أمِنة بكر
![]()
يدفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب شركات النفط الأميركية إلى استغلال نفط فنزويلا، غير أن ليبيا، رغم أزمتها السياسية المتواصلة، تبرز بوصفها الوجهة الأكثر جاذبية، في إشارة واضحة إلى حجم التحديات التي تواجه المساعي الأميركية لإحياء إنتاج الخام الفنزويلي.
فإمدادات النفط لا يمكن تشغيلها بمجرد إدارة صنبور؛ إذ إن بناء القدرات يستغرق سنوات، وفي كثير من الحالات يتطلب عشرات المليارات من الدولارات.
وهذه الحقيقة تتناقض مع ادعاءات ترمب بأن التدخل الأميركي قادر على إطلاق العنان سريعًا للاحتياطيات الهائلة لفنزويلا—وهي ادعاءات تتجاهل اقتصاديات الإنتاج على أرض الواقع.
فالاحتياطيات المسجّلة على الورق أقل أهمية بكثير من الجدوى الاقتصادية اللازمة لتحويلها إلى إنتاج فعلي. وهذا الفارق يفسّر لماذا تتقدّم ليبيا باستمرار على فنزويلا عندما تقيّم الشركات استثمارات المنبع طويلة الأجل.
وفي سوقٍ تتوافر فيه الإمدادات، غالبًا ما يُستخف بالاستثمار في طاقات جديدة. لكن شركات النفط لا تتخذ قراراتها وفق أفقٍ قصير؛ فالطلب طويل الأجل لا يزال قائمًا، كما أن معدلات التناقص الطبيعي في الحقول القائمة تعني أن القدرة الإنتاجية يجب أن تُعوَّض باستمرار لمجرد الحفاظ على المستوى الحالي.
سافرتُ إلى طرابلس نهاية الأسبوع الماضي لحضور لقاء ضم شركات نفط دولية ومستثمرين يسعون إلى تقييم ما إذا كانت البلاد أخيرًا على وشك تجاوز منعطفها الصعب.
تمتلك ليبيا قاعدة موارد جذابة وقربًا جغرافيًا من الأسواق الأوروبية، إلا أن قطاع المنبع ظلّ طويلًا مقيّدًا بالتجزئة السياسية والفساد وتعدّد طبقات البيروقراطية.
وفي أحاديثي مع تنفيذيين كبار، طرحتُ سؤالًا بسيطًا: لو كان عليكم الاختيار، فنزويلا أم ليبيا؟
كانت الإجابة دائمًا: ليبيا. وكان المنطق واحدًا كذلك. فالخام الفنزويلي شديد اللزوجة قد تتراوح كلفة إنتاجه بين 60 و80 دولارًا للبرميل، في حين تكون كلفة الإنتاج في ليبيا عادة أقل من 10 دولارات للبرميل.
كما أن البنية التحتية في فنزويلا متدهورة بشدة، وأي إحياء ذي معنى سيحتاج على الأرجح إلى أكثر من 100 مليار دولار من الاستثمارات على مدى عقد. ويزيد عدم اليقين الجيوسياسي، لا سيما مع بقاء ثلاث سنوات أخرى من إدارة ترمب، من إضعاف جدوى الاستثمار هناك.
وبالطبع، فإن الاستثمار في ليبيا ليس سهلًا. فالبلاد لا تزال منقسمة سياسيًا وجغرافيًا واقتصاديًا. إذ تحكم حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة من طرابلس في الغرب، بينما تسيطر إدارة منافسة متحالفة مع الجيش الوطني الليبي وخليفة حفتر على الشرق ومعظم الجنوب. كما تتعرض صادرات النفط لاضطرابات متكررة.
ومع ذلك، يتزايد الزخم. فطرابلس تهدف إلى رفع إنتاج النفط بمقدار 200 ألف برميل يوميًا ليصل إلى 1.6 مليون برميل يوميًا بنهاية هذا العام، مع طموح لبلوغ مليوني برميل يوميًا بحلول 2030.
وقد أعلنت شركتا توتال إنرجيز الفرنسية وكونوكو فيليبس الأميركية خططًا لاستثمار 20 مليار دولار في البلاد.
وسيساعد الاتفاق على زيادة إنتاج المؤسسة الوطنية للنفط، لكنه بعيد عن أن يكون مضمون النجاح؛ إذ تشترط الشركات الدولية أن تغطي الحكومة 60% من النفقات الرأسمالية، وأفاد مصدر في القطاع بأنه إذا فشلت طرابلس في توفير التمويل، فسيتوقف المشروع.
ومن المقرر أن تعلن ليبيا عن مستثمرين إضافيين عند الكشف عن نتائج أول جولة عطاءات للتنقيب النفطي منذ أكثر من 17 عامًا في 11 فبراير/شباط.
وكان مسعد بولس، كبير مستشاري ترمب للشؤون العربية والإفريقية، في طرابلس ونقل رؤية الرئيس التي ترى في الشراكة الليبية–الأميركية قيمة استراتيجية.
اليوم، تقع آخر حدود الاستثمار النفطي في بيئات صعبة. لا يستطيع المستثمرون المطالبة بحوكمة مثالية، بل عليهم البحث عن فرص تكون فيها المخاطر واضحة، والتكاليف قابلة للإدارة، والجداول الزمنية واقعية.
وفي الوقت الراهن، تنطبق هذه المعايير على ليبيا أكثر من فنزويلا.
***
أمِنة بكر ـ رئيسة أبحاث طاقة الشرق الأوسط و«أوبك+» في شركة كِبلر، وهي شركة عالمية مستقلة لاستخبارات تجارة السلع.
___________