرعان ما أُطلق على هذه الحركات اسم “الربيع العربي“، في إشارة إلى “ربيع الشعوب” الذي هز أوروبا عام 1848.
هذه الحركات “الثورية“، التي استمرت أحيانًا حتى عام 2012 حسب البلد، تركت تأثيرات متباينة: فقد أجبرت بعضها الأنظمة على إدخال إصلاحات اجتماعية وسياسية، بينما تحولت أخرى إلى حروب أهلية، كما حدث في سوريا لأسباب متعددة.
وأخيرًا، سقطت أنظمة بسرعة نسبية كما في تونس ومصر وليبيا.
تُعد ليبيا حالة خاصة بين هذه الأحداث؛ فبينما تحولت الاحتجاجات إلى حرب أهلية بين فبراير وأكتوبر 2011، تدخلت القوات الغربية تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأطاحت بالقذافي، الذي حكم البلاد لمدة 42 عامًا.
ليبيا، دولة ذات بنية قبلية بطبيعتها ومتعددة الانقسامات، خضعت لهيمنة الدولة العثمانية لمئات السنين، ثم احتلتها إيطاليا واستعمرتها من 1912 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية وقبل أن تنال استقلالها، وأراضيها غنية بالموارد الأحفورية.
وبعد أكثر من عشر سنوات على سقوط القذافي و“انتصار” الثورة، فشلت البلاد في تحقيق الاستقرار أو انتقال سياسي حقيقي.
ومع اندلاع حرب أهلية ثانية، تحولت ليبيا اليوم إلى “دولة فاشلة” تواجه تحديات دولية معقدة.
تعد حقبة ما بعد القذافي فوضوية لأسباب عدة، أبرزها التدخل الغربي والمغامرة بقرار قصف قوات النظام عبر الناتو، في محاولة لحماية مصالحها ودفع المسار السياسي، الذي كان داخليًا أصلاً لكنه سرعان ما تحوّل إلى صراع تراكمت فيه قوى داخلية وأخرى خارجية.
فما الذي أربك المشهد في هذه الرقعة الجغرافية؟
من الواضح أن هناك جهات فاعلة متعددة تسعى دائمًا إلى الاقتراب من الجهات الأكثر قوة، حتى وإن كانت خارج الأراضي الليبية، مما أضرّ بالنغمة الشعبية التي رافقت الانتفاضة، والتي بدأت بمراحل من التفاؤل والنشوة استمرت حتى عام 2013.
ابتداءً من عام 2013، تعمقت الانقسامات حين صار لا بد من التفكير في مستقبل البلاد، وبدأت الميليشيات تتفاوض على ثمن دورها في هذا المستقبل ومشاركتها فيه، ما خلق ظروفًا مناسبة لتفكيك الجهاز الأمني القديم الذي حافظ عليه القذافي نفسه.
هذا التشرذم كان إقليميًا في الأساس، ومتركزًا في ثلاث مناطق رئيسية: طرابلس، فزان، وبرقة. وامتد إلى الـ22 منطقة إدارية (الشعبيات) التي أُنشئت في نهاية التسعينيات، والتي أصبحت أكثر استقطابًا في المدن.
باختصار، هذا التفتت هو نتيجة تاريخ طويل من عدم تكامل المناطق داخل الدولة، إضافة إلى فترة قصيرة من “النصر” المدعوم عسكريًا من الغرب، الذي سهّل ظهور بارونات الميليشيات المحليين.
عندما تنقسم ليبيا إلى مناطق نفوذ عربية وأجنبية في دولة اسمها ليبيا الحديثة، تتحول البلاد إلى دويلات كان مخططًا لها سابقًا، ولا تزال مستمرة حتى اليوم. ونشهد يوميًا نتائج هذه الانقسامات في تمزيق البلد ومحاولة تجزئته مجددًا.
ولم يتوقف التمزيق عند التقسيم فقط، بل ترافق ذلك مع ظهور كيانات صغيرة تحكم الشرق والغرب عبر حكومات ومجالس وبرلمانات متناحرة وغير متفاهمة، لا هدف لها سوى الاستجابة لتداعيات التبعية للقوى الأجنبية، ومساعدة هؤلاء في تنفيذ مخططات فرضت عليهم.
مثال على ذلك حكومة طرابلس والغرب الليبي، التي كانت سابقًا عاصمة ليبيا الأبدية، في تحالف مع تونس وبريطانيا وإيطاليا. ودويلة الشرق الاقتصادية المتحالفة مع مصر وروسيا، ودويلة الجنوب المرتبطة بفرنسا.
كلها كيانات لم تكن مستقلة تاريخيًا قبل الاستعمار أو حتى بعد الاستقلال الأول.
هذا التقسيم ليس جغرافيًا بقدر ما هو تقسيم للمصالح، على عكس ما كان يعتقده الليبيون في مناهجهم الدراسية، بينما الأيادي الخفية والقوى الأجنبية التي تدعم هذا الطرف على حساب ذاك نجحت في زرع استراتيجية السيطرة والتوسع السريع في قطاعات الدولة.
ليس الخطأ في دخول أجسام غريبة إلى المجتمع الليبي، بل الخيانة المتوارثة التي ليست مؤقتة. المتصارعون على ما تبقى من ليبيا اليوم، في الواقع، هم حلفاء في حرب ليست ضد الإرهاب، بل ضد مقدرات الدولة الليبية ومستقبل شعبها.
…
يتبع
_______________