كريمة ناجي 

 خبراء يقولون إن الانقسامات حولت البلاد إلى خط الدفاع الأول عن حدود أوروبا الجنوبية

موقع ليبيا الجغرافي منحها أهمية جيوسياسية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته جعلها ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، لذلك لم تعد الأزمة الليبية شأناً داخلياً فقط، بل أصبحت مرتبطة بحسابات الطاقة والهجرة والأمن وموازين القوى في البحر المتوسط وأفريقيا.

1800 كيلومتر هو إجمالي طول الساحل الليبي الذي يطل على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، ميزة جغرافية كانت كافية لاختيار المهاجرين غير النظاميين ليبيا كدولة عبور نحو القارة الأوروبية، خصوصاً أن الحدود الجنوبية الليبية تشترك مع دول تعاني صعوبات اقتصادية وأزمات سياسية وأمنية على غرار تشاد السودان والنيجر.

وبينما تعول دول الاتحاد الأوروبي على ليبيا المنقسمة على نفسها منذ عام 2011 لمساعدتها على تقليص تنامي ظاهرة الهجرة غير النظامية تجاه حدودها الجنوبية، وجدت ليبيا نفسها وحيدة في مواجهة تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية فرضتها عليها الجغرافيا، لا سيما مع ارتفاع الخطاب المحلي الرافض للتوطين داخل الأراضي الليبية.

وغزى وسم “لا للتوطين” مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا التي شهدت تظاهرات رافضة لوجود الأجانب بصفة غير قانونية على ترابها، بخاصة أن وزير الداخلية بحكومة “الوحدة الوطنية” عماد الطرابلسي، سبق وأكد أن عدد المهاجرين غير النظاميين في ليبيا يقدر بنحو 3 ملايين مهاجر.

شبح التوطين

وتؤكد الأطراف الدولية المتداخلة في ملف الهجرة غير النظامية عدم وجود أي مشاريع لتوطين المهاجرين غير النظاميين في ليبيا، إذ نوه سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا نيكولا أورلاندو في ديسمبر (كانون الأول) 2025 خلال مؤتمر حول الهجرة غير النظامية نظمته وزارة الداخلية الليبية في طرابلس، أن “الاتحاد الأوروبي لا يستهدف توطين المهاجرين في ليبيا”، موضحاً أن التعاون الأوروبي مع ليبيا يستهدف إدارة الهجرة وحماية الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر ودعم برامج العودة الطوعية للمهاجرين. وفي الثاني من الشهر الحالي، نفى أورلاندو ما جرى تداوله بخصوص دعم أوروبي لإنشاء مراكز توطين للمهاجرين واللاجئين داخل ليبيا، مشدداً على أن ملف الهجرة يخضع للسيادة الليبية فقط.

وفي السياق ذاته، نوهت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا في الثالث من الشهر الجاري، أنه لا يوجد أي برنامج “توطين” داخل ليبيا، فالمفوضية لا تتولى إدارة استقرار المهاجرين داخل البلاد، بل يتمثل دورها فقط في “التسجيل والحماية الإنسانية” والإجلاء الإنساني إلى دول ثالثة أو العودة الطوعية إلى بلدان الأصل.

وعلى رغم كل هذه التطمينات الدولية، برزت مخاوف محلية من تنفيذ مشروع للتوطين داخل الأراضي الليبية، فهل تدفع ليبيا ثمن موقعها الجغرافي؟

أعباء متشابكة

وفي الصدد، يقول الباحث في نظم المعلومات الجغرافية حازم الرايس، إن ليبيا تحولت عملياً إلى خط دفاع أول عن الحدود الجنوبية لأوروبا نتيجة تداخل عاملين رئيسين، الجغرافيا والتحولات السياسية، موضحاً أن “عامل الجغرافيا وضعها بين مناطق الدفع في أفريقيا ومناطق الجذب في أوروبا، باعتبار أن البلد يحتل موقعاً جغرافياً استراتيجياً بين الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط والصحراء الكبرى ومنطقة الساحل الأفريقي، مما جعله نقطة عبور رئيسة في مسارات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا”.

أما من الناحية السياسية، فيرى الرايس أن تراجع قدرة الدولة الليبية على ضبط الحدود بعد عام 2011 أدى إلى تنامي نشاط شبكات تهريب البشر، وتحولت الأراضي الليبية إلى محطة رئيسة للهجرة غير النظامية.

ويضيف أنه في المقابل، يتعامل الاتحاد الأوروبي مع الهجرة غير النظامية باعتبارها قضية أمن حدودي بالدرجة الأولى، حيث يسعى إلى نقل خطوط المواجهة جنوباً عبر تعزيز التعاون مع ليبيا في مجالات مراقبة الحدود وخفر السواحل ومكافحة التهريب.

ويستدرك المتخصص في نظم المعلومات الجغرافية، في تصريح خاص أن المشكلة لا يمكن اختزالها في البعد الأمني فقط، لأن ليبيا ليست مصدر أزمة الهجرة، بل دولة عبور تتحمل أعباء أمنية واقتصادية متشابكة بسبب موقعها الجغرافي. ونوه أن تحميلها وحدها مسؤولية إدارة هذا الملف يمثل مقاربة غير واقعية، ما لم يقترن ذلك بدعم حقيقي للاستقرار الليبي ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة في دول المصدر الأفريقي.

