كريمة ناجي

عضو مجلس الدولة “قوى الشرق والغرب لا رغبة لديها في انتخابات تنهي المراحل الانتقالية”.

في ظل تصاعد الحديث عن انتقال القرار الانتخابي إلى مسارات سياسية تتجاوز اختصاصات لجنة “4+4″، يقول المتخصص بالشؤون السياسية إن الانتخابات في ليبيا لم تعد مجرد استحقاق دستوري، بل أصبحت مشروعاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً متكاملاً، يرتبط بجملة من التفاهمات المعقدة، منها:

  • شكل السلطة التنفيذية المقبلة وتوزيع المناصب السيادية،
  • مستقبل القيادات العسكرية،
  • إدارة الموارد النفطية والضمانات الدولية المقدمة للأطراف المتنافسة،

وهذا يعني أن لجنة “4+4” أصبحت جزءاً من المشهد، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد فيه.

في الوقت الذي تتظافر فيه الجهود المحلية والأممية لتجاوز الخلافات حول القوانين الانتخابية بين مجلس الدولة ومجلس النواب،أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التوصل إلى اتفاق بشأن آلية تعيين رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وذلك خلال اللقاء السابع للاجتماع المصغر لمعالجة خريطة الطريق الأممية، والذي عُقد في العاصمة التونسية برئاسة الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه، التي أكدت أنه تمت مناقشة بنود مسودة الاتفاق النهائي، على أن تُستأنف المشاورات الأسبوع المقبل لاستكمال التفاهمات.

برزت تساؤلات حول مدى قدرة اللجنة المصغرة “4+4″على إنتاج تسوية سياسية تقود إلى عملية انتخابية، أم أن الأزمة الليبية جعلت القرار الانتخابي رهين توافقات داخلية ودولية تتجاوز صلاحيات هذه اللجنة؟

تفاهمات سياسية 

 وحول ما إذا كانت هذه اللجنة قادرة على إنهاء الانسداد السياسي في البلد المنقسم إلى سلطتين بسبب فشل الذهاب إلى انتخابات وطنية تقول عضو اللجنة الاستشارية لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عبير امنينة، إن المسار الانتخابي في ليبيا لم يعد محكوماً فقط بما تنتجه اللجان الفنية أو التشريعية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتفاهمات السياسية بين الفواعل الرئيسية. 

وتواصل امنينة حديثها مع “اندبندنت عربية” أنه من بين هذه التفاهمات، تلك التي تُجرى  بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والقيادة العامة في شرق البلاد، معتبرة أن الكل يعي أن أي تقدم في الملف السياسي أو الأمني أو الاقتصادي يتطلب قدراً من التنسيق بين هذين الطرفين، لأنهما يمثلان مركزين رئيسيين للقوة والنفوذ. 

وتوضح امنينة أن نجاح الانتخابات لن يعتمد فقط على جاهزية القوانين، وإنما على قدرة هذه القيادات على التوصل إلى تفاهمات تضمن قبول نتائج الانتخابات وعدم العودة إلى الانقسام أو الصراع.

تدوير الأزمة 

وبخصوص مدى قدرة مجلسي النواب والأعلى للدولة على لعب دور حاسم في إنهاء الانسداد الانتخابي عبر التوافق على القوانين، أم أن الملف أصبح يتطلب  تفاهمات تتجاوز المؤسسة التشريعية، يرى عضو مجلس الدولة عادل كرموس، أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا تسعي لحل الإشكالية الليبية إنما هي تسعي لكسب الوقت لحقيق أكبر استفادة من بقاء الأزمة. 

ويضيف أن البعثة تحاول تمديد دائرة المشاركة بتوسيع الحوار لكي تفقد المخرجات أي أساس دستوري نتيجة عدم إشراك الأجسام الشرعية بشكل مباشر، والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل الحوار المهيكل ونتائجه التى ستعرض على المجلسين، مشيراً أنه بهذا عدنا للنقطة صفر.

ويضيف عضو مجلس الدولة أن عضوي المجلس الأعلى للدولة في لجنة “4+4” ذكرا أنهما لا يمثلان المجلس، فيما ستعرض مخرجات اللجنة في ما بعد على المجلسين للموافقة، فالناتج في كل هذه اللقاءات هو المماطلة لأن قوى الأمر الواقع شرقاً وغرباً لا ترغب في حصول انتخابات تنهي المراحل الانتقالية وفق ما جاء على لسانه. 

صراع البقاء 

ويرى عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني، أن الإعلان عن توصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى اتفاق بشأن آلية تعيين رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، خلال الجولة السابعة من اجتماعات لجنة “4+4″، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تقدم إجرائي أو إنجاز تقني يتعلق بإدارة العملية الانتخابية، بل إنه يمثل حلقة جديدة في الصراع الدائر حول سؤال أكثر تعقيداً، وهو؛ من يملك حق صياغة المرحلة المقبلة في ليبيا، ومن يملك ضمانات البقاء فيها؟.

والأهمية التي تحظي بها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في عمل هذه اللجنة المصغرة يقول الباروني إنه في الظروف الطبيعية، يُنظر إلى المفوضية الانتخابية بوصفها مؤسسة فنية مستقلة تتولى تنظيم العملية الانتخابية والإشراف عليها.

لكن في الحالة الليبية، أصبحت هذه المؤسسة تمثل أحد أهم مفاتيح السلطة، لأن من يتحكم في قواعد العملية الانتخابية يمتلك تأثيراً مباشراً في نتائجها ومخرجاتها.

