صلاح الهوني

مفهوم “الشرعية المؤقتة” أحد أهم منتجات الأزمة الليبية فبدل أن تكون المؤسسات جسرًا نحو الدولة تحولت في كثير من الأحيان إلى غاية بحد ذاتها.
ليست كل الحروب تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، وليست كل الأزمات تستمر لأنها استعصت على الحل. فبعض الأزمات، بعد سنوات من اندلاعها، تكف عن أن تكون مجرد صراع بين طرفين، وتتحول إلى نظام قائم بذاته، له اقتصاد، وله مؤسسات، وله مستفيدون، بل وله شركاء لا يربطهم مشروع سياسي واحد، لكنهم يجتمعون على حقيقة واحدة: أن السلام سيضر بمصالحهم أكثر مما تنفعهم الحرب.
لهذا ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية في ليبيا هو: من بدأ الأزمة؟ بل: من يستفيد من استمرارها؟
إنها زاوية مختلفة لفهم السياسة، لأن كثيرًا من التحليلات التقليدية تنظر إلى الأزمات باعتبارها نتيجة خلافات سياسية أو صراعات أيديولوجية أو تنافس جيوسياسي، بينما تتجاهل أن هذه الأزمات، مع مرور الزمن، تنتج طبقة كاملة من المستفيدين الذين تتحول حياتهم ونفوذهم وثرواتهم إلى رهينة لاستمرار الفوضى.
يمكن تسمية هؤلاء بـ”شركاء الأزمات”.
إذا كانت الأزمات في الأدبيات السياسية تُعرَّف عادة بأنها لحظات استثنائية تعطل عمل الدولة وتدفعها إلى البحث عن حلول عاجلة، فإن التجربة الليبية تكشف مسارًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا. فمنذ عام 2011 لم تعد الأزمة مجرد مرحلة انتقالية تنتظر نهايتها، بل تحولت تدريجيًا إلى نظام سياسي واقتصادي واجتماعي قائم بذاته، تتكيف معه المؤسسات، وتعيد القوى المحلية والإقليمية والدولية ترتيب مصالحها على أساس استمراره لا إنهائه. ومن هنا تبرز الفكرة الأكثر خطورة: لم تعد ليبيا تعاني من أزمة فقط، بل من شبكة واسعة من “شركاء الأزمة” الذين تختلف أجنداتهم، لكنهم يتفقون عمليًا على أن استمرار الوضع الراهن أكثر فائدة لهم من الوصول إلى تسوية نهائية.
هذا لا يعني بالضرورة وجود مؤامرة واحدة أو غرفة عمليات تدير المشهد، بل يعني أن الأزمة نفسها أصبحت تنتج مصالح متشابكة تجعل إنهاءها مكلفًا بالنسبة لكثير من اللاعبين. فكلما طال أمد الانقسام، ظهرت مراكز قوة جديدة، وتشكلت شبكات اقتصادية موازية، ورسخت نخب سياسية وأمنية وجودها باعتبارها المستفيد الأول من غياب الدولة الموحدة.
لقد شهدت ليبيا خلال أكثر من عقد محاولات متكررة لتوحيد المؤسسات وإطلاق مسارات سياسية، من اتفاق الصخيرات إلى ملتقى الحوار السياسي، ومن مؤتمر برلين إلى المبادرات الأممية المتعاقبة، إلا أن معظم هذه المبادرات اصطدم بالحقيقة نفسها: هناك أطراف ترى في الحل نهاية لمكاسب راكمتها خلال سنوات الفوضى. ولهذا كثيرًا ما كانت الاتفاقات تُوقَّع في العلن، بينما يجري تعطيل تنفيذها على الأرض بالخفاء.
في قلب هذه المعادلة يقف الانقسام السياسي باعتباره المورد الأكثر ربحًا لبعض القوى. فوجود حكومات متنافسة، ومؤسسات منقسمة، ومراكز قرار متعددة، لا يمثل فقط مشكلة إدارية، بل يخلق بيئة تسمح بإعادة توزيع النفوذ والموارد بصورة مستمرة. وكل سلطة مؤقتة تجد في استمرار المرحلة الانتقالية فرصة لإطالة بقائها، لأن إنهاء المرحلة يعني بالضرورة إعادة توزيع السلطة عبر انتخابات أو مؤسسات شرعية جديدة قد لا تضمن استمرارها.
ومن هنا يصبح مفهوم “الشرعية المؤقتة” أحد أهم منتجات الأزمة الليبية. فبدل أن تكون المؤسسات الانتقالية جسرًا نحو الدولة، تحولت في كثير من الأحيان إلى غاية بحد ذاتها، تدافع عن استمرار وجودها أكثر مما تدافع عن استكمال مهمتها الأصلية. وهكذا تصبح الأزمة مصدرًا للشرعية، لا سببًا لإنهائها.