منطقة احتواء

وفي ما يخص كيفية تحول ليبيا إلى خط الدفاع الأول عن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، يذهب عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني، إلى أن ليبيا لم تتحول طوعاً إلى خط الدفاع الأول عن حدود أوروبا الجنوبية، بل وجدت نفسها تؤدي هذا الدور بحكم موقعها الجغرافي وحالة الانقسام السياسي والأمني التي تعيشها منذ أعوام.

ويتابع أنه مع تصاعد موجات الهجرة غير النظامية القادمة من جنوب الصحراء الأفريقية، أصبحت السواحل الليبية أقرب نقطة عبور نحو القارة الأوروبية بالنسبة للمهاجرين غير النظاميين، الأمر الذي دفع الدول الأوروبية إلى نقل جزء كبير من مسؤولية إدارة ملف الهجرة إلى الأراضي الليبية.

وينتقد المتخصص بالعلوم السياسية، السياسات الأوروبية باعتبارها لم تركز على معالجة الأسباب الحقيقية للهجرة مثل الفقر والنزاعات المسلحة والتغيرات المناخية في دول المصدر، بقدر ما ركزت على منع وصول المهاجرين إلى الشواطئ الأوروبية، مما حول ليبيا إلى منطقة احتواء وحاجز أمني متقدم لحماية الأمن الأوروبي أكثر من كونها شريكاً متكافئاً في إدارة هذه الأزمة.

ويقول الباروني، إن هذا الواقع فرض على ليبيا أعباء أمنية واقتصادية واجتماعية متزايدة، لا سيما في ظل ضعف الإمكانات الوطنية واتساع الحدود البرية والبحرية وصعوبة السيطرة عليها بالكامل.

وينتقد التناقض الواضح، فبينما تطالب أوروبا ليبيا بتشديد الرقابة على الحدود، فإنها لا تقدم دائماً الدعم الكافي لبناء مؤسسات أمنية مستقرة وقادرة على إدارة هذا الملف، وفق رؤية وطنية شاملة، منوهاً أن ليبيا أصبحت عملياً جزءاً من منظومة الأمن الحدودي الأوروبي من دون أن تحصل على المكاسب السياسية والاقتصادية التي تتناسب مع حجم التحديات التي تتحملها.

الفراغ المؤسساتي

ويرى الباروني أن “ليبيا تدفع بالفعل جزءاً كبيراً من ثمن موقعها الجغرافي الاستراتيجي”، موضحاً أن المشكلة ليست في الموقع بل في غياب الدولة القوية القادرة على تحويل هذا الموقع إلى مصدر قوة ونفوذ، باعتبار أن ليبيا تقع عند نقطة التقاء ثلاث دوائر استراتيجية: البحر الأبيض المتوسط والدول العربية وعمق أفريقيا.

ويواصل حديثه قائلاً إن هذا الموقع يمنحها أهمية جيوسياسية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته يجعلها ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، لذلك لم تعد الأزمة الليبية شأناً داخلياً فقط، بل أصبحت مرتبطة بحسابات الطاقة والهجرة والأمن وموازين القوى في البحر المتوسط وأفريقيا.

وفي السياق ذاته يشدد الباروني على أن الدول التي تمتلك مواقع استراتيجية مشابهة تحقق مكاسب سياسية واقتصادية ضخمة بمجرد امتلاكها مؤسسات قوية ورؤية وطنية واضحة، أما في الحالة الليبية فيقول إن الانقسام السياسي وضعف المؤسسات أديا إلى تحويل الموقع الجغرافي من فرصة استراتيجية إلى نقطة استقطاب وتنافس خارجي، وبالتالي فإن ليبيا لا تدفع ثمن الجغرافيا بقدر ما تدفع ثمن الفراغ السياسي والمؤسساتي الذي سمح للقوى الإقليمية والدولية بالتعامل معها باعتبارها ساحة نفوذ وممراً للمصالح المتعارضة، وفق ما جاء على لسانه.

ويختم بقوله إن قضية الهجرة غير النظامية تكشف بوضوح كيف أصبحت ليبيا تؤدي وظيفة أمنية تتجاوز حدودها الوطنية، بينما يكشف الجدل حول الموقع الجغرافي أن المشكلة الحقيقية ليست في الجغرافيا نفسها، بل في غياب الاستقرار السياسي والمؤسسات القادرة على توظيف هذه الجغرافيا لمصلحة الدولة.

ويذهب إلى أن ليبيا تمتلك كل مقومات التحول إلى جسر للتعاون بين أوروبا وأفريقيا، لكنها لا تزال تُستنزف كمنطقة عازلة للصراعات والأزمات بسبب استمرار الانقسامات والتدخلات الخارجية، مؤكداً أن هذا هو التحدي الاستراتيجي الأكبر الذي يواجه الدولة الليبية في المرحلة الراهنة.

________________

مقالات مشابهة