المهدي هندي

لم يعد السؤال المطروح في ليبيا  كيف يمكن إدارة الانقسام السياسي إلى أجل غير مسمى؟ بل كيف يمكن الخروج منه؟ 
وهذه ليست مسألة لغوية، وإنما تحوّل في طبيعة الأزمة نفسها؛ فبعد أكثر من عقد من الحكومات الانتقالية والمؤسسات الموازية، أصبح واضحًا أن استمرار إدارة الانقسام قد يكون أسهل سياسيًّا من إنهائه، لكنه أكثر كلفة على الدولة والمجتمع.

في هذا المشهد، تبرز تركيا بصورة مختلفة عن السنوات الماضية. فزيارة وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” إلى طرابلس وبنغازي، وتأكيد أنقرة دعم التعاون بين شرق ليبيا وغربها، يطرحان سؤالًا يتجاوز حدود الزيارة نفسها: هل يمكن أن يتحول النفوذ التركي من جزء من معادلة التوازن الليبي إلى أداة تساعد في إدارة الخروج من هذا التوازن؟

لا يمكن، بطبيعة الحال، التعامل مع تركيا كوسيط محايد. لأنقرة مصالح واضحة في ليبيا، تتعلق بالأمن والطاقة والاتفاقيات البحرية والاستثمارات، فضلًا عن حضورها العسكري والسياسي في الغرب الليبي. لكن هذا لا يلغي أهمية دورها؛ ففي السياسة لا تكون قيمة الدولة بالضرورة في حيادها، وإنما أحيانًا في قدرتها على التأثير في الأطراف التي لا تستطيع أطراف أخرى الوصول إليها.

وتكمن خصوصية الدور التركي هنا في امتلاك أنقرة علاقة عميقة مع القوى المؤثرة في غرب ليبيا، محاولةً في الوقت نفسه توسيع قنوات التواصل مع شرق البلاد خلال الفترة الأخيرة. وهذا يمنحها، نظريًّا على الأقل قدرة على لعب دور مختلف: ليس دور الوسيط الذي يقف خارج المشهد، وإنما دور الطرف القادر على نقل بعض التفاهمات من المستوى السياسي إلى ترتيبات عملية على الأرض.

لكن نجاح هذا الدور سيبقى دائماً مرهونًا بسؤال أكثر أهمية: ما الذي تريد تركيا أن تساعد ليبيا على الوصول إليه؟

إذا كان الهدف هو إنتاج توازن جديد بين القوى الموجودة، فلن تكون النتيجة مختلفة كثيرًا عن المراحل السابقة؛ ستظهر حكومة جديدة، وتتوزع المناصب، وتُعاد صياغة التحالفات، ثم تبدأ مرحلة انتقالية أخرى. أما إذا كان الهدف هو إنهاء منطق المراحل الانتقالية نفسها، فإن الدور التركي يمكن أن يصبح أكثر أهمية.

وهنا يتقاطع الحراك التركي مع التحركات الأمريكية والمصرية والأممية. فلكل طرف أدواته وحساباته، لكن القاسم المشترك بينها ينبغي أن يكون الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنتاج مخرج منها.

والاختبار الحقيقي يبدأ عند تشكيل السلطة التنفيذية المقبلة.

لقد أثبتت التجربة الليبية أن الحكومات الانتقالية الواسعة تتحول بسهولة من وسيلة إلى غاية. فكلما زاد عدد الأطراف المشاركة فيها، اتسعت شبكة المصالح المرتبطة ببقائها، وأصبح الحديث عن الانتخابات أكثر صعوبة. 

لذلك قد يكون من المفيد التفكير في صيغة مختلفة تمامًا: حكومة تكنوقراط مصغرة، من أربعة أو خمسة وزراء، بولاية محددة لا تتجاوز عامًا واحدًا، ومهمة واضحة لا تتوسع إلى إعادة توزيع السلطة والثروة.
حكومة كهذه لا تحتاج إلى تمثيل كل القوى السياسية والمناطق والتيارات داخلها، بقدر حاجتها إلى القدرة على إنجاز عدد محدود من المهام: ضبط الإنفاق العام، معالجة الاختناقات الاقتصادية والخدمية، حماية المؤسسات السيادية، وتهيئة الظروف السياسية والأمنية لإجراء الانتخابات.

فالمشكلة في ليبيا لم تعد نقص المبادرات، بل غياب نقطة نهاية حقيقية للمراحل الانتقالية. وكل حكومة جديدة تُقدم باعتبارها “مؤقتة” من دون موعد ملزم للانتهاء تحمل معها احتمال أن تصبح جزءًا جديدًا من المشكلة.

ومن هنا يمكن قياس جدوى النفوذ التركي.

إذا استخدمته أنقرة لتثبيت نفوذها داخل معادلة المحاصصة، فلن تكون قد ساعدت ليبيا على الخروج من الانقسام، بل ستساهم في إدارة نسخة أكثر استقرارًا منه. أما إذا استخدمته لدفع الأطراف التي تستطيع التأثير فيها نحو تسوية تقود إلى مؤسسات موحدة وانتخابات، فإن الدور التركي يمكن أن يتحول من عنصر في معادلة الصراع إلى عنصر في معادلة الانتقال.

وهذا لا يعني أن تركيا قادرة وحدها على حل الأزمة؛ فالقاهرة تملك تأثيرًا مهمًّا في الشرق، وواشنطن تمتلك أدوات ضغط مختلفة، والبعثة الأممية توفر الإطار الدولي، بينما يبقى العامل الحاسم في النهاية هو “استعداد القوى الليبية نفسها للتخلي عن جزء من المكاسب التي راكمتها خلال سنوات الانقسام”.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل تستطيع تركيا حل الأزمة الليبية؟

السؤال الأكثر واقعية هو: هل تستطيع تركيا أن تساعد في جعل الخروج من الأزمة أقل كلفة على الأطراف التي استفادت من استمرارها؟

إذا كان الجواب نعم، فإن النفوذ التركي قد يكون جزءًا من لحظة سياسية مختلفة وقد تكون مفصلية في تاريخ الدولة الليبية أو ما تبقى منها.

أما إذا انتهى الحراك الإقليمي والدولي إلى مجرد صفقة جديدة لتوزيع المناصب والنفوذ، فإن ليبيا لن تكون قد غادرت الانقسام.. ستكون فقط قد أعادت ترتيب مقاعده.

المطلوب هذه المرة ليس إدارة الانقسام بصورة أفضل، وإنما إدارة الخروج منه وبأسرع الآجال.

__________________

مقالات مشابهة