تحوّل المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا إلى ساحة للتنافس على الذهب وطرق الإمداد العسكري خلال الحرب السودانية، بعدما منحت السيطرة على مواقعه الصحراوية عند جبل العوينات، مليشيات الدعم السريع منفذًا استراتيجيًا نحو جنوب شرق ليبيا، حيث تنتشر شبكات تجارة وتهريب ترتبط بتشكيلات مسلحة موالية للقائد العسكري الليبي الانقلابي خليفة حفتر، وتتصل بأسواق إقليمية ودولية لتصريف الذهب.

واكتسبت المنطقة أهمية عسكرية واقتصادية متزايدة منذ يونيو/حزيران 2025، عندما انسحب الجيش السوداني من مواقعه فيها وسيطرت عليها مليشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وسط اتهامات سودانية لقوات حفتر بالمشاركة في الهجوم، عززتها لاحقًا نتائج تحقيق أممي وثّق دور تشكيلات ليبية في تسهيل وصول المقاتلين والوقود والمعدات العسكرية.

وأدى انتقال السيطرة إلى تعطيل المناجم ونزوح آلاف العاملين، قبل استئناف استخراج الذهب تحت إشراف الدعم السريع وفق ترتيبات لتقاسم عائداته مع المعدّنين والتجار.

وفي موازاة ذلك، كشفت تحقيقات دولية وشهادات ميدانية عن شبكات لنقل الذهب السوداني عبر ليبيا ومصر باتجاه أسواق دبي وإسطنبول، فيما عززت القاهرة وجودها العسكري قرب الحدود السودانية، وحافظت على علاقاتها الوثيقة بحفتر ودعمها للجيش السوداني.

وزادت غارات 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، التي استهدفت منقبي الذهب في جبل العقيدات على الحدود السودانية المصرية وأوقعت عدة قتلى، من حدة التوتر المرتبط بالثروات الحدودية، وسط اتهامات للطيران المصري بتنفيذها.

وتضع هذه التطورات مناجم المثلث وطرق الوصول إليها في قلب شبكة مصالح تتداخل فيها القوى العسكرية والتجار والوسطاء، وتثير أسئلة بشأن الجهات التي تتحكم بإنتاج الذهب وعائداته، وطبيعة الدور المصري والليبي في إعادة تشكيل موازين النفوذ بالمنطقة.

مناجم المثلث الحدودي.. أين يوجد الذهب ومن يسيطر عليه؟

يقع المثلث عند جبل العوينات في الصحراء الكبرى، حيث تلتقي الحدود السودانية المصرية الليبية، ويمتد نشاطه الاقتصادي إلى مناطق صحراوية أوسع تضم مواقع تعدين وأسواقًا تقليدية.

بدأ التنقيب عن الذهب في المنطقة نحو عام 2012، بحسب دراسة أعدها أحمد سليمان، الباحث في الشؤون الأفريقية، وسليمان بلدو، مؤسس مرصد السودان للشفافية والسياسات، ونشرها معهد تشاتام هاوس البريطاني. وشكّل سوق المثلث مركزًا لتجميع الذهب وتبادل البضائع، وارتبط بشبكة إمداد مع سوق الخنّاق في الولاية الشمالية السودانية.

وفي تحقيق نشرته منصة أتر السودانية في 9 يوليو/تموز 2026، أوضح التاجر عبد الجبار حسن العبيد أن الشاحنات كانت تنقل المياه والمواد الغذائية ومستلزمات التعدين إلى المنطقة، ثم تعود ببضائع قادمة من ليبيا وأحجار الذهب لمعالجتها في طواحين الخنّاق، ضمن نشاط تجاري وفر مصادر رزق لسائقي الشاحنات والحمّالين وأصحاب المطاعم ومحال التموين والصاغة.

مناطق التعدين والأسواق والطرق التجارية التي ربطت المثلث بالولاية الشمالية السودانية وجنوب شرق ليبيا

وأدى انتقال السيطرة العسكرية على المثلث إلى اضطراب الإنتاج والتجارة، إذ أفاد المعدّن محمد عثمان في شهادة نشرها موقع “دارفور 24″، المتخصص في تغطية إقليم دارفور، يوم 21 أغسطس/آب 2025، بأن مليشيا الدعم السريع طلبت من العاملين مواصلة التنقيب بعد دخولها المنطقة، قبل أن تبدأ موجة نزوح نتيجة أعمال النهب التي اتهم عناصر منها بتنفيذها.

