علاء فاروق

بعد أحداث 2011 في ليبيا صدر قانون ينظم الحياة الحزبية في ليبيا ويسمح بتشكيل أحزاب سياسية، وبعدها نشأت عشرات الأحزاب ذات توجهات مختلفة وظهر تنافسهم خلال أول انتخابات أجريت في ليبيا للمؤتمر الوطني العام. 

ثم توسعت الحياة الحزبية ووصل عدد الأحزاب، طبقا لإحصاءات غير رسمية، إلى 95 حزبا سياسيا رسميا، لكن رغم هذا العدد الكبير لا يوجد دور فاعل وواضح لكل هذه الأحزاب، وينشط في الساحة السياسية والتنافسية والحكومية عدد قليل من الأحزاب يكاد ينحصر بين حزبين فقط، الأول ذو توجه إسلامي وهو حزب العدالة والبناء والآخر ليبرالي تحت مسمى تحالف القوى الوطنية والباقي مجرد أحزاب صورية لا مقرات ولا قوة حقيقية. 

الأحزاب في عصر القذافي 

وفي عهد القذافي لم تعرف الدولة الليبية العمل الحزبي ولم تمارسه، بل تم تجريم الحزبية في ليبيا عبر قرار رسمي من القذافي تحت شعار “من تحزب خان”، وحتى قبل القذافي وفي عهد الملك محمد إدريس السنوسي لم تكن هناك حياة حزبية. 

وفي عهد القذافي الذي امتد 42 عاما تم رفض التعددية الحزبية واعتبار الانتماء للحزب خيانة للوطن وللإرادة الشعبية المباشرة، وفق ما ورد في الجزء الأول من “الكتاب الأخضر” للقذافي، والذي اعتبر أن الحزب السياسي هو أداة ديكتاتورية مقنعة تمزق المجتمع وتخدم مصالح ضيقة على حساب الشعب، وأن البديل المناسب لليبيا هو الدعوة إلى “سلطة الشعب” عبر المؤتمرات الشعبية الأساسية واللجان الشعبية بدلا من البرلمانات. 

بداية العمل الحزبي قانونيا 

وبعد مقتل القذافي وانتهاء عصره، وفي فترة المجلس الوطني الانتقالي المؤقت صدر قانون رقم (29) لسنة 2012 بشأن تنظيم الأحزاب السياسية، ونص في المادة (2) من مواده على أن “الحزب هو كل تنظيم سياسي، يتألف باتفاق بين جماعة من الليبيين، يؤسس وفقاً لأحكام هذا القانون، ويدير نشاطه بشكل علني بالوسائل السلمية والديمقراطية بهدف المساهمة في الحياة السياسية، لتحقيق برامج محددة ومعلنة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بقصد المشاركة في مسؤوليات الحكم وتداول السلطة وفقاً لقانون الانتخابات العامة. 

وفي المادة (3) نص على: للمواطنين الليبيين حق تأسيس الأحزاب السياسية والانتساب إليها وفقا لأحكام هذا القانون، ولا يجوز للمواطن أن يكون عضوا في أكثر من حزب في الوقت ذاته. 

أما مادته الـ(4) فنصت على: “تسهم الأحزاب السياسية في تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وتعمل على توعية المواطنين وتمثيلهم سياسيّا”. 

ومنذ إصدار هذا القانون بدأت الأحزاب في الظهور والمشاركة جزئيا في الحياة السياسية، لكنها ليست بالقوة ولا القدرة على التغيير أو المعارضة، وظلت الحياة الحزبية لسنوات مقتصرة على حزبي: العدالة والبناء (إسلامي) وحزب تحالف القوى الوطنية (ليبرالي)، لكن مع بداية الترشح للانتخابات الرئاسية ظهرت أحزاب أخرى قدمت مرشحا باسمها. 

“عربي21” تحاول تقديم قراة وتحليل للتجربة الحزبية في ليبيا من حيث قوة وتواجد الأحزاب فعليا وتوجهاتها، ومدى قدرة هذه الأحزاب على إحداث تغيير في التجربة السياسية سواء بالمعارضة أو المساهمة في تشكيل الحكومات وغيرها من المناصب، وذلك عبر استعراض أشهر الأحزاب المتصدرة للمشهد في ليبيا حاليا. 

