أحمد زاهر

في الأيام الأخيرة، تصاعدت موجة من الخطاب التحريضي ضد المهاجرين غير النظاميين في ليبيا، مصحوبة بحملات أمنية مكثفة تهدف إلى «تطهير» المدن منهم، في مشهد يتكرر دوريًا كلما برزت قضايا فساد أو فضائح سياسية تتعلق بالمسؤولين المتحكمين في شبكات التهريب والاتجار بالبشر.

هذه الحملة لم تقتصر على ليبيا فقط، بل امتدت إلى تونس أيضًا، مما يشير إلى وجود ديناميكيات إقليمية تدفع باتجاه تسليط الضوء على ملف الهجرة بطريقة موجهة ومدروسة.

* توظيف الأزمات: متى تصبح الهجرة قضية أولى؟

من منظور إدارة تدفقات الهجرة، لا يمكن النظر إلى موجة التصعيد الحالية بمعزل عن التوقيت السياسي الذي جاءت فيه. فقد سبقتها تسريبات دولية وتقارير كشفت تورط مسؤولين كبار في عمليات التهريب، سواء للبشر أو المخدرات أو السلاح.

في مثل هذه الظروف، تلجأ السلطات في دول هشة سياسيًا إلى استراتيجيات لصرف الانتباه عن القضايا التي تهدد استقرارها، وذلك عبر تضخيم ملفات معينة وخلق «أزمة أكبر» تشغل الرأي العام وتعيد توجيه الغضب الشعبي نحو طرف آخر.

الهجرة غير النظامية لطالما كانت قضية حاضرة في ليبيا، ولكن السؤال هو: لماذا تتحول بين ليلة وضحاها إلى أولوية قصوى؟

إن خلق حالة من الهلع تجاه المهاجرين في هذا التوقيت يخدم عدة أهداف:
1.
تخفيف الضغط السياسي والإعلامي عن ملفات الفساد والتهريب.
2.
تبرير إجراءات أمنية استثنائية تخدم مصالح معينة، سواء بتشديد القبضة الأمنية أو فتح الباب أمام تفاهمات جديدة مع أوروبا.
3.
تحفيز موجات الهجرة نحو أوروبا مع نهاية الشتاء، مما ينعش شبكات التهريب التي يديرها بعض المتنفذين.

* ما وراء خطاب التحريض: من المستفيد؟

حين تُستخدم لغة التخويف والمبالغة في توصيف «الخطر الديمغرافي» للمهاجرين، فإن المستفيد الأول ليس المواطن البسيط الذي يعاني من تردي الخدمات، بل الجهات التي تتحكم في تجارة البشر، والتي تحتاج بين فترة وأخرى إلى إعادة هيكلة السوق وفقًا للمتغيرات السياسية والموسمية.

فالمهربون ومن يديرون تدفقات الهجرة غير النظامية يعملون وفق ديناميكيات اقتصادية دقيقة، حيث يتم ضبط «حجم التدفق» حسب الظروف:
عند الحاجة إلى تخفيف الضغط الأوروبي، يتم تشديد القبضة على المهاجرين.
وحين يكون المطلوب تحفيز موجات جديدة من العبور، يتم خلق بيئة طاردة لهم داخل ليبيا.

وهنا، من المفارقات أن الجهات التي تتبنى خطاب التحريض على المهاجرين هي نفسها التي تستفيد من وجودهم، إما عبر شبكات التهريب أو من خلال استغلالهم في سوق العمل غير النظامي.

الحل الحقيقي: تنظيم الملف بعيدًا عن التلاعب السياسي

بدلًا من الدخول في دوامة التحريض أو التهوين من المشكلة، فإن التعامل مع الهجرة غير النظامية في ليبيا يجب أن يقوم على أسس عملية تشمل:
إنشاء منظومة تسجيل شفافة للمهاجرين، تسمح بمتابعة تحركاتهم دون تحويلهم إلى «كبش فداء» للصراعات السياسية.
تفكيك شبكات التهريب بدلًا من استغلالها، وهو ما يتطلب إرادة سياسية حقيقية لا مجرّد استعراضات أمنية.
التعامل مع الهجرة كملف إداري اقتصادي، وليس كأداة لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية.

في النهاية، المشكلة ليست في وجود المهاجرين، بل في غياب استراتيجية واضحة لإدارة تدفقاتهم، وفي استغلالهم كورقة سياسية متى دعت الحاجة. وعليه، فإن أي نقاش حول الهجرة لا ينطلق من فهم هذه الأبعاد سيبقى مجرد إعادة إنتاج للخطاب الشعبوي الذي يخدم مصالح الفاعلين الحقيقيين في هذا الملف.

________________

مقالات مشابهة