لكن الشركاء لا يقتصرون على الفاعلين السياسيين. فالفراغ الأمني الذي رافق الانقسام أوجد اقتصادًا كاملًا خارج مؤسسات الدولة. فشبكات تهريب الوقود، والاتجار بالبشر، وتهريب السلع، والاقتصاد النقدي الموازي، كلها أنشطة لا تزدهر إلا عندما تضعف الدولة وتغيب الرقابة. ولذلك فإن استعادة مؤسسات الدولة لسلطتها تعني بالنسبة لهذه الشبكات نهاية نموذج اقتصادي حقق لها أرباحًا هائلة طوال سنوات الفوضى.
إن الاقتصاد الموازي في ليبيا لم يعد مجرد نشاط هامشي، بل أصبح أحد أكبر المستفيدين من استمرار الانقسام. فكل منفذ حدودي خارج السيطرة الكاملة للدولة، وكل طريق صحراوي مفتوح، وكل مؤسسة رقابية ضعيفة، يمثل فرصة جديدة لتحقيق أرباح لا يمكن تحقيقها في ظل دولة قوية تطبق القانون. ولذلك فإن مكافحة هذه الظواهر ليست مجرد قضية أمنية، بل هي أيضًا معركة مع مصالح اقتصادية ضخمة تشكلت خلال سنوات الأزمة.
ولا يمكن فهم المشهد الليبي دون النظر إلى البعد الخارجي. فليبيا تقع في موقع جغرافي يجعلها جزءًا من معادلات أمن البحر المتوسط، والهجرة غير النظامية، وأسواق الطاقة، والتنافس الدولي على النفوذ في شمال إفريقيا. ولهذا لم تعد الأزمة الليبية شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات إقليمية ودولية معقدة.
فبعض القوى الخارجية تنظر إلى ليبيا باعتبارها ورقة تفاوض في ملفات أكبر، بينما ترى فيها قوى أخرى مجالًا لتعزيز نفوذها الاقتصادي أو الأمني أو العسكري. وقد تختلف هذه الأطراف في رؤيتها للحل، لكنها تتفق ضمنيًا على حماية مصالحها أولًا، حتى وإن جاء ذلك على حساب سرعة الوصول إلى تسوية وطنية شاملة.
ولهذا السبب، كثيرًا ما بدا أن المبادرات الدولية تتحرك بإيقاع أبطأ من تطورات الميدان، وأن لغة البيانات السياسية لا تنعكس دائمًا في ممارسات الفاعلين الإقليميين. فكل قوة تتحدث عن الاستقرار، لكنها تفسر الاستقرار وفق مصالحها الخاصة، لا وفق ما يحتاجه الليبيون.
وما يزيد الصورة تعقيدًا أن استمرار الأزمة خلق جيلًا كاملًا لم يعرف دولة مستقرة بالمعنى التقليدي. فالشباب الذين ولدوا أو نشأوا خلال سنوات الانقسام أصبحوا يتعاملون مع الحكومات المتعددة، والانقطاعات المتكررة للخدمات، والأزمات الاقتصادية، بوصفها جزءًا من الحياة اليومية، لا استثناءً مؤقتًا. وهذه إحدى أخطر نتائج الأزمات الطويلة؛ إذ لا تقتصر آثارها على السياسة، بل تمتد إلى الثقافة العامة، وإلى علاقة المواطن بالدولة، وإلى مستوى توقعاته من المستقبل.
إن ليبيا اليوم تقدم نموذجًا واضحًا لفكرة أن الأزمة قد تتحول إلى صناعة قائمة بذاتها، وأن أخطر ما في الأزمات الطويلة ليس استمرارها فقط، بل قدرتها على إنتاج مستفيدين جدد يدافعون عنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تأخر الحل؟ بل أصبح: كيف يمكن تفكيك شبكة المصالح التي جعلت استمرار الأزمة أكثر ربحًا من إنهائها؟
وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فإعادة بناء الدولة لا تبدأ فقط بكتابة اتفاق سياسي جديد، بل تبدأ بتقليص العوائد السياسية والاقتصادية التي يجنيها شركاء الأزمة من استمرار الانقسام. فكلما أصبحت كلفة السلام أقل من أرباح الفوضى، اقتربت ليبيا من الاستقرار الحقيقي. أما إذا بقيت الأزمة مصدرًا للنفوذ والثروة والشرعية المؤقتة، فإن كل مبادرة جديدة ستواجه المصير نفسه: توقيع على الورق، وتعثر في الميدان، وأزمة تتجدد بأسماء مختلفة بينما تبقى بنيتها العميقة على حالها.
__________