الأحزاب.. أعداد كبيرة وتأثير ضعيف 

تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد الأحزاب المتحصلة على إذن مزاولة العمل السياسي يقارب 86 حزبا حتى 2025، لكن جزء كبير منها غير مفعل في الوقت الحالي، وأغلبها تأسس على عجل في 2012 للمشاركة في الانتخابات حينها، وبعد تعثر الانتخابات توقف كثير من هذه الأحزاب ليصل عدد الأحزاب النشطة فعليا حوالي 20 حزبا، شارك بعضها في الانتخابات السابقة، بينما انخرط آخرون في ترتيبات الاستحقاق الانتخابي الذي كان مقررًا في 24 ديسمبر 2021، قبل أن تؤجل العملية حتى وقتنا الحالي، ثم اقتصر العمل الحزبي على عدد قليل جدا من الأحزاب التي لا زالت تنشط في المشهد.

وبعد تفعيل قانون الأحزاب وتشكيلها.. شهدت ليبيا تأسيس عشرات الأحزاب ذات مرجعيات مختلفة متنوعة بين إسلامي، ومدني، وليبرالي، مستقل.. ومن أبرز هذه الأحزاب التي لا زال لها نشاطات وفاعليات ومشاركة في الحياة السياسية: 

حزب تحالف القوى الوطنية 

وهو تحالف سياسي ليبي ذو توجه مدني ليبرالي، تأسس في فبراير 2012 بقيادة رئيس الوزراء الأسبق، محمود جبريل، ويضم مجموعة من الأحزاب والمنظمات، وتصدّر انتخابات المؤتمر الوطني العام عام 2012، متقدما على حزب العدالة والبناء ذو التوجه الإسلامي.

ويدعم الحزب الدولة المدنية الديمقراطية، ويتبنى اقتصاد السوق والخصخصة ويدعو إلى “لامركزية” الإدارة وتوزيع صلاحيات أوسع للمجالس المحلية. 

وظل الحزب لسنوات متصدرا المشهد في ليبيا عبر ممثليه في المؤتمر الوطني ثم المجلس الأعلى للدولة وكذلك المجالس المحلية إلا أنه تراجعت شعبيته جدا بعد وفاة مؤسسه ورئسيه “محمود جبريل”، وانعدمت نشاطاته حتى توارى تماما عن المشهد ولم يُرى له أية فاعليات خلال السنوات الماضية إلا مشاركات متواضعة في ندوات أو مؤتمر الأحزاب الأخير.

حزب العدالة والبناء 

وهو حزب سياسي ليبي قُدم في بدايته بأنه ذو مرجعية إسلامية وأنه الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، تأسس في مارس 2012، وانُتخب محمد صوان رئيساً أولاً له حتى عام 2021، ثم خلفه عماد البناني، ليصبح فيصل الصافي رئيساً للحزب في يوليو 2025، ويُصنف كحزب إسلامي سياسي، رغم إصرار قياداته على هويته المدنية المنظمة وأنه حزب مدني مفتوح للجميع، ومنفصل إداريا وتنظيميا وماليا عن الإخوان الذين يمثلون في عضوية الحزب نسبة لا تزيد على 15%، وأن الحزب يضم مستقلين لا يحملون أي توجهات أيديولوجية معينة، ويهدف إلى دعم الاستقرار السياسي وبناء مؤسسات الدولة والمشاركة في الانتخابات العام.

وينطلق الحزب، وفق قرار تأسيسه، من مبادئ عامة أهمها الالتزام بالقيم والمبادئ الإسلامية وبالشريعة الإسلامية بصفتها المصدر الرئيسي للتشريع، ويؤكد انحيازه للوسطية والاعتدال وتجنب كل أسباب الغلو في الفكر والسلوك. ويؤكد على إرساء قواعد دولة الدستور والمؤسسات، وتأسيس مبادئ العدل والمساواة بين أفراد الشعب، وترسيخ منهج التوافق السياسي والمجتمعي.

