محمد القرج
عندما يضعف الدينار الليبي في السوق الموازية، غالبًا ما يُعزى ذلك في النقاش العام إلى المضاربة، أو نقص السيولة الموسمي، أو الضجيج السياسي. قد تؤثر هذه العوامل في المزاج قصير الأجل للسوق، إلا أن المحرك الأعمق أكثر استدامة وأسهل قياسًا.
في هذا السياق، فإن عدم استقرار الدينار ذو طابع هيكلي. وفي صلب المشكلة تكمن فجوة في النقد الأجنبي، أي اختلال مستمر بين إيرادات البلاد من الخارج وطلبها على العملات الأجنبية.
الأرقام وراء الضغط
وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي، بلغ إجمالي استخدام النقد الأجنبي في عام 2025 نحو 31.1 مليار دولار، في حين بلغت الإيرادات النفطية، بحسب المؤسسة الوطنية للنفط، حوالي 22.1 مليار دولار. وقد أدى ذلك إلى عجز سنوي يقارب: 9 مليارات دولار.
وعلى أساس شهري، يتضح الاختلال بشكل أكبر:
-
متوسط الطلب على النقد الأجنبي: حوالي 2.6 مليار دولار
-
متوسط تدفقات النفط: حوالي 1.8 مليار دولار
-
الفجوة الشهرية: نحو 700–800 مليون دولار
هذه الفجوة قائمة على حسابات بسيطة، وعجز بهذا الحجم يترجم تدريجيًا إلى ضغط على سعر الصرف في ظل أي نظام تقريبًا.
أين تذهب الدولارات؟
تُظهر تفصيلات مصرف ليبيا المركزي لتخصيصات النقد الأجنبي تركّزًا كبيرًا:
-
الاعتمادات المستندية تمثل نحو 50% من إجمالي الاستخدام
-
التحويلات الشخصية تمثل حوالي 25%
وبالتالي، فإن ما يقرب من ثلاثة أرباع الطلب على العملة الأجنبية يتركز في قناتين فقط. وهذا التركّز مهم؛ فالإجراءات التي لا تؤثر بشكل ملموس على هذين القطاعين قد تهدئ التقلبات اليومية، لكنها لا تغيّر المسار العام بشكل يُذكر.
التخصيصات الأخيرة، بما في ذلك نحو 600 مليون دولار لتسوية التحويلات الشخصية، تمثل حوالي ربع الطلب الشهري المعتاد. مثل هذه الخطوات يمكن أن تدعم الثقة وتخفف الضغط مؤقتًا، خاصة في فترات ضيق السوق.
الاحتياطيات: المخزون ليس التدفق
يفيد مصرف ليبيا المركزي بأن صافي الأصول الأجنبية يتجاوز 100 مليار دولار، بينما تُقدَّر الأصول الخارجية الإجمالية لمؤسسات الدولة بأكثر من 150 مليار دولار. تلعب الاحتياطيات دورًا مهمًا كوسادة أمان، لكن استقرار سعر الصرف يتحدد في النهاية من خلال التدفقات المستمرة الداخلة والخارجة.
بين الربع الثالث من 2024 والربع الثالث من 2025، تشير بيانات الميزانية إلى تحسن صافي الأصول الأجنبية بنحو 8–9 مليارات دولار، إلا أن إعادة تقييم الذهب شكلت حوالي 5.3 مليار دولار من هذه الزيادة، ما يعني أن التحسن في الأصول غير الذهبية كان أقل بكثير.
قد تعزز آثار التقييم الميزانية والمؤشرات العامة، لكن القدرة على تسوية التجارة تعتمد على تدفقات نقدية سائلة ومتكررة. في اقتصاد مقيد بالتدفقات، تمنح المكاسب المحاسبية طمأنينة، بينما توفر التدفقات المستدامة الركيزة الحقيقية. وتدرك الأسواق هذا الفرق، ولهذا يستمر الفارق في السوق الموازية رغم ارتفاع أرقام الاحتياطيات المعلنة.
