![]()
بعد أكثر من عقد من التقلبات، يدخل قطاع الطاقة الليبي مرحلة جديدة. يستقر إنتاج النفط، ويعود الشركاء الدوليون، وتُشير سلسلة من المشاريع الاستراتيجية إلى تجدد الثقة في قدرة البلاد على التصدير إلى الأسواق العالمية.
لكن طموحات ليبيا تتجاوز مجرد التعافي. فبفضل احتياطياتها الهائلة غير المستغلة من الغاز، وموقعها الاستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط، وشراكاتها المتنامية مع إيطاليا وتركيا، تُرسّخ ليبيا مكانتها كمركز إقليمي للطاقة وجسر يربط الموارد الأفريقية بالطلب الأوروبي.
ويتمثل جوهر هذا الطموح في مشروع تطوير الغاز “ستركشنز إيه آند إي“، وهو مشروع مشترك رائد بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني، مُصمم لتوصيل ما يصل إلى 750 مليون قدم مكعب قياسي يوميًا من الغاز إلى أسواق البحر الأبيض المتوسط.
ويتماشى هذا المشروع بشكل وثيق مع استراتيجية أوروبا لتنويع مصادرها بعيدًا عن روسيا، ويؤكد مجددًا دور ليبيا كممر جنوبي حيوي لتدفقات الغاز.
يدعم هذا الأمر خط أنابيب “جرين ستريم“، وهو وصلة بحرية بطول 520 كيلومترًا تربط بين مليتة ومحطة جيلا الإيطالية، والتي تربط ليبيا بالفعل بالأسواق الأوروبية. ومع استمرار أعمال إعادة التأهيل ورفع الطاقة الاستيعابية، يُعد هذا الخط العمود الفقري لطموحات ليبيا في أن تصبح مركزًا إقليميًا.
كما يمنحها الموقع الجغرافي لليبيا ميزة تنافسية مع اشتداد المنافسة بين موردي البحر الأبيض المتوسط. وقد برزت إيطاليا، وهي بالفعل مستورد رئيسي للغاز الليبي، كحليف رئيسي، حيث تنظر روما إلى طرابلس على أنها محورية لطموحها الأوسع في أن تصبح مركزًا للغاز في جنوب أوروبا.
وتساعد الاستثمارات والبنية التحتية والدعم السياسي الإيطالي في إعادة ترسيخ ليبيا في تجارة الطاقة الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، يؤكد تزايد مشاركة تركيا في البنية التحتية الليبية ومصادر الطاقة المتجددة – بما في ذلك خطط ربط الشبكة – على اندماج طرابلس المتزايد في شبكات الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط.
تشمل المعالم المبكرة نحو هدف ليبيا المتمثل في الحصول على 20٪ من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2035 محطة الكفرة للطاقة الشمسية، التي اكتملت في ثمانية أشهر فقط، ومشروع سدادة بقدرة 500 ميجاوات بقيادة شركة توتال إنرجيز، والذي يجري تنفيذه حاليًا.
تهدف جهود تحديث الشبكة وتكاملها، بدعم من تركيا وشركاء آخرين، إلى استقرار العرض المحلي وإعداد النظام للصادرات عبر الحدود في المستقبل. كما تستكشف ليبيا أيضًا روابط الشبكة الإقليمية مع الجزائر وتونس وربما تركيا لموازنة تدفقات الطاقة ودعم تجارة الطاقة الأوسع.
ومع ذلك، يجب على ليبيا التنقل عبر خريطة إقليمية متزايدة التعقيد. لا تزال الجزائر ومصر منافسين هائلين للأسواق الأوروبية، ولا تزال النزاعات البحرية مع اليونان تشكل مخاطر جيوسياسية.
ومع ذلك، فإن قرب ليبيا وقاعدة مواردها وشراكاتها المتجددة يمكن أن تسمح لها بالظهور كلاعب رئيسي في موازنة تدفقات الطاقة في البحر الأبيض المتوسط.
سيتطلب تحقيق طموحات المحور تعزيز الأسس المحلية، من إعادة تأهيل خطوط الأنابيب ومحطات التصدير إلى استقرار شبكة الكهرباء.
تُتيح الإمكانات الشمسية الهائلة لليبيا فرصةً طويلة الأمد لتنويع مصادر الطاقة، وتصدير الطاقة المتجددة عبر البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا السياق، ستُسهم القمة الليبية للطاقة والاقتصاد – التي تُعقد دورتها القادمة في الفترة من 24 إلى 26 يناير 2026 في طرابلس – في إبراز التقدم المُحرز، وجذب الاستثمارات، وصياغة رؤية ليبيا الجديدة، ليس فقط كمُنتج، بل كمركز استراتيجي للطاقة يُشكل مستقبل التجارة في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
كما ستُتيح القمة الليبية للطاقة والاقتصاد 2026 منصةً لقادة الحكومات، والمؤسسة الوطنية للنفط، والشركاء الدوليين لتسليط الضوء على المشاريع الجارية، ومناقشة التعاون الإقليمي، وتأمين شراكات جديدة تُعزز طموحات ليبيا في مجال الطاقة.
______________