وشارك الحزب بقوة في انتخابات المؤتمر الوطني العام التي جرت في يوليو/تموز 2012، وجاء في المرتبة الثانية بحصوله على 17 مقعدا من أصل 80 مخصصة للأحزاب السياسية، وذلك بعد تحالف القوى الوطنية الذي حل في المرتبة الأولى بحصوله على 39 مقعدا. 

حزب ليبيا الكرامة 

وهو تنظيم سياسي اعتمد اسمه من العملية العسكرية التي أطلقها المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا، وهو حزب داعم لحفتر والقيادة العامة، وتم الإعلان رسمياً عن تأسيس الحزب في أغسطس عام 2021 خلال مؤتمر إشهار عُقد في مدينة بنغازي شرق ليبيا، ويرفع شعار: “استقرار – عدالة – تنمية”.

ومن الأهداف الأساسية للحزب: ترسيخ الديمقراطية كونها الركيزة الأساسية للحكم، وأن تكون ليبيا دولة ذات نظام إداري لامركزي أساسها التوازن بين مختلف المناطق، وليبيا دولة واحدة كاملة السيادة، ويؤكد الحزب على أحقية الأفراد في التعبير عن آرائهم بما ينص عليه الدستور وأن لكل فرد في المجتمع حق المشاركة في الحياة السياسية، ويؤمن الحزب بالحقوق والحريات السياسية الهادفة إلى المشاركة الشعبية في الشأن العام. 

حزب الجبهة الوطنية 

وهو حزب سياسي ليبرالي ديمقراطي تأسس في مايو 2012 كامتداد لـ “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” المعارضة لحكم القذافي سابقا، ويقع مقره الرئيسي في مدينة طرابلس، وتأسس الحزب عندما قررت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا (المؤسسة عام 1981) الانتقال إلى حزب سياسي في مايو 2012 خلال مؤتمرها بمدينة بنغازي، وترأس الحزب تأسيسياً “محمد المقريف”، الذي انتخب لاحقاً رئيساً للمؤتمر الوطني العام في عام 2012.

ويتبنى الحزب توجها سياسيا ليبراليا وتقدميا وسطيا، ويدعم إقامة دولة ديمقراطية حديثة ونظاماً برلمانياً مع درجة من اللامركزية، ويرفض النظام الفيدرالي، ويركز على دعم الأمن، والتنمية الاقتصادية، وحقوق المرأة، ومحاسبة رموز النظام السابق كشرط للمصالحة الوطنية. 

حزب الوطن 

 هو حزب سياسي ليبي يصنف على أنه ذو مرجعية إسلامية، تأسس رسمياً في العاصمة طرابلس في منتصف عام 2012، ويقوده عبد الحكيم بلحاج، وهو قائد عسكري سابق ورئيس المجلس العسكري لطرابلس سابقا، ويضم في عضويته نشطاء سياسيين وأعضاء سابقين في الجماعة الليبية المقاتلة وتيارات إسلامية ومدنية أخرى.

ويعرّف الحزب نفسه بأنه حزب مدني وطني ذو مرجعية إسلامية، ويدعو إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، كما يدعم قيام نظام ديمقراطي معتدل يحمي حقوق ومكتسبات جميع المواطنين ويضمن التعددية السياسية. 

حزب السلام والازدهار 

حزب السلام والازدهار يعرف نفسه بأنه حزب سياسي وطني، مقره الرئيسي بمدينة طرابلس، وتأسس في عام 2021 وحدد الحزب رؤيته المستقبلية، في أن تكون ليبيا دولة حديثة ترقى إلى مصافي الدول المتقدمة بأبنائها متسلحين بالعلم والمعرفة، ومن ضمن أهدافه: خلق مناخ من السلام والاستقرار معززا محليا بشرعية الإنجاز، والعمل بشكل مهني محترف لتحقيق الأهداف المرسومة في إطارها الزمني بمشاركة مجتمعية واسعة، وكذلك العمل على أن تحقق ليبيا أعلى مؤشرات الاستقرار والأمان والنمو والتنمية والحوكمة وسيادة القانون، وفق صفحته الرسمية.