توسع السيولة وضغط سعر الصرف
تُظهر الإحصاءات النقدية أن عرض النقود (M2) نما بأكثر من 20% على أساس سنوي خلال الفترة نفسها. عندما تنمو السيولة المحلية بمعدلات مزدوجة الرقم بينما تظل تدفقات النقد الأجنبي محدودة، يتزايد الضغط على سعر الصرف، ويصبح هو نقطة التعديل. كما يتماشى هذا مع سلوك الأفراد والشركات في سعيهم لحماية قدرتهم الشرائية.
اتساع الفجوة بين السعر الرسمي (6.30 دينار/دولار) والسعر الموازي (حوالي 10 دينار/دولار) — أي أكثر من 50% — يعكس:
-
ضغوطًا مالية على السياسة النقدية،
-
فائضًا في السيولة المحلية،
-
اختلالًا مستمرًا في النقد الأجنبي،
-
ضعف التنسيق بين السياسات المالية والنقدية.
وبالتالي، فإن عدم استقرار سعر الصرف هو انعكاس لقيود الحوكمة، وليس مجرد حالة مزاجية للسوق.
القيد المؤسسي
يعمل مصرف ليبيا المركزي في بيئة سياسية منقسمة، ويواجه مطالب مالية متنافسة. إذ يتجاوز الإنفاق العام الإجمالي 130 مليار دينار سنويًا، بينما تظل الإيرادات غير النفطية ضعيفة هيكليًا.
في مثل هذه الظروف، تصبح السياسة النقدية تفاعلية بدلًا من أن تكون استراتيجية.
يمكن للمصرف المركزي تخفيف التقلبات، لكنه لا يستطيع إزالة الاختلال الهيكلي دون إصلاح مالي وتوافق مؤسسي.
توقعات 2026: ثلاثة سيناريوهات
1. تعديل مُنضبط: إذا انخفض استخدام النقد الأجنبي بنسبة 15–20% عبر إدارة أكثر انضباطًا للواردات، وإصلاح دعم الوقود، وتشديد السيطرة على السيولة، فقد تتقلص الفجوة السنوية بمقدار 4–6 مليارات دولار، ما قد يؤدي إلى تراجع تدريجي في الفارق الموازي.
2. استمرار الوضع القائم: إذا بقي الاستخدام عند 28–30 مليار دولار، بينما تراوحت الإيرادات النفطية بين 16–20 مليار دولار حسب الأسعار والإنتاج، فستظل الفجوة قائمة، مع استمرار التقلبات ومخاطر انخفاض العملة.
3. صدمة خارجية: انخفاض مستمر في أسعار النفط إلى أقل من 60 دولارًا للبرميل سيؤدي إلى توسيع الفجوة بشكل كبير، ما يدفع إلى إعادة تسعير سريعة في السوق الموازية.
الاستقرار يتطلب تنسيقًا لا تدخلًا مؤقتًا
تمتلك ليبيا موارد مهمة، لكن العامل الحاسم هو مدى تنسيق السياسات المالية والنقدية مع القدرة على تحقيق إيرادات خارجية. وطالما ظل الطلب السنوي على الدولار يفوق العرض بمليارات الدولارات، سيبقى سعر الصرف انعكاسًا لهذا الاختلال.
يمكن لاستخدام الاحتياطيات أو مكاسب التقييم أو التدخلات المؤقتة أن يشتري الوقت ويخفف الضغط، لكن التصحيح الحقيقي يأتي من تقليص فجوة النقد الأجنبي بشكل ملموس. وسيظهر استقرار سعر الصرف في ليبيا عندما تضيق هذه الفجوة بشكل حقيقي. وحتى ذلك الحين، سيظل الدينار خاضعًا لمنطق الحسابات لا للخطاب.
__________