ويشير إلى أن الصراع حول رئاسة المفوضية لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بخمس قضايا رئيسية على رأسها تحديد معايير الترشح للانتخابات، وإدارة سجل الناخبين والإشراف على مراحل العملية الانتخابية، وإعلان النتائج النهائية، والتعامل مع الطعون والنزاعات القانونية، منوهاً إلى أن السيطرة على مفاصل العملية الانتخابية أصبحت جزءاً من الصراع على السلطة نفسها.

وفي ما يخص قدرة لجنة “4+4” على إنتاج تسوية سياسية، يقول المتخصص بالشؤون السياسية إنه للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى طبيعة هذه اللجنة وأهدافها، حيث أُنشئت اللجنة بوصفها آلية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية بشأن القوانين الانتخابية.

لكنها وجدت نفسها أمام أزمة أكبر بكثير من نطاق اختصاصها فالأزمة الليبية اليوم تتجاوز قضية الانتخابات إلى مجموعة من الملفات المعقدة، من بينها؛ توحيد المؤسسة العسكرية وإعادة توزيع الموارد النفطية ومعالجة الانقسام الحكومي وتحديد شكل النظام السياسي ومعالجة قضية الوجود العسكري الأجنبي وإعادة هيكلة المؤسسات السيادية، ومن هنا، فإن قدرة اللجنة على تحقيق اختراق سياسي حقيقي تبدو محدودة للغاية.

تعطل الاتفاقات 

ويربط الباروني تعثر المسارات السابقة واستمرار الأزمة بمجموعة من الأسباب الجوهرية من أبرزها؛ غياب الثقة المتبادلة، فكل طرف ينظر إلى الانتخابات بوصفها وسيلة لتعزيز نفوذه السياسي، وليس باعتبارها آلية للتداول السلمي على السلطة.

ويضيف أن تضارب المصالح الداخلية له تداعيات أيضاً على فشل الانتخابات، فالقوى السياسية والعسكرية الموجودة حالياً تخشى أن تؤدي الانتخابات إلى إعادة تشكيل موازين القوى القائمة. ويعتبر أن تعدد مراكز النفوذ هو الآخر من أبرز العوامل المساهمة في تعطيل الاتفاقات.

فالمشهد الليبي لم يعد قائماً على طرفين رئيسيين فقط، بل أصبح يضم شبكة واسعة من القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية.

أما العامل الرابع فيقول الباروني إنه يتمحور حول تضارب المصالح الدولية، باعتبار أن لكل دولة فاعلة في الملف الليبي أولوياتها الخاصة، سواء تعلق الأمر بالطاقة أو الأمن أو النفوذ الجيوسياسي أو الهجرة غير النظامية.

وإجابة على سؤال ما الذي تحاول بعثة الأمم المتحدة تحقيقه، يقول عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إن البعثة الأممية تسعى إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية :

منع انهيار العملية السياسية،

والحفاظ على الحد الأدنى من التوافق بين الأطراف المتنازعة

وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات

وبناء إطار سياسي جديد لإدارة المرحلة المقبلة.

ويستدرك الباروني أن المشكلة الأساسية تكمن في أن البعثة لا تمتلك أدوات تنفيذية حقيقية، بل تعتمد أساساً على قدرة الأطراف الليبية على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه.

السيناريوهات 

في ظل تصاعد الحديث عن انتقال القرار الانتخابي إلى مسارات سياسية تتجاوز اختصاصات لجنة “4+4″، يقول المتخصص بالشؤون السياسية إن الانتخابات في ليبيا لم تعد مجرد استحقاق دستوري، بل أصبحت مشروعاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً متكاملاً، يرتبط بجملة من التفاهمات المعقدة، منها:

شكل السلطة التنفيذية المقبلة وتوزيع المناصب السيادية، مستقبل القيادات العسكرية، إدارة الموارد النفطية والضمانات الدولية المقدمة للأطراف المتنافسة، وهذا يعني أن لجنة “4+4” أصبحت جزءاً من المشهد، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد فيه.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يلفت الباروني إلى أن:

السيناريو الأول يتمحور حول نجاح المسار السياسي، إذ يقضي هذا السيناريو بالتوصل إلى اتفاق شامل يمهد لإجراء الانتخابات، وهو الاحتمال الأقل ترجيحاً في الوقت الراهن.

السيناريو الثاني يتمثل في استمرار حالة الجمود، إذ تستمر فيه الاجتماعات والتفاهمات الجزئية من دون الوصول إلى حل نهائي، وهو السيناريو الأكثر احتمالاً وفق كلامه.

السيناريو الثالث، يكون عبر الانتقال إلى صيغة سياسية جديدة، ويتضمن إعادة تشكيل المؤسسات الحالية أو إنشاء أجسام سياسية جديدة تتولى إدارة المرحلة الانتقالية، بحسب رأيه. 

ويختم الباروني قائلاً بأن، الجولة السابعة للجنة “4+4” تؤكد أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة قوانين انتخابية أو ترتيبات إدارية، وإنما أصبحت أزمة تتعلق بطبيعة الدولة الليبية نفسها، وبشكل السلطة فيها، وبحدود النفوذ المحلي والدولي داخلها، مشدداً أنه في الحالة الليبية، لا تبدو الانتخابات بداية الحل، بل تبدو في كثير من الأحيان النتيجة النهائية لتسوية سياسية شاملة لم تتشكل ملامحها الكاملة بعد.

________________

مقالات مشابهة