حزب التغيير 

تأسس عام 2012 ويرأسه الناشط، جمعة القماطي، ويهدف الحزب إلى دعم المسار الديمقراطي وبناء دولة مؤسسات حديثة في ليبيا، ومقره العاصمة ويشارك الحزب في الحوارات السياسية ومنتديات الأحزاب الليبية ويسعى لإيجاد حلول سلمية للانسداد السياسي، وفق مؤسسوه.

أما باقي الأحزاب فلم تتوفر لها معلومات كافية ولا أنشطة، كما أن بعضها انخرط في تحالفات شملت عدة أحزاب، ففي عام 2022 مثلا انخرط 14 حزباً سياسياً في تحالف جديد تحت اسم “الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية”، وإلى جانب هذا الاتحاد يوجد في ليبيا 6 تحالفات، هي:

  • الحراك الوطني للأحزاب الليبية
  • رابطة الأحزاب الليبية
  • التجمع الوطني للأحزاب الليبية
  • تنسيقية الأحزاب السياسية الليبية
  • تجمع الأحزاب الليبية
  • شبكة الأحزاب الليبية

وكلها عبارة عن أحزاب صغيرة ليس لها دور نشط في المشهد العام.

التجربة الحزبية

وفي محاولة للوقوف على التجربة الحزبية في ليبيا ومستقبل العمل الحزبي هناك، التقت “عربي21” مع شخصيتين من حزبين مختلفين:

الأول هو رئيس حزب إعمار ليبيا، عبد الحكيم بعيّو والذي أكد أنه “بعد 15 عاما من الثورة يمكن القول إن التجربة الحزبية في ليبيا حققت بعض النضج وبدأ يتشكل وعي لدى جزء من المواطنين بأهمية العمل الحزبي ودوره في بناء الدولة، لكن هذا النضج لا يزال دون المستوى المطلوب بسبب الانقسام السياسي وغياب الاستقرار وضعف البيئة التي تمكن الأحزاب من العمل بحرية”.

وأضاف بعيو لـ”عربي21″: “الأحزاب الليبية قادرة على المساهمة في صناعة الرأي العام والمعارضة متى توفرت المنافسة العادلة واحترام القانون والإرادة الشعبية وما تحتاجه ليبيا اليوم هو تعزيز الثقافة الحزبية لأنها جزء أساسي من أي دولة ديمقراطية مستقرة”، وفق كلامه.

صراع خشن وشيطنة للأحزاب 

الثاني هو رئيس المكتب السياسي لحزب التغيير الليبي، موسى تيهوساي وأكد فيه أنه “لم تكن الأحزاب جزء من السلطة الحاكمة في ليبيا منذ العام 2015 بعد تحول الخلافات إلى صراع خشن على السلطة بدعم خارجي سخي كان يهدف إلى تعطيل أي تجربة ديمقراطية في البلاد بما في ذلك التجربة الحزبية”.

ورأى في حديثه لـ”عربي21″ أن “مراكز القرار وأدوات التغيير تحولت إلى القوة الخشنة ما أدى إلى تراجع دور الأحزاب إلى شبه مجمدة باستثناء بيانات سياسية لا يسمعها أحد مع ترحيل حكومات الأمر الواقع فشلها إلى التجربة الحزبية الوليدة التي كانت مؤثرة فقط لمدة سنتين تقريبا من بعد الثورة”.

وتابع: “تم شيطنة الأحزاب بشكل ممنهج فضلا عن عدم وجود أي تجربة سابقة للأحزاب في ليبيا، لذلك لا يمكن الحكم على التجربة الحزبية في ليبيا بشكل دقيق في ظل الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد، والطريقة الوحيدة للحكم عليها هي وجود الانتخابات وإعطاء الأحزاب مساحتها الطبيعية لما في ذلك من ضمان تكافؤ الفرص أمام انتشار المال الفاسد بين مختلف النخب الحاكمة في ليبيا منذ عقد من الزمان، ويمكن فعلا للأحزاب أن تكون مؤثرة وتلعب دورا محوريا في حل الأزمة السياسية في البلاد لأنها الوحيدة التي يوجد فيها تنوع طبيعي وليست مبنية على أساس قبلي وجهوي”، وفقا لتقديراته.

____________

مقالات مشابهة