أسعد عون الله

لطالما تركز النقاش العام في ليبيا لسنوات على سيولة النقد. لكن التجربة أثبتت أن المشكلة الأعمق لم تكن أبدًا مجرد نقص في النقد، بل غياب البدائل الرقمية الموثوقة والفعالة القادرة على تقليل الاعتماد عليه.
اليوم، بدأت هذه الصورة في التغير.
في السنوات الأخيرة، توسعت منظومة المدفوعات الإلكترونية في ليبيا بشكل ملحوظ. فأصبحت تطبيقات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول وأجهزة نقاط البيع جزءًا أكثر وضوحًا في الحياة اليومية في العديد من المدن.
وفقًا لبيانات مصرف ليبيا المركزي، تجاوز عدد أجهزة نقاط البيع على مستوى البلاد 165 ألف جهاز، مقارنة بحوالي 150 ألفًا قبل عام. كما تجاوزت المعاملات التي تمت عبر هذه الأجهزة 288 مليون معاملة، بقيمة إجمالية بلغت حوالي 37.8 مليار دينار ليبي في عام 2025.
على صعيد الخدمات المصرفية الرقمية، تم تسجيل أكثر من 4.3 مليون مستخدم حاليًا على تطبيقات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، حيث بلغت قيمة المعاملات حوالي 47.9 مليار دينار ليبي. بالإضافة إلى ذلك، تجاوز عدد البطاقات المصرفية النشطة 5.5 مليون بطاقة.
تشير هذه الأرقام إلى أن تحول ليبيا نحو المدفوعات الرقمية لم يعد مجرد أمر نظري، بل هو جارٍ بالفعل. ومع ذلك، ينبغي تقييم هذا التحول بحذر.
ما وراء الأرقام: تحول رقمي محدود
على الرغم من مؤشرات النمو القوية هذه، فإن القطاع المصرفي في ليبيا لم يشهد بعد تحولًا رقميًا كاملاً. ما يحدث اليوم أقرب إلى الرقمنة منه إلى التحول الحقيقي.
أحرزت البنوك تقدمًا ملموسًا في إطلاق التطبيقات المصرفية عبر الهاتف المحمول، وتوسيع شبكات نقاط البيع، وإصدار بطاقات الدفع. لكن هذه الجهود في معظم الحالات لا تعدو كونها طبقة رقمية موضوعة فوق الأنظمة التقليدية، بدلاً من إعادة تصميم جذري للعمليات المصرفية، أو مسارات العملاء، أو عمليات صنع القرار. بمعنى آخر، تطورت الواجهة بينما بقي الجوهر دون تغيير إلى حد كبير.
توسيع البنية التحتية مقابل الكفاءة التشغيلية
إن النمو السريع للبنية التحتية للمدفوعات لا يترجم تلقائيًا إلى أداء موثوق أو ثقة أقوى من قبل المستخدمين.
لا تزال التحديات واضحة، بما في ذلك عدم استقرار الشبكات، وانقطاع الأنظمة، ومحدودية قابلية التشغيل البيني بين البنوك. ونتيجة لذلك، لم يعد السؤال الرئيسي هو كم عدد الأجهزة التي تم نشرها، بل ما إذا كانت تعمل بشكل موثوق عندما يحتاجها العملاء بشدة.
تجربة العميل: نقطة الضعف الحرجة
يتمثل أحد أكثر التحديات إلحاحًا، والذي غالبًا ما يتم التغاضي عنه، في تجربة المستخدم.
لا تزال العديد من الخدمات المصرفية الرقمية تعاني من صعوبة في الإعداد، واضطرابات تقنية، وضعف في دعم العملاء. هذا الاحتكاك يثبط الاستخدام المنتظم وغالبًا ما يدفع العملاء للعودة إلى النقد.
لا يعتمد تبني الخدمات الرقمية على التوفر فقط، بل على البساطة والموثوقية والاتساق.
الثقة: الحاجز غير المرئي
إلى جانب التكنولوجيا، تظل الثقة عاملاً حاسماً في تشكيل سلوك المستخدم.
بالنسبة للعديد من الليبيين، لا يزال النقد يمثل اليقين والسيطرة، بينما غالبًا ما يُنظر إلى المدفوعات الرقمية على أنها تحمل مخاطر أكبر. المخاوف بشأن أخطاء المعاملات، وبطء الحلول، ومحدودية الشفافية في معالجة النزاعات تعزز هذا التصور. ما لم يتم معالجة فجوة الثقة هذه، فقد يظل نمو المدفوعات الرقمية هشًا وقابلاً للتراجع.
نظام بيئي مجزأ
هناك قيد هيكلي آخر وهو الطبيعة المجزأة للنظام البيئي المصرفي. لا تزال البنوك تعمل إلى حد كبير في صوامع منعزلة، حيث يطور كل منها منصاته الرقمية الخاصة مع قابلية تشغيل بيئي محدودة. هذا الافتقار إلى التكامل يخلق تجارب مستخدم غير متسقة ويبطئ ظهور بيئة دفع وطنية سلسة.
يتطلب التحول الرقمي الحقيقي نهجًا على مستوى النظام بأكمله، وليس جهودًا مؤسسية معزولة.
نمو مدفوع بالضرورة، وليس بالتفضيل
النقطة الحاسمة هي أن الكثير من النمو الأخير في المدفوعات الرقمية يبدو أنه كان مدفوعًا بالضرورة وليس بتفضيل المستهلك الحقيقي.
لقد دفعت ضغوط السيولة النقدية المستخدمين نحو القنوات الرقمية كبديل، وليس بالضرورة لأنهم يرونها خيارًا أفضل. هذا يثير سؤالًا استراتيجيًا مهمًا: إذا تحسنت توفرية النقد، فهل سيظل المستخدمون منخرطين رقميًا؟
دون تقديم قيمة واضحة ودائمة، قد يكون من الصعب الحفاظ على اتجاهات النمو الحالية.
نافذة من الفرص
على الرغم من هذه التحديات، لا تزال ليبيا تمتلك إمكانات كبيرة لتسريع تحولها الرقمي. يتمتع البلد بسكان شباب وملمين بالتكنولوجيا، وانتشار كبير للهواتف الذكية، وطلب متزايد على التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية. تشكل هذه العوامل معًا أساسًا قويًا للتقدم المستقبلي.
- للاستفادة القصوى من هذه الفرصة، يجب على البنوك التركيز على أربع أولويات:
- تحسين تجربة العملاء قبل إضافة المزيد من الميزات، وبناء الثقة من خلال الشفافية وحل النزاعات بكفاءة،
- وتعزيز قابلية التشغيل البيني عبر النظام المالي،
- وتحويل استخدام نقاط البيع من كونه بديلاً عن النقد إلى عادة دفع حقيقية.
الخلاصة: انتقال جارٍ، وليس تحولاً بعد
لقد أحرز القطاع المصرفي الليبي تقدمًا ملموسًا في توسيع الأدوات الرقمية والبنية التحتية للمدفوعات، لكنه لم يحقق بعد تحولًا جوهريًا في سلوك العملاء أو في هيكل النظام المالي نفسه.
الاختبار الحقيقي الآن هو ما إذا كانت البنوك قادرة على تجاوز مجرد رقمنة الخدمات التقليدية والبدء في بناء حلول موثوقة ومتكاملة وتحظى بالثقة الكافية لتقليل اعتماد الاقتصاد على النقد خلال السنوات الخمس القادمة.
هذا هو ما سيحدد في النهاية ما إذا كان الزخم الحالي في ليبيا سيتحول إلى تحول رقمي حقيقي أم سيبقى مجرد انتقال جزئي.
____________