استمر الإنتاج نحو 33 يومًا، ثم توقف إثر ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مصادر المياه في جبل كسو وسوق كتمت، واتهم عثمان الجيش السوداني بتنفيذها، مشيرًا إلى مقتل ثمانية معدّنين وإصابة آخرين في إحدى الضربات.

وتفاقمت أوضاع المعدّنين خلال الأشهر التالية، ففي 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نقل “دارفور 24” عن ثلاثة عمّال وصلوا إلى وادي حلفا أن مليشيا الدعم السريع طردت العاملين من المناجم خلال أكتوبر/تشرين الأول واستولت على مواقع التعدين.

وروى المعدّن محمد عيسى شرف الدين أن قوة مسلحة طوقت مواقع العمل وأمهلت الموجودين أسبوعًا للمغادرة عبر الحدود المصرية، فيما تحدث آخرون عن نزوح مجموعات كبيرة بعد استهداف بئر “أم الخير”، أحد مصادر المياه الرئيسية للمناجم، والواقعة على مسافة 70 كيلومترًا من السوق.

لكن النشاط التعديني عاد تدريجيًا في أبريل/نيسان 2026، بعدما سمحت مليشيا الدعم السريع للتجار والمستثمرين باستئناف العمل.

وفي تحقيق نشره “دارفور 24″، كشف المعدّن وليد أبكر عن تشغيل المناجم وفق اتفاقات لتقاسم حصص الإنتاج بين المستثمرين والعاملين، مع إعادة تشغيل طواحين الحجر واستخدام الزئبق لاستخلاص الذهب.

وأوضح المعدّن إسحق إبراهيم أن شركة مرتبطة بالدعم السريع بدأت شراء “الكارتة”، وهي مخلفات الأحجار بعد استخراج الذهب منها، لإعادة معالجتها مقابل حصة من المعدن المستخلص، بينما تحدث تاجر محلي عن تفاهمات مع القوات المسيطرة لتأمين الأسواق والمناجم والحد من النهب والاختطاف. وعادت محال الصاغة والمواد الغذائية والمطاعم إلى العمل بصورة محدودة، بالتزامن مع استئناف وصول البضائع من الكفرة الليبية.

وحدد عنصر في الدعم السريع، عرّفه الموقع بالأحرف “م. ع”، هوية قائد القوات بالمنطقة، وهو عبد الله أبكر باشا، المعروف باسم “عبد الله قروش”، الذي قال إنه كان موجودًا في الإمارات وقت نشر التحقيق.

وتشير ترتيبات التشغيل إلى استفادة القوة المسيطرة من عائدات التعدين عبر حصص الإنتاج ومعالجة المخلفات، مع استمرار غياب تفاصيل نسب التقاسم وهوية الشركة التي تشتري “الكارتة”.

وتعرضت حركة التعدين لاضطراب جديد في مايو/أيار 2026، مع تصاعد الحشود العسكرية حول المثلث وفرض قيود على حركة المعدّنين بسبب التهديدات الأمنية ونشاط الطائرات المسيّرة. وأظهرت شهادات التجار التي نشرتها “أتر” في يوليو/تموز استمرار انقطاع الطريق التجاري القديم مع الخنّاق، رغم إعادة تشغيل بعض المناجم، بعدما تحولت أجزاء واسعة من التجارة نحو المسارات الليبية.

وتتوافق هذه التطورات مع تجربة الدعم السريع السابقة في إدارة مناجم الذهب، إذ أوضح سليمان وبلدو في دراسة تشاتام هاوس أن المليشيا استفادت قبل اندلاع الحرب من شركات تابعة لمجموعة “الجنيد” المملوكة لعائلة دقلو، ومن ترتيبات الحماية المفروضة على العاملين والتجار، فضلًا عن المشاركة المباشرة لبعض وحداتها في استخراج المعدن.

وبرز هذا النموذج في مناجم جبل عامر بشمال دارفور وسنقو بجنوب دارفور، قبل ظهور ترتيبات مشابهة لتقاسم الإنتاج ومعالجة مخلفات التعدين في المثلث.

من المناجم إلى الأسواق.. من يدير شبكات تهريب الذهب؟

تبدأ رحلة الذهب المستخرج من المثلث بتجميعه لدى التجار في أسواق المناجم، قبل نقله عبر الطرق الصحراوية إلى ليبيا ومصر.

وفي شهادات نشرها “دارفور 24” يوم 21 أغسطس/آب 2025، أكد معدّنون أن معظم الإنتاج كان يُهرّب إلى البلدين بسبب ارتفاع العائدات مقارنة ببيعه في أسواق السودان الداخلية، وأن اضطراب الأمن بعد سيطرة الدعم السريع أدى إلى انخفاض الأسعار التي يحصل عليها العاملون، مع تراجع حركة المشترين والمركبات.

وتبرز مدينة الكفرة في جنوب شرق ليبيا إحدى محطات هذه التجارة، حيث تتجمع شبكات نقل البضائع والوقود والمهاجرين والذهب القادم من السودان وتشاد.

وتتبعت منصة “أتر” السودانية في مارس/آذار 2025، طرق التجارة والتهريب بين السودان وليبيا، موضحة أن القوافل كانت تنطلق من نيالا والفاشر عبر كبكابية وكتم والعوينات وصولًا إلى الكفرة، قبل أن تؤدي الحرب إلى تحول جزء من الحركة نحو مليط ومسارات تخضع لنقاط تفتيش تديرها القوات المسيطرة.

وأشارت إلى أن الذهب الخام المستخرج من مناجم دارفور وكردفان يُنقل عبر شبكات تهريب إلى الأسواق الليبية، بالتوازي مع تدفق الوقود وقطع الغيار والبضائع في الاتجاه المعاكس، وسط تزايد نفوذ الجماعات المسلحة على حركة التجارة الحدودية.

وفي 3 يناير/كانون الثاني 2026، نقل “دارفور 24” عن أربعة مصادر في شمال دارفور استئناف الحركة التجارية بين بلدة المالحة السودانية والكفرة عبر طريق يمر بواحة ربيانة والمثلث الحدودي، بعدما سيطرت الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وأفاد التجار بأن عشرات الأشخاص كانوا يتحركون أسبوعيًا لجلب الوقود والمواد الغذائية باستخدام مركبات صغيرة، مع استمرار صعوبة عبور الشاحنات الثقيلة، ما أسهم في خفض أسعار بعض السلع داخل مناطق شمال دارفور.

وفي الجانب الليبي، تؤدي كتيبة “سبل السلام” بقيادة عبد الرحمن هاشم الكيلاني دورًا رئيسيًا في تأمين الطرق القادمة من الكفرة، وترتبط الكتيبة بقوات حفتر وقبيلة الزوية ذات النفوذ في المدينة.

ووفق دراسة نشرها معهد تشاتام هاوس في فبراير/شباط 2025 عن اقتصاد تهريب المهاجرين في ليبيا، تدير الكتيبة نقاط تفتيش تُفرض عبرها رسوم على حركة البضائع والعبور، ضمن ترتيب محلي أُنشئ عام 2017 لتوزيع الإيرادات عبر “صندوق إعمار الكفرة”، تحصل بموجبه “سبل السلام” على نصف العائدات مقابل الخدمات الأمنية والجباية، فيما يخصص النصف الآخر للمجلس المحلي.

وتتصل هذه الطرق بشبكة ليبية أوسع تستقبل الذهب من مناجم كوري بوغودي وتيبستي وإزري قرب الحدود الليبية التشادية، إلى جانب المثلث السوداني المصري الليبي.

ووفق دراسة سليمان وبلدو، تحولت ليبيا إلى محطة لتجميع الذهب ونقله نحو الأسواق الخارجية، بمشاركة قادة من التشكيلات التابعة لحفتر، مع استخدام رحلات جوية إلى إسطنبول ودبي ومسارات تمر عبر مطاري مصراتة ومعيتيقة.

وكان جهاز الأمن الداخلي الليبي قد أعلن إحباط تهريب 100.8 كيلوغرام من الذهب و1.5 مليون يورو داخل أربع حقائب في مطار مصراتة يوم 21 سبتمبر/أيلول 2024، على متن رحلة متجهة إلى تركيا، في واقعة تكشف طبيعة إحدى قنوات التهريب الجوي عبر ليبيا.

…

يتبع

________________

مقالات مشابهة